← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

البيع﴾ [الجمعة:٩/ ٣٦] ويلحق بالبيع سائر العقود والصناعات كلها لما فيها من شغل عن السعي إلى الجمعة. والنهي عنها لأمر خارج عن حقيقة العقد. وعد المالكية (١) هذا البيع من البيوع الفاسدة، وقالوا: إنه يفسخ على المشهور وقال عنه الحنابلة: لا يصح هذا البيع (٢). أنواع العقد الصحيح: ينقسم العقد الصحيح عند الحنفية والمالكية إلى نافذ وموقوف: النافذ: هو ما صدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، كأغلب عقود الناس مثل العقد الصادر من الرشيد في ماله، أو الولي أو الوصي للقاصر، أو الوكيل لموكله. وحكمه: أنه تترتب عليه آثاره فور صدوره، من غير توقف على إجازة أحد. و الموقوف: هو ما صدر من شخص له أهلية التعاقد، من غير أن يكون له ولاية إصداره. كعقد الفضولي، وعقد الصغير المميز فيما يتردد بين الضرر والنفع، وحكمه: أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن الذي يملك إصداره، فإن لم يجزه بطل العقد. وهذا العقد عند الشافعية والحنابلة باطل. أنواع العقد النافذ: ينقسم العقد النافذ إلى لازم وغير لازم:

стр. 3012

اللازم: هو ما ليس لأحد عاقديه فسخه دون رضا الآخر، كالبيع والإجارة. والأصل في العقود اللزوم؛ لأن الوفاء بالعقود واجب شرعاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥]. وتثبت صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد صدور العقد من العاقدين. وعند الشافعية والحنابلة: لا يلزم العقد إلا بتفرق العاقدين بأبدانهما، أو إذا تخايرا، فاختارا لزومه، عملاً بحديث خيار المجلس: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر». و غير اللازم أو الجائز كما يسميه بعض الفقهاء: هو ما يملك كل من طرفيه أو أحدهما فقط فسخه دون رضا الآخر، إما عملاً بطبيعة العقد نفسه كالوكالة والإعارة والإيداع، أو لمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار. والعقود بالنسبة إلى اللزوم وقابلية الفسخ وعدمه أربعة أنواع. ١ - عقود لازمة لا تقبل الفسخ: كالزواج لايقبل الفسخ ولو باتفاق العاقدين بطريق الإقالة أي لا يقبل الإلغاء الاتفاقي. وإنما يقبل الإنهاء بطرق شرعية كالطلاق والخلع (١) والتفريق القضائي لعدم الإنفاق أو للعيب أو للضرر وسوء العشرة أو للغيبة أو للحبس والاعتقال ونحو ذلك. وكل ما لا يقبل الفسخ لا يثبت فيه خيار؛ لأن الخيار يعطي حق الفسخ لصاحبه.

стр. 3013

٢ - عقود لازمة تقبل الفسخ: أي تقبل الإلغاء بطريق الإقالة أي باتفاق العاقدين. وهي عقود المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والصلح والمزارعة والمساقاة ونحوها. وهذه العقود تقبل الفسخ بالخيار أيضاً. ٣ - عقود لازمة لأحد الطرفين: كالرهن والكفالة: فإنهما لازمان بالنسبة إلى الراهن والكفيل، وغير لازمين بالنسبة للدائن المرتهن، والمكفول له؛ لأن العقد لمصلحتهما الشخصية توثيقاً للحق، فلهما التنازل عنه. ٤ - عقود غير لازمة للطرفين: وهي التي يملك كل من العاقدين فيها حق الفسخ والرجوع، كالإيداع والإعارة والوكالة والشركة والمضاربة والوصية والهبة، فالعقود الخمسة الأولى يجوز لكل من العاقدين فسخ العقد متى شاء. والوصية والهبة يصح للموصي والواهب الرجوع عنها، كما يصح للموصى له والموهوب له ردها وإبطالها بعد وفاة الموصي، وفي حال حياة الواهب. التقسيم الثاني - بالنظر إلى التسمية وعدمها: تقسم العقود إلى مسماة وغير مسماة: أما العقود المسماة: فهي ما وضع الشرع لها اسماً خاصاً بها، وبيَّن أحكامها المترتبه عليها، كالبيع والإجارة والشركة والهبة، والكفالة والحوالة والوكالة والرهن، والقرض والصلح، والزواج والوصية ونحوها. وأما العقود غير المسماة: فهي التي لم يوضع لها اسم خاص في الشرع، ولم يرتب التشريع أحكاماً خاصة بها، وإنما استحدثها الناس تبعاً لحاجة. وهي كثيرة لا تنحصر، لأنها تنشأ بحسب تجدد حاجات الناس وتطور المجتمعات وتشابك المصالح، مثل عقد الاستصناع، و بيع الوفاء، وبيع الاستجرار، و التحكير، وأنواع

стр. 3014

المقاولات، أي التعهدات والالتزامات الحديثة، وأنواع الشركات التي تمنح امتيازات للتنقيب عن النفط والمعادن، وعقود النشر والإعلان في الصحف والمجلات ونحوها. أما الاستصناع: فهو التعاقد على صنع شيء معين (١) كالأحذية والآنية والسيارات والبواخر، والمفروشات ونحوها. وقد تردد بين اعتبار كونه بيعاً أو إجارة أو وعداً، ثم استقر على تسمية خاصة به. وأما بيع الوفاء: فهو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً على أنه متى وفى الثمن استرد العقار (٢). تردد بين كونه بيعاً أو رهناً، ثم استقر على هذا الاسم الخاص به. وبيع الاستجرار: هو ما يستجره الإنسان من البياع، ثم يحاسبه على أثمانها بعد استهلاكها (٣). تردد بين كونه بيعاً أو ضمان متلفات بإذن مالكها عرفاً، واستقر على هذا الاسم تسهيلاً لأمر الناس ودفعاً للحرج. والتحكير: هو الاتفاق على الانتفاع بأرض الوقف بالبناء والغرس لقاء أجرة معجلة تقارب قيمة الأرض، وأجرة سنوية ضئيلة، حددت في قانون الملكية العقاري السوري (باثنين ونصف في الألف) من قيمة الأرض المقدرة رسمياً لجباية الضرائب العقارية (٤). وقد عرفنا في بحث حرية التعاقد: أن الرأي الغالب أو الراجح فقهاً هو جواز

стр. 3015

إحداث عقود جديدة لا تخالف نصوص الشريعة ومبادئها وقواعدها العامة، كما يقول الحنابلة وبخاصة ابن تيمية وابن القيم. أو من طريق القياس والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة وغيرها من أدلة التشريع كما يقول الحنفية والمالكية والشافعية. التقسيم الثالث - بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه: تنقسم العقود بحسب أغراضها وغاياتها إلى مجموعات سبع، فقد تكون غاية العقد هي تمليك شيء، أو الاستيثاق، أو الحفظ، أو التفويض ونحو ذلك. ١ - التمليكات: وهي ما يقصد بها تمليك شيء، عين أو منفعة، فإن كان التمليك بعوض فهي عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، والصرف والصلح، والقسمة، والاستصناع، والمزارعة والمساقاة، والزواج، ونحوها مما فيه معاوضة ومبادلة بين طرفين. وإن كان التمليك مجاناً بغير عوض فهي عقود التبرعات، كالهبة والصدقة والوقف والإعارة وحوالة الدين. وقد يكون التبرع في ابتداء العقد كالقرض والكفالة بأمر المدين، والهبة بشرط العوض، ثم يلزم الطرف الآخر بدفع البدل، فهي تبرع ابتداءً، معاوضةٌ انتهاءً. ٢ - الإسقاطات: وهي ما يقصد بها إسقاط حق من الحقوق، سواء ببدل، أم بدون بدل. فإن كان الإسقاط بدون بدل من الطرف الآخر فهو الإسقاط المحض، كالطلاق المجرد عن المال، والعفو عن القصاص، والإبراء عن الدين، والتنازل عن حق الشفعة.

стр. 3016

وإن كان الإسقاط ببدل أو عوض من الطرف الآخر، فهو إسقاط المعاوضة، كالطلاق على مال، والعفو عن القصاص بالدية. ٣ - الإطلاقات: وهي إطلاق الشخص يد غيره في العمل، كالوكالة وتولية الولاة والقضاء، والإذن للمحجور عليه بالتصرف أو للصغير المميز بالتجارة، والإيصاء: وهو أن يعهد شخص لآخر في أن يتولى شؤون أولاده القصر بعد وفاته. ٤ - التقييدات: وهي منع الشخص من التصرف، كعزل الولاة والقضاة، ونظار الوقف، والأوصياء، والقوام على المحجور عليهم، والوكلاء، وحجر الشخص عن التصرف بسبب الجنون أو العته أو السفه أو الصغر. ٥ - التوثيقات: (أو التأمينات أوعقود الضمان): وهي التي يقصد بها ضمان الديون لأصحابها وتأمين الدائن على دينه، وهي الكفالة والحوالة والرهن. ٦ - الاشتراك: وهي التي يقصد بها المشاركة في العمل والربح، كعقود الشركات بأنواعها، ومنها المضاربة: وهي أن يدفع شخص لآخر مبلغاً من المال ليتجر فيه على أن يشتركا في الربح، والخسارة على رب العمل. ومنها المزارعة (تعهد الأرض بالعناية) والمساقاة (تعهد الأشجار بالسقي ونحوه). ٧ - الحفظ: وهي التي يراد منها حفظ المال لصاحبه، كعقد الإيداع، وبعض خصائص الوكالة. التقسيم الرابع - بالنظر إلى العينية وعدمها: تنقسم العقود إلى عينية وغير عينية.

стр. 3017

ف العقد العيني: هو الذي لا بد فيه لتمام انعقاده وترتيب أثره من تسليم الشيء المعقود عليه عيناً. وهو يشمل عقوداً خمسة: هي الهبة والإعارة والإيداع والرهن والقرض (١). فهذه العقود لا بد لتمامها وترتب أثرها عليها من قبض المعقود عليه؛ لأن هذه العقود ما عدا الرهن من التبرعات، والتبرع إحسان، فلا بد له من شيء يؤكده، وهو القبض. وأما الرهن أي الرهن الحيازي فإنه شرع موصوفاً بالقبض في قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] والقبض عند الحنفية: يتم بالتخلية أي بأن يخلي المالك بين المعقود عليه والطرف الآخر، برفع الحائل بينهما، على وجه يتمكن الآخر من الحيازة والتصرف في الشيء (٢). و العقد غير العيني: هو الذي يتم بمجرد الصيغة السليمة من العيوب ويترتب عليه أثره بدون حاجة إلى القبض. وهذا يشمل جميع العقود ماعدا العقود الخمسة السابقة. التقسيم الخامس - باعتبار اتصال الأثر بالعقد وعدم اتصاله: ينقسم العقد بحسب ترتب أثره عليه بمجرد انعقاده وعدم ترتب أثره في الحال إلى أنواع ثلاثة: هي منجز، ومضاف، ومعلق.

стр. 3018

١ - العقد المنجز: وهو ما صدر بصيغة غير معلقة على شرط ولا مضافة إلى المستقبل. وحكمه: ترتب الآثار عليه في الحال ما دام مستوفياً لأركانه وشروطه المطلوبة فيه. مثل: بعتك هذه الأرض بكذا، وقبل الآخر. يترتب على هذا البيع تحقق أثره عليه في الحال: وهو انتقال الملكية في العوضين. والأصل في العقود التنجيز في الحال أي أن آثارها تترتب عليها فور إنشائها ما عدا الوصية والإيصاء، فلا يمكن بطبيعتهما أن يكون ناجزين، لإضافتهما حتماً لما بعد وفاة الموصي. أما الوصية: فهي تمليك مضاف لما بعد الموت بالتبرع بشيء لجهة أو شخص ما. وأما الإيصاء: فهو إقامة وصي على أبنائه القاصرين بعد وفاة الولي. ٢ - العقد المضاف للمستقبل: ما صدر بصيغة أضيف فيها الإيجاب إلى زمن مستقبل. مثل: آجرتك داري لسنة من مطلع الشهر القادم. أنتِ طالق غداً أو بعد أسبوع. وحكمه: أنه ينعقد في الحال، ولكن أثره لا يوجد إلا في الوقت المحدد الذي أضيف إليه. العقود بالنسبة للإضافة: العقود عند الحنفية بالنسبة لقبولها الإضافة أو عدم قبولها ثلاثة أنواع: الأول - عقود لا تكون إلا مضافة بطبيعتها: وهي الوصية والإيصاء كما تقدم، سواء أكانت منجزة مثل: أوصيت بكذا للفقراء أو لمسجد البلدة، أم معلقة مثل: إن نجحت في المشروع الفلاني فقد أوصيت بمبلغ كذا للمشفى الفلاني. فإذا تحقق النجاح، لم يثبت حكم الوصية إلا بعد الوفاة.

стр. 3019

الثاني - عقود لا تقبل الإضافة، وإنما تكون دائماً ناجزة: وهي عقود تمليكات الأعيان، كالبيع والهبة والصلح على مال والإبراء عن الدين. ويلحق بها الزواج والشركة والقسمة والرجعة؛ لأنها تتطلب شرعاً ثبوت آثارها في الحال، فإذا أضيفت للمستقبل تأخرت آثارها عنها، وذلك ينافي أصل وضعها الشرعي. فالبيع يوجب نقل الملكية في الحال، والزواج يفيد حل الاستمتاع حالاً، فلا يصح تأخير الأثر عنهما. الثالث - عقود تصح منجزة ومضافة للمستقبل: فإذا كانت منجزة ترتب عليها أثرها في الحال،، وإن كانت مضافة تأخر أثرها إلى زمن الإضافة، وهي (١): أولاً - العقود الواردة على المنافع: كالإجارة والإعارة والمزارعة والمساقاة. ثانياً - الالتزامات أو التوثيقات: كالكفالة والحوالة. ثالثاً - الإطلاقات: كالوكالة والقضاء والوظائف والإدارات والإذن بالتجارة. رابعاً - الإسقاطات: كالطلاق والخلع من جانب الزوج، والوقف. ٣ - العقد المعلق على شرط: هو ما صدر معلقاً وجوده على أمر آخر بأحد أدوات الشرط. مثل: إن سافرت فأنت وكيلي. إذا قدم فلان من الحجاز فقد بعتك الشيء الفلاني. ويختلف المعلق على شرط عن المضاف للمستقبل في أن العقد المعلق لا ينعقد إلا حين وجود الشرط المعلق عليه. أما المضاف للمستقبل فهو منعقد في الحال، ولكن آثاره لا يسري مفعولها إلا في المستقبل المضاف إليه.

стр. 3020

العقود بالنسبة للتعليق عند الحنفية: تنقسم العقود من هذه الناحية إلى ثلاثة أنواع هي (١): النوع الأول - عقود لا تقبل التعليق وهي: أولاً - التمليكات المالية ما عدا الوصية، سواء أكانت واردة على الأعيان كالبيع والإبراء، أم على المنافع كالإجارة والإعارة، بطريق المعاوضة أم بطريق التبرع كالهبة؛ لا يصح تعليقها على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن الملكية لا بد أن تكون مستقرة جازمة لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار. ثانياً - المبادلات غير المالية: كالزواج والخلع لا يصح تعليقهما على شرط، مثل: تزوجتك إن نجحت في شهادة كذا، وخالعتك إن رضي أخي؛ لأنه لا بد من تحقق أثرها في الحال. ثالثاً - التقييدات كالرجعة وعزل الوكيل والحجر على الصبي المأذون له في التجارة. رابعاً - الرهن والإقالة (فسخ العقد بالتراضي): لا يصح تعليقهما، مثل: رهنتك هذه الدار إن رضي والدي. أقلتك من البيع إن وجدت مشترياً بثمن أعلى. وقد عرفنا سابقاً في بحث حرية الاشتراط أن ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة قالا: يصح تعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات بالشروط ولا يمنع منها إلا ما ورد بالنهي عنه نص من الشارع.

стр. 3021

النوع الثاني - عقود يصح فيها التعليق بأي شرط ملائم أم غير ملائم وهي: أولاً - الإسقاطات المحضة: كالطلاق والتنازل عن حق الشفعة. ثانياً - الوكالة والوصية والإيصاء. ثالثاً - الالتزامات التي يراد منها تقوية إرادة الملتزم، كالنذر واليمين، مثل: إن نجحت في الامتحان فلله علي صوم أسبوع ولأتصدقن بمبلغ كذا. ووالله لأفعلن كذا إن انتصرنا على العدو. النوع الثالث - عقود يصح تعليقها بالشرط الملائم دون سواه. وهي الكفالة والحوالة والإذن للصبي بالتجارة. والشرط الملائم: هو ماكان مناسباً لمقتضى العقد، عرفاً أو شرعاً، بأن يكون أساساً لوجوده، أو سبباً لثبوت الحق، مثل: إن أقرضت فلاناً فأنا كفيله، إن لم أدفع دينك بعد شهر فقد أحلتك به على فلان، إن أحسنت التجارة فقد أذنت لك بها. أما غير الملائم فمثل: إن نزل المطر فقد كفلت فلاناً، أو أحلتك بدينك على فلان، أو أذنت لك بالتجارة، وإن نجح ابني في شهادة كذا فقد كفلتك. فمثل هذه الشروط غير المفيدة أو التي لا يظهر فيها غرض صحيح تعد نوعاً من العبث أو الهزل واللهو، ولا تصح العقود مع الهزل. المبحث السادس - الخيارات عرفنا في المبحث السابق أن العقد اللازم: هو الخالي من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخه وإبطاله.

стр. 3022

و معنى الخيار: أن يكون للمتعاقد الحق في إمضاء العقد أو فسخه، إن كان الخيار خيار شرط أو رؤية أو عيب. أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الخيار خيار تعيين. والخيارات سبعة عشر، سأجمل هنا الكلام عن ستة منها فقط، هي خيار المجلس، وخيار التعيين، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية. وقد شرعت الخيارات إما ضماناً لرضا العاقدين أو حفظاً لمصلحتهما، أو دفعاً للضرر الذي قد يلحق أحد العاقدين، فهي مشروعة للضرورة أو للحاجة إليها. و مصدر الخيارات: إما اتفاق العاقدين كخيار الشرط وخيار التعيين. وإما حكم الشرع، كخيار العيب وخيار الرؤثة. وقد يعتبر خيار العيب ثابتاً باشتراط المتعاقد ضمناً لا صراحة. خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة: خيار المجلس: هو أن يكون لكل من العاقدين حق فسخ العقد ما داما في مجلس العقد، لم يتفرقا بأبدانهما، أو يخير أحدهما الآخر فيختار لزوم العقد. ومعنى هذا أن العقد لا يلزم إلا بإنهاء مجلس العقد بالتفرق أو بالتخيير. وليس ذلك في كل العقود وإنما في العقود اللازمة من الجانبين فقط القابلة للفسخ وهي عقود المعاوضات المالية كالبيع بأنواعه وصلح المعاوضة والإجارة؛ لأن الدليل المثبت له وهو الحديث ورد في البيع، فيقاس عليه ما في معناه من عقود المعاوضات (١). وقد انقسم الفقهاء في شأنه فريقين:

стр. 3023

١ - فقال الحنفية والمالكية (١): يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولا يثبت فيه خيار المجلس؛ لأن الله أمر بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] والخيار مناف لذلك، فإن الراجع عن العقد لم يف به، ولأن العقد يتم بمجرد التراضي، بدليل قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] والتراضي يحصل بمجرد صدور الإيجاب والقبول، فيتحقق الالتزام من غير انتظار لآخر المجلس. ولم يأخذوا بالأحاديث الواردة في إثبات خيار المجلس لمنافاتها لعموم الآيات القرآنية المذكورة. وتأول الحنفية حديث خيار المجلس «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» بأنه وارد في مرحلة ما قبل تمام العقد. فالبيعان: معناه المتساومان قبل العقد، إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، والمراد بالتفرق: هو التفرق بالأقوال لا بالأبدان، أي أن للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الآخر، وللآخر الخيار، إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول أو الرجوع. ولكن يلاحظ أن هذا التأويل لا معنى له؛ لأن كل عاقد قبل إبرام العقد حر في القبول وعدمه، ويجعل (أي هذا التأويل) الحديث عديم الفائدة، فلا حاجة للمشرع لإثبات مبدأ حرية الإنسان فيما يلتزم، فهو أصل عام، والأصل في كل إنسان عدم الالتزام. فإذا لم يقبل الذي وجه له الإيجاب لا يسمى ذلك تفرقاً وإنما اختلافاً. وحديث خيار المجلس لا يعارض آية الأمر بالوفاء بالعقود؛ لأن المراد

стр. 3024

بالعقود هي الكاملة اللازمة التي لا خيار فيها، ولا يعارض أيضاً آية ﴿تجارة عن تراض﴾ [النساء:٢٩/ ٤]؛ لأن هذا الخيار مشروع للتأكد من تمام التراضي. ٢ - وقال الشافعية والحنابلة المثبتون لخيار المجلس (١): إذا انعقد العقد بتلاقي الإيجاب والقبول يقع العقد جائزاً أي غير لازم، ما دام المتعاقدان في مجلس العقد. ويكون لكل من العاقدين الخيار في فسخ العقد أو إمضائه، ما داما مجتمعين في المجلس لم يتفرقا بأبدانهما، أو يتخايرا. ويحد طبيعة التفرق: العرف الشائع بين الناس في التعامل (٢)، وهذا هو خيار المجلس. واستدلوا على مشروعيته بالحديث الصحيح الثابت برواية البخاري ومسلم وهو أنه ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر» (٣) أي اختر اللزوم. وأما التفرق فهو أن يتفرقا بأبدانهما، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة متطاولة كسنة أو أكثر، أو قاما وتماشيا مسافة، فهما على خيارهما، كما قال النووي. والرجوع في التفرق إلى العادة، فما عده الناس تفرقا فهو تفرق ملزم للعقد، وما لا فلا (٤).

стр. 3025

خيار التعيين: خيار التعيين (١): هو أن يكون للعاقد حق تعيين أحد الأشياء الثلاثة المختلفة في الثمن والصفة التي ذكرت في العقد. فإذا عين الواحد صار محل العقد معلوماً بعد أن كان مجهولاً بعض الجهالة. وهو لا يثبت إلا في عقود المعاوضات المالية التي تفيد نقل ملكية الأعيان كالبيع، والهبة بعوض، والقسمة ونحوها. ولا يثبت هذا الخيار إلا للمشتري فقط، على الرأي الراجح عند الحنفية. وقد اختلف الفقهاء في مشروعيته، فمنعه الشافعي وأحمد وزفر من الحنفية لجهالة المبيع، والمبيع يشترط أن يكون معلوماً. وأجازه أبو حنيفة وصاحباه استحساناً لحاجة الناس إليه، إذ قد يكون الشخص غير خبير بأحوال المشتريات، فيحتاج إلى استشارة غيره ليأخذ الأرفق والأوفق له. وقد يحتاج الشخص إلى توكيل غيره بالشراء ويرغب في رؤية الشيء المشترى، ولا يوافق التاجر على إخراج البضاعة من محله إلا بشراء واحد من اثنين أو ثلاثة (٢). وهذا معنى معقول وواقعي، محقق لمصلحة التاجر لكي تصبح البضاعة المقبوضة مضمونة لا مجرد أمانة، ونافع للمشتري لتحقيق رغبته وميوله، وليس في جهالة المبيع خطورة، لأنها لا تفضي إلى النزاع، لتعيين ثمن كل صنف على حدة.

стр. 3026

شروطه: اشترط الحنفية القائلون بخيار التعيين شروطاً ثلاثة لصحته وهي (١): ١ - أن يكون الخيار بين ثلاثة أشياء على الأكثر؛ لأن أصناف الأشياء تتراوح عادة بين الجيد والوسط والرديء، فما زاد عن الثلاثة لا يصح فيه الخيار، لعدم الحاجة إليه. ٢ - أن تكون الأشياء متفاوتة القيمة أو الوصف، وثمن كل منها محدد معين، فإن كانت الأشياء متحدة القيمة أو الوصف فلا معنى للخيار بينها. وإذا كان الثمن غير محدد لكل منها، كان مجهولاً، وجهالة الثمن تفسد البيع. ٣ - أن تكون مدة الخيار معلومة، لا تزيد عن ثلاثة أيام عند أبي حنيفة كخيار الشرط، فإن زادت على ذلك فسد العقد. وقال الصاحبان: يكفي أن تكون المدة معلومة، وإن زادت عن ثلاثة أيام. أثر خيار التعيين: إذا اقتصر المشتري على ذكر خيار التعيين بدون خيار الشرط، كان العقد لازماً تثبت به ملكية أحد الأشياء، وينحصر دور المشتري في اختيار أحد الأشياء التي اشتراها. وإن مات المشتري ورثه ورثته في ممارسة حق الاختيار. فإن انضم إلى خيار التعيين خيار الشرط كان العقد غير لازم، ولا يورث حق الخيار حينئذ، ويحق للمشتري رد العقد بكامله (٢).

стр. 3027

انتهاء خيار التعيين: ينتهي خيار التعيين إما صراحة أو دلالة أو حكماً، كأن يقول: قبلت هذا الشيء دون غيره، أو تصرف في أحد الأشياء تصرفاً يدل على أنه اختاره. أو هلك أحد الأشياء في يد المشتري بعد القبض، فيتعين الهالك مبيعاً، وعليه ثمنه، والآخر يكون أمانة في يده يجب رده إلى صاحبه (١). خيار الشرط خيار الشرط (٢): هو أن يكون لأحد العاقدين أو لكليها أو لغيرهما الحق في فسخ العقد أو إمضائه خلال مدة معلومة، كأن يقول المشتري للبائع: اشتريت منك هذا الشيء على أني بالخيار مدة يوم أو ثلاثة أيام. وشرع للحاجة إليه لدفع الغبن عن العاقد في العقود. ويثبت فقط في العقود اللازمة القابلة للفسخ بتراضي الطرفين، ولو كان لزومها من جانب واحد، وذلك كالبيع والإجارة، والمزارعة والمساقاة، والشركة ومنها المضاربة، والقسمة، والكفالة والحوالة، والرهن إذا اشترطه الراهن للزوم العقد من جانبه، ولا حاجة للمرتهن لاشتراطه؛ لأن العقد بالنسبة إليه غير لازم. أما العقود غير اللازمة كالوكالة والإعارة والإيداع والهبة والوصية فلا حاجة فيها لاشتراط الخيار، لأنها بطبيعتها غير لازمة. وأما العقود اللازمة التي لا تقبل الفسخ كالزواج والخلع والطلاق فلا يصح اشتراط الخيار فيها، لأنه يتعذر فسخها.

стр. 3028

كذلك لا يصح اشتراط الخيار في عقد ي السلم والصرف؛ لأن السلم يشترط لصحته قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، والصرف يشترط فيه قبض البدلين في المجلس. وخيار الشرط يقتضي تأخير القبض عن المجلس وإذا تأخر القبض عن المجلس فسد العقد، فلا يصح اشتراط خيار فيهما (١). مدة الخيار: اتفق جمهور الفقهاء غير المالكية على أن مدة الخيار المشروط ينبغي أن تكون معلومة، فإن لم تكن له مدة، أو كانت المدة مجهولة، أو كان الخيار مؤبداً لم يصح العقد، وكان فاسداً عند الحنفية (٢)، وباطلاً عند الشافعية والحنابلة (٣). وقال الإمام مالك: يجوز الخيار المطلق بدون تحديد مدة، ويحدد الحاكم له مدة كمدة خيار مثله في العادة؛ لأن اختيار المبيع في مثله مقدر في العادة، فإذا أطلق الخيار حمل على المعتاد. ويفسد العقد باشتراط مدة زائدة على المعتاد بكثير أي بعد يوم، أو بشرط مدة مجهولة كإلى أن تمطر السماء (٤). ثم اختلف الفقهاء في مقدار مدة الخيار على ثلاثة أقوال: ١ - فقال أبو حنيفة وزفر والشافعي (٥): إنها لا تزيد على ثلاثة أيام، عملاً بمقتضى الحديث الذي ثبتت به مشروعية هذا الخيار، وهو حديث حَبَّان بن مُنْقِذ الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «إذا

стр. 3029

بايعت فقل: لا خلابة (١)، ولي الخيار ثلاثة أيام» فهذا الخيار شرع استثناء لدفع الغبن عن الناس، فيقتصر فيه على مورد النص، والنص جعل المدة ثلاثة أيام، فلا يزاد عليها، ولأن الحاجة تتحقق بالثلاث غالباً. فلو زاد عليها فسد العقد عند أبي حنيفة وزفر، ويعود صحيحاً عند أبي حنيفة إذا ارتفع سبب الفساد بإجازة العقد في مدة الأيام الثلاثة، وعند زفر: الفاسد من العقود لا يعود صحيحاً بحال. ويبطل العقد عند الشافعي. ٢ - وقال الصاحبان والحنابلة (٢): تكون مدة الخيار بحسب اتفاق العاقدين، ولو كانت أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن الخيار شرع للتروي والمشورة، وقد لا تكفي الأيام الثلاثة. والتحديد المذكور في حديث حبان كان كافياً بالنسبة له بتقدير الرسول ﷺ . وما يكون كافياً لشخص قد لا يكفي لغيره، فلا يكون هذا التحديد ما نعاً من الزيادة على المدة المذكورة. ٣ - وقال المالكية (٣): يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال، فالفاكهة لا يجوز الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب والدواب: ثلاثة أيام، والأرض البعيدة: أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها: شهر؛ لأن المفهوم من الخيار هواختبار المبيع، وإمكان الاختبار يختلف بحسب المبيعات، تحقيقاً لحاجة العقد.

стр. 3030

وتبدأ مدة الخيار بعد العقد مباشرة. أثر خيار الشرط: لخيار الشرط أثران: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه. أما الأثر المتفق عليه: فهوجعل العقد غير لازم بالنسبة لمن له الخيار. فيجوز له الفسخ في مدة الخيار، وإمضاء العقد، وإذا مضت المدة بدون فسخ أو إمضاء سقط خياره ولزمه العقد. ويصح الفسخ والإمضاء بالقول الدال عليه مثل: أجزت العقد أو أمضيته، أو رضيت به، أو فسخته، كما يصح بالفعل الدال علىه أو المتضمن له، كالتصرف في المبيع بالبيع أو الإجارة أو الرهن أو الإعارة، سواء من البائع إذا كان له الخيار، أو من المشتري صاحب الخيار. ويشترط لصحة الفسخ شرطان (١): ١ - أن يكون في مدة الخيار، لأن العقد يلزم بمضي مدة الخيار بلا فسخ من صاحب الخيار. ٢ - علم الطرف الآخر بالفسخ إذا كان الفسخ قولياً عند أبي حنيفة ومحمد منعاً من إلحاق الضرر به، فإنه إذا كان بائعاً قد يسكت عن البحث عن مشتر آخر، اعتماداً على أن المشتري لم يفسخ العقد، وفي هذا ضرر به، وإذا كان مشترياً فقد يتصرف في المبيع ظناً منه أن البائع لم يفسخ العقد، فيلحقه الضمان، وفي هذا ضرر به، وبالعلم بالفسخ يمتنع لحوق هذا الضرر.

стр. 3031

أما الفسخ الفعلي فلا يشترط فيه علم الطرف الآخر به لأنه أمر حكمي، ولا يشترط العلم في الفسخ الحكمي كعزل الوكيل والشريك والمضارب بارتداده ولحاقه بدار الحرب، أو جنونه جنوناً مطبقاً. ولايشترط علم الطرف الآخر بإجازة العقد. وقال أبو يوسف والحنابلة (١): لا يشترط علم الطرف الآخر بالفسخ أيضاً؛ لأن القبول بالخيار يدل على تسليط صاحب الخيار على الفسخ، سواء علم الآخر أم لم يعلم. وأما الأثر المختلف فيه: فهو عدم ترتب أثر العقد عليه. وهذا عند الحنفية (٢) والمالكية (٣) فالخيار عند هؤلاء مانع من ترتب آثار العقد، فلا تنتقل الملكية عند أبي حنيفة في كلا البدلين إذا كان الخيار للعاقدين أثناء مدة الخيار، أي أنه لا يزول المبيع عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، كما لا يزول الثمن عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع؛ لأن الخيار موجود في جانبي البائع والمشتري. وإذا كان الخيار للبائع وحده لا تنتقل ملكية المبيع عنه، ويخرج الثمن عن ملك المشتري؛ لأن العقد لازم في حقه، ولكن لا يدخل في ملك البائع، حتى لا يجتمع البدلان (المبيع والثمن) في يد واحدة، لمنافاته لمبدأ التعادل بين العاقدين. وقال الصاحبان: يدخل الثمن في ملك البائع؛ لأن الشيء لا يصح أن يكون بلا مالك.

стр. 3032

وإذا كان الخيار للمشتري وحده فلا يخرج الثمن عن ملكه، وأما المبيع فيخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، ويدخل في ملكه عند الصاحبين. وقرر المالكية: أن ملك المبيع للبائع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار. ووجهة هذا الفريق: أن من شرط الخيار لنفسه لم يتم رضاه بالعقد، والآثار لا توجد إلا مع الرضا التام. وقال الشافعية والحنابلة في أظهر الرأيين عندهم (١): تترتب آثار العقد عليه في فترة الخيار، وتنتقل ملكية البدلين للطرفين المتعاقدين، سواء أكان الخيار للعاقدين أم لأحدهما؛ لأن العقد نافذ، فتترتب أحكامه (آثاره) عليه. وأثر الخيار محصور في منع اللزوم فقط. وتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين في مؤونة (نفقة) المعقود عليه والزيادة فيه، فعلى رأي الحنفية والمالكية: تكون المؤونة في مدة الخيار على البائع والزيادة له. وعلى رأي الآخرين: تكون المؤونة على المشتري والزيادة له. انتهاء خيار الشرط: العقد المشتمل على الخيار غير لازم، وبانتهاء الخيار إما أن يزول العقد، أو يصبح لازماً. وينتهي الخيار بأحد الأمور التالية (٢):

стр. 3033

١ - إمضاء العقد أو فسخه في مدة الخيار، سواء أكان ذلك بالقول أم بالفعل كما تقدم. ٢ - مضي مدة الخيار دون إجازة (إمضاء) أو فسخ. ٣ - هلاك المعقود عليه أو تعيبه في يد صاحب الخيار، فإن كان الخيار للبائع مثلاً بطل البيع وسقط الخيار، وإن كان الخيار للمشتري لا يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويجب على المشتري دفع الثمن، سواء أكان الهلاك أو التعيب بفعل المشتري أو بفعل البائع، أو بآفة سماوية. ٤ - زيادة المعقود عليه في يد المشتري إذا كان الخيار له: زيادة متصلة متولدة منه كسمن الحيوان، أم غير متولدة منه كالبناء على الأرض وصباغة الثوب. أو زيادة منفصلة متولدة منه كولد الحيوان وثمرة البستان. أما الزيادة المنفصلة غير المتولدة منه كالأجرة فلا تبطل الخيار ولا تمنع الرد. ٥ - موت المشروط له الخيار عند الحنفية والحنابلة (١): لأن خيار الشرط كخيار الرؤية لا يورث عندهم لأنه حق شخصي خاص بصاحبه، ولا يتصور انتقال ذلك من شخص إلى آخر. وقال المالكية والشافعية (٢): لا يسقط الخيار بالموت، بل ينتقل إلى الورثة؛ لأنه حق متعلق بالمال وهو المعقود عليه، وليس من الحقوق الشخصية، والحقوق المالية يجري فيها الإرث، لقوله ﷺ : «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته» (٣).

стр. 3034

خيار العيب خيار العيب (١): هو أن يكون لأحد العاقدين الحق في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيب في أحد البدلين، ولم يكن صاحبه عالماً به وقت العقد. فسبب هذا الخيار: هو ظهور عيب في المعقود عليه أو في بدله ينقص قيمته أو يخل بالغرض المقصود منه، ولم يكن صاحبه مطلعاً على العيب عند التعاقد، فسمي خيار العيب. وثبوت هذا الخيار مشروط دلالة أو ضمناً؛ لأن سلامة المعقود عليه أو بدله مطلوبة للعاقد، وإن لم يشترطها صراحة. فإذا لم تتوافر السلامة اختل رضا العاقد بالعقد، والرضا أساس العقود، فشرع له الخيار لتدارك الخلل الحادث. وإذا لم تتوافر السلامة لم يتحقق أيضاً مبدأ التعادل في التبادل الذي تقوم عليه عقود المعاوضات، فشرع هذا الخيار حفاظاً على مبدأ المساواة هذا. وقد أثبت الشرع هذا الخيار لمن فوجئ بالعيب بأحاديث نبوية متعددة منها: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب، إلا بيَّنه له» (٢)، ومر النبي ﷺ برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: «من غشنا فليس منا». ويثبت خيار العيب وخيار الرؤية في العقود اللازمة التي تحتمل الفسخ، كعقد البيع، والإيجار، وقسمة الأعيان والصلح على عوض عيني. العيب الموجب للخيار: هو عند الحنفية والحنابلة (٣): كل ما يخلو عنه أصل

стр. 3035

الفطرة السليمة ويوجب نقصان القيمة في عرف التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور، وهذا التعريف ذو معيار مادي. وعند الشافعية (١) ذو معيار شخصي، وهو: كل ما ينقص القيمة أو يفوت به غرض صحيح، كجماح الدابة، أو قطع شيء من أذن الشاة المشتراة للأضحية، أو ضيق الحذاء المشترى. شروط ثبوت خيار العيب: يشترط لثبوت خيار العيب بعد الاطلاع على العيب شروط وهي (٢): ١ - وجود العيب قبل العقد، أو بعده قبل التسليم أي أن يكون قديماً. فلو حدث العيب بعد التسليم، أو عند المشتري لا يثبت الخيار. ٢ - جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض. فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة. ٣ - عدم اشتراط المالك البراءة عن العيوب في محل العقد، فلو شرط ذلك فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه. ٤ - ألا يزول العيب قبل الفسخ. هذا ويلاحظ أن الحنفية صححوا البيع بشرط البراءة من كل عيب، وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها، سواء أكان المشترط جاهلاً وجود العيب في المبيع أم عالماً بعيب المبيع. وسواء أكان العيب موجوداً قبل البيع أم حادثاً بعده قبل القبض. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ومالك والشافعي وهو المعمول به في قانوننا المدني: يشمل شرط

стр. 3036

البراءة: العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض؛ لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود. كذلك لا تصح البراءة عند المالكية والشافعية وفي رواية عند الحنابلة (١) إلا عن عيب لا يعلم به البائع، أما ما يعلم به فلا تصح البراءة عنه. وقت خيار العيب: يثبت خيار العيب متى ظهر العيب ولو بعد العقد بزمن طويل. أما فسخ العقد بعد العلم بالعيب فوراً أو على التراخي ففيه رأيان للفقهاء: قال الحنفية والحنابلة (٢): خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور. فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا؛ لأن هذا الخيار شرع لدفع الضرر، فلا يبطل بالتأخير؛ ولأن الحقوق إذا ثبتت لا تسقط إلا بإسقاطها أوبانتهاء الوقت المحدد لها، وليس لهذا الحق وقت محدد. وقال المالكية والشافعية (٣): يجب الفسخ على الفور بعد العلم بالعيب. والمراد بالفور: ما لا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة أو أكل ونحوه لا يعد متراخياً. والسبب في اشتراط الفور: هو ألا يلحق العاقد الآخر ضررمن التأخير، فإذا تأخر في رد المعقود عليه بدون عذر سقط حقه ولزم العقد. حكم العقد المشتمل على خيار عيب: حكم العقد أو أثره حال وجود شيء معيب: هو ثبوت الملك للمتملك في

стр. 3037

محل العقد للحال؛ لأنه إذا لم تتوافر سلامة المعقود عليه تأثر العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط؛ لأن الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم أو الأثر في مدةالخيار (١). وأثر خيار العيب هو جعل العقد غير لازم بالنسبة لمن ثبت له الخيار (٢)، فله إما الرضا بالمعقود عليه كما هو، وحينئذ يسقط الخيار ويلزم العقد، وإما رده إلى مالكه الأول، وحينئذ يبطل العقد. وهل له الاحتفاظ بالمعقود عليه والمطالبة بفرق النقصان بسبب العيب؟ قرر الحنفية (٣): أنه ليس للمتملك الرجوع بنقصان العيب أو الحط من ثمن المبيع ما دام الرد ممكناً؛ لأن المالك لا يلزم بدفع قيمة النقصان إلا برضاه دفعاً للضرر عنه. فإن تعذر الرد كان لصاحب الخيار الرجوع بالنقصان بشرط أن يكون امتناع الرد بسبب ليس لصاحب الخيار دخل فيه، كهلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب جديد، أو تغير صورته بحيث أصبح له اسم جديد، أو زيادته زيادة منفصلة متولدة منه، كالولد والثمرة، وذلك دفعاً للضرر بقدر الإمكان. ويجوز الحط من قيمة المبيع لقاء العيب بتراضي الطرفين. وطريقة معرفة النقصان: أن يقوَّم المعقود عليه سليماً من العيب، ثم يقوَّم على أنه معيب، ويكون الفرق بين القيمتين هو النقصان، فيرجع به. فإذا كانت قيمته سليماً ألفين، وقيمته معيباً ألفاً، رجع بنصف الثمن الذي تم به الشراء.

стр. 3038

أما إذا كان امتناع الرد بسبب من جهة المشتري كأن باع الشيء أو وهبه أو وقفه لم يكن له الرجوع بالنقصان. وكذلك إن رضي بالعيب صراحة أو دلالة ليس له الرجوع بالنقصان؛ لأن الرضا بالعيب كما يمنع الفسخ يمنع الرجوع بنقصان العيب، إذ به يتبين أن السلامة من العيب لم تكن مطلوبة. كيفية فسخ العقد ورد المعقود عليه: إذا كان المعقود عليه ما يزال في يد صاحبه أي قبل قبضه من الآخر، فينفسخ العقد بقول العاقد الآخر: (رددت)، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي، باتفاق الحنفية والشافعية. وأما إن قبضه المتملك فلا ينفسخ إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي عند الحنفية (١) لرفع النزاع الذي قد يقع بين العاقدين بسبب احتمال كون العيب جديداً عند القابض، فلا يوجب الرد، أو كونه قديماً عند المالك الأصلي، فيوجب الرد. وقال الشافعية والحنابلة (٢): ينفسخ العقد بقول المتملك: (رددت) بغير حاجة إلى التراضي أو قضاء القاضي، كالفسخ بخيار الشرط أو خيار الرؤية؛ لأن خيار العيب يجعل العقد غير لازم بالنسبة لصاحب الخيار، وغير اللازم يجوز فسخه بغير حاجة إلى رضا العاقد الآخر، ولا إلى قضاء القاضي.

стр. 3039

موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار: يمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم العقد بأسباب وهي ما يأتي (١): ١ - الرضا بالعيب بعد العلم به: إما صراحة كقوله: رضيت بالعيب، أو أجزت العقد، أو دلالة كالتصرف في المعقود عليه تصرفاً يدل على الرضا بالعيب، كبيعه أو هبته أو رهنه أو إيجاره، أو استعماله بأي وجه كلبس وركوب، أو مداواته، أو صباغته وتفصيله شيئاً آخر، أو البناء على الأرض، أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم، أو وصول عوض العيب إليه، ونحو ذلك؛ لأن الرضا بالعيب بعد العلم به دليل على أن سلامة المعقود عليه ليست مقصودة له، فلا يكون هناك معنى لإثبات الخيار له. ٢ - إسقاط الخيار: صراحة كقوله: أسقطت خياري، أو دلالة كأن أبرأه من العيب الذي ظهر في المعقود عليه؛ لأن خيار العيب حقه فله أن يتنازل عنه. ٣ - هلاك المعقود عليه، أو تعيبه بعيب جديد في يد صاحب الخيار، أو تغيره تغيراً تاماً، كطحن الحنطة، وخبز الدقيق، ونحوه. ٤ - زيادة المعقود عليه في يد صاحب الخيار زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالبناء أو الغرس على الأرض، وصبغ الثوب، أو زيادة منفصلة متولدة من الأصل كالولد والثمرة. أما الزيادة المتصلة المتولدة من الأصل كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة كالغلة والكسب، فلا تمنع الرد بالعيب.

стр. 3040

وامتناع الرد في الصورة الأولى سببه تعذر فصل الزيادة، ولا يرد معها لأنها حق صانعها. وامتناع الرد في الصورة الثانية، سببه أن المتملك لو ردَّ الأصل دونها، تبقى له دون مقابل، وهو ممنوع شرعاً، لأنه ربا. إرث خيار العيب: اتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين، لتعلق الحق بذات المعقود عليه، فلو مات صاحب الخيار لم يسقط الخيار، وينتقل الحق لورثته؛ لأن المورث استحق المعقود عليه سليماً من العيب، ولزمه أحد الأشياء في خيار التعيين، فلا يجبر الوارث على أخذه معيباً، وإنما يثبت له ما ثبت لمورثه. وفي خيار التعيين يلزم الوارث بما لزم المورث. وأما خيار الشرط وخيار الرؤية فلا يورثان عند الحنفية (١) خلافاً للمالكية والشافعية؛ لأن الخيار متعلق بإرادة العاقد ومشيئته، فهو من الحقوق الشخصية التي لاتقبل الانتقال من شخص لآخر بالوراثة (٢). ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور في إرث الخيار راجع إلى اختلافهم في إرث الحقوق. قال الحنفية: الأصل أن يورث المال دون الحقوق، إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال.

стр. 3041

وقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال، إلا إذا قام دليل على وجود اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث، لقوله ﷺ : «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته». خيار الرؤية خيار الرؤية (١): هو أن يكون للمشتري الحق في إمضاء العقد أوفسخه عند رؤية المعقود عليه، إذا لم يكن رآه عند إنشاء العقد أو قبله بوقت لا يتغير فيه عادة. ف سبب هذا الخيار: عدم رؤية محل العقد حين التعاقد أو قبله، فإذا كان قد رآه سقط خياره. وثبت هذا الخيار عند القائلين به بحكم الشرع من غير حاجة لاشتراطه في العقد، بخلاف خيار الشرط والتعيين، فإنهما مشروطان في العقد. ويثبت كخيار العيب في العقود اللازمة التي تحتمل الفسخ كبيع الشيء المعين بالذات، والإجارة، وقسمة الأموال القيمية كالأراضي والدواب، والصلح على عين بعوض معين. أما بيع الشيء المعين بالوصف كما في عقد السلم (بيع آجل بعاجل) فلا يثبت فيه خيار الرؤية. مشروعيته: أجاز جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية) (٢) خيار الرؤية في بيع العين الغائبة أو غير المرئية، بدليل ما يروى حديثاً: «من اشترى شيئاً لم

стр. 3042

يره، فهو بالخيار إذا رآه» (١) ويؤيده أن عثمان بن عفان باع أرضاً له بالبصرة لطلحة ابن عبد الله ﵄، ولم يكونا رأياها، فقيل لعثمان: غبنت، فقال: «لي الخيار؛ لأني بعت ما لم أره». وقيل لطلحة إنك قد غبنت، فقال: «لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره» (٢) فحكما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة. وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد، فكان إقراراً منهم على شرعية هذا الخيار. واحتجوا أيضاً بأن الشخص قد يحتاج إلى شراء شيء غائب عنه، يجعل له الخيار عند رؤيته دفعاً للضرر عنه حينما يجد المعقود عليه غير موافق لغرضه أو لمقصوده، وتحقيقاً لرضاه المطلوب في العقود. وأما ما قد يكون من جهالة في المعقود عليه فلا تؤثر في صحة العقد، لأنها لا تفضي إلى النزاع بسبب إعطاء الخيار لمن لم ير محل العقد. وقال الشافعي في المذهب الجديد (٣): لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة، أم بغير الصفة، ولا يثبت خيار الرؤية؛ لأن في العقد غرراً وجهالة قد تفضي إلى النزاع بين العاقدين، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٤). وأما حديث «من اشترى ما لم يره» فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي أو باطل كما قال الدارقطني.

стр. 3043

من يثبت له خيار الرؤية: يثبت خيار الرؤية عند الحنفية والمالكية للمتملك، كالمشتري في البيع، والمستأجر في الإيجار، أما المملك فلا يثبت له هذا الخيار، وهو البائع والمؤجر، عملاً بما قضى به جبير بن مطعم بين عثمان وطلحة، ولأن المملك يعرف ما يملكه عادة، فلا ضرورة لثبوت الخيار له. فإذا باع ما لم يره، وهو أمر نادر، كان مقصراً في حق نفسه، فلا يستحق المطالبة بفسخ العقد. أما المتملك فلم يتمكن من رؤية محل العقد، ولا سبيل إليه، فكان من المصلحة منحه الخيار. وأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للمملك كالبائع إذا باع ما لم ير. وقت ثبوت الخيار: يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المعقود عليه، لا قبلها، فلو أجاز العقد قبل الرؤية، لا يلزم العقد، ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المعقود عليه؛ لأن النبي ﷺ أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية. أما لو فسخ العقد قبل الرؤية صح الفسخ، لا من أجل الخيار، وإنما لأن العقد غير لازم، وغير اللازم يجوز فسخه كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع (١). شروط ثبوت الخيار: يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً وهي (٢):

стр. 3044

١ - عدم رؤية محل العقد عند إنشاء العقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه، فإن كان قد رآه قبل العقد لا يثبت له الخيار. ٢ - أن يكون محل العقد عيناً معينة أو مشخصة من الأعيان كالأرض والدار والدابة والسيارة، إذا وصفت بما ينفي عنها الجهالة المفضية إلى النزاع؛ لأن للناس أغراضاً خاصة في الأعيان، فيثبت الخيار لينظر المتملك هل يصلح له أو لا؟ ويظل له الخيار ولو وافق الوصف عند الحنفية. أما المعين بالوصف لا بالذات بأن كان ديناً موصوفاً في الذمة كالمسلم فيه (المبيع المؤجل لموسم الحصاد) فلا يثبت فيه خيار الرؤية؛ لأن المعقود عليه الموصوف إن وجد بأوصافه المتفق عليها لزم العقد، وإن تخلف وصف منها لم يتحقق لعدم وجود محله. ٣ - أن يكون العقد مما يقبل الفسخ كما تقدم، كالبيع والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال ونحوها؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فيثبت فيهاخيار الرؤية. أما ما لا يقبل الفسخ كالزواج والخلع والصلح عن دم العمد ونحوها، فلا يثبت فيها خيار الرؤية بسبب عدم رؤية المهر أو بدل الخلع أو عوض الصلح إذا كان شيئاً معيناً كدار وأرض معينة. كيفية الرؤية: الرؤية قد تكون لجميع المعقود عليه، أو لبعضه (رؤية الأنموذج)، والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به (١). وذلك بأي حاسة

стр. 3045

من الحواس بحسب طبيعة محل العقد، فإن كان من المطعومات يكون العلم به بالذوق، وإن كان من المشمومات كالروائح كانت معرفته بالشم، وإن كان من الملموسات كالأقمشة كان العلم به باللمس. وإن كان من المرئيات كالدور والأراضي والحبوب كان العلم به بواسطة النظر بالنسبة للبصير. أما الأعمى فهو كالبصير في غير المرئيات، وأما في المرئيات فيكتفى منه بوصف الشيء وصفاً كافياً. ويجوز عند الحنفية للبصير والأعمى التوكيل بالنظر والرؤية (١). وبناء عليه لا يكفي رؤية بعض حجُرات الدار، بل لا بد من رؤية بيوتها كلها، ورؤية كل الأرض والبستان ونحوهما. ولا يكفي رؤية شاة من قطيع، بل لا بد من رؤية القطيع كله. وإذا كان الشيء يباع عددياً كالجوز والفجل والثياب فلا تكفي رؤية البعض، بل لابد من رؤية الكل. وإذا كان الشيء من المثليات التي تباع كيلاً أو وزناً كالحبوب والأقطان أو كان مغيباً في الأرض كالثوم والبصل، فيكتفى برؤية بعض الأجزاء أو الوحدات، وهو المسمى بالبيع بالنموذج. أثر خيار الرؤية: يكون العقد الوارد على العين الغائبة أو غير المرئية غير لازم لمن ثبت له الخيار، فيخير بين الفسخ والإجازة عند رؤية المعقود عليه؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف المعقود عليه تؤثر في رضا المتملك فيثبت له الخيار،

стр. 3046

سواء أكان المعقود عليه موافقاً للوصف المتفق عليه أم مخالفاً له، وهذا مذهب الحنفية (١). وقال الحنابلة والمالكية والشيعة الإمامية (٢): العقد لازم للمتملك إذا وجد المعقود عليه مطابقاً للوصف المتفق عليه، فإن كان مخالفاً لما وصف، ثبت له الخيار. وأما حكم العقد أو أثر الخيار: فلا يمنع نقل الملكية في البدلين، أي لا أثر لخيار الرؤية على العقد، فتنتقل ملكية المعقود عليه للمتملك، وملكية العوض للمالك فور تمام العقد بالإيجاب والقبول. وبهذا يختلف خيار الرؤية عن خيار الشرط عند الحنفية والمالكية، كما تقدم. وسبب التفرقة بينهما أن العقد في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بشرط، وكان المفهوم أن يكون لازماً، لكنه ثبت من جهة الشرع. أما خيار الشرط فقد ثبت باشتراط العاقدين، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال. كيفية فسخ العقد: لا يتوقف الفسخ بخيار الرؤية على التراضي أو قضاء القاضي، ويكون بالقول وبالفعل صراحة أو دلالة، مثل فسخت العقد أو رددته، أو أن يتصرف بالمعقود عليه بالبيع أو الهبة ونحوهما، أو أن يهلك المعقود عليه قبل القبض (٣). ويشترط للفسخ شروط هي (٤):

стр. 3047

١ - أن يكون الخيار موجوداً، فإن سقط لزم العقد. ٢ - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على المالك، برد بعض المعقود عليه وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً به. ٣ - أن يعلم المالك بالفسخ ليكون على بينة من أمره وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وأما أبو يوسف فلا يشترط ذلك، كما تقدم في خيار الشرط. مدة خيار الرؤية: الأصح عند الحنفية (١): أن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر إلى أن يوجد ما يسقطه، أي أنه لا يتوقت بوقت، بل متى ثبت فإنه يستمر إلى أن يحدث ما يسقطه؛ لأنه حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بإسقاطها، أو بانتهاء الأمد المحدد لها، ولأن سببه اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه. وقال الحنابلة (٢): يكون خيار الرؤية على الفور. مايسقط به خيار الرؤية: يسقط خيار الرؤية في الأصل بما يسقط به خيار الشرط وخيار العيب وهو ما يأتي (٣): ١ - ما يدل على الرضا بالعقد صراحة أو دلالة: فالصريح أن يقول: أجزت

стр. 3048

العقد أو أمضيته أو رضيت به ونحو ذلك. والدلالة على الرضا: أن يتصرف في المعقود عليه بعد الرؤية لا قبلها تصرفاً يدل على الإجازة والرضا بالعقد كقبض الشيء، والانتفاع به، وبيعه أو إجارته، أو رهنه أوهبته. والسبب في اشتراط كون التصرف بعد الرؤية: هو أن الخيار حق أثبته الشارع بعد الرؤية، والحقوق لا تسقط قبل ثبوتها. واستثناء من هذا المبدأ قالوا بسقوط الخيار ولو قبل الرؤية في البيع والإجارة والوقف، والرهن والهبة مع التسليم، ونحوها من التصرفات الباتة التي يترتب عليها حق للغير. ٢ - هلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب يمنع الرد، سواء أكان بفعل العاقد أم بفعل شخصي أجنبي عن العقد، أم بآفة سماوية. ٣ - زيادة المعقود عليه بعد القبض زيادة تمنع الرد، وهي الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كالبناء وصبغ الشيء، والزيادة المنفصلة المتولدة منه كالولد واللبن والصوف. أما الزيادة المتصلة المتولدة منه كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة منه كالغلة، فإنها لا تمنع الرد. ٤ - موت صاحب الخيار، سواء قبل الرؤية أم بعدها. فلا يورث خيار الرؤية عند الحنفية والحنابلة (١) كخيار الشرط؛ لأن الخيار مجرد رغبة ومشيئة أو حق شخصي.

стр. 3049

وقال مالك (١): يورث خيار الرؤية كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث يثبت في الحقوق والأموال المملوكة على السواء. وهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار (٢). خيار النقد خيار النقد (٣): هو أن يتبايع اثنان على أنه إذا لم ينقد المشتري الثمن في مدة معينة، فلا بيع بينهما، فإذا نقد المشتري الثمن في المدة المحددة تم البيع، وإذا لم ينقده فيها كان البيع فاسداً. ويصح أن يكون خيار النقد للبائع أيضاً، كما لو تبايع اثنان وقبض البائع الثمن، وقال: إذا رددت الثمن في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا، فإن رده فسد البيع، وإن لم يرده تم العقد. وقد أجاز أبو حنيفة وصاحباه خلافاً لزفر هذا الخيار استحساناً لحاجة الناس إليه، ولأنه في الحقيقة نوع من خيار الشرط. ويؤيده أن ابن عمر أجازه (٤). مدته: قال أبو حنيفة: أقصى مدة هذا الخيار ثلاثة أيام. وقال الصاحبان: يجوز إلى أربعة أيام فأكثر. ولا يورث هذا الخيار عند الحنفية؛ لأنه حق شخصي. لكن إذا كان الاختيار

стр. 3050

للبائع في رد الثمن، فمات في أثناء المدة يلزم البيع بموته، لأنه تحقق عدم الرد بموته. وإن كان الخيار للمشتري في نقد الثمن فمات في مدة الخيار، بطل البيع بموته، لأنه تحقق عدم نقد الثمن بموته، فيبطل العقد. المبحث السابع - انتهاء العقد: ينتهي العقد إما بالفسخ، أو بالموت، أو بعدم الإجازة في العقد الموقوف، وانتهاء العقد بالفسخ له حالات. وأما الموت فقد تنتهي به بعض العقود. انتهاء العقد بالفسخ: فسخ العقد: قد يكون برفعه من أصله كما في حالة الخيارات وهو الإلغاء، وقد يكون بوضع نهاية له بالنسبة للمستقبل كما في الإعارة والإجارة، وهو الفسخ بالمعنى الشائع. والفسخ في العقود غير اللازمة واضح، تقرره طبيعة العقد ذاته، سواء في العقود غير اللازمة من الجانبين كالإيداع والإعارة والشركة والوكالة، فلكل من الطرفين الفسخ متى أراد، ما لم يتعلق بالوكالة حق الغير، كما بان في بحث الوكالة، أم في العقود اللازمة من جانب، وغير اللازمة من الجانب الآخر، كالرهن والكفالة، فللمرتهن فسخ الرهن دون رضا الراهن. وللمكفول له وهو الدائن فسخ الكفالة دون رضا المدين. وأما الفسخ في العقود اللازمة فله حالات وهي: ١ - الفسخ بسبب فساد العقد: إذا وقع العقد فاسداً كبيع المجهول أو البيع
следующие страницы →