← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

على تحريمه، وتحريم اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه. والغسلة الأولى أولى بجعل التراب فيها للخبر الوارد، وليأتي الماء بعده، فينظفه، ولا بد من استيعاب المحل المتنجس بالتراب، بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس. والأظهر عند الشافعية تعين التراب، فلا يكفي غيره كأشنان وصابون. ويقوم عند الحنابلة الأشنان والصابون والنخالة ونحوها من كل ماله قوة في الإزالة، مقام التراب، ولو مع وجوده، وعدم تضرر المحل به، لأن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف. وإذا أضر التراب بالمحل فيكفي مسماه أي أقل شيء يسمى تراباً يوضع في ماء إحدى الغسلات، للنهي عن إفساد المال، ولحديث: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (١). وأما نجاسة غير الكلب والخنزير فتطهر عند الحنابلة بسبع مرات منقية دون تراب، لقول ابن عمر: «أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً» فينصرف إلى أمره ﷺ ، وقد أمر به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر النجاسات، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به، وكذلك محل الاستنجاء يغسل سبعاً كغيره. فإن لم ينق المحل المتنجس بالسبع، زاد في الغسل حتى ينقى المحل. ولايضر بقاء لون النجاسة أو ريحها أو هما معاً حالة العجز عن إزالتهما، لحديث خولة بنت يسار السابق: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره». ويضر بقاء طعم النجاسة لدلالته على بقاء عينها، ولسهولة إزالته.

стр. 317

وأما عند الشافعية في نجاسة غير الكلب والخنزير: فإن كانت النجاسة مرئية (عينية): وهي التي تدرك بإحدى الحواس، وجبت إزالة عينها وطعمها ولونها ورائحتها. ويجب نحو صابون إن توقفت الإزالة عليه. ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، كما قرر الفقهاء بالاتفاق، ويضر بقاؤهما معاً، أو بقاء الطعم وحده. ولايشترط عدد معين للغسلات. وإن كانت النجاسة غير مرئية (لا عين عليها): وهي ما تيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح، كفى جري الماء عليها مرة، كبول جف ولم يبق له أثر. والجري: هو وصول الماء إلى المحل بحيث يسيل عليه زائداً على النضح. ٢ - العصر فيما يمكن عصره ويتشرب كثيراً من النجاسة: قال الحنفية: إن كان محل النجاسة مما يتشرب كثيراً من النجاسة: فإن كان مما يمكن عصره كالثياب: فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول عين النجاسة، إن كانت النجاسة مرئية. وبالغسل ثلاثاً والعصر في كل مرة إن كانت غير مرئية؛ لأن الماء لايستخرج كثير النجاسة إلا بالعصر، ولا يتم الغسل بدونه. أما إن كان محل النجاسة مما لا يتشرب شيئاً أصلاً من النجاسة كالأواني الخزفية والمعدنية، أو مما يتشرب شيئاً قليلاً من النجاسة كالجسد والخف والنعل، فطهارته بزوال عين النجاسة. وأما إن كان مما لا يعصر كالحصير والسجاد والخشب: فينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، وهو قول أبي يوسف، وهو الرأي الراجح، وقال محمد: لا يطهر أبداً.

стр. 318

وأما تطهير الأرض: فإن كانت رخوة، فيصب الماء عليها، حتى يتسرب في أسفل الأرض، وتزول النجاسة، ولا يشترط فيها العدد، وإنما بحسب الاجتهاد وغلبة الظن بطهارتها، ويقوم تسرب الماء أو تسفله مقام العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية: يصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة. وإن كانت صلبة فإن كان في أسفلها حفرة أو بالوعة يصب الماء عليها ثلاث مرات ويزال عنها إلى الحفرة. وإن لم يكن لها منفذ للماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل. وتطهر عند الشافعية بمكاثرة الماء عليها، كما سأبيّن قريباً. ولم يشترط غير الحنفية العصر فيما يمكن عصره، إذ البلل بعض المنفصل، وقد فرض طهره. ومرجع الخلاف هو حكم الغسالة الآتي بيانه، هل هي طاهرة أو نجسة، إن حكم بطهارتها لم يجب العصر، وإلا وجب. لكن يسن العصر خروجاً من الخلاف. أما مالا يمكن عصره فلا يشترط فيه العصر، بلا خلاف. ٣ - الصب أو إيراد الماء على النجاسة (الغسل في الأواني): قال الحنفية: لا يشترط صب الماء أو وروده على محل النجاسة، فيطهر الغسل في الأواني، وغسل الثوب المتنجس أو البدن المتنجس، بتبديل الماء بماء جديد، ثلاث مرات، والعصر في كل مرة، ويغسل الإناء بعد الغسلة الأولى ثلاثاً، وبعد الثانية مرتين، وبعد الثالثة مرة واحدة، وذلك إذا حدث الغسل في إناء واحد، أما إن غسل في آنية ثلاثة، فكل إناء ينوب عن تبديل الماء مرة. لكن المعتبر - كما أبنت وكما أوضح ابن عابدين (١) - في تطهير النجاسة

стр. 319

المرئية: زوال عينها، ولو بغسلة واحدة، ولو في إناء واحد (إجانة: إناء تغسل فيه الثياب) فلا يشترط فيها تثليث غسل ولا عصر. وأما غير المرئية فالمعتبر فيها غلبة الظن في تطهيرها، بلا عدد، على المفتى به، وقيل: مع شرط التثليث. وهذا المفتى به عند الحنفية يقترب من مذهب المالكية القائلين بإزالة عين النجاسة. وقال الشافعية: يشترط ورود الماء، لا العصر في الأصح. أي يشترط ورود الماء على محل النجاسة، إن كان الماء قليلاً، لئلا يتنجس الماء لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه. فلو وضع ثوباً في إجَّانة وفيه دم معفو عنه، وصب الماء عليه تنجس بملاقاته، وتجب المبالغة في الغرغرة عند غسل فمه المتنجس، ويحرم ابتلاع نحو طعام قبل ذلك. هذا … وقد اتفق الحنفية مع غيرهم على أن المتنجس إذا غسل في ماء جار، أو غدير (أي ماء كثير له حكم الجاري) أو صب عليه ماء كثير، أو جرى عليه الماء، طهر مطلقاً، بلا شرط عصر وتجفيف، وتكرار غمس، لأن الجريان بمنزلة التكرار والعصر (١). تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة: قال الحنفية (٢): إذا كانت الأرض المتنجسة صلبة منحدرة، يحفر في أسفلها حفرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويزال عنها إلى الحفرة، بدليل ما أخرجه الدارقطني عن أنس في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه» (٣). ولا تطهر الأرض بمكاثرة الماء.

стр. 320

وقال غير الحنفية (١): تطهر الأرض النجسة بالصب ومكاثرة الماء عليها أي كثرة إفاضة أو طرح الماء عليها، حتى تغمر النجاسة. لحديث أبي هريرة قال: «قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي ﷺ : دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنُوباً من ماء، فإنكم بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا مُعسِّرين» (٢). وأما تطهير الماء النجس بالمكاثرة ففيه تفصيل عند الشافعية (٣): أـ إن كانت نجاسته بالتغير، وهو أكثر من قلتين، طهر، بأن يزول التغير بنفسه، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه؛ لأن النجاسة بالتغير، وقد زال. ب - وإن كان نجاسته بالقلة، بأن يكون دون القلتين، طهر بأن يضاف إليه ماء آخر، حتى يبلغ قلتين، سواء كوثر بماء طاهر أو نجس، كثير أو قليل. ويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين، كالأرض النجسة إذا طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، لإيراد الماء على النجاسة (٤). لكن الماء الذي طهر بالمكاثرة، دون أن يبلغ قلتين، هو طاهر غير مطهر؛ لأن المستعمل في إزالة النجاسة لا تجوز الطهارة به.

стр. 321

وأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، والنجاسة الواقعة جامدة، فالمذهب أنه تجوز الطهارة منه، لأنه لا حكم للنجاسة القائمة، فكان وجودها كعدمها. وإن كان الماء قلتين فقط، وفيه نجاسة قائمة، ففيه وجهان، أصحهما جواز الطهارة به. وإن كانت النجاسة ذائبة جازت الطهارة به على الصحيح. التطهير بالماء الجاري: قال الحنفية (١): يختلف حكم الماء الجاري عن الراكد. والجاري: هو ما يعده الناس جارياً عرفاً. وألحقوا بالجاري: حوض الحمام وغير الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه، والناس يغترفون منه، فلو أدخلت القَصْعة أو اليد النجسة فيه، لاينجس. وحكمه: أنه إذا وقعت النجاسة فيه، ولم ير لها أثر من طَعْم أو لون أو ريح، فهو طاهر مطهر، يجوز الوضوء به، وإزالة النجاسة به؛ لأن النجاسة إذا كانت مائعة لا تستقر مع جريان الماء. أما إذا كانت دابة ميتة: فإن كان الماء يجري عليها أو على أكثرها، أو نصفها، لا يجوز استعماله، وإن كان يجري على أقلها، وأكثره يجري على موضع طاهر، وللماء قوة، فإنه يجوز استعماله، إذا لم يوجد أثر للنجاسة. والغدير (٢) والحوض العظيم الراكد: وهو في رأي العراقيين: الذي لايتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه. وفي

стр. 322

ظاهر الرواية وهو الأصح: هو الذي يغلب على ظن المرء واجتهاده عدم وصول النجاسة فيه إلى الجانب الآخر. يجوز الوضوء وإزالة النجاسة به من الجانب الآخر الذي لم تقع فيه النجاسة؛ لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إلى الجانب الآخر، كما أن المفتى به جواز التطهر به من جميع الجوانب. وقال غير الحنفية (١) الماء الجاري كالراكد، إن كان كثيراً لا تضره النجاسة، التي لم تغير أحد أوصافه (الطعم واللون والريح) فهو طاهر، وإن كان قليلاً تنجس مجموعه بمجرد الملاقاة. ولا حد للكثرة عند المالكية. والكثير عند الشافعية والحنابلة: ما بلغ قلتين (٥٠٠ رطل بغدادي تقريباً). والعبرة في الجاري بالجرية: وهي كما عرفها الشافعية: ما يرتفع من الماء عند تموُّجه: أي تحقيقاً أوتقديراً، فإن كبرت الجرية لم تنجس إلا بالتغير، وهي في نفسها منفصلة عما أمامها وما خلفها من الجريات حكماً. والجرية عند الحنابلة: هي الماء الذي فيه النجاسة، وما قرب منها، من خلفها وأمامها، مع ما يحاذي ذلك مما بين طرفي النهر. أو هي ما أحاط بالنجاسة فوقها وتحتها، ويمنة ويسرة. والتعريفان مترادفان. فإن كان الماء جارياً، وفيه نجاسة جارية، كالميتة، والجرية المتغيرة، فالماء الذي قبلها طاهر؛ لأنه لم يصل إليه النجاسة، فهو كالماء الذي يصب على النجاسة من إبريق، والذي بعدها طاهر أيضاً؛ لأنه لم تصل إليه النجاسة. وأما ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها: فإن كان قلتين ولم يتغير، فهو طاهر، وإن كان دونهما، فهو نجس كالراكد.

стр. 323

وينظر إلى أجزاء الجرية الواحدة، بعضها ببعض: وهي ما يرتفع وينخفض بين حافتي النهر من الماء عند تموجه. أما الجريات فلا يتقوى بعضها ببعض، فلو وقعت فيه نجاسة، وجرت بجرية، فموضع الجرية المتنجس بها نجس، وأما المارة بعدها، فلها حكم غسالة النجاسة، فلو كانت النجاسة كلباً، فلا بد من سبع جريات مع كدورة الماء بالتراب الطهور في إحداهن. ويعرف كون الجرية قلتين بأن تمسح، وتضرب ذراعاً وربعاً، طولاً وعرضاً وعمقاً. وإذا كان أمام الماء الجاري ارتفاع يرده، فله حكم الراكد. والخلاصة: أنه إذا وردت النجاسة على الماء تنجس الماء إجماعاً، وإذا ورد الماء على نجس تنجس (١). المبحث الرابع - حكم الغُسَالة: الغُسَالة: هي الماء المستعمل في إزالة حدث أو خبث أي إزالة النجاسة الحكمية أو الحقيقية. وحكمها عند الجمهور غير الحنفية أنها طاهرة إذا طهر المحل المغسول. وللفقهاء تفصيلات في شأنها. قال الحنفية (٢): غسالة النجاسة نوعان: غسالة النجاسة الحقيقية، وغسالة النجاسة الحكمية وهي الحَدَث. أما غُسالة النجاسة الحكمية: وهي الماء المستعمل، فهو في ظاهر الرواية طاهر غير مطهر، أي لا يجوز التوضؤ به، لكن في الراجح يجوز إزالة النجاسة الحقيقية به.

стр. 324

والماء المستعمل: هو ما زايل البدن واستقر في مكان. أما مادام على العضو الذي استعمله فيه فلا يكون مستعملاً. ويصير مستعملاً إما بإزالة الحدث، أو بنية إقامة القربة، كالصلاة المعهودة، وصلاة الجنازة، ودخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرآن ونحوها. فإن كان الشخص محدثاً صار الماء مستعملاً بلا خلاف عندهم، لوجود السببين: وهو إزالة الحدث، وإقامة القربة جميعاً. وإن لم يكن محدثاً يصير مستعملاً أيضاً عند أئمة الحنفية ما عدا زفر، لوجود إقامة القربة، لكون الوضوء نوراً على نور. وعند زفر لا يصير مستعملاً لانعدام إزالة الحدث. أما إن كان الوضوء أو الغسل للتبرد ولم يكن محدثاً لا يصير مستعملاً. وأما غسالة النجاسة الحقيقية: فهي نجسة إذا انفصلت متغيرة، بأن تغير طعمها أو لونها أو ريحها. أو إذا لم يطهر المحل، كما لو انفصلت بعد الغسلات الثلاث، الأولى والثانية والثالثة من نجاسة غير مرئية؛ لأن النجاسة انتقلت إليها، إذ لا يخلو كل ماء عن نجاسة. ولا يجوز الانتفاع بالغُسَالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل الطين وسقي الدواب ونحو ذلك، إن كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها؛ لأنه لما تغير، دل على أن النجس غالب، فالتحق بالبول. وإن لم يتغير شيء من ذلك يجوز الانتفاع بها، لأنه لما لم يتغير دل على أن النجس لم يغلب على الطاهر، والانتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة. وقال المالكية (١): إن انفصلت الغُسَالة متغيرة الطعم أو اللون أو الريح، فهي

стр. 325

نجسة، والموضع نجس. وإن طهر المحل، كانت الغسالة طاهرة. ولا يجوز استعمال المتنجس في العادات. والأظهر عند الشافعية (١): طهارة غُسَالة قليلة تنفصل بلا تغير، وقد طهر المحل، لأن البلل الباقي على المحل هو بعض المنفصل، فلو كان المنفصل نجساً، لكان المحل كذلك. أما الكثيرة فطاهرة ما لم تتغير، وإن لم يطهر المحل. أي أن الغُسَالة القليلة المنفصلة طاهرة غير مطهرة، ما لم تتغير بطعم أو لون أو ريح، ولم يزد وزنها، بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء، ويعطيه من الوسخ الطاهر، وقد حل المحل. أما إذا تغيرت أو زاد وزنها، أو لم يطهر المحل، فهي نجسة كالمحل. وبه يتبين أن الغُسَالة كالمحل مطلقاً، فحيث حكم بطهارته، حكم بطهارتها، وحيث لا، فلا. وقال الحنابلة (٢) كالشافعية: ما أزيلت به النجاسة، إن انفصل متغيراً بالنجاسة، أو قبل طهارة المحل، فهو نجس، لأنه تغير بالنجاسة، كما أن الماء القليل إذا لاقى محلاً نجساً لم يطهره، يكون نجساً، كما لو وردت النجاسة عليه. وإن انفصل غير متغير من الغسلة التي طهر بها المحل ففيه تفصيل: فإن كان المحل أرضاً فهو طاهر، لطهارة الأرض التي بال عليها الأعرابي بصب دلو عليها، بأمره ﷺ . وإن كان غير أرض: فيه وجهان أصحهما أنه طاهر.

стр. 326

الفَصْلُ الثَّالث: الاستِنْجَاء معناه، حكمه، وسائله، مندوباته، آداب قضاء الحاجة. أولاً - معنى الاستنجاء والفرق بينه وبين غيره من الاستبراء و الاستجمار ونحوهما: الاستنجاء: لغة: إزالة النجو أي الغائط. واصطلاحاً: هو قلع النجاسة بنحو الماء، أو تقليلها بنحو الحجر، فهو استعمال الأحجار أو الماء. أو هو إزالة للنجاسة من كل خارج ملوّث ولو نادراً كدم ومذي وودي، لا على الفور، بل عند الحاجة إليه بماء أو حجر. أو هو إزالة نجس عن سبيل: قبل أو دبر. فلا يطلب من ريح، وحصاة، ونوم، وفصد دم. والاستنجاء أو الاستطابة أعم من أن يكون بالماء وغيره. والاستجمار: إزالة النجس بالأحجار ونحوها، مأخوذ من الجمرات أي الأحجار. والاستبراء: طلب البراءة من الخارج، حتى يتيقن من زوال الأثر أو هو طلب براءة المخرج عن أثر الرشح من البول. و الاستنزاه: طلب البعد عن الأقذار. وهو بمعنى الاستبراء.

стр. 327

و الاستنقاء: طلب النقاوة، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء (١). وكل هذه الوسائل للتطهر من النجاسة، ولا يجوز الشروع في الوضوء حتى يطمئن المرء من زوال أثر رشح البول. ثانياً - حكم الاستنجاء والاستجمار والاستبراء: أما حكم الاستنجاء: قال الحنفية (٢): إنه في الأحوال العادية، ما لم تتجاوز النجاسة المخرج، سنة مؤكدة للرجال والنساء، لمواظبة النبي ﷺ ، ولقوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (٣). فإذا تجاوزت النجاسة المخرج، وكان المتجاوز قدر الدرهم فيجب إزالته بالماء. وإن زاد المتجاوز على قدر الدرهم، افترض الغسل بالماء أو المائع. وقال الجمهور غير الحنفية (٤): يجب الاستنجاء أو الاستجمار من كل خارج معتاد من السبيلين، كالبول أوالمذي أو الغائط، لقوله تعالى: ﴿والرجزَ فاهجر﴾

стр. 328

[المدثر:٥/ ٧٤]، وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن، ولأن الاستنجاء بالماء هو الأصل في إزالة النجاسة، ولقوله ﵇: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» (١) وقوله: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» رواه مسلم، وفي لفظ لمسلم: «لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجار» وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء باتفاق العلماء، لقوله ﷺ : «من استنجى من ريح فليس منا» (٢)، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]: «إذا قمتم من النوم، ولم يأمر بغيره» فدل على أنه لا يجب، ولأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة ههنا. والأظهر عند الشافعية: ألا استنجاء لدود وبعر بلا لوث، إذ لا نجاسة باقية، ويندب عند الشافعية والحنابلة، ويجب عند الحنفية والمالكية، بعد قضاء الحاجة قبل الاستنجاء. الاستبراء: أيضاً إما بالمشي أو التنحنح أو الاضطجاع على شقه الأيسر أو غيره بنقل أقدام وركض، وهو: أن يستخلص مجرى البول من ذكره، بمسح ذكره بيده اليسرى من حلقة دبره (بدايته) إلى رأسه ثلاثاً، لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر، والإبهام فوقه، ثم يمرهما إلى رأس الذكر، ويستحب نتره ثلاثاً بلطف ليخرج ما بقي إن كان. وعبارة المالكية والحنابلة والشافعية: يكون الاستبراء بنتر وسلت خفيفين

стр. 329

ثلاثاً: بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله، والإبهام فوقه، ثم يسحبه برفق، حتى يخرج ما فيه من البول. والنتر: جذبه، وندب أن يكون كل منهما برفق، وذلك حتى يغلب الظن نقاوة المحل من البول، ولا يتتبع الأوهام، فإنه يورث الوسوسة، وهي تضر بالدين (١). روى الإمام أحمد حديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات». واستبراء المرأة: أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها. والاستبراء عموماً يختلف باختلاف الناس. والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه، فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرّره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا. ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو قطن، وإطالة المكث في محل قضاء الحاجة، لأنه يورث وجعاً في الكبد. ودليل طلب الاستبراء: حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ مرّ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أماأحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (٢). ودليل القائلين بندبه دون إيجاب: قوله ﷺ : «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» والظاهر من انقطاع البول عدم عوده، ويحمل الحديث على ماإذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرئ خرج منه شيء. ثالثاً - وسائل الاستنجاء وصفاته أو كيفيته: يكون الاستنجاء بالماء أوبالحجر ونحوه من كل جامد طاهر قالع غير محترم، كورق وخرق وخشب وخزف، لحصول الغرض به كالحجر.

стр. 330

والأفضل الجمع بين الجامد والماء، فيقدم الورق ونحوه، ثم يتبعه بالماء، لأن عين النجاسة تزول بالورق أو الحجر، والأثر يزول بالماء (١). والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر ونحوه، لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها، بخلاف الحجر والورق ونحوه، روي عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة:١٠٨/ ٩]، قال رسول الله ﷺ «: يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال: هو ذاكم، فعليكموه» (٢). و شرط الاستنجاء بالحجر أو الورق ونحوه ما يأتي (٣): ١ - ألا يجف النجس الخارج، فإن جف تعين الماء. ٢ - ألا ينتقل عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه، أوألا يجاوز صفحته وحشفته، فإن انتقل عنه، بأن انفصل عنه، تعين الماء في المنفصل اتفاقاً.

стр. 331

٣ - ألا يطرأ عليه شيء رطب أجنبي عنه، نجساً كان، أو طاهراً، فإن طرأ عليه جاف طاهر فلا يؤثر. ٤ - أن يكون الخارج من فرج معتاد: فلا يجزئ في الخارج من غيره، كالخارج بالفصد، أو من منفذ منفتح تحت المعدة، ولو كان الأصلي منسداً انسداداً عارضاً، ولا يجزئ الورق ونحوه في بول خنثى مشكل، وإن كان الخارج من أحد قُبُليه، لاحتمال زيادته، ولا في بول الأقلف إذا وصل البول إلى الجلدة. ويجزئ الورق ونحوه عند غير المالكية في مسح دم حيض أو نفاس، كما يجزئ الحجر في الأظهر عند الشافعية وعند الحنابلة والحنفية فيما ندر خروجه كالدم والودي والمذي، أو انتشر الخارج فوق عادة الناس، ولكن لم يجاوز في الغائط صفحته (ما انضم من الأليتين عند القيام) وحشفته (وهي ما فوق الختان أو قدرها من مقطوعها). ولا يجوز الاستجمار بالأحجارعند المالكية من المني ولا من المذي ودم الحيض، وإنما يتعين الماء في إزالة مني، ودم حيض ونفاس، ودم استحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى، ولاتجب إزالته حينئذ. كما يتعين الماء عند المالكية أيضاً في إزالة بول المرأة، بكراً كانت أو ثيباً، لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة. و هل يشترط عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء؟ قال الحنفية والمالكية: يستحب ولا يجب عدد الثلاث، ويكفي ما دونه إن حصل الإنقاء أو التنظيف به، ومعنى الإنقاء: إزالة عين النجاسة وبلّتها، بحيث

стр. 332

يخرج الحجر نقياً، وليس عليه أثر، إلا شيئاً يسيراً فالواجب عند المالكية والسنة عند الحنفية الإنقاء دون العدد، للحديث السابق: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». وقال الشافعية والحنابلة: الواجب الإنقاء وإكمال الثلاثة: ثلاثة أحجار، أو ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، وإن لم ينق بالثلاث، وجب الإنقاء برابع فأكثر، إلى أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، أو صغار الحصى، لأنه المقصود من الاستنجاء. ودليلهم الأحاديث السابقة، منها: «وليستنج بثلاثة أحجار» وخبر مسلم عن سلمان: «نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» وفي معناها: ثلاثة أطراف حجر. وإذا زاد عن الثلاثة: سن الإيتار، لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا استجمر أحدكم، فليستجمر وتراً» وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». وأما عدد الغسلات حالة الاستنجاء بالماء: فالصحيح أنه مفوض إلى الرأي حتى يطمئن القلب بالطهارة بيقين أو غلبة الظن، وهو الأصح عن الإمام أحمد، قال أبو داود: سئل أحمد عن حد الاستنجاء بالماء؟ فقال: ينقي. ولم يصح عن النبي ﷺ في ذلك عدد ولا أمر به، ويروى عن أحمد عدد سبع غسلات (١). وعلى هذا فإن الواجب في الاستنجاء أن يغلب على الظن زوال النجاسة، ولا يضر شم ريحها باليد؛ لأن بقاء الرائحة يدل على بقائها على المحل، ويحكم على اليد بالنجاسة حينئذ.

стр. 333

و صفة الاستنجاء: أن يفرغ على يده اليسرى قبل أن يلاقي بها الأذى، ثم يغسل القبل: المخرج خاصة في حالة البول، والذكر كله في حالة المذي، ثم يغسل الدبر، ويوالي صب الماء، ويدلكه بيده اليسرى، ويسترخي قليلاً، ويجيد العرك حتى ينقي. ولا يستنجي باليمين، ولا يمس به ذكره (١). ويحترز الصائم من إدخال الإصبع المبتل في الدبر، لأنه يفسد الصوم. و كيفية الاستجمار: أن يمسح بالحجر الأول من الأمام إلى الخلف، وبالثاني من الخلف إلى الأمام، وبالثالث كالأول من الأمام إلى الخلف إذا كانت الخصية مدلاة، خشية تلويثها، وكالثاني من الخلف إلى الأمام إن كانت الخصية غير مدلاة. والمرأة تبتدئ من الأمام إلى الخلف خشية تلويث فرجها (٢). وقال الشافعية (٣): يسن استيعاب المحل بكل حجر من الثلاث، بأن يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره إلى محل ابتدائه، وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك، ويمر الثالث على صفحتيه ومُسرَبته جميعاً. والمسربة: مجرى الغائط. رابعاً - مندوبات الاستنجاء: يسن في الاستنجاء ما يأتي (٤):

стр. 334

١ - أن يستنجي بحجر أو ورق منق، بألا يكون خشناً كالآجر، ولا أملس كالعقيق، لأن الإنقاء هو المقصود. ويعد كالحجر: كل طاهر مزيل بلا ضرر، وليس متقوماً ولا شيئاً محترماً، فلا يستنجي بملوث كالفحم، ولا بما يضر كالزجاج، ولا بمال متقوم، كحرير وقطن ونحوهما، لأنه إتلاف للمال، ولا بشيء محترم لطعمه أو شرفه أو لحق الغير. وهذا يعني أنه يجوز عند الحنفية الاستنجاء بالمائع غير الماء كماء الورد والخل، واشترط الجمهور غير الحنفية: أن يكون بجامد يابس، فلا يجوز بالمائع. واتفقوا على أن الاستنجاء يكون بطاهر قالع غير محترم، فلا يجوز (أو يكره تحريماً عند الحنفية) الاستنجاء بالنجس كالبعر والروث، ولا بالعظم والطعام أو الخبز لآدمي أو بهيمة؛ لأنه إتلاف وإهانة، ولا بغير القالع نحو الزجاج والقصب الأملس والآجر والخزف ولا بالمتناثر كتراب أو مدر وفحم رخوين، بخلاف التراب والفحم الصلبين، ولا بالشيء المحترم لشرف ذاتي كالذهب والفضة والجواهر، أو لكونه حق الغير كالشيء المملوك للغير، ومنه جدار الغير ولو وقفاً. واكتفى المالكية بالقول بأنه يكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له. والخلاصة: أنه يشترط لجواز الاستجمار بالأحجار ونحوها شروط خمسة هي: كل جامد طاهر قالع غير مؤذ ولا محترم لطعمه أو شرفه أو حق الغير، وإلا فلا، وأجزأ إن أنقى ويجزئ الإنقاء باليد بدون الثلاث من الأحجار ونحوها. ولم يشترط الحنفية كونه جامداً. وقال المالكية والحنفية: إن استجمر بما لا يجوز أجزأه مع الكراهة.

стр. 335

وقد ثبت النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم، روى مسلم وأحمد عن ابن مسعود: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنهما زاد إخوانكم من الجن» (١)، وروى الدارقطني: «أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يُطهِّران» (٢) وروى أبو داود عنه ﵇ أنه قال لرويفع بن ثابت (أبي بكرة): «أخبر الناس أنه من استنجى برجيع (أي روث) أو عظم، فهو بريء من دين محمد» (٣) وهذا عام في الطاهر منها، وإذا حرم طعام الجن حرم طعام الآدمي بالأولى، لكن أجاز الشافعية الاستنجاء بمطعوم البهائم الخاص بها كالحشيش، وقال الجمهور: لا يجوز. قال النووي: لكن النهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف، وإن صح حمل على الرخو. ٢ - تثليث الأحجار أو الورق ونحوه، مندوب عند الحنفية والمالكية، واجب عند الشافعية والحنابلة، فإنهم قالوا: يجب في الاستنجاء بالحجر أمران: أحدهما - ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، والإيتار بعد الثلاث إلى السبع إن لم ينق المحل، ويسن أن يكون كل حجر أو نحوه لكل محل الخارج، ودليلهم حديثان: الأول: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» والثاني: «من استجمر فليوتر» (٤).

стр. 336

٣ - ألا يستنجي باليد اليمنى إلا لعذر، لقوله ﷺ : «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفَساً واحداً» (١) وإذاً يسن الاستنجاءُ باليسار. ٤ - الاستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الاستنجاء وقضاء الحاجة، لحرمته والفسق به، فلا يرتكبه لإقامة السنة، ويمسح المخرج من تحت الثياب بنحو حجر. وإن تركه صحت الصلاة بدونه لأن ما في المخرج ساقط الاعتبار. ودليل الاستتار أحاديث رواها أبو داود وابن ماجه، منه: «من أتى الغائط، فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من الرمل فليستدبره» ويبعد عن الناس في الصحراء ونحوها إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له ريح. ٥ - للمستنجي بالماء أن يدلك يده بنحو أرض، ثم يغسلها بعد الاستنجاء بتراب أو صابون وأشنان ونحوه. ٦ - تنشيف المقعدة قبل القيام إذا كان صائماً لئلا تجذب المقعدة شيئاً من الماء. ٧ - يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر، والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت. ويستحب عند الشافعية والحنابلة: أن ينضح الماء على فرجه وإزاره ليزيل الوسواس عنه. خامساً - آداب قضاء الحاجة: يندب لقاضي الحاجة من بول أو غائط ما يأتي (٢):

стр. 337

١ - ألا يحمل مكتوباً ذكر اسم الله عليه، أو كل اسم معظم كالملائكة، والعزيز والكريم ومحمد وأحمد، لما روى أنس «أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١)» وكان فيه: محمد رسول الله. فإن احتفظ به، واحترز عليه من السقوط فلا بأس. ٢ - أن يلبس نعليه، ويستر رأسه، ويأخذ أحجار الاستنجاء أو يهيء ويعد المزيل للنجاسة من ماء ونحوه. ٣ - يدخل الخلاء برجله اليسرى، ويخرج برجله اليمنى؛ لأن كل ما كان من التكريم يبدأ فيه باليمين، وخلافه باليسار، لمناسبة اليمين للمكرم، واليسار للمستقذر، بعكس المسجد والمنزل، يقدم يمناه فيهما. ويقول عند إرادة الدخول: «باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» أي أتحصن من الشيطان، وأعتصم بك يا الله من ذكور الشياطين، وإناثهم، اتباعاً لما رواه الشيخان في السنة: «سترة ما بين أعين الجن وعورات بني آدم، إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله» «إن الحُشوش (٢) محتضرة، فإذا أتى، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث». ويقول عند خروجه: «غفرانَك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» اتباعاً للسنة، رواه النسائي. ٤ - يعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى، لأنه أسهل لخروج الخارج، ولما رواه الطبراني عن سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوكأ على

стр. 338

اليسرى، وأن ننصب اليمنى» ويوسع فيما بين رجليه، ولا يتكلم إلا لضرورة، ولايطيل المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره، بظهور الباسور أو إدماء الكبد ونحوه. ويستحب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض؛ لأن ذلك أستر له، ولما روى أبو داود عن النبي ﷺ : «أنه كان إذا أراد الحاجة، لا يرفع ثوبه حتى يدنومن الأرض». ويستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، ويكره البول قائماً إلا لعذر قال ابن مسعود: «من الجفاء أن تبول وأنت قائم» قالت عائشة: «من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً» (١)، ورويت الرخصة في التبول قائماً عن جماعة من الصحابة كعمر وعلي وغيرهما. ويستحب أن يبول في مكان رخو غير صلب لئلا يترشش بالبول، ولما روى أحمد وأبو داود عن أبي موسى: «إذا بال أحدكم فليرتَدْ لبوله». ٥ - لا يبول في مهب الريح لئلا تعود النجاسة إليه، ولا في ماء راكد، وقليل جار، أو في كثير أيضاً عند الحنفية؛ للنهي عنه في حديث البخاري ومسلم (٢)، ولا في المقابر احتراماً لها، ولا في الطرقات ومُتَحدَّث الناس، لقولهصلّى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» (٣) «ولا يبول في شق أو ثقب؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجُحر» (٤).

стр. 339

ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها، لئلا تسقط عليه الثمرة؛ لأن التبول في الماء القليل حرام عند الحنفية، ومكروه تحريماً في الماء الكثير، ومكروه تنزيهاً في الماء الجاري عندهم، فتتنجس به. قال الشافعية: وكذا في غير وقت الثمر، صيانة لها عن التلويث عند الوقوع، فتعافها النفس، ولم يحرموه، لأن التنجس غير متيقن. وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر، فإن النبي ﷺ «كان أحب ما استتر به لحاجته هدف أو حائش نخل» (١) أي جماعته. ويكره أن يستنجي بماء في موضعه بل ينتقل عنه إن لم يكن معداً لذلك، لئلا يعود عليه الرشاش، فينجسه. ويكره أن يبول في المغتسل، لقوله ﷺ : «لا يبولن أحدكم في مُسْتَحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه» (٢) وذلك إذا لم يكن ثَم منفذ ينفذ منه البول والماء. ٦ - يكره تحريماً عند الحنفية ولو في البنيان استقبال القبلة واستدبارها بالفرج حال قضاء الحاجة، لقوله ﷺ : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» (٣). وقال الجمهور غير الحنفية: لا يكره ذلك في المكان المعد لقضاء الحاجة، لحديث جابر: «نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (٤) وهذا يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء. ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة، وفي

стр. 340

الصحراء بدون ساتر مرتفع بقدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع، كما يحرم وطء الزوجة بدون ساتر في الفضاء، وإلا فلا حرمة، كأن كان في منزله، أو في الفضاء بساتر. ويكره استقبال عين الشمس والقمر بفرجه، لما فيهما من نور الله تعالى، ولكونهما آيتين عظيمتين، فإن استتر عنهما بشيء أو في المكان المعد فلا بأس، كما في القبلة. كما يكره استقبال الريح لئلا يرد عليه رشاش البول، فينجسه. ٧ - يستحب ألا ينظر إلى السماء، ولا إلى فرجه، ولا إلى ما يخرج منه، ولايعبث بيده، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يستاك؛ لأن ذلك كله لا يليق بحاله، ولا يطيل قعوده، لأنه يورث الباسور، وأن يسبل ثوبه شيئاً فشيئاً، قبل انتصابه. ويحرم البول في المسجد ولو في إناء؛ لأن ذلك لا يصلح له، ويحرم أيضاً على القبر المحترم، ويكره عند القبر، احتراماً له. وإذا عطس حمد الله بقلبه، ويقول بعد الاستنجاء عقب الخروج من الخلاء: (اللهم طهر قلبي من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش) (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فِيَّ منفعته، وأخرج عني أذاه).

стр. 341

الفَصْلُ الرَّابع: الوضُوء وما يتبعه وفيه مباحث ثلاثة: المبحث الأول - الوضوء تعريفه وأنواعه، فرائضه، شروطه، سننه، آدابه، مكروهاته، نواقضه، وضوء المعذور، ما يمنع منه غير المتوضئ. تقدم بحث الطهارة عن الخبث وهي الطهارة الحقيقية، أما الطهارة عن الحدث فهي طهارة حُكْمية، وهي ثلاثة أنواع: الوضوء، الغسل، التيمم. وأبدأ بالوضوء، لأن الموجب له الحدث الأصغر، أما الغسل فالموجب له هو الحدث الأكبر. وأما التيمم فهو بديل يخلف كلاً من الوضوء والغسل في حالات معينة، وقد عرفنا سابقاً أن الطهارة الحكمية: هي وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة، وأن الطهارة الحقيقية: هي إزالة الخبث وهو عين مستقذرة شرعاً. وفيه مطالب تسعة: المطلب الأول - تعريف الوضوء، وحكمه (أنواعه أو أوصافه): الوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضؤ الرجل: أي صار وضيئاً.

стр. 342

وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به. والوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة (١)، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية (٢). وهو غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع (٣). وحكمه الأصلي أي المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وبقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٤) وبإجماع الأمة على وجوبه. وشُرع الوضوء بمكة وآيته في المدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار والنُّفايات وغيرها. وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى، فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبيرالحنفية (٥)، أو ممنوعاً، لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً. انقسام الوضوء عند الحنفية إلى خمسة أنواع فقال الحنفية (٦): الوضوء خمسة أنواع: الأول - فرض: أـ على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير

стр. 343

كاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة (١)، للآية السابقة: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم … ﴾ [المائدة:٦/ ٥]، ولقوله ﵊: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢) «لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول» (٣). ب - ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة:٧٩/ ٥٦]، ولقوله ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر» (٤). الثاني - واجب: للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، ولقوله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير» (٥). قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء

стр. 344

الثالث - مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي (١): أـ التوضؤ لكل صلاة، لقوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك» (٢) ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى بالسابق صلاة: فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً، كان إسرافاً (٣)، لقوله ﷺ : «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» (٤) كما يندب المداومة على الوضوء، لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد والبيهقي عن ثوبان: «استقيموا ولن تُحصْوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». ب - مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث واعتقاد وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، حرم المس. جـ - للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت» (٥).

стр. 345

د - قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة به، قالت عائشة: «كان النبي ﷺ إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ» (١) وقالت أيضاً: «إن رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة» (٢) وقال أبو سعيد الخدري: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ» (٣). هـ - بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: «فإذا غضب أحدكم فليتوضأ». وـ لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، عنايةً بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله، تعظيماً له. ز - للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي ﷺ ، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة. ح - بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، قال ﷺ : «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (٤).

стр. 346

ط - بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة. ي - بعد غسل ميت وحمله، لقوله ﷺ : «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (١). ك - للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة، أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه. الرابع - مكروه: كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، وإن تبدل المجلس (٢) ما لم يؤد به صلاة أو نحوها. الخامس - حرام: كالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ونحوه لحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣). انقسام الوضوء عند المالكية إلى خمسة أنواع وقال المالكية (٤) أيضاً: الوضوء خمسة أنواع: واجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع. فالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة

стр. 347

الجنازة، ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الأشياء، جاز له فعل جميعها. والسنة: وضوء الجنب للنوم. والمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم. والمباح: للتنظيف والتبرد. والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة. واتفق الشافعية والحنابلة (١) مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب (٢) وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي ﷺ ، وأكل، ولكل صلاة، لحديث أبي هريرة يرفعه: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة» (٣) كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل مامسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.

стр. 348

المطلب الثاني - فرائض الوضوء: نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: ﴿يا آيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ [المائدة:٦/ ٥]. وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب المالكية أيضاً الدلك. فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب. وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة. وبه يتبين أن أركان أو الفرائض نوعان: متفق عليها، ومختلف فيها. النَّوعُ الأوَّل - فرائِضُ الوضوء المتَّفق عليها: هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي: أولاً - غسل الوجه: لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، أي غسل ظاهر وجميع الوجه مرة (١)، وللإجماع (٢).

стр. 349

والغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان في الأصح، ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر، والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس بفرض. والوجه: ما يواجه به الإنسان. وحده طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليها الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان (١): وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس؛ لأنهما في حد تدوير الرأس. وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه في الراجح عند الحنفية والشافعية البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس. كما يدخل في الوجه في الأصح عند الحنابلة كما في المغني موضع التحذيف: وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف من طرفي الجبين بين ابتداء العذار والنزعة (٢) لأن محله من الوجه. ولكن قال النووي: صحح الجمهور أي من الشافعية أن موضع التحذيف من الرأس، لاتصال شعره بشعر الرأس. وقال صاحب كشاف القناع الحنبلي: لا يدخل في الوجه تحذيف، وإنما هو من الرأس.

стр. 350

والصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير الرأس، ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به. وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه مما يغفل الناس عنه، وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على الواجب فيهما؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. ومن الوجه: ظاهر الشفتين (١) ومارن الأنف (مالان منه) وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين. ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) (٢) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللِّحْيين) الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً (٣) لما روى مسلم من قوله ﷺ لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: «ارجع فأحسن وضوءك». فإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما

стр. 351

روى البخاري أنه ﷺ توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (١) وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً. وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية على المعتمد، وعند الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: « … ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء». ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل؛ لأنه شعر خارج عن محل الفرض، وليس من مسمى الوجه. وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: «إذا توضأت فمضمض» ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: «إذا توضأت فانتثر» ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله ﷺ : «لاصلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٢). ثانياً - غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة: لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وللإجماع (٣).

стр. 352

والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع. ويجب عند جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف «إلى» لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ [هود:٥٢/ ١١]، ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء:٢/ ٤]، ولأن الأصل في اليد شمولها الكف إلى الذراع، لكن التحديد بالمرافق أسقط ما وراءها، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله ﷺ : «أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد .. » (١) وروى الدارقطني عن عثمان ﵁ أنه قال: «هلمَّ أتوضأ لكم وُضوء رسول الله ﷺ ، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف العضدين … » (٢) وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال: «كان النبي ﷺ إذا توضأ أمرَّ الماء على مرفقيه». ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر غيرها كدهن وطلاء. ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين. ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية؛ لأنها نابتة فيه،

стр. 353

كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض. وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض. فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق. فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضد عن طهارة. ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل وامرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً. ثالثاً - مسح الرأس: لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وروى مسلم «أنه ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة». والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو. والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان ما فوق العظم الناتئ في الوجه.

стр. 354

واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه (١): فقال الحنفية على المشهور المعتمد: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر. ودليلهم: أنه لا بد من تحقيق معنى المسح عرفاً، فيحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحاً في المتعارف، وبما أن الباء للإلصاق، فيكون معنى الآية وامسحوا أيديكم ملصقة برؤوسكم، والقاعدة: أن الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب الآلة، وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب الممسوح، فتفيد المسح بمقدار اليد؛ لأن استيعاب اليد ملصقة بالرأس لا يستغرق غالباً سوى الربع، فيكون هو المطلوب من الآية. ويوضحه مارواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين» وما رواه أبو داود عن أنس قال: «رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عِمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة» (٢)، فكان ذلك بياناً لمجمل الآية القرآنية، لأن الناصية أو مقدم الرأس مقدرة بالربع؛ لأنها أحد جوانب الرأس الأربعة، ولعل أرجح الآراء وجوب مسح مقدار يسمى مسحاً باليد في العرف. وقال المالكية: والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم: يجب مسح جميع

стр. 355

الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته؛ لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه. والظاهر عند الحنابلة: وجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: «الأذنان من الرأس» (١). ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح برأسه) ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره. ودليلهم: أن الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول، فكأنه تعالى قال: ألصقوا المسح برؤوسكم أي المسح بالماء. ولأنه ﷺ مسح جميع الرأس، روى عبد الله بن زيد «أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (٢) وهو يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، وهو مستحب باتفاق العلماء، كما قال النووي.
следующие страницы →