وعبارة الحنابلة: وتحرم الجلالة: وهي التي أكثر طعامها النجاسة، كما تحرم ألبانها وهي رواية عن أحمد، وفي رواية أخرى أنها مكروهة غير محرمة، وتزول الكراهة بحبسها اتفاقاً. واختلف في قدره فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثاً، سواء أكانت طائراً أم بهيمة. وروي عنه أيضاً: تحبس الدجاجة ثلاثاً، والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين. ويكره ركوب الجلالة.
المطلب الثاني - ما لا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي:
قال الشافعية والحنابلة (١): الحيوان الذي لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع، لا خاص ولا عام بتحريم ولا تحليل، ولا ورد فيه أمر بقتله ولا بعدم قتله: إن استطابه أهل يسار (أي ثروة وخصب) وأهل طباع سليمة من أكثر العرب - سكان بلاد أو قرى، في حال رفاهية عند الشافعية، أو أهل الحجاز أهل الأمصار عند الحنابلة: حل أكله. لقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧] ولأن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به، وبالسنة وفيهم بعث النبي ﷺ ، فيرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم، دون غيرهم.
وعليه تكون القاعدة: المحرم من الحيوان: ما نص الله تعالى عليه في كتابه. وما كانت العرب تسميه طيباً فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثاً فهو محرم.
ولا يعتبر قول الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة؛ لأنهم للضرورة والمجاعة، يأكلون ما وجدوا.
وما لم يوجد عند أهل الحجاز عند الحنابلة، رد إلى أقرب ما يشبهه في
стр. 2522
الحجاز. فإن لم يشبه شيئاً منها، فهو مباح، لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿قل: لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً﴾ .. [الأنعام:١٤٥/ ٦] الآية، ولقول النبي ﷺ : «وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه» (١).
وقال الشافعية: إن جهل اسم حيوان، سئل العرب عنه، وعمل بتسميتهم له مما هو حلال أو حرام؛ لأن المرجع في ذلك إلى الاسم وهم أهل اللسان. وإن لم يكن له اسم عندهم، ألحق بالأشبه به من الحيوان، في الصورة، أو الطبع، أو الطعم في اللحم. فإن تساوى الشبهان، أو فقد ما يشبهه، حل على الأصح، لقوله تعالى: ﴿قل: لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً .. ﴾ [الأنعام:١٤٥/ ٦] الآية.
وعملاً بهذا المبدأ أذكر بإيجاز ما يحرم وما يحل من الحيوان عند الشافعية: أما ما يحرم: فيشمل الحشرات كلها كالنمل والذباب والخنافس والحيَّات والدود والبق والقمل والصُّرصُر والوزع: وهو سام أبرص. ويَحرم ذوات السم وكل ما يندب قتله كالنحل والزنابير والعقارب والفئران والغربان والأفاعي والحِدأ.
ويحرم من الطيور: الخُفَّاش (الوطواط) والخُطَّاف (طائر أسود الظهر أبيض البطن) والببَّغا) طائر أخضر يحاكي الأصوات) والطاوس، والرَّخمة (طائر يشبه النسر) والبُغَاثة (طائر أبيض بطيء الطيران أصغر من الحدأة) ويحرم كل ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. ويحرم كل متنجس لا يمكن تطهيره كخل وزيت ودبس، وما يضر البدن كالحجر والتراب والزجاج والسم والأفيون.
وأما ما يحل: فيشمل طيور النعامة والبط والحجل والإوَز والدجاج والقطا وغراب الزرع والحمام. ويشمل أيضاً كل طاهر لا ضرر فيه ولا تعافه النفس
стр. 2523
كالبيض والجبن، أما ما تعافه النفس وتستقذره كالمخاط والمني ونحوهما فحرام. وتحل ألبان الحيوانات المأكولة اللحم، ولا تحل ألبان الحيوانات غير المأكولة اللحم كلبن إناث الحمير، لكن لبن الإنسان طاهر.
ويحرم كل ما استخبثه العرب في عصر النبي ﷺ كالحشرات ونحوها إلا ما أباحه الشرع كاليربوع (دابة كالفأرة لكن ذنبه أطول) والضَّب (دابة كالجرذون) والوَبْر (دابة أصغر من الهر) والسمُّور (دابة كالسنور) وابن عرس (دابة رقيقة تطارد الفئران).
وتحل حيوانات البحر، لأن العرب استطابتها، وتباح الأنعام (الإبل والبقر والغنم والمعز) وحُمُر الوحش والظباء والأرانب ونحوها مما استطابته العرب، إلا ما حرمه الشرع كالبغال والحمر الأهلية.
المطلب الثالث - حالة الضرورة:
الضرورة نظرية متكاملة تشمل جميع أحكام الشرع، يترتب عليها إباحة المحظور، وترك الواجب. والكلام عنها يطول (١)، أجتزئ ببيان المهم منها وهو تعريفها وحكمها وشروطها، وهل تشمل حالة السفر والحضر جميعاً، وجنس المستباح أو ما يجوز تناوله، وكيفية ترتيب أفضلية الشيء المتناول، ومقدار الجائز تناوله، والتزود من الميتة، وحكم أخذ طعام الغير قهراً للضرورة، وحالات خاصة للحاجة (المار ببستان الفاكهة، والأكل من الزرع، وحلب الماشية لمن مر بهما) (٢).
стр. 2524
أولاً - تعريف الضرورة وحكمها: هي الخوف على النفس من الهلاك علماً (أي قطعاً) أو ظناً. فلا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت. وحكمها في المذاهب الأربعة (١): وجوب الأكل من المحرَّم، بمقدار ما يسد رمَقَه (أي بقية حياته)، ويأمن معه الموت، لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢] وقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢] وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤]. فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك، فقد عصى، لأن فيه إلقاء إلى التهلكة، وهو منهي عنه في محكم التنزيل، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له، فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.
بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات، لا يجب عليه، ولا يعصي بالترك، إذ لا يتيقن أن الدواء يشفيه. هذا وقد قرر الحنابلة أنه يجب على المضطر تقديم السؤال، أي الاستجداء على أكل الميتة.
وقيل عند البعض كأبي يوسف وأبي إسحاق صاحب المهذب وفي وجه عند الحنابلة: لا يجب على المضطر الأكل من الميتة أو لحم الخنزير، بل يباح لأنه له غرضاً في تركه، وهو أن يجتنب ما حرم عليه، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، ولما روي عن عبد الله بن حذافة السَّهْمي صاحب رسول الله ﷺ : «أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل، ولم يشرب، حتى مال رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته، فأخرجوه، فقال: قد كان الله أحله لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام» ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص (٢)،
стр. 2525
ولأن قوله تعالى: ﴿وقد فصَّل لكم ماحَرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام:١١٩/ ٦] استثناء من التحريم، والاستثناء من التحريم حل أو إباحة كما يقرر الأصوليون.
وبهذا يظهر أن الإضراب عن الطعام في السجون ونحوها، لا يحل إذا أدى إلى الموت، على كلا الرأيين السابقين.
ثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها: ليس كل من ادعى الضرورة يسلَّم له ادعاؤه، أو يباح له فعل الحرام، وإنما لابد من توافر شروط أو ضوابط للضرورة، وهي ما يأتي (١):
١ - أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة في المستقبل، أي أن يحصل في الواقع خوف الهلاك على النفس أو المال بغلبة الظن بحسب التجارب، أو التحقق من خطر التلف، لو لم يأكل، ويكفي في ذلك الظن، كما في الإكراه على أكل الحرام، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإشراف على الموت، بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يفد الأكل ولم يحل الأكل كما صرح الشافعية.
٢ - أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور الشرعي أي ألا يكون هناك وسيلة أخرى من المباحات لدفع الخطر إلا تناول الحرام؛ لأن سبب استعمال المحرمات في حال الاضطرار هو ضرورة التغذي أعني إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذى به. وهذا لاخلاف فيه.
٣ - أن يتوافر عذر يبيح الإقدام على الحرام، كالحفاظ على النفس أو العضو بأن خاف التلف إما من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي وانقطع عن
стр. 2526
الرفقة فيهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك، وبه يظهر أن كل ما يبيح التيمم - كماصرح الشافعية والحنابلة - يبيح تناول الحرام أو ارتكاب المحظور، فيعتبر خوف حصول الشين الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض، كل منهما يبيح الأكل من المحرمات.
٤ - ألا يخالف المضطر مبادئ الإسلام، فلا يحل الزنا والقتل والكفر والغصب بأي حال؛ لأنها مفاسد في ذاتها، وإن كان يرخص حال الإكراه في الكفر باللسان مع اطمئنان القلب بالإسلام، كما يرخص بأخذ طعام الغير ولو قهراً إذا لم يكن هو أيضاً مضطراً إليه. وبه يظهر أن الإباحة تختلف عن الرخصة؛ لأن الإباحة تقلب الحرام حلالاً، وتزيل عنه صفة الحرمة، وأما الرخصة فتمنع الإثم ويظل الفعل حراماً.
ولا يباح أصلاً قتل آدمي وأكله، كما لايباح عند الجمهور غير الشافعية أكل آدمي ميت، كما سأبين، ويحرم على الراجح عند أئمة المذاهب الأربعة تناول الخمر إلا لإزالة غُصة عند عدم مايسيغها به من غيرها، ولايحل عند المالكية تناول شيء من الدم أو العَذِرة، أو ضالة الإبل.
٥ - أن يقتصر في رأي الجمهور على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر، كما سأوضح؛ لأن إباحة الحرام ضرورة، والضرورة تقد ر بقدرها.
٦ - أن يصف المحرم - في حال ضرورة الدواء - طبيب عدل ثقة في دينه وعلمه، وألا يوجد من غير المحرَّم علاج آخر، يقوم مقامه.
ولا يتقيد الاضطرار بزمن مخصوص لاختلاف الأشخاص في ذلك (١).
стр. 2527
ثالثاً - هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً؟ تباح المحرمات عند الاضطرار إليها في الحضر والسفر جميعاً؛ لأن آية الضرورة ﴿فمن اضطر﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢] مطلقة غير مقيدة بحالة معينة من هاتين الحالتين، وهو لفظ عام في حق كل مضطر، ولأن الاضطرار يكون في الحضر في سنة المجاعة العامة، وسبب الإباحة: الحاجة إلى حفظ النفس عن الهلاك، وهو عام في الحالين (١).
وهذا باتفاق المذاهب الأربعة، ولم يميز الحنفية (٢) بين السفر المقصود به أصلاً المعصية، أو طروء المعصية في أثناء سفر مباح. وهو الراجح عند الحنابلة كما في الحاشية. والمشهور من مذهب مالك (٣): أن المضطر يجوز له الأكل من الميتة ونحوها في سفر المعصية، ولايجوز له القصر والفطر لقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢].
وفرق المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة (٤) بين المعصية بالسفر، والمعصية في السفر أي
أثنائه. فمن أنشأ سفراً يعتبر في ذاته معصية كالمرأة الناشز، وقاطع الطريق، والمسافر لظلم الناس، لايباح له الأكل من الميتة، أو استعمال الرخص الشرعية؛ لأن الرخص لاتناط بالمعاصي، ولقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢] قال مجاهد: غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم.
стр. 2528
ومن سافر سفراً مباحاً، وعصى أثناء سفره، كأن شرب الخمر، فهو عاص في سفره، تباح له الرخص الشرعية، لأنها منوطة بالسفر، ونفس السفر ليس معصية، ولا إثم به.
رابعاً - جنس الشيء المستباح للضرورة: يستباح للضرورة في المذاهب الأربعة كل شيء محرم، يرد جوعاً أو عطشاً، كالميتة من كل حيوان والخنزير وطعام الغيرونحوه (١).
واستثنى الحنابلة السم ونحوه مما يضر.
واستثنى المالكية الآدمي والدم والخنزير والأطعمة النجسة كالعذرة والأشربة النجسة إلا الخمر، لإزالة الغُصة، ولا تباح لجوع ولا لعطش لأنها لا تدفعه، وقيل: تباح، ولا يحل التداوي بها ولو لخوف الموت في المشهور.
كما استثنوا ضالة الإبل، إلا إن تعينت عند انفرادها، وتقدم عليها الميتة عند وجودهما.
واتفق أئمة المذاهب على أنه لا يباح قتل إنسان مسلم أو كافر معصوم أو إتلاف عضو منه لضرورة الأكل، لأنه مُثلة، فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه. فلا يباح إذن الإنسان الحي. كما لا يباح الأكل من الإنسان الميت عند الجمهور غير الشافعية، لقوله ﷺ : «كسر عظم الميت ككسره حياً» (٢). وإن قال شخص لآخر
стр. 2529
مثلاً: اقطع يدي وكلها، لا يحل؛ لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته.
وأجاز الشافعية (١) للمضطر أكل آدمي ميت إذا لم يجد ميتة غيره؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، إلا إذا كان الميت نبياً، فإنه لا يجوز الأكل منه قطعاً، أو كان الميت مسلماً والمضطر كافراً، فإنه لا يجوز له الأكل منه لشرف الإسلام. وقال الخطيب الشربيني شارح المنهاج: بل لنا وجه: أنه لا يجوز أكل الميت المسلم، ولو كان المضطر مسلماً. وبهذه الاستثناءات اقترب الشافعية من غيرهم.
وأجاز الحنابلة أكل الآدمي غير المعصوم أي مباح الدم كالحربي والمرتد والزاني المحصن والقاتل في المحاربة (٢).
كذلك أجاز الشافعية والحنابلة للمضطر قتل حربي ومرتد وأكله، ولا يجوز له قطع بعض أعضائه، لأنهما - أي في حالة القتل - غير معصومين، فيباح قتلهما، إذ لا حرمة لهما، فكانا بمنزلة السباع، وللمضطر أكله بعد موته، لعدم حرمته.
وللمضطر أيضاً عندهم (الشافعية والحنابلة) قتل الزاني المحصن، والمحارب (قاطع الطريق) ومن عليه قصاص، وإن لم يأذن الإمام في القتل؛ لأن قتلهم مستحق، وإنما يعتبر إذن الإمام في غير حال الضرورة تأدباً معه، وحال الضرورة ليس فيها رعاية أدب.
ولا يجوز للمضطر قتل ذمي ومستأمن ومعاهد، لحرمة قتلهم. والأصح له حل قتل صبي حربي وامرأة حربية، لأنهما ليسا بمعصومين، ومنع قتلهما في غير الضرورة لا لحرمتهما، بل لحق الغانمين.
стр. 2530
تشريح الجثث ونقل الأعضاء:
يرى المالكية والحنابلة عملاً بحديث: «كسر عظم الميت ككسره حياً» أنه لا يجوز شق بطن الميتة الحامل لإخراج الجنين منه؛ لأن هذا الولد لا يعيش عادة، ولايتحقق أنه يحيا، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم.
وأجاز الشافعية شق بطن الميتة لإخراج ولدها، وشق بطن الميت لإخراج مال منه. كما أجاز الحنفية كالشافعية شق بطن الميت في حال ابتلاعه مال غيره، إذا لم تكن له تركة يدفع منها، ولم يضمن عنه أحد (١).
وأجاز المالكية أيضاً شق بطن الميت إذا ابتلع قبل موته مالاً له أو لغيره إذا كان كثيراً: هو قدر نصاب الزكاة، في حال ابتلاعه لخوف عليه أو لعذر. أما إذا ابتلعه بقصد حرمان الوارث مثلاً، فيشق بطنه، ولو قل.
وبناء على هذه الآراء المبيحة: يجوز التشريح عند الضرورة أو الحاجة بقصد التعليم لأغراض طبية، أو لمعرفة سبب الوفاة وإثبات الجناية على المتهم بالقتل ونحو ذلك لأغراض جنائية إذا توقف عليها الوصول إلى الحق في أمر الجناية، للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام، حتى لا يظلم بريء، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم.
كذلك يجوز تشريح جثث الحيوان للتعليم؛ لأن المصلحة في التعليم تتجاوز إحساسها بالألم.
وعلى كل حال ينبغي عدم التوسع في التشريح لمعرفة وظائف الأعضاء وتحقيق الجنايات، والاقتصار على قدر الضرورة أو الحاجة، وتوفير حرمة الإنسان
стр. 2531
الميت وتكريمه بمواراته وستره وجمع أجزائه وتكفينه وإعادة الجثمان لحالته بالخياطة ونحوها بمجرد الانتهاء من تحقيق الغاية المقصودة.
كما يجوز عند الجمهور نقل بعض أعضاء الإنسان لآخر كالقلب والعين والكُلْية إذا تأكد الطبيب المسلم الثقة العدل موت المنقول عنه؛ لأن الحي أفضل من الميت، وتوفير البصر أو الحياة لإنسان نعمة عظمى مطلوبة شرعاً. وإنقاذ الحياة من مرض عضال أو نقص خطير أمر جائز للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، ولكن لا يقبل بيع هذه الأعضاء بحال، كما لا يجوز بيع الدم، وإنما يجوز التبرع بدفع عوض مالي على سبيل الهبة أو المكافأة عند نقل العضو أو التبرع بالدم في حالة التعرض لهلاك أو ضرر بالغ. فإن تحتم دفع العوض ولا يوجد متبرع من الأقارب أو غيرهم، جاز للدافع الدفع للضرورة.
التداوي بالخمر:
قال أئمة المذاهب الأربعة (١): يحرم على الراجح الانتفاع بالخمر وسائر المسكرات للمداواة وغيرها، كاستخدامها في دُهن أو طعام أو إذابة دواء أو بَلَّ طين، لقوله ﷺ : «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (٢)، وروى طارق
стр. 2532
ابن سويد أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟ فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» (١).
لكن قال الحنفية (٢): يجوز التداوي بالمحرم إن علم يقيناً أن فيه شفاء، ولا يقوم غيره مقامه، أما بالظن فلا يجوز. وقول الطبيب لا يحصل به اليقين. ولايرخص التداوي بلحم الخنزير، وإن تعين.
وقيد الشافعية (٣) حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفاً، غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به، مما يحصل به التداوي من الطاهرات، كالتداوي بنجس كلحم حية وبول. وكذا يجوز التداوي بما ذكر لتعجيل شفاء بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به. وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لايسكر.
قال العز بن عبد السلام (٤): جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهراً يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة، ولا يجوز التداوي بالخمر على الأصح إلا إذا علم أن الشفاء يحصل بها، ولم يجد دواء غيرها.
وأبان ابن العربي والقرطبي المالكيان (٥) أنه يجوز الانتفاع بالخمر للضرورة،
стр. 2533
لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢] فرفعت الضرورة التحريم، وخصصت الضرورة الحرام؛ لأن إهمال تعاطي الدواء قد يسبب الوفاة.
شرب الخمر حالة العطش:
أجاز جمهور الفقهاء (١) شرب الخمر عند ضرورة العطش أو الغصص أو الإكراه قدر ما تندفع به الضرورة؛ لأن الحفاظ على الحياة يقتضي إباحة كل ما يطفئ الظمأ.
وقيد الحنابلة (٢) شرب الخمر لضرورة العطش بما إذا كانت ممزوجة بما يروي من العطش، فتباح حينئذ فقط. فإن شربها صرفاً أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش، لم يبح له ذلك، وعليه عقوبة الحد المقررة.
خامساً - كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة: إذا وجد المضطر ميتة وطعاماً لغيره وصيداً لمحرم أو مأكولاً غير مذبوح، فهل يقدم الميتة أو غيرها؟ للفقهاء رأيان:
١ - قال الجمهور (الحنفية، والشافعية في المعتمد عندهم، والحنابلة) (٣): إنه يأكل الميتة؛ لأن أكل الميتة ثبت بالنص، وطعام الغير أو إباحة الصيد ثبت بالاجتهاد، والأخذ بالمنصوص عليه أولى، ولأن الميتة لا تبعة فيها لأحد من الناس
стр. 2534
في الدنيا ولا في الآخرة، فكان أكلها أخف من أكل طعام الغير، إذ حقوق الناس مبنية على التشديد، وحق الله تعالى أوسع. ولو حصل ضرر بأكل الميتة يرجى الشفاء منه بالمداواة. ويجب عند الحنابلة تقديم السؤال على آكل الميتة.
وإن وجد المحرم صيداً حياً وميتة، أكل الميتة؛ لأن ذبح الصيد جناية لا تجوز له حال الإحرام. فإن لم يجد المضطر ميتة، ذبح الصيد وأكله.
وإن لم يجد المضطر شيئاً يأكله، لم يبح له عند الحنابلة (١) أكل بعض أعضائه؛ لأن أكله من نفسه ربما قتله، فيكون قاتلاً لنفسه، ولا يتيقن حصول البقاء بأكل جزء من جسده.
وقال النووي في المنهاج (٢): الأصح جواز قطع بعضه، لا كله، لأنه إتلاف بعضه لاستبقاء كله. وشرط الجواز أمران: أحدهما - فقد الميتة ونحوها. والثاني - أن يكون الخوف في قطعه أقل من الخوف في ترك الأكل. فإن كان مثله أو أكثر، حرم جزماً. كما يحرم جزماً على شخص قطع بعض نفسه لغيره من المضطرين؛ لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل. ويحرم على مضطر أيضاً أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم.
٢ - وقال المالكية (٣): تقدم الميتة وجوباً على أكل لحم الخنزير، لأنه حرام لذاته، وحرمة الميتة عارضة، كما تقدم الميتة للمضطر المحرم على الصيد الحي الذي صاده المحرم أو أعان عليه، ما لم تكن الميتة متغيرة يخاف على نفسه من أكلها، وإلا قدم الصيد المذكور. فإن كان المضطر حلالاً قدم صيد المحرم على الميتة.
стр. 2535
ويقدم طعام الغير ندباً، لا وجوباً على أكل الميتة، إن لم يخف الأذى من قطع عضو، أو ضرب ونحوه؛ لأن الطعام طاهر، ولأن الغالب أن الإنسان يبذل طعامه للمضطر ولا يتلكأ في ذلك. وهذا المذهب هو المعقول، بل إني أرى وجوب تقديم طعام الغير على أكل الميتة، دفعاً للضرر.
قال ابن كثير (١): إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا ضرر فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف (٢).
سادساً - مقدار الجائز تناوله للضرورة: هل يقتصر المضطر من تناول الحرام كالميتة على مقدار دفع الضرر، أو يباح له الشبع؟ رأيان للفقهاء:
١ - قال الجمهور (الحنفية، والأظهر عند الشافعية، وأصح الروايتين عند الحنابلة، وبعض المالكية كابن الماجشون وابن حبيب) (٣): يأكل المضطر للغذاء، ويشرب للعطش، ولو من حرام أو ميتة ومال غيره، مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه أو يؤمن معه الموت: وهو مقدار ما يتمكن به من الصلاة قائماً، ومن الصوم، وهو لقيمات معدودة، ويمتد ذلك من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده. لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولاعاد، فلا إثم عليه﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢] (٤) ولأن (ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها) ويكون المضطر بعد سد الرمق غير مضطر، فلم
стр. 2536
يحل له الأكل، فيصير بعد سد رمقه كما كان قبل أن يضطر، وحينئذ لم يبيح له الأكل، فكذا بعد زوال حالة الضرورة.
٢ - وقال المالكية على المعتمد (١): يجوز للمضطر التناول من الحرام حتى يشبع، وله التزود (ادخار الزاد) من الميتة ونحوها، إذا خشي الضرورة في سفره، فإذا استغنى عنها طرحها، لأنه لا ضرر في استصحابها، ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولكن لا يأكل منها إلا عند ضرورته.
ودليلهم أن الضرورة ترفع التحريم، فتعود الميتة جميعها ونحوها مباحة لظاهر قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢]. ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده، ولأن كل طعام يباح، جاز أن يأكل منه الإنسان قدر سد الرمق، جاز له أن يشبع منه كالطعام الحلال.
هذا إذا كانت المخمصة نادرة في وقت ما، فإن كانت المجاعة عامة مستمرة، فلا خلاف بين العلماء في جواز الشبع من الميتة ونحوها من سائر المحظورات.
ويتفق الشافعية، والحنابلة في أصح الروايتين (٢) مع المالكية في جواز التزود من المحرَّمات، ولو رجا الوصول إلى الحلال. ويبدأ وجوباً بلقمة حلال ظفر بها، فلا يجوز له أن يأكل من الحرام حتى يأكلها لتتحقق الضرورة.
وصرح الشافعية: لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيه حلال إلا نادراً، جاز استعمال ما يحتاج إليه، ولا يقتصر على الضرورة، بل على الحاجة. وعلل العز بن عبد السلام (٣) جواز تناول الحرام حينئذ، دون أن يقتصر على الضرورات بقوله: لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة.
стр. 2537
سابعاً - حكم أخذ طعام قهراً للضرورة: لا خلاف بين الفقهاء (١) في أنه يجب على مالك الطعام أو المال، إذا لم يكن مضطراً إليه في الحال، أن يبذله إلى المحتاج إليه بقيمته، ليدفع عنه أذى الجوع أو العطش أو الحر أو البرد أو الضرر الذي قد يلحق به. فإن امتنع أو طلب أكثر من ثمن المثل، فيجوز قتاله ولو كان مسلماً؛ لأخذه جبراً عنه؛ لأن المسلمين متكافلون متعاونون على السراء والضراء، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة:٢/ ٥]، ولأن امتناع مالك المال أو الطعام من بذله للمضطر إليه إعانة على قتله، وقد ورد: «من أعان على قتل امرئ مسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله» (٢). وقد ذم الله على منع ذلك مطلقاً بقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون:٧/ ١٠٧].
ولا يجوز للمضطر في هذه الحالة أن يأكل الميتة، لأنه غير مضطر، والتزامه بدفع قيمة الطعام أمر مقرر شرعاً؛ لأن الإباحة للاضطرار لا تنافي الضمان (٣). وتنص القاعدة: (الاضطرار لا يبطل حق الغير).
وأما في حال المجاعة العامة فلا يلزم المرء ببذل الطعام للمضطرين؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر (٤).
стр. 2538
ثامناً - حالات خاصة للضرورة أو الحاجة: هناك حالات خاصة بالمار ببستان الغير والأكل من الزرع أو الفاكهة، والمار بماشية الغير، هل يجوز التناول منه أو لا؟
١ - الأكل من ثمار البساتين: من مر في طريقه ببستان فيه أشجار مثمرة، فله أن يأكل من فاكهته الرطبة ولو كان هناك حائط عند الضرورة بشرط الضمان أي دفع القيمة.
فإن لم يكن هناك ضرورة للأكل، فلا يجوز للمار عند جمهور الفقهاء (١) أن يأخذ منه شيئاً بغير إذن صاحبه، كما لا يجوز له أن يحمل معه شيئاً؛ لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (٢) وقوله ﵇: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا» (٣) وهذا الرأي أنزه وأورع وأحوط ديناً.
وقال الحنابلة (٤): يجوز في حال الجوع والحاجة لمن مر بثمرة أن يأكل منها، ولا يحمل. قال أحمد: إذا لم يكن للبستان حائط، يأكل الإنسان منها إذا كان جائعاً، وإذا لم يكن جائعاً، فلا يأكل. وقد فعله غير واحد من أصحاب النبي ﷺ فإذا كان عليه حائط لم يأكل، لأنه قد صار شبه الحريم، ولقول ابن عباس: «إن
стр. 2539
كان عليها حائط فهو حريم، فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط، فلا بأس»، ولأن إحراز الثمار بالحائط يدل على شح صاحبه به، وعدم المسامحة فيه.
والدليل على جواز الأكل للحاجة في حال عدم وجود حائط للبستان قوله ﷺ : «ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة (١)، فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئاً، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» (٢) وقوله أيضاً: «إذا أتيت على حائط - أي بستان - فناد صاحب البستان ثلاثاً، فإن أجابك، وإلا فكل، من غير أن تفسد» (٣). وروي عن أبي زينب التميمي، قال: «سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار، فيأكلون في أفواههم» وهو قول عمر وابن عباس وأبي بردة، قال عمر: «يأكل ولا يتخذ خبنة» (٤).
وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد أنه أجاز الأكل من ثمار البساتين غير المحوطة مطلقاً، سواء أكان المار جائعاً، أم لا. جاء في متن الإقناع وكشاف القناع (٥): من مر بثمر على شجر بستان، أو مر بثمر ساقط تحت الشجر، لا حائط عليه، ولا ناظر (حافظ) ولو كان المار به غير مسافر ولا مضطر، فله أن يأكل منه مجاناً، ولو لغير حاجة إلى أكله، وكذا لو أكله من غصونه من غير رميه بشيء ولا ضربه، ولا صعود شجرة، لحديث الخدري السابق: «إذا أتيت حائط بستان .. ». والحقيقة أن هذا كان سائداً بحسب العرف القائم بين الناس، فإنهم كانوا
стр. 2540
يتسامحون عادة في الأكل للمار، وفي تناول الثمار الساقطة بلا إذن صاحبها، إلا إذا كان قائماً بالتقاطها، أو نهى الناس عن التناول منها (١).
٢ - الأكل من الزرع: روي عن أحمد روايتان فيمن مر بزرع الغير، فأراد الأكل منه (٢)، أي للحاجة:
إحداهما - قال: لا يأكل، إنما رخص في الثمار ليس في الزرع، وقال: ما سمعنا في الزرع أن يمس منه. والفرق بين الثمر والزرع: أن الثمار خلقها الله تعالى للأكل رطبة، والنفوس تتوق إليها، أما الزرع فهو بخلاف ذلك.
والثانية - قال: يأكل من الفريك؛ لأن العادة جارية بأكله رطباً، فأشبه الثمر.
قال ابن قدامة: والأولى في الثمار وغيرها ألا يأكل منها إلا بإذن صاحبها لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم.
٣ - حلب ماشية الغير: عن أحمد أيضاً روايتان في حلب لبن الماشية (٣):
إحداهما - يجوز - أي للمحتاج - أن يحلب ويشرب من ماشية الغير، ولكن لا يحمل معه شيئاً، لحديث سمرة: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها، فليستأذنه، فإن أذن، فليحلب وليشرب، وإن لم يكن فيها، فليصوت
стр. 2541
ثلاثاً، فإن أجابه أحد، فليستأذنه، وإن لم يجبه
أحد، فليحلب وليشرب، ولايحمل» (١).
والثانية - لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب، لقوله ﷺ : «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فَيُنْتَقَل ُطعامه، فإنما تَخْزُن ُلهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه»، وفي لفظ: «فإن ما في ضروع مواشيهم، مثل ما في مشاربهم» (٢).
المطلب الرابع - إجابة الولائم، وموائد المنكر، وآداب الطعام:
أولاً - إجابة الولائم وموائد المنكر: إجابة الوليمة مشروعة، لقوله ﷺ : «شر الطعام: طعام الوليمة، يُمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لا يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله» (٣) ولا خلاف في أن وليمة العرس سنة مشروعة لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أولم ولو بشاة» (٤). والمنصوص لدى أصحاب الشافعي أنها واجبة، لهذا الحديث. ومنهم من قال: هي مستحبة، لأنه طعام لحادث سرور، فلم تجب كسائر الولائم. وهذا قول أكثر العلماء (٥).
стр. 2542
وإجابة الدعوة سنة عند الحنفية (١)، وتجب الإجابة إذا لم يكن فيها منكر أو لهو عند الشافعية والحنابلة (٢).
وتجب الإجابة لوليمة النكاح عند المالكية وفاقاً للشافعية والحنابلة (٣)، وتستحب إجابة ما يفعله الرجل بخواص إخوانه تودداً. وتجوز إجابته كدعوة العقيقة، وتكره إجابته: وهو ما يفعل للفخر والمباهاة. وتحرم إجابته: وهو ما يفعله الرجل لمن تحرم عليه هديته كالغريم (الدائن)، وأحد الخصمين للقاضي. وهذا تفصيل حسن لدى المالكية.
والمستحب لمن فرغ من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام، لما روى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير ﵁، قال: «أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ ﵁، فقال: أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، وأكل طعامكم الأبرار».
مانع المنكر من إجابة الدعوة:
إن علم المدعو بوجود منكر كلعب وغناء وملاهٍ ونصب تماثيل وصور مجسمة على الحيطان أو الأستار أو الوسائد، قبل حضوره، فلا يحضر، لقوله ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر والخنزير والخزَّ والمعازف» (٤). وفي لفظ:
стр. 2543
«ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات (١)، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (٢).
وإن حضر المدعو، ففوجئ بالمنكر: فإن كان على المائدة كالخمر، فلا يقعد، لقوله تعالى: ﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام:٦٨/ ٦].
وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم عن ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه».
وإن كان في المنزل، لا على المائدة الجالس عليها:
فإن قدر على المنع، منعهم، لقوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣). وإن لم يقدر على المنع: فإن كان قدوة، خرج ولم يقعد؛ لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين.
وإن لم يكن قدوة، صبر، وقعد، وأكل، ولا يخرج؛ لأن إجابة الدعوة سنة (٤).
стр. 2544
ثانياً - آداب الطعام والشراب: ورد في السنة آداب كثيرة للطعام والشراب منها ما يأتي (١):
يسن للأكل أو الشرب البسملة عند أول الطعام، والحمدلة آخره، وللأكل غسل اليدين قبله وبعده بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن نسي البسملة فليقل: بسم الله على أوله، وعلى آخره. ويرفع الصوت بها لتلقين من معه، ولا يرفع بالحمد إلا إذا فرغ الحضور من الأكل، فيقول: «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه» (٢) أو: «الحمد لله الذي أطعمني وسقاني من غير حول مني ولا قوة».
ويستحب الأكل والشرب باليمين، ودليل ما سبق قول النبي ﷺ لعمر بن أبي مسلمة: «بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» (٣) وقوله ﵇: «إذا أكل أحدكم، فليأكل بيمينه، وإذا شرب، فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٤). والأكل مما يليه من موضع واحد، إلا أن يكون طبقاً فيه ألوان الثمار، فيأكل من حيث شاء، لأنه ألوان، كما ورد في الأثر.
ويستحب الأكل بثلاث أصابع لما ثبت عن النبي (٥). والتقليل من الأكل فيجعل ثلثاً للطعام، وثلثاً للشراب، وثلثاً للنَّفَس. وترك التبسط في الطعام، كما هو خلُق السلف. وألا يأكل متكئاً (٦)، وقال الحنفية: لا بأس به. وألا ينفخ في
стр. 2545
الطعام ولا في الشراب، ولا يتنفس في الإناء. وأن يوافق من يأكل معه في تصغير اللقم، وإطالة المضغ، والتمهل في الأكل، وألا يشرب من فم الإناء. ويجوز الشرب قائماً، والأفضل القعود. وإذا كان جماعة يدار عليهم ماء الشرب، يأخذ بعد الأول: الأيمن فالأيمن.
ويسن تناول الحلو من الأطعمة، وكثرة الأيدي على الطعام، وإكرام الضيف، والحديث الحسن القليل على الأكل، ويكره السكوت، لأنه تشبه بالمجوس.
ويكره ذم الطعام إذا كان الطعام لغيره، لما فيه من الإيذاء، فإن كان له فلا.
ويسن أن يأكل من أسفل الصحفة، ويكره من أعلاها، أو وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها (١).
ومن السنةالبداءة بالملح والختم به؛ لأن فيه شفاء من سبعين داء. ويبسط رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ولا يأكل الطعام حاراً، ولا يشمه.
المبحث الثاني - الأشربة:
البحث هنا في الأشربة يتناول حكم الحرام والحلال منها، والانتباذ في الظروف والأواني، وتخليل الخمر.
أولاً - حكم الأشربة: اتفق العلماء على أن الأصل في الأشربة والأطعمة الإباحة، لقوله تعالى:
стр. 2546
﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة:٢٩/ ٢] فكل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، أو عصر من التمر والزهر فهو حلال. واتفقت المذاهب (المفتى به - وهو رأي محمد - عند الحنفية، وغير الحنفية) (١) على تحريم جميع الأشربة المسكرة، قليلها وكثيرها، نيئها ومطبوخها، سواء أكانت خمراً (وهي عصير العنب المتخمر) أم غيرها من الأشربة الأخرى المتخذة من الزبيب أو التمر أو العسل والتين، أو الحبوب كالقمح والشعير والذرة، ونحوها، ويحد كما سأوضح في بحث الحدود شارب القليل أو الكثير منها عند غير الحنفية، ولا يحد إلا بالسكر من الأشربة غير الخمر، أو بشرب القليل أو الكثير من الخمر عند الحنفية، لقوله ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (٢)، «أنهاكم عن قليل ما أسكر قليله» «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (٣) «إن من العنب خمراً، وإن من العسل خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن الحنطة خمراً، ومن التمر خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» (٤).
ويحرم جميع ما هو ضار من الأشربة كالسم وغيره، وكل ما هو نجس كالدم المسفوح والبول، ولبن الحيوان غير المأكول عدا الإنسان، وكل ما هو متنجس كالمائع الذي وقعت فيه نجاسة لما فيه من الضرر على الإنسان.
خلط الخمر بغيرها: يحرم بالاتفاق شرب الماء الممزوج بالخمر، لما فيه من
стр. 2547
ذرات الخمر، ويعزَّر الشارب، ويجب الحد إن كانت الخمر أكثر من الماء، لبقاء اسم الخمر ومعناها. كما يحرم شرب الخمر المطبوخة؛ لأن الطبخ لا يحل حراماً، ولو شربها يجب الحد، لبقاء اسم الخمر ومعناها (١).
ويكره تحريماً عند الحنفية أكل الخبز المعجون بالخمر، لوجود ذرات الخمرفيه، وفيه التعزير. ويحرم ذلك عند غير الحنفية، ولا حد فيه عند الكل، والخلاف في التسمية والاصطلاح فقط. فما ثبت بدليل ظني كالقياس وخبر الآحاد يسميه الحنفية مكروهاً تحريماً يعاقب فاعله، والجمهور يسمونه حراماً.
ويكره تحريماً أيضاً عند الحنفية (٢) الاحتقان بالخمر (بأخذها حقنة شرجية) أو جعلها في سَعُوط (ما يصب في الأنف من دواء ونحوه)؛ لأنه انتفاع بالمحرَّم النجس، ولكن لا يجب الحد، لأن الحد مرتبط بالشُّرْب.
كذلك لا يحد بالاحتقان والسَّعُوط عند الشافعية والمالكية. ولا يحد بالاحتقان بالخمر عند الحنابلة، لكن يحد إن استعط به، لأنه أوصله إلى باطنه من حلقه (٣).
ويكره تحريماً عند الحنفية (٤) شرب دُرْدِي الخمر (٥)، والامتشاط به، ليزيد بريقَ الشَّعَر؛ لأن فيه ذرات الخمر المتناثرة فيه، وقليله ككثيره، للأحاديث المتقدمة. ولكن لا يحد شاربه إلا إذا سكر منه، لأنه لا يسمى خمراً.
стр. 2548
وقال غير الحنفية (١): يحرم شرب دردي الخمر، ويحد به، لأنه خمر بلا شك.
الأدوية السامة: قال الحنابلة (٢) في الأصح: ما فيه السموم من الأدوية: إن كان الغالب من شربه واستعماله الهلاك به أو الجنون، لم يبح شربه. وإن كان الغالب منه السلامة، ويرجى منه المنفعة، فالأولى إباحة شربه، لدفع ما هو أخطر منه كغيره من الأدوية، ولأن كثيراً من الأدوية يخاف منه، وقد أبيح لدفع ما هو أضر منه.
المخدرات: تحرم جميع المخدرات وهي كل ما يضر بالجسم والعقل كالبنج والأفيون والحشيشة ونحوها، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتِّر» (٣) ولما فيها من الإضرار بالعقل والجسم، ولما تؤدي إليه من تعطيل الأعمال والكسل والاسترخاء والخمول.
ما يستثنى من حكم المسكرات والمخدرات: يباح تناول شيء من المسكر للضرورة كإزالة اللقمة بالغصة إذا لم يوجد شراب آخر غير الخمر، ويباح التداوي بالأدوية الممزوجة بالكحول للضرورة أو الحاجة إذا لم يتوافر دواء آخر سواها. ويحل استعمال المخدر في العمليات الجراحية وتسكين الآلام الشديدة بحقنة أو شرب أو ابتلاع للضرورة.
غير المسكر: يحل شرب كل الأشربة غير المسكرة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة.
стр. 2549
لكن يكره تحريماً من غيرالمسكر (١): المنصَّف: وهو ما يعمل من تمر ورطب، والخليطان: وهو ما يعمل من بُسْر ورطب، أو تمر وزبيب، ما لم يغل، أو لم تأتِ عليه ثلاثة أيام، فإن قصرت المدة، فلا كراهة. فيباح الانتباذ (طرح التمر أو الزبيب أو الحبوب في الماء) إذا بقي مدة يسيرة كيوم أو ليلة ونحوها بحيث لا يحتمل توقع الإسكار فيها، بدليل ما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن ابن عباس: أنه كان ينقع الزبيب للنبي، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الليلة الثالثة، ثم يأمر به فيهراق.
ودليل الكراهة: أن النبي ﷺ نهى عن الخليطين، فقال: «لا تَنْبُذوا الزَّهْو (٢) والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الزبيب والرطب جميعاً، ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته» (٣). وعن أبي سعيد «أن النبي ﷺ نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما يعني في الانتباذ (٤)».
ولأن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط، قبل أن يتغير، فيظن الشارب أنه ليس بمسكر، ويكون مسكراً.
وصرح المالكية والحنابلة (٥) بأنه لابأس بالفُقَّاع (وهو شراب يتخذ من قمح وتمر، وقيل: ماجعل فيه زبيب ونحوه حتى انحل فيه) لأنه غير مسكر، وإنما يتخذ
стр. 2550
لهضم الطعام. ويحل عندهم شراب السوبيا: وهو مايتخذ من الأرز بطبخه طبخاً شديداً حتى يذوب في الماء، ويصفى ويوضع فيه السُّكَّر ليحلو به.
ويحل عقيد العنب: وهو ماء العنب المغلي حتى يعقد ويذهب إسكاره الذي حصل في ابتداء غليانه، ويسمى الرُّب الصامت. ولاتحل هذه الأشربة إلا إذا أمن السكر منها. وبه يظهر أن الدبس ونحوه من المربَّيات مباح لعدم الإسكار.
ثانياً - الانتباذ في الظروف والأواني: اتفق العلماء على أنه يجوز الانتباذ (اتخاذ النبيذ المباح) في الأوعية المصنوعة من جلد، وهي الأسقية، واختلفوا فيما عداها:
فقال الحنفية (١): لابأس بالانتباذ في جميع الظروف والأواني، سواء الدُّبَّاء والحَنْتم والمُزفَّت والنَّقير (٢)؛ لأن الشراب الحاصل ليست فيه شدة مطربة. والنهي عن الانتباذ في هذه الأوعية منسوخ بقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأَدَم - الجلود المدبوغة - فاشربوا في كل وعاء، غير ألا تشربوا مسكراً» (٣). وفي رواية: «نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفاً لايحل شيئاً، ولايُحرِّمه، وكل مسكر حرام» (٤).
стр. 2551
وقال المالكية (١): يكره الانتباذ في الدباء والمزفت فقط، ولايكره في غير ذلك من الفخار وغيره من الظروف وإن طالت المدة ما لم يظن به الإسكار. وعلة الكراهة خوف تعجيل الإسكار، لما ينبذ فيها، إذ شأنها ذلك بخلاف غيرها.
وقال الشافعية والحنابلة (٢) كالحنفية: يجوز الانتباذ في الأوعية كلها.
ثالثاً - تخلل الخمر وتخليلها: اتفق الفقهاء على أن الخمر إذا تخللت بنفسها، جاز أكلها، لقوله ﷺ : «نعم الأُدْم الخل» (٣).
وإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس، ولو بقصد التخليل، حل الخل عند الحنفية والشافعية والظاهرية، وفي احتمال عند الحنابلة؛ لأن الشدة المطربة (أي الإسكار) التي هي علة النجاسة والتحريم، قد زالت من غير أن تعقب نجاسة في الوعاء، فتطهر.
ويحتمل في وجه آخر عند الحنابلة ألا تطهر، لأنها خللت بفعل، كما لو ألقي فيها شيء (٤).
ويعرف التخلل عند أبي حنيفة بالتغير من المرارة إلى الحموضة، بحيث لا
стр. 2552
يبقى فيها مرارة أصلاً، فلو بقي فيها بعض المرارة، لا يحل شربها؛ لأن الخمر عنده لا تصير خلاً إلا بعد تكامل معنى الخلية فيه، كما لا يصير العصير عنده خمراً إلا بعد تكامل معنى الخمرية، كما سأذكر في حد الشرب.
وقال الصاحبان: تصير الخمر خلاً بظهور قليل من الحموضة فيها، اكتفاء بظهور الخَلِّية فيها، كما أن العصير يصير خمراً بظهور دليل الخمرية عندهما. ويظهر أن هذا هو رأي بقية الفقهاء.
وأما تخليل الخمر بعلاج بإلقاء جسم غريب عنها كالملح أو الخل أو السمك أوالخبز الحار، أو البصل، أو بإيقاد النار قربها، حتى صارت حامضاً، فيجوز، ويحل شربها عند الحنفية، لأنه إصلاح، والإصلاح مباح، قياساً على دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، كما ثبت في السنة النبوية: «أيما إهاب دبغ، فقد طهر» (١). وقال ﷺ عن جلد الشاة الميتة: «إن دباغها يُحلِّه، كما يُحِلُّ خَلَّ الخمر» (٢) فأجاز النبي التخليل، كما ثبت حل الخل شرعاً، بدليل قوله ﷺ : «خير خلكم خل خمركم» (٣). والحديث السابق: «نعم الأدمْ الخل» لم يفرق بين التخلل بنفسه، والتخليل، فالنص مطلق.
ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح، كما تقدم، لأنه يشبه إراقة الخمر.
стр. 2553
وإذا صارت الخمر خلاً، يطهر ما يجاورها من الإناء، كما يطهر أعلى الإناء (وهو الذي نقص منه الخمر) تبعاً.
و للمالكية في تخليل الخمر بمعالجة أقوال ثلاثة: قول بالمنع أو التحريم؛ لأن النبي صلّى الله عليه
وسلم أمر بإراقة راوية خمر، أهداها له رجل (١)، ولو جاز تخليلها، لما أباح له إراقتها، ولنبهه على تخليلها.
وقول بالجواز مع الكراهة؛ لأن علة تحريم الخمر الشدة المطربة، فإذا زالت زال التحريم، كما لو تخللت بنفسها.
وقول بالتفصيل: يجوز تخليل الخمر الذي تخمر عند صاحبه، بدون قصد الخمرية، ولا يجوز تخليل الخمر المتخذة خمراً.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يحل تخليل الخمر بالعلاج، ولا تطهر حينئذ؛ لأننا مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التموُّل، وهو مخالف للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها، فينجسها بعد انقلابها خلاً، ولأن الرسول ﷺ أمر بإهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها. وعن أبي طلحة: أنه سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، فقال: «أهرقها» قال: «أفلا أخللها؟ قال: لا» (٢) وهذا نهي يقتضي التحريم. ولو كان إلى استصلاحها سبيل مشروع لم تجز إراقتها، بل أرشدهم إليه، لاسيما وهي لأيتام، يحرم التفريط في أموالهم (٣).
стр. 2554
المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي:
الأصل في اللباس والزينة الحل والإباحة، سواء في الثوب والبدن والمكان، لقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة:٢٩/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق .. ﴾ [الأعراف:٣٢/ ٧] وقوله : ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً .. ﴾ [الأعراف:٢٦/ ٧]. والريش كما قال ابن عباس: كل ما ظهر من الثياب والمتاع مما يلبس ويفرش.
ويحرم استعمال الذهب والفضة للرجال والنساء في الآنية ووسائل الكتابة والزينة وغيرها في غير البيع والشراء باتفاق أئمة المذاهب (١)، فلا يجوز الأكل والشرب والادهان والاكتحال والتطيبُ والتوضؤ في آنية الذهب والفضة، كما لا يجوز استعمال الساعات والأقلام وأدوات المكتب والمرايا وأدوات الزينة الذهبية أو الفضية، ولا يجوز تزيين البيوت والمجالس بالذهب وبالفضة؛ لقوله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما (٢)، فإنها لهم - أي للمشركين - في الدنيا، ولكم في الآخرة» (٣) وقوله: «الذي يشرب في إناء الفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (٤).
стр. 2555
والجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف. وحرم الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية اتخاذ آنية الذهب والفضة أي اقتناءها؛ لأن اتخاذها يجر إلى استعمالها، وماحرم استعماله مطلقاً حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال. وقال الشافعية: وظاهره حرمة الاتخاذ ولو للتجارة؛ لأن آنية الذهب والفضة ممنوع من استعمالها لكل أحد، بعكس الحرير، يجوز اتخاذه للتجارة فيه، لأنه ليس ممنوعاً من استعماله لكل أحد.
ويستثنى من حرمة استعمال الذهب والفضة أمور للضرورة أو للحاجة:
١ - صناعة الأنف إذا قطع، والأسنان إذا سقطت، يجوز عملها من الذهب أو الفضة. وهذا رأي الجمهور ومنهم محمد، وفي رواية عن أبي يوسف من الحنفية. وقال أبو حنيفة: لا تشد الأسنان بالذهب، وتشد بالفضة، وأضاف الحنفية: لا بأس بمسمار الذهب لتثبيت حجر فص الخاتم، لأنه تابع له. وقال الشافعية: يحرم سن خاتم الذهب على الرجل وهي الشعبة التي يستمسك بها الفص.
٢ - طلاء الأدوات بالذهب أو الفضة إذا كان قليلاً: بأن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار، أو الذي لا يخلص، أي لا يمكن فصل شيء مادي منه.
٣ - أجاز أبو حنيفة الشرب والوضوء في الإناء المفضض (المزين بالفضة)، والركوب على السَرْج المفضض، والجلوس على السرير المفضض.
وأجاز أيضاً الإناء المضبب (الذي لحم كسره) بالذهب والفضة، والكرسي المضبب بهما، وكذا إذا جعل ذلك في السيف وحلقة المرآة، أو جعل المصحف مذهباً أو مفضضاً، ومثل ذلك اللجام والركاب، والثوب الذي كتب فيه بذهب أو فضة. ولا بأس بتحلية المصحف ونقش المسجد وزخرفته بماء الذهب إذا كان المقصود بذلك تعظيمه، ويكره إذا كان بقصد الرياء.
стр. 2556
وقال المالكية: لا بأس بالفضة (لا الذهب) في حلية الخاتم أو السيف والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك. وفي الجملة عندهم قولان بالمنع أو الكراهة في المموه بالذهب والفضة، وفي الإناء المضبب.
وقال الشافعية: يحرم الإناء المطلي بذهب أو فضة إن حصل من الطلاء شيء بعرضه على النار، ويحل إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار. ويحرم الإناء
المضبب (١) بضَبة فضة كبيرة عرفاً لزينة، فإن كانت كبيرة للحاجة، جاز مع الكراهة، وإن كانت صغيرة عرفاً لزينة كرهت، أما لحاجة فلا تكره بدليل ما رواه البخاري عن عاصم الأحول قال: «رأيت قدح النبي عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة .. ». أما ضبة الذهب فتحرم مطلقاً، كبيرة أو صغيرة لحاجة أو لزينة، كلها أو بعضها، ولو كمكحلة.
ويجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل والمرأة، وتحلية آلة الحرب كالسيف والرمح والمنطقة بالفضة للرجل لأنها تغيظ الكفار، ولا يحل ذلك للمرأة ولا يجوز تحلية ما لا يلبسه الرجل من آلات الحرب كالسرج واللجام.
وللمرأة تحلية المصحف بالذهب أيضاً. والتحلية: وضع قطع رقيقة.
ويحرم تمويه السقوف والجدران بالذهب والفضة، سواء أمكن استخراج شيء منها بالعرض على النار أم لا.
ويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب أو بالفضة، كما يحرم كسوتها بالحرير المزركش بالذهب أو بالفضة.
стр. 2557
وقال الحنابلة مثل الشافعية: يحرم المضبب بضبة كثيرة من الذهب أو الفضة، لحاجة أو غيرها. ولا يباح اليسير من الذهب إلا للضرورة كأنف الذهب وما ربط به الأسنان، ويباح اليسير من الفضة؛ لحاجة الناس إليه.
وعلل الفقهاء حرمة استعمال الذهب والفضة بالسرف والخيلاء، والأصح في التعليل: هو كون الذهب والفضة أثمان الأشياء، والنقد المتداول، فلو أبيح استعمالها لأثَّر ذلك في رواجهما في الأسواق، فيحل الاضطراب والقلق.
ويجوز استعمال غير آنية الذهب والفضة من الأواني النفيسة كإناء ياقوت وزمّرد وزجاج وبلور وعقيق وزبرجد ومرجان ولؤلؤ، ونحاس ورصاص، ونحو ذلك؛ لأنها ليست في معنى الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة، ولأن النبي ﷺ توضأ من إناء نحاس (١).
لبس الحرير والتختم بالذهب والفضة:
يحرم على الرجال لبس الحرير والتختم بالذهب، ويحل للنساء اللبس والتختم مطلقاً والتحلي بالحلي من الذهب والفضة (٢)، لقوله ﷺ : «الذهب
стр. 2558
والحرير حِلٌّ لإناث أمتي، حرام على ذكورها» (١) وعن علي «نهى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب» (٢) وعن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ رأى في يد رجل خاتماً من ذهب، فنزعه فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (٣)، وقال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» (٤).
واستثنى أئمة المذاهب الخاتم الفضي للرجل، فأباحوا له لبسه والتختم به إذا كان قليلاً، ومقداره عند الحنفية: بقدر مثقال (٩٧٥،٢ غم) فما دونه، وعند المالكية: إذا كان لا يزيد على درهمين بشرط الاقتداء بالنبي ﷺ . والصواب عند الشافعية: بما دون المثقال. والمعول في ذلك على العرف والعادة، سواء زاد عن مثقال أو نقص عنه، فمتى زاد على العادة حرم. ويلبس في خنصر اليد اليسرى. ولو لِبسه في غير الخنصر جاز مع الكراهة عند الشافعية. وقال الحنفية: ترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي الحاجة إليه أولى، والحاجة مثل الختم به.
ولا يحل للرجال بحال كالخطبة والزواج التختم بخاتم الذهب، لنهي النبي ﷺ عنه. ويشتد التحريم بقصد تقليد غير المسلمين. ولا بأس أيضاً عند الحنفية من استخدام المنطقة (ما ينتطق به الرجل ويشد وسطه) وحلية السيف، من الفضة، كالخاتم، بشرط ألا يضع يده على موضع الفضة، لورود الآثار في إباحة ذلك.
стр. 2559
أما الخاتم: فأخرج الأئمة الستة عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من فضة، له فص حبشي، ونقش فيه: محمد رسول الله».
وفي السيف وردت عدة أحاديث: منها مارواه أبو داود والترمذي عن أنس، قال: «كانت قبيعة - مقبض - سيف رسول الله ﷺ فضة».
وأما المنطقة: ففي عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري قال: «وكان للنبي ﷺ منطقة من أديم منشور ثلاث، حَلَقها وإبزيمها (١)، وطرفها فضة» (٢).
ولابأس عند أبي حنيفة بتوسد الحرير (جعله وسادة أي مخدة)، وافتراشه والنوم عليه؛ لأن ذلك استخفاف به، فصار كالتصاوير على البساط، فإنه يجوز الجلوس عليه. وقال الصاحبان: يكره التوسد والافتراش والجلوس على الحرير، لعموم النهي عنه، ولأنه زي من لا خلاق له من الأعاجم.
ولابأس عند الصاحبين للضرورة بلبس الديباج (وهو ماسداه ولحمته إبْريَسم أي أحسن الحرير) في الحرب؛ لأن الحاجة ماسة إليه، فإنه يردّ الحديد بقوته، ويكون رعباً في قلوب الأعداء، وهو أهيب في عين العدو لبريقه ولمعانه. وعن الحكم بن عمير، قال: «رخص رسول الله ﷺ في لباس الحرير عند القتال» (٣) ويكره لبسه عند أبي حنيفة لعموم النهي، والضرورة تندفع بالمخلوط.
وأباح الحنفية في الحرب وغيرها لبس الثوب المختلط بالحرير (المُلْحَم) بأن كان سداه حريراً ولحمته غير حرير كقطن أو كتان أو خز (صوف مخلوط بحرير:
стр. 2560
لحمته صوف، وسداه حرير)؛ لأن الصحابة كانوا يلبسون الخز، والخز مسدّى بالحرير، ولأن النسج باللحمة، فهي المعتبرة دون السدى. فإن انعكس الأمر بأن كانت لحمة الثوب حريراً، وسداه غير حرير، لايحل لبسه في غير الحرب، ولابأس به في الحرب باتفاق الحنفية.
ويجوز عند الحنفية قليل الحرير، فالقليل عفو: وهو مقدار ثلاثة أو أربعة أصابع، كالأعلام، والمكفوف بالحرير، لما روى عمر، فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» (١). وكان النبي ﷺ يلبس جبة مكفوفة بالحرير (٢).
ويجوز للضرورة لبس الحرير لستر عورة أو وقاية الجسم من الحر أو البرد حتى يجد غيره من الثياب المباحة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.
ويباح للضرورة عند جمهور الفقهاء غير المالكية لبس الحرير لدفع أذى من قَمْل ونحوه، أو لدفع مرض كجرب وغيره، بدليل أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما (٣). وقال المالكية: لا يحل ولو لذاك، ويلاحظ أن الحديث حجة عليهم.
ويكره عند الحنفية للولي أن يلبس الصبيان الذكور الذهب والفضة والحرير؛