سواء أكان المعقود عليه موافقاً للوصف المتفق عليه
أم مخالفاً له، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقال الحنابلة والمالكية والشيعة الإمامية (٢): العقد لازم للمتملك إذا وجد المعقود عليه مطابقاً للوصف المتفق عليه، فإن كان مخالفاً لما وصف، ثبت له الخيار.
وأما حكم العقد أو أثر الخيار: فلا يمنع نقل الملكية في البدلين، أي لا أثر لخيار الرؤية على العقد، فتنتقل ملكية المعقود عليه للمتملك، وملكية العوض للمالك فور تمام العقد بالإيجاب والقبول. وبهذا يختلف خيار الرؤية عن خيار الشرط عند الحنفية والمالكية، كما تقدم. وسبب التفرقة بينهما أن العقد في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بشرط، وكان المفهوم أن يكون لازماً، لكنه ثبت من جهة الشرع. أما خيار الشرط فقد ثبت باشتراط العاقدين، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال.
كيفية فسخ العقد:
لا يتوقف الفسخ بخيار الرؤية على التراضي أو قضاء القاضي، ويكون بالقول وبالفعل صراحة أو دلالة، مثل فسخت العقد أو رددته، أو أن يتصرف بالمعقود عليه بالبيع أو الهبة ونحوهما، أو أن يهلك المعقود عليه قبل القبض (٣).
ويشترط للفسخ شروط هي (٤):
стр. 3047
١ - أن يكون الخيار موجوداً، فإن سقط لزم العقد.
٢ - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على المالك، برد بعض المعقود عليه وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً به.
٣ - أن يعلم المالك بالفسخ ليكون على بينة من أمره وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وأما أبو يوسف فلا يشترط ذلك، كما تقدم في خيار الشرط.
مدة خيار الرؤية:
الأصح عند الحنفية (١): أن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر إلى أن يوجد ما يسقطه، أي أنه لا يتوقت بوقت، بل متى ثبت فإنه يستمر إلى أن يحدث ما يسقطه؛ لأنه حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بإسقاطها، أو بانتهاء الأمد المحدد لها، ولأن سببه اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه.
وقال الحنابلة (٢): يكون خيار الرؤية على الفور.
مايسقط به خيار الرؤية:
يسقط خيار الرؤية في الأصل بما يسقط به خيار الشرط وخيار العيب وهو ما يأتي (٣):
١ - ما يدل على الرضا بالعقد صراحة أو دلالة: فالصريح أن يقول: أجزت
стр. 3048
العقد أو أمضيته أو رضيت به ونحو ذلك. والدلالة على الرضا: أن يتصرف في المعقود عليه بعد الرؤية لا قبلها تصرفاً يدل على الإجازة والرضا بالعقد كقبض الشيء، والانتفاع به، وبيعه أو إجارته، أو رهنه أوهبته.
والسبب في اشتراط كون التصرف بعد الرؤية: هو أن الخيار حق أثبته الشارع بعد الرؤية، والحقوق لا تسقط قبل ثبوتها.
واستثناء من هذا المبدأ قالوا بسقوط الخيار ولو قبل الرؤية في البيع والإجارة والوقف، والرهن والهبة مع التسليم، ونحوها من التصرفات الباتة التي يترتب عليها حق للغير.
٢ - هلاك محل العقد، أو تعيبه بعيب يمنع الرد، سواء أكان بفعل العاقد أم بفعل شخصي أجنبي عن العقد، أم بآفة سماوية.
٣ - زيادة المعقود عليه بعد القبض زيادة تمنع الرد، وهي الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كالبناء وصبغ الشيء، والزيادة المنفصلة المتولدة منه كالولد واللبن والصوف.
أما الزيادة المتصلة المتولدة منه كالسمن والكبر، والزيادة المنفصلة غير المتولدة منه كالغلة، فإنها لا تمنع الرد.
٤ - موت صاحب الخيار، سواء قبل الرؤية أم بعدها. فلا يورث خيار الرؤية عند الحنفية والحنابلة (١) كخيار الشرط؛ لأن الخيار مجرد رغبة ومشيئة أو حق شخصي.
стр. 3049
وقال مالك (١): يورث خيار الرؤية كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث يثبت في الحقوق والأموال المملوكة على السواء.
وهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ما ترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار (٢).
خيار النقد خيار النقد (٣): هو أن يتبايع اثنان على أنه إذا لم ينقد المشتري الثمن في مدة معينة، فلا بيع بينهما، فإذا نقد المشتري الثمن في المدة المحددة تم البيع، وإذا لم ينقده فيها كان البيع فاسداً.
ويصح أن يكون خيار النقد للبائع أيضاً، كما لو تبايع اثنان وقبض البائع الثمن، وقال: إذا رددت الثمن في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا، فإن رده فسد البيع، وإن لم يرده تم العقد.
وقد أجاز أبو حنيفة وصاحباه خلافاً لزفر هذا الخيار استحساناً لحاجة الناس إليه، ولأنه في الحقيقة نوع من خيار الشرط. ويؤيده أن ابن عمر أجازه (٤).
مدته: قال أبو حنيفة: أقصى مدة هذا الخيار ثلاثة أيام. وقال الصاحبان: يجوز إلى أربعة أيام فأكثر.
ولا يورث هذا الخيار عند الحنفية؛ لأنه حق شخصي. لكن إذا كان الاختيار
стр. 3050
للبائع في رد الثمن، فمات في أثناء المدة يلزم البيع بموته، لأنه تحقق عدم الرد بموته.
وإن كان الخيار للمشتري في نقد الثمن فمات في مدة الخيار، بطل البيع بموته، لأنه تحقق عدم نقد الثمن بموته، فيبطل العقد.
المبحث السابع - انتهاء العقد:
ينتهي العقد إما بالفسخ، أو بالموت، أو بعدم الإجازة في العقد الموقوف، وانتهاء العقد بالفسخ له حالات. وأما الموت فقد تنتهي به بعض العقود.
انتهاء العقد بالفسخ:
فسخ العقد: قد يكون برفعه من أصله كما في حالة الخيارات وهو الإلغاء، وقد يكون بوضع نهاية له بالنسبة للمستقبل كما في الإعارة والإجارة، وهو الفسخ بالمعنى الشائع.
والفسخ في العقود غير اللازمة واضح، تقرره طبيعة العقد ذاته، سواء في العقود غير اللازمة من الجانبين كالإيداع والإعارة والشركة والوكالة، فلكل من الطرفين الفسخ متى أراد، ما لم يتعلق بالوكالة حق الغير، كما بان في بحث الوكالة، أم في العقود اللازمة من جانب، وغير اللازمة من الجانب الآخر، كالرهن والكفالة، فللمرتهن فسخ الرهن دون رضا الراهن. وللمكفول له وهو الدائن فسخ الكفالة دون رضا المدين.
وأما الفسخ في العقود اللازمة فله حالات وهي:
١ - الفسخ بسبب فساد العقد: إذا وقع العقد فاسداً كبيع المجهول أو البيع
стр. 3051
المؤقت بمدة، وجب فسخه إما من طريق العاقدين، أو من طريق القاضي، إلا إذا وجد مانع من الفسخ كأن يبيع المشتري ما اشتراه أو يهبه. وحينئذ يجب على المشتري دفع قيمة المبيع يوم قبضه، لا الثمن المتفق عليه.
ً ٢ - بسبب الخيار: يجوز لصاحب الخيار في خيار الشرط أو العيب أو الرؤية ونحوها فسخ العقد بمحض إرادته، إلا في خيار العيب بعد القبض عند الحنفية لا يجوز الفسخ فيه إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي.
٣ - بالإقالة: الإقالة هي فسخ العقد بتراضي الطرفين، إذا ندم أحدهما وأراد الرجوع عن العقد. وهي مندوبة لقوله ﷺ : «من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» (١).
٤ - لعدم التنفيذ: يجوز الفسخ لعدم تنفيذ الطرف الآخر التزامه في حالة خيار النقد، كما تقدم. ويجوز الفسخ بسبب استحالة التنفيذ لآفة سماوية (قوة قاهرة أو ظروف طارئة بتعبير القانونيين) وذلك في عقد البيع في حالة هلاك المبيع قبل التسليم. أي في يد البائع قبل أن يتسلمه المشتري، وفي عقد الإجارة في حالة طروء أعذار من جانب المؤجر أو المستأجر أو العين المؤجرة عند الحنفية، كلحوق دين فادح بالمؤجر لا سبيل لوفائه إلا ببيع المأجور وأداء الدين من ثمنه، وإفلاس المستأجر، أو انتقاله من حرفة إلى حرفة، وهجرة أهل القرية بعد استئجار حمام في قرية ليستغله المنتفع المستأجر.
٥ - لانتهاء مدة العقد أو تحقيق غرضه: ينفسخ العقد من نفسه وينتهي بانتهاء مدته أو بتحقيق الغرض المقصود من العقد، وذلك كانتهاء مدة عقد الإيجار المعينة، وسداد الدين في عقدي الرهن والكفالة، وتنفيذ الوكيل المهمة الموكل بها.
стр. 3052
انتهاء العقد بالموت:
تنتهي طائفة من العقود بموت أحد العاقدين، منها نماذج مما يأتي:
١ - الإجارة: تنتهي الإجارة عند الحنفية (١) بموت أحد العاقدين، بالرغم من أنها عقد لازم من الطرفين، أي أن العقد ينفسخ من نفسه بالموت.
وقال غير الحنفية (٢): لا تنتهي الإجارة أو لا تنفسخ بموت أحد العاقدين. وسبب الخلاف راجع لتصور كيفية انعقاد الإجارة، فعند الحنفية: تنعقد الإجارة في المنافع بحسب حدوثها شيئاً فشيئاً، أي أن المستأجر يتملك المنفعة تدريجياً مع مضي المدة، فما يحدث من منفعة بعد موت المالك لا يكون مملوكاً له، فلا يصح بقاء العقد عليه. وعند غير الحنفية: تعتبر المنفعة كأنها موجودة حال العقد، ويتملك المستأجر المنافع بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً، فيورث عنه، كما يورث الشيء المبيع، فتكون الإجارة كالبيع لا يبطل بموت أحد العاقدين. وهذا ما أخذ به القانون المدني السوري في المادة (٥٦٨).
٢ - الرهن والكفالة: هما من العقود اللازمة من جانب واحد هو الدائن المرتهن أو المكفول له. فإذا مات الراهن بيع الرهن بواسطة وصيه وقضي منه دينه إن كان ورثته صغاراً. فإن كانوا كباراً خلفوا الميت في المال، وكان عليهم تخليص الرهن بقضاء الدين (٣). وأما الكفالة: فإذا كانت كفالة بالدين فلا تنتهي بموت المدين الأصيل، وإنما تنتهي بأحد أمرين: أداء الدين إلى الدائن، أو الإبراء من
стр. 3053
الدين. وإذا مات الكفيل يؤخذ الدين من تركته. وإن كانت كفالة بالنفس فتنتهي بموت الأصيل المكفول بنفسه، وبموت الكفيل، للعجز عن إحضار المكفول عنه (١).
٣ - الشركة والوكالة: هما من العقود غير اللازمة من الجانبين. وينتهيان بالموت، فالشركة تنفسخ بموت أحد الشريكين، سواء علم الآخر بالموت أم لم يعلم (٢). وكذلك الوكالة تنفسخ بموت الوكيل أو الموكل، سواء علم الطرف الآخر بموت صاحبه أم لم يعلم (٣).
٤ - المزارعة والمساقاة (٤): عقدان غير لازمين من الجانبين، لم يجزهما أبو حنيفة، وأجاز الشافعية المساقاة، والمزارعة تبعاً للمساقاة، وأجازهما المالكية بشروط منها المساواة بين المالك والعامل في الربح.
وأجازهما الحنابلة والصاحبان مطلقاً. وعلى هذا الرأي ينفسخ العقد بموت صاحب الأرض أو العامل (المزارع أوالمساقي)، سواء قبل العمل والزراعة أم بعدهما، وسواء أكان الزرع أو الثمر قد آن حصاده وجنيه أم لا (٥). لكن إذا مات صاحب الأرض قبل نضج الزرع تترك الأرض بيد المزارع إلى الحصاد مراعاة لمصلحة الطرفين. وإذا مات العامل فلورثته المضي في العمل إلى الحصاد.
стр. 3054
انتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف:
ينتهي العقد الموقوف إذا لم يجزه صاحب الشأن، كما بان في بحث عقد الفضولي ولا تصح الإجازة كما عرفنا إذا مات الفضولي أو من تعاقد معه، فينتهي العقد حينئذ قبل الإجازة. وللفضولي نفسه فسخ العقد قبل الإجازة دفعاً للعهدة عن نفسه (١).
стр. 3055
الفَصْلُ الخامس: المؤيّدَات الشَّرعية المؤيدات الشرعية: هي الأحكام أو التدابير التي شرعت لا لتنظيم علاقات الناس، وإنما لحمل الناس على طاعة أحكام الشريعةالأصلية (١).
فالأحكام الأصلية: هي التي تنظم علاقات الناس بوضع الواجبات وبيان المحظورات. فهي غاية التشريع لإقامة مجتمع أخلاقي متضامن قوي سعيد. وضماناً لاحترام تلك الأحكام الأصلية شرعت المؤيدات: وهي الأحكام الموضوعة لحماية الأحكام الأصلية.
وهذه المؤيدات إما ترغيبية أو ترهيبية.
فالترغيبية: هي التي وضعت لترغيب الناس بتطبيق أحكام الشريعة كالمكافآت التشجيعية لمن يقدم للجماعة عوناً في أمر حربي يحقق النصر.
والترهيبية: هي التي وضعت لمنع الناس من مخالفة أوامر ونواهي الشريعة. وهذه نوعان: إما مؤيدات مدنية أو مؤيدات تأديبية. والمؤيد المدني أقوى تأثيراً من المؤيد التأديبي، وأشد منعاً للمخالفة بسلب التصرف نتائجه، واعتباره ملغى. أما المؤيد التأديبي فبالرغم من تأثيره الزاجر القامع للجريمة قد يتجرأ الناس على نظامه، فيقترفون الجريمة ويرضون بالعقوبة.
стр. 3056
أولاً - المؤيدات المدنية: يتمثل دور المؤيدات المدنية في إلغاء التصرف المخالف لنظام الشريعة، إما إلغاءً كلياً وهو البطلان، وإما إلغاءً فرعياً وهو الفساد، وإما وضعه في طريق الإلغاء: وهو التوقف حماية لمصلحة الغير، أو التخيير لسلب اللزوم عن العقد حماية لمبدأ التعادل أو التوازن، أو لتوفير الرضا السليم.
وقد سبق بحث هذه المؤيدات الأربعة (البطلان، الفساد، التوقف، التخيير).
وأكتفي هنا ببيان أهم الفروق وأوجه التشابه بين البطلان والفساد:
أهم الفروق بين البطلان والفساد:
تظهر الفوارق بين الباطل والفاسد فيما يأتي (١):
١ - السبب: إن سبب البطلان هو وجود مخالفة لنظام الشريعة في ناحية جوهرية كالخلل الذي يصيب أحد مقومات العقد الأساسية (العاقد، والمعقود عليه، والصيغة) أو أحد شرائط الانعقاد، كصدور العقد من عديم الأهلية بسبب الصغر أو الجنون وعدم قابلية المحل المعقود عليه للتصرف كبيع الأموال العامة والأوقاف، والزواج بالمحارم، وعدم الإشهاد في عقد الزواج، وعدم تسليم المعقود عليه في العقود العينية كالهبة ونحوها.
أما سبب الفساد، فهو مخالفة العقد لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة.
стр. 3057
وقد تبين أن أسباب الفساد ستة يمكن إيجازها في أربعة: وهي الجهالة الفاحشة، كبيع شاة من قطيع، وغرر الوصف كبيع بقرة على أنها حامل أو تحلب كذا رطلاً، والإكراه على رأي جمهور الحنفية (عدا زفر) الذين يعتبرونه مفسداً للعقد. وأما زفر فيعتبره موقفاً للعقد، ورأيه أوجه وأصح. والشرط المفسد في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والشركة: وهو الشرط التقييدي الممنوع شرعاً كالتوقيت في البيع، وعدم التقابض في عقد الصرف، والضرر الذي يلحق البائع بتسليم محل العقد كبيع جذع من سقف وذراع من ثوب يضره التبعيض.
٢ - الحكم أو الأثر: لا يترتب على الباطل أي أثر أصلاً، فهوكالمعدوم سواء، فلا تنتقل الملكية في العوضين في عقد البيع مثلاً، ولا يترتب على الزواج الباطل حل الاستمتاع والنفقة والتوارث.
لكن استثناء من ذلك: يعتبر المبيع المقبوض في البيع الباطل مضموناً بالمثل أو بالقيمة إذا تلف أياً كان سبب التلف، وليس مجرد أمانة لا تضمن حال التلف إلا بالتعدي أو بالتقصير في الحفظ.
وكذلك يترتب على الزواج الباطل بعض الآثار الضرورية إذا أعقبه دخول: وهي ثبوت نسب الولد، وإيجاب العدة على المرأة، واستحقاق المرأة المهر. فيختلف بذلك عن الزنى.
أما الفاسد: فيترتب عليه بعض آثار العقد الصحيح إذا تم التنفيد أي القبض أو التسليم، فتنتقل الملكية في العوضين في البيع الفاسد بالقبض. ويتملك المستأجر المنفعة في الإجارة الفاسدة وتلزمه الأجرة باستيفاء المنفعة فعلاً. لكن البيع الفاسد لا يلزم المشتري بدفع الثمن المسمى المتفق عليه، وإنما ثمن المثل أي قيمة
стр. 3058
المبيع في السوق يوم القبض. وفي الإجارة الفاسدة يلزم المستأجر بدفع أجر المثل، لا الأجر المسمى في العقد (١).
ويلاحظ أن هذا الأثر يرتبه الفقه على تنفيذ العقد، لا على العقد نفسه.
٣ - استحقاق الفسخ: الباطل لا يحتاج إلى فسخ؛ لأنه معدوم لم يوجد، والفسخ يرد على عقد قائم كالعقد المشتمل على أحد الخيارات.
وأما الفاسد: فيستحق الفسخ رعاية لأحكام الشرع إما بإرادة أحد العاقدين، أو بإرادة القاضي؛ لأن إزالة الفساد واجب شرعاً، وبالفسخ يرتفع الفساد (٢).
ويبقى حق الفسخ قائماً ولو بعد التنفيذ حتى يزول سببه إلا إذا وجد أحد موانع الفسخ وهي (٣):
أـ هلاك المعقود عليه أو استهلاكه أو تغيير شكله واسمه كطحن القمح وخبز الدقيق.
ب - الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل والبناء على الأرض وصبغ الثوب. أما أنواع الزيادات الأخرى وهي الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمل، والزيادة المنفصلة المتولدة كالولد والثمرة أو غير المتولدة كالكسب والغلة فلا تمنع الفسخ والرد.
ج - التصرف بالشيء المقبوض بعقد فاسد من قبل القابض كالبيع والهبة والرهن والوقف.
стр. 3059
ويلاحظ أن حق الفسخ بسبب الفساد يورث، فلو مات أحد العاقدين جاز لورثته أو للعاقد الآخر فسخ العقد بعد الموت.
٤ - عموم الأثر وخصوصه: البطلان يمكن أن يصيب كل أنواع التصرفات القولية والفعلية، العقدية وغير العقدية، كالبيع والإيجار والهبة، والإقرار والدعوى، وإحراز المباح وقبض الثمن والموهوب.
وأما الفساد فلا يجري إلا في العقود المالية المنشئة التزامات متقابلة أو ناقلة للملكية (١)، فلا يجري الفساد في العبادات والتصرفات الفعلية، والعقود غير المالية كالزواج والوصاية والتحكيم، والعقود المالية التي لا تنشئ التزامات متقابلة ولا تنقل الملكية كالإيداع والإعارة، وتصرفات الإرادة المنفردة كالطلاق والوقف والإبراء. فهذه التصرفات لا تكون إلا صحيحة أو باطلة.
وأما أوجه الشبه بين الباطل والفاسد فأهمها ما يأتي:
أـ الباطل لا يقبل الإجازة لأنه معدوم. وكذلك الفاسد لا يرتفع فساده بالإجازة؛ لأن العاقد لا يملك مخالفة نظام الشريعة، وليس له إقرار المخالفة، وإنما ينبغي إزالة الفساد احتراماً لحكم الشرع، إلا إذا زال سبب فساده كتعيين المجهول.
ب - الباطل لا يسري عليه التقادم (مرور الزمان) ويمكن التمسك ببطلان العقد مهما طالت المدة؛ لأن الباطل معدوم. وكذلك الفاسد لا يسري عليه التقادم، وإنما يظل مستحق الفسخ شرعاً مهما طال الأمد، إلا إذا وجد مانع من موانع الفسخ التي سبق بيانها.
стр. 3060
ثانياً - المؤيدات التأديبية (أو العقوبات) إن مخالفة أحكام الشريعة وارتكاب المعاصي والمنكرات التي حرمتها الشريعة تستوجب عقاباً أخروياً ودنيوياً. والعقوبات الدنيوية نوعان:
١ - عقوبات مقدرة: وهي التي قدر لها الشرع نوعاً ومقداراً معيناً وهي القصاص، والحدود الخمسة (وهي حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد شرب الخمر والمسكرات) (١).
٢ - عقوبات غير مقدرة وهي التعزيرات: وهي التي لم يحدد لها الشرع نوعاً ولا مقداراً معيناً، وإنما فوضها إلى تقدير الحكام لتطبيق ما يرونه محققاً للمصلحة بحسب ظروف الجاني والجناية.
والحكمة من تشريع الحدود أو العقوبات عامة: هو زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن الفساد، وتخليص الإنسان من آثار الخطيئة، وإصلاح الجاني.
قال ابن تيمية (٢) وابن القيم (٣): كان من حكمة اِلله ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجرح والقذف والسرقة، فأحكم وجوه الزجر الرادعة عن الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل
стр. 3061
الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة. وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، وتغريم مال، وتعزير.
والجرائم الموجبة للعقوبة البدنية هي ثلاث عشرة جريمة وهي:
القتل، والجرح، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والبغي (١)، والحرابة، والردة، والزندقة، وسب الله وسب الأنبياء والملائكة، وعمل السحر، وترك الصلاة والصيام.
وليس في هذه العقوبات قسوة أو تنكيل وتعذيب للمجرم كما يزعم بعض الناس؛ لأن هذه الجرائم الموجبة لها خطيرة تهز كيان المجتمع، ولأنها أنسب عقوبة لزجر المجرم وأمثاله، وأقمع للجريمة ومطاردة المجرمين، وأدعى لتحقيق أمن المجتمع واستقراره.
وحققت العقوبات الشرعية أمناً في السعودية لا يماثله أمن بلد في العالم تطبق فيه العقوبات الوضعية من حبس أو سجن ونحوهما.
والتخلص من ضرر مجرم يتباكى عليه الزاعمون حب الإنسانية والإنسان أوجب من تهديد أمن المجتمع بكامله، عن طريق ترويع المجرمين أمن البيوت والنساء والأطفال، وما يعقبه من العديد من الجرائم والمنكرات.
ولقد أثبت التاريخ أن المجتمع الإسلامي عندما طبق الحدود الشرعية، عاش
стр. 3062
آمناً مطمئناً على أمواله وأعراضه ونظامه، حتى إن المجرم نفسه كان يسعى لإقامة الحد عليه، رغبة في تطهير نفسه، والتكفير عن ذنبه.
هذا مع العلم بأن تطبيق القصاص والحدود يتطلب تشدداً كبيراً في شروط إثبات الجريمة (١)، مما لا نكاد نجد له مثيلاً عند القانونيين، بل إن الحدود ومنها القصاص تسقط بالشبهات عملاً بالحديث النبوي: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وقد توسع الفقهاء في بيان ما هو شبهة مسقطة للحد توسعاً كبيراً، حتى إن مجرد ادعاء الشبهة كادعاء الزوجية في حال الوطء من المتهم يسقط الحد، وكذا هرب المحدود أثناء إقامة الحد يسقط الحد (٢).
إن القسوة على المجرم رحمة عامة للمجتمع في مجموعه، حتى يتخلص من الجريمة وخطرها الوبيل، والتضحية بعدد محدود من المجرمين أهون كثيراً من ترك الجريمة تفتك بآلاف الأبرياء. والشريعة الإسلامية هي شريعة الرحمة الحقة بالناس، والله سبحانه أدرى بما يعالج به خطر بعض المجرمين وهو أرحم بهم.
وقد أدى كل هذا إلى أن يكون تطبيق الحد نادراً جداً في المجتمع الإسلامي، فقطع اليد مثلاً في السعودية لا يزيد عن حالة واحدة أو حالتين طوال العام.
وأما العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات: فهي العقوبات المشروعة على كل معصية أو منكر أو إيذاء لا حد فيه، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة، وسواء أكانت الجريمة انتهاكاً للحرمات الدينية والاجتماعية كالأكل في نهار رمضان بغير
стр. 3063
عذر، وترك الصلاة، وطرح النجاسة في طريق الناس، والاستهزاء بالدين، والإخلال بالآداب العامة، أو كانت اعتداء على حق شخصي كأنواع السب والشتم والضرب والإيذاء بأي وجه، والغش والتزوير والاحتيال ونحوها.
والتعزير يكون إما بالضرب أو بالحبس أو الجلد أو النفي أو التوبيخ أو التغريم المالي، ونحو ذلك مما يراه الحاكم رادعاً للشخص بحسب اختلاف حالات الناس، حتى القتل سياسة كما قرر فقهاء الحنفية والمالكية.
والتعزير مفوض للدولة في كل زمان ومكان، فإنها تضع للقضاة أنظمة يطبقونها بحسب المصلحة. وأغلب العقوبات الوضعية الحديثة تدخل في نطاق التعزير. ولا مانع شرعاً من تقنين العقوبات التعزيرية بجانب الحدود والقصاص على النحو المعروف الآن. ويعد التعزير قاعدة مرنة صالحة للتطبيق في كل عصر بما يحقق المصلحة أوالمقصود من العقوبة. وما وضْع حدين للعقوبة قانوناً أدنى وأقصى، أو الحكم مع وقف التنفيذ إلا لون من ألوان المرونة أو العفو عن العقوبة المقررين في التعزيرات.
و الشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب، وقد سبق الفقهاء المسلمون إلى معرفة قاعدة: (لا جريمة ولاعقوبة إلا بنص) لتقريرهم القاعدتين التاليتين:
١ - (لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص).
٢ - (الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء الإباحة).
ومصدر هاتين القاعدتين قول اِلله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء:١٥/ ١٧] وقوله سبحانه: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا﴾ [القصص:٥٩/ ٢٨] وقوله جل شأنه:
стр. 3064
﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء:١٦٥/ ٤].
فهذه النصوص قاطعة بأن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار. ومن هنا كانت فترة الجاهلية لا عقاب فيها على الجرائم التي حدثت أثناءها، سواء أكانت الجريمة إراقة دم حرام أم غيرها.
وقد تضافر القرآن الكريم والسنة النبوية وكتب الفقهاء على بيان المعاصي والمنكرات وتفصيل العقوبات المقررة في الدنيا على الأشخاص. ولا يقبل شرعاً من أي مسلم أومسلمة الاعتذار بالجهل بأحكام الشريعة، وعليه أن يتعلم القدر الضروري منها لقوله ﵇: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ويعد التقصير في التعليم والتعلم جريمة مستوجبة التعزير.
والعمل بأحكام الشريعة في النطاقين الجزائي والمدني وغيرهما واجب على الدولة والأفراد، ويعد التخلي عن الشريعة إثماً كبيراً وجرماً عظيماً. وليس تطبيق أحكام الشريعة أمراً صعباً أو غير متفق مع ظروف العصر الحديث، وإنما الإعراض عن ذلك نوع من الوهم وفقدان الثقة بالذات وافتتان بأنظمة العصر ويعد جائراً عن الشرع.
ولا شك بأن أحكام الشريعة تتطلب إقامة مجتمع إسلامي متكامل في العقيدة والعبادة والسلوك الأخلاقي، وينبغي أن تتجه أنظمة الدولة الدستورية والإدارية والتعليمية والإعلامية إلى العمل بروح الإسلام وأنظمته وآدابه، حتى يسهل تقبل الحكم الشرعي الإلهي عن عقيدة واقتناع وحب واحترام.
стр. 3065
الفَصْلُ السَّادس: نظريَّة الفَسخ
- تعريف الفسخ لغة واصطلاحاً.
- ألفاظ ذات صلة: انفساخ، خلع، طلاق، إبطال، فساد.
- حكمه الإجمالي ودليله.
- شروط فسخ العقد.
- أسباب الفسخ.
- أنواع الفسخ.
١ - الفسخ الاتفاقي (الإقالة) والفسخ بحكم القضاء، والفسخ بحكم الشرع.
٢ - الفسخ باعتباره جزاء لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه.
٣ - الفسخ بسبب الخيار (الفسخ والقوة الملزمة للعقد).
٤ - الفسخ للأعذار الطارئة.
٥ - الفسخ لاستحالة التنفيذ (الفسخ وتحمل تبعة الهلاك).
٦ - الفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة.
стр. 3066
٧ - الفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج.
٨ - الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء.
٩ - الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف.
١٠ - الفسخ بسبب الاستحقاق.
- ما يقبل الفسخ وما لا يقبل.
١ - العقود اللازمة للطرفين، كالبيع والإيجار والرهن والصلح والزواج.
٢ - العقود الجائزة غير اللازمة للطرفين، كالإعارة والقرض والإيداع، والوكالة، والشركة، والمقاولة، والهبة عند الحنفية.
٣ - العقد اللازم لطرف دون آخر، كالكفالة والحوالة.
٤ - تصرفات الإرادة المنفردة، كالوصية والجعالة.
- حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ.
- فروق بين الفسخ وغيره.
١ - الفرق بين الفسخ والانفساخ.
٢ - الفرق بين الفسخ (انحلال العقد) وانقضاء الالتزام.
٣ - الفرق بين الفسخ والإبطال والبطلان والفساد.
٤ - الفسخ وشرط الإلغاء الصريح أو الضمني.
٥ - الفرق بين الشرط الموقف (الواقف) والشرط الفاسخ.
٦ - الفرق بين الفسخ والطلاق، وهل يتوقف فسخ الزواج على القضاء؟
стр. 3067
ـ بعض أسباب الفسخ:
١ - الإخلال بالالتزام.
٢ - عدم تنفيذ العقد، ومتى يجوز؟
ـ آثار الفسخ (أحكامه):
١ - انتهاء العقد بالفسخ.
٢ - أثر الفسخ في الماضي (الأثر المستند والمقتصر) والمستقبل.
تعريف الفسخ لغة واصطلاحا ً:
فقرة (١) ـ المراد بالفسخ هنا لغة: هو النقص أو التفريق، وجاء في تاج العروس شرح القاموس للزبيدي (١): الفسخ: الضعف في العقل والبدن، والجهل، والطرح، وإفساد الرأي، والفسخ: النقض، فسخ الشيء يفسخه فسخاً فانفسخ: نقضه فانتقض، والفسخ: التفريق، وقد فسخ الشيء: إذا فرقه. ومن المجاز: انفسخ العزم والبيع والنكاح: انتقض، وقد فسخه: إذا نقضه، وفي الحديث: كان فسخ الحج رخصة لأصحاب النبي ﷺ : وهو أن يكون نوى الحج أولاً، ثم يبطله وينقضه، ويجعله عمرة، ويحل، ثم يعود يحرم بحجة، وهو التمتع أو قريب منه.
فقرة (٢) ـ والفسخ اصطلاحاً: حل ارتباط العقد (٢)، أو هو ارتفاع حكم العقد من الأصل كأن لم يكن (٣)، فتستعمل كلمة الفسخ أحياناً بمعنى رفع العقد
стр. 3068
من أصله (١)، كما في الفسخ بسبب أحد الخيارات، وتستعمل أيضاً بمعنى رفع العقد بالنسبة للمستقبل، كما في أحوال فسخ العقود الجائزة أو غير اللازمة. فإذا انعقد العقد لم يتطرق إليه الفسخ إلا في أحوال سأذكرها، مثل الخيارات، والإقالة، وهلاك المبيع قبل القبض، وكون العقد غير لازم، ويتم ذلك بإرادة العاقد أو غيره، ويعود العاقدان إلى الحالة الأصلية التي كانا عليها قبل التعاقد، ففي البيع مثلاً يعود المبيع إلى ملك البائع، والثمن إلى ملك المشتري، وإذا فسخ الزواج بحكم القاضي زالت رابطة العقد بين الزوجين وصار كل منهما أجنبياً بالنسبة للآخر.
قال السيوطي: يغتفر في الفسوخ ما لا يغتفر في العقود، ومن ثم لم يحتج إلى قبول، وقبلت الفسوخ التعليقات دون العقود (٢).
ألفاظ ذات صلة: انفساخ، خلع، طلاق، إبطال، فساد:
(٣) - الانفساخ: إن انحلال العقد (وهو زوال الرابطة التي تربط المتعاقدين) يشمل كلاً من الفسخ والانفساخ، إلا أن الفسخ ينشأ تارة عن الإرادة، أو الرضا، وقد يحدث جبراً عن أحدهما بحكم القاضي، فهو يحدث بالتراضي أو بالتقاضي. أما الانفساخ: فيحدث بسبب حادث طبيعي وهو استحالة التنفيذ، كهلاك أحد العوضيين.
فينفسخ كل عقد من تلقاء نفسه إذا استحال تنفيذه، وينفسخ العقد المستمر أو عقد المدة (٣) كعقد الإجارة إذا فقد ما يعتمد عليه بقاؤه، فعقد البيع ينفسخ بهلاك
стр. 3069
المبيع هلاكاً كلياً قبل استلامه، لاستحالة تنفيذ العقد بالتسليم بعد هلاك محله. وفي الهلاك الجزئي يصبح العقد قابلاً للفسخ، وعقود الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة تنفسخ بموت أحد العاقدين، لأن هذه العقود تنشئ التزامات عملية ذات آثار متجددة، فيها استمرار يعتمد بقاؤه بقاء العقد؛ لأن للاعتبار الشخصي فيها أثراً ملحوظاً، كما يعتمد بقاء المحل (١). والإجارة تنفسخ بموت أحد العاقدين في مذهب الحنفية، ولا تنفسخ بموت أحدهما في مذهب الجمهور الأئمة الآخرين، لأنها عقد لازم كالبيع.
(٤) - وقد عبّر القرافي عن هذا الفرق المذكور من الفسخ والانفساخ بقوله: الفسخ: قلب كل واحد من العوضين لصاحبه، والانفساخ: انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه، فالأول: فعل المتعاقدين أو الحاكم إذا ظفروا بالعقود المحرّمة، والثاني: صفة العوضين، فالأول: سبب شرعي، والثاني حكم شرعي (٢). وبه يتضح أن الفسخ يشمل الفسخ الاتفاقي والقضائي، والانفساخ هو تحمل التبعة عن الهلاك، أي ضمان التلف.
(٥) - الخلع: الخلع لغة: النزع والإزالة، وعرفا بضم الخاء: إزالة الزوجية، واصطلاحاً أو فقهاً: هو إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبول المرأة، بلفظ الخلع أو ما في معناه (٣). ولا يحتاج الخلع إلى حاكم، ويكفي تلفظ الزوج به، كأن يقول للمرأة: خالعتك على كذا، فتقبل. والخلع طلاق بائن عند الجمهور، وله تفصيل في المعتمد عند الحنابلة: إن وقع بلفظ الخلع والمفاداة ونحوهما، أو بكنايات
стр. 3070
الطلاق، ونوى به الطلاق، كان طلاقاً، فإن وقع بصيغته الصريحة وهي لفظ خلعت وفسخت وفاديت، أو الكناية: وهي لفظ بارأتك وأبرأتك وأبنتك، ولم ينو طلاقاً، فهو فسخ، لا ينقص به عدد الطلاق.
الخلع خاص بحل الرابطة الزوجية، وهو طلاق أو فسخ على التفصيل والخلاف السابق، أما الفسخ: فهو أعم، وهو حل ارتباط العقد، كما تقدم، أياً كان العقد بيعاً أو زواجاً أوغيرهما. والخلع يحدث بالتراضي، أما الفسخ فيمكن أن يتم بالتراضي أو بقضاء القاضي.
(٦) الطلاق: الطلاق لغة: رفع القيد مطلقاً، يقال: أطلق الفرس: إذا خلاه، وفي الشريعة: رفع القيد الثابت بالنكاح (١). وفرقة الزواج نوعان: فرقة فسخ وفرقة طلاق. والفسخ: إما أن يكون بتراضي الزوجين وهو المخالعة أو الخلع، أو بواسطة القاضي.
والتفريق القضائي قد يكون طلاقاً: وهو التفريق بسبب عدم الإنفاق أو الإيلاء أو للعدل أو للشقاق بين الزوجين أو للغيبة أو للحبس أو للتعسف، وقد يكون فسخاً للعقد من أصله، كما هو حال التفريق في العقد الفاسد، كالتفريق بسبب الردة وإسلام أحد الزوجين، والتفريق بسبب الإعسار عند الشافعية والحنابلة.
(٧) - و الفرق بين الطلاق والفسخ في رأي الحنفية: أن الطلاق: هو إنهاء الزواج وتقرير الحقوق السابقة من المهر ونحوه، ويحتسب من الطلقات الثلاث التي يملكها الرجل على امرأته، وهو لا يكون إلا في العقد الصحيح.
стр. 3071
وأما الفسخ: فهو نقض العقد من أصله، أو منع استمراره، ولا يحتسب من عدد الطلاق، ويكون غالباً في العقد الفاسد أو غير اللازم.
وبه يتبين أن الفسخ يفترق عن الطلاق من ثلاثة أوجه:
الأول: - حقيقة كل منهما: فالفسخ: نقض للعقد من أساسه، وإزالة للحل الذي يترتب عليه، أما الطلاق: فهو إنهاء للعقد، ولا يزول الحل إلا بعد البينونة الكبرى (الطلاق الثلاث).
الثاني: - أسباب كل منهما: الفسخ يكون إما بسبب حالات طارئة على العقد تنافي الزواج، أو حالات مقارنة للعقد تقتضي عدم لزومه من الأصل. فمن أمثلة الحالات الطارئة: ردة الزوجة أو إباؤها الإسلام أو الاتصال الجنسي بين الزوج وأم زوجته أو بنتها. ومن أمثلة الحالات المقارنة: أحوال خيار البلوغ لأحد الزوجين، وخيار أولياء المرأة التي تزوجت من غير كفء أو بأقل من مهر المثل، ففيها كان العقد غير لازم.
أما الطلاق فلا يكون إلا بناء على عقد صحيح لازم، وهو من حقوق الزوج، فليس فيه مايتنافى مع عقد الزواج أو يكون بسبب عدم لزومه.
الثالث: - أثر كل منهما: الفسخ: لا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل، أما الطلاق فينقص به عدد الطلقات.
وكذلك فرقة الفسخ لا يقع في عدتها طلاق، إلا إذا كانت بسبب الردة أو الإباء عن الإسلام، فيقع فيهما عند الحنفية طلاق زجراً وعقوبة. أما عدة الطلاق فيقع فيها طلاق آخر، ويستمر فيها كثير من أحكام الزواج. ثم إن الفسخ قبل الدخول لا يوجب للمرأة شيئاً من المهر، أما الطلاق قبل الدخول فيوجب نصف المهر المسمى، فإن لم يكن المهر مسمى استحقت المتعة (تعويض بمثابة هدية).
стр. 3072
(٨) - إبطال: الباطل لغة ضد الحق، والإبطال اصطلاحاً: هو الحكم بكون العقد باطلاً، لاختلال ركنه أو محله، والعقد الباطل: هو ما اختل ركنه أو محله، أو ما لايكون مشروعاً بأصله ولا بوصفه (١). ولا يفيد الملك، كأن يكون أحد العاقدين فاقد الأهلية، كالمجنون وغير المميز، والمميز فيما يضره ضرراً محضاً، أو أن تكون الصيغة غير سليمة، أو يكون محل العقد غير قابل لحكم العقد شرعاً، كبيع ما ليس بمال، أو ما ليس مالاً متقوماً، كالخمر والخنزير والسمك في الماء، وكبيع شيء من الأموال العامة، كجزء من الطريق العام، أو من مشفى أو من مسجد، وكالبيع الذي جعل الثمن فيه غير مال أصلاً كالميتة، أو الشيء المباح للناس جميعاً، وفي الزواج كالعقد على إحدى المحارم أو لم تكتمل عدتها من مطلقها، أو المتزوجة بزوج آخر، فكل هذه العقود باطلة، لأن النهي في الشرع عنها عائد لأصل العقد أي لخلل في الصيغة أو في العاقد أو في المحل.
(٩) - وحكم الباطل: أنه لا يعد منعقداً أصلاً، وإن وجدت صورته في الظاهر، فلا يترتب عليه أي أثر شرعي، فلا يفيد نقل الملكية أصلاً، إذ لا يعد موجوداً بحال، ولا ينقلب صحيحاً أبداً، لأن البطلان المطلق ينجم عن فقدان أحد أركان تكوين العقد.
أما الفسخ: فيرد على عقد صحيح منعقد حقيقة، وقد انتقلت فيه الملكية بين الطرفين المتعاقدين.
ويشترك الإبطال والفسخ في إعادة العاقدين إلى الحالة الأصلية التي كانا عليها قبل التعاقد، ويميز بين فسخ العقد وإبطاله من ناحيتين:
стр. 3073
١ - إن سبب الفسخ هو عدم قيام أحد العاقدين بتنفيذ التزامه، بينما سبب الإبطال بوجه عام: هو نقص الأهلية أو عيب الإرادة، لذا ينشأ العقد القابل للفسخ صحيحاً، أما العقد القابل للإبطال فلا ينشأ صحيحاً، فتقوم قابلية الإبطال عند تكوين العقد، بينما قابلية الفسخ تكون عند تنفيذه.
٢ - فسخ العقد خاضع لتقدير القاضي، أما إذا توافر سبب الإبطال فليس للقاضي سلطة تقديرية، ولا يملك إلا الإبطال.
(١٠) - إ فساد: لغة: ضد إصلاح، واصطلاحاً: هو الحكم بكون العقد فاسداً.
والفساد والبطلان عند الجمهور مترادفان بمعنى واحد (١)، وعند الحنفية: الفساد: اختلال في العقد في صفة عارضة طارئة غير جوهرية فيه، لذا كان مرتبة متوسطة بين البطلان والصحة، والعقد الفاسد: هو ماكان مشروعاً بأصله (ركنه ومحله وأهلية عاقديه) دون صفته، أي كان صادراً ممن هو أهل له، والمحل قابل لحكم العقد شرعاً، والصيغة سليمة، ولكن صاحب ذلك وصف منهي عنه شرعاً، كبيع المجهول جهالة فاحشة تؤدي للنزاع، مثل بيع دار من دور، أو سيارة من سيارات دون تعيين ذات المبيع، وكإبرام صفقتين في صفقة، كبيع دار على أن يبيعه سيارته، وكبيع مال متقوم (يباح الانتفاع به شرعاً) جعل ثمنه مالاً غير متقوم (لا يباح الانتفاع به شرعاً) كخمر وخنزير وكلب، وكبيع بقرة على أنها حامل.
وأسباب الفساد عند الحنفية ستة: الجهالة، والإكراه، والتوقيت، وغرر الوصف، والضرر، والشرط الفاسد.
стр. 3074
والباطل والفاسد عند الحنفيةفي العبادات وفي الزواج مترادفان، وفي المعاملات كالبيع والشركة والإيجار متباينان (١).
(١١) - وحكم الفاسد: ثبوت الملك فيه بالقبض بإذن المالك صراحة، أو دلالة كأن يقبضه في مجلس العقد أمام البائع، دون أن يعترض عليه، لأن النهي الشرعي عنه بسبب أمر ملازم للعقد يقتضي بطلان الوصف دون أصل العقد، لأنه استكمل عناصره الأساسية، فيكون العقد فاسداً فقط. ويصبح الفاسد صحيحاً بزوال صفة الفساد.
والعقد الفاسد واجب الفسخ شرعاً، إما من أحد العاقدين أو من القاضي إذا علم بذلك، لأنه منهي عنه شرعاً. قال السيوطي: تعاطي العقود الفاسدة حرام إلا المضطر إذا لم يجد الطعام إلا بزيادة على ثمن المثل (٢). ويزال الفساد بطلب العاقدين معاً أو بطلب أحدهما.
وإمكان فسخ العقد الفاسد عند الحنفية مشروط بشرطين.
أحدهما - بقاء المعقود عليه على ما كان قبل القبض: فلو تغير شكله، بأن هلك أواستهلك، أو كان غزلاً فنسجه، أو قمحاً فطحنه، أو دقيقاً فخبزه، امتنع الفسخ.
الثاني - عدم تعلق حق الغير به: فلو تصرف به المشتري لآخر بالبيع أو بالهبة مثلاً، وتم قبضه من الموهوب له، امتنع الفسخ.
(١٢) - و الفرق بين الفسخ والإفساد: أن الفسخ يرد على عقد صحيح
стр. 3075
منعقد مكتمل الأركان والشروط، أما الإفساد فيقع على عقد غير صحيح بسبب الخلل الذي صحبه أو قارنه في صفة طارئة غير جوهرية فيه.
والعقد الصحيح قبل الفسخ يثبت به الملك الطيب الحلال، وأما الفاسد فيفيد الملك الخبيث شرعاً بالقبض، فإذا فسخ العقد الفاسد تساوى الفساد والفسخ في الأثر وهو زوال الرابطة العقدية التي كانت بين العاقدين.
(١٣) - ولا يشترط القضاء في فسخ العقد الفاسد أو العقد الباطل: لأن «الواجب شرعاً لا يحتاج إلى القضاء» (١)، ولكن ذلك عند عدم النزاع بين المتعاقدين، فإذا حصل النزاع وجب اللجوء إلى القضاء. أما الفسخ فيتم إما بالتراضي أو بقضاء القاضي.
والخلاصة: أن البطلان أو الفساد يعاصر العقد، ولا يتراخى إلى ما بعد انعقاده صحيحاً، أما الفسخ فيكون بعد وجود العقد لا محالة (٢). هذه هي التفرقة الدقيقة بين المصطلحات الثلاثة، وإن كان الفقهاء في الغالب لا يلتزمون هذه التفرقة، فيعبرون عن الفسخ بالبطلان أو الفساد، فمثلاً حالة فساد العقد بفوات القبض المستحق بالعقد (٣)، المقصود: هو الفسخ وليس الفساد (٤).
الحكم الإجمالي للفسخ ودليله:
(١٤) - الفسخ: إما واجب أو جائز، فيجب رعاية لحق الشرع، كفسخ العقد الفاسد لإزالة سبب الفساد واحترام ضوابط الشرع أو شرائطه التي قررها في
стр. 3076
العقود، حماية للمصلحة العامة أو الخاصة، ودفعاً للضرر، ومنعاً للمنازعات التي تحدث بسب مخالفة الشروط الشرعية.
ويجوز الفسخ إعمالاً لإرادة العاقد، كالفسخ بسبب الخيار في العقود غير اللازمة، والفسخ بالتراضي والاتفاق كالإقالة. وقد جاء الشرع بأدلة كثيرة في مشروعية الخيارات والإقالة (١)، وقال ﵊: «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك» (٢) وهذا دليل على أن حق الفسخ في الشريعة مستمد من فكرة اللزوم الذي يقوم عليه العقد. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] وقال النبي ﷺ فيما يرويه ابن ماجه عن أبي سعيد: «إنما البيع عن تراض».
والفسخ القضائي جائز إما رعاية لحق الشرع، وإما إحقاقاً للحق ورفع الظلم الذي يقع على أحد المتعاقدين بسبب إضرار العاقد الآخر، وإصراره على منع غيره من ممارسة حقه في الفسخ، لوجود عيب في المبيع أو استحقاق المبيع أو الثمن مثلاً. وحق القاضي في الفسخ ناشئ من ولايته العامة على الناس، أو لأنه يجب عليه رقابة تنفيذ أحكام الشرع.
وحينئذ يكون الفسخ إما شرعاً أو قضاء أو بالرضا.
ملاحظات ثلاث:
(١٥) - الأولى - الأصل في العقود اللزوم: يصون الفقه الإسلامي العقود عن الفسخ قدر الإمكان؛ لأن الأصل توافر القوة الملزمة للعقد لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان
стр. 3077
مسئولا﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧]
قال القرافي: واعلم أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن العقود أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان، والأصل ترتب المسببات على أسبابها (١).
فإذا استأجر شخص عاملاً، فهرب العامل قبل تمام العمل، استأجر صاحب العمل من يعمل عليه، وله أن يفسخ العقد إذا عجز، ويسلم إلى العامل أجره قبل هربه (٢). وفوات المنفعة بالكلية موجب للفسخ، أما فوات المنفعة الجزئية فلايوجب الفسخ (٣).
(١٦) - ليست الخيارات موهنة للقوة الملزمة للتعاقد، سواء كانت تعاقدية، كخيار الشرط، والتعيين، والنقد، أو شرعية، كخيار العيب والتدليس، والتغرير، وفوات الوصف، وتفرّق الصفقة، لأن الأولى نشأت بإرادة المتعاقدين، ولأن الثانية تخل بإرادة العاقد ورضاه، كإعطاء حق الإبطال وحق الإجازة في القوانين الحديثة لمن كانت إرادته معيبة بعيب من عيوب الرضا من إكراه أوغلط، أو تدليس أو استغلال.
(١٧) - الثانية - ليس في الفقه الإسلامي نظرية عامة للفسخ تطبق على جميع العقود في أحوال معينة تقتضي الفسخ، ولا يعرف الفقه أيضاً نظام الفسخ القانوني أي باعتباره جزاء يترتب لمصلحة الدائن على إخلال المدين بالتزامه، ويقوم على فكرة الارتباط بين الالتزامات المتقابلة. ولكن يعرف الفسخ باعتباره نتيجة لإعمال شرط يتضمنه العقد عند الإخلال بالالتزام.
стр. 3078
(١٨) - الثالثة - يرى بعض الكاتبين الجدد أن أساس حق الفسخ في الشريعة هو ركن الرضا، والرضا مرتبط بالمحل المعقود عليه طوال حياة الالتزام، فإذا انعدمت الصلة بينهما حتى بعد نشوء العقد كان العقد قابلاً للفسخ (١). والأدق أن يقال: إن أساس حق الفسخ في الفقه الإسلامي هو فكرة المعاوضة المعتبرة شرعاً التي يشترط فيها أن تؤدي إلى التوازن في مضمون العقد، ليس فقط عند لحظة انعقاد العقد، بل حتى عند تنفيذ العقد، فإذا اختلت المعاوضة أو التوازن العقدي، كان لمن اختلت المعاوضة في جانبه حق طلب الفسخ (٢).
شروط فسخ العقد:
يشترط لجواز فسخ العقد شروط ثلاثة:
(١٩) - الأول: أن يكون العقد ملزماً للجانبين أي عقد معاوضة: فلا يرد الفسخ إلا على العقود الملزمة للجانبين كالبيع والإيجار، لأن الفسخ يقوم شرعاً كما بينت على فكرة المعاوضة المعتبرة شرعاً. أما العقد الملزم لجانب واحد كالوديعة والكفالة وهبة التبرع، فلا يتصور الفسخ فيه، لأن الملتزم طرف واحد، وليس هناك معاوضة أو مبادلة، حتى يلجأ الطرف الآخر إلى الفسخ لحماية مصلحته، وتسويغ امتناعه من تنفيذ التزامه.
(٢٠) - الثاني: أن يخالف العاقد شرطاً صريحاً أو ضمنياً أو حكماً في العقد: فإذا خالف أحد العاقدين ما اشترطه عليه العاقد الآخر صراحة، أو كان الشرط مفهوماً ضمناً، أو كان الالتزام مقرراً بمقتضى العقد، جاز للطرف الآخر
стр. 3079
طلب فسخ العقد، لاستحالة تنفيذ الالتزام المطلوب، كما في حالة هلاك العين المؤجرة، وإعسار المشتري بالثمن في البيع.
(٢١) - الثالث - انعدام الرضا الصحيح: فإذا لم يرض العاقد بالخلل الحاصل أو كان رضاه مشوباً بعيب من عيوب الإرادة أو الرضا وهي الغلط والإكراه والتدليس، كان له حق المطالبة بفسخ العقد بالتراضي أو بالتقاضي. أما إن رضي بما آل إليه أمر المعقود عليه من هلاك كلي أو جزئي، فيسقط حقه في الفسخ.
وقد ذكرت سابقاً (١) شروط فسخ العقد الفاسد، أما فسخ العقد بسبب الخيار أو بسبب كون العقد غير لازم، أو حال الإقالة (الفسخ الاتفاقي) فمحله موضع بحث هذه الأمور.
أسباب الفسخ:
(٢٢) - أسباب الفسخ خمسة: إما الاتفاق أو التراضي ومنه الإقالة، وإما الخيار، وإما عدم اللزوم، وإما استحالة تنفيذ أحد التزامات العقد المتقابلة، وإما الفساد.
(٢٣) - ١ - الاتفاق: يفسخ العقد بالتراضي بين العاقدين بشرط صريح في العقد، والإقالة: نوع من الفسخ الاتفاقي، وهي الرفع والإزالة، أو هي «رجوع كل من العوضين لصاحبه، فيرجع الثمن للمشتري والمثمون للبائع، وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع» (٢) وقال ابن عرفة: الإقالة: ترك المبيع لبائعه بثمنه. وهي عند الحنفية بالاتفاق بيع جديد في حق غير العاقدين، سواء قبل القبض أو
стр. 3080
بعده، وفسخ في حق العاقدين بعد القبض في رأي أبي حنيفة، لأنها رفع لغة وشرعاً، ورفع الشيء: فسخه، ويرى أبو يوسف: أن الإقالة بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما، إلا أن يتعذر جعلها بيعاً، فتجعل فسخاً، كأن تقع الإقالة قبل القبض في مبيع منقول، لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، لأن معنى البيع هو مبادلة المال بالمال، وهو أخذ بدل وإعطاء بدل، وقد وجد، فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى لا للصورة.
ويرى محمد: أن الإقالة فسخ إلا إذا تعذر جعلها فسخاً، فتجعل بيعاً للضرورة، لأن الأصل في الإقالة الفسخ، لأنها عبارة عن رفع الشيء لغة وشرعاً (١).
(٢٤) - وذهب زفر والشافعية والحنابلة إلى أن الإقالة فسخ في حق الناس كافة، لأن الإقالة هي الرفع والإزالة، ولأن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخاً (٢).
(٢٥). وذهب المالكية إلى أن الإقالة بيع ثان يشترط فيها ما يشترط فيه، ويمنعها ما يمنعه؛ لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه، فهي تتم بتراضي الطرفين، يجوز فيها ما يجوز في البيوع، ويحرم فيها ما يحرم في البيوع، ولكنهم استثنوا ثلاثة أشياء:
أولاً - طعام المعاوضة قبل قبضه، أي الإقالة من بيع الطعام قبل قبضه، فالإقالة فيه حل أو فسخ للبيع، فلذلك جازت قبل قبض المشتري لها من البائع إن وقعت الإقالة بالثمن عينه، لا بأقل منه ولا بأكثر ولا بغيره، وإلا لزم بيع طعام المعاوضة قبل قبضه.
стр. 3081
ثانياً - الشفعة: ليست الشفعة بيعاً، ولا حلّ بيع أي فسخه، بل هي لاغية للبيع، فمن باع نصيبه من عقار، ثم أقال المشتري منه، فالشفعة ثابتة للشريك بما وقعت به الإقالة، وعهدة الشفيع على المشتري.
ثالثاً: المرابحة: هي حل البيع، فمن باع بمرابحة، ثم تقايل مع المشتري، فلا يجوز له أن يبيعها مرابحة على الثمن الذي وقعت الإقالة به إذا وقعت بزيادة.
(٢٦) - و دليل جواز الإقالة (١): قوله ﷺ : «من أقال نادماً أقاله الله يوم القيامة» (٢) وفي رواية: «من أقال مسلماً، أقال الله عثرته» (٣).
ولا يجوز فسخ العقود اللازمة بحق الطرفين إلا بإرادتهما وذلك عن طريق الإقالة، ولا تجوز الإقالة في الزواج، بل يجوز الطلاق.
ويلاحظ أن الإقالة تحدث غالباً مع أنه لا خلل في المعاوضة بالنسبة للمتقايلين، وقد تحدث؛ لأن العاقد اكتشف في نفسه شيئاً من عدم الرضا بعد انعقاد العقد صحيحاً.
والخلاصة: أن الفسخ في الإقالة يختلف عن الفسوخ الأخرى، حيث لا يشترط في سائر الفسوخ رضا المتعاقدين، بل تصح من طرف واحد، أما الإقالة فلا تصح إلا برضا المتعاقدين، كما أن الإقالة لا تتأثر بالشروط الفاسدة عند الحنفية (٤).
стр. 3082
(٢٧) - ٢ - الخيار: هو الذي يتمثل فيه الفسخ بسبب شرط صريح أو ضمني، وهو أن يكون للمتعاقد الحق في الاختيار بين الإمضاء وعدم إمضائه بفسخه إن كان الأمر أمر خيار شرط أو رؤية أو عيب، أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الأمر أمر خيار التعيين (١).
يفسخ العقد بسبب وجود خلل في تكوين العقد، وبخاصة فيما يتعلق بالمعقود عليه، كما في خيار الوصف أوخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار الغبن والتغرير، وحينئذ يختلط الفسخ بالإبطال، ويفسخ بسبب تضمن العقد شرطاً يمنح أحد العاقدين أو كليهما رخصة فسخ العقد، كما في خيار الشرط وخيار النقد. وقد اعتبر الفقهاء استحقاق المبيع عيباً في العقد. والعيب يشمل كل ما من شأنه الحط من قيمة الشيء أو تفويت غرض من أغراضه.
كما يفسخ بسب تجزؤ الشيء في خيار تفرق الصفقة، أو تغير شكله قبل التسليم، أو وجد المشتري نقصاً في المقادير والكميات. وقد يفسخ العقد أيضاً بسبب الخلل في الرضا، فإذا شاب الرضا بعض العيوب كالغبن التدليسي والغلط، والإكراه، جاز الفسخ.
(٢٨) - ٣ - عدم لزوم العقد بطبيعته: إنه يجعل للعاقد الحق في الفسخ من الأصل، فيجوز لأحد العاقدين أو لكليهما بحسب العقد المسمى أن يستقل بالفسخ، مثل العارية والقرض والوديعة والشركة والوكالة، كلها عقود غير لازمة يجوز فسخها متى شاء أحد الطرفين المتعاقدين، بشرط إعلام الطرف الآخر بالفسخ في رأي الحنفية، ليكون على بيّنة من أمره، فعلم الطرف الآخر بالفسخ مشروط دائماً. وقال ابن رجب: عقود المشاركات كالشركة والمضاربة، المشهور
стр. 3083
أنها تنفسخ قبل العلم كالوكالة، وكذا الوديعة للوديع فسخها قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، وكذا الطلاق والخلع يصح دون علم الآخر (١).
(٢٩) - ٤ - استحالة تنفيذ أحد الالتزامين المتقابلين: سواء أكانت هذه الاستحالة ناشئة عن فعل الملتزم أم لا؛ إن هذه الاستحالة تجيز فسخ العقد أحياناً؛ لأن الالتزام المقابل يصبح بلا سبب. وعلى هذا إذا هلك الشيء المؤجر بعينه أو لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، سقط التزامه بدفع الأجرة، وفسخت الإجارة، لاستحالة استيفاء المنفعة المتعاقد عليها. أما إذا كانت الإجارة في الذمة كتعهد نقل الحمل إلى مكان معين على أية دابة أو سيارة ثم تعبت الدابة أو تعطلت السيارة، فلا يفسخ العقد، بل يطلب التنفيذ العيني، أي الاستبدال بها غيرها. والقاعدة في البيع: أنه إذا كان الثمن ديناً، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً، فإن كان الثمن غائباً أو بعيداً أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ (٢).
(٣٠) - ٥ - الفسخ للفساد عند الحنفية القائلين به في المعاملات: يفسخ العقد للفساد بحكم الشرع لإزالة سبب فساد العقد كما تقدم، كجهالة المبيع أو الثمن أو الأجل أو وسائل التوثيق من كفالة أو رهن جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى المنازعة، وتعليق المبيع على شرط، وإضافته للمستقبل، واشتمال البيع على الثمن المحرّم شرعاً كالخمر والخنزير، ووجود بيعتين في بيعة أو شرطين في بيع واحد، والإضرار بالمبيع كبيع جذع من سقف، وكون البيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، أي احتمال الهلاك، كبيع الشيء المنقول المملوك قبل قبضه،
стр. 3084
ووجود شرط فاسد أو مفسد في العقد وهو ما لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين. ويمكن حصر أسباب الفساد كما تقدم في ستة: الإكراه، والغرر (غرر الوصف)، والجهالة، والتوقيت، والضرر الذي يصحب التسليم، والشرط الفاسد، ومنه الربا، أما فساد بيع المنقول قبل قبضه فيرجع للضرر (١).
وبه يتضح أن أسباب انحلال العقد في الفقه الإسلامي ثلاثة:
١ - كون العقد غير لازم.
٢ - الفسخ. ٣ - الإقالة (٢).
أنواع الفسخ:
١ - الفسخ الاتفاقي (أوالإقالة) والفسخ بحكم القضاء، والفسخ بحكم الشرع: (٣١) - الفسخ الاتفاقي كما تقدم: هو إنهاء العقد باتفاق العاقدين، إذ إن فسخ العقد يكون بالوسيلة نفسها التي عقد بها العقد، فكما نشأ العقد بإيجاب وقبول متطابقين على إنشائه، كذلك يزول بإيجاب وقبول متوافقين على إلغائه، فالعقد: اتفاق ينشئ الالتزام، أما الإقالة فهي اتفاق يقضيه. ومحل الإقالة: إلغاء الالتزامات التي نشأت من العقد الذي أقيل، وسببها: هو الباعث الذي دفع المتقايلين إلى هذا الإلغاء.
стр. 3085
وقد تتم الإقالة بإرادة منفردة إذا اتفق عليها بإرادتين سابقتين، وعلى أي حال فإن الإقالة التي هي فسخ اتفاقي لا تخل بالمعاوضة لأي من العاقدين، وإنما تدل على أن الرضا الكامل بالعقد غير متوافر.
(٣٢) - ويقرب من الإقالة: الرجوع في الهبة إذا تم بالتراضي، فهذه إقالة من الهبة، وقد يتم الرجوع في الهبة بغير الإقالة، وذلك بطريق القضاء إذا لم يقبل الموهوب له الإقالة، واستند الطلب إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع (١). والعذ ر المقبول مثل إخلال الموهوب له بما يجب نحو الواهب، أو عجز الواهب عن توفير أسباب المعيشة لنفسه أو أن يرزق ولداً بعد الهبة، وموانع الرجوع في الهبة هي الزوجية والقرابة والتصرف في الموهوب، والزيادة المتصلة في الموهوب أو تغييره على وجه تبدل فيه اسمه، كخياطة القماش ثوباً، وموت أحد العاقدين، وهلاك الموهوب أو استهلاكه، والعوض في الهبة، وحال كون الهبة صدقة لفقير أو جهة بر، وهبة الدين للمدين. ويلاحظ أن الزواج يقبل الفسخ قبل التمام لا بعده، فلا تصح إقالته (٢).
(٣٣) - وأما الفسخ بحكم القضاء أو الفسخ الجبري: فيكون إذا لم يحدث الفسخ بالتراضي، أو لرفع فساد العقد. ففي البيع المشتمل على خيار العيب، وفي حالة الهلاك غير الكلي حيث يكون العقد في حاجة إلى فسخ، يرى الحنفية أن المبيع إذا كان في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري: رددت، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي باتفاق الحنفية والشافعية.
وأما إن كان المبيع في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي