← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

بشرط، بأن قال: (لله علي نذر) أو قال: (إن فعلت كذا فلله علي نذر) فإن نوى صوماً أو صلاة أو حجاً أو عمرة لزمه الوفاء به للحال حالة كون النذر مطلقاً، وعند وجود الشرط إذا كان النذر معلقاً بشرط، ولا تجزئ كفارة اليمين. وإن لم تكن هناك نية عند الناذر وهو النذر المبهم، فعليه كفارة اليمين. وهذه الكفارة تجب حالاً إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط، فإن كان معلقاً على شرط فتجب الكفارة عند تحقق الشرط. والدليل قوله ﵊: «النذر يمين، وكفارته كفارة يمين» (١). ووجوب الكفارة مقرر عند الحنفية سواء أكان الشرط الذي علق به النذر مباحاً أم معصية، ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه (٢)، لقوله ﵊: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (٣). وإذا كان النذر مبهماً ونوى الناذر فيه صياماً ولم ينو عدداً معيناً: فعليه صيام ثلاثة أيام. وإن نوى في قوله (لله علي نذر) طعاماً ولم ينو عدداً: فعليه طعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة، أي حوالي نصف رطل شامي.

стр. 2487

ولو قال: (لله علي صدقة) فعليه نصف صاع. ولو قال: (لله علي صوم) فعليه صوم يوم بالاتفاق. ولو قال: (لله علي صلاة) فعليه ركعتان بالاتفاق. والعلة في حكم هذه الصور: هو أن النذر لم يذكر فيه التقدير، فاعتبر أدنى ما ورد به الأمر في الشرع؛ لأن النذر يعتبر بحسب ما جاء به الأمر. وقال المالكية (١): من نذر صوم أيام لزمه الأيام التي نواها، وإن لم يعين عدداً كفاه يوم واحد. ولو نذر صوم الدهر لزمه، ولا شيء عليه في أيام العيد والحيض ورمضان، وله الفطر في المرض والسفر، ولا قضاء عليه، إذ لا يمكنه. وإن نذر صلاةً، لزمه ما نوى، وإلا كفته ركعتان. وإن نذر صدقة جميع ماله أو حلف بذلك، فحنث، كفاه الثلث. وإن عين مقداراً معيناً كالنصف أو الثلثين، لزمه ما نوى. وإن نذر المشي إلى مكة، فإن ذكر الحج أو العمرة، لزمه ذلك، وإن لم يذكر الحج أو العمرة ولا نواهما، وجب عليه الحج أو العمرة، كما بينت. ومن نذر أن يضحي ببدنة، لم تقم مقامها بقرة مع القدرة عليها، أما مع العجز فيجزئه بقرة في رأي مالك. وكذلك قال الشافعية (٢): من نذر المشي إلى بيت الله أو إتيانه، فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة. وإن نذر أن يحج أو يعتمر ماشياً، فالأظهر وجوب المشي، فإن قال: أحج ماشياً فمن حيث يحرم، وإن قال: أمشي إلى بيت الله تعالى، فمن دويرة أهله في الأصح. هذا إذا كان قادراً على المشي، لأنه التزم جعل

стр. 2488

الشيء وصفاً للعبادة، أما إذا لم يكن قادراً على المشي، فلا يلزمه المشي، ويجوز له الركوب، لعجزه عن المشي. نذر المباح ونذر المعصية: إذا نذر الإنسان فعل مباح، كما إذا قال: (لله علي أن أمشي إلى بيتي) أو (أركب فرسي) أو (ألبس ثوبي) أو نذر ترك مباح كأن لا يأكل الحلوى: لم يلزمه الفعل ولا الترك لخبر أبي داود: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى» (١) ولخبر البخاري عن ابن عباس «بينما النبي ﷺ يخطب إذا رأى رجلاً قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يصوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، قال: مروه فليتكلم وليستظل، وليقعد، وليتم صومه» (٢) وعن أبي هريرة قال: «نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فسئل نبي الله عن ذلك، فقال: إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب» (٣) وأجاب جمهور الفقهاء عن حديث المرأة التي قالت للنبي ﷺ حين قدم المدينة: «إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: أوفي بنذرك» (٤) بأنه صار ذلك من القرب لما حصل السرور للمسلمين بقدومه ﷺ وأغاظ الكفار، وأرغم المنافقين.

стр. 2489

ولكن ناذر المباح إن خالف مقتضى نذره فهل عليه كفارة؟ قال الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح: لا كفارة عليه لعدم انعقاد النذر. وقال الحنابلة: يتخير ناذر المباح بين فعله فيبر، لحديث المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف السابق ذكره، وبين تركه وعليه كفارة يمين؛ لأنه ينعقد عندهم نذر المباح بدليل حديث الضرب بالدف (١). وأما إذا نذر الإنسان معصية مثل: (لله علي أن أشرب الخمر) و (أقتل فلاناً) أو (أضربه) أو (أشتمه) ونحوه: فلا يجوز الوفاء به إجماعاً؛ لقوله ﵊: «لا نذر في معصية الله» (٢). وهل تجب الكفارة به؟ قال الحنفية والحنابلة: يجب على ناذر المعصية كفارة يمين، لا فعل المعصية، بدليل حديث عمران بن الحصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» (٣).

стр. 2490

وقال المالكية والشافعية وجمهور العلماء: لايلزمه في ذلك شيء، فلا كفارة عليه، لحديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» وأما حديثُ عمران وأبي هريرة، فقال ابن عبد البر: ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة، وقالوا: لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وحديث عمران يدور على زهير بن محمد عن أبيه، وأبوه مجهول، لم يرو عنه غير ابنه، وزهير أيضاً عنده مناكير، وأما حديث عقبة بن عامر: (كفارة النذر كفارة يمين) فهو محمول على نذر اللجاج والغضب (١). ٢ - وقت ثبوت حكم النذر: أي الوقت الذي يجب فيه المنذور به، ووقت الوجوب يختلف بحسب ما إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط، أو معلقا على شرط أو مقيداً بمكان، أو مضافاً إلى وقت في المستقبل. ومن المعلوم أن المنذور به: إما أن يكون قربة بدنية كالصوم والصلاة، أو قربة مالية كالصدقة (٢). ف إن كان النذرمطلقا ً: أي غير معلق بشرط ولا مقيد بمكان أو زمان مثل: لله علي صوم شهر أو حجة أو صدقة أو صلاة ركعتين ونحوه: فيجب عليه في الحال مطلقاً عن الشرط والزمان والمكان؛ لأن سبب الوجوب وجد مطلقاً فيثبت مطلقاً، لكن يندب التعجيل. و إن كان النذر معلقاً بشرط: إن شفى الله مريضي أو إن قدم فلان الغائب،

стр. 2491

فلله علي صوم شهر أو صلاة ركعتين أوالتصدق بليرة ونحوه، فإذا وجد الشرط فعليه الوفاء بالنذر نفسه؛ لأن المعلق بالشرط كالمنجز، فلو فعل المشروط قبل وجود الشرط يكون نفلاً؛ لأن المعلق بالشرط غير موجود قبل وجود الشرط. و إن كان مقيداً بمكان بأن قال: (لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا) أو (أتصدق على فقراء بلد كذا) يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن المقصود من النذر: هو التقرب إلى الله ، وليس لذات المكان دخل في القربة. وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام، فأداها في أقل شرفاً منه أو فيما لا شرف له أجزأه عند أئمة الحنفية المذكورين، وأفضل الأماكن: المسجد الحرام، ثم مسجد النبي ﷺ ، ثم مسجد بيت المقدس، ثم الجامع، ثم مسجد الحي، ثم البيت؛ لأن المقصود هو القربة إلى الله، وهو يتحقق في أي مكان. وخالف زفر في الحالتين: في حالةالتصدق في مكان، وحالة الصلاة في مكان، فإنه يتعين عليه الوفاء بنذره في المكان المشروط؛ لأن الناذر أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص، فإذا أدى في غيره لم يكن مؤدياً ما عليه، وفي الصلاة في مسجد، التزم الناذر زيادة قربة فيلزمه. وقال المالكية (١): إن نوى الصلاة أو الاعتكاف في مكان أو سمى المسجد كأحد المساجد الثلاثة لزمه الذهاب إليه دون غيرها. وقال الشافعية (٢): إذا نذر إنسان التصدق بشيء على أهل بلد معين لزمه فيه الوفاء بالتزامه، ولو نذر صوماً في بلد لزمه الصوم؛ لأنه قربة، ولم يتعين مكان

стр. 2492

الصوم في تلك البلد، فله الصوم في غيره. ولو نذر صلاة في بلد لم يتعين لها ويصلي في غيرها؛ لأنها لا تختلف باختلاف الأمكنة إلا المسجد الحرام أي الحرم كله، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد فيتعين لعظم فضلها، لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١). واستدلوا بدليل نقلي على تعيين مكان التصدق بالنذر: وهو ما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا - لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية - قال: لصنم؟ قالت: لا، قال: لوثن؟ قالت: لا، قال: أوفي بنذرك» (٢). وكذلك قال الحنابلة (٣): يتعين الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة إن نذر الاعتكاف فيها.

стр. 2493

و إن كان مضافاً إلى وقت في المستقبل: بأن قال: (لله علي أن أصوم رجب) أو: (أصلي ركعتين يوم كذا) أو: (أتصدق بدرهم في يوم كذا)، فوقت الوجوب في الصدقة: هو وقت النذر باتفاق الحنفية، حتى إنه يجوز تقديمها على الوقت المحدد. واختلف الحنفية في الصوم والصلاة: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: وقت الوجوب فيهما وقت النذر؛ لأن الوقت للتقدير، لا لتعين الواجب؛ لأن الأوقات في معنى العبادة سواء. وبناء عليه يجوز تقديم المنذور به على الوقت. وقال محمد: وقت الوجوب هو حين مجيء الوقت؛ لأن الناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص، فلا يجب عليه قبل مجيئه بخلاف الصدقة؛ لأنها عبادة مالية، لا تعلق لها بالوقت بل بالمال، فكان ذكر الوقت فيه لغواً بخلاف العبادة البدنية. ومن نذر أن يذبح ولده، نحر شاة عند أبي حنيفة، وجزوراً فداء عند مالك، وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ لأنها معصية. وقال أحمد في رواية عنه: عليه كفارة يمين، وهذا قياس المذهب؛ لأن هذا نذر معصية أو نذر لجاج. وفي رواية ثانية كما قال أبو حنيفة: كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين، عملاً بفداء ولد إبراهيم حينما أمر بذبحه (١). ومن نذر ذبح نفسه أو أجنبي، ففيه أيضاً عن أحمد روايتان. ٣ - كيفية ثبوت حكم النذر: النذر إما أن يضاف إلى وقت مبهم أو إلى وقت معين:

стр. 2494

ف إن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال: (لله علي أن أصوم شهراً) ولا نية له: فحكمه حكم الواجب المطلق عن الوقت (١). ومن المعروف أن علماء الأصول اختلفوا في وقت وجوب الواجب. فقال بعضهم: على الفور، وقال الأكثرون: على التراخي: ففي أي جزء من العمر يجوز القيام به ويتضيق الوجوب في آخر العمر إذا بقي من العمر في غالب الظن قدر ما يسع الأداء، ويسن تعجيل الوفاء بالنذر، وهذا هو الرأي الصحيح. وهو ينطبق على نذر الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم بأن قال: (لله علي أن أعتكف شهراً) ولا نية له .. ولكن هناك فرقاً بين الصوم والاعتكاف: في الصوم يخير الناذر بين متابعة الصوم وتفرقته، أما في الاعتكاف فيلزم الناذر عند الجمهور غير الشافعية بالتتابع في النهار والليل؛ لأن طبيعة الاعتكاف وهو اللبث على الدوام تتطلب القيام به على الاتصال، فلا بد من التتابع. وأما الصوم فليس مبنياً على التتابع لوجود فاصل الليل بين كل يومين. فإن قيد نذر الصوم بتفريق أو موالاة وجب. و إن أضيف النذر إلى وقت معين بأن قال: (لله علي صوم غد) فيجب عليه صوم الغد وجوباً مضيقاً ليس له تأخيره من غير عذر، وإذا قال: (لله علي صوم رجب) فيجب عليه صيام شهر، سواء أكان قبل مجيء رجب أم بمجرد مجيئه، ولا يجوز التأخير عن رجب من غير عذر. فإن صام رجب إلا يوماً يقضي ذلك اليوم من شهر آخر، ولو أفطر رجب كله قضى في شهر آخر، لأنه فوت الواجب عن وقته، فصار ديناً عليه (٢)، والدين مقضي على لسان رسول الله ﷺ (٣).

стр. 2495

وقال الشافعية: إن نذر صوم سنة معينة، صامها وأفطر العيد والتشريق، وصام رمضان عنه ولا قضاء، ولا تقضي المرأة في الأظهر أيام الحيض والنفاس. وإن أفطر يوماً بلا عذر وجب قضاؤه. فإن شرط التتابع وجب في الأصح. ويقضي رمضان والعيدين والتشريق؛ لأنه التزم صوم سنة ولم يصمها. وكذا تقضي المرأة في الأظهر أيام الحيض والنفاس. ومن شرع في صوم نفل، فنذر إتمامه، لزمه على الصحيح. ولو قال: (إن قدم زيد، فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه): لزمه صومه فيه.

стр. 2496

الفَصْلُ الثَّالث: الكفَّارات أنواع الكفارات: الكفارات أربعة أنواع: كفارة ظهار، وكفارة قتل خطأ (ويقاس عليه القتل العمد عند الشافعية) وكفارة جماع نهار رمضان عمداً (ويقاس عليه الأكل والشرب عمداً عند الحنفية والمالكية) (١) وكفارة يمين. والخصال الواجبة للكفارة في الأنواع الثلاثة الأولى مرتبة: (وهي إعتاق رقبة، فإن عجز عن الرقبة وجب صوم شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصوم وجب إطعام ستين مسكيناً إلا القتل فلا إطعام فيه اقتصاراً على الوارد فيه النص). لكن كفارة إفساد الصوم بالجماع في نهار رمضان مخيرة الخصال عند المالكية، والإطعام أفضل الخصال عندهم. وأما خصال كفارة اليمين فهي مرتبة مخيرة: (وهي كما سنعلم إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن عجز عن ذلك وجب صوم ثلاثة أيام) (٢) وسأفصل موضوع الكفارة الأخيرة محل البحث. وقد بينت في بحث الصيام أحكام أربع كفارات: كفارة إفساد صوم رمضان، وكفارة المسافر والمريض إذا لم يقضيا الصوم في عامهما، وكفارة الكبير العاجز عن الصوم، وكفارة الحامل والمرضع عند الشافعية إذا أفطرتا خوفاً على طفلهما. وأوضحت أيضاً في بحث الحج كفارات الحج. وذكرت في النذر كفارة نذر اللجاج وهي كفارة اليمين. وسأذكر في بحث الظهار والقتل كفارتيهما. وإقامة الحد عند الجمهور غير الحنفية كفارة للقتل، كما سيتضح في بحث الحدود.

стр. 2497

كفارة اليمين خطة الموضوع: الكلام في هذه الكفارة عن الأصل في مشروعيتها، وسبب وجوبها، ونوع الواجب فيها، والخصال الواجبه فيها. مشروعية الكفارة: الكفارة مشتقة من الكفر بفتح الكاف أي الستر، فهي ستارة للذنب الحاصل بسبب الحنث في اليمين، فاليمين سبب للكفارة. والأصل في كفارة اليمين: الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]. وأما السنة: فقول النبي ﷺ : «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» (١). وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى (٢). سبب وجوبها: تجب الكفارة بالحنث في اليمين، سواء أكانت في طاعة أم في

стр. 2498

معصية أم مباح، ولا يجوز التكفير قبل اليمين باتفاق العلماء؛ لأنه تقديم للحكم قبل سببه، فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب. تقديم الكفارة على الحنث: وهل الكفارة قبل الحنث أفضل أو بعده؟ قال الحنابلة: الكفارة قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة. وقال مالك والشافعية: الكفارة بعد الحنث أفضل لما فيه من الخروج من الخلاف، وحصول اليقين ببراءة الذمة، فيجوز تقديم الكفارة المالية للصوم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقاً، إنما تجزئ إذا أخرجها بعد الحنث (١). وهذا أولى الآراء؛ لأن المسبب يكون عادة بعد السبب. نوع الواجب في الكفارة: الكفارة واجب مطلق، أي ليس له وقت محدد لأدائه، فيجوز القيام به بعد الحنث مباشرة أو بعده في أثناء العمر. ثم إن الواجب في الكفارة واجب مخير حالة اليسار: (توفر المقدرة المالية) يعني أن الموسر مخير بين أحد أمور ثلاثة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو إعتاق رقبة. وهذا بإجماع العلماء المستند إلى صريح الآية القرآنية السابق ذكرها: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] لأن الله تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف (أو) وهو للتخيير (٢).

стр. 2499

فإذا عجز الإنسان عن كل واحد من الخصال الثلاثة المذكورة، لزمه صوم ثلاثة أيام، للآية السابقة: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] والمراد بالعجز: ألا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة، كمن يجد كفايته في يومه وليلته وكفاية من تلزمه نفقته فقط، ولا يجد ما يفضل عنها (١). وينظر إلى العجز وقت الأداء، أي أداء الكفارة عند الحنفية والمالكية والشافعية، فلو حنث الحالف، وكان موسراً وقت الحنث، ثم أعسر، جاز له الصوم عندهم؛ لأن الكفارة عبادة لها بدل، فينظر فيها إلى وقت الأداء، لا وقت الوجوب كالصلاة إذا فاتت في حال الصحة، فقضاها قاعداً أو بالإيماء حال المرض فإنه يجوز. ويشترط عند الحنفية استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم، فلو شرع في الصوم ثم قدر على الإطعام أو الكسوة أو العتق، ولو قبل فراغه من صوم اليوم الثالث بساعة مثلاً: لا يجوز له الصوم، ويرجع إلى التكفير بالمال (٢). كذلك ينظر عند المالكية والشافعية إلى العجز وقت إرادة التكفير. أما إذا شرع في الصوم، ثم قدر على المال فلا يلزمه عند هؤلاء الرجوع عن الصوم إلى الكفارة المالية؛ لأن الصوم بدل عن غيره، فلا يبطل بالقدرة على المبدل عنه، ولو وجبت الكفارة على موسر ثم أعسر لم يجزئه الصوم عند هؤلاء (٣)، بعكس الحنفية في المسألتين.

стр. 2500

والمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب أي حالة الحنث. خصال الكفارة: عرفنا أن كفارة اليمين هي إما الإطعام أو الكسوة أو العتق، فإن عجز عن أحد هذه الخصال صام ثلاثة أيام. فما هو الواجب في كل حالة؟ ١ - ما مقدار الإطعام وما المقصود به؟ قال الحنفية: إن المقصود من الإطعام هو مجرد الإباحة لا التمليك؛ لأن النص القرآني ورد بلفظ الإطعام: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] والإطعام في متعارف اللغة: هو التمكين من المطعم أي (الآكل) لا التمليك، وكذا إشارة النص دليل على قولهم، لأن الله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] والمسكنة: هي الحاجة، وهو محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه، فكان في إضافة الإطعام إلى المساكين إشارة إلى أن الإطعام هو الفعل الذي يصير المسكين به متمكناً من الطعام لا التمليك، بخلاف الزكاة وصدقة الفطر والعشر الواجب على الزروع البعلية، لا بد فيها من التمليك؛ لأن النص ورد فيها بلفظ الإيتاء لا بلفظ الإطعام (١). وقال الجمهور: لا بد من تمليك الطعام للفقراء ككل الواجبات المالية؛ لأن الواجب المالي لا بد من أن يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف من الإتيان به، والطعام المباح للغير ليس له قدر معلوم، لا سيما وأن كل مسكين يختلف عن الآخر صغراً وكبراً، جوعاً وشبعاً (٢). والخلاصة: إن التمليك عند الحنفية ليس بشرط لجواز الإطعام، بل الشرط هو التمكين، فيكفي دعوة المساكين إلى قوت يوم: وهو غداء وعشاء، فإذا حضروا

стр. 2501

وتغدوا وتعشوا كان ذلك جائزاً. وعند غير الحنفية: لا بد من التمليك بالفعل أخذاً. ويجب أن يكون المخرج سالماً من العيب، فلا يكون الحب مسوساً، ولا متغيراً طعمه ولا فيه زوان أو تراب يحتاج إلى تنقية، وكذلك دقيقه وخبزه؛ لأنه مخرج في حق الله تعالى عما وجب في الذمة، فلم يجز أن يكون معيباً كالشاة في الزكاة. وأما مقدار الإطعام: فاختلف العلماء فيه بسبب اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] فمن قال: المراد أكلة واحدة قال: المد وسط في الشبع، ومن قال: المراد قوت اليوم وهو غداء وعشاء قال: الواجب نصف صاع أي مدان (١). وبناء عليه قال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: يعطى لكل مسكين مد من الحنطة كصدقة الفطر إلا أن الإمام مالك قال: المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم، وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم. وقال ابن القاسم: يجزئ المد في كل مدينة (٢). ويجوز عند الشافعية: مدّ حب من غالب قوت بلد الحانث. والأفضل بالاتفاق إخراج الحب؛ لأن فيه خروجاً من الخلاف. ولا يجوز عند الجمهور إخراج قيمة الطعام والكسوة، عملاً بنص الآية: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين … ﴾ [المائدة:٨٩/ ٥].

стр. 2502

وقال الحنفية: مقدار الإطعام نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير أو من دقيق الحنطة أو الشعير أو قيمة هذه الأشياء من النقود: دراهم أو دنانير أو من عروض التجارة كما هو المقرر في صدقة الفطر. قالوا: وقد ثبت ذلك عن سادتنا عمر وعلي وعائشة، وبه قال جماعة من التابعين: سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن. وأما مقدار طعام الإباحة عند الحنفية: فأكلتان مشبعتان: غداء وعشاء، وكذلك إذا غداهم وسحرهم، أوعشاهم وسحرهم، أو غداهم غداءين ونحوهما؛ لأنهما أكلتان مقصودتان. وسواء أكان الطعام خبزاً مع الإدام، أم بغير الإدام: لأن الله تعالى لم يفصل بين الطعام المأدوم وغيره، في قوله سبحانه: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]. وكذلك لو أطعم خبز الشعير أو تمراً أجزأه؛ لأنه قد يؤكل وحده في طعام الأهل. ولو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام غداء وعشاء، أو أعطى مسكيناً واحداً عشرة أيام، كل يوم نصف صاع، جاز عند الحنفية؛ لأن المقصود سد حاجة عشرة مساكين، وقد تحقق. ولا يجوز ذلك عند المالكية والشافعية؛ لأنه لا بد من توزيع الطعام على عشرة مساكين فعلاً بالاتفاق. وقال الحنابلة: إذا وجد عشرة فقراء، لم يجزئه الصرف إلى فقير واحد في عشرة أيام، وإذا لم يجد غير فقير واحد أو خمسة مثلاً، أجزأه ذلك للضرورة. والخلاصة: لابد من إطعام عشرة مساكين فعلاً، والخلاف محصور فيما لو أطعم واحداً عشرة أيام، يجوز عند الحنفية ولا يجوز عند غيرهم.

стр. 2503

ولو أطعم عشرة مساكين في يوم غداء، ثم أعطى كل واحد مداً من الحنطة جاز؛ لأنه جمع بين التمليك، وطعام الإباحة، ولأن كل وجبة طعام مقدرة بمد. وكذلك لو غدى رجلاً واحداً عشرين يوماً، أو عشى رجلاً في شهر رمضان عشرين يوماً جاز؛ لأن المقصود قد حصل. أما لو أعطى مسكيناً واحداً طعام عشرة، في يوم واحد، دفعة واحدة: لم يجز؛ لأن الله تعالى أمر بسد جوعة عشرة مساكين إما مرة واحدة أو موزعة على الأيام، وهذا لم يحصل هنا. وأجاز أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور لا الزكاة، لعموم قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] من غير تفرقة بين المؤمن والكافر. واستثنيت الزكاة بقول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم» (١). وقال أبو يوسف: لا يجوز إعطاء الذميين من الأموال الإسلامية إلا النذور والتطوعات ودم التمتع في الحج؛ لأن الكفارة صدقة أوجبها الله، فلا يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة، بخلاف النذر، لأنه وجب بإيجاب الإنسان، والتطوع ليس بواجب أصلاً، والتصدق بلحم المتعة في الحج غير واجب؛ لأن التقرب إلى الله في إراقة الدم (٢).

стр. 2504

المدفوع إليهم الطعام: الإطعام يكون لمن توافرت فيه أوصاف خمسة هي: الأول - أن يكونوا مساكين فلا يدفع إلى غيرهم؛ لأن الله تعالى أمر بإطعام المساكين، وخصهم بذلك. الثاني - أن يكونوا أحراراً، فلا يجزئ دفعه إلى عبد ومكاتب. الثالث - أن يكونوا مسلمين فلا يجوز عند الجمهور صرفه إلى كافر، ذمياً كان أو حربياً. وأجاز الحنفية دفعه إلى الذمي، لدخوله في اسم المساكين، فيدخل في عموم الآية. الرابع - أن يكونوا قد أكلوا الطعام في رأي الحنابلة والمالكية، فلا يجوز دفعه لطفل لم يطعم. وأجاز الحنفية والشافعية دفعه إلى الصغير الذي لم يطعم، ويقبضه عنه وليه. ويجوز بالاتفاق للمكفر أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله. وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر والرقيق يمنع أخذ الكفارة. إلا أن الحنفية أجازوا دفعها لذمي. الخامس - أن يوزع الطعام على عشرة مساكين فعلاً، فلو أطعم واحداً طعام عشرة لم يجزئه باتفاق الفقهاء، واختلفوا فيما لو أطعم واحداً عشرة أيام، على النحو السابق بيانه. ٢ - الكسوة، صفتها وقدرها: صفة الكسوة: هي أنها لا تجوز إلا على سبيل التمليك حتى عند الحنفية؛ لأن الكسوة للوقاية من الحر والبرد، وهذه الحاجة لا تتحقق إلا بالتمليك، بخلاف الإطعام، فإنه لدفع الجوع، وهو يحصل بتناول الطعام. وتكون الكسوة للمساكين كالإطعام.

стр. 2505

وأما قدر الكسوة: فاختلف فيه (١)، فقال الحنفية: أدنى الكسوة ما يستر عامة البدن، وقال الحنابلة: تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه: فإن كان رجلاً كساه ثوباً تجزئ الصلاة فيه، وإن كانت امرأة كساها قميصاً وخماراً؛ لأن الكسوة إحدى خصال الكفارة، فلم يجز فيها أدنى ما يطلق عليه اسم الكسوة، كما هو مقرر في الإطعام والإعتاق، ولأن اللابس حينما لا يستر العورة يسمى عرياناً لا مكتسياً. وقال المالكية: أقل ذلك للرجل ثوب يستر جميع جسده، وللمرأة: ما يجوز لها فيه الصلاة، وذلك ثوب وخمار. وقال الشافعية: يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو رداء أو جبة أو قميص أو ملحفة؛ لأنه يقع عليه اسم الكسوة، ولأن الله تعالى لم يذكر في الكسوة تقديراً، فكل ما يسمى لا بسه مكتسياً يجزئ. ولا تجزئ بالاتفاق القلنسوة (٢) والخفان والنعلان والقفازان والمنطقة (٣)؛ لأن لا بسها لا يسمى مكتسياً إذا لم يكن عليه ثوب، بل ولا تسمى هذه كسوة عرفاً (٤). ولم يجز الحنفية على الصحيح عندهم الكسوة بالسراويل والعمامة؛ لأن أدنى الكسوة عندهم كما تقدم ما يستر عامة البدن، ولأن لا بسها لا يسمى مكتسياً عرفاً وعادة، بل يسمى عرياناً، فلو أمكن اتخاذ العمامة ثوباً أجزأه، كذا إذا بلغت قيمتها وقيمة السراويل قيمة المقدار الواجب من الطعام، فإنه يجزئ، ويقع ذلك

стр. 2506

عن الطعام بغير نية إذا نوى الكفارة عند محمد. وأما عند أبي يوسف فلا يقع عن الطعام ما لم ينو الكسوة عن الطعام. وأجاز الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة؛ لأنها تسمى كسوة. ويجزئ عند المالكية أقل ما يطلق عليه اسم قميص أو إزار، أو سراويل أو عمامة. ٣ - عتق الرقبة: الكلام في إعتاق الرقبة في كفارة اليمين وغيرها تاريخي فقط بسبب عدم وجود الرقيق في عصرنا، وحينئذ يسقط هذا الواجب ويظل الخيار للحانث محصوراً بين الإطعام والكسوة. وأكتفي هنا بذكر ضابط الرقبة التي يجوز عتقها في الكفارة. قال الحنفية: يشترط أن تكون الرقبة مملوكة ملكاً كاملاً للمعتق، وأن تكون كاملة الرق، سليمة من العيوب التي تزيل جنساً من أجناس المنفعة، سواء أكانت الرقبة صغيرة أم كبيرة، ذكراً أم أنثى، مسلمة أم كافرة. فلا يجوز في الكفارة إعتاق عبد غيره، ولا أن يعتق عبداً مشتركاً بينه وبين غيره، ولا مدبَّراً أو أم ولد، إلا أنه يجوز تحرير المكاتب استحساناً، ولا يجوز أن يعتق عبداً مقطوع اليدين أو الرجلين أو مقطوع يد واحدة، أو رجل واحدة من جانب واحد، أو يابس الشق مفلوجاً، أو مقعداً أو زمِناً أو أشل اليدين، أو مقطوع الإبهامين من اليدين أو مقطوع ثلاثة أصابع من كل يد سوى الإبهامين، أو أعمى، أو مفقود العينين، أو معتوهاً يغلب العته عليه، أو أخرس لفوات جنس من أجناس المنفعة كمنفعة البطش باليدين، والمشي بالرجلين، والنظر في العينين، والكلام والعقل (١).

стр. 2507

واشترط المالكية والشافعية والحنابلة: أن تكون الرقبة مؤمنة، كما تشترط في كفارة الفطر في رمضان، وفي كفارة الظهار. وسبب الاختلاف بين الحنفية والجمهور في اشتراط الإيمان في الرقبة: هو اختلافهم في مسألة أصولية وهي: هل يحمل المطلق على المقيد في الأمور التي تنفق أحكامها وتختلف أسبابها ككفارة اليمين وكفارة القتل الخطأ، فقد ورد النص القرآني في كفارة اليمين مطلقاً بدون تقييد بشرط الإيمان وهو: ﴿أو تحرير رقبة﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]، وورد النص مقيداً بشرط الإيمان في كفارة القتل الخطأ وهو: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحريررقبة مؤمنة﴾ [النساء:٩٢/ ٤] فقال الجمهور: يحمل المطلق على المقيد، فيشترط الإيمان في كفارة اليمين حملاً على اشتراطه في كفارة القتل الخطأ؛ لأنهما يشتركان في ستر الذنب، كما حمل قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] على المقيد في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥]. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد، وإنما يجب أن يبقى موجب اللفظ في كفارة اليمين على إطلاقه، ويعمل بكل نص على حدة؛ لأن شرط الإيمان في كفارة القتل غير معقول المعنى، فيقتصر على مورد النص (١). ٤ - الصوم، مقداره وشرطه: اتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد طعاماً ولا كسوة ولا عتقاً يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، لقوله سبحانه: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]. واختلفوا في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام، فقال المالكية والشافعية

стр. 2508

في الأظهر عندهم: لا يشترط التتابع، ولكنه مستحب، لإطلاق الآية القرآنية: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] فليس فيها اشتراط التتابع، وقد نسخت هذه الآية القراءة الشاذة لابن مسعود تلاوة وحكماً (١). وقال الحنفية والحنابلة: يشترط التتابع (٢) بدليل قراءة أبي وعبد الله بن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٣). وهذا إن كان قرآناً فهو حجة، وإن لم يكن قرآناً فهو رواية عن النبي ﷺ فهو إذاً خبر واحد، وخبر الواحد حجة، وتجوز الزيادة في الجملة على الكتاب بخبر واحد (٤). وبناء على اشتراط التتابع لو أفطر المكفر لعذر مرض أو سفر أو حيض، أو لغير عذر: فإنه عند الحنفية يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى، كذلك يستأنف الصوم إذا أفطر في يوم العيد أو أيام التشريق، ويبطل التتابع؛ لأن الصوم في هذه

стр. 2509

الأيام لا يصلح لإسقاط ما في الذمة. وهذا بخلاف صوم شهرين متتابعين كفارة عن الجماع في نهار رمضان، فإن الحيض والمرض لا ينقطع التتابع بسببهما؛ لأن الغالب أن الشهرين لا يخلوان عنهما. وأما عند الحنابلة فلا ينقطع التتابع بالحيض والمرض في كفارة اليمين، وكفارة انتهاك حرمة رمضان (١).

стр. 2510

البَابُ السّابع: الحَظر والإباحة أو الأطعمة والأشربة واللباس وغيره

стр. 2511

تمهيد: هناك أمور تتردد بين الحل والحرمة تمس الإنسان والمجتمع، لتحقيق عافية المرء في صحته ودينه، أو لمنع الضرر المادي أو الأدبي عن المجتمع في المعاملات، يعبر عنها الحنفية إما بالحظر (المنع الشرعي) والإباحة (أي الإطلاق) أو بالكراهية (١)، أو بالاستحسان (أي ما حسَّنه الشرع وقبَّحه) أو بكتاب الزهد والورع؛ لأن كثيراً من مسائله أطلقه الشرع، والزهد والورع تركه. ويبحثها غير الحنفية تحت عنوان الأطعمة والأشربة، والآنية، وخصال الفطرة، ومقدمات عقد الزواج، وعبر عنها الشيخ خليل من المالكية بالمباح والمحرم والمكروه. والكلام عنها أو عن المهم منها في مباحث خمسة هي: المبحث الأول - الأطعمة. المبحث الثاني - الأشربة. المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي. المبحث الرابع - الوطء والنظر واللمس واللهو. المبحث الخامس - مسائل في البيع (بيع السماد الطبيعي، الاحتكار، التسعير، بيع العنب للخمار ونحوها).

стр. 2512

المبحث الأول - الأطعمة وفيه مقدمة عن حكم الطعام والشراب، ومطالب أربعة: المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها (الحلال، والمكروه، والحرام. المطلب الثاني - ما لا نص فيه - الاحتكام إلى الذوق العربي. المطلب الثالث - حالة الضرورة. المطلب الرابع - إجابة الولائم، وموائد المنكر، وآدا ب الطعام.

стр. 2513

مقدمة - مبدأ تناول الطعام والشراب: عني الإسلام بالجسم والنفس، فأوجب تناول الحد الأدنى أو الضروري من الطعام والشراب للحفاظ على الحياة، ودفع الهلاك عن النفس (١)، وللقيام بالواجبات الدينية من صلاة وصيام ونحوهما، وما عدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يصل إلى حد الإسراف، فالإسراف في الأكل والشرب فوق الطاقة الجسمية ضرر، وخطر، وحرام. والاعتدال هو المطلوب. واستثنى الحنفية من التحريم إذا لم يخش الضرر حالة قصد التقوي على صوم الغد أو لئلا يستحي ضيفه ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (٢)، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف:٣١/ ٧]. والملبوس والمأكول: هو الحلال، الطيب، فقد أحل الله للإنسان كل نافع في الأرض: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة:٢٩/ ٢] وقد أردف الله تعالى الآية السابقة بقوله: ﴿قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف:٣٢/ ٧]. وتوالت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تقرير هذا المباح، فقال تعالى: ﴿ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ [البقرة:١٦٨/ ٢] وقال أيضاً: ﴿ويحل لهم الطيبات. ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧]. وقال النبي ﷺ : «كلوا واشربوا، وتصدقوا، والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة - كبر وإعجاب بالنفس - فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده» (٣).

стр. 2514

وقال الحنفية: ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة (١). المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها: الغذاء الإنساني الذي يؤكل نوعان: نبات وحيوان. أما النبات المأكول: فكله حلال إلا النجس والضار والمسكر (٢). أما النجس أو ما خالطته نجاسة (المتنجس)، فلا يؤكل، لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧] والنجس: خبيث. ولو تنجس طاهر كخل، ودبس ودهن ذائب، وزيت، حرم، لقوله ﷺ في الفأرة تقع في السمن، وتموت فيه: «إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وكلوه، وإن كان مائعاً فأريقوه» (٣) فلو حل أكله، لم يأمر بإراقته. وأما المسكر: فحرام لقوله تعالى فيه ﴿رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة:٩٠/ ٥]. وأما الضار: فلا يحل أكله، كالسُّم والمخاط والمني والتراب والحجر، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢] وأكل هذه الأشياء تهلكة، فوجب ألا تحل. لكن قال المالكية: قيل: الطين مكروه. وقيل: حرام، وهو الأرجح.

стр. 2515

ويحل أكل ما لا يضر كالفواكه والحبوب، لقوله تعالى: ﴿قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف:٣٢/ ٧]. وأما الحيوان فنوعان: مائي، وبري. أذكر هنا الحلال والحرام باختصار، وأحيل التفصيل على بحث الحيوان الذبيح في الذبائح والصيد. أما المائي: فيحل منه السمك بالاتفاق، إلا الطافي منه فلا يحل عند الحنفية، ويحل عند غيرهم. وكره مالك خنزير الماء، والمعتمد عند المالكية أن خنزير الماء وكلب الماء مباح. ولا يحل أكل الضفدع عند الجمهور غير المالكية، لنهي النبي ﷺ عن قتل الضفدع. ولو حل أكله لم ينه عن قتله. وأباح المالكية أكل الضفادع، إذ لم يرد نص بتحريمها. وأما البري: فيحرم منه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به (أي ما ذكر عند ذبحه اسم معبود غير الله)، والمنخنقة (التي ماتت خنقاً) والنطيحة (التي نطحها حيوان فماتت)، والموقوذة (التي ضربت فماتت)، والمتردية (التي سقطت من مرتفع فماتت)، وما بقر الحيوان المفترس بطنها، إلا إذا ذبحت، وفيها حياة، فيحل كل ما ذكر. ويحرم أكل الحيوانات المفترسة كالذئب والأسد والنمر عند الجمهور، وقال المالكية: هي مكروهة. كما يحرم أكل الطيور الجارحة كالصقر والباز والنسر ونحوها. وقال المالكية: هي مباحة، إلا الوطواط، فيكره أكله على الراجح. ويحرم أكل الكلاب والحمير الأهلية والبغال؛ لأن الكلب من الخبائث، بدليل قوله ﷺ : «الكلب خبيث، خبيث ثمنه» (١) ولنهي النبي ﷺ يوم خيبر عن

стр. 2516

الحُمُر والبغال (١) والمعتمد عند المالكية: أن الكلب الإنسي مكروه، وأن كلب الماء مباح. ويحرم أكل حشرات الأرض (صغار دوابها) كالعقرب والثعبان والفأرة والنمل والنحل لسُّميتها واستخباث الطباع السليمة لها. ويحرم المتولد من مأكول وغير مأكول كالبغل المتولد من الحمير والخيل، والحمار المتولد من حمار الوحش والحمار الأهلي؛ لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل، فيغلب التحريم (٢) عملاً بقاعدة تقديم الحاظر على المبيح. وقال المالكية: يباح بالذكاة أكل خَشاش الأرض كعقرب وخنفساء وبنات ورَدْان وجندب ونمل ودود وسوس. ويباح أيضاً أكل حية أمن سمها إن ذبحت بحلقها (٣). ويحل أكل الخيل بأنواعها الأصيلة وغير الأصيلة عند الشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة لإذن النبي ﷺ يوم خيبر بها (٤). وقال أبو حنيفة بكراهتها كراهة تنزيهية، لورود حديث ينهى عن لحوم الخيل (٥). والمشهور عند المالكية تحريم الخيل (٦).

стр. 2517

وأباح الشافعية والحنابلة أكل الضَّب والضَّبُع. وعند الشافعية: والثعلب، وحرمه الحنابلة. وحرم الحنفية أكل ذلك كله. وأما المالكية فقد أباحوا مع الكراهة أكل كل السباع كما تقدم. ويجوز بالإجماع أكل الأنعام (الإبل والبقر والغنم) لإباحتها بنص القرآن الكريم، كما يجوز أكل الطيور غير الجارحة كالحمام والبط والنعامة والأوز، والسمان، والقنبر، والزرزور، والقطا، والكروان، والبلبل وغير ذلك من العصافير. ويحل أكل الوحوش غير الضارية، كالظباء، وبقر الوحش وحماره لإذن النبي ﷺ بأكلها (١). ويباح أكل الأرنب والجراد، لثبوت الإباحة في السنة النبوية. الدود وحده يحرم عند غير المالكية، لكن دود الطعام والفاكهة وسوس الحبوب، ودود الخل، إذا أكل معه ميتاً، وطابت به النفس ولم تعافه، يحل أكله لتعسر تمييزه (٢). خلاصة مذهب المالكية في المباح والمحرم (٣): يظهر مما سبق أن مذهب المالكية أوسع المذاهب في إباحة الأطعمة والأشربة، لذا أستحسن إعطاء خلاصة عنه: المباح: يباح حال الاختيار أكلاً أوشرباً كل طعام طاهر، والحيوان البحري، ولو آدميه وخنزيره، وإن كان البحري ميتاً، والطير بجميع أنواعه ولو كان

стр. 2518

جلاَّلة (١)، أو ذا مخلب كالباز والعقاب والرخم، إلا الوطواط، فيكره أكله على الراجح، والنَّعَم (الإبل والبقر والغنم ولو جلالة)، والوحش غير المفترس كغزال وحمر وحش ويربوع، وخُلْد، ووَبْر (٢)، وأرنب، وقُنْفُذ، وضُرْبوب (٣)، وحية أمن سمها (٤) إن ذكيت بحلقها. ويباح أيضاً هوام الأرض كخنفساء وبنات وَرْدان، وجندب (٥)، ونمل ودود وسوس. ويباح عصير ماء العنب أول عصره، وفُقَّآع، وعقيد وسوبيا (٦) أمن سكره.

стр. 2519

المحرم: ويحرم تناول النجس من جامد أو مائع، والخنزير البري، والبغل والفرس والحمار، ولو كان حمارا وحشياً تأنس. والأرجح تحريم أكل الطين والتراب والعظام والخبز المحروق بالنار، منعاً لأذى البدن. المكروه: ويكره سبع وضبع وثعلب وذئب، وهر ولو كان وحشياً، وفيل وفهد ودب ونمر ونمس (١)، وكلب إنسي على المعتمد. والأظهر كراهة أكل القرد والنسناس، والمشهور أن فأر البيوت الذي يصل إلى النجاسة يكره، فإن شك في وصوله لها، لم يكره، وإن لم يصل للنجاسة فهو مباح. لحم الجلالة: الجلالة كما عرفها الحنفية: هي التي تعتاد أكل الجيف والنجاسات فقط، ولا تخلط معها طعاماً غيره ويكون لها ريح منتنة. وهي عند غير الحنفية: هي التى أكثر طعامها النجاسة، وقد اختلف الفقهاء في حكم أكل لحمها. فأباح المالكية (٢) كما تقدم أكل لحم الجلالة. وكرهها مالك، وأحمد في رواية عنه والحنفية والشافعية (٣)، وحرمها الحنابلة (٤). وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر. أما الأثر فهو ما روى ابن عمر: «نهى النبي ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها» (٥) وروى الخلال بإسناده عن عبد الله بن

стр. 2520

عمرو: «نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأدمُ (الجلود المدبوغة)، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة». وأما القياس المعارض لهذا: فهو أن ما يرد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم، فالمالكية القائلون بالحل نظروا إلى الانقلاب أو التحول إلى لحم، كانقلاب الدم لحماً. والحنابلة أخذوا بظاهر النهي المقتضي للتحريم، ولأن اللحم يتولد من النجاسة، فيكون نجساً، كرماد النجاسة. والحنفية والشافعية حملوا الحديث على الكراهة التنزيهية. وعبارة الحنفية: يكره لحم الجلالة ولبنها، كما يكره لحم الأتان ولبنها ولبن الخيل، وبول الإبل، وأجازه (أي بول الإبل ولحم الفرس) أبو يوسف للتداوي به. وتحبس الجلالة حتى يذهب نتن لحمها، وقدر بثلاثة أيام لدجاجة، وأربعة لشاة، وعشرة لإبل وبقر على الأظهر. ولو أكلت الجلالة النجاسة وغيرها بحيث لم ينتن لحمها، حلت، كما حل أكل جدي غذي بلبن خنزير؛ لأن لحمه لا يتغير، وما غذي به يصير مستهلكاً لا يبقى له أثر. وعليه: لا بأس بأكل الدجاج، لأنه يخلط أكل النجس مع غيره، ولا يتغير لحمه (١). وعبارة الشافعية: يكره أكل الجلالة: وهي التي أكثر أكلها العَذِرَة (الغائط) من ناقة أو شاة، وبقرة، أو ديك، أو دجاجة؛ لحديث ابن عمر المتقدم: ولا يحرم أكلها، لأنه ليس فيها أكثر من تغيير لحمها، وهذا لا يوجب التحريم. فإن أطعم الجلالة طعاماً طاهراً لم يكره، لقول ابن عمر: «تعلف الجلالة علفاً طاهراً: إن كانت ناقة أربعين يوماً، وإن كانت شاة سبعة أيام، وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام».

стр. 2521

وعبارة الحنابلة: وتحرم الجلالة: وهي التي أكثر طعامها النجاسة، كما تحرم ألبانها وهي رواية عن أحمد، وفي رواية أخرى أنها مكروهة غير محرمة، وتزول الكراهة بحبسها اتفاقاً. واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثاً، سواء أكانت طائراً أم بهيمة. وروي عنه أيضاً: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين. ويكره ركوب الجلالة. المطلب الثاني - ما لا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي: قال الشافعية والحنابلة (١): الحيوان الذي لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع، لا خاص ولا عام بتحريم ولا تحليل، ولا ورد فيه أمر بقتله ولا بعدم قتله: إن استطابه أهل يسار (أي ثروة وخصب) وأهل طباع سليمة من أكثر العرب - سكان بلاد أو قرى، في حال رفاهية عند الشافعية، أو أهل الحجاز أهل الأمصار عند الحنابلة: حل أكله. لقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧] ولأن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به، وبالسنة وفيهم بعث النبي ﷺ ، فيرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم، دون غيرهم. وعليه تكون القاعدة: المحرم من الحيوان: ما نص الله تعالى عليه في كتابه. وما كانت العرب تسميه طيباً فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثاً فهو محرم. ولا يعتبر قول الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة؛ لأنهم للضرورة والمجاعة، يأكلون ما وجدوا. وما لم يوجد عند أهل الحجاز عند الحنابلة، رد إلى أقرب ما يشبهه في

стр. 2522

الحجاز. فإن لم يشبه شيئاً منها، فهو مباح، لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿قل: لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً﴾ .. [الأنعام:١٤٥/ ٦] الآية، ولقول النبي ﷺ : «وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه» (١). وقال الشافعية: إن جهل اسم حيوان، سئل العرب عنه، وعمل بتسميتهم له مما هو حلال أو حرام؛ لأن المرجع في ذلك إلى الاسم وهم أهل اللسان. وإن لم يكن له اسم عندهم، ألحق بالأشبه به من الحيوان، في الصورة، أو الطبع، أو الطعم في اللحم. فإن تساوى الشبهان، أو فقد ما يشبهه، حل على الأصح، لقوله تعالى: ﴿قل: لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً .. ﴾ [الأنعام:١٤٥/ ٦] الآية. وعملاً بهذا المبدأ أذكر بإيجاز ما يحرم وما يحل من الحيوان عند الشافعية: أما ما يحرم: فيشمل الحشرات كلها كالنمل والذباب والخنافس والحيَّات والدود والبق والقمل والصُّرصُر والوزع: وهو سام أبرص. ويَحرم ذوات السم وكل ما يندب قتله كالنحل والزنابير والعقارب والفئران والغربان والأفاعي والحِدأ. ويحرم من الطيور: الخُفَّاش (الوطواط) والخُطَّاف (طائر أسود الظهر أبيض البطن) والببَّغا) طائر أخضر يحاكي الأصوات) والطاوس، والرَّخمة (طائر يشبه النسر) والبُغَاثة (طائر أبيض بطيء الطيران أصغر من الحدأة) ويحرم كل ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. ويحرم كل متنجس لا يمكن تطهيره كخل وزيت ودبس، وما يضر البدن كالحجر والتراب والزجاج والسم والأفيون. وأما ما يحل: فيشمل طيور النعامة والبط والحجل والإوَز والدجاج والقطا وغراب الزرع والحمام. ويشمل أيضاً كل طاهر لا ضرر فيه ولا تعافه النفس

стр. 2523

كالبيض والجبن، أما ما تعافه النفس وتستقذره كالمخاط والمني ونحوهما فحرام. وتحل ألبان الحيوانات المأكولة اللحم، ولا تحل ألبان الحيوانات غير المأكولة اللحم كلبن إناث الحمير، لكن لبن الإنسان طاهر. ويحرم كل ما استخبثه العرب في عصر النبي ﷺ كالحشرات ونحوها إلا ما أباحه الشرع كاليربوع (دابة كالفأرة لكن ذنبه أطول) والضَّب (دابة كالجرذون) والوَبْر (دابة أصغر من الهر) والسمُّور (دابة كالسنور) وابن عرس (دابة رقيقة تطارد الفئران). وتحل حيوانات البحر، لأن العرب استطابتها، وتباح الأنعام (الإبل والبقر والغنم والمعز) وحُمُر الوحش والظباء والأرانب ونحوها مما استطابته العرب، إلا ما حرمه الشرع كالبغال والحمر الأهلية. المطلب الثالث - حالة الضرورة: الضرورة نظرية متكاملة تشمل جميع أحكام الشرع، يترتب عليها إباحة المحظور، وترك الواجب. والكلام عنها يطول (١)، أجتزئ ببيان المهم منها وهو تعريفها وحكمها وشروطها، وهل تشمل حالة السفر والحضر جميعاً، وجنس المستباح أو ما يجوز تناوله، وكيفية ترتيب أفضلية الشيء المتناول، ومقدار الجائز تناوله، والتزود من الميتة، وحكم أخذ طعام الغير قهراً للضرورة، وحالات خاصة للحاجة (المار ببستان الفاكهة، والأكل من الزرع، وحلب الماشية لمن مر بهما) (٢).

стр. 2524

أولاً - تعريف الضرورة وحكمها: هي الخوف على النفس من الهلاك علماً (أي قطعاً) أو ظناً. فلا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت. وحكمها في المذاهب الأربعة (١): وجوب الأكل من المحرَّم، بمقدار ما يسد رمَقَه (أي بقية حياته)، ويأمن معه الموت، لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢] وقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢] وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤]. فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك، فقد عصى، لأن فيه إلقاء إلى التهلكة، وهو منهي عنه في محكم التنزيل، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له، فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات، لا يجب عليه، ولا يعصي بالترك، إذ لا يتيقن أن الدواء يشفيه. هذا وقد قرر الحنابلة أنه يجب على المضطر تقديم السؤال، أي الاستجداء على أكل الميتة. وقيل عند البعض كأبي يوسف وأبي إسحاق صاحب المهذب وفي وجه عند الحنابلة: لا يجب على المضطر الأكل من الميتة أو لحم الخنزير، بل يباح لأنه له غرضاً في تركه، وهو أن يجتنب ما حرم عليه، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، ولما روي عن عبد الله بن حذافة السَّهْمي صاحب رسول الله ﷺ : «أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل، ولم يشرب، حتى مال رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته، فأخرجوه، فقال: قد كان الله أحله لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام» ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص (٢)،

стр. 2525

ولأن قوله تعالى: ﴿وقد فصَّل لكم ماحَرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام:١١٩/ ٦] استثناء من التحريم، والاستثناء من التحريم حل أو إباحة كما يقرر الأصوليون. وبهذا يظهر أن الإضراب عن الطعام في السجون ونحوها، لا يحل إذا أدى إلى الموت، على كلا الرأيين السابقين. ثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها: ليس كل من ادعى الضرورة يسلَّم له ادعاؤه، أو يباح له فعل الحرام، وإنما لابد من توافر شروط أو ضوابط للضرورة، وهي ما يأتي (١): ١ - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة في المستقبل، أي أن يحصل في الواقع خوف الهلاك على النفس أو المال بغلبة الظن بحسب التجارب، أو التحقق من خطر التلف، لو لم يأكل، ويكفي في ذلك الظن، كما في الإكراه على أكل الحرام، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإشراف على الموت، بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يفد الأكل ولم يحل الأكل كما صرح الشافعية. ٢ - أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور الشرعي أي ألا يكون هناك وسيلة أخرى من المباحات لدفع الخطر إلا تناول الحرام؛ لأن سبب استعمال المحرمات في حال الاضطرار هو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذى به. وهذا لاخلاف فيه. ٣ - أن يتوافر عذر يبيح الإقدام على الحرام، كالحفاظ على النفس أو العضو بأن خاف التلف إما من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن
следующие страницы →