١٥ - الحلف على عدم الأكل وقصد طعام خاص: لو حلف لا يأكل أو لا يشرب، أو لا يلبس، ونوى طعاماً خاصاً وشراباً خاصاً، وثوباً: فإنه لا يصدق؛ لأنه نوى خلاف مقتضى كلامه وهو لا عموم له، فلا يحتمل الخصوص، والنية إنما تعمل في الملفوظ لتعيين بعض محتملاته. أما لو قال: لا آكل طعاماً، أو لا ألبس ثوباً، ونوى طعاماً بعينه وثوباً بعينه: يصدق ديانة لا قضاء، لأنه نوى تخصيص كلامه الظاهر منه العموم ولكنه يحتمل الخصوص (١).
وذكر المالكية (٢): أن من حلف ألا يأكل رغيفاً، فأكل بعضه، فإنه يحنث في المشهور، ولو حلف أن يأكله، لم يبر إلا بأكل جميعه. والقاعدة عندهم أن من حلف على فعل يحمل على أكثر ما يحتمله اللفظ على المشهور. ومن حلف على فعل شيء حنث بأكل ما يشتق منه، فمن حلف ألا يأكل قمحاً، حنث بأكل خبزه، ومن حلف ألا يأكل لبناً، حنث بأكل الجبن، ومن حلف ألا يأكل عنباً، حنث بأكل الزبيب.
الحلف على الشرب:
عرفنا معنى الشرب: وهو إيصال مالا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف، فلو حلف لا يشرب، فأكل: لا يحنث، كما لو حلف لا يأكل، فشرب: لا يحنث؛ لأن الأكل والشرب فعلان متغايران. وإذا حلف لا يشرب ولا نية له: فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث، لأنه منع نفسه عن الشرب عموماً، وسواء شرب قليلاً أو كثيراً، لأن بعض الشراب يسمى شراباً.
ولو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات: قال أبو حنيفة: لا يحنث ما لم يشرب منه كرعاً: وهو أن يضع فاه عليه، فيشرب منه، فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم يحنث.
стр. 2452
وقال الصاحبان: يحنث سواء شرب كرعاً أو بإناء أو اغترف بيده. دليلهما: أن مطلق اللفظ ينصرف إلى المتعارف عند أهل اللغة. والمتعارف عندهم: أن من رفع الماء من النهر بيده أو بإناء أنه يسمى شارباً من النهر، فيحمل مطلق الكلام على غلبة المتعارف، وإن كان مجازاً بعد أن كان متعارفاً، كما ذكرت قريباً، وهو مثل ما لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فإنه ينصرف إلى الثمرة. ودليل أبي حنيفة: أن مطلق الكلام محمول على الحقيقة، وحقيقة الشرب من النهر: هو أن يكرع منه كرعاً بأن يضع فاه عليه فيشرب منه.
الشرب من الجب أو البئر: إن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب (١) أو البئر فاغترف بإناء أو بيده من الأول واستقى من الثاني وشرب: يحنث بالاتفاق، لأنه لا يمكن الشرب منه كرعاً.
فلو حلف لا يشرب من هذا الجب: فهو على الاختلاف الذي ذكرته في الحلف من دجلة أو الفرات، فلا يحنث عند أبي حنيفة ما لم يكرع منه. وعند الصاحبين: يحنث مطلقاً (٢).
الحلف على الغداء والعشاء والسحور: الغداء والعشاء والسحور عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع عادة، ويعتبر غداء كل بلدة: ما تعارفه أهلها، فإن كان خبزاً فخبز، وإن كان لحماً فلحم، حتى إن الحضري إذا حلف على ترك الغداء، فشرب اللبن لم يحنث، والبدوي بخلافه، لأنه غداء في البادية أي أن المعتبر فيما يتغدى به عادة أهل بلد الحالف.
ولا بد من أن يأكل أكثر من نصف الشبع في غداء وعشاء وسحور.
стр. 2453
و الغداء في الماضي: هو الأكل من طلوع الفجر إلى الظهر.
و العشاء في الماضي: هو الأكل من صلاة الظهر إلى نصف الليل؛ لأن مابعد الزوال يسمى عشاء، وعليه تسمى الظهر إحدى صلاتي العشاء في الحديث، فإنه ورد أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي العشاء ركعتين: يريد به الراوي: الظهر أو العصر.
وفي عرفنا اليوم يعتبر الأكل من طلوع الفجر إلى ارتفاع الضحى الأكبر فطوراً، ومابعده يدخل وقت الغداء وينتهي إلى العصر، لأنه أول وقت العشاء في عرفنا، وحينئذ يدخل وقت العشاء: وهو مابعد صلاة العصر، وهذا العرف يعمل به.
و السحور: هو الأكل من بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، مأخوذ من السحر وهو الثلث الأخير من الليل، وقد أطلق على النصف الثاني من الليل لقربه من الثلث الأخير.
وأما التضحي: فهو الأكل في وقت الضحى. ووقت الضحى: هو من بعد طلوع الشمس من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار؛ لأن هذا وقت صلاة الضحى.
وأما التصبيح: فهو ما بين طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحوة الكبرى لأنه من الإصباح، وهذا يعرف بتسمية أهل اللغة.
ولو حلف ليأتينه غدوة: فهذا بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار (١).
وإن حلف ألا يأكل شيئاً فشربه أو لا يشربه فأكله، لا يحنث عند الجمهور، وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما - يحنث؛ لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء، فحملت اليمين عليه إلا أن ينوي.
стр. 2454
والثانية - لا يحنث؛ لأن الأفعال أنواع كالأعيان (١).
المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة:
من حلف ألا يلبس ثوباً وهو لابسه، نزعه في الحال، فإن لم يفعل حنث بالاتفاق (٢).
وإذا حلف إنسان (لا يلبس قميصاً أو سراويل أو رداء) فاتزر به: لا يحنث، وكذا إذا اعتم بشيء مما ذكر؛ لأن المطلق تعتبر فيه العادة، والاتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء، فلا يحنث.
ولو حلف (لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء) فعلى أي حال لبسه حنث بالاتفاق (٣).
حتى بالاتزار والتعمم؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود اسم العين، ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة.
ولو حلف (لا يلبس من غزل فلانة شيئا ً) فلبس ثوباً قد غزلته فلانة: يحنث في يمينه؛ لأن الغزل عينه لا يلبس، فيقع على ما يصنع منه، وهو الثوب. ولو نوى الغزل بعينه: لا يحنث إذا لبس الثوب، لأنه نوى حقيقة كلامه.
ولو حلف (لا يلبس ثوباً من غزل فلانة) يقع على الثوب، ولو نوى الغزل لايصدق.
ولو حلف (لا يلبس ثوباً من غزل فلانة) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها: لايحنث باتفاق الحنفية والشافعية؛ لأن الثوب اسم لشيء مقدر، فلا يقع على بعضه.
стр. 2455
وعند الحنابلة روايتان: إحداهما: يحنث كالصورة الآتية بعدها، والثانية: لايحنث.
ولو حلف (لا يلبس من غزل فلانة) فلبس ثوباً من غزلها وغزل غيرها: حنث بالاتفاق (١)، لأن البعض يسمى غزلاً.
أما لو حلف (لا يلبس من غزل فلانة) ولم يقل ثوباً: لم يحنث في التكة والزر والعروة والطوق؛ لأن هذا ليس بلبس في العادة، فلو لبس ثوباً تلابيبه (٢) من غزل فلانة: يحنث؛ لأن هذا القدر ملبوس من غزلها بلبس الثوب (٣).
ومن حلف (لا يلبس حليا ً) فلبس خاتم فضة لم يحنث؛ لأنه ليس بحلي عرفاً ولا شرعاً، حتى أبيح استعماله للرجال، وإن كان من ذهب حنث، لأنه حلي ولهذا لا يحل استعماله للرجال، ولو لبس عقد لؤلؤ يحنث عند الصاحبين، لأنه حلي حقيقة، والتحلي به معتاد، وهو الرأي المفتى به خلافاً لرأي أبي حنيفة القائل بأنه لا يحنث. وقال غير الحنفية: يحنث بلبس الفضة واللؤلؤ (٤).
ولو حلف (لا يكسو فلاناً شيئاً) ولا نية له، فكساه قلنسوة، أو خفين أو جوربين: حنث؛ لأن الكسوة اسم لما يكسى به، وذلك يوجد في القليل والكثير.
ولو حلف (لا يكسو فلاناً ثوباً) فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً لم يحنث، لأنه لم يكسه، وإنما وهبه دراهم، وشاوره فيما يفعل بها.
стр. 2456
ولو أرسل له ثوب كسوة: حنث؛ لأن حقوق العقد أو اليمين لا تتعلق بالرسول، وإنما تتعلق بالمرسل (١).
المطلب السادس - الحلف على الركوب:
إذا حلف (لا يركب دابة) فهو يقع على الدواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم، كالفرس والحمار والبغل، فلو ركب ظهر إنسان أو بعيراً أو بقرة أو فيلاً: لا يحنث استحساناً إلا بالنية. والقياس أن يحنث في ركوب كل حيوان، لأن الدابة لفظ عام يشمل كل ما يدب على الأرض. قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود:٦/ ١١] إلا أنهم استحسنوا وحملوا اليمين على ما يركبه الناس في حوائجهم غالباً: وهو الخيل والبغال والحمير تخصيصاً للعموم بالعرف والعادة.
قال صاحب الدر: وينبغي حنثه بالبعير في مصر والشام أي (إذا كان ممن يركب البعير كالمسافر وأهل البدو) وبالفيل في الهند للتعارف.
ولو حمل على الدابة مكرهاً فلا حنث.
ولو حلف (لا يركب فرسا ً) فركب برذوناً، أو حلف لا يركب برذوناً (٢) فركب فرساً: لم يحنث؛ لأن كل حيوان يختلف عن الآخر، فالفرس عربي، والبرذون أعجمي.
ولو حلف (لا يركب) وقال: نويت الخيل: لا يصدق قضاء ولا ديانة، لأن المركوب ليس بمذكور، فلا يحتمل اللفظ التخصيص.
стр. 2457
فإن حلف (لا يركب الخيل) فركب برذوناً أو فرساً: يحنث لأن الخيل اسم جنس، فيعم جميع أنواعه.
ولو حلف (لا يركب دابة) وهو راكبها فمكث على حاله ساعة: حنث؛ لأن الركوب له أمثال تتجدد مع الزمن، فله حكم الابتداء، مثل ما لو حلف لا يلبس وهو لا بس، أو لا يجلس وهو جالس (١).
المطلب السابع - الحلف على الجلوس:
إذا حلف (لا يجلس على الأرض) فجلس على شيء حائل بينه وبين الأرض كحصير أو بساط أو كرسي: لم يحنث، لأنه لا يسمى جالساً على الأرض؛ لأن الجالس على الأرض: من باشر الأرض، ولم يحل بينه وبينها شيء، بخلاف ما إذا حال بينه وبين الأرض ثيابه، فإنه لا يعتبر حائلاً لأن الثياب تبع له.
وإن حلف (لا يجلس على هذا الفراش) فجعل عليه فراشاً مثله، ثم جلس: لم يحنث؛ لأن الجلوس ينسب إلى الفراش الثاني دون الأول.
وخالف أبو يوسف في الفراش خاصة فقال: إذا حلف لا ينام على هذا الفراش، فجعل فوقه فراشاً آخر ونام عليه: حنث، لأنه يحصل به زيادة توطئة ولين، فيكونان مقصودين بالنوم عليهما.
واتفقوا على أنه لو حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه ملاءة أي شرشفاً: حنث لأنه تبع للفراش، فلا يمنع أن يقال: نام على الفراش.
стр. 2458
ولو حلف (لا يجلس على هذا السرير أو السطح) فجعل فوقه مصلى أو بساطاً، ثم جلس عليه: حنث؛ لأن السرير يجلس عليه هكذا غالباً، ويقال: نام على السطح، وإن كان نام على فراش.
فلو جعل فوق السرير سريراً أو بنى فوق السطح سطحاً: لم يحنث؛ لأن الجلوس ينسب إلى الثاني دون الأول.
ولو نوى الجلوس على ألواح هذا السرير مباشرة دون أن يكون فوقه شيء: يصدق ديانة فيما بينه وبين الله، لا قضاءً، لأنه خلاف المعتاد وإن كان حقيقة.
ولو قال: (والله لا أنام على ألواح هذا السرير) فجلس على بساط فوقه: لم يحنث، لأنه ما نام على ألواح.
ولو حلف (لا يجلس على الأرض) فجلس على السطح: يحنث لأنه يسمى أرض السطح (١).
المطلب الثامن - الحلف على السكنى:
إذا حلف (لا يسكن هذه الدار) فإن لم يكن ساكناً فيها فالسكنى: أن يسكنها بنفسه، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به، ويستعمله في منزله، فإذا فعل ذلك فهو ساكن، وحانث في يمينه؛ لأن السكنى هو الكون في المكان على طريق الاستقرار والمداومة، وهو يكون بما يسكن به عادة، ألا ترى أن من جلس في المسجد وبات فيه، لم يكن ساكناً في المسجد، ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى ساكن المسجد، فكان هذا معتبراً في اليمين.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): إن استدامة السكنى كابتدائها في وقوع اسم
стр. 2459
السكنى عليها، فإذا حلف ساكن الدار لايسكنها، فمتى أقام فيها بعد يمينه زمناً يمكنه فيه الخروج، حنث. وإن أقام لنقل متاعه لم يحنث؛ لأن الانتقال لايكون إلا بالأهل والمال، فيحتاج أن ينقل ذلك معه، حتى يكون منتقلاً. وإن أكره على المقام لم يحنث، لحديث العفو عن الاستكراه.
وإن كان الرجل ساكناً في الدار فحلف لا يسكنها: فإنه لا يبر في يمينه ما لم ينتقل بنفسه وأهله وولده ومتاعه وخادمه ومن يقوم بشأنه في منزله، لأن السكنى في الدار بهذه الأشياء، فكان ترك السكنى فيها بضدها، فإذا لم يأخذ في النقلة من ساعته مع الإمكان: يحنث في يمينه. وهنا ثلاثة افتراضات:
أحدها - إذا انتقل بأهله ومتاعه في الحال: لم يحنث عند أئمة الحنفية الثلاثة، ولا يؤثر وجود السكنى القليلة، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، فكان مستثنى دلالة. وقال زفر: يحنث لوجود شرط الحنث وهو السكنى.
الثاني - لو انتقل بنفسه، ولم ينتقل بأهله ومتاعه: يحنث عند أئمة الحنفية والحنابلة؛ لأن السكنى في المكان - كما تقدم - هي الكون في الشيء على وجه الاستقرار، ولا يكون هذا إلا بما يسكن به عادة، فإذا حلف لا يسكنها وهو فيها، فالبر في إزالة ما كان به ساكناً، فإذا لم يفعل حنث، ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه، وأهله ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار. هذا بخلاف ما إذا حلف لا يسكن في بلد فخرج منه وترك أهله فيه: لم يحنث؛ لأن العادة لا يقال لمن بدمشق وأهله بحلب: إنه ساكن بحلب.
وقال الإمام الشافعي (١): لا يحنث، ويكفي أن يخرج ببدنه بنية التحول، لأن اليمين على سكناه، وقد ترك السكنى، فلم يحنث بترك أهله ومتاعه، كما لو
стр. 2460
حلف لا يسكن في بلد، فخرج بنفسه وترك أهله فيه. وقال الشافعي محتجاً على الحنفية: إذا خرجت من مكة، وخلَّفت دفيترات بها أفأكون ساكناً بمكة؟!. ومن حلف لا يسكن داراً معينة أو لا يقيم فيها، فليخرج في الحال، فإن مكث بلا عذر حنث، حتى ولو أخرج متاعه؛ لأن المحلوف عليه سكناه، وهو موجود، إذ السكنى تطلق على الدوام كالابتداء، أما إن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب، فلم يحنث بمكثه لذلك؛ لأنه لا يعدّ ساكناً، وإن طال مقامه بسبب ذلك. وكذلك الدوام على التزوج أو التطهر أو اللبس أو الركوب أو القيام أو القعود، له حكم ابتداء هذه الأفعال عندهم.
وهذا بعكس الوطء والصوم والصلاة وبقاء الطيب، الدوام فيها ليس كالابتداء باتفاق الفقهاء (١).
الثالث - إذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئاً يسيراً فإن أبا حنيفة قال: يحنث لأن السكنى قد ثبتت بكل ذلك فيبقى مابقي شيء منه.
وقال أبو يوسف: يعتبرنقل الأكثر، لأن نقل الكل قد يتعذر في بعض الأوقات.
وقال محمد: يعتبر ماتقوم به السكنى، قالوا: وهذا القول أحسن وأرفق بالناس. ولاشك أن من خرج على نية ترك المكان وعدم الرجوع إليه، ونقل من أمتعته مايقوم به أمر سكناه. وهو على نية نقل الباقي يقال عنه: ليس ساكناً فيه، بل انتقل منه، وسكن في مكان آخر، وبهذا يترجح قول محمد.
فإن منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه، وأوثقوه وقهروه: لايحنث وإن أقامـ على وضعه أياماً، لأنه ليس بساكن، إنما هو أسكن فيها عن إكراه، فلايحنث.
стр. 2461
وقال محمد: إذا خرج الحالف من ساعته، وخلف متاعه كله في المسكن، ومكث في طلب المنزل أياماً ثلاثة، فلم يجد مايستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه خارج الدار: لايحنث؛ لأن هذا من عمل النقلة عادة، لأن المعتاد أن ينتقل من منزل إلى منزل لا أن يلقي متاعه على الطريق.
وقال محمد أيضاً: وإن كان الساكن موسراً وله متاع كثير، وهو يقدر على أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم، فلم يفعل، وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول، ومكث في النقلة سنة وهو لايترك الاشتغال بالنقل: فإنه لايحنث، لأنه لا يلزمه الانتقال بأسرع الوجوه.
وإن حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها، فتحول ببدنه فقط، وقال: ذلك عنيت بيميني: يصدق ديانة فيما بينه وبين الله تعالى ولايصدق قضاء، لأنه نوى خلاف الظاهر والعادة.
وإن كان حلف وهو غير ساكن فيها وقال: نويت الانتقال ببدني فقط يصدق ديانة وقضاء، لأنه نوى مايحتمله كلامه، ولأنه شدد على نفسه (١).
هل الدوام على السكنى له حكم الابتداء؟ قال الحنفية: دوام السكنى واللبس والركوب له حكم الابتداء، حتى لو حلف لايلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لايركب هذه الدابة وهو راكبها، أو لايسكن هذه الدار وهو ساكنها، واستمر على ماكان عليه: حنث؛ لأن هذه الأفعال تتجدد بحدوث أمثالها. وذلك بعكس الدخول والخروج والتزوج والتطهر: لايعتبر الدوام عليها بمثابة إنشائها.
стр. 2462
والضابط الفارق بينهما: أن مايمتد فلدوامه حكم الابتداء كالقعود والقيام والنظر ونحوه، ومالا يمتد لا دوام له كالخروج والدخول. وهذا هو مذهب الشافعية أيضاً (١).
ويترتب على هذا أن الحالف على السكنى واللبس والركوب ونحوها إذا انتقل للحال أو نزع الثوب حالاً، أو نزل عن الدابة حالاً: لايحنث. وقال زفر: يحنث لوجود اللبس والركوب والسكنى بعد اليمين، وإن قل الانتظار، وهو كاف للحنث (٢).
المطلب التاسع ــ الحلف على الضرب والقتل:
إذا حلف إنسان بطلاق زوجته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولانية له، فإن ضربها ضرباً شديداً بر في يمينه، لأنه يراد بمثل هذا القول في العادة شدة الضرب دون الإماتة.
وقال الشافعية: البر بما يسمى ضرباً، فلا يكفي وضع اليد عليها ورفعها، ولايشترط فيه إيلام لصدق الاسم بدونه إلا أن يقول: ضرباً شديداً.
ولو حلف «ليضربن غلامه عشرة أسواط» فجمع عشرة أسواط، وضربه مرة واحدة، وأصاب كل سوط جلده: بر في يمينه ولايحنث عند الحنفية والشافعية، لأنه ضربه عشرة أسواط. فأما إذا لم يصب كل سوط جلده: فإنه يحنث، لأنه لايسمى ضارباً عشرة أسواط.
وقال المالكية والحنابلة (٣): من حلف أن يضرب غيره مئة سوط فجمعها
стр. 2463
ضغثاً فيه عشرة أعواد، ثم ضربه بها ضربة واحدة لم يبر بيمينه؛ لأن معنى يمينه أن يضربه عشر ضربات، ولم يضربه إلا ضربة واحدة، فلم يبر، كما لو حلف ليضربنه عشر مرات بسوط.
ولو قال: (والله لا أقتل فلاناً بدمشق) أو قال: (والله لا أتزوج فلانة بدمشق) فضرب فلاناً بحلب فمات بدمشق، أو زوجه الولي امرأة بحلب، فبلغها الخبر بدمشق، فأجازت العقد حنث في اليمينين جميعاً.
وكذلك لو حلف على الزمان، فقال: (لا أفعل ذلك يوم الجمعة) فمات المحلوف عليه يوم الجمعة، أو أجازت المرأة النكاح يوم الجمعة: حنث الحالف.
وهكذا يعتبر في القتل مكان زهوق الروح وزمانه، كما يعتبر في النكاح مكان الإجازة وزمانها. ويجري هذا في البيع والشراء: يعتبر مكان الإجازة ويوم الإجازة.
وقال محمد: يعتبر في العقد مكان الفاعل وزمانه، وفي القتل كما قال أبو يوسف: يعتبر مكان زهوق الروح بالنسبة للمقتول وزمانه (١).
ومن حلف (لا يضرب امرأته) ففعل بها أي فعل يوجعها كالعض وعصر الحلق وشد الشعر ولو ممازحاً: يحنث؛ لأن الضرب اسم لفعل مؤلم، وقد تحقق الإيلام. وقيل: لا يحنث في حال الملاعبة، لأنه يسمى في العرف ممازحة لا ضرباً.
وإذا قال شخص: (إن لم أقتل فلاناً فامرأتي طالق) وفلان ميت: فإن كان الحالف عالماً بموته حين حلف حنث للحال؛ لأن يمينه تنعقد لتصور البر فيه، لأن
стр. 2464
الله تعالى قادر على إعادة الحياة فيه إذ الروح لا تموت، فيمكن قتله، ثم إنه يحنث في الحال للعجز عن البر في يمينه عادة مثل الحلف على صعود السماء.
وإن لم يعلم بموته لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه عقد يمينه على حياة كانت فيه، ولا يتصور إزالتها، وقال أبو يوسف: يحنث لأن تصور البر ليس بشرط عنده لانعقاد اليمين. وهذا الخلاف جرى كما ذكر سابقاً في مسألة الكوز إذا كان يعلم ألا ماء فيه، فحلف وقال: (إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأتي طالق) (١).
أما إن حلف أن يضرب فلاناً في غد، فمات الحالف في يومه، فلا حنث عليه عند الحنابلة والشافعية، وإن مات المحلوف عليه في الغد، حنث؛ لأنه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان، وهو من أهل الحنث (٢). وينطبق هذا الحكم على من قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز غداً، فاندفق اليوم، أو لآكلن هذا الخبز غداً، فتلف اليوم، يحنث.
المطلب العاشر - الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف:
الحلف على ما في ملك فلان: إذا حلف إنسان على ما في ملك فلان: يحنث إذا كان الشيء مملوكاً له وقت فعل المحلوف عليه، سواء أكان ما في ملك فلان مملوكاً له وقت الحلف، أم لم يكن مملوكاً له حينذاك، كأن حلف (لا يأكل طعام فلان أو لا يشرب شراب فلان أو لا يدخل دار فلان، أو لا يركب دابة فلان، أو لا يلبس ثوب فلان) ولم يكن شيء منها في ملكه، ثم استحدث الملك فيها،
стр. 2465
فإن زال الملك عن فلان، فحدث الفعل المحلوف عليه: لا يحنث بالاتفاق. وأما في حال وجود الملك فيحنث وهو الحكم المقرر في ظاهر الرواية عند الحنفية؛ لأن هذه اليمين عقدت على المنع من الفعل في ملك فلان، فيعتبر الملك القائم يوم الفعل. وهناك رواية أخرى في النوادر عن محمد، ورواية أخرى أيضاً عن أبي يوسف.
لكن إذا حلف (لا يكلم زوج فلانة أو امرأة فلان أو صديق فلان، أو ابن فلان، أو أخ فلان) فإنه يقع على ما كان متحققاً وقت الحلف، ولا يشمل ما يحدث من زوجية وصداقة وولد في المستقبل، فإن زال عقد النكاح ورابطة الصداقة، فكلم المحلوف عليه حنث بالاتفاق.
وإذا حلف على ما في ملك فلان مع التعيين بالإشارة، كأن قال: (لا أدخل دار فلان هذا، أو لا أركب دابة فلان هذا، أو لا ألبس ثوب فلان هذا) فباع فلان داره أو دابته، أو ثوبه ثم دخل أو ركب أو لبس بعد زوال الملك عن فلان: لم يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن يعني ذات الشيء خاصة. وقال محمد: يحنث وإن زال ملك فلان إلا أن يعني ما دامت ملكاً لفلان، فأبو حنيفة وأبو يوسف اعتبرا الإشارة وإضافة الملك لفلان معاً وقت حدوث الفعل للحكم بالحنث فما لم يوجدا لا يحنث. ومحمد يعتبر الإشارة فقط.
واتفقوا على أنه لو حلف (لا أكلم هذا الشخص) أو (لا أدخل هذه الدار) أو (لا أركب هذه الدابة) حنث بالمخالفة، لأنه تعتبر العين المشار إليها (١).
стр. 2466
بحثان ملحقان بهذا المطلب:
البحث الأول - الحلف على فعل صادر من غير الحالف:
إذا حلف إنسان (لا يلبس مما يشتريه فلان) فاشتراه فلان مع غيره: لم يحنث، لأنه لبس ثوباً اشترى فلان بعضه لا كله.
ولو حلف (لا يأكل مما يشتريه فلان) فاشتراه فلان مع غيره فأكل منه حنث؛ لأنه قد أكل ما اشتراه فلان، لأن بعض الطعام طعام حقيقة، ويسمى أيضاً طعاماً عرفاً. وهذا بخلاف ما إذا حلف (لا يدخل دار فلان) فدخل داراً بينه وبين آخر، فإنه لا يحنث، لأن بعض الدار لا يسمى داراً. وكذلك لو حلف (لا يلبس ثوباً لفلان أو يشتريه فلان، أو نسجه فلان) فلبس ثوباً اشتراه فلان مع آخر، أو نسجه مع غيره، لأن بعض الثوب لا يسمى ثوباً.
أما لو حلف (لا يلبس من نسج فلان) فنسجه فلان مع غيره، فإنه يحنث؛ لأنه يقال عنه: من نسج فلان.
ولو حلف (لا يأكل من طبيخ فلان، أو من خبز فلان) فأكل مما طبخ فلان مع غيره أو من خبز مشترك بينه وبين غيره، حنث؛ لأن كل جزء من الطبيخ طبيخ، وكل جزء من الخبز يسمى خبزاً.
أما لو حلف (لا يأكل من قِدْر طبخها فلان) فأكل مما طبخ فلان مع غيره فلا يحنث؛ لأن كل جزء من القِدْر ليس بقدر.
وكذا لو حلف (لا يأكل لفلان رغيفاً) فأكل رغيفاً مشتركاً: لا يحنث، لأن بعضه لا يسمى رغيفاً. والمقصود من الخباز: هو الذي يضرب الخبز في التنور أو
стр. 2467
الفرن، دون من عجنه وبسطه. وأما الطابخ: فهو الذي يوقد النار، دون الذي ينصب القدر، ويصب الماء واللحم فيه؛ لأن ذلك من مقدمات الطبخ؛ لأن الطبخ ما ينضج به اللحم، وهو يحصل بإيقاد النار.
ولو حلف (لا يأكل من كسب فلان) فالكسب: ما صار ملكاً للإنسان بفعله أو بقوله، مثل الاستيلاء على المباحات، والاصطياد، والبيع، والإجارة وقبول الهبة والصدقة والوصية ونحوها مما يحتاج إلى قبول لترتب الأثر الشرعي عليه.
أما الميراث: فليس بكسب للوارث؛ لأنه يثبت له الملك فيه من غير إرادة منه.
ولو مات المحلوف عليه، وقد كسب شيئاً فورثه رجل، فأكل الحالف منه: حنث؛ لأنه أكل من أكساب المحلوف عليه، وهو ليس كسباً للوارث، فيظل منسوباً للمورث.
أما لو باع المحلوف عليه كسبه إلى رجل، فأكل منه الحالف فلا يحنث؛ لأن ملكيته انتقلت إلى المشتري، فلم يبق منسوباً إلى المالك الأصلي (١).
البحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف:
لو حلف إنسان على فعل، فقال: (والله لا أفعل كذا) ثم أمر غيره بأن يفعله، ففعل، ينظر في طبيعة المحلوف عليه:
стр. 2468
١ - إن كان فعلاً له حقوق (١) ترجع إلى الفاعل كالبيع والشراء والإجارة، والقسمة: لا يحنث؛ لأن حقوق هذه العقود تختص بالعاقد المباشر لها دون الآمر وحينئذ لا ينسب الفعل إلى الآمر، وإنما ينسب إلى الفاعل باعتبار أنه العاقد في الحقيقة. وأما ما يرجع للآمر فهو حكم العقد أي (الغرض والغاية من إنشائه) ففي البيع: الحكم هو انتقال ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع.
ففي هذه الزمرة من العقود لا يحنث الحالف على فعلها كما بينت إلا إذا كان الحالف ممن لا يتولى القيام بهذه العقود بنفسه، كالقاضي والسلطان ونحوهما، فيحنث بمجرد أمر غيره بهذه الأفعال؛ لأن المعتاد أن تتم هذه العقود بواسطة غيره.
وكذلك لو كان الوكيل هو الحالف فإنه يحنث؛ لأن حقوق العقد راجعة إليه، وأنه هو العاقد حقيقة، لا الآمر.
٢ - وإن كان المحلوف عليه فعلاً ترجع حقوقه إلى الآمر، أو كان مما ليس له حقوق، كالنكاح والطلاق والهبة والصدقة والكسوة وقضاء الحقوق واقتضائها والادعاء أمام القضاء والشركة: بأن حلف لا يشارك رجلاً، فأمر غيره بأن يعقد عقد الشركة معه، وكالضرب والذبح والقتل والبناء والخياطة والنفقة ونحوها، فإذا فعل الحالف هذه الأفعال بنفسه، أو أمر غيره ففعل، حنث؛ لأن مالا حقوق له أو ترجع حقوقه إلى الآمر، لا إلى الفاعل ينسب إلى الآمر، لا إلى الفاعل.
وأما عقد الصلح: ففيه روايتان عن أبي يوسف: في رواية إذا حلف لا يصالح، فوكل بالصلح لم يحنث؛ لأن الصلح عقد معاوضة كالبيع. وفي رواية: أنه يحنث؛ لأن الصلح إسقاط حق كالإبراء.
стр. 2469
فإن قال الحالف في زمرة الأفعال التي ترجع الحقوق فيها إلى الآمر كالنكاح والطلاق: (نويت أن أباشر ذلك بنفسي) يصدق ديانة فيما بينه وبين الله تعالى، لا قضاء، لأنه نوى ما يحتمله كلامه إلا أنه خلاف الظاهر.
ولو قال الحالف فيما لا حقوق له كالضرب والذبح: (عنيت أن أباشر ذلك بنفسي) يصدق ديانة وقضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه؛ لأن الضرب والذبح من الأفعال الحقيقية لا الحكمية أو الاعتبارية، فكانت العبرة فيه لمباشرة الفعل (١).
المطلب الحادي عشر - الحلف على تصرفات شرعية:
الكلام في المطالب السابقة كان محصوراً في الحلف على الأمور العادية التي يمارسها الإنسان عادة بحكم تقلب شؤونه في هذه الحياة. وهذا المطلب مخصص للبحث عن أحوال اليمين التي يحلفها الحالف على الأمور الشرعية، باعتبار أن الشارع له حكم فيها من ناحية الصحة والفساد، مثل البيع والشراء والهبة والعارية والصدقة والقرض والتزويج والصلاة والصوم ونحوها.
الحلف على عدم شراء الذهب والفضة: إذا حلف شخص (لايشتري ذهباً ولا فضة) فاشترى عملة نقدية فضية كالدراهم في الماضي، أو ذهبية كالدنانير، أو آنية أو سبيكة أو حلياً مصوغاً أو غيرها مما هو ذهب أو فضة: فإنه يحنث عند أبي يوسف. وقال محمد: لا يحنث في الدراهم والدنانير.
وسبب الخلاف هو أن أبا يوسف يعتبر الحقيقة اللغوية في هذه الأمور. ومحمد: يعتبر العرف السائد عند الناس.
стр. 2470
عدم شراء الصوف: لو حلف لا يشتري صوفاً، فاشترى شاة على ظهرها صوف: لم يحنث. والقاعدة في مثل هذا: أن من حلف لا يشتري شيئاً، فاشترى غيره، ودخل المحلوف عليه في البيع تبعاً: لم يحنث، وإن دخل مقصوداً يحنث. والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصوداً؛ لأن التسمية لم تتناول الصوف، وإنما دخل في العقد تبعاً للشاة (١).
عدم الهبة والصدقة ونحوهما لو حلف لا يهب لفلان شيئاً، أو لا يتصدق عليه، أو لا يعيره، أو لا ينحل له أو لا يعطيه، ثم وهب له أو تصدق عليه، أو أعاره أو نحله أو أعطاه فلم يقبل المحلوف عليه: يحنث عند جمهور الحنفية. وعند زفر: لا يحنث.
وأما القرض: فقد روي عن محمد أنه لا يحنث ما لم يقبل، وعن أبي يوسف روايتان: في رواية مثل قول محمد، وفي رواية: يحنث من غير قبول، وهو الأرجح؛ لأن القرض لا تتوقف صحته على تسمية عوض، فهو كالهبة. ووجه قول محمد: أن القرض يشبه البيع، لأنه تمليك بعوض.
عدم البيع والإجارة ونحوهما: إن حلف الشخص على عقد فيه عوض كالبيع والإجارة والصرف والسلم ونحوها، ففعل الحالف، ولم يقبل الآخر: لا يحنث.
والفرق بين عقود التبرعات كالهبة ونحوها، وعقود المعاوضات كالبيع ونحوه: هو أن التبرعات تفيد التمليك من جانب واحد وهو المتبرع، وأما القبول فهو شرط لثبوت الحكم في حق الجانب الآخر، أي أنه شرط فقط لترتب الأثر
стр. 2471
الشرعي على العقد: وهو انتقال الملكية بالنسبة إليه، فإذا وجد مايطلق عليه اسم العقد لغة واصطلاحاً عند الفقهاء، يحنث.
وأما المعاوضات: فلا تفيد التمليك إلا بإرادة المتعاقدين لغة وشرعاً فلا يتحقق وجود اسم العقد إلا بوجود الإيجاب من أحد المتعاقدين، والقبول من المتعاقد الآخر، وحينئذ يحنث.
فإذا كان البيع صحيحاً وتم قبول المشتري: يحنث الحالف، وكذلك يحنث إن كان البيع فاسداً إن تحقق قبول المشتري وقبض المبيع فعلاً؛ لأن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد: وهو مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه.
ولو باع بيعاً فيه خيار للبائع أو للمشتري: حنث عند محمد، ولم يحنث عند أبي يوسف. وجه قول محمد: أن البيع كما يطلق على البيع البات، أي الذي لاخيار فيه، يطلق أيضاً على البيع الذي فيه خيار، فإن كل واحد منهما يسمى بيعاً في عرف الناس، إلا أن انتقال الملكية في بيع الخيار يتوقف على أمر آخر هو إجازة البيع أو سقوط الخيار فأشبه البيع الفاسد.
ووجه قول أبي يوسف: أن وجود شرط الخيار يمنع نقل الملكية، فأشبه حالة وجود الإيجاب فقط من أحد المتعاقدين دون القبول (١).
الحلف على عدم الزواج: لو حلف (لا يتزوج هذه المرأة) فيقع على الزواج الصحيح دون الفاسد، فلو تزوج المرأة بنكاح فاسد: لا يحنث؛ لأن المقصود من النكاح هو حل المرأة، ولا يثبت الحل بالفاسد، بخلاف البيع، فإن المقصود منه الملك، ويثبت الملك بالفاسد.
стр. 2472
وقال الشافعية (١): حلف لا يبيع أو لا يشتري، فعقد لنفسه أو غيره، حنث، ولا يحنث بعقد وكيله له. ولو حلف لا يُزوج أو لا يطلق أو لايضرب، فوكل من فعله لا يحنث، إلا أن يريد ألا يفعل هو ولا غيره. وإن حلف لا ينكح، حنث بعقد وكيله له، لا بقبوله هو لغيره. ورأى الحنابلة والمالكية (٢) أن من حلف لا يفعل شيئاً كالشراء والضرب، فوكل في فعله حنث، إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.
الحلف على عدم الصلاة والصوم: وكذلك لو حلف لا يصلي و لا يصوم، فيقع على الصحيح دون الفاسد، حتى لو صلى بغير طهارة أو صام بغير نية: لا يحنث؛ لأن المقصود منه التقرب إلى الله ، ولا يحصل التقرب بالفاسد من الصلوات أو الصيام.
أما إذا حلف في الماضي بأن قال: (والله ما تزوجت) أو (ما صليت) أو (ماصمت) فإنه يقع على الصحيح والفاسد؛ لأن القصد من كلامه هو الإخبار عن الصلاة وغيرها، واسم الصلاة أو النكاح أو الصوم يطلق على الصحيح والفاسد، فإن قصد الصحيح صدق قضاء.
ولو حلف (لا يصلي) فكبر، ودخل في الصلاة: لم يحنث حتى يركع ويسجد سجدة استحساناً؛ لأن الصلاة أفعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع والسجود، والمتركب من أجزاء مختلفة: لا يوجد ما لم يكتمل كله، فما لم توجد هذه الأفعال كلها لا يوجد فعل الصلاة، وبالتالي لا يسمى مصلياً. وهذا بخلاف الصوم: ففي صوم ساعة يحصل فعل الصوم.
وبخلاف ما لو حلف (لا يصلي صلاة) لا يحنث، ما لم يصل ركعتين، لأن أدنى الصلاة ركعتان.
стр. 2473
ولو حلف (لا يصلي الظهر): لا يحنث ما لم يتشهد التشهد الأخير: لأن صلاة الظهر مقدرة بأربع ركعات، فما لم توجد الأربع، لا توجد الظهر.
ولو حلف (لا يصوم) فأصبح صائماً لمدة ساعة ثم أفطر: يحنث لأنه يسمى صائماً بصوم ساعة واحدة، إذ الصوم هو الإمساك عن المفطرات على قصد التقرب، وبه وجد شرط الحنث.
ولو حلف (لا يصوم يوما ً): لا يحنث حتى يصوم يوماً كاملاً، لأنه جعل شرط الحنث صوماً مقدراً باليوم.
ولو حلف (لا يصوم صوما ً): لم يحنث ما لم يصم اليوم؛ لأن أقل الصوم الشرعي يوم كامل.
ولو حلف (ليفطرن عند فلان) فأفطر بالماء في منزله، ثم تعشى عند فلان: حنث؛ لأن شرط بره هو الإفطار عند فلان، والإفطار اسم لما يضاد الصوم أي نقيض الصوم، وقد حصل المعنى بالإفطار في منزله بالماء. أما إن نوى بالإفطار تناول العشاء عند فلان: لا يحنث لأنه نوى به أمراً متعارفاً، يقال: (فلان يفطر عند فلان) إذا كان يتعشى عنده، حتى ولو كان أصل الإفطار يقع في منزله.
الحلف على (عدم الحج): لو حلف (لا يحج) أو (لا يحج حجة): لا يحنث حتى يطوف طواف الزيارة؛ لأن الحج عبادة مركبة من أجناس أفعال من الوقوف بعرفة، والطواف والسعي وغيرها، فيكون اسم الحج واقعاً على كل الأفعال حقيقة، لا على البعض، وللأكثر حكم الكل، فإذا طاف أكثر الطواف: حنث.
ولو حلف (لا يعتمر) فأحرم، وطاف أربعة أشواط: حنث؛ لأنه وجد
стр. 2474
الأكثر، وللأكثر حكم الكل كما تقدم، فإن جامع الرجل امرأته في الحج: لايحنث؛ لأن الحج قربة إلى الله تعالى، فتنعقد اليمين على الحج الذي هو قربة أي عبادة: وهو الحج الصحيح لا الفاسد؛ لأن الفاسد ليس بقربة (١).
стр. 2475
الفَصْلُ الثَّاني: النّذور خطة الموضوع:
أذكر في هذا البحث ثلاثة أمور: تعريف النذر وشروط النذر، وحكم النذر.
تعريف النذر وركنه: النذر لغة: الوعد بخير أو شر، وشرعاً: الوعد بخير خاصة.
وقال بعضهم: هو التزام قربة لم تتعين (١). وركنه عند الحنفية: هو الصيغة الدالة عليه مثل قول الشخص: (لله علي كذا) و (علي كذا) أو (علي نذر) أو (هذا هدي) أو (صدقة) أو (مالي صدقة) أو (ما أملك صدقة) ونحوها (٢).
وللنذر عند الجمهور غير الحنفية أركان ثلاثة: الناذر، والمنذور، وصيغة النذر. فأما الناذر: فهو كل مكلف مسلم، فلا نذر للصبي والمجنون والكافر.
وأما المنذور فنوعان: مبهم ومعين، فالمبهم: ما لا يبين نوعه كقوله: لله علي نذر، وحكمه أن فيه في رأي المالكية كفارة يمين. والمعين: أربعة أنواع:
стр. 2476
الأول - قربة، فيجب الوفاء بها.
الثاني - معصية، فيحرم الوفاء بها. الثالث - مكروه، فيكره الوفاء به.
الرابع - مباح، فيباح الوفاء به وتركه، وليس على من تركه شيء.
وأما الصيغة، فنوعان أيضاً: مطلق ومقيد.
فأما المطلق فما كان شكراً لله على نعمة أو لغير سبب، مثل لله علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا، وهو مستحب عند المالكية، ويجب الوفاء به.
وأما المقيد: فهو المعلق بشرط، كقوله: إن قدم فلان أو شفى الله مريضي فعلي كذا. وحكمه: أنه يلزم الوفاء به بتحقق الشرط.
وهو مباح عند المالكية وقيل: مكروه.
شروط النذر: هناك شروط في الناذر وشروط في المنذور به، أما شروط الناذر فهي ما يأتي (١):
أولاً - الأهلية من العقل والبلوغ: فلا ينعقد نذر المجنون والصبي غير المميز والصبي المميز؛ لأن هؤلاء غير مكلفين بشيء من الأحكام الشرعية، فليسوا أهلاً للالتزام.
ثانياً - الإسلام: فلا يصح نذر الكافر، حتى لو نذر، ثم أسلم، لا يلزمه الوفاء بنذره لعدم أهليته للقربة أو التزامها.
стр. 2477
وأما الحرية فليست بشرط لصحة النذر، فيصح نذر المملوك. وكذلك الاختيار أو الطواعية ليس بشرط عند الحنفية، وهو شرط عند الشافعية فلا يصح نذر المكره عندهم لخبر: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (١).
وأما شروط المنذور به فهي مايلي (٢):
أولاً - أن يكون المنذور به متصور الوجود في نفسه شرعاً: فلا يصح النذر بما لايتصور وجوده شرعاً كمن قال: (لله علي أن أصوم ليلاً) أو قالت المرأة: (لله علي أن أصوم أيام حيضي) لأن الليل ليس محل الصوم، والحيض مناف له شرعاً؛ إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود الصوم الشرعي.
ثانياً - أن يكون المنذور به قربة: كصلاة وصيام وحج وصدقة، فلا يصح النذر بما ليس بقربة كالنذر بالمعاصي بأن يقول: (لله علي أن أشرب الخمر) أو (أقتل فلاناً) أو (أضربه) أو (أشتمه) وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم (٣) لقوله ﷺ : «لانذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم» (٤) وقوله ﵇: «لا نذر إلا مايُبتغى به وجه الله تعالى» (٥) وقوله أيضاً:
«من نذر أن يطيع
стр. 2478
الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (١) ولأن حكم النذر: وجوب المنذور به، ووجوب فعل المعصية محال، وعليه فإنه يحرم الوفاء بالمعصية، ولايجب عند الجمهور على الناذر شيء. وقال أبو حنيفة: عليه كفارة يمين، كما سيأتي.
وكذلك لايلزم النذر بالمباحات من الأكل والشرب واللبس والركوب وطلاق المرأة؛ لأن هذه الأمور ليست قربة لله، فلا تلزم بالنذر.
ثالثاً - أن يكون قربة مقصودة: فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء وتكفين الميت والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والأذان وبناء الرباطات (٢) والمساجد ونحوها؛ لأن هذه الأمور، وإن كانت قُرَباً لله إلا أنها ليست قرباً مقصودة لذاتها عادة. ومن المعلوم أن النذر قربة مقصودة لذاتها كاليمين، فلا يصح نذر ماليس عبادة أو طاعة مقصودة لنفسها (٣)، وإنما يصح نذر الصلاة والصوم والحج والعمرة والاعتكاف ونحوها؛ لأنها عبادات مقصودة، ومن جنسها واجب شرعاً، وقد قال النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه».
وقال الشافعية: الصحيح انعقاد النذر بكل قربة لاتجب ابتداء كعيادة مريض وتشييع جنازة والسلام على الغير أو على نفسه إذا دخل بيتاً خالياً، وتشميت العاطس، وزيارة القادم؛ لأن الشارع رغب فيها، والعبد يتقرب بها، فهي كالعبادات. وأما القرب التي يجب جنسها بالشرع كالصلاة والصوم والحج: فإنها
стр. 2479
تلزم بالنذر قطعاً بدون خلاف، وكون الاعتكاف يلزم بالنذر وهو أنه يوجد من جنسه في الشرع ماهو واجب وهو الوقوف بعرفة والقعدة الأخيرة في الصلاة، فهذان يعتبران مكثاً كالاعتكاف (١).
ولو قال شخص: (لله علي أن أصوم يوم النحر، أو أيام التشريق) يصح نذره عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه نذر بقربة مقصودة، فيصح النذر، كما لو نذر الصوم في غير هذه الأيام.
وقال جمهور العلماء وزفر من الحنفية: لايصح نذر يوم العيد أو أيام التشريق؛ لأنه نذر بما هو معصية؛ لأن الرسول ﵊ نهى عن الصوم في هذه الأيام، فقال: «ألا لاتصوموا، فإنها أيام أكل وشرب» (٢) والمنهي عنه يكون معصية، والنذر بالمعاصي لايصح بدليل قوله ﵇: «لانذر في معصية الله، ولا فيما لايملكه ابن آدم» (٣).
ولو قال: (لله علي أن أحج ماشيا ً) يلزمه الحج ماشياً باتفاق الفقهاء، لأنه التزم المشي، وفيه زيادة قربة، قال ﵇: «من حج ماشياً فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم»، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال النبي ﷺ : «واحدة بسبع مئة» (٤) فإن عجز عن المشي ركب، وعليه دم، أي شاة عند الحنفية والمالكية
стр. 2480
والشافعية، وفي رواية عن أحمد. وأضاف مالك ﵁ أن الناذر يرجع عند العجز، ثم يمشي مرة أخرى من حيث عجز، والدم عنده أي الهدي هو بدنة أو بقرة، أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة (١). ودليل هذه المسألة ماروي عن ابن عباس ﵄ عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فأتى النبي ﷺ ، فسأله: فقال: «إن الله لغني عن نذر أختك، لتركب،، ولتهد ِ بدنة» (٢) ولأن المشي صار بالنذر نسكاً واجباً، فوجب بتركه الدم كالإحرام من الميقات.
والأرجح عند الحنابلة أنه إذا عجز عن المشي ركب، وعليه كفارة يمين، لأن النبي ﷺ قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله: «لتمش ولتركب، ولتكفر عن يمينها» أخرجه أبو داود، وفي رواية الجوزجاني والترمذي وبقية أصحاب السنن: «فلتصم ثلاثة أيام» ولقوله ﵇: «كفارة النذر كفارة يمين» (٣) ولأن المشي مما يوجبه الإحرام فلم يجب الدم بتركه، وحديث الهدي ضعيف كما أشرنا في الحاشية.
стр. 2481
رابعاً - أن يكون المال المنذور به مملوكاً للناذر وقت النذر، أو يكون النذر مضافاً إلى المِلْك، أو إلى سبب الملك: فلو نذر في الحال صدقة مالا يملكه لايصح بالاتفاق لقوله ﵊: «لانذر فيما لايملكه ابن آدم». ولو أضاف النذر إلى الملك مثل: كل مال أملكه في المستقبل فهو صدقة، أو أضافه إلى سبب الملك مثل: كل ما أشتريه أو أرثه فهو صدقة: يصح النذر عند الحنفيةخلافاً للشافعي ﵀ لقوله : ﴿ومنهم من عاهد الله: لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ [التوبة:٧٥/ ٩] إلى قوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [التوبة:٧٧/ ٩] فهذه الآية الشريفة تدل على صحة النذر المضاف إلى الملك (١).
ودليل الشافعي على أنه لا يصح النذر بالتصدق بما لا يملكه الإنسان: هو حديث عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لايملكه ابن آدم» (٢).
خامساً - ألا يكون المنذور فرضاً أو واجباً: فلا يصح النذر بشيء من الفرائض، سواء أكان فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان، أم فرض كفاية كالجهاد وصلاة الجنازة، ولا بشيء من الواجبات سواء أكان عيناً كالوتر وصدقة الفطر والأضحية أم كفائياً كتجهيز الموتى وغسلهم ورد السلام، لأن إيجاب الواجب لا يتصور (٣).
стр. 2482
حكم النذر: هذا البحث يتطلب الكلام في أمور ثلاثة هي: أصل الحكم، وفيه تعرف أدلة مشروعية النذر، وقت ثبوت الحكم، وكيفية ثبوت الحكم.
١ - أصل حكم النذر: اختلف العلماء: هل النذر مكروه أو قربة؟ فقال الحنفية: النذر في الطاعات مباح، سواء أكان مطلقاً أم معلقاً على شرط. وقال جماعة: النذر تقرب. ورأى المالكية أن النذر المطلق مندوب، وهو ماليس بمعلق على شيء ولا مكرر بتكرر الأيام كنذر صوم كل يوم خميس، وهو ما أوجبه على نفسه شكراً لله تعالى على نعمة وقعت، كمن شفى الله مريضه أو رزق ولداً أو زوجة، فنذر. أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه، وأما المعلق مثل إن شفى الله مريضي فعلي صدقة، ففي كراهته وإباحته تردد، قال الباجي بالكراهة، وقال ابن رشد بالإباحة، وهذا هو الراجح، لكن النذور المعلقة لاتغير من قضاء الله شيئاً، وإنما هي وسيلة لاستخراج الصدقة من البخيل.
وقال الشافعية والحنابلة: إنه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلا يستحب بدليل ماروى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: «إنه لايرد شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل» وفي لفظ: «أنه لايأتي بخير وإنما (١) … إلخ» ولأن
стр. 2483
النذر لو كان مستحباً لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه، لكن مع هذا من نذر طاعة لله لزمه الوفاء بها بأدلة من القرآن والسنة والمعقول (١).
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا﴾ [الإنسان:٧/ ٧٦] ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ [النحل:٩١/ ١٦] والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله ، والعقود: العهود.
وأما السنة: - فقوله ﵇: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» وقوله ﵊ «من نذر وسمى (٢) فعليه الوفاء بما سمى» (٣) وكلمة «على» تفيد الإيجاب.
وأما المعقول: فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله بنوع من القرب المقصودة التي يجوز له تركها، طمعاً في نيل الدرجة العليا عند الله تعالى، وبما أن النذر يوجب فعل المنذور به، فيكون النذر طريقاً لإلزام النفس فعل الشيء ومنعها من الترك، فيتحقق المقصود للناذر.
وقد فصل الحنفية حكم ما يجب الوفاء به بالنظر لتسمية المنذور به وعدم تسميته فقالوا:
стр. 2484
أولاً - إن نذر الناذر وسمى المنذور به: مثل: (لله علي حج أو عمرة) أو قال: (إن شفى الله مريضي فعلي صدقة مئة ليرة) فيجب عليه الوفاء بما سمى، سواء - كما لاحظنا - أكان النذر مطلقاً أم معلقاً بشرط، ولا تجزئ عنه الكفارة.
وقال المالكية: النذر نوعان: مطلق ومقيد، فأما المطلق: فهو ما كان شكراً لله على نعمة، أو لغير سبب كقوله: (لله علي أن أصوم كذا أو أصلي كذا)، وهو مستحب ويجب الوفاء به، سواء ذكر لفظ النذر أو لم يذكره إلا إن قصد الإخبار فلا يجب عليه شيء.
وأما المقيد فهو المعلق بشرط كقوله: إن قدم فلان، أو شفى الله مريضي، أو إن قضى الله حاجتي فعلي كذا، وهو مباح، وقيل: مكروه ويلزم الوفاء به مطلقاً. ولا اعتبار باختلاف الوجوه التي يقع النذر عليها من لَجاج أو غضب أو غيرهما (١).
وقال الشافعية (٢): إذا كان النذر معلقاً بشرط يفرق بين ما يريد الناذر وقوعه، وبين ما لا يريد وقوعه أي يفرق بين نذر التبرر، ونذر اللَّجاج.
ونذر التبرر (٣): بأن يلتزم الإنسان قربة إن حدثت نعمة أو ذهبت نقمة، مثل: إن شفى الله مريضي فلله علي صوم أو نحوه، ففي هذا النوع يلزم الناذر بالوفاء بنذره إذا حصل الشرط المعلق عليه.
ونذر اللَّجاج (٤): ويسمى أيضاً يمين اللجاج، والغضب، ويمين الغَلَق: هو
стр. 2485
الذي خرج مخرج اليمين بأن يقصد الناذر حث نفسه على فعل شيء أو منعها غير قاصد للنذر ولا القربة، مثل: إن كلمت فلاناً فلله علي صوم أو نحوه، فالأظهر في هذا النوع أن الناذر بالخيار: إن شاء وفى بما التزم، وإن شاء كفر كفارة يمين، وهذا هو المقصود بحديث: (كفارة النذر كفارة يمين) (١) فبما أنه لا كفارة في نذر التبرر قطعاً، فتعين أن يكون المراد بالحديث نذر اللجاج.
وبه يتبين أن نذر اللجاج يكون حال الخصومة بدافع من الغضب، ونذر التبرر لا يكون بدافع الخصومة أو الغضب. والنذر المطلق: هو أن يلتزم الناذر قربة لله تعالى، دون تعليق على تحقق غرض معين أو بدافع من الخصومة أو الغضب، مثل: لله علي صيام يوم الخميس.
وقال الحنابلة (٢): حكم نذر اللجاج والغضب حكم اليمين ويخير كما قال الشافعية بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين، قال ﵇: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين» (٣). وقال الإمام مالك: النذر لازم على أية جهة وقع (٤).
ثانياً - وإن كان النذر لا تسمية فيه: أي إن المنذور به غير مسمى، فحكمه وجوب مانواه الناذر إن نوى شيئاً، سواء أكان النذر مطلقاً عن الشرط أم مقيداً
стр. 2486
بشرط، بأن قال: (لله علي نذر) أو قال: (إن فعلت كذا فلله علي نذر) فإن نوى صوماً أو صلاة أو حجاً أو عمرة لزمه الوفاء به للحال حالة كون النذر مطلقاً، وعند وجود الشرط إذا كان النذر معلقاً بشرط، ولا تجزئ كفارة اليمين.
وإن لم تكن هناك نية عند الناذر وهو النذر المبهم، فعليه كفارة اليمين. وهذه الكفارة تجب حالاً إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط، فإن كان معلقاً على شرط فتجب الكفارة عند تحقق الشرط. والدليل قوله ﵊: «النذر يمين، وكفارته كفارة يمين» (١).
ووجوب الكفارة مقرر عند الحنفية سواء أكان الشرط الذي علق به النذر مباحاً أم معصية، ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه (٢)، لقوله ﵊: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (٣).
وإذا كان النذر مبهماً ونوى الناذر فيه صياماً ولم ينو عدداً معيناً: فعليه صيام ثلاثة أيام.
وإن نوى في قوله (لله علي نذر) طعاماً ولم ينو عدداً: فعليه طعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة، أي حوالي نصف رطل شامي.
стр. 2487
ولو قال: (لله علي صدقة) فعليه نصف صاع.
ولو قال: (لله علي صوم) فعليه صوم يوم بالاتفاق.
ولو قال: (لله علي صلاة) فعليه ركعتان بالاتفاق.
والعلة في حكم هذه الصور: هو أن النذر لم يذكر فيه التقدير، فاعتبر أدنى ما ورد به الأمر في الشرع؛ لأن النذر يعتبر بحسب ما جاء به الأمر.
وقال المالكية (١): من نذر صوم أيام لزمه الأيام التي نواها، وإن لم يعين عدداً كفاه يوم واحد. ولو نذر صوم الدهر لزمه، ولا شيء عليه في أيام العيد والحيض ورمضان، وله الفطر في المرض والسفر، ولا قضاء عليه، إذ لا يمكنه.
وإن نذر صلاةً، لزمه ما نوى، وإلا كفته ركعتان. وإن نذر صدقة جميع ماله أو حلف بذلك، فحنث، كفاه الثلث. وإن عين مقداراً معيناً كالنصف أو الثلثين، لزمه ما نوى. وإن نذر المشي إلى مكة، فإن ذكر الحج أو العمرة، لزمه ذلك، وإن لم يذكر الحج أو العمرة ولا نواهما، وجب عليه الحج أو العمرة، كما بينت. ومن نذر أن يضحي ببدنة، لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها، أما مع العجز فيجزئه بقرة في رأي مالك.
وكذلك قال الشافعية (٢): من نذر المشي إلى بيت الله أو إتيانه، فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة. وإن نذر أن يحج أو يعتمر ماشياً، فالأظهر وجوب المشي، فإن قال: أحج ماشياً فمن حيث يحرم، وإن قال: أمشي إلى بيت الله تعالى، فمن دويرة أهله في الأصح. هذا إذا كان قادراً على المشي، لأنه التزم جعل
стр. 2488
الشيء وصفاً للعبادة، أما إذا لم يكن قادراً على المشي، فلا يلزمه المشي، ويجوز له الركوب، لعجزه عن المشي.
نذر المباح ونذر المعصية:
إذا نذر الإنسان فعل مباح، كما إذا قال: (لله علي أن أمشي إلى بيتي) أو (أركب فرسي) أو (ألبس ثوبي) أو نذر ترك مباح كأن لا يأكل الحلوى: لم يلزمه الفعل ولا الترك لخبر أبي داود: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» (١) ولخبر البخاري عن ابن عباس «بينما النبي ﷺ يخطب إذا رأى رجلاً قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يصوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، قال: مروه فليتكلم وليستظل، وليقعد، وليتم صومه» (٢) وعن أبي هريرة قال: «نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل نبي الله عن ذلك، فقال: إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب» (٣) وأجاب جمهور الفقهاء عن حديث المرأة التي قالت للنبي ﷺ حين قدم المدينة: «إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: أوفي بنذرك» (٤) بأنه صار ذلك من القرب لما حصل السرور للمسلمين بقدومه ﷺ وأغاظ الكفار، وأرغم المنافقين.
стр. 2489
ولكن ناذر المباح إن خالف مقتضى نذره فهل عليه كفارة؟ قال الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح: لا كفارة عليه لعدم انعقاد النذر. وقال الحنابلة: يتخير ناذر المباح بين فعله فيبر، لحديث المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف السابق ذكره، وبين تركه وعليه كفارة يمين؛ لأنه ينعقد عندهم نذر المباح بدليل حديث الضرب بالدف (١).
وأما إذا نذر الإنسان معصية مثل: (لله علي أن أشرب الخمر) و (أقتل فلاناً) أو (أضربه) أو (أشتمه) ونحوه: فلا يجوز الوفاء به إجماعاً؛ لقوله ﵊: «لا نذر في معصية الله» (٢). وهل تجب الكفارة به؟
قال الحنفية والحنابلة: يجب على ناذر المعصية كفارة يمين، لا فعل المعصية، بدليل حديث عمران بن الحصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» (٣).
стр. 2490
وقال المالكية والشافعية وجمهور العلماء: لايلزمه في ذلك شيء، فلا كفارة عليه، لحديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» وأما حديثُ عمران وأبي هريرة، فقال ابن عبد البر: ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة، وقالوا: لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وحديث عمران يدور على زهير بن محمد عن أبيه، وأبوه مجهول، لم يرو عنه غير ابنه، وزهير أيضاً عنده مناكير، وأما حديث عقبة بن عامر: (كفارة النذر كفارة يمين) فهو محمول على نذر اللجاج والغضب (١).
٢ - وقت ثبوت حكم النذر: أي الوقت الذي يجب فيه المنذور به، ووقت الوجوب يختلف بحسب ما إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط، أو معلقا على شرط أو مقيداً بمكان، أو مضافاً إلى وقت في المستقبل. ومن المعلوم أن المنذور به: إما أن يكون قربة بدنية كالصوم والصلاة، أو قربة مالية كالصدقة (٢).
ف إن كان النذرمطلقا ً: أي غير معلق بشرط ولا مقيد بمكان أو زمان مثل: لله علي صوم شهر أو حجة أو صدقة أو صلاة ركعتين ونحوه: فيجب عليه في الحال مطلقاً عن الشرط والزمان والمكان؛ لأن سبب الوجوب وجد مطلقاً فيثبت مطلقاً، لكن يندب التعجيل.
و إن كان النذر معلقاً بشرط: إن شفى الله مريضي أو إن قدم فلان الغائب،