شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:٤/ ٤] فإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق، فكذلك سائر التبرعات.
أما استثناء الشرط أو العقد المناقض حكم الله ورسوله، فلقوله ﷺ في الحديث المتقدم: «من أحدث في أمرنا - أو ديننا - هذا ما ليس منه فهو رد» وفي لفظ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فكل شرط يناقض حكم الله ورسوله يكون باطلاً باتفاق المسلمين، كاشتراط التعامل بالربا أو الاتجار في الخمر ونحو ذلك، لقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» والمقصود بالشرط الذي ليس في كتاب الله: هو ما فسره عمر بن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري في القضاء: «والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً».
وأما استثناء الشرط المنافي لمقصود العقد، كاشتراط عدم الانتفاع بالمشترى ببيع أو إيجار، فلأنه جمع بين المتناقضين، أي بين إثبات المقصود ونفيه، فلا يحصل شيء.
ويلاحظ أن الحنابلة حصروا الشرط المنافي في المناقضة لمقصود العقد الأصلي. فلو شرط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه، فإنه يكون منافياً أو مبطلاً للمقصود الأصلي من العقد، وهو الملك المبيح للتصرف. أما إذا شرط البائع منفعة أخرى كسكنى الدار أو زراعة الأرض، فإنه لا يكون منافياً لمقتضى العقد، ويكون الشرط صحيحاً. وكذلك في الزواج لو شرط فيه ألا تحل به المتعة الزوجية يبطل العقد، لكن لو شرط فيه عدم ممارسة الاستمتاع الزوجي يصح العقد ويلغو الشرط.
أما الحنفية فقد توسعوا في تفسير المنافاة، وقالوا: كل ما يكون من الشروط فيه منفعة لأحد المتعاقدين، يكون منافياً لمقتضى العقد.
والخلاصة: إن الحنابلة وموافقيهم يرون أن الشريعة فوضت لإرادة العاقدين
стр. 2977
تحديد مقتضيات العقود، أو آثارها ضمن نطاق حقوقهما ومصالحهما في كل ما لا يصادم نصوص الشريعة أو أصولها الثابتة.
وهذا الاتجاه لعمر وشريح وابن شبرمة والحنابلة يتفق تماماً مع ما تقرره القوانين الحديثة من مبدأ سلطان الإرادة، وإعطاء الحرية للعاقدين في اشتراط أي شرط لا يخالف قواعد النظام العام أو الآداب أو النصوص القانونية الخاصة.
مزايا الفقه الحنبلي في الشروط:
كان للاجتهاد الحنبلي في حرية الاشتراط العقدي مزايا مهمة فيما يأتي:
١ - الزواج: أجاز الحنبلية الأخذ بمبدأ حرية الاشتراط في الزواج، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» ولما للزواج من جانب كبير من الخطورة والقدسية، إذ تقوم عليه أسرة تتطلب الحفاظ عليها، فتكون رعاية الشروط التي فيها منفعة أوجب وألزم من العقود الأخرى.
إنهم أجازوا خلافاً للحنفية والشافعية والمالكية للزوجين اشتراط ما شاءا من الشروط التي فيها منفعة مقصودة لا تتعارض مع موضوع الزواج ونصوص الشريعة.
وذلك كاشتراط المرأة ألا يسافر بها زوجها، أو ألا ينتقل بها من دارها ويسكن معها، أو ألا يتزوج عليها، أو أن يطلق امرأته الأولى (١)، أو اشتراط أحد الزوجين كون الآخر موسراً ونحو ذلك.
стр. 2978
أما اشتراط توقيت الزواج، أو عدم المهر، أو عدم النفقة الزوجية أو عدم الاستمتاع الزوجي ونحوه، فلا يصح لمصادمته أصول الزواج (١).
وإذا لم يوف الزوج بالشرط كان الطرف الآخر المشروط له مخيراً بين الاستمرار وفسخ العقد بسبب عدم الوفاء بالشرط.
٢ - التبرعات: أجاز الحنابلة للمتبرع استثناء بعض منافع الشيء المتبرع به، ولو لم تكن المنفعة معلومة، لقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة:٩١/ ٩] فللواهب أو الواقف أو المتصدق أن يشترط لنفسه منفعة من منافع الشيء مدة حياته، كأن يستثني غلة الوقف ما عاش الواقف، أو منفعة الدار الموهوبة مدة الحياة.
٣ - المعاوضات: أجاز الحنابلة أيضاً استثناء بعض منفعة الشيء المبيع بشرط أن تكون المنفعة معلومة، كأن يبيع الدار على أن يظل ساكناً فيها مدة معينة، أو السيارة على أن يركبها مدة معينة، والسبب في اشتراط كون المنفعة المستثناة معلومة في المعاوضات بعكس التبرعات: هو بناء المعاوضات على التعادل بين الطرفين، بحث لا يغبن أحدهما الآخر غبناً فاحشاً، فلا بد من كون المنفعة معلومة حتى لا يقع نزاع بين العاقدين، أما التبرع فلا تعادل فيه، ولا يتأتى النزاع فيه بين الطرفين.
وجوزوا استثناء بعض الحقوق كأن يكون البائع أحق بشراء المبيع إذا أراد المشتري بيعه لآخر.
стр. 2979
ولم يمنعوا إيجاب بعض الواجبات على المالك كبيع العقار على أن يقفه المشتري، أو يتصدق به، أو يقضي دين فلان أو يصل به رحمه (١). وهذا دليل على جواز الاشتراط لمصلحة الغير.
وصحح جماعة من الحنابلة خلافاً لبقية الفقهاء البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير ثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس وتعاملهم به في كل زمان ومكان (٢)، كبيع القطن بما يستقر عليه سعر السوق في بورصة الأقطان في الساعة السادسة من يوم كذا. وهذا ما أخذ به القانون المدني السوري في المادة (٣٩٢) وكذا أصله المصري.
وجعل الحنابلة خلافاً لجمهور الفقهاء بيع العربون صحيحاً مشروعاً: وهو أن يبيع الشخص شيئاً، ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال يسمى عربوناً لتوثيق الارتباط بينهما، فإن تم البيع بينهما احتسب العربون المدفوع من الثمن، وإن نكل المشتري كان العربون للبائع، هبة من المشتري له (٣). أخذ القانون المدني السوري في المادة (١٠٤) بطريقة بيع العربون هذه. وأصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار. ويسمى ضمان التعويض عن التعطل والانتظار في الفقه القانوني: الشرط الجزائي (٤). وقد أقره القاضي شريح بقوله «من شرط على نفسه طائعاً غير مكره عليه» (٥).
стр. 2980
وأجازه الحنابلة لتعارف الناس له، ولما ثبت في السنة: «أن رسول الله ﷺ سئل عن العربان في البيع فأحله» (١) ويؤيده أثر عن عمر وهو: «أن نافع بن عبد الحارث العامل لعمر على مكة، اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربع مئة درهم» وأقر عمر شرطه هذا (٢).
٤ - تعليق التصرفات مطلقاً بشرط: أجاز الحنابلة تعليق التصرف بشرط معلق في جميع أنواع العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات من بيع وإجارة وكفالة وإقالة وإبراء وزواج وغيرها، كأن يقول شخص: إن وصلت بضاعتي المستوردة اليوم فقد بعتكها بكذا. أو تقول امرأة: زوجتك نفسي على مهر كذا إن رضي أخي أوعمي مثلاً.
ودليلهم على الجواز إطلاق الحديث النبوي المتقدم: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» ولأن تعليق العقود وغيرها على شرط قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة (٣).
ومنع جمهور الفقهاء التعليق في جميع العقود ولا سيما التمليكات والزواج، واعتبروها باطلة. وسوغوا فقط تعليق الإسقاطات كالطلاق. كما سوغ الحنفية تعليق عقود الالتزامات والإطلاقات كالكفالة والوكالة بالشرط الملائم فقط،
стр. 2981
مثل إذا سافر مدينك فأنا كفيله، إذا وصلت بضاعتي من الحديد مثلاً فقد وكلتك ببيعها.
الفرع الثالث - عيوب الإرادة أو عيوب الرضا:
عيوب الإرادة: هي الأمور التي تحدث خللاً في الإرادة أو تزيل الرضا الكامل في إجراء العقد. وتسمى قانوناً عيوب الرضا. وهي أربعة أنواع: الإكراه، الغلط، التدليس (أو التغرير)، الغبن مع التغرير. ويختلف تأثيرها على العقد، فقد تجعل العقد باطلاً، كالغلط في محل العقد، وقد تجعله فاسداً أو موقوفاً كالإكراه، وقد تجعله غير لازم كالغلط في الوصف، والتدليس، والغبن مع التغرير.
١ - الإكراه:
الإكراه في اللغة: هو حمل الغير على أمر لا يرضاه، قهراً. وفي اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته، لو ترك ونفسه.
والمقصود بالإرادة: مجرد اعتزام الفعل والاتجاه إليه، فهي أعم الأحوال.
والمقصود بالاختيار: ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس وهو أخص من الإرادة.
والرضا: هو الارتياح إلى فعل الشيء والرغبة به، وهو أخص من الاختيار.
و الإكراه نوعان: ملجئ أو كامل، وغير ملجئ أو ناقص (١).
стр. 2982
والإكراه الملجئ أو التام: هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، بأن يهدده بالقتل، أو بإتلاف بعض الأعضاء، أو بالضرب الشديد الذي يخشى منه القتل أو تلف العضو، أو تلف جميع المال.
وحكمه: أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار.
والإكراه الناقص أو غير الملجئ: هو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالتهديد بالضرب اليسير أو بالحبس، أو بإتلاف بعض المال، أو بإلحاق الظلم كمنع الترقية أو إنزال درجة الوظيفة.
وحكمه: أنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار.
وهناك نوع ثالث: وهو الإكراه الأدبي: وهو الذي يعدم تمام الرضا، ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بحبس أحد الأصول أو الفروع، أو الأخ أو الأخت ونحوهم، وحكمه: أنه إكراه شرعي استحساناً لا قياساً، كما قرر الكمال بن الهمام من الحنفية، وهو رأي المالكية، ويترتب عليه عدم نفاذ التصرفات المكره عليها.
ويرى الشافعي أن الإكراه نوع واحد، وهو الإكراه الملجئ، وأما غير الملجئ فلا يسمى إكراهاً (١).
والإكراه بأنواعه لا يزيل الأهلية، وإنما يزيل الرضا، وقد يزيل الاختيار وهو الملجئ عند الحنفية، ويزيل الرضا والاختيار معاً عند غير الحنفية.
شروط الإكراه:
يشترط لتحقق الإكراه شروط وهي مايأتي:
стр. 2983
١ - أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، سواء أكان من الحكام أم من غيرهم، فإن لم يكن قادراً على تنفيذ ما هدد به لعجزه أو لتمكن المستكره من الهرب، فلا يتحقق الإكراه.
٢ - أن يغلب على ظن المستكره إيقاع المكره ما هدد به في الحال إذا لم يمتثل، فإن لم يغلب على ظنه وقوع ما هدد به لا يتحقق الإكراه.
٣ - أن يكون الشيء المهدد به مما يشق على النفس تحمله. وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فيجب أن يبحث تأثيره في كل شخص على حدة.
٤ - أن يكون المهدد به عاجلاً: فلو كان آجلاً في المستقبل لم يتحقق الإكراه؛ لأن بالتأجيل يتمكن المستكره من الاحتماء بالسلطات العامة.
وهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة. وقال المالكية: لا يشترط أن يكون المهدد عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حالاً.
٥ - أن يكون الإكراه بغير حق، أي لا يكون مشروعاً: وهو ما يقصد منه الوصول إلى غرض غير مشروع. فإن كان الإكراه بحق: وهو الذي يقصد منه تحقيق غرض مشروع، فلا تأثير له على التصرفات أصلاً، كبيع مال المدين جبراً عنه لوفاء ديونه، واستملاك الأراضي جبراً عن أصحابها للصالح العام كتوسيع مسجد أو طريق ونحوه.
أثر الإكراه على التصرفات:
إذا وقع الإكراه على القيام بتصرف من التصرفات كالبيع والإيجار والزواج فما أثر الإكراه عليه؟ للفقهاء رأيان:
стр. 2984
قال جمهور الفقهاء غير الحنفية (١): إن الإكراه يؤثر في التصرفات فيجعلها باطلة، سواء أكانت قابلة للفسخ كالبيع والإجارة والهبة ونحوها، أم غير قابلة للفسخ كالزواج والطلاق واليمين والرجعة، فلا يصح البيع أو الإيجار الصادر من المستكره، ولا يقع طلاق المكره، ولا يثبت عقد الزواج بالإكراه؛ لأن الإكراه يزيل الرضا، والرضا أساس التصرفات.
وقال الحنفية (٢): يميز بين التصرفات المحتملة للفسخ، والتصرفات غير المحتملة للفسخ. فإن كان التصرف لا يقبل الفسخ كالزواج والطلاق، فيصح مع الإكراه ويلزم، لأنه تصرف يستوي فيه الجد والهزل، والإكراه في معنى الهزل لعدم القصد الصحيح للتصرف فيهما. بدليل الحديث النبوي: «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون» (٣) وروي عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره.
وإن كان التصرف قابلاً للفسخ كالبيع والإجارة والهبة فلا يصح مع الإكراه. ويكون العقد فاسداً عند جمهور الحنفية (أبي حنيفة وصاحبيه) أي أنه إذا زال الإكراه وأصر المستكره على العقد مع الطرف الآخر ورضي به صار صحيحاً، فيكون للمستكره بعد زوال الإكراه الخيار بين إمضاء التصرف وفسخه.
وقال زفر من الحنفية والمالكية: يعتبر تصرف المستكره موقوفاً على إجازته
стр. 2985
عند زوال الإكراه عنه، كتصرف الفضولي. وبما أن هذا التصرف ينفذ ويلزم بالإجازة، فهذا دليل على كون التصرف موقوفاً لا فاسداً، لأن التصرف الفاسد يفسخ فسخاً ولا يجاز إجازة.
وهذا ينبئ أن رأي زفر أوجه وأقوى وأصح؛ لأن جمهور الحنفية: قالوا: إن تصرف المستكره يقبل الإجازة بعد زوال الإكراه، فلو كان فاسداً لماصحت إجازته، لأن الفاسد لا يجوز بالإجازة بل يجب فسخه شرعاً، ويملك الشيء المعقود عليه بالقبض، وهذا لاينطبق على عقد المستكره. هذا .. وقد نص القانون المدني السوري في المادتين (١٢٨، ١٢٩) على أن الإكراه يجعل العقد قابلاً للإبطال أي كما قال زفر من الحنفية.
٢ - الغلط:
المراد به هنا هو الغلط الواقع في المعقود عليه، في جنسه أو في وصفه. والغلط في ذات أو جنس المعقود عليه: هو أن يظن العاقد أن المعقود عليه من جنس معين، فإذا به من جنس آخر، كأن يشتري شخص حلياً على أنها ذهب أو ماس، ثم يتبين أنها من النحاس، أو الزجاج. أو يشتري حنطة فإذا هو شعير، أو صوفاً فإذا هو قطن، أو يشتري داراً على أنها مبنية بالإسمنت المسلح، فإذا هي مبنية باللبن.
وحكم هذا العقد المشتمل على غلط في جنس المعقود عليه: أنه باطل من أساسه، لفوات محل العقد الذي يريده المشتري، فيكون عقداً على معدوم، والعقد على المعدوم باطل (١).
стр. 2986
ويلحق به حالة اتحاد الجنس مع الاختلاف الكبير أو الفاحش في القيمة كشراء سيارة من جنس معين ومصنوع في عام معين، فإذا هي صنع أعوام غابرة.
وأما الغلط في وصف مرغوب فيه: فهو أن يظهر المعقود عليه كالوصف الذي أراده العاقد، ثم يتبين أنه مخالف للوصف المشروط صراحة أو دلالة. كأن يشتري شيئاً بلون أسود، فإذا هو كحلي أو رمادي، أو شاة على أنها حلوب، فإذا هي غير حلوب، أو كتاباً لمؤلف معين فإذا هو لمؤلف آخر، أو حقيبة على أنها من جلد فإذا هي من الكرتون المضغوط أو غيره.
وحكم العقد المشتمل على غلط في الوصف: هو أنه غير لازم بالنسبة لمن وقع الغلط في جانبه، أي أن له الخيار بين إمضاء العقد وبين فسخه، لفوات الوصف المرغوب فيه المؤدي إلى اختلال الرضا. وهذا إذا كان العقد قابلاً للفسخ كعقود المعاوضات المالية ونحوها.
ويلحق به الغلط في شخص العاقد، كالتعاقد مع طبيب مشهور فإذا هو غيره، يجعل العقد غير لازم.
أما العقود التي لا تقبل الفسخ كالزواج، فإنه يقع العقد منها عند الحنفية لازماً، أي لا يجوز نقضه بسبب فوات الوصف المرغوب.
وقال الإمام أحمد (١): يثبت خيار الفسخ بفوات الوصف المرغوب في عقد الزواج أيضاً، كمن يتزوج امرأة جميلة فيظهر أنها دميمة، أو على أنها متعلمة فإذا هي جاهلة، أو على أنها بكر فإذا هي ثيب فيثبت للزوج حق الفسخ، ولا مهر للمرأة إن حدث الفسخ قبل الدخول، أو بعد الدخول وكان التغرير من المرأة نفسها. فإن كان التغرير من غيرها رجع الزوج على ذلك الغير بما دفعه للمرأة.
стр. 2987
أما القانون المدني السوري: فقد نص على حالة الغلط في المواد (١٢١ - ١٢٥) وجعل العقد قابلاً للإبطال، سواء أكان الغلط في جنس المعقود عليه أم في الوصف المرغوب فيه، فالجزاء واحد في الحالتين، خلافاً لما قرره الفقهاء.
هذا … ولا عبرة في الفقه للغلط الباطني، كأن يشتري سواراً على ظن أنه ذهب، فإن هو نحاس؛ لأن العبرة في العقود للإرادة الظاهرة، كما لا عبرة للغلط في الحكم الشرعي كأن يبيع حصته من الميراث على أنها الربع فإذا هي النصف، إذ لاعذر بالجهل بأحكام الشريعة.
٣ - التدليس أو التغرير:
التدليس أو التغرير: هو إغراء العاقد وخديعته ليقدم على العقد ظاناً أنه في مصلحته، والواقع خلاف ذلك. وهو أنواع كثيرة منها: التدليس الفعلي، والتدليس القولي، والتدليس بكتمان الحقيقة.
أما التدليس الفعلي: فهو إحداث فعل في المعقود عليه ليظهر بصورة، غير ما هو عليه في الواقع، أي أنه تزوير الوصف في المعقود عليه أو تغييره بقصد الإيهام، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بوضع الجيد في الأعلى، وطلاء الأثاث والمفروشات القديمة، والسيارات، لتظهر أنها حديثة، والتلاعب بعداد السيارة، لتظهر بأنها قليلة الاستعمال.
ومن أشهر أمثلته الشاة المصراة: وهي التي يحبس اللبن في ضرعها بربط الثدي، مدة يومين أو ثلاثة ليجتمع لبنها ويمتلئ، إيهاماً للمشتري بكبر ضرعها وغزارة لبنها.
стр. 2988
وحكم التصرية عند جمهور غير الحنفية (١): ثبوت الخيار للمدلس عليه بين أمرين: إمساك المبيع دون طلب تعويض عن النقص أو الغبن، أو رده لصاحبه، لقوله ﷺ : «لا تصروا (٢) الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعاً من تمر» (٣). وهذا هو الرأي الراجح.
وقال الحنفية (٤): ليس للمشتري الحق في فسخ عقد البيع، بل له فقط أن يرجع بالنقصان الذي أصاب ما اشترى. ولم يأخذوا بالحديث السابق لمخالفته القياس: وهو أن ضمان العدوان يكون إما بالمثل أو القيمة، والتمر ليس منهما.
وأما التدليس القولي: فهو الكذب الصادر من أحد العاقدين أو ممن يعمل لحسابه حتى يحمل العاقد الآخر على التعاقد ولو بغبن، كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر: هذا الشيء يساوي أكثر، ولا مثيل له في السوق، أو دفع لي فيه سعر كذا فلم أقبل. ونحو ذلك من المغريات الكاذبة.
وحكم هذا النوع: أنه منهي عنه شرعاً؛ لأنه غش وخداع، ولكن لا يؤثر في العقد إلا إذا صحبه غبن فاحش لأحد المتعاقدين، فيجوز حينئذ للمغبون إبطال
стр. 2989
العقد، دفعاً للضرر عنه، أي أنه يثبت له خيار الفسخ بسبب الغبن مع التغرير، كما سأبين في عيب الغبن.
وأما التدليس بكتمان الحقيقة، وهو الصورة المشهورة في الفقه باسم (التدليس): فهو إخفاء عيب في أحد العوضين، كأن يكتم البائع عيباً في المبيع، كتصدع في جدران الدار وطلائها بالدهان أو الجص، وكسر في محرك السيارة، ومرض في الدابة المبيعة، أو يكتم المشتري عيباً في النقود ككون الورقة النقدية باطلة التعامل، أو زائلة الرقم النقدي المسجل عليها، أو ذهب أكثر من خمسها.
وحكم هذا النوع: أنه حرام شرعاً باتفاق الفقهاء (١)، لقول النبي: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب، إلا بينه له» وقوله ﵇: «من غشنا فليس منا» (٢). ويثبت فيه للمدلس عليه ما يعرف بخيار العيب: وهو إعطاؤه حق الخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أمضاه. كما سيتضح في بحث الخيارات.
ولا فرق في التدليس الموجب للخيار بين أن يصدر من أحد العاقدين، أو من شخص آخر أجنبي عنهما كالدلال ونحوه إذا كان بتواطؤ مع أحد العاقدين (٣).
ونص القانون المدني السوري في المادتين (١٢٦، ١٢٧) على التدليس من أحد المتعاقدين أو من غير المتعاقدين، وجعل التدليس موجباً لخيار المدلس عليه وإعطائه الحق في إبطال العقد إذا كانت الحيل المستخدمة من الجسامة بحيث لولاها
стр. 2990
لما أبرم الطرف الثاني العقد. وكان العاقد صاحب المصلحة في حالة التدليس من غير العاقدين يعلم بالتدليس أو من المفروض أن يعلم. وهذا إجمالاً يتفق مع الفقه الإسلامي كما تقدم.
٤ - الغبن مع التغرير:
الغبن لغة: النقص. والتغرير: الخداع. وعند الفقهاء: الغبن: أن يكون أحد العوضين غير متعادل مع الآخر، بأن يكون أقل من قيمته أو أكثر منها. والتغرير: إيهام خلاف الواقع بوسائل مغرية، وعرفته المجلة (م ١٦٤) بأنه وصف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقية.
والغبن نوعان: يسير وفاحش (١).
أما الغبن اليسير: فهو ما يدخل تحت تقويم المقومين أي ما يتناوله تقدير الخبراء كشراء شيء بعشرة، ثم يقدره خبير بثمانية أو تسعة أو عشرة مثلاً، فهذا غبن يسير.
وأما الغبن الفاحش: فهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين أو تقدير الخبراء العارفين بأسعار الأشياء، كما لو وقع البيع بعشرة مثلاً، ثم إن بعض المقومين يقول: إنه يساوي خمسة، وبعضهم ستة وبعضهم سبعة، فهذا غبن فاحش، لأنه لم يدخل تحت تقويم أحد. وقدرته المجلة (م ١٦٥) عملاً برأي نصر بن يحيى بأنه نصف العشر أي (٥%) في العروض التجارية، والعشر أي (١٠%) في الحيوانات، والخمس أي (٢٠%) في العقار، أو زيادة.
أثر الغبن في العقد:
الغبن اليسير: لا أثر له على العقد فلا يجيز الفسخ؛ لأنه يصعب الاحتراز
стр. 2991
عنه، ويكثر وقوعه في الحياة العملية، ويتسامح الناس فيه عادة. واستثنى الحنفية حالات ثلاثاً يجوز فيها فسخ العقد بسبب الغبن اليسير للتهمة وهي:
١ - تصرف المدين المحجور عليه بسبب دين مستغرق: فإذا باع شيئاً من ماله، أو اشترى ولو بغبن يسير، كان للدائنين حق فسخ العقد إلا إذا رضي العاقد الآخر برفع الغبن؛ لأن تصرف المدين موقوف على إجازة الدائنين، فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجيزوه بطل.
٢ - تصرف المريض مرض الموت: إذا باع أو اشترى بغبن يسير جاز للدائنين أو للورثة بعد الموت طلب فسخ التصرف، إلا إذا رضي المتعاقد الآخر برفع الغبن.
٣ - بيع الوصي شيئاً من أموال اليتيم بغبن يسير لمن لا تجوز شهادته له كابنه وزوجته، فينقض العقد.
وأما الغبن الفاحش: فيؤثر في رضا العاقد فيزيله، ولكن هل له الحق في فسخ العقد؟ للفقهاء في ذلك آراء ثلاثة:
الرأي الأول للحنفية (١): ليس للغبن الفاحش وحده في ظاهر الرواية أثر على العقد، فلا يجيز رد المعقود عليه أو فسخ العقد إلا إذا انضم إليه تغرير (أي وصف المبيع بغير حقيقته) من أحد العاقدين أو من شخص آخر كالدلال ونحوه وهذا ما أخذت به المجلة (م ٣٥٧)؛ لأن الغبن المجرد عن كل خديعة يدل على تقصير المغبون وعدم ترويه وسؤاله أهل الخبرة ولا يدل على مكر العاقد الآخر، ولكل إنسان طلب المنفعة ما لم يضر الجماعة، كما في حالة الاحتكار. فإذا انضم إليه تغرير كان المغبون معذوراً؛ لأن الرضا بالعقد كان على أساس عدم الغبن، فإذا ظهر الغبن لم يتوافر الرضا.
стр. 2992
واستثنى الحنفية ثلاث حالات يجوز فيها الفسخ بالغبن الفاحش المجرد عن التغرير، وهي:
أموال بيت المال، وأموال الوقف، وأموال المحجور عليهم بسبب الصغر أو الجنون أو السفه، فإذا بيع شيء من ذلك بغبن فاحش ولو من غير تغرير، نقض البيع (م/٣٥٦ مجلة).
الرأي الثاني - للحنابلة (١): يؤثر الغبن الفاحش في العقد فيجعله غير لازم، سواء أكان بتغرير أم بغير تغرير، ويعطى للمغبون حق فسخ العقد في حالات ثلاث هي:
أـ تلقي الركبان: وهو أن يتلقى شخص طائفة من الناس يحملون متاعاً إلى بلد، فيشتريه منهم، قبل قدومهم البلد ومعرفتهم بالسعر. وهو حرام ومعصية، ويثبت لهم حق الفسخ إذا غبنوا غبناً فاحشاً، لقوله ﷺ : «لا تلقوا الركبان» (٢). وهذا رأي الشافعية أيضاً (٣)، لثبوت الخيار فيه بنص الحديث.
ب - النَّجْش: وهو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع غيره. فيثبت الخيار للمشتري إذا لم يعلم بأن الذي يزيد لا يريد الشراء. وليس له الخيار في الأصح عند الشافعية (٤).
стр. 2993
ج - المسترسل: وهو الشخص الجاهل بقيمة الأشياء، ولا يحسن المساومة والفصال ويشتري مطمئناً إلى أمانة البائع، ثم يتبين أنه غبن غبناً فاحشاً، فيثبت له الخيار بفسخ البيع.
وقال المالكية: هذه البيوع الثلاثة صحيحة ولكنها حرام للنهي الثابت في السنة عنها شرعاً، ويعطى الخيار بالفسخ للمشتري في حالة بيع النجش دون غيره (١).
الرأي الثالث - للشافعية (٢): لا أثر للغبن الفاحش في التصرفات سواء رافقه تغرير أم لا؛ لأن الغبن لا يقع إلا بتقصير من المغبون غالباً، فلو سأل أهل الخبرة، لما وقع في الغبن.
والقانون المدني السوري نص في المادة (١٣٠) على حالة خاصة من حالات الغبن وهي الغبن الاستغلالي: وهي حالة انعدام تعادل الأداءات المتقابلة الذي دفع إلى وجوده وجود طيش بيِّن (خفة ظاهرة) أو هوى جامح (الولع الشديد بشيء لا قبل له بدفعه) عند أحد المتعاقدين واستغلال المتعاقد لتلك الحالة النفسية. وقدر الغبن في بيع العقار في المادة (٣٩٣/ ١) بما زاد على الخمس. وجعل جزاءه قابلية العقد للإبطال لطلب المغبون برفع الدعوى خلال سنة من تاريخ العقد. وكل قابل للإبطال (البطلان النسبي) يقبل الإجازة ممن تقرر الإبطال لمصلحته.
стр. 2994
المبحث الثالث - شروط العقد:
عرفنا فيما مضى عناصر العقد الأساسية الأربعة: وهي صيغة التعاقد، والعاقدان، والمحل المعقود عليه، وموضوع العقد أو المقصد الأصلي للعقد.
ويتطلب العقد بالإضافة لعناصره توافر أربعة أنواع من الشروط: وهي شروط الانعقاد، وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم.
والقصد من هذه الشروط في الجملةمنع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية مصالح العاقدين، ونفي الغرر (أي الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة.
والمراد بالشرط: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجاً عن حقيقته (١)، كالطهارة للصلاة شرط فيها وهي أمر خارج عن الحقيقة، وحضور الشاهدين في الزواج شرط فيه، وتعيين العوضين في البيع أو قابلية المبيع للتمليك شرط فيه، والقدرة على تسليم المبيع أو أهلية العاقد شرط في البيع؛ لأن كلاً منها ليس من أجزاء العقد (٢).
ويقسم الفقهاء الشروط بحسب مصدرها إلى شرط شرعي وشرط جعلي.
الشرط الشرعي: هو الذي يفرضه الشرع، فيصبح لا بد منه لتحقق العقد، ولا يوجد إلا به. وهذا محل البحث هنا، كاشتراط أهلية العاقد لانعقاد العقد.
والشرط الجعلي (٣): هو الذي يشترطه العاقد بإرادته ليحقق له مقصداً خاصاً
стр. 2995
في العقد، فيجعل مقترناً بالعقد، أو معلقاً عليه كتعليق الكفالة والطلاق، مثل إن سافر مدينك اليوم فأنا كفيل بدينك، وإن فعلتِ (مخاطباً زوجته) كذا فأنت طالق، وكسائر القيود والالتزامات التي يشترطها المتعاقدان على أنفسهما.
وقد بحثت ذلك في بحث حرية العاقد في الشروط.
أولاً - شرائط الانعقاد: هي ما يشترط تحققه لجعل العقد في ذاته منعقداً شرعاً وإلا كان باطلاً. وهي نوعان: عامة وخاصة.
فالشرائط العامة: هي التي يجب توافرها في كل عقد.
والشرائط الخاصة: هي التي يطلب وجودها في بعض العقود دون سواها. كاشتراط الشهود في عقد الزواج، فلا ينعقد الزواج إلا بحضور الشاهدين، وإلا كان باطلاً.
وكاشتراط التسليم في العقود العينية (وهي الهبة والإعارة والإيداع والقرض والرهن) فلا يتم انعقاده إلا بتسليم محل العقد وإلا كان باطلاً.
وكعدم تعليق العقد على شرط في المعاوضات والتمليكات كالبيع والهبة والإبراء، فإن التعليق يبطلها. والشرائط العامة للانعقاد: هي الشروط المطلوبة في صيغة التعاقد وفي العاقد، وفي المحل المعقود عليه، وألا يكون العقد ممنوعاً شرعاً، وأن يكون العقد مفيداً.
أما شروط الصيغة والعاقد ومحل العقد فقد ذكرت سابقاً فلا داعي لتكرارها هنا.
وأما كون العقد غير ممنوع شرعاً: فهو ألا يوجد نص شرعي يقتضي بطلانه، مثل التبرع من مال الصغير القاصر أو بيع شيء من ماله بغبن فاحش، فلا تنعقد
стр. 2996
الهبة من مال القاصر من أي واحد، سواء الولي أومن نفس الصغير، ويكون العقد باطلاً، حتى ولو أجازه الصغير بعد بلوغه؛ لأن الباطل لا يقبل الإجازة. ومثل الاستئجار على فعل المعاصي أو ارتكاب الجرائم أو بيع المخدرات والمسكرات. ومثل بيع الغرر (أي غرر الوجود) وهو بيع الشيء المحتمل للوجود والعدم، أي أن المعقود عليه هو المحتمل للوجود والعدم كبيع اللبن في الضرع والصوف على الظهر، واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل صيدهما. ومنه بيع ضربة القانص (وهو أن يقول البائع: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة بكذا)، وضربة الغائص (وهو أن يقول البائع: أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلئ فهو لك بكذا).
ومنه بيع المضامين (ما في أصلاب الذكور) والملاقيح (ما في بطون الإناث) وبيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحصاة أو الحجر: وهي أن المشتري أو البائع إذا لمس المبيع أو نبذه البائع للمشتري، أو ألقى المشتري عليه حصاة أو حجراً، فقد لزم العقد، فالمبيع في هذه الأحوال مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها كما تقدم، وكانت بيوعاً متعارفة في الجاهلية، فهي باطلة أي أن غرر الوجود مبطل للبيع.
والخلاصة: أن المنع الشرعي (١) قد يكون بسبب طريقة العقد كبيع الغرر، أو بسبب محل العقد كبيع المخدرات والاستئجار على فعل المعاصي، أو بسبب موضوع العقد كهبة مال القاصر، والتعامل بالذهب في سوريا ومصر (٢).
стр. 2997
وأما كون العقد مفيداً (١): فهو أن يحقق مصلحة معقولة. فلا ينعقد الرهن مثلاً في مقابل الأمانة كالوديعة؛ لأن المرهون به يجب أن يكون مضموناً (٢)؛ لأن قبض الرهن مضمون، فلا بد أن يقابله مضمون، والوديعة ونحوها أمانة غير مضمونة. ولا يصح التعاقد بين اثنين على عدم الاشتغال في التجارة مثلاً؛ لأن ذلك مصادم لمبدأ حرية الإنسان الاقتصادية، وحماية هذه الحرية من النظام العام في الإسلام.
كما لا يصح التعاقد أيضاً على أمر واجب على الإنسان شرعاً، كالاتفاق على الامتناع من فعل جريمة، والاستئجار على فعل الواجبات الدينية كالصلاة ومجرد قراءة القرآن (٣)، واستئجار الزوجة على القيام بأعمال المنزل أو على إرضاع طفلها؛ لأن ذلك واجب عليها ديانة.
ثانياً - شرائط الصحة: وهي ما يشترط شرعاً لترتيب آثار العقد، فإن فقدت كان العقد فاسداً، أي مختلاً اختلالاً في ناحية فرعية متممة غير أساسية، مع كونه منعقداً موجوداً في حد ذاته.
وأغلب شرائط الصحة خاص بكل عقد على حدة. ففي البيع مثلاً يشترط
стр. 2998
عند الحنفية خلوه من أحد العيوب الستة الآتية: وهي الجهالة، والإكراه، والتوقيت، والغرر (غرر الوصف)، والضرر، والشرط الفاسد (١).
أما الجهالة: فهي الجهالة الفاحشة التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله، وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة. وهي أربعة أنواع: جهالة المبيع أو الثمن جنساً أو نوعاً أو قدراً، وجهالة أجل وفاء الثمن، أو مدة خيار الشرط، وجهالة وسائل التوثيق كتقديم كفيل أو رهن مجهولين.
وأما الإكراه بنوعيه الملجئ والناقص فيفسد العقد عند جمهور الحنفية، ويجعل العقد موقوفاً عند زفر، على التفصيل الذي ذكرسابقاً.
وأما التوقيت: فهو تأقيت البيع بمدة شهر أوسنة، فيفسد؛ لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت. كذلك يفسد الزواج في حال تأقيته بمدة معينة؛ لأنه مشروع بصفة التأبيد.
وأما غرر الوصف: فهو كبيع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، فهو بيع فاسد؛ لأن المقدار المذكور من الحليب موهوم التحقق، فقد ينقص. وأما غرر الوجود: وهو ماكان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم، فيجعل البيع باطلاً كما تقدم.
وأما الضرر: فهو كبيع جذع معين من سقف مبني لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما حول الجذع، وكبيع ذراع من ثوب يضره التبعيض.
وأما الشرط الفاسد عند الحنفية (٢) فهو كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين، ولم يتعارفه الناس كبيع سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع، أو دار على أن
стр. 2999
يسكنها مدة معينة، أو كبيع بشرط إقراض مبلغ من المال. وحكمه: أنه يفسد البيع ونحوه من المعاوضات المالية، ولا يؤثر في غيرها كما بان سابقاً في بحث حرية الاشتراط.
كذلك يشترط في البيع المماثلة في الكمية بين البدلين والتقابض في العوضين في مبادلة الأموال الربوية كالنقدين (الذهب والفضة) والحبوب من حنطة وشعير ونحوهما.
ويشترط أيضاً قبض المبيع المنقول قبل التصرف به من المشتري لشخص آخر.
ثالثاً - شرائط النفاذ: يشترط لنفاذ العقد شرطان (١):
أولاً - الملك أو الولاية. أما الملك: فهو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادراً وحده على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعي، أي أن المالك له حرية التصرف والاستقلال بمنافع الشيء إلا إذا وجد مانع كالجنون أو السفه أو الطفولة أو عدم التمييز.
وأما الولاية: فهي سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ، وهي إما أصلية: وهي أن يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه. أو نيابية: وهي أن يتولى الشخص أمور غيره من ناقصي الأهلية، إما بإنابة المالك كالوكيل، أو بإنابة الشارع كالأولياء (الأب أو الجد) والأوصياء (وصي الأب أو الجد أو وصي القاضي).
ويترتب على هذا الشرط أن محل العقد ينبغي أن يكون مملوكاً للعاقد، فإن
стр. 3000
لم يكن مملوكاً له بأن كان فضولياً، كان العقد غير نافذ أو موقوفاً على إجازة المالك إذا باعه عن مالكه نفسه، أما إن باعه عن نفسه هو، لا عن مالكه نفسه، كان البيع باطلاً.
وقد جعل الشافعي وأحمد الملك أو الولاية من شرائط الانعقاد، فتعتبر تصرفات الفضولي باطلة. كما ذكر سابقاً.
ثانياً - ألا يكون في محل العقد حق لغير العاقد: فإن تعلق به حق الغير كان العقد موقوفاً غير نافذ، وتعلق حق الغير له ثلاثة أوجه (١).
١ - أن يكون حق الغير متعلقاً بعين المحل المعقود عليه، كبيع ملك الغير وتبرع المريض مرض الموت بما يزيد عن ثلث أمواله، يكون موقوفاً على إجازة الورثة.
٢ - أن يكون متعلقاً بمالية المحل المعقود عليه دون عينه، كتصرف المدين غير المحجور عليه بما يضر حقوق الدائنين، تتعلق حقوقهم بمالية أموال المدين لاستيفاء ديونهم، وليست حقوقهم متعلقة بأعيان أمواله، فلو أتى المدين بمال آخر يفيهم به حقوقهم نفذت تصرفاته الموقوفة على إجازتهم.
٣ - أن يكون متعلقاً بصلاحية التصرف نفسه، لا بمحله المعقود عليه، كتصرف ناقص الأهلية المحجور عليه إما حجراً شرعياً بسبب الصغر كالمميز، أو حجراً قضائياً بسبب السفه أو الدين المستغرق (المحيط بكل ماله).
إن ناقص الأهلية لا يملك التصرف في أمواله، ويكون تصرفه موقوفاً على إجازة وليه الشرعي من أب أو جد أو وصي. فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل.
стр. 3001
وكما أن حق الغير (أي غير العاقدين) ما نع من نفاذ التصرف، هناك مانع آخر من النفاذ وهو الإكراه.
رابعاً - شرائط اللزوم: الأصل في العقود اللزوم، ويشترط للزوم العقد كالبيع والإيجار خلوه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد المعاقدين فسخ العقد، والتي تثبت إما باشتراط العاقد أو بإيجاب الشرع (١). فإن وجد في العقد خيار كخيار الشرط أو خيار العيب أو الرؤية منع لزوم العقد في حق من له الخيار، فكان له أن يفسخ العقد أو أن يقبله، إلا إذا حدث مانع من ذلك، كما سيتبين في بحث الخيارات. ويسمى العقد المشتمل على الخيار غير لازم.
المبحث الرابع - آثار العقد:
لكل عقد أثر خاص وأثر عام (٢):
ف الأثر الخاص: هو حكم العقد، وحكم العقد: هو الأثر الأصلي (أو النوعي) للعقد أو الغاية الجوهرية الأساسية المقصودة من العقد كانتقال الملكية في عقد البيع والهبة، وتملك المنفعة في عقد الإيجار والإعارة، وحل المتعة الزوجية في عقد الزواج، وحق احتباس المرهون في عقد الرهن، وتفويض التصرف في عقد الوكالة، ونحو ذلك.
ويقال للحكم الأصلي للعقد موضوع العقد كما بان سابقاً في بحث السبب.
ويفترق الحكم الأصلي للعقد عن الالتزام. فالالتزام هو كون الشخص مكلفاً بفعل، أو بامتناع عن فعل. مثال الأول: تسليم المبيع وأداء الثمن. ومثال الثاني: عدم التعدي على نفس أو مال الغير، وعدم استعمال الوديعة.
стр. 3002
ومصدر الالتزام قد يكون هو الشرع كالإنفاق على الأقارب، وقد يكون مصدره العقد، كالالتزامات بدفع الأجرة أو الثمن، وقد يكون مصدره غير العقد وهو الفعل الضار كضمان المتلفات.
وحكم العقد الأصلي يتحقق آلياً بتقدير الشرع بمجرد انعقاد العقد صحيحاً، فلا يحتاج إلى تنفيذ، فبمجرد انعقاد البيع صحيحاً تنتقل الملكية للمشتري، وهكذا سائر أحكام العقود.
أما الالتزام: فيحتاج إلى تنفيذ؛ لأنه تكليف على شخص لمصلحة آخر، فملكية المبيع وإن انتقلت إلى المشتري بمجرد البيع، لكن ذلك الأثر يحتاج إلى تنفيذ التزام البائع: وهو القيام بتسليم المبيع إلى المشتري.
والالتزامات قد يستلزمها العقد ذاته: وهي التي نظمها الشرع آثاراً للعقد المنشئ لها كالالتزام بتسليم المبيع وضمان العيب، والالتزام بدفع الثمن أو الأجرة.
وقد يشترطها العاقد كاستعمال المبيع مدة بعد البيع، وإيصال المبيع لبيت المشتري، ودفع الأجرة سلفاً، ونحو ذلك.
وأما الأثر العام: فهو ما تشترك فيه كل العقود أو معظمها من أحكام ونتائج. وللعقود أثران عامان هما: النفاذ، والإلزام واللزوم.
والنفاذ: معناه ثبوت حكم العقد الأصلي منذ انعقاده، أي أن آثار العقد الخاصة ونتائجه المترتبة عليه تحدث فور انعقاد العقد، فنفاذ عقد البيع مثلاً معناه انتقال ملكية المبيع والثمن بمجرد انعقاده، وإيجاب تنفيذ الالتزامات على الطرفين، كتسليم المبيع وتسلم الثمن، وضمان العيب إن ظهر فيه عيب.
ونفاذ عقد الزواج معناه: إحلال المتعة الزوجية بمجرد انعقاده، وإيجاب
стр. 3003
الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد بينهما، كالتزام الرجل بالنفقة، ومسؤولية المرأة عن الطاعة المشروعة.
والنفاذ يقابله التوقف، فيقال: عقد نافذ وعكسه موقوف.
وأهم أنواع العقد الموقوف سبعة هي:
عقد المكره، وعقد المميز، وعقد السفيه المحجور عليه، وعقد المدين بدين مستغرق، وتبرع المريض مرض الموت، وعقد الفضولي، وتصرف المرتد عن الإسلام، فإن عقوده في حال ردته موقوفة عند أبي حنيفة، فإذا عاد إلى الإسلام نفذت، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بالتحاقه بطلت.
و الإلزام: معناه العام لغة هو إيجاب تنفيذ التزامات التعاقد، عملاً بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] ومعناه الخاص فقهاً: هو إنشاء التزامات متقابلة معينة على العاقدين، كما في البيع، أو إنشاء التزام معين على أحد العاقدين، كما في الوعد بجائزة، وهذا من آثار العقد.
ويختلف الإلزام عن اللزوم. فاللزوم: هو عدم استطاعة فسخ العقد إلا بالتراضي، والتراضي على فسخ العقد يسمى إقالة.
ويكتسب العقد صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد تمام العقد. وهذا ما أخذ به القانون وجرى عليه القضاء.
وعند الشافعية والحنابلة: لا يكتسب العقد صفة اللزوم إلا بعد انقضاء مجلس العقد، بتفرق العاقدين بأبدانهما، عملاً بخيار المجلس الثابت في السنة النبوية، على ما سيذكر في بحث الخيارات.
стр. 3004
المبحث الخامس - تصنيف العقود:
للعقود أقسام متعددة باعتبارات مختلفة، أهمها النظر إلى العقد بحسب إقرار الشرع له وعدم إقراره، أو بالنظر إلى كون العقود مسماة أو غير مسماة، أو بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه، أو لكون العقد عينياً أوغير عيني، أو باعتبار اتصال الأثر به وعدم اتصاله.
التقسيم الأول - بحسب وصف العقد شرعا ً:
ينقسم العقد بحسب الوصف الذي يعطيه الشرع له بناء على مقدار استيفائه لأركانه وشروطه إلى صحيح تترتب عليه آثاره، وغير صحيح لا تترتب عليه آثاره.
العقد الصحيح:
هو الذي استكمل عناصره الأساسية من (صيغة وعاقدين ومحل عقد وموضوع عقد)، وشرائطه الشرعية. فيصبح صالحاً لترتب حكمه وآثاره عليه. ويعرفه الحنفية بقولهم: هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه (١).
وحكم العقد الصحيح: ثبوت أثره في الحال، فالبيع الصادر من كامل الأهلية على مال متقوم شرعاً، ولغاية مشروعة، يترتب عليه ثبوت ملك المبيع والثمن للمشتري والبائع فور انتهاء الإيجاب والقبول إذا لم يكن في البيع خيار.
стр. 3005
العقد غير الصحيح:
هو ما اختل فيه أحد عناصره الأساسية أو شرط من شروطه. وحكمه أنه لا يترتب عليه أثر كبيع الميتة والدم والخمر والخنزير، وكبيع فاقد الأهلية. ويشمل غير الصحيح عند جمهور الفقهاء غير الحنفية: الباطل والفاسد، وهما بمعنى واحد.
وأما الحنفية: فيقسمون غير الصحيح إلى باطل وفاسد. فلكل واحد معنى مختلف عن الآخر، وتلك القسمة محصورة في العقود الناقلة للملكية أو العقود التي توجب التزامات متقابلة من العاقدين، كالبيع والإجارة والهبة والقرض والحوالة والشركة والمزارعة والمساقاة والقسمة.
أما العقود غير المالية كالوكالة والوصاية والزواج على الأصح والعقود المالية التي ليس فيها التزامات متقابلة كالإعارة والإيداع، والعبادات، والتصرفات المنفردة كالطلاق والوقف والكفالة والإقرار ونحوها، فهذه لا فرق فيها بين الفاسد والباطل.
منشأ الخلاف بين الحنفيةوالجمهور:
أساس الخلاف بين الحنفية وغيرهم راجع لقضية أصولية: وهي فهم أثر النهي الصادر عن الشرع، كالنهي عن شراء السمك في الماء، فإنه غرر، وعن بيعتين في بيعة، وكتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير ونحو ذلك. فهل النهي يقتضي فساد المنهي عنه، أي عدم الاعتبار والوقوع في الإثم معاً أو أنه يقتصر على إيجاب الإثم وحده مع اعتباره أحياناً؟
ثم هل يستوي النهي عن ركن من أركان العقد مع النهي عن وصف عارض للعقد لازم له أو غير لازم؟
стр. 3006
قال جمهور الفقهاء (١): إن نهي الشارع عن عقد ما: يعني عدم اعتباره أصلاً، وإثم من يقدم عليه. ولا فرق بين النهي عن ركن من أركان العقد (الصيغة وأهلية العاقدين ومحل العقد) أو النهي عن وصف عارض للعقد ملازم له أو مجاور، لقوله ﵊ في الحديث المتقدم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وعليه إذا حدث عقد منهي عنه فهو باطل أو فاسد لا يترتب عليه أي أثر؛ لأن نهي الشرع عنه يجعله غير مشروع أو غير موجود، وإذا كان النهي لوصف فيسري إلى الموصوف.
و قال الحنفية (٢): قد يكون نهي الشارع عن عقد: معناه إثم من يرتكبه فقط، لا إبطاله، ويفرق بين النهي الراجع لأصل العقد (أي لخلل في الصيغة أو في العاقد أو في المحل) فيقتضي بطلان العقد وعدم وجوده شرعاً وعدم ترتب أي أثر عليه، وبين النهي العائد لأمر آخر كوصف من أوصاف العقد ملازم له، فيقتضي بطلان هذا الوصف فقط، ولا يتعدى البطلان إلى أصل العقد، لأنه استكمل عناصره الأساسية، فيكون العقد فاسداً فقط.
فالبيع الصادر عن عديم الأهلية، وبيع غير المال كالميتة، وبيع مال غير متقوم كالخمر والخنزير والسمك في الماء باطل؛ لأن الخلل فيه راجع لأصل العقد. والبيع المؤقت أو المشتمل على جهالة في الثمن أو المؤدي إلى النزاع في العقد كبيعتين في بيعة فاسد؛ لأن الخلل راجع لوصف في العقد خارج عن حقيقته وذاته وأركانه.
стр. 3007
وإذا كان النهي بسبب أمر مجاور للعقد غير ملازم له وليس شرطاً فيه، كان مقتضاه الكراهة للإقدام عليه في هذه الحال كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة.
وعلى هذا فإن غير الصحيح عند الحنفية نوعان: باطل وفاسد.
أما العقد الباطل: فهو ما اختل ركنه أو محله، أو ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، كأن يكون أحد العاقدين فاقد الأهلية، كالمجنون وغير المميز، والمميز فيما يضره ضرراً محضاً، أو أن تكون الصيغة غير سليمة، أو يكون محل العقد غير قابل لحكم العقد شرعاً، كبيع ما ليس بمال، أو ما ليس مالاً متقوماً كالخمر والخنزير والسمك في الماء، وكبيع شيء من الأموال العامة كجزء من الطريق أو من مشفى أو مسجد، وكالبيع الذي جعل الثمن فيه غير مال أصلاً كالميتة (١)، أو الشيء المباح. وفي الزواج كالعقد على إحدى المحارم أو التي لم تنته عدتها من مطلقها، أو المتزوجة بزوج آخر، فكل هذه العقود باطلة.
وحكم الباطل: أنه لا يعد منعقداً أصلاً، وإن وجدت صورته في الظاهر، فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، فلا يفيد نقل الملكية أصلاً، إذ لا يعد موجوداً بحال.
وأما العقد الفاسد (٢): فهو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، أي كان
стр. 3008
صادراً ممن هو أهل له، والمحل قابل لحكم العقد شرعاً، والصيغة سليمة، ولكن صاحب ذلك وصف منهي عنه شرعاً، كبيع المجهول جهالة فاحشة تؤدي للنزاع، مثل بيع دار من دور أو سيارة من سيارات دون تعيين، وكإبرام صفقتين في صفقة، كبيع دار على أن يبيعه سيارته، وكبيع مال متقوم جعل ثمنه مالاً غير متقوم كخمر مثلاً، وكبيع بقرة على أنها حامل.
وحكم الفاسد: ثبوت الملك فيه بالقبض بإذن المالك صراحة، أو دلالة كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع، دون أن يعترض عليه.
والعقد الفاسد واجب الفسخ شرعاً، إما من أحد العاقدين أو من القاضي إذا علم بذلك، لأنه منهي عنه شرعاً. وإمكان الفسخ مشروط بشرطين:
الأول - بقاء المعقود عليه على ما كان قبل القبض، فلو تغير شكله بأن هلك أو استهلك، أو كان غزلاً فنسجه، أو قمحاً فطحنه، أو دقيقاً فخبزه، امتنع الفسخ.
والثاني - عدم تعلق حق الغير به، فلو تصرف به المشتري لآخر بالبيع أو بالهبة وتم قبضه من الموهوب له، امتنع الفسخ.
العقد المكروه تحريما ً:
العقد الباطل منهي عنه لأمر أساسي فيه، والفاسد منهي عنه لوصف ملازم له، فإن كان النهي لوصف غير لازم، أي مجاور للمنهي عنه، فهو مكروه كراهة تحريمية عند الحنفية، وحرام موجب للإثم والمعصية عند جمهور الفقهاء.
ومن أهم هذه العقود المكروهة (١) أو المحرمة لما فيها من الضررأو الغرر مع أنها
стр. 3009
صحيحة ما يأتي (١):
١ - بيع النَّجْش: وهو أن يزيد الرجل في السلعة، وليس له حاجة بها، إلا ليغلي ثمنها وينفع صاحبها. وهو عند الحنفية مكروه تحريماً، لنهي النبي ﷺ عن النجْش وقال: لا تناجشوا (٢). لكنهم قالوا، أي الحنفية: لا يكره النجش إلا إذا زاد المبيع عن قيمته الحقيقية، فإن لم يكن بلغ القيمة فزاد لا يريد الشراء فجائز، ولا بأس به لأنه عون على العدالة. ويقع البيع صحيحاً عند الجمهور مع الحرمة من غير خيار في رأي الشافعية، وللمشتري عند غيرهم رده إذا لم يوجد مانع، كتغير المبيع وتعيبه، وقال الحنابلة بفساده.
وأما المزايدة أو البيع بالمزاد العلني: وهو أن ينادي على السلعة، ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها، فهو بيع صحيح جائز لا ضرر فيه.
٢ - تلقي الركبان أو الجلب: وهو مبادرة بعض أهل المدينة أو البلد لتلقي الآتين إليها، فيشتري منهم ما معهم، ثم يبيع كما يرى لأهل البلد. وهذا حرام عند الشافعية، ومكروه تحريماً عند الحنفية إن أضر بالأهالي، وإلا فلا يكره إذا لم يلبّس السعر على الواردين لأنه إن فعل هذا كان فيه تغرير بهم. وقد نهى النبي ﷺ عن
стр. 3010
تلقي البيوع أو أن يتلقى الجلب (١). وسبب النهي الإضرار بصاحب السلعة (البادي) لشراء الشيء بأقل من سعره الغالب، والإضرار بأهل البلد أيضاً. والبيع صحيح عند الأئمة، لأن النهي لأمر خارج عن البيع، لكن يثبت فيه عند الحنابلة والشافعية خيار الغبن، عملاً بحديث البخاري.
٣ - بيع الحاضر للبادي: وهو ألا يبيع الواحد من أهل البلد (الحاضر) ما عنده من طعام ونحوه إلا لأهل البادية، طمعاً في زيادة الثمن، أو أن يتخصص شخص ببيع بضاعة الغريب على التدريج مع حاجة أهل البلد، بسعر أغلى، مع أن الغريب كان يريد البيع بسعر اليوم. وكراهة هذه البيوع إذا كانت تضر بأهل البلد، وإلا فلا ضرر، وقد نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد (٢). وقد أجاز المالكية فسخ هذا البيع، كالنجش. وهو حرام عند الشافعية. وسبب النهي عنه: الإضرار بأهل السوق لبيع السلعة بأكثر من ثمن المثل، أو من طريق السمسرة، ويفسخ عند المالكية إن لم يفت بتغير أو تعيب أو تصرف، وهو صحيح عند الأئمة الثلاثة؛ لأن النهي لأمر خارج عن البيع، وهو الرفق بأهل الحضر.
٤ - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: عند الجمهور من حين صعود الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وعند الحنفية: من الأذان الأول. وهذا البيع صحيح مكروه تحريماً عند الحنفية، وصحيح حرام عند الشافعية؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا
стр. 3011
البيع﴾ [الجمعة:٩/ ٣٦] ويلحق بالبيع سائر العقود والصناعات كلها لما فيها من شغل عن السعي إلى الجمعة. والنهي عنها لأمر خارج عن حقيقة العقد.
وعد المالكية (١) هذا البيع من البيوع الفاسدة، وقالوا: إنه يفسخ على المشهور وقال عنه الحنابلة: لا يصح هذا البيع (٢).
أنواع العقد الصحيح:
ينقسم العقد الصحيح عند الحنفية والمالكية إلى نافذ وموقوف:
النافذ: هو ما صدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، كأغلب عقود الناس مثل العقد الصادر من الرشيد في ماله، أو الولي أو الوصي للقاصر، أو الوكيل لموكله. وحكمه: أنه تترتب عليه آثاره فور صدوره، من غير توقف على إجازة أحد.
و الموقوف: هو ما صدر من شخص له أهلية التعاقد، من غير أن يكون له ولاية إصداره. كعقد الفضولي، وعقد الصغير المميز فيما يتردد بين الضرر والنفع، وحكمه: أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن الذي يملك إصداره، فإن لم يجزه بطل العقد.
وهذا العقد عند الشافعية والحنابلة باطل.
أنواع العقد النافذ:
ينقسم العقد النافذ إلى لازم وغير لازم:
стр. 3012
اللازم: هو ما ليس لأحد عاقديه فسخه دون رضا الآخر، كالبيع والإجارة.
والأصل في العقود اللزوم؛ لأن الوفاء بالعقود واجب شرعاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥].
وتثبت صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد صدور العقد من العاقدين. وعند الشافعية والحنابلة: لا يلزم العقد إلا بتفرق العاقدين بأبدانهما، أو إذا تخايرا، فاختارا لزومه، عملاً بحديث خيار المجلس: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر».
و غير اللازم أو الجائز كما يسميه بعض الفقهاء: هو ما يملك كل من طرفيه أو أحدهما فقط فسخه دون رضا الآخر، إما عملاً بطبيعة العقد نفسه كالوكالة والإعارة والإيداع، أو لمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار.
والعقود بالنسبة إلى اللزوم وقابلية الفسخ وعدمه أربعة أنواع.
١ - عقود لازمة لا تقبل الفسخ: كالزواج لايقبل الفسخ ولو باتفاق العاقدين بطريق الإقالة أي لا يقبل الإلغاء الاتفاقي. وإنما يقبل الإنهاء بطرق شرعية كالطلاق والخلع (١) والتفريق القضائي لعدم الإنفاق أو للعيب أو للضرر وسوء العشرة أو للغيبة أو للحبس والاعتقال ونحو ذلك.
وكل ما لا يقبل الفسخ لا يثبت فيه خيار؛ لأن الخيار يعطي حق الفسخ لصاحبه.
стр. 3013
٢ - عقود لازمة تقبل الفسخ: أي تقبل الإلغاء بطريق الإقالة أي باتفاق العاقدين. وهي عقود المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والصلح والمزارعة والمساقاة ونحوها. وهذه العقود تقبل الفسخ بالخيار أيضاً.
٣ - عقود لازمة لأحد الطرفين: كالرهن والكفالة: فإنهما لازمان بالنسبة إلى الراهن والكفيل، وغير لازمين بالنسبة للدائن المرتهن، والمكفول له؛ لأن العقد لمصلحتهما الشخصية توثيقاً للحق، فلهما التنازل عنه.
٤ - عقود غير لازمة للطرفين: وهي التي يملك كل من العاقدين فيها حق الفسخ والرجوع، كالإيداع والإعارة والوكالة والشركة والمضاربة والوصية والهبة، فالعقود الخمسة الأولى يجوز لكل من العاقدين فسخ العقد متى شاء. والوصية والهبة يصح للموصي والواهب الرجوع عنها، كما يصح للموصى له والموهوب له ردها وإبطالها بعد وفاة الموصي، وفي حال حياة الواهب.
التقسيم الثاني - بالنظر إلى التسمية وعدمها:
تقسم العقود إلى مسماة وغير مسماة:
أما العقود المسماة: فهي ما وضع الشرع لها اسماً خاصاً بها، وبيَّن أحكامها المترتبه عليها، كالبيع والإجارة والشركة والهبة، والكفالة والحوالة والوكالة والرهن، والقرض والصلح، والزواج والوصية ونحوها.
وأما العقود غير المسماة: فهي التي لم يوضع لها اسم خاص في الشرع، ولم يرتب التشريع أحكاماً خاصة بها، وإنما استحدثها الناس تبعاً لحاجة. وهي كثيرة لا تنحصر، لأنها تنشأ بحسب تجدد حاجات الناس وتطور المجتمعات وتشابك المصالح، مثل عقد الاستصناع، و بيع الوفاء، وبيع الاستجرار، و التحكير، وأنواع
стр. 3014
المقاولات، أي التعهدات والالتزامات الحديثة، وأنواع الشركات التي تمنح امتيازات للتنقيب عن النفط والمعادن، وعقود النشر والإعلان في الصحف والمجلات ونحوها.
أما الاستصناع: فهو التعاقد على صنع شيء معين (١) كالأحذية والآنية والسيارات والبواخر، والمفروشات ونحوها. وقد تردد بين اعتبار كونه بيعاً أو إجارة أو وعداً، ثم استقر على تسمية خاصة به.
وأما بيع الوفاء: فهو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً على أنه متى وفى الثمن استرد العقار (٢). تردد بين كونه بيعاً أو رهناً، ثم استقر على هذا الاسم الخاص به.
وبيع الاستجرار: هو ما يستجره الإنسان من البياع، ثم يحاسبه على أثمانها بعد استهلاكها (٣). تردد بين كونه بيعاً أو ضمان متلفات بإذن مالكها عرفاً، واستقر على هذا الاسم تسهيلاً لأمر الناس ودفعاً للحرج.
والتحكير: هو الاتفاق على الانتفاع بأرض الوقف بالبناء والغرس لقاء أجرة معجلة تقارب قيمة الأرض، وأجرة سنوية ضئيلة، حددت في قانون الملكية العقاري السوري (باثنين ونصف في الألف) من قيمة الأرض المقدرة رسمياً لجباية الضرائب العقارية (٤).
وقد عرفنا في بحث حرية التعاقد: أن الرأي الغالب أو الراجح فقهاً هو جواز
стр. 3015
إحداث عقود جديدة لا تخالف نصوص الشريعة ومبادئها وقواعدها العامة، كما يقول الحنابلة وبخاصة ابن تيمية وابن القيم. أو من طريق القياس والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة وغيرها من أدلة التشريع كما يقول الحنفية والمالكية والشافعية.
التقسيم الثالث - بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه:
تنقسم العقود بحسب أغراضها وغاياتها إلى مجموعات سبع، فقد تكون غاية العقد هي تمليك شيء، أو الاستيثاق، أو الحفظ، أو التفويض ونحو ذلك.
١ - التمليكات: وهي ما يقصد بها تمليك شيء، عين أو منفعة، فإن كان التمليك بعوض فهي عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، والصرف والصلح، والقسمة، والاستصناع، والمزارعة والمساقاة، والزواج، ونحوها مما فيه معاوضة ومبادلة بين طرفين.
وإن كان التمليك مجاناً بغير عوض فهي عقود التبرعات، كالهبة والصدقة والوقف والإعارة وحوالة الدين.
وقد يكون التبرع في ابتداء العقد كالقرض والكفالة بأمر المدين، والهبة بشرط العوض، ثم يلزم الطرف الآخر بدفع البدل، فهي تبرع ابتداءً، معاوضةٌ انتهاءً.
٢ - الإسقاطات: وهي ما يقصد بها إسقاط حق من الحقوق، سواء ببدل، أم بدون بدل.
فإن كان الإسقاط بدون بدل من الطرف الآخر فهو الإسقاط المحض، كالطلاق المجرد عن المال، والعفو عن القصاص، والإبراء عن الدين، والتنازل عن حق الشفعة.