← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ثانياً - الشفعة: ليست الشفعة بيعاً، ولا حلّ بيع أي فسخه، بل هي لاغية للبيع، فمن باع نصيبه من عقار، ثم أقال المشتري منه، فالشفعة ثابتة للشريك بما وقعت به الإقالة، وعهدة الشفيع على المشتري. ثالثاً: المرابحة: هي حل البيع، فمن باع بمرابحة، ثم تقايل مع المشتري، فلا يجوز له أن يبيعها مرابحة على الثمن الذي وقعت الإقالة به إذا وقعت بزيادة. (٢٦) - و دليل جواز الإقالة (١): قوله ﷺ : «من أقال نادماً أقاله الله يوم القيامة» (٢) وفي رواية: «من أقال مسلماً، أقال الله عثرته» (٣). ولا يجوز فسخ العقود اللازمة بحق الطرفين إلا بإرادتهما وذلك عن طريق الإقالة، ولا تجوز الإقالة في الزواج، بل يجوز الطلاق. ويلاحظ أن الإقالة تحدث غالباً مع أنه لا خلل في المعاوضة بالنسبة للمتقايلين، وقد تحدث؛ لأن العاقد اكتشف في نفسه شيئاً من عدم الرضا بعد انعقاد العقد صحيحاً. والخلاصة: أن الفسخ في الإقالة يختلف عن الفسوخ الأخرى، حيث لا يشترط في سائر الفسوخ رضا المتعاقدين، بل تصح من طرف واحد، أما الإقالة فلا تصح إلا برضا المتعاقدين، كما أن الإقالة لا تتأثر بالشروط الفاسدة عند الحنفية (٤).

стр. 3082

(٢٧) - ٢ - الخيار: هو الذي يتمثل فيه الفسخ بسبب شرط صريح أو ضمني، وهو أن يكون للمتعاقد الحق في الاختيار بين الإمضاء وعدم إمضائه بفسخه إن كان الأمر أمر خيار شرط أو رؤية أو عيب، أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الأمر أمر خيار التعيين (١). يفسخ العقد بسبب وجود خلل في تكوين العقد، وبخاصة فيما يتعلق بالمعقود عليه، كما في خيار الوصف أوخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار الغبن والتغرير، وحينئذ يختلط الفسخ بالإبطال، ويفسخ بسبب تضمن العقد شرطاً يمنح أحد العاقدين أو كليهما رخصة فسخ العقد، كما في خيار الشرط وخيار النقد. وقد اعتبر الفقهاء استحقاق المبيع عيباً في العقد. والعيب يشمل كل ما من شأنه الحط من قيمة الشيء أو تفويت غرض من أغراضه. كما يفسخ بسب تجزؤ الشيء في خيار تفرق الصفقة، أو تغير شكله قبل التسليم، أو وجد المشتري نقصاً في المقادير والكميات. وقد يفسخ العقد أيضاً بسبب الخلل في الرضا، فإذا شاب الرضا بعض العيوب كالغبن التدليسي والغلط، والإكراه، جاز الفسخ. (٢٨) - ٣ - عدم لزوم العقد بطبيعته: إنه يجعل للعاقد الحق في الفسخ من الأصل، فيجوز لأحد العاقدين أو لكليهما بحسب العقد المسمى أن يستقل بالفسخ، مثل العارية والقرض والوديعة والشركة والوكالة، كلها عقود غير لازمة يجوز فسخها متى شاء أحد الطرفين المتعاقدين، بشرط إعلام الطرف الآخر بالفسخ في رأي الحنفية، ليكون على بيّنة من أمره، فعلم الطرف الآخر بالفسخ مشروط دائماً. وقال ابن رجب: عقود المشاركات كالشركة والمضاربة، المشهور

стр. 3083

أنها تنفسخ قبل العلم كالوكالة، وكذا الوديعة للوديع فسخها قبل علم المودع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، وكذا الطلاق والخلع يصح دون علم الآخر (١). (٢٩) - ٤ - استحالة تنفيذ أحد الالتزامين المتقابلين: سواء أكانت هذه الاستحالة ناشئة عن فعل الملتزم أم لا؛ إن هذه الاستحالة تجيز فسخ العقد أحياناً؛ لأن الالتزام المقابل يصبح بلا سبب. وعلى هذا إذا هلك الشيء المؤجر بعينه أو لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، سقط التزامه بدفع الأجرة، وفسخت الإجارة، لاستحالة استيفاء المنفعة المتعاقد عليها. أما إذا كانت الإجارة في الذمة كتعهد نقل الحمل إلى مكان معين على أية دابة أو سيارة ثم تعبت الدابة أو تعطلت السيارة، فلا يفسخ العقد، بل يطلب التنفيذ العيني، أي الاستبدال بها غيرها. والقاعدة في البيع: أنه إذا كان الثمن ديناً، أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً، فإن كان الثمن غائباً أو بعيداً أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ (٢). (٣٠) - ٥ - الفسخ للفساد عند الحنفية القائلين به في المعاملات: يفسخ العقد للفساد بحكم الشرع لإزالة سبب فساد العقد كما تقدم، كجهالة المبيع أو الثمن أو الأجل أو وسائل التوثيق من كفالة أو رهن جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى المنازعة، وتعليق المبيع على شرط، وإضافته للمستقبل، واشتمال البيع على الثمن المحرّم شرعاً كالخمر والخنزير، ووجود بيعتين في بيعة أو شرطين في بيع واحد، والإضرار بالمبيع كبيع جذع من سقف، وكون البيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، أي احتمال الهلاك، كبيع الشيء المنقول المملوك قبل قبضه،

стр. 3084

ووجود شرط فاسد أو مفسد في العقد وهو ما لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين. ويمكن حصر أسباب الفساد كما تقدم في ستة: الإكراه، والغرر (غرر الوصف)، والجهالة، والتوقيت، والضرر الذي يصحب التسليم، والشرط الفاسد، ومنه الربا، أما فساد بيع المنقول قبل قبضه فيرجع للضرر (١). وبه يتضح أن أسباب انحلال العقد في الفقه الإسلامي ثلاثة: ١ - كون العقد غير لازم. ٢ - الفسخ. ٣ - الإقالة (٢). أنواع الفسخ: ١ - الفسخ الاتفاقي (أوالإقالة) والفسخ بحكم القضاء، والفسخ بحكم الشرع: (٣١) - الفسخ الاتفاقي كما تقدم: هو إنهاء العقد باتفاق العاقدين، إذ إن فسخ العقد يكون بالوسيلة نفسها التي عقد بها العقد، فكما نشأ العقد بإيجاب وقبول متطابقين على إنشائه، كذلك يزول بإيجاب وقبول متوافقين على إلغائه، فالعقد: اتفاق ينشئ الالتزام، أما الإقالة فهي اتفاق يقضيه. ومحل الإقالة: إلغاء الالتزامات التي نشأت من العقد الذي أقيل، وسببها: هو الباعث الذي دفع المتقايلين إلى هذا الإلغاء.

стр. 3085

وقد تتم الإقالة بإرادة منفردة إذا اتفق عليها بإرادتين سابقتين، وعلى أي حال فإن الإقالة التي هي فسخ اتفاقي لا تخل بالمعاوضة لأي من العاقدين، وإنما تدل على أن الرضا الكامل بالعقد غير متوافر. (٣٢) - ويقرب من الإقالة: الرجوع في الهبة إذا تم بالتراضي، فهذه إقالة من الهبة، وقد يتم الرجوع في الهبة بغير الإقالة، وذلك بطريق القضاء إذا لم يقبل الموهوب له الإقالة، واستند الطلب إلى عذر مقبول، ولم يوجد مانع من الرجوع (١). والعذ ر المقبول مثل إخلال الموهوب له بما يجب نحو الواهب، أو عجز الواهب عن توفير أسباب المعيشة لنفسه أو أن يرزق ولداً بعد الهبة، وموانع الرجوع في الهبة هي الزوجية والقرابة والتصرف في الموهوب، والزيادة المتصلة في الموهوب أو تغييره على وجه تبدل فيه اسمه، كخياطة القماش ثوباً، وموت أحد العاقدين، وهلاك الموهوب أو استهلاكه، والعوض في الهبة، وحال كون الهبة صدقة لفقير أو جهة بر، وهبة الدين للمدين. ويلاحظ أن الزواج يقبل الفسخ قبل التمام لا بعده، فلا تصح إقالته (٢). (٣٣) - وأما الفسخ بحكم القضاء أو الفسخ الجبري: فيكون إذا لم يحدث الفسخ بالتراضي، أو لرفع فساد العقد. ففي البيع المشتمل على خيار العيب، وفي حالة الهلاك غير الكلي حيث يكون العقد في حاجة إلى فسخ، يرى الحنفية أن المبيع إذا كان في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري: رددت، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي باتفاق الحنفية والشافعية. وأما إن كان المبيع في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي

стр. 3086

عند الحنفية؛ لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد؛ لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد بأحد العاقدين، فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر، ومن غير قضاء القاضي، بخلاف الفسخ قبل القبض؛ لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبض (١). أما في خيار الرؤية فيرد المشتري المبيع بمحض إرادته دون حاجة إلى التراضي أو التقاضي، سواء كان ذلك قبل قبض المبيع أو كان بعد القبض. فإذا رد من له الخيار، ولو بعد قبض المبيع، رد بمحض إرادته دون حاجة إلى التراضي أو التقاضي. ويرى الجمهور أن العقد ينفسخ بقول المشتري: رددت، بغير حاجة إلى قضاء، ولا إلى رضا البائع؛ لأن الفسخ لا تفتقر صحته إلى القضاء، ولا إلى الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالاتفاق، وبخيار الرؤية على أصل الحنفية (٢). (٣٤) - ويفسخ القاضي العقد عند الاطلاع على فساده ورفع الأمر إليه، كفسخ البيع الفاسد عند الحنفية إذا وجد فيه أحد أسباب الفساد الستة المتقدمة وهي الإكراه، والغرر، والجهالة، والتوقيت، والضرر الذي يصحب التسليم، والشرط الفاسد، والربا. ولا يشترط أن يحكم القاضي بالفسخ، ما لم يكن الفسخ بسبب عيب في المبيع، وكان المشتري قد قبض المبيع. وأسباب الفسخ القضائي أو حالاته: هي استحالة التنفيذ، وعدم التنفيذ، والإعذار في العقود المستمرة، والشرط الفاسخ الصريح أو الخيارات الاتفاقية. (٣٥) - وأما الفسخ بحكم الشرع: فيكون بسبب الخلل الحاصل في

стр. 3087

العقد في شرط من شروط الشرع، كفسخ الزواج عند تبين الرضاع بين الزوجين، وفسخ البيع حالة فساده كما تقدم. والفرق بين الفسخ الاتفاقي والفسخ أو الانفساخ بحكم الشرع والفسخ القضائي: أن الحكم في النوعين الأولين يكون كاشفاً عن الفسخ وليس منشئاً له، أما الفسخ بحكم القضاء فالحكم فيه منشئ للفسخ. ٢ - الفسخ باعتباره جزاء لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه: (٣٦) -. لا يجيز الفقه الإسلامي للعاقد أن يطلب الفسخ إذا لم ينفذ العاقد الآخر التزامه، فإذا لم يسلم البائع المبيع أو لم يدفع المشتري الثمن عند حلول الأجل، أجبر العاقد على تنفيذ الالتزام ما دام تنفيذ هـ عيناً ممكناً؛ لأن مهمة القاضي هي إيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم، فلا موجب للفسخ. (٣٧) -. وتكون القاعدة أن العقد لا يفسخ إذا أخل المدين بالتزامه، بل يبقى العقد قائماً في هذه الحالة، فإذا كان الثمن ديناً أجبر البائع في رأى الحنفية وغيرهم على تسليم المبيع، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً، وإن كان الثمن غائباً أو بعيداً أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ. وإذا أخل المرتهن بالتزامه، لم يملك الراهن فسخ الرهن، بل يقتصر على مطالبة المرتهن بتنفيذ التزامه، أو مطالبته بالضمان إذا هلك المرهون. وإذا لم يقم أحد العاقدين في الصلح بتنفيذ ما التزم به بموجب العقد، فليس للمتعاقد الآخرأن يفسخ الصلح، بل يطالب المدين بأن يقوم بتنفيذ التزامه (١).

стр. 3088

٣ - الفسخ بسبب الخيار (الفسخ والقوة الملزمة للعقد): (٣٨) -. عرفنا سابقاً أن الأصل في العقود اللزوم، فيلزم العقد بالإيجاب والقبول، إلا إذا كان فيه خيار أو كان العقد بطبيعته غير لازم، وحينئذ يجوز فسخ العقد إما لكلا العاقدين برضاهما أو لأحدهما بدون تراض، ففي العقد غير اللازم يثبت خيار الفسخ للعاقدين، وفي العقد المشتمل على الخيار يثبت حق الفسخ لكلا العاقدين في خيار المجلس (١) عند القائلين به وهم الشافعية والحنابلة والإمامية، وكذا في خيار الشرط إن كان مشروطاً للعاقدين، فإن كان مشروطاً لأحدهما انحصر فيه حق الفسخ. ويكون حق الفسخ لأحد العاقدين أيضاً في الخيارات الناجمة عن وجود شائبة أو عيب في رضا أحد المتعاقدين كالغلط والغبن والتغرير والإكراه، وهذا يشمل خيار العيب، وخيار الغبن والتغرير، وخيار تلقي الركبان، وخيار تفرق الصفقة، وخيار الرؤية، وخيار فقد الوصف المشروط في العقد، وفي حال استحقاق (٢) أحد العوضين. وهذا يعني أن صاحب الخيار يقدر على إمضاء العقد أو على حله كيفما شاء دون رضا الآخر، وإن خياره هذا يسقط بالإجازة الصريحة أو الضمنية، أي بكل مايدل على رضاه بإمضاء العقد بعد علمه بزوال سبب الخيار، وإذا أمضاه يصبح بعدئذ لازماً (٣). (٣٩) -. ووجود هذه الخيارات لا يضعف القوة الملزمة للتعاقد؛ لأن العقد نشأ غير لازم باتفاق إرادتي العاقدين، كما في خيار الشرط ونحوه، أو بحكم الشرع، كما في خيار المجلس، لقوله ﷺ : «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول

стр. 3089

أحدهما للآخر: اختر» (١) أي اختر اللزوم، فهذا الحديث لا يعارض آية الأمر بالوفاء بالعقود؛ لأن المراد بالعقود هي الكاملة اللازمة التي لا خيار فيها، ولا يعارض أيضاً آية ﴿تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] لأن هذا الخيار مشروع للتأكد من تمام الرضا. وللعقود غير اللازمة في الفقه الإسلامي نظائر في القوانين الوضعية الحديثة، مثل العقود الزمنية غير المعينة المدة التي يجوز لأحد العاقدين فيها أن يستقل بنقضها بإرادته المنفردة (٢). والخلاصة: أن الفسخ حق ضعيف، وهو خروج على القاعدة العامة التي تقضي بلزوم العقد، ووجوب الوفاء به. ٤ - الفسخ للأعذار الطارئة: يفسخ العقد للعذر أو لحوادث طارئة إذا كان عقد إيجار ونحوه، أو عقد بيع للثمار بسبب الجوائح. (٤٠) - أجاز فقهاء الحنفية (٣) دون غيرهم فسخ عقد الإجارة وعقد المزارعة بالأعذار الطارئة؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم

стр. 3090

العقد عند تحقق العذر، للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو ما يكون عارضاً يتضرر به العاقد مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ. قال ابن عابدين: كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله، يثبت له حق الفسخ (١). (٤١) - والأعذار ثلاثة أنواع: ١ - عذر من جانب المستأجر: كإفلاسه أو انتقاله من حرفة إلى أخرى؛ لأن المفلس أو الذي بدل الحرفة لا ينتفع بالعقد إلا بضرر، وكذا سفره عن البلد؛ لأن في إبقاء العقد مع السفر ضرراً به. ٢ - عذر من جانب المؤجر: كلحوق دين فادح به لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، هذا إذا ثبت الدين قبل الإجارة بالبينة أو بالإقرار. ومثل إطلاع المؤجر على عيب في المأجور. ٣ - عذر راجع للعين المؤجرة: كأن يستأجر شخص حماماً في قرية ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية، فلا يجب عليه الأجر للمؤجر. وقد نص قانون المعاملات المدنية في دولة الإمارات (م ٨٩٢) المستمد من الفقه الإسلامي على أنه إذا حدث عذر يحول دون تنفيذ عقد المقاولة (٢) أو إتمام تنفيذه، جاز لأحد عاقديه أن يطلب فسخه أو إنهاءه حسب الأحوال، كما تفسخ الإجارة في مذهب الحنفية بالأعذار الطارئة. ونصت المادة (م ٨٩٥) على أنه إذا

стр. 3091

تضرر أحد العاقدين من الفسخ، فللمتضرر أن يطالب الطرف الآخر بتعويضه في الحدود التي يقرها العرف. (٤٢) -. وقال جمهور العلماء (غير الحنفية) (١): الإجارة عقد لازم، فلا تفسخ كسائر العقود اللازمة من أي عاقد بلا موجب، كوجود عيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة، فإذا فات المعقود عليه وهو المنفعة، كانهدام الدار، وموت الدابة والأجير المعينين، جاز الفسخ، ويكون بالنسبة للمستقبل لا في الماضي، وإذا وجد عيب في الشيء المؤجر، مثل جموح الدابة أو نفورها، أو كونها عضوضاً، أو تعثر الظهر في الشيء، أو طرأ عرج أو ضعف بصر أو جذام أو برص، جاز الفسخ أيضاً. وتفصيل الحكم في هذه المذاهب: أن المالكية يجيزون فسخ الإيجار للعذر الذي يمنع استيفاء المنفعة شرعاً، كسكون ألم السن المستأجر على قلعها، أو العفو عن القصاص المستأجر على استيفائه، وتنفسخ الإجارة بحمل الظئر؛ لأنه يخاف على الولد من لبنها، وتنفسخ الإجارة أيضاً إن انقطع الماء عن الرحى المستأجرة. ويجيز الشافعية فسخ الإجارة لعذر إذا أوجب خللاً في المعقود عليه أو كان عيباً فيه تنقص به المنفعة، أو تعذر استيفاء المنفعة تعذراً شرعياً، كتعثر ظهر الدابة في المشي، والعرج الذي تتأخر به عن القافلة، وضعف البصر في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والرحى وغير ذلك مما يوجب خللاً في المعقود عليه ترد به العين للعيب. وتنفسخ الإجارة لقلع السن إن زال الألم للتعذر الشرعي.

стр. 3092

وكذلك قال الحنابلة: لا تنفسخ الإجارة بالعذر إلا إذا أوجب خللاً أو عيباً في المعقود عليه تنقص به المنفعة أو تعذر استيفاء المنفعة تعذراً شرعياً، فإن تعذر الزرع بسبب غرق الأرض أو انقطاع مائها فللمستأجر الفسخ. وأجاز المالكية والحنابلة فسخ البيع في بيع الثمار بسبب الجوائح إذا تلفت الثمرة كلها، وإنقاص الثمن في تلف بعض الثمار، كما سيأتي في حالات فسخ العقود (عقد البيع) ف/٧٥. ٥ - الفسخ لاستحالة التنفيذ (الفسخ وتحمل تبعة الهلاك): (٤٣) -. عرفنا سابقاً أنه ليس في الفقه الإسلامي نظرية عامة للفسخ، وهذا حسن؛ لأنه يضيق من نطاق الفسخ في العقود على غرار القانون الروماني، ويوفر لها القوة الملزمة في التعاقد؛ أي أن حله بعد عقده أمر خطير، فوجب الاحتراز منه، والتضييق فيه ما أمكن. ولذا يجيز الفقه الإسلامي الفسخ في حالة استحالة التنفيذ لأحد التزامات العقد، سواء أكان ذلك بفعل الملتزم أم لا؛ لأن الالتزام المقابل يصبح بلا سبب، وبناء عليه، يمكن القول بأن هلاك الشيء في جميع الأحوال قبل القبض يؤدي إلى فسخ العقد باتفاق المذاهب. وتقع تبعة الهلاك على عاتق الملتزم، كهلاك المبيع قبل القبض، وكما إذا لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، فإن التزامه بدفع الأجرة يسقط (١). ويسقط حق الفسخ إذا هلك الشيء أو تغير شكله بعد قبض المشتري له.

стр. 3093

هذا .. وقد نص فقهاء الحنابلة على أنه إذا تعذر على البائع تسليم المبيع، فللمشتري الفسخ (١). (٤٤) - وإذا نص على التزام ما صراحة أو ضمناً في العقد، فإن عدم الوفاء به، يؤدي كذلك إلى الفسخ، مثال الصريح: ما لو تعهد المشتري بتقديم رهن أو كفيل بالثمن، ولم يفعل، فإن عقد البيع يفسخ. ومثال الشرط الضمني: ما إذا وجد المشتري في العين المبيعة عيباً، فله الفسخ، لأن سلامة المبيع من العيوب شرط ضمني في عقد البيع، وكذلك في عقد الإجارة. وقد اعتبروا استحقاق المبيع عيباً. (٤٥) - ويفسخ العقد أيضاً إذا تجزأ الشيء أو تغير شكله قبل التسليم، وكذلك إذا وجد المشتري نقصاً في المقادير؛ لتعيب رضا المشتري الذي لم يتوصل إلى وزن متفق عليه. وقد يفسخ العقد أيضاً كما تقدم إذا شاب الرضا بعض العيوب، كالغبن التدليسي والخطأ (الغلط) والإكراه، ويفسخ أيضاً في حال بيع العين الغائبة، أو غير المرئية، فللمشتري الذي لم ير المبيع حق الفسخ أيضاً؛ لأن الغلط حينئذ كثير الاحتمال (٢)، وبه يتبين أن الفسخ بالمعنى الصحيح لا يكون إلا في الأحوال التي يصيب فيها رضا العاقد عيب، أو يختل هذا الرضا، لعد تحقق الشرط الذي توقعه العاقد عند التعاقد. (٤٦) - وأساس الفسخ في جميع الأحوال مخالفة شرط صريح أو ضمني في العقد، ويكون الفسخ نتيجة لإعمال شرط يتضمنه العقد عند الإخلال بالالتزام.

стр. 3094

وأساس المسؤولية المدنية في الشريعة الإسلامية عن الهلاك الكلي أو الجزئي هو نظرية تحمل التبعة، أي أن كل شخص يتحمل مسؤولية الضرر الذي يحدثه بفعله مباشرة أو تسبباً، فأساس المسؤولية هو الضرر، وليس عنصر الخطأ (١). (٤٧) - وأساس تحمل تبعة الهلاك في الفقه الإسلامي ليس كما يرى بعضهم هو طبيعة العقد الملزم للجانبين (٢)، وإنما هو المعاوضة أو المبادلة التي تقتضي إنشاء التزامات متقابلة، وتحقق فكر المساواة التي تقوم عليها العقود، وتحقيق المساواة بين المتعاقدين يقتضي ألا يجبر أحدهما على تنفيذ التزامه، بينما الآخر لم يقم بتنفيذ الالتزام المقابل، وإلا كان في ذلك إخلال بالمساواة المقصودة (٣). قال الكاساني: «ولأن المعاوضات مبناها على المساواة عادة وحقيقة» (٤) وقال أيضاً: «ولأن المساواة في العقود المطلقة مطلوب العاقدين (٥)». وتظهر سلامة هذا التأصيل في حالة الهلاك الجزئي بنحو أوضح، فالالتزام الذي انقضى جانب من محله بالهلاك، لم ينقض بسببه الالتزام تماماً، ومع ذلك فإنه يسقط من الالتزام المقابل ما يساوي قيمة الجزء الهالك من التزام العاقد الآخر، أي الجزء الذي أصبح فيه الالتزام مستحيلاً. ٦ - الفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة: (٤٨) - إذا كان المدين معسراً أمهل إلى وقت اليسار، عملاً بنظرة الميسرة

стр. 3095

﴿وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢] وإذا كان موسراً مماطلاً في الوفاء، وله مال يفي بدينه للحال، جاز للقاضي حبسه باتفاق المذاهب (١). وأضاف الحنابلة أنه إذا ظهر المشتري مفلساً أو معسراً، ولو ببعض الثمن، فللبائع خيار الفسخ، والرجوع بعين ماله، ولا يلزمه أن ينظره. وإذا كان المشتري موسراً مماطلاً، فللبائع الفسخ. وإذا هرب المشتري قبل نقد الثمن، وهو معسر، فللبائع الفسخ، وإذا كان موسراً، قضاه الحاكم من ماله، وإلا باع المبيع، وقضى ثمنه منه. وأما إذا كان الثمن حالاً غائباً عن المجلس دون مسافة القصر، فلا فسخ، ويحجر الحاكم المبيع وبقية ماله حتى يحضر الثمن (٢). والفسخ في هذه الأحوال يدخل تحت ما يسمى بخيار تعذر تحصيل الثمن أو المبيع، ذلك الخيار الذي يثبت على التراضي. (٤٩) - ووافق المالكية والشافعية مذهب الحنابلة في جواز الفسخ حال الإفلاس، فيكون رأي جمهور الفقهاء إعطاء خيار الفسخ في عقود المعاوضة للعاقد الذي سلّم شيئاً معيناً إلى آخر، بأن يسترده منه بحالة إفلاسه، إذا كان هذا الشيء لا يزال موجوداً عنده بعينه، عملاً بقوله ﷺ : «من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره» (٣) وقوله ﵇ أيضاً: «من

стр. 3096

وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيِّع - أي البائع - من باعه» (١). فلو أفلس المشتري بعد تسليم المبيع وقبل دفع الثمن، فللبائع خيار الفسخ واسترداد المبيع إذا كان هذا المبيع لا يزال بعينه في يد المشتري، عملاً بالحديث المتقدم، ولأن العجز عن إيفاء الثمن يوجب حق الفسخ قياساً على العجز عن إيفاء المبيع؛ لأن المبيع عقد معاوضة يتطلب المساواة. وليس خيار الفسخ مختصاً بعقد البيع عند الجمهور، بل هو ثابت أيضاً في كل عقود المعاوضات كالإجارة والقرض، فللمؤجر فسخ الإجارة إذا أفلس المستأجر قبل دفع الأجرة، وللمقرض الرجوع على المقترض إذا أفلس وكان عين ماله قائماً. وأضاف الإمام الشافعي لجواز الرجوع والاسترداد في حال إفلاس المدين الحي حال وفاة المدين إذا تبين أنه مفلس (٢). (٥٠) - أما الحنفية فلم يجيزوا الفسخ حال الإفلاس وغيره، جاء في المجلة (م ٥٩٢): «إذا قبض المشتري المبيع، ثم مات مفلساً قبل أداء الثمن، ليس للبائع استرداد المبيع، بل يكون مثل الغرماء» (وذلك لأن الثمن دين في الذمة)، وهذا مانع من الفسخ، ولقوله ﷺ فيما رواه الخصاف: «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه، فهو أسوة غرمائه فيه» وأوّلوا حديث أبي هريرة الذي استند إليه الجمهور بأنه خاص بحالة شرط خيار الفسخ للبائع، وقبضه المشتري بشرط الخيار

стр. 3097

للبائع (١)، ولكن هذا التأويل ضعيف واهن؛ لأن الحديث صحيح وعبارته عامة مطلقة، فلا ينقض بحديث ضعيف. وأجاز الجمهورفسخ الزواج للإعسار أو العجز عن النفقة، والفرقة طلاق عند المالكية، فسخ عند الشافعية والحنابلة لا تجوز إلا بحكم القاضي، وجوازها لدفع الضرر عن الزوجة. ولم يجز الحنفية التفريق بسبب الإعسار؛ لأن الله تعالى أوجب أنظار المعسر بالدين في قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢] (٢). ٧ - الفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج: (٥١) - هناك فوارق بين البطلان والفساد منها: استحقاق الفسخ (٣): فالباطل لا يحتاج إلى فسخ؛ لأنه معدوم لم يوجد، والفسخ يرد على عقد قائم كالعقد المشتمل على أحد الخيارات، وغير ذلك مما ذكر في أسباب الفسخ. وأما الفاسد: فيستحق الفسخ رعاية لأحكام الشرع، إما بإرادة أحد العاقدين، أو بإرادة القاضي لأن إزالة الفساد واجب شرعاً، وبالفسخ يرتفع الفساد (٤).

стр. 3098

ويبقى حق الفسخ قائماً، ولو بعد التنفيذ حتى يزول سببه إلا إذا وجد أحد موانع الفسخ وهي (١): ١ - هلاك المعقود عليه أو استهلاكه أو تغيير شكله واسمه كطحن القمح، وخبز الدقيق. ٢ - الزيادة المتصلة غير المتولدة من الأصل، كخلط الدقيق بالسمن أو العسل، والبناء على الأرض، وصبغ الثوب. أما أنواع الزيادات الأخرى وهي الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمال، والزيادة المنفصلة المتولدة كالولد والثمرة، أو غير المتولدة كالكسب والغلة، فلا تمنع الفسخ والرد. ٣ - التصرف بالشيء المقبوض بعقد فاسد من قبل القابض، كالبيع والهبة والرهن والوقف. ويلاحظ أن حق الفسخ بسبب الفساد يورث، فلو مات أحد العاقدين، جاز لورثته أو للعاقد الآخر فسخ العقد بعد الموت. (٥٢) - ويفسخ الزواج باتفاق المذاهب بسبب ردة أحد الزوجين (٢)، لأن الردة تتضمن تبييت الغدر والحقد والعداوة للمسلمين، فلا يناسبها بقاء الحياة الزوجية التي ينبغي أن تقوم على الوفاء والصفاء والحبّ والوئام والسلام، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولأمة مؤمنة خير من مشركة، ولو أعجبتكم، ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير

стр. 3099

من مشرك، ولو أعجبكم .. ﴾ [البقرة:٢٢١/ ٢] وقال سبحانه: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر .. ﴾ [الممتحنة:١٠/ ٦٠] وتكون الفرقة بالردة فسخاً عند الجمهور، وطلاقاً في مشهور المذهب عند المالكية. ٨ - الفسخ الرضائي و الفسخ الجبري بطريق القضاء: (٥٣) - الفسخ الرضائي: هو الذي يتم بتراضي الطرفين المتعاقدين، أو بإرادة أحدهما وهو الأصل في الفسخ، فالإجارة مثلاً لا بد لصحة فسخها من الرضا أو القضاء، أما المزارعة فيجوز على الرواية الراجحة فسخها، ولو بلا قضاء وتراض. والفسخ الجبري بطريق القضاء: هو الذي يكون بحكم القاضي، ويلجأ إليه استثناء من الأصل إذا تعذر التراضي، أو إذا لم يراع العاقدان أحكام الشرع في تجنب أسباب الفساد، أو مصادمة نصوص الشريعة. وقد أشرت لهذا سابقاً في النوع الأول من أنواع الفسخ. وأخصص البحث هنا لبيان آراء المذاهب بإيجاز في أحوال كون الفرقة الزوجيةفسخاً، وما يتوقف من الفرق على القضاء وما لا يتوقف على القضاء. (٥٤) - يرى الحنفية (١): أن الفرقة تكون فسخاً فيما يأتي: ١ - تفريق القاضي بين الزوجين بسبب إباء الزوجة الإسلام، بعدما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي فإن كان الإباء من الزوج، فتكون الفرقة طلاقاً عند أبي حنيفة ومحمد، وفسخاً عند أبي يوسف.

стр. 3100

٢ - ردة أحد الزوجين. ٣ - تباين الدارين حقيقة وحكماً: بأن خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلماً أو ذمياً، وترك الآخر كافراً في دار الحرب، قياساً على الردة، لعدم التمكين من الانتفاع عادة. وقال الجمهور: لا تقع الفرقة باختلاف الدارين. ٤ - خيار بلوغ الصغير أو الصغيرة، ولا تقع الفرقة حينئذ إلا بتفريق القاضي. ٥ - خيار العتق: بأن تعتق الأمة ويبقى زوجها عبداً، فلها الخيار بالبقاء أو إنهاء الزواج، وتثبت الفرقة بنفس الاختيار. ٦ - التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر، ولا تكون إلا عند القاضي. وما عدا ذلك من أنواع الفُرَق يكون طلاقاً، ومنها الخلع. وضابط ما يتميز به الفسخ عن الطلاق في رأي أبي حنيفة ومحمد: هو أن كل فرقة بسبب من جانب المرأة تكون فسخاً، وكل فرقة من جانب الرجل أو بسبب منه مختص بالزوج فهي طلاق، إلا الردة فهي فسخ، وكذا الفرقة بالموت تكون فسخاً. (٥٥) - و يرى المالكية (١): أن الفرقة تكون فسخاً فيما يأتي: ١ - إذا وقع العقد غير صحيح، كالزواج بإحدى المحارم، والزواج بزوجة الغير أو معتدته. ٢ - إذا طرأ على الزواج مايوجب الحرمة المؤبدة، كالاتصال الجنسي بشبهة من أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه، مما يوجب المصاهرة (٢)

стр. 3101

٣ - الفرقة بسبب اللعان: لترتب الحرمة المؤبدة عليه، لحديث: «المتلاعنان لايجتمعان أبداً». ٤ - الفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام بعد أن أسلمت زوجته، أو إباء الزوجة غير الكتابية الإسلام بعد إسلام زوجها؛ لأن ذلك في معنى طروء مفسد على الزواج. (٥٦) - و مذهب الشافعية (١): أن الفسخ أنواع سبعة عشر: فرقة إعسار مهر، وإعسار نفقة أو كسوة أو مسكن بعد إمهال الزوج ثلاثة أيام، وفرقة لعان، وفرقة خيار عتيقة، وفرقة عيوب بعد رفع الأمر إلى الحاكم وثبوت العيب. ووطء شبهة كوطء أم زوجته أو ابنتها، وسبي الزوجين أو أحدهما قبل الدخول أو بعده؛ لأن الرق أزال الملك عن النفس، فعن العصمة أولى، وفرقة إسلام أحد الزوجين، أو ردته، وإسلام الزوج على أختين أو أكثر من أربع، أو أمتين، وملك أحد الزوجين الآخر، وعدم الكفاءة، وانتقال من دين إلى آخر كالانتقال من اليهودية إلى النصرانية، وفرقة رضاع بشرط كونه خمس رضعات متفرقات قبل مضي حولين. (٥٧) - و قال الحنابلة (٢): يكون الفسخ في حالات، منها ما يأتي: ١ - الخلع إذا كان بغير لفظ الطلاق، أو بغير نية الطلاق. ٢ - ردة أحد الزوجين. ٣ - الفرقة لعيب مشترك، وهو الجنون والصرع، أو مختص بالمرأة كالرتق

стр. 3102

والقرن والبخر والقروح السيالة وانخراق ما بين السبيلين، أو مختص بالرجل كالجب والعُنَّة، ولا يفسخ الزواج إلا حاكم. ٤ - إسلام أحد الزوجين. ٥ - الفرقة بسبب الإيلاء بواسطة القاضي، إن انقضت المدة وهي أربعة أشهر، ولم يطأ الزوج زوجته، ولم يطلق بعد أن يأمره الحاكم بالطلاق. ٦ - الفرقة بسبب اللعان؛ لأن اللعان يوجب التحريم المؤبد بين الزوجين، كما تقدم، ولو لم يحكم به القاضي. ويلاحظ أن هذه الفرقة توجب حرمة مؤبدة عند الجمهور وأبي يوسف، وتوجب حرمة مؤقتة عند أبي حنيفة ومحمد إذا خرج أحد الزوجين عن أهلية اللعان، أو كذب الرجل نفسه فيما قذف به المرأة. و فرقة الفسخ: منها ما يتوقف على القضاء، ومنها ما لا يتوقف عليه (١): (٥٨) - أما فرق الفسخ المتوقفة على القضاء فهي: ١ - الفرقة بسبب عدم الكفاءة. ٢ - الفرقة بسبب نقصان المهر عن مهر المثل. ٣ - الفرقة بسبب إباء أحد الزوجين الإسلام إذا أسلم الآخر، لكن الفرقة بسبب إباء الزوجة متفق عليه، أما بسبب إباء الزوج فهو متفق عليه في رأي

стр. 3103

الجمهور، وأبي يوسف الذي يرى أن الفرقة فسخ. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومحمد، فلم يريا توقفها على القضاء؛ لأن الفرقة حينئذ طلاق في رأيهما. ٤ - الفرقة بسبب خيار البلوغ لأحد الزوجين عند الحنفية إذا زوجهمافي الصغر غير الأب والجد. ٥ - الفرقة بسبب خيار الإفاقة من الجنون عند الحنفية إذا زوج أحد الزوجين في الصغر غير الأب والجد والابن. (٥٩) - وأما فرق الفسخ غير المتوقفة على القضاء فهي: ١ - الفسخ بسبب فساد العقد في أصله، كالزواج بغير شهود، والزواج بالأخت. ٢ - الفسخ بسبب اتصال أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه اتصالاً يوجب حرمة المصاهرة. ٣ - الفسخ بسبب ردة الزوج في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن ارتد الزوجان فلا يفرق بينهما بمجرد الردة في الراجح عند الحنفية. ٤ - الفسخ بسبب خيار العتق للزوجة. ٥ - الفسخ بسبب ملك أحد الزوجين للآخر. ٩ - الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف: (٦٠) - العقد عند الحنفية والمالكية إما نافذ أو موقوف، والنافذ: هو ما صدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، كالعقد الصادر من الرشيد في ماله، أو

стр. 3104

الولي أو الوصي عن القاصر، أو الوكيل عن موكله، وحكمه: أنه تترتب عليه آثاره فور صدوره من غير توقف على إجازة أحد. والموقوف: هو ما صدر من شخص له أهلية التعاقد، من غير أن يكون له ولاية إصداره، كعقد الفضولي، وعقد الصغير المميز في التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع ونحوه، والتصرف من الراهن أو المرتهن في الشيء المرهون، والوصية وتبرعات المريض مرض الموت فيما يزيد عن ثلث المال. وحكمه: أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن أو الحق الذي يملك إصداره، فإن لم يجزه، بطل العقد. أما الشافعية والحنابلة فقالوا: إنه باطل من الأصل. (٦١) - وعدم إجازة العقد الموقوف ممن له ولاية أو ملك والذي يتوقف نفاذ العقد على رضاه يعد من أسباب انحلال العقد أو فسخه عند القائلين بانعقاده (١). إن عقود الفضولي (٢) تكون موقوفة على إجازة صاحب الحق، فإن أجازه نفذ، وإلا فسخ واعتبر كأن لم يكن، وعقد الصغير المميز غير المأذون له في التجارة، فيما يتردد بين الضرر والنفع موقوف على إجازة وليه، فإن أجازه نفذ وإلا بطل، وتصرف المدين المحجور عليه أو المدين المفلس موقوف على إجازة الدائنين، وتبرع المريض مرض الموت من هبة أو صدقة فيما زاد عن ثلث تركته موقوف على إجازة الورثة، والوصية من الصحيح فيما يزيد عن ثلث التركة

стр. 3105

موقوفة على إجازة الورثة، وتصرفات السفيه والمغفل المترددة بين الضرر والنفع، كالبيع والشراء والقرض موقوفة على إجازة الولي. فإن لم يجز هؤلاء أصحاب الحق التصرف انحل وعدَّ كأن لم يكن. ١٠ - الفسخ بسبب الاستحقاق: (٦٢) - الاستحقاق لغة: طلب الحق، وفقها: ظهور كون الشيء حقاً واجباً للغير، أوهو أن يدعي شخص ملكية شيء، ويثبت دعواه ويقضي له القاضي بملكيته، وانتزاعه من يد حائزه. وعرفه المالكية بقولهم: هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله. فهو يجيز للمستحق طلب فسخ التصرف أو إمضاءه كالخيار، وتصرف الفضولي. (٦٣) - و الاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان (١): ١ - مبطل للملك بالكلية: بحيث لا يبقى لأحد عليه غير المدعي حق التملك، كالعتق والحرية الأصلية، وحكمه: أنه يوجب فسخ العقد بلا حاجة لحكم القاضي، ولكل واحد من الباعة الرجوع على بائعه بالثمن، فلو أقام العبد بينة أنه حر الأصل، أو أنه كان عبداً لفلان، فأعتقه، فكل واحد، وإن لم يرجع عليه، أن يرجع على بائعه قبل القضاء عليه، ويرجع هو أيضاً على بائعه الأول. ٢ - وناقل للملك من شخص إلى آخر: وهذا هو الغالب، كأن ادعى زيد على خالد أن مافي يده من المتاع ملك له، وبرهن على ادعائه. وحكمه: أنه لا يوجب فسخ العقد؛ لأنه لا يوجب بطلان ملك المشتري، وإنما يتوقف على إجازة

стр. 3106

المستحق أو فسخه. والصحيح عند الحنفية أن العقد لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن، ويفسخ العقد - في الأصح من ظاهر الرواية - بالفسخ، أي بالتراضي، لا بمجرد القضاء بالاستحقاق. وليس لأحد من المشترين أن يرجع على بائعه بالثمن، ما لم يرجع عليه، لئلا يجتمع الثمنان في ملك واحد، أي فليس للمشتري الأوسط أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الأخير. والحكم بالاستحقاق يشمل الحائز ذا اليد، فيؤخذ المدعى به من يده، ويشمل أيضاً كل من تلقى ذو اليد الملك عنه. (٦٤) -. وتطبيقاً لذلك، إذا استحق بعض المبيع المعقود عليه قبل القبض، ولم يجز المستحق، بطل العقد في القدر المستحق؛ لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ولم توجد الإجازة من المالك، وللمشتري الخيار في الباقي، إن شاء رضي به بحصته من الثمن، وإن شاء رده، سواء أحدث عيباً في الباقي أم لا. وإن أثبت المستحق ملكيته المبيع كله بالبينة، فقضي له به، لا ينفسخ البيع، بل يصبح متوقفاً على إجازة المستحق، فإن أجاز البيع بقي المبيع للمشتري، ويأخذ المستحق الثمن من البائع، ويصبح البائع كوكيل عنه بالبيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. وإن لم يجز المستحق البيع، بل اختار أخذ المبيع، ينفسخ البيع السابق بالفسخ، أي بالتراضي عليه - في ظاهر الرواية- ويكون البائع ملتزماً للمشتري برد الثمن. ما يقبل الفسخ وما لا يقبل: (٦٥) - تنقسم العقود من حيث قابليتها للفسخ من كلا الطرفين المتعاقدين

стр. 3107

أو من طرف واحد إلى أربع فئات: عقود لازمة للطرفين، وغير لازمة لهما، ولازمة لطرف دون آخر، والتصرف بالإرادة المنفردة. ١ - العقود اللازمة للطرفين: (٦٦) - العقد النافذ إما لازم أو غير لازم، واللازم: هو ما ليس لأحد عاقديه فسخه دون رضا الآخر، كالبيع والإجارة. والأصل في العقود اللزوم كما تقدم؛ لأن الوفاء بالعقود واجب شرعاً، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] وغير اللازم أو الجائز: هو ما يملك كل من طرفيه أو أحدهما فقط فسخه دون رضا الآخر، إما عملاً بطبيعة العقد نفسه كالوكالة والإعارة والإيداع، أو لمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار. والعقد اللازم للطرفين: هو ما لا يمكن فسخه كعقده إلا باتفاق الطرفين، كالبيع، والإجارة، والصلح، والرهن والزواج، وهو نوعان: أ - عقد لازم لا يقبل الفسخ: كالزواج، ولو باتفاق الطرفين بطريق الإقالة، أي لا يقبل الإلغاء الاتفاقي، وإنما يقبل الإنهاء بطرق شرعية كالطلاق والخلع (١) والتفريق القضائي لعدم الإنفاق، أو للعيب، أو للضرر وسوء العشرة، أو للغيبة، أو للحبس والاعتقال ونحو ذلك. وكل ما لا يقبل الفسخ لا يثبت فيه خيار؛ لأن الخيار يعطي حق الفسخ لصاحبه. ب - عقد لازم يقبل الفسخ: أي يقبل الإلغاء بطريق الإقالة، التي هي اتفاق العاقدين على إنهاء العقد، وهي عقود المعاوضات المالية، كالبيع والإيجار والصلح والمزارعة والمساقاة والمغارسة ونحوها، ويسمى الفسخ عندئذ إقالة. وهذه

стр. 3108

العقود تقبل الفسخ بالخيار أيضاً، إذا طرأ عليها عيب من عيوب الرضا الذي يسلخ عنها صفة اللزوم في حق أحد الطرفين، كخيار العيب وغيره. ٢ - العقود الجائزة غير اللازمة للطرفين: (٦٧) - وهي التي يملك كل من العاقدين فيها حق الفسخ والرجوع، فتفسخ بإرادة كل منهما، ما لم يتعلق ببقائها حق للغير، كالإيداع والإعارة والوكالة والشركة والمضاربة والهبة عند الحنفية، والوصية، والمقاولة، فالعقود الخمسة الأولى يجوز لكل من العاقدين فيها فسخ العقد متى شاء. والوصية والهبة يصح للموصى والواهب الرجوع عنها، كما يصح للموصى له والموهوب له ردها وإبطالها بعد وفاة الموصي، وفي حال حياة الواهب. والمقاولة يجوز لكل من صاحب العمل والمقاول الاتفاق على فسخها أو إنهائها بالتراضي، فإن لم يتفقا على ذلك جاز الفسخ قضاء بطلب أحد الطرفين. فإن تعلق ببقاء العقد حق للغير، كالوكالة ببيع الرهن، لايجوز للراهن المدين عزل الدائن المرتهن الموكل بالبيع عن الوكالة، أي فسخ وكالته إلا بموافقة المرتهن منعاً من إلحاق الضرر به. (٦٨) - ويلاحظ أن الهبة عند الحنفية عقد غير لازم، فيصح الرجوع عنه والفسخ؛ لقوله ﵊: «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها» (١) أي يعوض، فإنه ﵇ جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض، فيصح الرجوع ما لم يحصل تعويض، وإن تم القبض، فالعوض مانع من الرجوع، وموانع الرجوع سبعة: هي العوض المالي، والعوض المعنوي وهو ثلاثة أنواع:

стр. 3109

(الثواب من الله تعالى، وصلة الرحم، وصلة الزوجية) والزيادة المتصلة في نفس الموهوب، وخروج الموهوب عن ملك الموهوب له بالبيع أو الهبة ونحوهما، وموت أحد العاقدين، وهلاك الموهوب أو استهلاكه) (١). وقال الجمهور: الهبة عقد لازم بالقبض، لا يجوز الرجوع فيه إلا الوالد فيما أعطى ولده؛ لقوله ﷺ : «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه» (٢) وقوله ﵇: «ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» (٣) وسائر الأصول كالوالد عند الشافعية (٤). ٣ - العقد اللازم لطرف دون آخر: (٦٩) -. وهو اللازم لأحد الطرفين، كالرهن والكفالة، فإنهما لازمان بالنسبة إلى الراهن والكفيل، غير لازمين بالنسبة للدائن المرتهن والمكفول؛ لأن العقد لمصلحتهما الشخصية توثيقاً للحق، فلهما التنازل عنه، أي أن العقد يفسخ بإرادة من ليس لازماً بحقه، وهو المرتهن والمكفول له. ٤ - تصرفات الإرادة المنفردة: (٧٠) -. وهي التي تنعقد بإرادة واحدة، وتفسخ بإرادة منشئها، كالوصية

стр. 3110

لجهة خيرية، فإنها تفسخ بإرادة الموصي نفسه، وكالجعالة (١) التي هي التزام بإرادة واحدة، وهي عقد جائز غير لازم، يجوز فسخه بإرادة الجاعل، فمن أعلن عن مكافأة لمن يعثر على شيء ضائع،، أو لمن يكتشف علاجاً لمرض معين، أو لمن يتفوق في مسابقة معينة أو امتحان ما، له أن يعدل عن إعلانه أو وعده قبل تحقق الشيء المعلن، فهنا انعقد العقد لمجرد الإيجاب، وقبل قبول الملتزم له، فيجوز نقض الإىجاب؛ لأن للموجب أن يرجع عن إيجابه دائماً قبل القبول. وإذا ما أبدى الملتزم له صراحة رفضه للعقد، سقط العقد في جميع الأحوال. حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ: (٧١) -. القاعدة المقررة في الفقه الإسلامي كما تقدم أنه لا يجوز في العقود الملزمة للجانبين أو عقود المعاوضة فسخ العقد إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه، وإنما يحق له مطالبة المدين بتنفيذ التزامه على أن ينفذ هو ما في ذمته من التزام. لكن يجوز فسخ العقد استثناء إذا تعذر على أحد المتعاقدين القيام بالتزامه، كأن هلك المعقود عليه، أو صار في حكم الهالك، أو فاتت منفعته المقصودة (٢). وبناء عليه، أذكر هنا حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ. حالات فسخ العقود: يفسخ العقد استثناء في أحوال خاصة في عقد البيع والإيجار.

стр. 3111

فسخ عقد البيع: يفسخ عقد البيع، ويكون الضمان على البائع في أحوال خمسة هي: (٧٢) - ١ - ضمان هلاك المبيع: يضمن البائع المبيع وينفسخ عقد البيع إذا هلك المبيع كله قبل القبض بآفة سماوية، أو بفعل المبيع نفسه، أو بفعل البائع ويرجع المشتري على البائع بالثمن إذا كان البائع قد قبضه. أما إذا هلك المبيع بفعل المشتري فلا ينفسخ البيع، وعليه الثمن. وإذا هلك المبيع بفعل أجنبي لا ينفسخ البيع أيضاً، ويكون المشتري بالخيار: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه ودفع الثمن، وطالب الأجنبي بالضمان (١). وكذلك يضمن البائع للمشتري مقدار المبيع إذا ظهر أنه ناقص في الكيل أو الوزن، أو الذرع فيما ليس في تبعيضه ضرر، أو كان من العدديات المتقاربة مع شرائها بجملة ثمنها أو قدر الثمن على أساس ثمن الوحدة. ويكون المشتري بالخيار بين فسخ البيع أو أخذ المقدار الموجود بحصته من الثمن، كما يكون له الخيار في بيع الموزونات أو المذروعات التي في تبعيضها ضرر بين فسخ البيع أو أخذ المقدار الموجود بجميع الثمن المسمى. أما إذا بيعت مجموعة من العدديات المتفاوتة بجملة من الثمن، وظهر المبيع ناقصاً أو زائداً، كان البيع فاسداً (٢). هذا تفصيل الحنفية، ويوافقهم الشافعية في الجملة في فسخ البيع بهلاك المبيع بآفة سماوية، أما المالكية والحنابلة فقالوا: لا ينفسخ البيع، بل للمشتري أن يجبر

стр. 3112

البائع على تسليم ما يماثل المبيع إن كان من المثليات، وعلى دفع قيمته إن كان من القيميات، وله عند الحنابلة أن يفسخ البيع إذا شاء، وأن يسترد الثمن من البائع (١). (٧٣) - ٢ - ضمان استحقاق المبيع: يضمن البائع للمشتري أيضاً استحقاق المبيع، ويكون المشتري مخيراً بين أخذ المبيع وفسخ البيع السابق بالتراضي عليه في ظاهر الرواية، ويلزم البائع برد الثمن للمشتري، وبين إجازة البيع، وبقاء المبيع للمشتري، وأخذ المستحق الثمن من البائع، ويصبح البائع كوكيل عنه بالبيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة (٢). (٧٤) - ٣ - ضمان العيب في المبيع: يضمن البائع عيب المبيع، ويكون المشتري بالخيار (خيار العيب) بين فسخ البيع ورد المبيع واسترداد الثمن، وبين إمساك المبيع إن رضيه، إذا ثبت كون العيب موجوداً عند البيع أو بعده قبل التسليم، وعند المشتري، وجهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، ولم يشترط البائع السلامة عن العيب في المبيع، وأن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب، وألا يزول العيب قبل الفسخ. وهذا رأي جمهور الفقهاء ومنهم أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بنقصان العيب فقط إن شاء (٣). (٧٥) - ٤ - ضمان جوائح الثمار المبيعة: يرى المالكية والحنابلة أن الجوائح (٤) التي تصيب الثمار من ضمان البائع، وأن للمشتري أن يرجع بما أحدثته

стр. 3113

من التلف. ويرى الحنفية والشافعية أن هلاك الثمار من ضمان المشتري، ولا رجوع له بشيء على البائع. أما المالكية فقالوا في الأرجح عندهم: يضمن البائع ما تتلفه الجائحة في الثمار والبقول، سواء القليل والكثير، وفي رأي مالك: يكون مقدار نقص الثمن إذا أصابت الجائحة الثلث فأكثر في الثمار والبقول. ويحسب الثلث بالكيل عند ابن القاسم، وبالقيمة عند أشهب. وكذلك قال الحنابلة في ظاهر المذهب: لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله، كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه (١). ودليلهم: «أن النبي ﷺ وضع الجوائح» (٢) وفي لفظ لمسلم: «أمر بوضع الجوائح» وفي لفظ: «إن بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذمنه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» (٣). ٥ - ضمان الخيانة أو فسخ عقود المرابحة بسبب الخيانة: يرى الحنفية أنه إذا ظهرت الخيانة في المرابحة بإقرار البائع، أوببرهان عليها أو بنكوله عن اليمين، كان للمشتري الخيار: إن شاء أخذ المبيع، وإن شاء رده؛ لأن المرابحة عقد مبني على الأمانة؛ لأن المشتري اعتمد على أمانة البائع في الإخبار عن الثمن الأول، فكانت صيانة البيع الثاني عن الخيانة مشروطة دلالة أو ضمناً، فإذا لم يتحقق الشرط ثبت الخيار، كما في حالة عدم تحقق سلامة المبيع عن العيب (٤).

стр. 3114

فسخ عقد الإيجار: (٧٦) -. عرفنا سابقاً في بحث الفسخ للأعذار الطارئة أن الحنفية (١) خلافاً لجمهور العلماء أجازوا فسخ الإجارة بالأعذار الطارئة، كمرض المستأجر أو سفره أو إفلاسه أو سرقة ماله، أو احتراق بضاعته، أو لحوق دين فادح بالمؤجر لا يجد طريقاً لقضائه إلا ببيع المأجور وأدائه من ثمنه، كما أجازوا فسخ الإجارة لموت أحد العاقدين، وذلك ليس تطبيقاً لقاعدة فسخ العقد لعدم تنفيذه. كذلك قرروا فسخ الإجارة لسبب يرجع إلى العين المؤجرة أو إلى الأجرة. أما فسخها لسبب يرجع إلى العين المؤجرة: فيكون إذا هلكت العين أو استحقت أو حدث بها عيب أو طرأ عليها ما يمنع استيفاء المنفعة المقصودة منها. (٧٧) -. فللمستأجر فسخ العقد إذا حدث بالدابة المؤجرة مرض أو عرج. وللمستأجر فسخ الإجارة إذا تغيرت الدار المؤجرة بفعل المؤجر أو بفعل غيره تغيراً يخل بالسكنى، أو إذا لم يقم المؤجر بترميم ما اختل من بنائها، أو خربت الدار أو انهدم جزء منها، أو ترتب على العمارة الضرورية للدار ما يضر بالسكنى أو يخل بالمنفعة المقصودة. كما أن لمستأجر الأرض فسخ الإجارة إذا صارت سبخة أو غمرت بالماء ولم يمكن زراعتها أو انقطع الماء عنها، فلم يمكن ريها. وللمستأجر الفسخ بحدوث تفرق الصفقة في المنافع، كأن يستأجر دارين، فتسقط إحداهما، أو يستأجر داراً فيمتنع المؤجر عن تسليم بيت منها. وأما فسخ الإجارة بسبب الأجرة: فيكون إذا لم يستوف المؤجر الأجرة،

стр. 3115

وهذا بخلاف البيع، فلا يفسخ لعدم دفع الثمن إلا إذا اشترط البائع خيار النقد (١) كما سيأتي. وكذلك تفسخ الإجارة إذا استأجر رجل حماماً في قرية، ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية، ولا يجب على المستأجر الأجرة للمؤجر. وفي الإجارة على الأعمال قال الحنفية: إن كان لعمل الأجير المشترك كالخياط والصباغ والحداد أثر ظاهر في العين المؤجرة، ثم هلكت سقط الأجر، وأما إن لم يكن لعمل الأجير أثر ظاهر في العين المؤجرة كالحمال والملاح، فيجب الأجر بمجرد انتهاء العمل، ولا يسقط الأجر بهلاك العين بعدئذ (٢). حالات عدم الفسخ: (٧٨) - لا يفسخ العقد في غير الأحوال المتقدمة، كما يبين من الأمثلة التالية في عقود البيع والإيجار ونحوه، والرهن والصلح. عقد البيع: لا يفسخ إذا لم يقم المشتري بدفع الثمن عند استحقاقه، فإن كان الثمن حال الأداء أي معجلاً، وجب أداؤه فوراً، وإن كان الثمن مؤجلاً إلى أجل معلوم، لزم أداؤه عند حلول أجله، وإن كان مقسطاً أدى كل قسط في ميعاده. ولا يفسخ البيع عند عدم استيفاء الثمن إلا إذا اشترط البائع لنفسه صراحة في العقد ما يعرف بخيار النقد، فيفسخ العقد حينئذ بسبب الخيار الذي يجعل البيع غير لازم (٣).

стр. 3116

وإذا مات المشتري مفلساً بعد قبض المبيع وقبل نقد الثمن، فالبائع - عند الحنفية خلافاً للشافعية كما تقدم في الفسخ للإفلاس - أسوة الغرماء، ولو وجد متاعه باقياً بعينه فلا يكون أحق به من غيره من أرباب الحقوق الذين لهم حق على المشتري (١). (٧٩) - و عقد الإيجار: لا يفسخ إن استأجر شخص دابة بغير عينها أي إجارة ذمة، ويكون له الحق في أن يطالب بدابة أخرى؛ لأنه تعاقد على نقل الحمل إلى مكان معين على أية دابة، فإذا تلفت الدابة أو تعبت، يستبدل بها غيرها، أي يطلب التنفيذ العيني، وليس له فسخ العقد. لكن إن كانت الدابة مستأجرة بعينها، فتلفت، فسخت الإجارة، وإن تعبت كان المستأجر بالخيار بين نقض الإجارة أو الانتظار حتى تقوى الدابة، وليس له أن يطالب بدابة أخرى (٢). وقال في لسان الحكام: لو أظهر المستأجر في الدار شرا، كشرب الخمر وأكل الربا والزنا واللواطة يؤمر بالمعروف، وليس للمؤجر وجيرانه أن يخرجوه، فذلك لا يصير عذراً في الفسخ، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة. (٨٠) - و عقد المزارعة الذي هو نوع من الإيجار: ليس لصاحب الأرض فسخه إن قصر المزارع في سقي الأرض حتى هلك الزرع أو يبس، أو أخر السقي تأخيراً غير معتاد، أو ترك حفظ الزرع حتى أكلته الدواب، أو لم يمنع الجراد حتى أكل الزرع كله. ولكن يجوز فسخها بالإقالة، ويكون المحصول لصاحب البذر، فإن كان صاحب البذر هو صاحب الأرض، استحق المزارع أجر مثل عمله، وإن

стр. 3117

كان صاحب البذر هو المزارع، استحق صاحب الأرض أجر مثل الأرض. كذلك يجوز للمستحق فسخ المزارعة إذا استحقت الأرض، وله قلع الزرع إن كان العاقدان سيّيّء النية، وله على من قدم الأرض أجر المثل إن كان العاقدان حسني النية، وعليه أجر المثل للمزارع إن كان حسن النية، وكان من قدم الأرض سيّيّء النية (١). (٨١) - و عقد المساقاة: الذي هو أيضاً نوع من الإيجار: لا يجوز فسخه إلا بالتراضي (أي بالإقالة) وليس لأحد العاقدين طلب الفسخ، حتى ولو أخل المتعاقد الآخر بالتزاماته، وإنما له مطالبته بتنفيذ التزامه. وهو يفسخ كالإيجار كما تقدم بالعذر، كما إذا عجز العامل عن العمل أو كان غير مأمون على الثمر، على صاحب الشجر أجر مثل عمل المساقي قبل الفسخ. ويفسخ أيضاً باتفاق المذاهب باستحقاق الشجر أو الثمر، أو الزرع في رأي المالكية الذين يجيزونه على زروع ذات أصول غير ثابتة، كالمقاثي، وبعض الزروع، كالقصب الحلو والبصل والباذنجان والحمص والفاصوليا. وليس للمساقي عند الحنفية خلافاً للمالكية أن يساقي غيره دون إذن صاحب الشجر، فإن فعل، كان صاحب الشجر بالخيار بين أن يأخذ الغلة كلها، ويعطي من قام بالعمل أجر مثله، وبين أن يترك الغلة لهما، ويرجع على المساقي الأول بأجر مثل محل المساقاة، وضمنه ما لحق به من ضرر بسبب فعله (٢). (٨٢) - و عقد الرهن أي الرهن الحيازي وكذا الرسمي والتأميني: لا ينفسخ لعدم تنفيذ أحد المتعاقدين التزاماته؛ لأنه عقد ملزم للجانبين، وإنما

стр. 3118

للعاقد الآخر المطالبة بالتنفيذ، فإذا أخل الراهن بالتزامه وباع المرهون بلا إذن المرتهن، لم يفسخ العقد، ولم ينفذ البيع إلا بإجازة المرتهن، لكن إن هلك المرهون في يد المشتري، كان للمرتهن الخيار: إن شاء ضمن المشتري قيمته يوم هلاكه، وإن شاء ضمنها الراهن. وإذا أخل المرتهن بالتزاماته، بقي الرهن قائماً ولم يفسخ، فإن تعدى المرتهن وباع المرهون بلا إذن الراهن، لم ينفذ البيع، ويبقى الرهن قائماً لا يفسخ، فإن هلك المرهون في يد المشتري، كان للراهن الخيار في تضمين المشتري أو المرتهن. وإن رهن المرتهن المرهون بلا إذن الراهن، لم ينفذ الرهن الثاني، ويبقى الرهن الأول قائماً لا يفسخ. وإن باع المرتهن ثمار العين المرهونة بلا إذن الراهن أو القاضي، فلا يفسخ الرهن، بل يبقى قائماً، ويضمن المرتهن قيمة الثمار (١). وإن هلك المرهون في يد الدائن المرتهن، ضمن الأقل من قيمته ومن الدين عند الحنفية، ولا يضمنه في مذهب الجمهور إلا بالتعدي أو التقصير (٢). وإذا شرط المرتهن تملك المرهون في مقابل دينه إن لم يؤده الراهن في الأجل، كان الشرط باطلاً لمنافاته الحديث: «لا يَغلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (٣). والخلاصة: أن الرهن لا يفسخ لإخلال الراهن أو المرتهن بالتزامه، والعلاج إما عدم نفاذ التصرف، أو الإجبار على التنفيذ، أو الضمان عند الهلاك (٤). وعدم

стр. 3119

نفاذ التصرف كتصرف الفضولي هو رأي الحنفية والمالكية، وأما الشافعية والحنابلة فيرون أن التصرف باطل (٨٣) - و عقد الصلح أيضاً ملزم للطرفين بعد وقوعه، ولا يسوغ لأيهما أو لورثته من بعده الرجوع فيه، ويلتزم كل واحد من المتصالحين بما التزم به نحو الآخر، ولا يفسخ إذا كان في حكم المعاوضة، بأخذ شيء عن آخر إلا بالإقالة أي بتراضي الطرفين، ولاتجوز إقالة الصلح إذا تضمن إسقاطاً لبعض الحقوق. ولا يفسخ الصلح بمعنى المعاوضة (وهو الصلح عن إقرار على بدل معين يدفعه المقر) لعدم تنفيذ أحد المتعاقدين التزامه، حتى ولو ضاع بدل الصلح أو استحق، وكان مما لا يتعين بالتعيين كالنقود، ويلزم من التزم به بمثل ما ضاع أواستحق. أما إذا كان البدل مما يتعين بالتعيين، فلا بد من فسخ الصلح؛ لهلاك المحل. ويرجع المدعي في الصلح عن إقرار على المدعى عليه بالمدعى به كله أو بعضه، فإن كان الصلح عن إنكار يرجع المدعي إلى المخاصمة (١). وذهب المالكية إلى أنه إذاكان الصلح عن إنكار (وهو الصلح الواقع مع إنكار المدعى عليه)، فللمظلوم من المتصالحين نقض الصلح في الأحوال الآتية؛ لأنه كالمغلوب على أمره في قبول الصلح: ١ - إذا أقر الظالم بعد الصلح بظلمه للآخر: بأن يقر المدعى عليه بأن دعوى المدعي حق، أو بأن يقر المدعي ببطلان دعواه. ٢ - إذا شهدت للمظلوم بعد الصلح بينة لم يكن يعلمها وقت الصلح، وحلف على عدم علمه بها.

стр. 3120

٣ - إذا كانت له بينة غائبة بعيدة يتعذر إحضارها وقت الخصومة، وأشهد عند الصلح أنه يقوم بها إذا حضرت. ٤ - إذا وجدت وثيقة الحق عند المدعي بعد الصلح (١). (٨٤) - وكذلك عقد الشركة: لا يفسخ لإخلال أحد الشركاء بالتزامه، بل يجب على المخل بالتزامه الضمان (٢) أي حتى ولو كانت الشركة عقداً غير لازم يجوز فسخه في رأي جمهور العلماء إذا أريد بقاء الشركة، وقرر المالكية أن الشركة عقد لازم، فتكون كالبيع والإيجار والرهن؛ لأن العقد شريعة المتعاقدين. فروق بين الفسخ وغيره: لقد سبق بيان الفروق بين الفسخ وغيره، وأوجزها هنا مقتصراً على بيان الفروق فقط فيما سبق ذكره، وأوضح ما لم يذكر سابقاً. ١ - الفرق بين الفسخ والانفساخ: (٨٥) - ينحصر الفرق بين الفسخ والانفساخ في طريق نشوئه، فالفسخ: إما أن ينشأ عن الرضا أو الإرادة، أو جبراً عن المتعاقدين أو عن أحدهما بحكم القاضي. أما الانفساخ فينشأ عن حادث طبيعي وهو استحالة تنفيذ مقتضى العقد، كهلاك أحد البدلين، وينفسخ العقد المستمر كعقد الإيجار إذا فقد ما يعتمد عليه بقاؤه.
следующие страницы →