«١ - النيابة الشرعية عن الغير تكون إما ولاية، أو وصاية أو قوامة، أو وكالة قضائية.
٢ - الولاية للأقارب للأب أو غيره، والوصاية على الأيتام، والقوامة على المجانين والمعتوهين، والمغفلين والسفهاء. والوكالة القضائية عن المفقودين».
والحقيقة أن حالات النيابة الشرعية الأربع هذه كلها داخلة تحت كلمة (الولاية) عند فقهائنا كما تبين لدينا.
أما الولاية على مال الصغير القاصر: فتكون لأحد الأولياء الستة الذين ذكروا سابقاً وهم (الأب ووصيه، والجد ووصيه، والقاضي ووصيه) (١).
وأما الولاية على المجنون أو المعتوه: إذا بلغ على هذه الحالة، فإنها تكون لمن كان وليه قبل البلوغ من أب أو جد أو وصي، باتفاق المذاهب الأربعة، كما تقدم.
فإن بلغ الشخص رشيداً ثم طرأ عليه الجنون أو العته، عادت إلىه ولاية من كان وليه قبل البلوغ، على الرأي الراجح عند الحنفية، والشافعية (٢).
وقال المالكية والحنابلة: تكون الولاية عليه حينئذ للقاضي، ولا تعود لمن كانت له من أب أو جد؛ لأن الولاية سقطت ببلوغ الصغير رشيداً، والساقط لايعود (٣).
стр. 2907
وقانون الأحوال الشخصية السوري أخذ بالرأي الثاني في المادة (٠٠٢) وهي: «١ - المجنون والمعتوه محجوران لذاتهما، ويقام على كل منهما قيم بوثيقة» ومعنى المادة أن تصرفات المجنون والمعتوه تعد باطلة، ولو قبل شهر قرار الحجر عليهما، حماية لمصالحهما.
وأما القانون المدني السوري في المادة (١١٥) فلم يعتبر تصرفات المجنون والمعتوه باطلة إلا بعد شهر قرار الحجر عليهما حماية لاستقرار المعاملات إلا في حالتين استثناهما نص المادة وهي:
١ - يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه، إذا صدر التصرف بعد شهر قرار الحجر.
٢ - أما إذا صدر التصرف قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد، أو كان الطرف الآخر على بينة منها.
وأما الولاية على السفيه وذي الغفلة: فإنها تكون للقاضي باتفاق المذاهب الأربعة (١)؛ لأن الحجر عليهما متوقف على قضاء القاضي، حفاظاً على مالهما ومراعاة لمصلحتهما.
وعلى هذا تكون تصرفاتهما صحيحة نافذة قبل إيقاع الحجر عليهما. نصت المادة (٢٠٠/ ٢) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ذلك فيما يأتي: «السفيه والمغفل يحجران قضاء، وتصرفاتهما قبل القضاء نافذة، ويقام على كل منهما قيم بقرار الحجر نفسه، أو بوثيقة على حدة».
стр. 2908
واشترط القانون المدني السوري لإبطال تصرف المغفل والسفيه شهر قرار الحجر إلا في حالتين نصت المادة (١١٦) منه على ما يأتي:
«١ - إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد شهر قرار الحجر، سرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام.
٢ - أما التصرف الصادر قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال، إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ».
وأما الوكالة القضائية: فهي نوع من الولاية قررتها القوانين النافذة في أحوال ثلاث:
١ - المفقود والغائب: نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المواد (٢٠٢ - ٢٠٦) على أصولهما والأحكام المتعلقة بهما، ومنها أن المفقود: هو كل شخص لا تعرف حياته أو مماته، أو تكون حياته محققة، ولكن لا يعرف له مكان (م ٢٠٢) ومنها أنه يعتبر كالمفقود: الغائب الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه، أو بوكيل عنه، مدة أكثر من سنة، وتعطلت بذلك مصالحه أو مصالح غيره.
أما حكم زوجة المفقود فقد نصت المادة (١٠٩) من هذا القانون على أنه: «إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه».
والتفريق للغيبة بعد سنة في هذه المادة مأخوذ من القول المعتمد في مذهب المالكية.
стр. 2909
وأما أموال المفقود: فقد نصت المادة (٣٠٢) من هذا القانون على حكمها فيما يأتي:
١ - يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها، فإن ظهر حياً أخذه، وإن حكم بموته رد نصيبه إلى من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه.
٢ - إن ظهر حياً بعد الحكم بموته، أخذ ما بقي من نصيبه في أيدي الورثة ولا توزع تركة المفقود قبل موته أو الحكم باعتباره ميتاً عند بلوغه الثمانين من العمر (م ٢٠٥).
٢ - المصاب بعاهتين من ثلاث عاهات هي الصمم والبكم والعمى.
نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (١١٨): «١ - إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أصم، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته، جاز للمحكمة أن تعين له مساعداً قضائياً يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك».
٣ - المحكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال:
نص قانون العقوبات السوري في المادة ٥٠ على عقوبة تبعية لهذا الشخص بالإضافة إلى السجن، وهي الحجر عليه، أو منعه من التصرف بماله، وتعيين وصي يشرف على أمواله، ونص هذه المادة ما يأتي:
«١ - كل محكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال يكون في خلال تنفيذ عقوبته في حالة الحجر، وتنقل ممارسة حقوقه على أملاكه، ما خلا الحقوق الملازمة للشخص (أي كالطلاق) إلى وصي وفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بتعيين الأوصياء على المحجور عليهم، وكل عمل وإدارة أو تصرف يقوم به المحكوم عليه يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً مع الاحتفاظ بحقوق الغير من ذوي النية
стр. 2910
الحسنة، ولا يمكن أن يسلم إلى المحكوم عليه أي مبلغ من دخله ما خلا المبالغ التي يجيزها القانون وأنظمة السجون».
مبدأ الولاية:
تبدأ الولاية على الأشخاص منذ ولادتهم، وتستمر حتى سن الرشد، أما الجنين فلا ولاية لأحد عليه قبل الولادة عند غالبية الفقهاء، فلو اشترى له شخص شيئاً أو وهب له شيء، فلا يتملكه، حتى ولو ولد حياً، وإنما تثبت له الحقوق الضرورية الأربعة التي ذكرت سابقاً.
لكن قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (١٧٦) الذي أخذ بالمقرر في فقه الشريعة الزيدية، وقانون الولاية على المال الصادر بمصر سنة ١٩٥٢ م أجازا للأب أو للجد تعيين وصي للحمل المستكن. والوصي المقصود هنا في تقديري ليس مجرد أمين لحفظ المال حتى الولادة كما فهم كثير من الشراح، وإنما الذي له صلاحيات الأوصياء عادة، عملاً بإطلاق النص، وبالمفهوم من التسوية في الحكم بين وصي الحمل، ووصي القاصر في مادة واحدة، وتحقيقاً للهدف المنشود من تعيين الوصي وهو رعاية مصلحة الجنين وتثمير ماله وتنميته فضلاً عن حفظه.
شروط الولي:
الولاية مسؤولية كبرى في إدارة أموال وأعمال الغير، ويترتب عليها نفاذ التصرفات غالباً، لذا يشترط في الولي الخاص كالأب أو الجد أو الولي العام كالقاضي وناظر الوقف ومدير المؤسسة الخيرية شروط إما في شخصه أو في تصرفاته (١).
١ - كمال أهلية الأداء بالبلوغ والعقل، فلا ولاية للمجنون ولا للصغير،
стр. 2911
لأنه لا ولاية لهما على أنفسهما، فلا تكون لهما ولاية على غيرهما، إذ فاقد الشيء لايعطيه.
٢ - اتحاد الدين بين الولي والمولى عليه، فلا تثبت ولاية لغير المسلم على المسلم، كما لا ولاية للمسلم على غير المسلم؛ لأن اتحاد الدين باعث غالباً على الشفقة ورعاية المصلحة.
٣ - العدالة: أي الاستقامة على أمور الدين والأخلاق والمروءات (١)، فلا ولاية للفاسق؛ لأن فسقه يجعله متهماً في رعاية مصالح غيره.
٤ - القدرة على التصرف مع الأمانة: لأن المقصود من الولاية تحقيق مصلحة المولى عليه، وهي لا تتحقق مع العجز وعدم الأمانة (٢).
٥ - رعاية مصلحة المولى عليه في التصرفات، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] فليس للولي سلطة في مباشرة التصرفات الضارة بالمولى عليه ضرراً محضاً، كالتبرع من مال القاصر بالهبة أو الصدقة، أو البيع أو الشراء بغبن فاحش، أو الطلاق. فإن أمكن تنفيذها على الولي نفسه نفذت وإلا كانت باطلة.
стр. 2912
أما التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول الهبة والوصية والكفالة بالمال، والتصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء بغبن يسير أو بمثل القيمة، فتكون صحيحة نافذة.
إذا أخل الولي بأحد هذه الشروط، جاز للقاضي تبديله بسبب نقص الأهلية أو الكفر أو الفسق. فإن صار الولي غير أمين ضم القاضي إليه مساعداً آخر يعينه.
تصرفات الولي ومدى صلاحياته:
يتبين من شروط الولي أنه ليس له مباشرة أي تصرف يلحق ضرراً محضاً بالمولى عليه كالتبرع من ماله، وله أن يتصرف فيما يحقق مصلحة القاصر، كحفظ أمواله وإدارتها واستثمارها، والإنفاق الضروري عليه، وشراء ما لا بد له منه، وبيع المنقولات، وعلى الأب الإنفاق على الصغير إن لم يكن له مال، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢].
فإن كان للصغير مال أنفق عليه من ماله. وجاز للأب المحتاج أن يأخذ نفقته الضرورية من مال الصغير، لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء:٦/ ٤].
وأما بيع عقار القاصر: فالمفتى به في مذهب الحنفية: أنه يجوز للأب بيع عقار القاصر مثل القيمة فأكثر، ولا يجوز ذلك للوصي عند متأخري الحنفية إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع (١).
ثم قرر قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (١٧٢/ ٢) أنه لا يجوز
стр. 2913
للأب (أي ولا للوصي) (١) بيع عقار القاصر أو رهنه إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ، كبيعه للنفقة أو لوفاء الدين.
هذا مجمل صلاحيات أو سلطات الولي في التصرفات، وتفصيل أحكام تصرفات كل ولي على حدة محله كتب الفقه (٢).
الوكالة الوكالة: نيابة شرعية عن الغير حال الحياة، وهي نوع من الولاية كما تقدم، وأبحث فيها ما يأتي: تعريفها، ركنها، شروطها، أنواعها وتصرفات الوكيل، هل للوكيل توكيل غيره؟ تعدد الوكلاء، الفرق بين الرسول والوكيل، حكم العقد وحقوقه في حال التوكيل، انتهاء الوكالة.
تعريف الوكالة ومشروعيتها:
الوكالة في اللغة تطلق ويراد بها إما الحفظ، كما في قوله تعالى: ﴿وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران:١٧٣/ ٣] أي الحافظ. وإما التفويض، كما في قوله سبحانه: ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ [إبراهيم:١٢/ ١٤] ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم﴾ [هود:٥٦/ ١١] ويقال: وكل أمره إلى فلان: أي فوضه إليه واكتفى به.
وعند الفقهاء يراد بها المعنيان، وإن كان المعنى الأول تبعياً والثاني هو
стр. 2914
الأصل. وعبارة الحنفية (١) في تعريفها: هي إقامة الشخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. أو هي: تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل.
وعبارة المالكية والشافعية والحنابلة (٢) في تعريفها: هي تفويض شخص ماله فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته. وضابط ما يقبل النيابة هو ما يأتي:
هو كل تصرف جاز للشخص مباشرته بنفسه ولو من حيث المبدأ جاز له التوكيل فيه.
والناس قديماً وحديثاً بحاجة يومية إلى الوكالة في كثير من أحوالهم وأمورهم، إما أنفة أو عدم لياقة بمباشرة الشيء بالذات كتوكيل الأمير أو الوزير، وإما عجزاً عن الأمر كتوكيل المحامين في الخصومات، والخبراء بالبيع والشراء في التجارات.
لذا أقرتها الشرائع السماوية، قال تعالى في القرآن الكريم حكاية عن أصحاب الكهف: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه .. ﴾ [الكهف:١٩/ ١٨] الآية. وفي السنة النبوية: وكل النبي ﷺ حكيم بن حزام (أو عروة البارقي) بشراء شاة أضحية (٣). ووكل عمرو ابن أمية الضمري في زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بالحبشة (٤). ووكل في القيام بأعمال الدولة كجباية الزكاة وإدارة الجيش وولاية الأقاليم.
стр. 2915
الوكالة بأجر: تصح الوكالة بأجر، وبغير أجر، لأن النبي ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات، ويجعل لهم عمولة (١). فإذا تمت الوكالة بأجر، لزم العقد، ويكون للوكيل حكم الأجير، أي أنه يلزم الوكيل بتنفيذ العمل، وليس له التخلي عنه بدون عذر يبيح له ذلك، وإذا لم يذكر الأجر صراحة حكم العرف: فإن كانت مأجورة عادة كتوكيل المحامين وسماسرة البيع والشراء، لزم أجر المثل، ويدفعه أحد العاقدين بحسب العرف. وإن كانت غير مأجورة عرفاً، كانت مجاناً، أو تبرعاً، عملاً بالأصل في الوكالات: وهو أن تكون بغير أجر على سبيل التعاون في الخير. وهذا النوع لا يلزم فيه المضي في العمل، بل للوكيل التخلي عنه في أي وقت. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٢). وقال الشافعية: الوكالة ولو بجُعل جائزة أي غير لازمة من الجانبين (٣).
ركن الوكالة: ركن الوكالة: الإيجاب والقبول، الإيجاب من الموكل كأن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل كأن يقول: قبلت ونحوه. ولا يشترط في القبول كونه لفظاً أو قولاً، وإنما يصح أن يكون بالفعل. فإذا علم الوكيل بالتوكيل، فباشر التصرف الموكل فيه، اعتبر ذلك قبولاً، ولا يشترط في الوكالة (كما عرفنا في بحث مجلس العقد) اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وإنما يكفي العلم بالوكالة ومباشرة التصرف.
والوكالة بغير أجر عقد جائز غير لازم (٤) أي يجوز لأحد العاقدين فسخه متى شاء.
стр. 2916
والوكالة باعتبارها إطلاقاً في التصرف يصح أن تكون منجزة في الحال، كأنت وكيلي من الآن في كذا، كما يصح عند الحنفية والحنابلة (١): أن تكون مضافة إلى وقت في المستقبل، كأنت وكيلي في الدعوى الفلانية في الشهر القادم، أو معلقة على شرط، مثل: إن قدم فأنت وكيلي في بيع هذا الكتاب، لحاجة الناس إلى ذلك.
وقال الشافعية في الأصح: لا يصح تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت، مثل: إن قدم زيد أو رأس الشهر فقد وكلتك بكذا، لما في التعليق من غرر (أي احتمال)، لكن يصح عندهم جعل الوكالة منجزة في الحال، واشتراط بدء التصرف معلقاً على شرط، مثل أنت وكيلي الآن في بيع هذه الأرض، ولكن لا تبعها إلا بعد شهر، أو إلا إذا تركت وظيفتي.
شروط الوكالة:
يشترط لصحة الوكالة شروط في الموكل وفي الوكيل وفي المحل الموكل فيه.
أما الموكل: فيشترط فيه أن يكون مالكاً للتصرف الذي يوكل فيه أي أهلاً لممارسته؛ لأن من لم يملك التصرف لا يملك تمليكه لغيره. فلا يصح التوكيل أصلاً من فاقد الأهلية كالمجنون أو الصبي غير المميز، ولا من ناقص الأهلية أي المميز في التصرفات الضارة به كالطلاق والهبة. ويصح التوكيل من المميز في التصرف النافع له كقبول الهبة، كما يصح منه التوكيل بإجازة وليه في التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإيجار. ويصح التوكيل من المحجور عليه للسفه أو الغفلة فيما يباح له من التصرفات. ويصح للمرأة التوكيل في مباشرة عقد زواجها. وهذا عند الحنفية (٢).
стр. 2917
وقال غير الحنفية (المالكية والشافعية والحنابلة) (١): لا يصح التوكيل من الصبي مطلقاً؛ إذ لا يصح عندهم مباشرته لأي تصرف. كما لا يصح للمرأة توكيل امرأة أخرى في إبرام عقد زواجها. ويصح لها عند المالكية توكيل الرجل في ذلك.
وأما الوكيل: فيشترط فيه أن يكون عاقلاً، فيصح أن يكون المميز وكيلاً، سواء أكان مأذوناً في التجارة أم محجوراً. ولا يصح جعل المجنون والمعتوه وغير المميز وكيلاً في التصرفات لعدم اعتبار عبارتهم. هذا عند الحنفية (٢).
وقال غير الحنفية (٣): وكالة الصبي غير صحيحة، لأنه غير مكلف بالأحكام الشرعية، فلا تصح مباشرة التصرف لنفسه، فلا يصح توكيله عن غيره. ولا يصح أن تكون المرأة وكيلة عن غيرها في مباشرة عقد الزواج؛ لأنها لا تملك مباشرة عقدها بنفسها فلا تملك مباشرة عقد غيرها.
وأما الموكل فيه (محل الوكالة): فيشترط فيه ما يأتي (٤):
١ - أن يكون معلوماً للوكيل: فلا يصح التوكيل بالمجهول جهالة فاحشة، مثل: اشتر لي أرضاً أو جوهراً أو داراً، ويصح مع الجهالة اليسيرة مثل: اشتر لي صوفاً انكليزياً، أو اشتر لي صوفاً بسعر كذا.
٢ - أن يكون التصرف مباحاً شرعاً: فلا يجوز التوكيل في فعل محرم شرعاً، كالغصب أو الاعتداء على الغير.
стр. 2918
٣ - أن يكون مما يقبل النيابة، كالبيع والشراء والإجارة والتبرع، ورد الودائع وقضاء الديون ونحوها.
وذلك لأن التصرفات بالنظر لقبولها النيابة وعدم قبولها أنواع ثلاثة:
نوع يقبل النيابة اتفاقاً، كما تقدم.
ونوع لا يقبل النيابة اتفاقاً، كاليمين، والعبادات الشخصية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث.
ونوع مختلف فيه كاستيفاء القصاص والحدود الشرعية. فقال الحنفية (١): لايجوز التوكيل فيها، بل لا بد من حضور الموكل وقت الاستيفاء (أي التنفيذ)، ولأن غيبته شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وقال غير الحنفية (٢): يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص، سواء أحضر الموكل أم غاب؛ لأن الحاجة قد تدعو لذلك، ولأن الوكيل كالأصيل.
أنواع الوكالة: للوكالة أنواع منها ما يأتي:
أولاً - الوكالة الخاصة والعامة: قد تكون الوكالة خاصة وقد تكون عامة (٣).
الوكالة الخاصة: هي الإنابة في تصرف معين، كبيع أرض أو سيارة معينة،
стр. 2919
وإجارة عقار محدد، وتوكيل في دعوى معينة. وحكمها: أن الوكيل مقيد بما وكل فيه، وإلا كان فضولياً.
والوكالة العامة: هي الإنابة العامة في كل تصرف أو شيء، مثل أنت وكيلي في كل التصرفات، أو في كل شيء، أو اشتر لي ما شئت أو ما رأيت، وحكمها أن الوكيل يملك كل تصرف يملكه الموكل وتجوز النيابة فيه، ما عدا التصرفات الضارة بالموكل كالتبرعات من هبة ووقف ونحوهما، والإسقاطات من طلاق وإبراء ونحوهما. فلا يملك الوكيل هبة شيء من أموال الموكل، ولا طلاق زوجة الموكل، إلا بالنص على ذلك صراحة.
ثانياً - الوكالة المقيدة والمطلقة: قد تكون الوكالة أيضاً مقيدة أو مطلقة (١).
الوكالة المقيدة: هي التي يقيد فيها تصرف الوكيل بشروط معينة، مثل وكلتك في بيع أرضي بثمن حال قدره كذا، أو مؤجل إلى مدة كذا، أو مقسّط على أقساط معينة. وحكمها: أن الوكيل يتقيد بما قيده به الموكل، أي أنه يراعي القيد ما أمكن، سواء بالنسبة للشخص المتعاقد معه أو لمحل العقد، أو بدل المعقود عليه. فإذا خالف الوكيل لا يلزم الموكل بالتصرف إلا إذا كان خلافاً إلى خير، فيلزمه، كأن يبيع الشيء الموكل ببيعه بأكثر من الثمن المحدد له، أو بثمن حال بدلاً من الثمن المؤجل أو المقسط. وإذا لم يلزم الموكل بالتصرف بسبب المخالفة، كان الوكيل فضولياً، ولزمه التصرف إن كان وكيلاً بالشراء لأنه متهم بالشراء لنفسه. أما الوكيل بالبيع إذا خالف أمر الموكل فيتوقف على إجازة الموكل، ولا يلزم الوكيل بالعقد، لتعذر تنفيذه عليه.
стр. 2920
والوكالة المطلقة: هي التي لا يقيد فيها الوكيل بشيء مثل: وكلتك في بيع هذه الأرض، من غير تحديد ثمن معين، أو كيفية معينة لوفاء الثمن. وحكمها عند أبي حنفية: أن المطلق يجري على إطلاقه، فللوكيل التصرف بأي ثمن قليلاً أو كثيراً، ولو بغبن فاحش، معجلاً أو مؤجلاً، صحيحاً أو مريضاً؛ لأن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، كوجود تهمة، ولا يعتمد على العرف، لأن العرف في البلاد متعارض.
وقال الصاحبان، وعلى رأيهما الفتوى، ورأيهما هو الراجح وبه قال الشافعية والحنابلة والمالكية (١): يتقيد الوكيل بما تعارفه الناس، فإذا خالف المتعارف كان فضولياً في تصرفه، وتوقف نفاذه على رضا الموكل. فليس للوكيل بالبيع مثلاً أن يبيع بغبن فاحش: وهو ما لا يتساهل فيه الناس عادة، ولا أن يبيع بغير النقد الغالب في البلد، ولا أن يبيع بثمن مؤجل أو مقسط إلا إذا جرى العرف في مثله؛ لأن الوكيل منهي عن الإ ضرار بالموكل، مأمور بالنصح له.
وفي الزواج: ليس للوكيل أن يزوج الموكل بامرأة لا تكافئه، أو بمهر فيه غبن فاحش، فإن فعل ذلك كان تصرفاً موقوفاً على إجازة الموكل، فإن أجازه نفذ، وإلا بطل.
حكم تصرفات الوكيل:
يترتب على الوكالة ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، وسأذكر أهم التصرفات في أهم أنواع الوكالات.
стр. 2921
١ - الوكيل بالخصومة: أي بالمرافعة أمام القضاء كالمحامي اليوم، يملك كل ما يتعلق بالدعوى وما لا بد منه فيها، ومن ذلك الإقرار على موكله عند الحنفية ما عدا زفر (١)؛ لأن مهمة الوكيل بيان الحق وإثباته، لا المنازعة فيه فقط، وبيان الحق قد يكون إنكاراً لدعوى الخصم، وقد يكون إقراراً.
وقال زفر وأئمة المذاهب الثلاثة الأخرى (٢): لا يقبل إقرار الوكيل بالخصومة على موكله بقبض الحق وغيره، لأن التوكيل بالخصومة معناه التوكيل بالمنازعة، والإقرار مسالمة، لأنه يترتب عليه إنهاء الخصومة، فلا يملكه الوكيل كالإبراء. كذلك يملك الوكيل بالخصومة قبض المال المحكوم به لموكله عند الحنفية ما عدا زفر (٣)؛ لأن هذا من تمام الخصومة، والخصومة لا تنتهي إلا بالقبض، والوكيل أمين على مصالح موكله (٤).
وقال زفر والشافعية والحنابلة (٥): لايملك القبض، لأن الرجل الثقة بالتقاضي والمخاصمة قد لايكون أميناً في قبض الحقوق.
٢ - الوكيل بالبيع: إذا كان مقيد التصرف يتقيد بالقيد الذي حدده له الموكل بالاتفاق بين الفقهاء، فإذا خالف القيد، لاينفذ تصرفه على الموكل، ولكن يتوقف على إجازته، إلا إذا كانت مخالفته إلى خير؛ لأنه محقق لمقصود الموكل ضمناً.
стр. 2922
فإذا كان وكيلاً بالبيع بثمن ما، فباع بأقل، لا ينفذ، لأنه خلاف إلى شر، وإن باع بأكثر، نفذ، لأنه خلاف إلى خير، وإذا وكل بالبيع نقداً فباع مؤجلاً لم ينفذ إلا بإجازة الموكل، وإذا وكل بالبيع مؤجلاً فباع نقداً، نفذ.
وإن كان الوكيل مطلق التصرف: فيعمل عند أبي حنيفة بمقتضى الإطلاق، فله أن يبيع بأي ثمن كان، قليلاً أو كثيراً، حتى بالغبن الفاحش، عاجلاً أو آجلاً، كما أوضحت سابقاً، عملاً بإطلاق الحرية للوكيل بالتصرف.
وقال الصاحبان وبرأيهما يفتى، وبقية الأئمة الثلاث: يتقيد الوكيل المطلق بالمتعارف، فلا يبيع إلا بالنقود المتداولة، وبمثل القيمة، وبالمعجل، فلا يبيع بالأعيان، ولا بما لا يتغابن الناس فيه عادة، أي بالغبن اليسير، ولا بالنسيئة المؤجلة (١).
وفي حال المخالفة يكون العقد موقوفاً على إجازة الموكل عند الحنفية، باطلاً عند الشافعية.
وليس للوكيل بالبيع عند أبي حنيفة أن يبيع لنفسه ولا لزوجته وأبيه وجده وولده وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في ذلك بمراعاة مصلحته أو إيثار العين المبيعة لأقاربه.
وقال الصاحبان: يجوز له أن يبيع لهؤلاء لا لنفسه بمثل القيمة أو أكثر؛ لأن التوكيل مطلق، والبيع لأحد من هؤلاء أو غيرهم سواء، ولا تهمة هنا؛ لأن ملكه وأملاكهم متباينة، فالمنافع منقطعة فيما بينهم (٢).
стр. 2923
وتوسط غير الحنفية بين الرأيين، فأجاز المالكية للوكيل بالبيع أن يبيع لزوجته ووالده الرشيد إذا لم يحابهما، ولم يجيزوا له البيع لنفسه أو من في رعايته من صغير أو سفيه أو مجنون (١).
وأجاز الشافعية في الأصح وفي رواية عن أحمد له البيع بمثل القيمة لأبيه وجده وابنه البالغ وسائر فروعه المستقلين عنه لعدم التهمة، ولم يجيزوا له أن يبيع لنفسه وولده الصغير أو المجنون أو السفيه (٢).
٣ - الوكيل بالشراء: مثل الوكيل بالبيع من التقيد بما قيده به الموكل، في الثمن وفي جنس المشترى ونوعه وصفته، أو إطلاق الحرية في التصرف إذا كانت الوكالة مطلقة. فإذا خالف الوكيل أحد القيود لا يلزم الموكل بالشراء، إلا إذا كان خلافاً إلى خير، فيلزمه. ووقع الشراء للوكيل نفسه باتفاق الفقهاء (٣)، بعكس الوكيل بالبيع؛ لأن المشتري قد يتهم بأنه كان يريد الشراء لنفسه، فلما تبين أنه غبن غبناً فاحشاً أظهر أنه يشتري باسم موكله.
كذلك لا يملك الوكيل بالشراء عند أبي حنيفة كالوكيل بالبيع أن يشتري من نفسه، أو زوجته أو أبيه أو جده، أو ولده وولد ولده، وكل من لا تقبل شهادته له للتهمة في ذلك.
وقال الصاحبان: يجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها عادة (٤).
стр. 2924
٤ - الوكالة في الزواج والطلاق، والإجارة والرهن ونحوها من إدارة الأموال: يتقيد الوكيل في ذلك بما يقيده به الموكل، وليس له أن يتصرف بما فيه ضرر.
٥ - هل للوكيل توكيل غيره؟ إذا كانت الوكالة خاصة أو مقيدة بأن يعمل الوكيل بنفسه، لم يجز له توكيل غيره فيما وكل فيه.
وإن كانت الوكالة مطلقة أو عامة بأن قال له: اصنع ما شئت، جاز له توكيل الغير، ويكون هذا الغير وكيلاً مع الأول عن الموكل. هذا عند الحنفية (١).
وقال المالكية (٢): ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الوكيل لا يليق به تولي ما وكل فيه بنفسه، كأن يكون وجيهاً، والموكل به حقير فله التوكيل حينئذ.
وقال الشافعية والحنابلة (٣): ليس للوكيل أن يوكل غيره بلا إذن الموكل متى كان قادراً على ما وكل فيه. أما إذا لم يكن قادراً على القيام بكل ما وكل فيه، فله أن يوكل غيره ويكون الوكيل الثاني وكيلاً مع الأول عن الموكل.
٦ - تعدد الوكلاء:
قد يتعدد الوكلاء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات، أو المرافعة أمام القضاء، كما يحدث عادة في كثير من الأحيان، فيكون هناك وكيلان أو أكثر في القضايا الخطيرة. ويعرف تفصيل حكم تصرفات الوكلاء مما يأتي (٤).
стр. 2925
فإن تعدد الوكلاء كلاً في عقد خاص وأعمال خاصة، كان لكل منهم أن ينفرد في مباشرة ما وكل فيه دون استشارة غيره. وإن كان العمل واحداً، فلكل واحد القيام به وحده أيضاً، فتنتهي حينئذ وكالة الآخرين.
وإن كان التوكيل للجميع في عقد واحد، فليس لأحدهم - دون إذن الموكل - الانفراد بالتصرف بما وكلوا فيه؛ لأن تعددهم كان بقصد تحقيق التعاون والتشاور فيما بينهم ضماناً لصالح الموكل، ويستثنى من ذلك ما لا يحتاج من التصرفات لتبادل الرأي كرد الودائع ووفاء الديون، أو ما لا يمكن فيه الاجتماع كالمرافعة أمام القضاء، بشرط إعداد مذكرات الدفاع بالاشتراك بين جميع الوكلاء.
الفرق بين الوكالة والرسالة:
يحسن بيان الفرق بين الوكيل والرسول تمهيداً لمعرفة من يلتزم بحقوق العقد، إذ يختلف الوكيل عن الرسول (١).
فالوكيل: هو الذي يتصرف برأيه وعبارته وتقديره، فيساوم ويعقد العقود حسبما يرى من المصلحة، ويتحمل تبعات تصرفاته، ويستغني غالباً عن إضافة العقد إلى موكله، فيقول: بعت أو اشتريت كذا، لا: باع أو اشترى فلان، فإذا أسند العقد لموكله، صار مجرد سفير ومعبر عن كلام الأصيل، فيصبح عندئذ كالرسول.
والرسول: هو الذي يقتصر على نقل عبارة مرسله، دون أن يتصرف برأيه وإرادته، وإنما يبلِّغ عبارة المرسل، وينقل رغبته وإرادته في التصرف، فيقول للمرسل إليه: أرسلني فلان لأبلغك كذا، فيضيف عبارته دائماً للمرسل، ولا يتحمل شيئاً من التزامات التعاقد.
стр. 2926
حكم العقد وحقوقه في الوكالة:
حكم العقد: هو الغرض والغاية منه. ويراد به هنا الأثر الذي يترتب على العقد شرعاً. ففي عقد البيع: يكون الحكم: هو ثبوت ملكية المبيع للمشتري واستحقاق الثمن للبائع، وفي عقد الإجارة: الحكم هو تملك المستأجر المنفعة، واستحقاق الأجرة للمؤجر.
واتفق الفقهاء على أن حكم العقد الذي يتم بواسطة وكيل: يقع مباشرة للموكل نفسه، لا للوكيل؛ لأن الوكيل يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره، فهو قد استمد ولايته منه (١). ويترتب عليه أن المسلم لو وكل غير مسلم في شراء خمر أو خنزير، لم يصح الشراء؛ لأن المسلم ليس له أن يتملك شيئاً من هذين.
حقوق العقد: هي الأعمال والالتزامات التي لا بد منها للحصول على حكمه أو على الغاية والغرض منه، مثل تسليم المبيع، وقبض الثمن، والرد بالعيب أو بسبب خيار الشرط أو الرؤية، وضمان رد الثمن، إذ استحق (٢) المبيع مثلاً.
فإذا باشر المرء العقد بنفسه ولمصلحته عاد إليه حكم العقد وحقوقه. وأما إن توسط وكيل في إجراء العقد وإبرامه، عاد حكم العقد إلى الموكل كما عرفنا، وأما حقوق العقد فتارة ترجع إلى الموكل، وتارة ترجع إلى الوكيل بحسب نوع التصرف الذي يتولاه الوكيل.
و التصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان:
النوع الأول - ما يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل، ولا يجوز له إضافته إلى
стр. 2927
نفسه، فإن أضافه إلى نفسه وقع العقد له لا للموكل، مثل الزواج والطلاق والخلع، والعقود العينية أي التي لا تتم إلا بالقبض وهي خمسة (الهبة والإعارة والإيداع والقرض والرهن). يلزم الوكيل أن يقول حين إبرام العقد: قبلت زواج فلانة لفلان، وطلقت امرأة فلان، ووهبتك من مال فلان، ولا يصح أن يقول: تزوجت أو طلقت على كذا ووهبت؛ فينصرف أثر التصرف إليه، أي أن الزواج يكون للوكيل حينئذ لا للموكل، ويقع الطلاق عنه، لا عن الموكل، ويلزم الهبة من ماله لا من مال الموكل.
وحكم هذا النوع أن حقوق التصرف ترجع إلى الموكل، ولا يطالب الوكيل منها بشيء أصلاً؛ لأن الوكيل في هذه التصرفات يكون سفيراً ومعبراً محضاً عن الموكل. فإذا كان الشخص وكيلاً عن الزوج لا يطالب بالمهر، وإنما يطالب الزوج، وإذا كان وكيلاً عن المرأة لا يطالب بإزفافها إلى بيت زوجها، وإنما تطالب المرأة أو وليها. ولو كان وكيلاً عن الواهب لايلزم الوكيل بتسليم العين الموهوبة، وإنما يطالب الموكل نفسه، ولا يلزم الوكيل بتسليم الموهوب إذا كان وكيلاً عن الموهوب له.
النوع الثاني: ما لا يلزم أن يضيفه الوكيل إلى الموكل، وإنما يصح إضافته له أو لنفسه كالمعاوضات المالية، مثل البيع والشراء والإجارة والصلح الذي هو في معنى البيع (أي الصلح بعوض عن إقرار) فيصح أن يقول الوكيل: بعت أو اشتريت، كما يصح أن يقول: بعت مال فلان، واشتريت لفلان.
وحكم هذا النوع: أن الوكيل إذا أضاف التصرف للموكل، مثل: اشتريت لفلان، رجعت الحقوق للموكل، ولزمته هو، ولا يطالب الوكيل بشيء، لأنه في هذه الحالة مجرد سفير ومعبر عن الأصيل.
стр. 2928
وإن أضاف الوكيل التصرف لنفسه رجعت إليه الحقوق دون الموكل؛ لأنه هو الذي باشر العقد ولا يعرف الطرف الآخر سواه. فإذا كان وكيلاً عن البائع لزمه تسليم المبيع للمشتري، وقبض الثمن. وإذا كان وكيلاً عن المشتري واطلع على عيب المبيع، أو أظهر أن المبيع مستحق لغير البائع، كان هو المكلف بمقاضاة البائع وخصومته، ويلزمه ضمان الثمن للمشتري حال استحقاق المبيع، كما يلزمه دفع الثمن للبائع إذا كان المبيع سليماً من العيوب.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي ليس أهلاً للمسؤولية والتزام الحقوق) إما لنقص أهليته كالصبي المحجور عن التصرف، أو لانشغاله كالقاضي وأمين القاضي، فترجع الحقوق حينئذ للموكل نفسه، لا إلى الوكيل.
هذا هو مذهب الحنفية (١). ويوافقهم المالكية والشافعية (٢) في ذلك أي في أن حقوق العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل.
وقال الحنابلة (٣): إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل؛ لأن الوكيل عندهم مجرد سفير ومعبر عن العاقد الأصيل. لكن في هذا الرأي إضاعة للغرض من الوكالة؛ لأن الموكل يوكل غيره في أموره ليخفف عن نفسه عناء مباشرته لها، أو لأنه لا يليق به أن يباشرها، أو لعدم قدرته على القيام بها، فإذا عادت الحقوق للموكل نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة (٤).
стр. 2929
انتهاء الوكالة:
تنتهي الوكالة بأحد الأمور التالية (١):
١ - انتهاء الغرض من الوكالة: بأن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الوكيل، إذ يصبح العقد غير ذي موضوع.
٢ - قيام الموكل بالعمل الذي وكل فيه غيره: كأن يبرم البيع الذي وكل فيه غيره.
٣ - خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية: بموت، أو جنون استمر شهراً، أوحجر لسفه؛ لأن الوكالة تتطلب استمرار الأهلية للتصرفات، فإذا زالت الأهلية بطلت الوكالة. والوكيل يستمد ولايته من الموكل.
ولا يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج الطرف الآخرعن الأهلية بهذه العوارض. وقال المالكية: الأرجح أن الوكيل لا ينعزل بموت الموكل حتى يعلم به.
٤ - استقالة الوكيل: إذا تنازل الوكيل عن الوكالة أو استقال، أو رفض الاستمرار في العمل، انتهت الوكالة؛ لأن الوكالة بغير أجر كما تقدم عقد غير لازم، يجوز للوكيل أن يتنازل عنها في أي وقت. لكن يشترط عند الحنفية في هذه الحالة أن يعلم الموكل بهذا التنازل، حتى لا يتضرر بما فعل الوكيل، ولم يشترط الشافعي علم الموكل بعزل الوكيل نفسه.
стр. 2930
٥ - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها، بيعاً أو شراءً أو إيجاراً؛ لأن العقد يصبح غير ذي موضوع. فإذا انهدمت الدار الموكل في شرائها، أو ماتت المرأة الموكل في تزوجها، بطلت الوكالة، لعدم تصور التصرف في المحل المعقود عليه بعد هلاكه.
٦ - عزل الموكل وكيله: لأن الوكالة كما عرفنا عقد غير لازم، فللموكل إنهاء الوكالة في أي وقت شاء. لكن يشترط لصحة العزل عند الحنفية شرطان:
أحدهما: علم الوكيل بالعزل، حتى لا يلحقه ضرر بإبطال ولايته فيما إذا تصرف تصرفاً يوجب عليه الضمان، بدفع الثمن مثلاً، وتملك المبيع.
وهذا شرط أيضاً في الأرجح عند المالكية.
وقال الشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة في الأرجح لديهم: لا يشترط علم الوكيل بالعزل؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يحتاج إلى علمه كالطلاق.
ثانيهما: ألا يتعلق بالوكالة حق لغير الموكل: فإن تعلق بها حق لغيره لم يصح العزل إلا برضا صاحب الحق، كأن يوكل المدين الراهن شخصاً (هو الدائن أو غيره) ببيع الرهن وسداد الدين منه إذا حل الأجل، فلا يصح عزل الوكيل حينئذ بغير رضا الدائن صاحب الحق، لتعلق حقه بالموضوع.
وإذا وكل الزوج شخصاً بطلاق زوجته متى شاء، فلا يملك الزوج الموكل الرجوع عن الوكالة إلا برضا المرأة.
ولو أراد المدين السفر إلى بلد، فطلب منه دائنه أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين وقت الحاجة، فوكل وكيلاً إجابة لطلبه وسافر، فليس له أن يعزل الوكيل إلا برضا الدائن.
стр. 2931
الفضالة
قد ينعقد العقد بالفضالة التي تتخذ بالإجازة حكم الوكالة. فمن الفضولي، وما حكم تصرفاته عند الفقهاء، وما أثر إجازة تصرفاته، وما شروط صحة الإجازة، وهل يملك فسخ العقد الصادر منه قبل الإجازة؟
تعريف الفضولي: الفضولي في اللغة: هو من يشتغل بما لا يعنيه أو بما ليس له. وعمله هذا يسمى فضالة. وعند الفقهاء له معنى قريب من هذا. وهو من يتصرف في شؤون غيره، دون أن يكون له ولاية على التصرف. أو من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي كأن يزوج من لم يأذن له في الزواج، أو يبيع أو يشتري ملك الغير بدون تفويض، أو يؤجر أو يستأجر لغيره دون ولاية أو توكيل. فهذا التصرف يسمى فضالة.
حكم تصرفاته عند الفقهاء: للفقهاء رأيان في تصرف الفضولي:
أولهما - للحنفية والمالكية (١): تصرفات الفضولي تقع منعقدة صحيحة، لكنها موقوفة على إجازة صاحب الشأن: وهو من صدر التصرف لأجله، إن أجازه نفذ، وإن رده بطل (٢). واستدلوا على رأيهم بما يأتي:
стр. 2932
أولاً - بعموم الآيات القرآنية الدال على مشروعية البيع، مثل قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة:٢٧٥/ ٢] والفضولي كامل الأهلية، فإعمال عقده أولى من إهماله، وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد؛ لأن المالك له ألا يجيز العقد، إن لم يجد فيه فائدة.
ثانياً - بما ثبت - في الحديث المتقدم في الوكالة - أن النبي ﷺ أعطى عروة البارقي - أحد أصحابه - ديناراً ليشتري له به شاة، فاشترى شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار، وجاء للنبي ﷺ بدينار وشاة، فقال له «بارك الله لك في صفقة يمينك» فشراء الشاة الثانية وبيعها لم يكن بإذن النبي ﵇، وهو عمل فضولي جائز بدليل إقرار الرسول له.
وخلاصة هذا الرأي: أن الملكية أو الولاية هي من شروط نفاذ التصرف، فإذا لم يكن العاقد مالكاً ولا ولاية له، كان العقد موقوفاً.
الرأي الثاني - للشافعية والحنابلة والظاهرية (١): تصرف الفضولي باطل، لا يصح ولو أجازه صاحب الشأن؛ لأن الإجازة تؤثر في عقد موجود، وهذا العقد لا وجود له منذ نشأته، فلا تصيره الإجازة موجوداً. واستدلوا بما يأتي:
أولاً - بأن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملكه منهي عنه شرعاً، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه عندهم، وذلك في قوله ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (٢) أي ما ليس مملوكاً لك،
стр. 2933
وسبب النهي اشتمال العقد على الغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، وما يترتب عليه من النزاع.
وقالوا عن حديث عروة البارقي: إنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي ﷺ ، وتصرفاته التي قام بها تنفذ، لأنها تمت بمقتضى وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير، فينفذ تصرفه.
ثانياً - إن أي تصرف لا يوجد شرعاً إلا بتوافر الولاية والأهلية عند العاقد، وهذه الولاية لا تكون إلا بالملك أو بالإذن من المالك، والفضولي ليس مالكاً لما يتصرف فيه ولا مأذوناً له من المالك بالتصرف، فلا يكون لتصرفه وجود شرعاً، ولا يترتب عليه أي أثر.
وخلاصة هذا الرأي: أن الملكية أو الولاية من شروط انعقاد التصرف، فإذا لم يتوفر شرط الانعقاد كان التصرف باطلاً.
وقد أخذ القانون المدني السوري في مواد عشر (١٨٩ - ١٩٨) برأي الحنفية والمالكية، وطبق عليها قواعد الوكالة إذا أقر رب العمل ما قام به الفضولي (م ١٩١)، لكنه حصر الفضالة بقيام الفضولي بشأن عاجل لشخص آخر، كما يفهم من تعريفها (م ١٨٩): «الفضالة: هي أن يتولى شخص عن قصد القيام بشأن عاجل لحساب شخص آخر، دون أن يكون ملزماً بذلك».
شروط إجازة تصرف الفضولي:
اشترط الحنفية القائلون بصحة تصرف الفضولي شروطاً ثلاثة: أحدها في المجيز، وثانيها في الإجازة، وثالثها في نفس التصرف (١):
стр. 2934
١ - أن يكون للعقد مجيز (١) حالة إنشاء العقد: أي أن يكون صاحب الشأن مستطيعاً إصدار العقد بنفسه، فإن لم يكن كذلك وقع العقد باطلاً من مبدأ الأمر، وعلى هذا إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ عاقل، أو وهب ماله، أو باعه بغبن فاحش، انعقد التصرف موقوفاً على الإجازة؛ لأن صاحب الشأن كان يستطيع أن يصدر هذه التصرفات بنفسه، فيستطيع إجازتها بعد وقوعها، فكان للتصرف مجيز حالة إنشائه.
أما لو فعل فضولي شيئاً من هذه التصرفات بالنسبة لصغير، فلا ينعقد التصرف أصلاً؛ لأن الصغير ليس أهلاً لهذه التصرفات الضارة، فلا يكون أهلاً لإجازتها، فلم يكن لها مجيز حين نشوء التصرف.
فإن كان التصرف قابلاً لإجازة ولي الصغير كالبيع بمثل القيمة أو أكثر، وكان للصغير ولي، انعقد موقوفاً على إجازته، أو على إجازة الصغير بعد البلوغ.
٢ - أن تكون الإجازة حين وجود العاقدين (الفضولي والطرف الآخر) والمعقود عليه وصاحب الشأن: فلو حصلت الإجازة بعد هلاك واحد من هؤلاء الأربعة، بطل التصرف، ولم تفد الإجازة شيئاً؛ لأن الإجازة تؤثر في التصرف، فلابد من قيام التصرف، وقيامه بقيام العاقدين والمعقود عليه.
٣ - ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن: مثل بيع ملك الغير أو إجارته، سواء أضاف العقد لنفسه أم لصاحب المال، ومثل شراء شيء لغيره أو استئجار شيء لغيره وأضاف العقد لذلك الغير. ففي كل هذه الحالات يكون العقد موقوفاً.
стр. 2935
أما إذا أمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند عدم إجازته، فينفذ على الفضولي كشراء شيء أو استئجاره مضيفاً العقد لنفسه، فيلزمه هو.
أثر إجازة تصرف الفضولي:
يترتب على الإجازة من صاحب الشأن أثران: أحدهما - جعل التصرف نافذاً. ثانيهما - جعل الفضولي وكيلاً يلتزم بحقوق التصرف؛ لأن «الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة» (١).
أما تاريخ نفاذ التصرف بالإجازة فيختلف بحسب نوع التصرف:
إن كان من التصرفات التي لا تقبل التعليق بالشرط كعقود المعاوضات المالية (البيع والإيجار ونحوهما) فإنها تنفذ من وقت إنشائها أي أن للإجازة أثراً رجعياً؛ لأن آثارها لا تتراخى عنها، وتكون زوائد الشيء وغلاته كالأجرة مملوكة لمن وقع العقد له، أي للمشتري في عقد البيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
وإن كان التصرف مما يصح تعليقه بالشرط كالكفالة والحوالة والوكالة والطلاق، فإنه ينفذ من وقت الإجازة؛ لأن هذه التصرفات معلقة في المعنى على الإجازة.
وإن كان التصرف يتطلب التسليم الفعلي كالهبة، فينفذ من وقت تسليم الموهوب له.
فسخ تصرف الفضولي:
تصرف الفضولي غير ملزم لصاحب الشأن، فيجوز حينئذ فسخه. والفسخ
стр. 2936
قد يكون من صاحب الشأن (البائع أو المشتري مثلاً)؛ لأن التصرف موقوف على رضاه وإجازته، فما لم يجزه لم يتم التصرف.
وقد يكون الفسخ من الفضولي نفسه في عقد البيع قبل إجازة المالك صاحب الشأن حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك.
أما عقد الزواج فليس للفضولي فسخه؛ لأنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الأصيل صاحب الشأن (١).
هل لفضولي واحد أن يعقد العقد عن الطرفين؟ عرفنا سابقاً أن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد، فليس للفضولي الواحد إبرام العقد سواء في البيع أو الزواج وغيرهما، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة (٢)، سواء أكان فضولياً من الجانبين، أم من جانب واحد ومن الجانب الآخر أصيلاً عن نفسه، أو وكيلاً، أو ولياً عن القاصر. فلو قال: بعت دار فلان، وقبلت الشراء عن فلان، أو زوجت فلاناً فتاة اسمها كذا، وقبلت هذه الفتاة لفلان، لم ينعقد العقد.
العنصر الثالث - محل العقد:
محل العقد أو المعقود عليه: هو ما وقع عليه التعاقد، وظهرت فيه أحكامه وآثاره. وهو قد يكون عيناً مالية كالمبيع والمرهون والموهوب، وقد يكون عيناً غير مالية كالمرأة في عقد الزواج، وقد يكون منفعة كمنفعة الشيء المأجور في إجارة
стр. 2937
الأشياء من الدور والعقارات ومنفعة الشخص في إجارة الأعمال (١).
وليس كل شيء صالحاً ليكون معقوداً عليه، فقد يمتنع إبرام العقد على شيء شرعاً أو عرفاً، كالخمر لا تصلح أن تكون معقوداً عليها بين المسلمين، والمرأة المحرم بسب رابطة النسب أو الرضاع، لا تصلح أن تكون زوجة لقريبها.
لذا اشترط الفقهاء أربعة شروط في محل العقد، وهي ما يأتي:
١ - أن يكون موجوداً وقت التعاقد: فلا يصح التعاقد على معدوم كبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا على ماله خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه، لاحتمال ولادته ميتاً، وكبيع اللبن في الضرع، لاحتمال عدمه بكونه انتفاخاً، وكبيع اللؤلؤ في الصدف، ولا يصح التعاقد على مستحيل الوجود في المستقبل، كالتعاقد مع طبيب على علاج مريض توفي، فإن الميت لا يصلح محلاً للعلاج، وكالتعاقد مع عامل على حصاد زرع احترق، فكل هذه العقود باطلة.
وهذا الشرط مطلوب عند الحنفية والشافعية (٢)، سواء أكان التصرف من عقود المعاوضات أم عقود التبرعات، فالتصرف بالمعدوم فيها باطل، سواء بالبيع أو الهبة أو الرهن، بدليل نهي النبي ﷺ عن بيع حبَل الحبلة (٣) ونهيه عن بيع
стр. 2938
المضامين والملاقيح (١)، وعن بيع ما ليس عند الإنسان (٢)؛ لأن المبيع فيها وقت التعاقد معدوم.
واستثنى هؤلاء الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منع التصرف بالمعدوم عقود السلَم والإجارة والمساقاة والاستصناع (٣) مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد، استحساناً مراعاة لحاجة الناس إليها، وتعارفهم عليها، وإقرار الشرع صحة السلم والإجارة، والمساقاة (٤) ونحوها.
واكتفى المالكية (٥) باشتراط هذا الشرط في المعاوضات المالية، أما في عقود التبرعات كالهبة والوقف والرهن فأجازوا ألا يكون محل العقد موجوداً حين التعاقد، وإنما يكفي أن يكون محتمل الوجود في المستقبل.
стр. 2939
وأما الحنابلة (١): فلم يشترطوا هذا الشرط، واكتفوا بمنع البيع المشتمل على الغرر (٢) الذي نهى عنه الشرع، مثل بيع الحَمْل في البطن دون الأم، وبيع اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم. وأجازوا فيما عدا ذلك - كما قرر ابن تيمية وابن القيم - بيع المعدوم عند العقد إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، كبيع الدار على الهيكل أو الخريطة؛ لأنه لم يثبت النهي عن بيع المعدوم لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة، وإنما ورد في السنة النهي عن بيع الغرر: وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء أكان موجوداً أم معدوماً كبيع الفرس والجمل الشارد، فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود، فبيع المعدوم إذا كان مجهول الوجود في المستقبل باطل للغرر، لا للعدم.
بل إن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدء صلاحه، والحب بعد اشتداده، والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يخلق بعد.
وأما حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان فالسبب فيه: هو الغرر لعدم القدرة على التسليم، لا أنه معدوم.
بيع الثمار أو الخضار أو الزروع:
يترتب على اشتراط وجود المعقود عليه أو قابليته للوجود في المستقبل حكم
стр. 2940
بيع الثمر أو الخضر أو الزرع في الأرض قبل ظهوره أو بعد ظهوره وقبل نضجه (١).
أـ اتفق الفقهاء على بطلان بيع الثمار والزروع قبل أن تخلق، لنهي النبي ﷺ عن بيع ما لم يخلق، ونهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. وعلل النهي عن البيع بقوله ﷺ : «أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه» (٢).
ب - إذا أصبح الزرع والثمر بحالة ينتفع بهما انتفاعاً كاملاً، صح التعاقد عليه؛ لأن محل العقد موجود. ويجوز إبقاؤه في الأرض أو على الشجر إلى وقت الحصاد أو القطاف عند غير أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن العرف يقتضيه ويتعامل به الناس عادة.
ج - إذا أصبح الزرع والثمر بحالة لا ينتفع بهما انتفاعاً كاملاً، كأن صار العنب حصرماً، والبلح بسراً، والزرع سنبلاً أخضر لم ييبس، جاز بيعه عند الإمامين مالك ومحمد بن الحسن استحساناً لتعارف الناس وتعاملهم به. ولم يجز بيعه عند أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي، لأن إبقاءه أمر مطلوب، وفي إبقائه منفعة للمشتري لا يقتضيها العقد ولا يلائمه.
стр. 2941
د - إذا بدا صلاح بعض الأشجار المثمرة في بستان أو في بساتين متجاورة يجوز بيع ما ظهر صلاحه وما لم يظهر عند المالكية والشيعة الإمامية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه، وتعارف الناس عليه، إلحاقاً لما لم يظهر صلاحه بما ظهر، ودفعاً للمشقة على الناس في تعاملهم.
ولم يجز ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والظاهرية والإباضية؛ لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة، ولعدم القدرة على تسليم المبيع كله.
والخلاصة: إن من منع البيع في هذه الصور أراد الاحتياط في أخذ مال الغير، ومن أجاز البيع أراد التيسير على الناس ومراعاة الأعراف.
هذا ويتفق القانون المدني السوري (م ١٣٢،١٣٣) مع الفقه الإسلامي في هذا الشرط، فقد شرط فقهاء القانون في محل الالتزام أن يكون شيئاً موجوداً وقت نشوء الالتزام، أو قابلاً للوجود في المستقبل (١)، لكن لا يجوز قانوناً ولا شرعاً بيع التركة المستقبلة، فلا يجوز للوارث بيع حصته من تركة مورثه وهو على قيد الحياة. ويجوز قانوناً لا شرعاً بيع المؤلف مؤلفه قبل إتمامه، وبيع المحصولات المستقبلة قبل أن تنبت بثمن مقدر، وبيع النتاج الذي لم يولد، ويمكن تصحيح هذه العقود على رأي ابن تيمية الذي يجيز العقد على الشيء الذي يمكن وجوده في المستقبل إذا امتنع الغرر.
стр. 2942
٢ - أن يكون المعقود عليه مشروعا ً:
يشترط أن يكون محل العقد قابلاً لحكمه شرعاً، باتفاق الفقهاء (١)، بأن يكون مالاً مملوكاً متقوماً، فإن لم يكن كذلك، كان العقد عليه باطلاً، فبيع غير المال كالميتة والدم (٢)، أو هبتها أو رهنها أو وقفها أو الوصية بها باطل؛ لأن غير المال لا يقبل التمليك أصلاً، وذبيحة الوثني والملحد والمجوسي والمرتد كالميتة.
ويبطل بيع غير المملوك أو هبته: وهو المباح للناس غير المحرز كالسمك في الماء والطير في الهواء والكلأ والحطب والتراب والحيوانات البرية أو الشيء المخصص للنفع العام كالطرقات والأنهار والجسور والقناطر العامة؛ لأنها غير مملوكة لشخص أو لا تقبل التملك الشخصي.
والتصرف بغير المتقوم باطل أيضاً: وهو ما لا يمكن ادخاره ولا الانتفاع به شرعاً، كالخمر والخنزير بين المسلمين.
وأما آلات الملاهي كأدوات الموسيقا المختلفة فيجوز بيعها عند أبي حنيفة لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، ولأنها مال في ذاتها، ولا ينعقد بيعها عند الصاحبين وبقية الأئمة؛ لأنها معدة للفساد واللهو. وبناء عليه يضمن قيمتها من يتلف شيئاً منها عند أبي حنيفة، ولا يضمن عند غيره من الفقهاء.
ويبطل التصرف بكل شيء، لا يقبل بطبيعته حكم العقد الوارد عليه،
стр. 2943
فالأموال التي يتسارع إلىها الفساد كالخضروات والفواكه لا تصلح محلاً للرهن؛ لأن حكمه: وهو حبس المرهون لإمكان استيفاء الدين منه عند عدم الأداء في وقته، لا تقبله هذه الأموال. والمرأة من المحارم كالأخت والعمة بالنسبة لقريبها المحرم لا تصلح محلاً لعقد الزواج. والعمل الممنوع شرعاً كالقتل والغصب والسرقة والإتلاف لا يصح الإجارة عليه.
ويتفق القانون مع الفقه الإسلامي في اشتراط هذا الشرط، فقد شرط القانونيون أن يكون الشيء داخلاً في دائرة التعامل. وأن يكون في بعض الأحوال مملوكاً للملتزم بنقل ملكيته، وذلك في الحقوق العينية المنصبة على شيء معين بالذات (١)، إلا أن فقهاء الشرع يجعلون تحريم الشرع وعدمه هو المحكم في جعل محل الالتزام مشروعاً أم غير مشروع، والقانون يحكّم في ذلك قواعد النظام العام والآداب.
٣ - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد:
يشترط باتفاق الفقهاء توافر القدرة على التسليم وقت التعاقد، فلا ينعقد العقد إذا لم يكن العاقد قادراً على تسليم المعقود عليه، وإن كان موجوداً ومملوكاً للعاقد. ويكون العقد باطلاً.
وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية باتفاق العلماء وفي التبرعات (٢) عند غير الإمام مالك، فلا يصح بيع الحيوان الشارد ولا إجارته ورهنه وهبته ووقفه
стр. 2944
ونحوها، ولا يصح التعاقد بيعاً أو إجارة أو هبة على الطير في الهواء والسمك في البحر والصيد بعد فراره والمغصوب في يد الغاصب والدار في الأرض المحتلة من العدو، لعدم القدرة على التسليم.
وأجاز الإمام مالك أن يكون معجوز التسليم حال التعاقد محلاً لعقد الهبة وغيره من التبرعات (١). فيصح عنده هبة الحيوان الفارّ وإعارته والوصية به، لأنه في التبرع لا يثور شيء من النزاع حول تسليم المعقود عليه؛ لأن المتبرع فاعل خير ومحسن، والمتبرع له لا يلحقه ضرر من عدم التنفيذ، لأنه لم يبذل قليلاً ولا كثيراً، فلا يكون هناك ما يؤدي إلى النزاع والخصام الذي يوجد في المعاوضات المالية.
وهذا الشرط لم يذكر عند القانونيين، ويظهر أنهم لا يشترطونه.
٤ - أن يكون معيناً معروفاً للعاقدين: لابد عند الفقهاء أن يكون محل العقد معلوماً علماً يمنع من النزاع؛ للنهي الوارد في السنة عن بيع الغرر وعن بيع المجهول (٢).
والعلم يتحقق إما بالإشارة إليه إذا كان موجوداً، أو بالرؤية عند العقد أو قبله بوقت لا يحتمل تغيره فيه، ورؤية بعضه كافية إذا كانت أجزاؤه متماثلة، أو بالوصف المانع للجهالة الفاحشة، وذلك ببيان الجنس والنوع والمقدار، كأن يكون المبيع حديداً من الصلب أو الفولاذ من حجم معين.
فلا يصح التصرف بالمجهول جهالة فاحشة: وهي التي تفضي إلى المنازعة.
стр. 2945
ويكون العقد فاسداً عند الحنفية، باطلاً عند غير الحنفية، وتغتفر الجهالة اليسيرة، وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة ويتسامح الناس فيها عادة.
كما لا يصح التصرف بما يشتمل على الغرر. ويلاحظ أن الغرر أعم من الجهالة فكل مجهول غرر، وليس كل غرر مجهولاً، فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء الشيء الهارب المعلوم الصفة، ولكن لا توجد الجهالة بدون الغرر (١).
وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار باتفاق الفقهاء، أما اشتراطه في غيرها فمحل اختلاف:
فالشافعية والحنابلة (٢) يشترطونه في عقود المعاوضات المالية وفي غير المالية كعقد الزواج، وفي عقود التبرعات كالهبة والوصية والوقف.
وقصره الحنفية (٣) على المعاوضات المالية وغير المالية، ولا يشترطونه في عقود التبرعات كالوصية والكفالة، فيصح التبرع مع جهالة المحل؛ لأن الجهالة فيه لا تؤدي إلى النزاع، كأن يوصي شخص بجزء من ماله، ويكون البيان متروكاً للورثة. وكأن يقول الكفيل: أنا ضامن ما على فلان من مال.
واكتفى المالكية (٤) باشتراطه في عقود المعاوضات المالية فقط، فأبطلوا كل