← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

د - إذا بدا صلاح بعض الأشجار المثمرة في بستان أو في بساتين متجاورة يجوز بيع ما ظهر صلاحه وما لم يظهر عند المالكية والشيعة الإمامية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه، وتعارف الناس عليه، إلحاقاً لما لم يظهر صلاحه بما ظهر، ودفعاً للمشقة على الناس في تعاملهم. ولم يجز ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية والظاهرية والإباضية؛ لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة، ولعدم القدرة على تسليم المبيع كله. والخلاصة: إن من منع البيع في هذه الصور أراد الاحتياط في أخذ مال الغير، ومن أجاز البيع أراد التيسير على الناس ومراعاة الأعراف. هذا ويتفق القانون المدني السوري (م ١٣٢،١٣٣) مع الفقه الإسلامي في هذا الشرط، فقد شرط فقهاء القانون في محل الالتزام أن يكون شيئاً موجوداً وقت نشوء الالتزام، أو قابلاً للوجود في المستقبل (١)، لكن لا يجوز قانوناً ولا شرعاً بيع التركة المستقبلة، فلا يجوز للوارث بيع حصته من تركة مورثه وهو على قيد الحياة. ويجوز قانوناً لا شرعاً بيع المؤلف مؤلفه قبل إتمامه، وبيع المحصولات المستقبلة قبل أن تنبت بثمن مقدر، وبيع النتاج الذي لم يولد، ويمكن تصحيح هذه العقود على رأي ابن تيمية الذي يجيز العقد على الشيء الذي يمكن وجوده في المستقبل إذا امتنع الغرر.

стр. 2942

٢ - أن يكون المعقود عليه مشروعا ً: يشترط أن يكون محل العقد قابلاً لحكمه شرعاً، باتفاق الفقهاء (١)، بأن يكون مالاً مملوكاً متقوماً، فإن لم يكن كذلك، كان العقد عليه باطلاً، فبيع غير المال كالميتة والدم (٢)، أو هبتها أو رهنها أو وقفها أو الوصية بها باطل؛ لأن غير المال لا يقبل التمليك أصلاً، وذبيحة الوثني والملحد والمجوسي والمرتد كالميتة. ويبطل بيع غير المملوك أو هبته: وهو المباح للناس غير المحرز كالسمك في الماء والطير في الهواء والكلأ والحطب والتراب والحيوانات البرية أو الشيء المخصص للنفع العام كالطرقات والأنهار والجسور والقناطر العامة؛ لأنها غير مملوكة لشخص أو لا تقبل التملك الشخصي. والتصرف بغير المتقوم باطل أيضاً: وهو ما لا يمكن ادخاره ولا الانتفاع به شرعاً، كالخمر والخنزير بين المسلمين. وأما آلات الملاهي كأدوات الموسيقا المختلفة فيجوز بيعها عند أبي حنيفة لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، ولأنها مال في ذاتها، ولا ينعقد بيعها عند الصاحبين وبقية الأئمة؛ لأنها معدة للفساد واللهو. وبناء عليه يضمن قيمتها من يتلف شيئاً منها عند أبي حنيفة، ولا يضمن عند غيره من الفقهاء. ويبطل التصرف بكل شيء، لا يقبل بطبيعته حكم العقد الوارد عليه،

стр. 2943

فالأموال التي يتسارع إلىها الفساد كالخضروات والفواكه لا تصلح محلاً للرهن؛ لأن حكمه: وهو حبس المرهون لإمكان استيفاء الدين منه عند عدم الأداء في وقته، لا تقبله هذه الأموال. والمرأة من المحارم كالأخت والعمة بالنسبة لقريبها المحرم لا تصلح محلاً لعقد الزواج. والعمل الممنوع شرعاً كالقتل والغصب والسرقة والإتلاف لا يصح الإجارة عليه. ويتفق القانون مع الفقه الإسلامي في اشتراط هذا الشرط، فقد شرط القانونيون أن يكون الشيء داخلاً في دائرة التعامل. وأن يكون في بعض الأحوال مملوكاً للملتزم بنقل ملكيته، وذلك في الحقوق العينية المنصبة على شيء معين بالذات (١)، إلا أن فقهاء الشرع يجعلون تحريم الشرع وعدمه هو المحكم في جعل محل الالتزام مشروعاً أم غير مشروع، والقانون يحكّم في ذلك قواعد النظام العام والآداب. ٣ - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد: يشترط باتفاق الفقهاء توافر القدرة على التسليم وقت التعاقد، فلا ينعقد العقد إذا لم يكن العاقد قادراً على تسليم المعقود عليه، وإن كان موجوداً ومملوكاً للعاقد. ويكون العقد باطلاً. وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية باتفاق العلماء وفي التبرعات (٢) عند غير الإمام مالك، فلا يصح بيع الحيوان الشارد ولا إجارته ورهنه وهبته ووقفه

стр. 2944

ونحوها، ولا يصح التعاقد بيعاً أو إجارة أو هبة على الطير في الهواء والسمك في البحر والصيد بعد فراره والمغصوب في يد الغاصب والدار في الأرض المحتلة من العدو، لعدم القدرة على التسليم. وأجاز الإمام مالك أن يكون معجوز التسليم حال التعاقد محلاً لعقد الهبة وغيره من التبرعات (١). فيصح عنده هبة الحيوان الفارّ وإعارته والوصية به، لأنه في التبرع لا يثور شيء من النزاع حول تسليم المعقود عليه؛ لأن المتبرع فاعل خير ومحسن، والمتبرع له لا يلحقه ضرر من عدم التنفيذ، لأنه لم يبذل قليلاً ولا كثيراً، فلا يكون هناك ما يؤدي إلى النزاع والخصام الذي يوجد في المعاوضات المالية. وهذا الشرط لم يذكر عند القانونيين، ويظهر أنهم لا يشترطونه. ٤ - أن يكون معيناً معروفاً للعاقدين: لابد عند الفقهاء أن يكون محل العقد معلوماً علماً يمنع من النزاع؛ للنهي الوارد في السنة عن بيع الغرر وعن بيع المجهول (٢). والعلم يتحقق إما بالإشارة إليه إذا كان موجوداً، أو بالرؤية عند العقد أو قبله بوقت لا يحتمل تغيره فيه، ورؤية بعضه كافية إذا كانت أجزاؤه متماثلة، أو بالوصف المانع للجهالة الفاحشة، وذلك ببيان الجنس والنوع والمقدار، كأن يكون المبيع حديداً من الصلب أو الفولاذ من حجم معين. فلا يصح التصرف بالمجهول جهالة فاحشة: وهي التي تفضي إلى المنازعة.

стр. 2945

ويكون العقد فاسداً عند الحنفية، باطلاً عند غير الحنفية، وتغتفر الجهالة اليسيرة، وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة ويتسامح الناس فيها عادة. كما لا يصح التصرف بما يشتمل على الغرر. ويلاحظ أن الغرر أعم من الجهالة فكل مجهول غرر، وليس كل غرر مجهولاً، فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء الشيء الهارب المعلوم الصفة، ولكن لا توجد الجهالة بدون الغرر (١). وهذا الشرط مطلوب في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار باتفاق الفقهاء، أما اشتراطه في غيرها فمحل اختلاف: فالشافعية والحنابلة (٢) يشترطونه في عقود المعاوضات المالية وفي غير المالية كعقد الزواج، وفي عقود التبرعات كالهبة والوصية والوقف. وقصره الحنفية (٣) على المعاوضات المالية وغير المالية، ولا يشترطونه في عقود التبرعات كالوصية والكفالة، فيصح التبرع مع جهالة المحل؛ لأن الجهالة فيه لا تؤدي إلى النزاع، كأن يوصي شخص بجزء من ماله، ويكون البيان متروكاً للورثة. وكأن يقول الكفيل: أنا ضامن ما على فلان من مال. واكتفى المالكية (٤) باشتراطه في عقود المعاوضات المالية فقط، فأبطلوا كل

стр. 2946

عقد بيع مثلاً إذا كان مشتملاً على جهالة المبيع أو الثمن. ولم يشترطوا هذا الشرط في عقود المعاوضات غير المالية، وفي عقود التبرعات، فأجازوا الزواج المشتمل على غرر قليل لا كثير كأثاث بيت، لا على شيء شارد أو ضائع؛ لأن القصد من المهر هو المودة والألفة فأشبه التبرع فاغتفرت فيه الجهالة اليسيرة، لا الفاحشة؛ لأن في الزواج شبهاً بالمعاوضات، وصححوا التبرع بالمجهول جهالة فاحشة؛ لأن القصد منه الإحسان بالصرف والتوسعة على الناس، ولا يترتب على ذلك نزاع. والقانون المدني في المادة (١٣٤) اشترط هذا الشرط أيضاً، متجاوزاً عن الجهالة اليسيرة إذا كان المحل غير معين بالذات، أي معيناً بنوعه فقط. فقال فقهاء القانون: يشترط أن يكون الشيء معيناً أو قابلاً للتعيين بشرط بيان طرق التعيين اللاحق. فإذا كان الشيء محل الالتزام مما يعين بذاته وجب أن تكون ذاتيته معروفة. وإذا كان الشيء مما يعيّن بنوعه لزم أن يذكر جنسه ونوعه ومقداره (١). والشرع والقانون وإن اتفقا على هذا الشرط من حيث المبدأ، لكنهما يختلفان في التطبيق، فالشرعيون يوجبون تعيين محل العقد تعييناً تاماً لا يتطرق إليه أي احتمال، وإلا كان العقد فاسداً عند الحنفية باطلاً عند غيرهم، ولا يجيزون كون المحل قابلاً للتعيين، والقانون يكتفي بكون المحل قابلاً للتعيين، وإن لم يكن معيناً وقت التعاقد، كالتعهد بتوريد أغذية معينة النوع لمدرسة أو مشفى. وأخيرا ً اشترط غير الحنفية (٢) شرطاً خامساً: وهو أن يكون المبيع طاهراً لانجساً ولا متنجساً؛ لأن جواز البيع يتبع الطهارة، فكل ما كان طاهراً أي ما يباح

стр. 2947

الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم. وأما النجس والمتنجس فيبطل بيعه، والنجس: مثل الكلب ولو كان معلماً للنهي عن بيعه، والخنزير والميتة والدم والزبل والحشرات والبهائم الكاسرة التي لا يؤكل لحمها كالأسد والذئب، والطيور الجارحة كالنسر والغراب والحدأة، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل والدبس واللبن. لكن أجاز هؤلاء الفقهاء بيع المختلف في نجاسته كالبغل والحمار، وبيع الهر وطيور الصيد كالصقر والعقاب المعلم، والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغاء. ولم يشترط الحنفية (١) هذا الشرط، فأجازوا بيع النجاسات كشعر الخنزير وجلد الميتة للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن بيعه منها كالخمر والخنزير والميتة والدم (٢)، كما أجازوا بيع الحيوانات المتوحشة، والمتنجس الذي يمكن الانتفاع به في غير الأكل. والضابط عندهم: أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز، لأن الأعيان خلقت لمنفعة الإنسان بدليل قوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة:٢٩/ ٢] العنصر الرابع - موضوع العقد: إن موضوع العقد: هو أحد مقوماته الأربعة التي لا بد من وجودها في كل عقد.

стр. 2948

وموضوع العقد: هو المقصد الأصلي الذي شرع العقد من أجله. وإذا كان القانون عند القانونيين هو الذي يحدد مقصد العقد أو آثاره، لا إرادة العاقد، فإن المشرع في الشريعة الإسلامية هو الذي يحدد الآثار الخاصة لكل عقد، وبهذا التحديد وفي نطاقه المقرر تتحقق الأغراض الصحيحة التي يقصدها العاقدان من إنشاء العقد. وموضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود، ويختلف باختلاف فئات العقود أو أنواعها، فهو في عقود البيع واحد: وهو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض. وفي الإجارات: هو تمليك المنفعة بعوض، وفي الهبات: هو تمليك العين الموهوبة، بلا عوض، وفي الإعارات: هو تمليك المنفعة بلا عوض، وفي الزواج: هو حل الاستمتاع المشترك بين الزوجين. وموضوع العقد يتحد في الحقيقة مع عبارتي: المقصد الأصلي للعقد (أو الغاية النوعية من العقد)، وحكم العقد، فهذه المصطلحات الثلاثة مترادفة يمثل كل واحد منها وجهاً لحقيقة واحدة. فإذا نظر إلى هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع قبل إيجاد العقد سميت مقصداً أصلياً للعقد أي مآل العقد. وإذا نظر إلى هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع بعد وجود العقد سميت حكم العقد أي الأثر المترتب عليه. وإذا لاحظنا المرحلة المتوسطة التي تقع إبان التعاقد أي بين مرحلة إيجاده وتمامه فتسمى هذه الحقيقة موضوع العقد (١). فهذه العبارات الثلاث تطلق على حقيقة واحدة مثلثة الوجوه (٢).

стр. 2949

والمقصد الأصلي للعقد في الشريعة ربما يلتقي في بعض الخصائص مع المفهوم التقليدي للسبب عند القانونيين، وهو الذي لم تأخذ به قوانيننا العربية في سورية ومصر وليبيا وغيرها. وهو المسمى: السبب الفني للالتزام: وهو السبب القريب المجرد الذي يكون واحداً في كل الالتزامات التي من نوع واحد، وهو لازم لنشوء الالتزام ولاستمراره. فكل من المقصد الأصلي والسبب الفني موضوعي وواحد في العقد. ففي عقد البيع مثلاً السبب الفني لالتزام البائع بنقل ملكية المبيع: هو التزام المشتري بدفع الثمن. والمقصد الأصلي لعقد البيع: هو نقل الملكية بعوض، أي أن السبب الفني هو واحد في كل التزام بنقل الملكية، لا يختلف من التزام إلى آخر بحسب اختلاف الأشخاص. فسبب التزام البائع بنقل الملكية هو رغبته في الحصول على ثمن ما باع. وكذلك المقصد الأصلي هو واحد كما عرفنا في النوع الواحد من العقود، لا يختلف إلا باختلاف نوع العقد. لكن الفرق بين السبب الفني والمقصد الأصلي: هو أن السبب الفني ملازم لإرادة العاقد الخاصة، وإن كان متميزاً عنها. أما المقصد الأصلي فهو في الأصل منفك عن الإرادة الخاصة للعاقد، غير متلازم معها، وإنما هو متلازم مع إرادة الشارع (١). فالسبب في الفقه الإسلامي هو المقصد الأصلي للعقد (٢)، أي أن السبب هو مجموع الآثار المتولدة، فإن كانت هذه الآثار سليمة، ذات محل مشروع، كان العقد صحيحاً، وإلا كان العقد باطلاً. وهذه الآثار: هي التي دفعت العاقد إلى التعاقد.

стр. 2950

والحقيقة: أن التقاء المقصد الأصلي في الشريعة مع السبب الفني في بعض الخصائص لا يعني أن أحدهما هو بمعنى الآخر؛ لأن السبب الفني هو سبب الالتزام وسبب الالتزام يختلف عن سبب العقد. ففي العقود التبادلية: سبب التزام أحد المتعاقدين هو التزام المتعاقد الآخر، فسبب التزام البائع بنقل الملكية هو التزام المشتري بدفع الثمن. وسبب التزام المشتري بدفع الثمن هو التزام البائع بنقل الملكية. وهذا المعنى للسبب المدني يختلف عن المقصد العام للعقد في الشريعة، المعتبر في جميع العقود التي تبرم من نوع واحد، فالبيوع كلها مقصدها واحد هو المقصد العام لهذا النوع من العقد. وهو يختلف عن السبب الفني؛ لأن الثاني خاضع لإرادة العاقد، والمقصد النوعي خاضع لإرادة الشرع. والسبب الفني يختلف عن الباعث؛ لأن الأول: هو الغرض الدافع والمباشر الذي التزم المدين من أجله. والباعث: هو ما قبل ذلك من الدوافع (١). وإذا كان الفقه الإسلامي لا يعتد بالسبب الفني في المفهوم التقليدي للسبب عند القانونيين فإنه يتوصل إلى الدور نفسه الذي يقوم به السبب الفني من ناحيتين: أولاهما - من طريق تحديد شرائط العقد والمحل، كعنصر نشوء أو تكوين، وثانيهما - من طريق فكرة «التعادل» في التبادل كعنصر تنفيذ (٢). السبب في النظرية الحديثة عند القانونيين: السبب في القضاء اليوم والذي أخذت به القوانين المدنية العربية في سوريا (م ١٣٧، ١٣٨) وفي مصر (م ١٣٦،١٣٧): هو المسمى: سبب العقد، أو السبب

стр. 2951

المصلحي أو سبب السبب وهو الباعث الذاتي أو الدافع البعيد الذي دفع العاقد إلى العقد. والسبب بهذا المعنى ليس عنصراً موضوعياً، وإنما يختلف في النوع الواحد من الالتزامات باختلاف الأشخاص، فهو إذن عنصر شخصي، غير ثابت، بعكس السبب الفني الذي يعد عنصراً موضوعياً ثابتاً في النوع الواحد من الالتزام. وإذا كانت وظيفة السبب الفني أو التقليدي: هي سلامة الالتزام من الناحية الفنية، فوظيفة سبب العقد أو السبب في النظرية الحديثة: هي منع صحة عقد يبتغى بوسائل مشروعة للوصول إلى نتائج غير مشروعة، فبه تتحقق مصلحة المجتمع، وهي حماية الأخلاق أو النظام العام، أي أن السبب المصلحي يتضمن فكرة الجزاء على خطأ: وهو إرادة المتعاقدين تحقيق غاية غير مشروعة. موقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث (الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة): في الفقه الإسلامي حول نظرية السبب هذه اتجاهان (١): اتجاه تغلب فيه النظرة الموضوعية، واتجاه يلاحظ فيه النوايا والبواعث الذاتية. أما الاتجاه الأول: فهو مذهب الحنفية والشافعية (٢) الذين يأخذون بالإرادة الظاهرة في العقود، لا بالإرادة الباطنة، أي أنهم حفاظاً على مبدأ استقرار المعاملات لا يأخذون بنظرية السبب أو الباعث، لأن فقههم ذو نزعة موضوعية بارزة كالفقه الجرماني، والسبب أو الباعث الذي يختلف باختلاف الأشخاص عنصر ذاتي داخلي قلق يهدد المعاملات.

стр. 2952

ولا تأثير للسبب أو الباعث على العقد إلا إذا كان مصرحاً به في صيغة التعاقد، أي تضمنته الإرادة الظاهرة كالاستئجار على الغناء والنوح والملاهي وغيرها من المعاصي. فإذا لم يصرح به في صيغة العقد بأن كانت الإرادة الظاهرة لا تتضمن باعثاً غير مشروع، فالعقد صحيح لاشتماله على أركانه الأساسية من إيجاب وقبول وأهلية المحل لحكم العقد، ولأنه قد لا تحصل المعصية بعد العقد، ولا عبرة للسبب أو الباعث في إبطال العقد، أي أن العقد صحيح في الظاهر، دون بحث في النية أو القصد غير المشروع، لكنه مكروه حرام، بسبب النية غير المشروعة. وبناء عليه قال الحنفية والشافعية بصحة العقود التالية مع الكراهة التحريمية عند الحنفية والحرمة أو الكراهة عند الشافعية: ١ - بيع العينة: (أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا) كبيع سلعة بثمن مؤجل إلى مدة بمئة ليرة، ثم شراؤها في الحال بمئة وعشر، فيكون الفرق ربا (١). لكن أبا حنيفة استثناه من مبدئه في عدم النظر إلى النية غير المشروعة، اعتبر هذا العقد فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض. فيكون بيع العينة ممنوعاً غير جائز عند مالك وأبي حنيفة وأحمد والهادوية من الزيدية. وجوز ذلك الشافعي وأصحابه مستدلين على الجواز في الظاهر بما وقع من ألفاظ البيع التي لايراد بها حصول مضمونه. ٢ - بيع العنب لعاصر الخمر، أي لمن يعلم البائع أنه سيتخذه خمراً، أو يظنه ظناً غالباً، وهو حرام عند الشافعية، فإن شك في اتخاذه خمراً أوتوهمه فالبيع مكروه في رأيهم.

стр. 2953

٣ - بيع السلاح في الفتنة الداخلية أو لمن يقاتل به المسلمين أو لقطاع الطرق المحاربين ومثله بيع أدوات القمار، وإيجار دار للدعارة أو للقمار، وبيع الخشب لمن يتخذ منه آلات الملاهي والإجارة على حمل الخمر لمن يشربها ونحو ذلك، وهو بيع حرام عند الشافعية. ٤ - زواج المحلِّل: وهو الذي يعقد زواجه على امرأة مطلقة طلاقاً ثلاثاً (أي البائن بينونة كبرى) بقصد تحليلها لزوجها الأول بالدخول بها في ليلة واحدة مثلاً ثم يطلقها ليصح لزوجها الأول العقد عليها من جديد، عملاً بظاهر الآية القرآنية: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢]. وهو مكروه عند الشافعية إذا لم يشرط في صلب العقد ما يخل بمقصوده الأصلي، فإن شرط ذلك كأن شرط أن يطلق بعد الوطء حرم وبطل. والخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يأخذ بالسبب أو الباعث إلا إذا كان داخلاً في صيغة العقد وتضمنه التعبير عن الإرادة ولو ضمناً، ولا يعتد به إذا لم تتضمنه صيغة العقد. وأما الاتجاه الثاني: فهو مذهب المالكية والحنابلة والشيعة (١) الذين ينظرون إلى القصد والنية أو الباعث، فيبطلون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع بشرط أن يعلم الطرف الآخر بالسبب غير المشروع، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك

стр. 2954

بالظروف والقرائن التي تدل على القصد الخبيث كإهداء العدو هدية لقائد الجيش، والإهداء للحكام والموظفين، فذلك مقصود به الرشوة، فتكون للدولة. وهبة المرأة مهرها لزوجها، يقصد به استدامة الزواج، فإن طلقها بعدئذ، كان لها الرجوع فيما وهبت (١). هذا الاتجاه يأخذ تقريباً بنظرية السبب أو بمذهب الإرادة الباطنة في الفقه اللاتيني، مراعاة للعوامل الأدبية والخلقية والدينية، فإن كان الباعث مشروعاً، فالعقد صحيح، وإن كان غير مشروع فالعقد باطل حرام، لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، قال الشوكاني (٢): لا خلاف في تحريم بيع العنب لمن يعصره خمراً في حال القصد وتعمد البيع إلى من يتخذه خمراً. وأما مع عدم القصد والتعمد للبيع فذهب جماعة من أهل العلم إلى جوازه مع الكراهة ما لم يعلم أنه يتخذه لذلك. وبناء عليه قال المالكية والحنابلة ومن وافقهم ببطلان العقود السابقة، وأضاف لها المالكية أنهم لا يجيزون بيع أرض بقصد بناء كنيسة، أو بيع خشب بقصد صنع صليب، أو شراء عبد بقصد أن يكون مغنياً، أو استئجار كراريس فيها عبارات النوح، وبيع ثياب حرير ممن يلبسها (٣). أما عدم صحة بيع العنب للخمار وبيع السلاح للأعداء ونحوهما فلأنه إعانة على الحرام، أو عقد على شيء لمعصية الله به فلا يصح. وأما فساد زواج المحلل فلأنه يتنافى مع أغراض الزواج السامية: وهو أنه عقد مؤبد قصد به تكوين أسرة

стр. 2955

دائمة، وهذا الزواج اتخذ لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول في وضع مؤقت، فهو حيلة لرفع تحريم مؤبد، وهو قصد غير مشروع. وأما فساد بيع العينة (أو بيوع الآجال) فلأنه اتخذ البيع حيلة لتحليل التعامل بالربا، ولم يكن الغرض الحق هو البيع والشراء. فهو وسيلة لعقد محرم غير مشروع، فيمنع سداً للذرائع المؤدية إلى الحرام. والخلاصة: أن هذا الاتجاه يعتد بالمقاصد والنيات ولو لم تذكر في العقود بشرط أن يكون ذلك معلوماً للطرف الآخر، أو كانت الظروف تحتم علمه؛ لأن النية روح العمل ولبه. ويكون هذا الاتجاه آخذاً بنظرية السبب، التي تتطلب أن يكون السبب مشروعاً، فإن لم يكن سبب العقد مشروعاً فلا يصح العقد. المطلب الثالث - الإرادة العقدية: الإرادة هي القوة المولدة للعقد، والعقد كما تقدم: هو توافق إرادتين على وجه ينتج أثره الشرعي، وهو الالتزام المطلوب للمتعاقدين. والكلام أو التعبير هو ترجمان الإرادة، فينبغي أن يكون معبراً تماماً عن الإرادة. والإرادة نوعان: باطنة حقيقية، وظاهرة. والإرادة الباطنة: هي النية أو القصد: والإرادة الظاهرة: هي الصيغة التي تعبر عن الإرادة الباطنة، أو ما يقوم مقامها كالتعاطي، فإذا تطابقت الإرادتان وجد العقد. وإذا وجدت الإرادة الظاهرة وحدها كالتعبير الصادر من الطفل غير المميز أو النائم أو المجنون، لم تفد شيئاً، كما أن التصرف لا يوجد بمجرد النية أو الإرادة الباطنة، فمن نوى الطلاق أو الوقف لا يصبح بمجرد نيته مطلِّقاً أو واقفاً.

стр. 2956

وقد عرفنا في بحث صيغة التعاقد ما تتحقق به الإرادة الظاهرة. وأما الإرادة الباطنة فتتحقق بالرضا والاختيار. والحنفية يقررون أن الرضا والاختيار شيئان متغايران. فالاختيار: هو القصد إلى النطق بالعبارة المنشئة للعقد، سواء أكان ذلك عن رضا أم لا. والرضا: هو الرغبة في أثر العقد عند التلفظ بما يدل على إنشائه. فإذا وجد الرضا وجد الاختيار، وإذا وجد الاختيار لا يلزم وجود الرضا. وغير الحنفية: الرضا والاختيار بمعنى واحد. لكن في الحياة العملية: قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، ولا توجد معها إرادة باطنة، فماحكم العقد؟ هذا ما يبحث في الفرع الأول من هذا المطلب وهو صورية العقد، ويأتي بعده بحث الفرعين الآخرين. فإذا لم توجد الإرادة الباطنة الحقيقية كان العقد صورياً. وإذا وقع الشك في وجود الإرادة الحقيقية، كان العقد معيباً بعيب من عيوب الرضا أو الإرادة. الفرع الأول - صورية العقود: قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، وتنعدم الإرادة الباطنة، فيكون العقد صورياً، ويظهر ذلك في الأحوال التالية: ١ - حالة السكر والنوم والجنون وعدم التمييز والإغماء: إن العقود التي تصدر من النائم والمجنون وغير المميز ونحوهم لا أثر لها، لانعدام الإرادة الحقيقية في إنشاء العقد.

стр. 2957

والسكران أيضاً ليست له إرادة حقيقية في التصرف، لكن مع ذلك اختلف الفقهاء في تصرفاته، كما تقدم سابقاً. فقال الإمام أحمد وبعض المالكية (١): لا تعتبر تصرفات السكران، لعدم توفر القصد الصحيح عنده، فلا يصح بيعه وشراؤه وعقوده وطلاقه وسائر أقواله. وبه أخذ قانون الأحوال الشخصية في سوريا ومصر، وهو الرأي الراجح والمعقول لدينا. لكن المشهور في مذهب المالكية: نفوذ طلاق السكران. وقال الحنفية والشافعية (٢): إذا كان السكر بمباح كحالة البنج والاضطرار والإكراه ونحوها، فلا تعتبر أقواله وأفعاله، ولا أثر لعبارته، لعدم تحقق القصد منه. وإذا كان السكر بمحرم فيؤاخذ بأقواله عقاباً وزجراً له، فتصح عقوده كالبيع والزواج، وتصح تصرفاته كالطلاق، وتترتب عليها آثارها. ٢ - عدم فهم العبارة: إذا لم يفهم الشخص عبارة غيره الذي نطق بعبارة تدل على الرضا بالتصرف لم ينعقد العقد، سواء في الإيجاب أو القبول؛ لأن العبارة الصادرة منه لا تدل على قصد صحيح، ولا تعبر عن إرادته، والإرادة أو القصد أساس الرضا. لكن قال الحنفية (٣): إذا كان التصرف مما يستوي فيه الجدل والهزل كالزواج والطلاق والرجعة واليمين، وعلم العاقدان أن اللفظ المستخدم ينعقد به التصرف، وإن لم يعلما حقيقة معناه، فينعقد به التصرف؛ لأن فهم اللفظ أمر مطلوب لأجل

стр. 2958

القصد، وهذه التصرفات لا يشترط فيها القصد، فلا يشترط في الناطق بما يدل عليها أن يكون فاهماً لمعناها. لكن في هذا مغالاة؛ لأن عدم اشتراط القصد في هذه التصرفات يكون بعد فهم المعنى. ولا يعقل ترتيب الآثار على تصرف غير مفهوم المعنى. ٣ - حالة التعلم والتعليم والتمثيل: إذا ردد المتكلم عبارات التصرفات، ولكنه لا يريد إنشاء التزام أو عقد، بل يريد غرضاً آخر كالتعلم والتعليم والتمثيل، فلا يترتب على عبارته أي أثر. كما إذا ردد القارئ عبارة البيع أو الشراء أو الطلاق المسطرة في كتب الفقهاء بقصد تعلمها أو حفظها، أو بقصد تعليمها لغيره، فلا يترتب على كلامه أي أثر. وكذلك ترديد الممثلين عبارات التمثيل وحكاية أقوال الآخرين، مثل زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك نفسي، لا يترتب عليه أي أثر؛ لأن المتكلم في هذه الأمثلة لا يقصد إنشاء العقد، بل قصد غرضاً آخر، وهو التمثيل أو الحفظ أو توضيح الحكم للتلاميذ. ٤ - الهزل أو الاستهزاء: الهزل ضد الجد: وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما يصلح اللفظ له استعارة. فإذا نطق الشخص بعبارة لا يريد بها إنشاء التصرف، وإنما قصد بها الهزل أو الاستهزاء والعبث، مستخدماً صورية التصرف القولي أو العقد، كانت العبارة الصادرة من الهازل عند الشافعية على الراجح (١) صالحة لإنشاء العقود وترتيب الآثار عليها، سواء في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار أم في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، وذلك عملاً بالإرادة الظاهرة، لا بالقصد الداخلي، وحفاظاً على مبدأ استقرار العقود والمعاملات، ولا يلتفت إلى دعوى الهزل.

стр. 2959

وفصل الحنفية والحنابلة وأكثر المالكية (١) بين عقود المبادلات المالية وغيرها. فعقود المبادلات المالية كالبيع أو التي محلها المال كالهبة والوديعة والعارية لا يترتب على عبارة الهازل بها أي أثر لعدم تحقق الرضا أو القصد الذي تقوم عليه الإرادة. وأما التصرفات الخمسة التي سوى الشارع فيها بين الجد والهزل (وهي الزواج والطلاق والرجعة والإعتاق واليمين) فصححوا عبارة الهازل فيها، ورتبوا عليها آثارها، أخذاً بحديث نبوي سابق هو: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق» (٢) وفي رواية «الرجعة» وفي رواية أخرى «اليمين»، ولأن هذه التصرفات خطيرة مشتملة على حق لله، وهو ليس موضعاً للهزل والاستهزاء. ٥ - الخطأ: الخطأ: هو وقوع الفعل بدون قصد، كأن يقصد المتكلم النطق بكلمة فيسبق لسانه إلى كلمة أخرى فيتلفظ بها، كأن يقول: طلّقت، وهو يريد أن يقول: بعت. والمخطئ كالناسي أو المجنون عند الشافعية والمالكية والحنابلة (٣) لايترتب على عبارته أي عقد أو التزام، عملاً بقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).

стр. 2960

وقال الحنفية (١): المخطئ والناسي يترتب على عبارتهما أثرها في التصرفات والعقود؛ لأن الإرادة أمر باطني خفي لا اطلاع لنا عليه، فلو قبلنا دعوى الخطأ والنسيان في التصرفات لتزلزلت المعاملات، وضاعت الحقوق. والخلاصة: أن رأي الحنفية في الخطأ على عكس رأيهم في الهزل. ٦ - التلجئة أو المواضعة (٢): هي أن يتظاهر أو يتواطأ شخصان على إبرام عقد صوري بينهما إما بقصد التخلص من اعتداء ظالم على بعض الملكية، أو بإظهار مقدار بدل أكثر من البدل الحقيقي ابتغاء الشهرة والسمعة، أو لتغطية اسم الشخص الذي يعمل لمصلحته باطناً (قضية الاسم المستعار). أي أن المواضعة إما أن تكون في أصل العقد، أو في مقدار البدل، أو في الشخص. مثال الحالة الأولى: أن يخاف إنسان اعتداء إنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه، ويتم العقد مستوفياً أرفانه وشرائطه. ومثله بيع المدين أمواله لتهريبها من وجه الدائنين، أوعقد قروض صورية لبعض الناس لمزاحمة الدائنين الحقيقيين، أو إقرار المورث لبعض ورثته بدين لتفضيله في نصيب الإرث. ومثال الحالة الثانية: إعلان زيادة في المهر في عقد الزواج بعد الاتفاق سراً على مقدار المهر الحقيقي بقصد الرياء والسمعة والشهرة. أو زيادة الثمن في عقد

стр. 2961

بيع العقار لمنع الشفيع من الأخذ بالشفعة. فلا يجب في هذه الحالة إلا المهر المتفق عليه سراً في عقد الزواج، أو الثمن الحقيقي الذي تم به البيع، وكل من الزواج والبيع صحيح. ومثال الحالة الثالثة: تواطؤ اثنين على إخفاء وكالة سرية في عمل معين، والتظاهر بأن الوكيل يعمل باسمه لمصلحته الشخصية أو أنه هو الأصيل في العمل، ثم يعلن أن اسمه مستعار، كأن يقرر شخص بأن الدكان أو السند أو الأموال التي في يده هي لشخص آخر، فيعد قوله إقراراً بالحق لذلك الشخص (راجع المجلة: م ١٥٩١ - ١٥٩٣). وقد اختلف الفقهاء في حكم عقد التلجئة أي بالنسبة للحالة الأولى: فقال الحنفية والحنابلة (١): إنه عقد فاسد غير صحيح كحالة الهزل تماماً؛ لأن العاقدين ما قصدا البيع، فلم يصح منها كالهازلين. كما لايصح عقد القرض الصوري أو الإقرار كما في حالة الهزل (٢). وقال الشافعية (٣): هو بيع صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وأتي باللفظ مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، أي أن رأيهم في هذه العقود كرأيهم في عقود الهازل. ٧ - الإكراه: يقصد الشخص في حالة الإكراه التلفظ بالعبارة مع فهمه لمعناها، ولكنه لم

стр. 2962

يرض بترتب الآثار عليها. فالإكراه بنوعيه الملجئ وغير الملجئ يعدم الرضا، أي الإرادة الحقيقية. وبما أن الإكراه يعدم الرضا لم يترتب عند غير الحنفية (الجمهور) على عبارة المستكره أي أثر في جميع العقود والتصرفات، للحديث السابق: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فلا يصح طلاقه وزواجه وغيرهما، كالسكران. وبهذا أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (٨٩) (١) والقانون المصري. إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: بيع المكره باطل (٢). وقال المالكية: بيع المكره غير لازم، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه. وقال ابن جزي المالكي: بيع المكره وشراؤه باطلان (٣). وأما الحنفية (٤) فاعتبروا الإكراه كالهزل تماماً. فالعقود المالية كالبيع والإجارة والرهن ونحوها، أو التي محلها المال كالهبة والوديعة والإعارة تكون موقوفة على إجازة المستكره بعد زوال ظرف الإكراه، فإن رضي بها وأجازها في مدة ثلاثة أيام وبقي العاقد الآخر راضياً نفذت، وإن لم يجزها بطلت. وهذا رأي زفر وهو الأصح. والتصرفات الخمسة التي لله فيهاحق (وهو الزواج والطلاق والرجعة واليمين

стр. 2963

والعتاق) تكون صحيحة كالهزل تماماً؛ لأن الشارع جعل العبارة فيها عند القصد إليها قائمة مقام الإرادة، فيترتب عليها أثرها. ٨ - القصد غير المشروع: إذا اتخذ العاقد عقداً مباحاً وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، أي كان الدافع له سبباً غير مشروع، فللفقهاء بالنسبة للعقد في حد ذاته رأيان، وذلك مثل بيع السلاح لأهل الفتنة، وبيع العصير لمن يتخذه خمراً، وبيع العينة وزواج المحلل ونحوها. قال الإمام الشافعي: العقد صحيح، لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول والنية غير المشروعة متروك أمرها لله يعاقب صاحبها. وقال الصاحبان وسائر الأئمة الآخرين: العقد غير صحيح، وليس للإيجاب والقبول أثر متى قام الدليل على هذا القصد الآثم. وقد سبق بحث الرأيين في نظرية السبب عند الفقهاء. الفرع الثاني - سلطان الإرادة العقدية (أو مدى الحرية في العقود والشروط): يأخذ فقهاء القانون الحديث بمبدأ سلطان الإرادة العقدية أي أن الإرادة حرة في إنشاء العقود واشتراط الشروط لتحديد التزامات التعاقد وآثاره المترتبة عليها، ولكن في حدود النظام العام (١): وهي الحدود التي يضعها التشريع وفقاً لمصالح الفرد والمجتمع ومقتضيات السياسة والاقتصاد، فلا يصح مثلاً الاستئجار على ارتكاب جريمة أو على فعل ما ينافي الآداب الاجتماعية، أو النظام الاقتصادي والسياسي.

стр. 2964

ويعبر القانونيون عن حرية الاشتراط وتحديد التزامات التعاقد بقاعدة مشهورة هي (العقد شريعة المتعاقدين) أي أنه قانون ملزم لكل من الطرفين المتعاقدين فيما تقضي به بنوده وشروطه. وقد نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (١٤٨/ ١). وهذا يعني أن السلطان المطلق في إنشاء العقد وآثاره المترتبة عليه هو لإرادة المتعاقدين، دون نظر إلى فكرة التعادل في الغنم والغرم أي ما قد يكون من غبن فاحش على أحد المتعاقدين. كما أنه يمكن الاتفاق على أنواع جديدة من العقود بحسب ما تقتضيه المصالح الاقتصادية والتطورات الزمنية، دون اقتصار على ما يعرف بالعقود المسماة وهي التي نظمها التشريع وحدد لها التزامات معينة. وسنعرف أن الفقه الحنبلي يلتقي مع مبدأ سلطان الإرادة المعمول به في نطاق القوانين المدنية المعاصرة. وسأبحث هذا المبدأ في الفقه الإسلامي من ناحيتين: الأولى - حرية التعاقد ورضائيته. والثانية - حرية الاشتراط وترتيب آثار العقد. الأولى - حرية التعاقد ورضائيته: اتفقت الاجتهادات الإسلامية على أن الرضا أساس العقود (١) لقوله تعالى في المعاملات المالية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن

стр. 2965

تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وقوله سبحانه في استحقاق أخذ شيء من حقوق الزوجات: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:٤/ ٤] وقال النبي ﷺ «إنما البيع عن تراض» (١) «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٢). وبناء عليه فإن مجرد التراضي هو الذي يولد العقد والتزاماته، دون حاجة لممارسة شكلية معينة، إلا عقد الزواج الذي يخضع لخطورته لشكلية الإعلان بالإشهاد عليه. والإرادة حرة في إبرام العقد دون خضوع لأي نوع من أنواع الإكراه العقدي، سواء في المعاملات المالية، أم في عقود الزواج، إلا ما توجبه قواعد العدالة ومصلحة الجماعة، كبيع القاضي أموال المدين المماطل جبراً عنه لإيفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة لصالح الجماعة، واستملاك الأراضي للمصالح العامة. واختلفت الاجتهادات الإسلامية على رأيين في مبدأ حرية إنشاء العقود (حرية التعاقد) أي اختيار نظام معين ليكون عقداً بين طرفين، أو اختيار نوع معين من أنواع العقود الجديدة بالإضافة إلى العقود المتعارف عليها في الماضي. وهذان الرأيان هما ما يأتي: الرأي الأول - للظاهرية: (أتباع داود بن علي وابن حزم الأندلسي) (٣) وهم المضيقون الذين يقولون: الأصل في العقود المنع حتى يقوم دليل على الإباحة، أي أن كل عقد أو شرط لم يثبت جوازه بنص شرعي أو إجماع فهو باطل ممنوع (٤). واستدلوا على رأيهم بأدلة ثلاثة:

стр. 2966

١ - إن الشريعة شاملة لكل شيء، وقد تكفلت ببيان ما يحقق مصالح الأمة، ومنها العقود، على أساس من العدل، وليس من العدل ترك الحرية للناس في عقد مايريدون من العقود، وإلا أدى ذلك إلى هدم نظام الشريعة. ٢ - يقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) فكل عقد أو شرط لم يشرعه الشرع بنص أو إجماع يكون باطلاً؛ لأنه إذا تعاقد الناس بعقد لم يرد في الشريعة وأصولها يكونون قد أحلوا أو حرموا غير ماشرع الله، وليس لأحد من المؤمنين سلطة التشريع. قال ابن حزم معلقاً على هذا الحديث: «فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه، إلا ما صح أن يكون عقداً جاء النص أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه» (٢). ٣ - يؤيده الحديث النبوي: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط» (٣) أي أن الشرط غير المنصوص عليه باطل، فيقاس عليه العقد، غير المنصوص عليه. الرأي الثاني - للحنابلة وبقية الفقهاء: وهم الموسعون الذين يقولون: الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط الإباحة ما لم يمنعها الشرع أو تخالف نصوص الشرع. واستدلوا على رأيهم بما يأتي: ١ - إن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابق ذكرها لم تشترط لصحة العقد إلا الرضا والاختيار، وكذلك آية ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:

стр. 2967

٥/ ١] أوجبت الوفاء بكل عقد دون استثناء، أي أنها نصت على مبدأ القوة الإلزامية للعقد، وأوجبت على الإنسان الوفاء بعقده الذي باشره بإرادته الحرة، فيصبح العقد ملزماً له بنتائجه، ومقيداً لإرادته حفظاً على مبدأ استقرار التعامل. وهذا يدل على أن تحريم شيء من العقود أو الشروط التي يتعامل بها الناس تحقيقاً لمصالحهم، بغير دليل شرعي، تحريم لما لم يحرمه الله، فيكون الأصل في العقود والشروط هو الإباحة. ٢ - هناك فرق بين العبادات والمعاملات. أما العبادات فيجب ورود الشرع بها، وأما المعاملات ومنها العقود فلا تتطلب ورود الشرع بها. فيكفي في صحتها ألا تحرمها الشريعة استصحاباً للمبدأ الأصولي وهو أن الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء هو الإباحة؛ لأن القصد من المعاملات رعاية مصالح الناس، فكل ما يحقق مصالحهم يكون مباحاً. ويصح التعامل بعقود جديدة لم تعرف سابقاً من طريق القياس أو الاستحسان أو الإجماع أو العرف الذي لا يصادم أصول الشريعة ومبادئها. وهذه المصادر لا بد لها من سند في الكتاب أو السنة. ٣ - يؤيد ذلك قوله ﵊: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» (١) «الناس على شروطهم ما وافقت الحق» ويقاس على الشروط الصحيحة كل عقد لا يصادم أصول الشريعة، ويحقق مصالح الناس. وهذا الرأي هو الأصح، إذ لم نجد في الشرع ما يدل على أي حصر لأنواع

стр. 2968

العقود وتقييد الناس بها، فكل موضوع لم يمنعه الشرع ولا تقتضي قواعد الشريعة وأصولها منعه جاز التعاقد عليه، على أن تراعى شرائط انعقاد العقود كالأهلية والصيغة وقابلية المحل لحكم العقد. الثانية - حرية الاشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد: اتفق الفقهاء على أن العقد المستكمل لأركانه وشرائطه يتمتع بالقوة الإلزامية أي أن كل عقد باشره الإنسان بإرادته الحرة ملزم له بنتائجه، ومقيد لإرادته؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧]. واتفق الفقهاء أيضاً على أن ترتيب آثار العقود هي في الأصل من عمل الشارع، لا من عمل المتعاقدين. فإرادة المتعاقدين هي التي تنشئ العقد، ولكن الشريعة هي التي ترتب ما لكل عقد من حكم وآثار، ويقول الفقهاء: إن العقود أسباب «جعلية شرعية» لآثارها، أي أن الرابطة بين العقد وآثاره باعتبار أن أحدهما مسبب والآخر سبب ليست رابطة آلية طبيعية عقلية، وإنما هي رابطة جعلها الشارع بينهما، حتى لا يبغي بعض الناس على بعض بما يشترطون من شروط، وحتى يكون لكل تصرف حكمه من المشرع الحكيم. فإرادة الإنسان مقصورة على إنشاء العقد فقط كعقد البيع، وأما ما يترتب على العقد من آثار كنقل ملكية المبيع إلى المشتري واستحقاق الثمن في ذمة المشتري للبائع، فمتروك لتقدير الشرع. وتستمد إرادة العاقدين سلطانها من الشرع بالحدود التي حددها لكل عقد، فقد تكون حدود الشرع محققة لحاجةالعاقدين، فلا يحتاجان إلى اشتراط شروط

стр. 2969

تنقص أو تزيد من آثار العقد المشروعة، فإن لم تحقق حاجة العاقدين وغرضهما احتاجا إلى اشتراط شروط تحقق الغرض المطلوب. فما مدى سلطة العاقدين على تعديل آثار العقود، أو ما صلاحية الفقهاء في استنباط الحدود المقررة في الشرع أو تعديل الآثار الأصلية للعقد عن طريق اشتراط العاقدين الشروط العقدية إما بالنقص من تلك الآثار، أو بإضافة التزامات على أحد العاقدين لا يستلزمها أصل العقد؟. وحرية الاشتراط: هو مبدأ سلطان الإرادة في تعديل آثار العقد المقرر في القوانين، علماً بأن الشريعة والقانون متفقان على أن تقرير آثار العقود وأحكامها هو من إرادة الشارع لا من عمل العاقد، والفارق بينهما في مدى تفويض الشارع إلى العاقدين من السلطان على تعديل الأحكام التي قررها التشريع مبدئياً في كل عقد (١). للفقهاء الشرعيين رأيان في حرية الاشتراط في العقود: الرأي الأول - للظاهرية، وهم القائلون بأن الأصل في العقود المنع، قالوا: إن الأصل في الشروط المنع، فكل شرط لم يقره الشرع في القرآن أو السنة فهو باطل. الرأي الثاني - لسائر الفقهاء الآخرين: وهو أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، لكن هؤلاء فريقان: ١ - الحنابلة يقولون: الأصل في الشروط العقدية هو الإطلاق، فكل شرط لم يرد الشرع بتحريمه فهو جائز.

стр. 2970

٢ - غير الحنابلة يقولون: الأصل في الشروط العقدية هو التقييد، فكل شرط خالف الشرع أو مقتضى العقد فهو باطل، وما عداه فهو صحيح. وقد سبق ذكر أدلة المذهبين في بحث حرية التعاقد. وفي رأيي أنه يؤخذ برأي الحنابلة في إطلاق حرية الاشتراط للعاقدين في العقود المالية، تحقيقاً لحاجات الناس ومصالحهم ومراعاة لما يطرأ من تطورات وأعراف في إبرام عقود لأغراض مشروعة، وإلا لشلت حركة التجارة والنشاط الاقتصادي الذي اتسع ميدانه في العقود والشروط على نحو لم يكن معروفاً لدى الفقهاء. ويؤخذ برأي غير الحنابلة في عقود الزواج حرصاً على ما له من حرمة وقداسة ولما فيه من جانب العبادة ولما تتطلبه الأسرة من استقرار ودوام، ينبغي من أجله عدم إفساح المجال لحرية الاشتراط التي تتأثر بالأهواء، وتعصف بأغراض الزواج السامية. وقد قال الفقهاء: «الأصل في الأبضاع - أي المتعة الجنسية - التحريم». وأكتفي هنا ببيان مذهبي الحنفية والحنابلة في الشروط المقترنة بالعقد. أما مذهب الشافعية فقريب من مذهب الحنفية، ومذهب المالكية قريب من مذهب الحنابلة. أولاً - مذهب الحنفية في الشروط: قسم الحنفية الشروط إلى ثلاثة أنواع: الشرط الصحيح، والشرط الفاسد، والشرط الباطل (١).

стр. 2971

الأول - الشرط الصحيح: هو ماكان موافقاً لمقتضى العقد (١)، أو مؤكداً لمقتضاه، أو جاء به الشرع، أو جرى به العرف. مثال الشرط الذي يقتضيه العقد: اشتراط البائع تسليم الثمن أو حبس المبيع حتى أداء جميع الثمن، واشتراط المشتري تسليم المبيع، أو تملكه. واشتراط الزوجة على زوجها أن ينفق عليها، واشتراطه عليها تسليم نفسها إذا قبضت مهرها. فهذه شروط تبين مقتضى العقد أوتوافق مقتضاه؛ لأن مضمونها واجب التحقق شرعاً، حتى ولو لم يشترطها أحد العاقدين؛ لأن ثبوت الملك والتسليم والتسلم وحبس المبيع من مقتضى المعاوضات، والإنفاق على الزوجة وزفافها من مقتضى الزواج. ومثال الشرط المؤكد لمقتضى العقد: اشتراط البائع تقديم كفيل أو رهن معينين بالثمن عن تأجيله للمستقبل، فإن الكفالة والرهن استيثاق بالثمن، فيلائم البيع ويؤيد التسليم. ومثله اشتراط كون والد الزوج كفيلاً بالمهر والنفقة. والشرط الذي ورد به الشرع: مثل اشتراط الخيار أو الأجل لأحد المتعاقدين، أو اشتراط الطلاق إذا طرأ سبب داع له، فذلك كله مشروع في الشرع. والشرط الذي جرى به العرف: مثل اشتراط المشتري على البائع التعهد بإصلاح الشيء المشترى مدة معينة من الزمان، كالساعة، والمذياع، والسيارة، والغسالة، والثلاجة، واشتراط حمل البضاعة إلى مكان المشتري، فهذا مما تعارفه الناس وإن كان فيه زيادة منفعة لأحد العاقدين، فجاز استحساناً خلافاً لزفر من الحنفية، بدليل أن النبي اشترى في السفر من جابر بن عبد الله بعيراً، وشرط لجابر ركوبه وحملانه عليه إلى المدينة.

стр. 2972

وإقرار هذا الشرط عند الحنفية أدى إلى توسيع حرية الناس في الاشتراط، بما يحقق لأحد العاقدين منفعة زائدة عن مقتضى العقد. كما أدى إلى زوال الشرط الفاسد من معاملات الناس. وأصبحت الشروط كلها صحيحة بالعرف إلا إذا كانت مصادمة لنص تشريعي، أو منافية لمبادئ الشريعة ومقاصدها العامة. الثاني - الشرط الفاسد: هو ما لم يكن أحد الأنواع الأربعة السابقة في الشرط الصحيح، أي أنه الذي لا يقتضيه العقد، ولا يلائم المقتضى، ولا ورد به الشرع، ولم يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين، كشراء حنطة على أن يطحنها البائع، أو قماش على أن يخيطه البائع قميصاً مثلاً، أو شراء بضاعة على أن يتركها في ملك البائع شهراً، أو بيع دار على أن يسكنها البائع شهراً أو أكثر، أو شراء أرض على أن يزرعها البائع سنة، أو شراء سيارة على أن يركبها البائع مدة من الزمن، أو على أن يقرضه قرضاً أو يهب له هبة ونحو ذلك. وفي الزواج: اشتراط الزوجة ألا تنتقل من بلدها التي تزوجت فيها، أو ألا يتزوج عليها، أو أن يطلق امرأته الأولى، أو ألا يطلقها أبداً. ويختلف أثر الشرط الفاسد على العقود بحسب نوع العقد. والقاعدة المقررة في ذلك هي: أن الشرط الفاسد في عقود المعاوضات المالية يفسدها، وفي غيرها لا يؤثر عليها (١). إن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة والمزارعة والمساقاة والصلح عن المال يفسدها (٢)؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه «نهى عن بيع

стр. 2973

وشرط» (١) ولأن الشرط الفاسد يتنافى مع مبدأ التعادل الذي تقوم عليه المبادلات المالية. وأما العقود الأخرى غير المبادلات المالية كالتبرعات (هبة أو إعارة) والتوثيقات (كفالة أو حوالة أو رهن)، والزواج والطلاق، والإطلاقات كالوكالة، فلا يؤثر عليها الشرط الفاسد، ويبقى العقد صحيحاً، ويصير الشرط لاغياً لا أثر له، لما ثبت في السنة النبوية من تصحيح هذه العقود وإلغاء الشروط الفاسدة، كالحكم بصحة الهبة وبطلان شرط التأقيت مثلاً. الثالث - الشرط الباطل: هو ما لم يكن أحد أنواع الصحيح، وليس فيه منفعة لأحد المتعاقدين ولا لغيرهما، وإنما هو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين، كاشتراط بائع البضاعة على المشتري ألا يبيعها أو لا يهبها لأحد، واشتراط بائع الدار على المشتري أن يتركها من غير سكن مدة شهر في كل سنة مثلاً، واشتراط بائع سيارة ألا يُركب المشتري فلاناً فيها أو يضعها في مكان خاص. العقد صحيح حينئذ، والشرط لغو باطل لا قيمة له، سواء في عقود المعاوضات، أم في العقود الأخرى كالزواج والكفالة والهبة. ثانياً - مذهب الحنابلة في الشروط: مذهب الحنابلة وعلى التخصيص ابن تيمية وابن القيم أوسع المذاهب في الأخذ بحرية الاشتراط (٢)، فهم أقرب إلى الفقه القانوني الآخذ بمبدأ سلطان

стр. 2974

الإرادة، فهم يرون أن الأصل في الشروط الإباحة أو الإطلاق، فيصح كل شرط فيه منفعة أو مصلحة لأحد العاقدين، كاشتراط صفة معينة في المبيع أو في أحد الزوجين، واشتراط منفعة في عقد البيع كسكنى الدار المبيعة بعد بيعها مدة معينة، وتوصيل المبيع لدار المشتري، وخياطة الثوب للمشتري، واشتراط الزوجة على الزوج ألا يتزوج عليها، أو ألا يسافر بها، أو ألا ينقلها من منزلها. هذه شروط صحيحة يجب الوفاء بها، سواء في عقود المعاوضات المالية، أم في عقود التبرعات، أو في التوثيقات (أو التأمينات بلغة العصر)، أو الزواج ونحوه، فإن لم يوف بها جاز للعاقد الآخر فسخ العقد. وهذا رأي القاضي شريح (١)، وابن شُبرمة (٢) الكوفي، وابن أبي ليلى (٣) وجماعة من فقهاء المالكية، بدليل أن جابراً باع النبي ﷺ بعيراً واشترط حملانه عليه إلى أهله وأقره النبي على ذلك ودفع له الثمن (٤). إن اشتراط الركوب على الجمل فيه منفعة للبائع، فهو شرط فاسد، والفاسد لا يؤثر في العقد مطلقاً. ولم يستثن الحنابلة ومن وافقهم من الشروط الجائزة إلا الشرط المنافي لمقتضى العقد، أو الذي ورد النهي عنه. ١) الشرط المنافي لمقتضى العقد: كاشتراط البائع على المشتري ألا يبيع الشيء المشترى مطلقاً، أو ألا يقفه على جهة خير مثلاً، أو ألا يسكن فيه أحداً بالإيجار

стр. 2975

وغيره، العقد حينئذ صحيح والشرط لاغ؛ لأن في هذا الشرط حرمان العاقد من الاستفادة مما يثبته العقد له من حقوق. ٢) الشرط المنهي عنه أو المخالف لحكم الله ورسوله، كاجتماع صفقتين في عقد واحد، مثل اشتراط البائع على المشتري إيجار الدار لفلان، أو أن يهبه شيئاً، أو يبيع له شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال، أو ألا يبيع الناتج الزراعي كالقطن وغيره إلا له واشتراط الزوجة أن يطلق امرأته الأولى. هذه شروط فاسدة تفسد العقد؛ لأن رسول الله ﷺ «نهى عن بيعتين في بيعة» أو «عن صفقتين في صفقة» (١) ولأن ذلك يؤدي غالباً إلى النزاع بين المتعاقدين في العقد الآخر المشروط، فيسري النزاع إلى العقد الأصلي. رأي المتأخرين من الحنابلة: أفاض ابن تيمية وابن القيم في بيان نظريتهما في أن الأصل في العقود والشروط الإباحة أو الجواز والصحة حتى يقوم الدليل على المنع؛ لأنها من العادات التي تراعى فيها مصالح الناس. فإن حرمنا ما يجري بين الناس من عقود وشروط، بغير دليل من الشارع، نكون قد حرمنا ما لم يحرمه الله. والله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥]، وطالبنا النبي ﵇ بتنفيذ الشروط في قوله المتقدم: «والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً». وقررت الشريعة أن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، وأثرها: هو ما أوجباه على نفسيهما بالتعاقد، وذلك في قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] فالتراضي هو المبيح للتجارة، وقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن

стр. 2976

شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:٤/ ٤] فإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق، فكذلك سائر التبرعات. أما استثناء الشرط أو العقد المناقض حكم الله ورسوله، فلقوله ﷺ في الحديث المتقدم: «من أحدث في أمرنا - أو ديننا - هذا ما ليس منه فهو رد» وفي لفظ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فكل شرط يناقض حكم الله ورسوله يكون باطلاً باتفاق المسلمين، كاشتراط التعامل بالربا أو الاتجار في الخمر ونحو ذلك، لقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» والمقصود بالشرط الذي ليس في كتاب الله: هو ما فسره عمر بن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري في القضاء: «والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً». وأما استثناء الشرط المنافي لمقصود العقد، كاشتراط عدم الانتفاع بالمشترى ببيع أو إيجار، فلأنه جمع بين المتناقضين، أي بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء. ويلاحظ أن الحنابلة حصروا الشرط المنافي في المناقضة لمقصود العقد الأصلي. فلو شرط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه، فإنه يكون منافياً أو مبطلاً للمقصود الأصلي من العقد، وهو الملك المبيح للتصرف. أما إذا شرط البائع منفعة أخرى كسكنى الدار أو زراعة الأرض، فإنه لا يكون منافياً لمقتضى العقد، ويكون الشرط صحيحاً. وكذلك في الزواج لو شرط فيه ألا تحل به المتعة الزوجية يبطل العقد، لكن لو شرط فيه عدم ممارسة الاستمتاع الزوجي يصح العقد ويلغو الشرط. أما الحنفية فقد توسعوا في تفسير المنافاة، وقالوا: كل ما يكون من الشروط فيه منفعة لأحد المتعاقدين، يكون منافياً لمقتضى العقد. والخلاصة: إن الحنابلة وموافقيهم يرون أن الشريعة فوضت لإرادة العاقدين

стр. 2977

تحديد مقتضيات العقود، أو آثارها ضمن نطاق حقوقهما ومصالحهما في كل ما لا يصادم نصوص الشريعة أو أصولها الثابتة. وهذا الاتجاه لعمر وشريح وابن شبرمة والحنابلة يتفق تماماً مع ما تقرره القوانين الحديثة من مبدأ سلطان الإرادة، وإعطاء الحرية للعاقدين في اشتراط أي شرط لا يخالف قواعد النظام العام أو الآداب أو النصوص القانونية الخاصة. مزايا الفقه الحنبلي في الشروط: كان للاجتهاد الحنبلي في حرية الاشتراط العقدي مزايا مهمة فيما يأتي: ١ - الزواج: أجاز الحنبلية الأخذ بمبدأ حرية الاشتراط في الزواج، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» ولما للزواج من جانب كبير من الخطورة والقدسية، إذ تقوم عليه أسرة تتطلب الحفاظ عليها، فتكون رعاية الشروط التي فيها منفعة أوجب وألزم من العقود الأخرى. إنهم أجازوا خلافاً للحنفية والشافعية والمالكية للزوجين اشتراط ما شاءا من الشروط التي فيها منفعة مقصودة لا تتعارض مع موضوع الزواج ونصوص الشريعة. وذلك كاشتراط المرأة ألا يسافر بها زوجها، أو ألا ينتقل بها من دارها ويسكن معها، أو ألا يتزوج عليها، أو أن يطلق امرأته الأولى (١)، أو اشتراط أحد الزوجين كون الآخر موسراً ونحو ذلك.

стр. 2978

أما اشتراط توقيت الزواج، أو عدم المهر، أو عدم النفقة الزوجية أو عدم الاستمتاع الزوجي ونحوه، فلا يصح لمصادمته أصول الزواج (١). وإذا لم يوف الزوج بالشرط كان الطرف الآخر المشروط له مخيراً بين الاستمرار وفسخ العقد بسبب عدم الوفاء بالشرط. ٢ - التبرعات: أجاز الحنابلة للمتبرع استثناء بعض منافع الشيء المتبرع به، ولو لم تكن المنفعة معلومة، لقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة:٩١/ ٩] فللواهب أو الواقف أو المتصدق أن يشترط لنفسه منفعة من منافع الشيء مدة حياته، كأن يستثني غلة الوقف ما عاش الواقف، أو منفعة الدار الموهوبة مدة الحياة. ٣ - المعاوضات: أجاز الحنابلة أيضاً استثناء بعض منفعة الشيء المبيع بشرط أن تكون المنفعة معلومة، كأن يبيع الدار على أن يظل ساكناً فيها مدة معينة، أو السيارة على أن يركبها مدة معينة، والسبب في اشتراط كون المنفعة المستثناة معلومة في المعاوضات بعكس التبرعات: هو بناء المعاوضات على التعادل بين الطرفين، بحث لا يغبن أحدهما الآخر غبناً فاحشاً، فلا بد من كون المنفعة معلومة حتى لا يقع نزاع بين العاقدين، أما التبرع فلا تعادل فيه، ولا يتأتى النزاع فيه بين الطرفين. وجوزوا استثناء بعض الحقوق كأن يكون البائع أحق بشراء المبيع إذا أراد المشتري بيعه لآخر.

стр. 2979

ولم يمنعوا إيجاب بعض الواجبات على المالك كبيع العقار على أن يقفه المشتري، أو يتصدق به، أو يقضي دين فلان أو يصل به رحمه (١). وهذا دليل على جواز الاشتراط لمصلحة الغير. وصحح جماعة من الحنابلة خلافاً لبقية الفقهاء البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير ثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس وتعاملهم به في كل زمان ومكان (٢)، كبيع القطن بما يستقر عليه سعر السوق في بورصة الأقطان في الساعة السادسة من يوم كذا. وهذا ما أخذ به القانون المدني السوري في المادة (٣٩٢) وكذا أصله المصري. وجعل الحنابلة خلافاً لجمهور الفقهاء بيع العربون صحيحاً مشروعاً: وهو أن يبيع الشخص شيئاً، ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال يسمى عربوناً لتوثيق الارتباط بينهما، فإن تم البيع بينهما احتسب العربون المدفوع من الثمن، وإن نكل المشتري كان العربون للبائع، هبة من المشتري له (٣). أخذ القانون المدني السوري في المادة (١٠٤) بطريقة بيع العربون هذه. وأصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار. ويسمى ضمان التعويض عن التعطل والانتظار في الفقه القانوني: الشرط الجزائي (٤). وقد أقره القاضي شريح بقوله «من شرط على نفسه طائعاً غير مكره عليه» (٥).

стр. 2980

وأجازه الحنابلة لتعارف الناس له، ولما ثبت في السنة: «أن رسول الله ﷺ سئل عن العربان في البيع فأحله» (١) ويؤيده أثر عن عمر وهو: «أن نافع بن عبد الحارث العامل لعمر على مكة، اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربع مئة درهم» وأقر عمر شرطه هذا (٢). ٤ - تعليق التصرفات مطلقاً بشرط: أجاز الحنابلة تعليق التصرف بشرط معلق في جميع أنواع العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات من بيع وإجارة وكفالة وإقالة وإبراء وزواج وغيرها، كأن يقول شخص: إن وصلت بضاعتي المستوردة اليوم فقد بعتكها بكذا. أو تقول امرأة: زوجتك نفسي على مهر كذا إن رضي أخي أوعمي مثلاً. ودليلهم على الجواز إطلاق الحديث النبوي المتقدم: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» ولأن تعليق العقود وغيرها على شرط قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة (٣). ومنع جمهور الفقهاء التعليق في جميع العقود ولا سيما التمليكات والزواج، واعتبروها باطلة. وسوغوا فقط تعليق الإسقاطات كالطلاق. كما سوغ الحنفية تعليق عقود الالتزامات والإطلاقات كالكفالة والوكالة بالشرط الملائم فقط،
следующие страницы →