وإذا مات المشتري مفلساً بعد قبض المبيع وقبل نقد الثمن، فالبائع - عند الحنفية خلافاً للشافعية كما تقدم في الفسخ للإفلاس - أسوة الغرماء، ولو وجد متاعه باقياً بعينه فلا يكون أحق به من غيره من أرباب الحقوق الذين لهم حق على المشتري (١).
(٧٩) - و عقد الإيجار: لا يفسخ إن استأجر شخص دابة بغير عينها أي إجارة ذمة، ويكون له الحق في أن يطالب بدابة أخرى؛ لأنه تعاقد على نقل الحمل إلى مكان معين على أية دابة، فإذا تلفت الدابة أو تعبت، يستبدل بها غيرها، أي يطلب التنفيذ العيني، وليس له فسخ العقد.
لكن إن كانت الدابة مستأجرة بعينها، فتلفت، فسخت الإجارة، وإن تعبت كان المستأجر بالخيار بين نقض الإجارة أو الانتظار حتى تقوى الدابة، وليس له أن يطالب بدابة أخرى (٢).
وقال في لسان الحكام: لو أظهر المستأجر في الدار شرا، كشرب الخمر وأكل الربا والزنا واللواطة يؤمر بالمعروف، وليس للمؤجر وجيرانه أن يخرجوه، فذلك لا يصير عذراً في الفسخ، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
(٨٠) - و عقد المزارعة الذي هو نوع من الإيجار: ليس لصاحب الأرض فسخه إن قصر المزارع في سقي الأرض حتى هلك الزرع أو يبس، أو أخر السقي تأخيراً غير معتاد، أو ترك حفظ الزرع حتى أكلته الدواب، أو لم يمنع الجراد حتى أكل الزرع كله. ولكن يجوز فسخها بالإقالة، ويكون المحصول لصاحب البذر، فإن كان صاحب البذر هو صاحب الأرض، استحق المزارع أجر مثل عمله، وإن
стр. 3117
كان صاحب البذر هو المزارع، استحق صاحب الأرض أجر مثل الأرض. كذلك يجوز للمستحق فسخ المزارعة إذا استحقت الأرض، وله قلع الزرع إن كان العاقدان سيّيّء النية، وله على من قدم الأرض أجر المثل إن كان العاقدان حسني النية، وعليه أجر المثل للمزارع
إن كان حسن النية، وكان من قدم الأرض سيّيّء النية (١).
(٨١) - و عقد المساقاة: الذي هو أيضاً نوع من الإيجار: لا يجوز فسخه إلا بالتراضي (أي بالإقالة) وليس لأحد العاقدين طلب الفسخ، حتى ولو أخل المتعاقد الآخر بالتزاماته، وإنما له مطالبته بتنفيذ التزامه.
وهو يفسخ كالإيجار كما تقدم بالعذر، كما إذا عجز العامل عن العمل أو كان غير مأمون على الثمر، على صاحب الشجر أجر مثل عمل المساقي قبل الفسخ. ويفسخ أيضاً باتفاق المذاهب باستحقاق الشجر أو الثمر، أو الزرع في رأي المالكية الذين يجيزونه على زروع ذات أصول غير ثابتة، كالمقاثي، وبعض الزروع، كالقصب الحلو والبصل والباذنجان والحمص والفاصوليا.
وليس للمساقي عند الحنفية خلافاً للمالكية أن يساقي غيره دون إذن صاحب الشجر، فإن فعل، كان صاحب الشجر بالخيار بين أن يأخذ الغلة كلها، ويعطي من قام بالعمل أجر مثله، وبين أن يترك الغلة لهما، ويرجع على المساقي الأول بأجر مثل محل المساقاة، وضمنه ما لحق به من ضرر بسبب فعله (٢).
(٨٢) - و عقد الرهن أي الرهن الحيازي وكذا الرسمي والتأميني:
لا ينفسخ لعدم تنفيذ أحد المتعاقدين التزاماته؛ لأنه عقد ملزم للجانبين، وإنما
стр. 3118
للعاقد الآخر المطالبة بالتنفيذ، فإذا أخل الراهن بالتزامه وباع المرهون بلا إذن المرتهن، لم يفسخ العقد، ولم ينفذ البيع إلا بإجازة المرتهن، لكن إن هلك المرهون في يد المشتري، كان للمرتهن الخيار: إن شاء ضمن المشتري قيمته يوم هلاكه، وإن شاء ضمنها الراهن.
وإذا أخل المرتهن بالتزاماته، بقي الرهن قائماً ولم يفسخ، فإن تعدى المرتهن وباع المرهون بلا إذن الراهن، لم ينفذ البيع، ويبقى الرهن قائماً لا يفسخ، فإن هلك المرهون في يد المشتري، كان للراهن الخيار في تضمين المشتري أو المرتهن. وإن رهن المرتهن المرهون بلا إذن الراهن، لم ينفذ الرهن الثاني، ويبقى الرهن الأول قائماً لا يفسخ. وإن باع المرتهن ثمار العين المرهونة بلا إذن الراهن أو القاضي، فلا يفسخ الرهن، بل يبقى قائماً، ويضمن المرتهن قيمة الثمار (١). وإن هلك المرهون في يد الدائن المرتهن، ضمن الأقل من قيمته ومن الدين عند الحنفية، ولا يضمنه في مذهب الجمهور إلا بالتعدي أو التقصير (٢). وإذا شرط المرتهن تملك المرهون في مقابل دينه إن لم يؤده الراهن في الأجل، كان الشرط باطلاً لمنافاته الحديث: «لا يَغلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (٣).
والخلاصة: أن الرهن لا يفسخ لإخلال الراهن أو المرتهن بالتزامه، والعلاج إما عدم نفاذ التصرف، أو الإجبار على التنفيذ، أو الضمان عند الهلاك (٤). وعدم
стр. 3119
نفاذ التصرف كتصرف الفضولي هو رأي الحنفية والمالكية، وأما الشافعية والحنابلة فيرون أن التصرف باطل
(٨٣) - و عقد الصلح أيضاً ملزم للطرفين بعد وقوعه، ولا يسوغ لأيهما أو لورثته من بعده الرجوع فيه، ويلتزم كل واحد من المتصالحين بما التزم به نحو الآخر، ولا يفسخ إذا كان في حكم المعاوضة، بأخذ شيء عن آخر إلا بالإقالة أي بتراضي الطرفين، ولاتجوز إقالة الصلح إذا تضمن إسقاطاً لبعض الحقوق. ولا يفسخ الصلح بمعنى المعاوضة (وهو الصلح عن إقرار على بدل معين يدفعه المقر) لعدم تنفيذ أحد المتعاقدين التزامه، حتى ولو ضاع بدل الصلح أو استحق، وكان مما لا يتعين بالتعيين كالنقود، ويلزم من التزم به بمثل ما ضاع أواستحق. أما إذا كان البدل مما يتعين بالتعيين، فلا بد من فسخ الصلح؛ لهلاك المحل. ويرجع المدعي في الصلح عن إقرار على المدعى عليه بالمدعى به كله أو بعضه، فإن كان الصلح عن إنكار يرجع المدعي إلى المخاصمة (١).
وذهب المالكية إلى أنه إذاكان الصلح عن إنكار (وهو الصلح الواقع مع إنكار المدعى عليه)، فللمظلوم من المتصالحين نقض الصلح في الأحوال الآتية؛ لأنه كالمغلوب على أمره في قبول الصلح:
١ - إذا أقر الظالم بعد الصلح بظلمه للآخر: بأن يقر المدعى عليه بأن دعوى المدعي حق، أو بأن يقر المدعي ببطلان دعواه.
٢ - إذا شهدت للمظلوم بعد الصلح بينة لم يكن يعلمها وقت الصلح، وحلف على عدم علمه بها.
стр. 3120
٣ - إذا كانت له بينة غائبة بعيدة يتعذر إحضارها وقت الخصومة، وأشهد عند الصلح أنه يقوم بها إذا حضرت.
٤ - إذا وجدت وثيقة الحق عند المدعي بعد الصلح (١).
(٨٤) - وكذلك عقد الشركة: لا يفسخ لإخلال أحد الشركاء بالتزامه،
بل يجب على المخل بالتزامه الضمان (٢) أي حتى ولو كانت الشركة عقداً غير لازم يجوز فسخه في رأي جمهور العلماء إذا أريد بقاء الشركة، وقرر المالكية أن الشركة عقد لازم، فتكون كالبيع والإيجار والرهن؛ لأن العقد شريعة المتعاقدين.
فروق بين الفسخ وغيره:
لقد سبق بيان الفروق بين الفسخ وغيره، وأوجزها هنا مقتصراً على بيان الفروق فقط فيما سبق ذكره، وأوضح ما لم يذكر سابقاً.
١ - الفرق بين الفسخ والانفساخ:
(٨٥) - ينحصر الفرق بين الفسخ والانفساخ في طريق نشوئه، فالفسخ: إما أن ينشأ عن الرضا أو الإرادة، أو جبراً عن المتعاقدين أو عن أحدهما بحكم القاضي. أما الانفساخ فينشأ عن حادث طبيعي وهو استحالة تنفيذ مقتضى العقد، كهلاك أحد البدلين، وينفسخ العقد المستمر كعقد الإيجار إذا فقد ما يعتمد عليه بقاؤه.
стр. 3121
فينفسخ البيع بهلاك المبيع قبل قبضه، لاستحالة تنفيذ العقد بالتسليم بعد هلاك محله ولا ينفسخ بموت البائع، بل يطالب الوارث بالتسليم، لثبوت آثار العقد الفوري عقب حدوثه دون توقف على بقاء العاقد. وتنفسخ الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة بموت أحد العاقدين في مذهب الحنفية خلافاً للجمهور؛ لأن هذه العقود تنشئ التزامات عملية ذات آثار متجددة، فيها انسحاب واستمرار يعتمد بقاؤه بقاء العاقد، علاوة على بقاء المحل (١).
٢ - الفرق بين الفسخ (انحلال العقد) وانقضاء الالتزام:
(٨٦) -. هناك فرق واضح بين الفسخ أو انحلال العقد، وبين انقضاء الالتزام، فالفسخ: يؤدي إلى حل الرابطة التي كانت بين المتعاقدين، ويلغي الالتزامات القائمة بينهما. فهذا الفسخ يستلزم انقضاء الالتزامات التي كانت ناشئة بذلك العقد المنحل، ففسخ البيع مثلاً ينهي التزام المشتري بدفع الثمن، والتزام البائع بتسليم المبيع.
أما انقضاء الالتزام: فيحصل إما بتنفيذ الالتزام ووصول كل ذي حق إلى حقه، وإما بسقوط عهدة التنفيذ؛ لزوال ما أوجبها.
فكل انحلال للعقد تنقضي به التزاماته السابقة، ولا عكس، أي لا يلزم من انقضاء الالتزام انحلال العقد الذي أنشأه؛ إذ قد يكون الانقضاء بتنفيذ الالتزام الذي أوجبه، لا بسقوط العقد الموجب. وعلى هذا فتقابض العاقدين في المبيع والثمن هو انقضاء للالتزام بتنفيذ العقد، وليس هو فسخاً أو انحلالاً للعقد (٢).
стр. 3122
وإنجاز المقاول العمل المتفق عليه هو انقضاء للالتزام أو انقضاء للمقاولة، أما فسخ المقاولة بالتراضي أو بالقضاء لسبب ما، أو لعذر طارئ يحول دون تنفيذ العقد أو إتمام تنفيذه، فهو انحلال للعقد وانقضاء للالتزام معاً تبعاً للانحلال.
٣ - الفرق بين الفسخ والإبطال والبطلان والفساد:
(٨٧) - الفسخ: حل ارتباط العقد المنعقد لعدم التنفيذ، أو للإخلال بالالتزام، أولعدم توافر الرضا التام ويحدث بالتراضي أو بالقضاء (١). أما الإبطال: فهو الحكم بكون الشيء باطلاً من أساسه لفقد ركنه أو محله أو لنقص في أهلية العاقد، ولا حاجة فيه لقضاء الحاكم، والبطلان أثر ذلك الحكم اللازم للشيء بعد نقضه بسبب الخلل الجوهري الذي صاحب العقد منذ نشوئه. وأما الفساد: فهو عند القائلين به في المعاملات وهم الحنفية اختلال في صفة عارضة طارئة على العقد، غير جوهرية فيه.
فإذا هلك المبيع قبل القبض تعذر تسليمه وفسخ البيع، وإذا صدر العقد من عديم الأهلية، كالمجنون والمعتوه، كان باطلاً، وإذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً، فسد العقد، ووجب إزالة الفساد شرعاً، فإن لم يزل الفساد، انتقل الملك بالقبض خبيثاً غير طيب في تقدير الشرع، ويأثم العاقد.
٤ - الفسخ وشرط الإلغاء الصريح أو الضمني:
(٨٨) - أثبت جمهور الحنفية وجمهور العلماء استحساناً حق الفسخ حال الشرط الصريح بإلغاء العقد، وهو ما يسمى بخيار النقد: وهو كما تقدم أن يشترط البائع على المشتري أداء الثمن في مدة معينة، وإلا لغا البيع بينهما، أو يشترط البائع
стр. 3123
أنه إذا رد الثمن للمشتري في المدة المعينة، يفسخ البيع، وذلك منعاً لمماطلة المشتري بدفع الثمن.
لكن اختلف المجيزون له في المدة، فحددها أبو حنيفة بثلاثة أيام كخيار الشرط، وحددها غيره بحسب الحاجة، وتركها محمد بن الحسن بدون تحديد، وبرأيه أخذت المجلة، لكن الأصل في خيار الشرط اللزوم، فإذا انتهت المدة المشروطة دون فسخ لزم العقد، والأصل في خيار النقد عدم اللزوم، فإذا لم ينقد الثمن في المدة فسد البيع ولا ينفسخ.
ولم يجز الشافعي وزفر خيار النقد وقالوا بعدم صحته مطلقاً (١).
(٨٩) - وأما عند عدم الشرط الصريح فلم يقرّ الفقه الإسلامي كمبدأ عام حق إلغاء العقد بسبب عدم التنفيذ، بل إنما أقر الفسخ في بعض الحالات المذكورة سابقاً في بحث أسباب الفسخ لوجود شرط ضمني بجواز الفسخ أو الإلغاء، ومن تلك الحالات:
أولاً - أن حق الفسخ مقرر في بعض أحوال استحالة التنفيذ، كعجز البائع عن تسليم المبيع بسبب هلاكه، يكون للمشتري خيار الفسخ، وكبيع السّلم (بيع آجل بعاجل) إذا تعذر تسليم المبيع عند حلول الأجل، لعدم وجوده، يكون المشتري بالخيار بين فسخ السّلم واسترداد الثمن، أو انتظار وجوده إلى العام المقبل (٢). وكعقد الإجارة إذا لم يستطع المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة، فإن التزامه بدفع الأجرة يسقط.
стр. 3124
ثانياً - أجاز الحنفية باستحسان المصلحة ما يسمى بخيار الوصف أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه (وهو أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع حيث فات وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد) أي أنه يثبت حق الفسخ للعاقد الذي اشترطه إذا لم يوجد الوصف المطلوب، كأن يشتري جوهرة على أنها أصلية أو بقرة على أنها حلوب أوشيئاً يحتاج لتجربة، ثم يظهر العكس، فيكون المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه، يستحق في العقد بالشرط، فإذا فات، وجب التخيير، لعدم توافر الرضا بدونه (١).
ومثل ذلك في عقد الاستصناع: إذا لم يكن المصنوع على الوصف المطلوب؛ كان المستصنع مخيراً (٢).
ثالثاً: يجوز عند جمهور الفقهاء غير الحنفية الفسخ في عقود المعاوضة بسبب الإفلاس حال وفاة المدين واسترداد المبيع الموجود، كما تقدم. كذلك أجاز الإمام الشافعي أيضاً خلافاً للجمهور حق الرجوع والاسترداد في حال وفاة المدين إذا تبين أنه مفلس.
رابعاً: أثبت الفقهاء بالاتفاق خيار العيب، فيجوز الفسخ بسببه، والشرط ليس صريحاً بل هو ضمني، كما إذا وجد المشتري بالمبيع عيباً، فإنهم قالوا: إن سلامة المبيع من العيوب شرط ضمني في عقد البيع، وكذلك في الإجارة، فإنها تنفسخ بخيار عيب حاصل قبل العقد أو بعده بعد القبض يفوت به النفع، كخراب الدار، وانقطاع ماء الرحى وانقطاع ماء الأرض (٣).
стр. 3125
٥ - الفرق بين الشرط الموقف (الواقف) و الشرط الفاسخ:
(٩٠) - تبين لدينا أن الفسخ في الفقه الإسلامي منوط بشرط الإلغاء الصريح أو الضمني، وكلا الشرطين من قبيل تعليق الفسخ بشرط فهو شرط تعليقي في اصطلاح الفقه. وهناك في الفقه الغربي القانوني تقسيم لهذا الشرط إلى نوعين: شرط موقف (أو واقف) وشرط فاسخ.
أما الشرط الموقف: فهو الذي يعلق نشوء الالتزام، ويجعله متوقفاً على أمر مستقبل محتمل، مثل آجرتك داري هذه سنة بكذا إن نقلت وظيفتي إلى بلد آخر. ويلاحظ أن تعليق الإجارة على هذا الشرط يفسد العقد عند فقهاء الحنفية وغيرهم؛ لأن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن ملكية العين أو المنفعة لا بد أن تكون مستقرة جازمة لا تردد فيها، وإلا شابهت القمار (١).
وأما الشرط الفاسخ: فهو الذي يرتب على وقوعه الالتزام القائم، مثل: استأجرت دارك على شرط أنني إذا نقلت وظيفتي إلى بلد آخر، انفسخت الإجارة. وهذا لا مانع منه في فقهنا، وهو الذي يشمل شرط الإلغاء الصريح والضمني المتقدم.
والفارق الأساسي عند القانونيين. بين النوعين في الحكم: هو أن الالتزام في الشرط الموقف معدوم، محتمل الوجود، وفي الفاسخ موجود محتمل الزوال (٢).
стр. 3126
٦ - الفرق بين الفسخ والطلاق، وهل يتوقف فسخ الزواج على القضاء؟ (٩١) -. سبق بيان الفَرْق بين الفسخ والطلاق في ف/٧، كما سبق بيان الفَُرَق التي تكون فسخاً للزواج في ف/٥٤ - ٥٧، وما يتوقف منها على القضاء في ف/٥٨.
بعض أسباب الفسخ:
(٩٢) - سبق الكلام عن أسباب الفسخ الجائزة في فقهنا، ويجدر بنا بيان بعض أسباب الفسخ الجائزة وغير الجائزة، وهي الإخلال بالالتزام، واستحالة التنفيذ، وعدم تنفيذ العقد:
١ - الإخلال بالالتزام:
القاعدة المقررة في الفقه الإسلامي أنه لا ارتباط بين الالتزامات المتقابلة في العقد الملزم للجانبين، وإنما كل التزام مستقل عن الالتزام المقابل له، فالتزام المشتري بدفع الثمن في مقابل التزام البائع بتسليم المبيع وضمانه، لا يرتبط أحدهما بالآخر. وكذا التزام المستأجر بدفع الأجرة لا يتعلق بتسليم المؤجر العين المؤجرة.
(٩٣) - وبناء عليه، ضاقت نظرية الفسخ في الفقه، إسهاماً في دعم القوة الملزمة للعقد، وأضحى الأصل أن العقد الملزم للجانبين أو عقد المعاوضة لا يفسخ لإخلال أحد العاقدين بتنفيذ التزامه، وليس للدائن إلا أن يطالب المدين بالتنفيذ أو بالضمان على حسب الأحوال. فإذا لم يدفع المشتري الثمن، لم يفسخ البائع البيع، بل له مطالبة المشتري بالثمن، وإذا لم يدفع المتصالح في الصلح بدل الصلح، فليس للآخر فسخ العقد، وإذا أساء الدائن المرتهن استعمال الشيء المرهون فأخل بالتزامه بالحفاظ عليه، فليس للراهن فسخ الرهن، وإنما له الحق في
стр. 3127
طلب وضع المرهون تحت يد عدل (١)، دفعاً للضرر عن نفسه، وإذا هلك المرهون، ضمن المرتهن في مذهب الحنفية الأقل من قيمته ومن الدين.
(٩٤) -. ولكن يجوز استثناء فسخ العقد للإخلال بالالتزام في أمرين (٢):
الأول - انعدام محل العقد أو فوات منفعته المقصودة، فإذا هلك المبيع أو المأجور أو تعيب أو نقص مقداره أو تعذر استيفاء المنفعة المقصودة منه، أصبح العقد قابلاً للفسخ.
الثاني - الإخلال بالالتزام في العقود المستمرة أو عقود المدة: كالإيجار وعقد التوريد، فإذا أخل العاقد بالمنفعة، أو بالعمل في عقد الإجارة، أو أخل المورِّد بالتزامه، فلم ينفذ المطلوب، توقف العاقد الآخر من تقديم المنفعة، وأمسك العامل عن العمل حتى يستوفي الأجر، وامتنع المورَّد له من دفع الثمن، وهذا كفسخ للعقد.
٢ - استحالة تنفيذ العقد:
(٩٥) -. تبين مما تقدم أنه يفسخ العقد أحياناً لاستحالة تنفيذه، وهو ما يسمى في فقهنا بالآفة السماوية، ويسمى عند الإنكليز بالحادث الإلهي، وعند الفرنسيين بالقوة القاهرة أو الظروف أو الأحوال الطارئة، فيفسخ البيع كما تبين بهلاك المبيع قبل تسليمه، لاستحالة تنفيذ العقد بعد هلاك محله، كما ينفسخ عقد الإيجار بخراب الدار المؤجرة أو بالإخلال بالمنفعة كانهدام جزء منها يؤثر هدمه
стр. 3128
على المنفعة المقصودة منها (١)، كما ينفسخ بيع الثمار بهلاكها كلها بجائحة، وينقص من الثمن بمقدار ما تصيبه الجائحة إن بلغ المجاح الثلث فأكثر في رأي الإمام مالك، وسواء أكان قليلاً أم كثيراً في مذهب الحنابلة والراجح عند المالكية، كما تقدم.
٣ - عدم تنفيذ العقد ومتى يجوز؟ (٩٦) -. إذا كان الفقه الإسلامي قد ضيق من نطاق الفسخ؛ لأن فسخ العقد أمر خطير، فوجب الاحتراز عنه، فإنه وسع فيما يسمى بالدفع بعدم تنفيذ العقد، على أنه ليس فسخاً، وإنما هو وقف لتنفيذ العقد، ويظهر ذلك في أمثلة كثيرة، منها العقود التالية: عقد البيع والإيجار والوكالة والزواج (٢).
(٩٧) -. أما في عقد البيع (بيع سلعة بنقد أو عين بدين) فإنه يجب في مذهبي الحنفية والمالكية (٣) على المشتري أن يدفع الثمن أولاً ما لم يكن مؤجلاً أو مقسطاً عدا القسط الأول للحديث النبوي: «الدين مقضي» (٤) فإن كان العقد مقايضة أو صرفاً وجب تسليم المبيع والثمن معاً في وقت واحد.
وعليه، فإن للبائع حق حبس المبيع لاستيفاء جميع الثمن الحالّ، فإن كان الثمن مؤجلاً أو مقسطاً، لزمه تسليم المبيع في الحال. ويسقط حق الحبس بالحوالة بالثمن في رأي أبي يوسف، ولا يسقط حق الحبس إذا قدم المشتري رهناً أو كفيلاً بالثمن؛ لأن الرهن والكفالة لا يسقطان الثمن عن ذمة المشتري.
стр. 3129
وحق البائع في المبيع حق عيني يمنحه حق امتياز عليه، فإذا مات المشتري مفلساً قبل قبض المبيع ودفع الثمن، فالبائع أحق بحبسه إلى أن يستوفي الثمن من تركة المشتري أو يبيعه القاضي.
وليس للمشتري حق حبس الثمن إلا إذا استحق المبيع في يده بالبينة، وفسخ البيع قبل أداء الثمن. وله أيضاً أن يحبس الثمن إذا استحق المبيع قبل قبضه من المشتري، وله حق الفسخ واسترداد الثمن إذا كان قد دفعه للبائع.
(٩٨) - وقال الشافعية والحنابلة (١): يجبر البائع على تسليم المبيع أولاً، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن؛ لأن حق المشتري في عين المبيع، وحق البائع في الذمة، فيقدم ما يتعلق بالعين. وعليه، ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن؛ لأن التسليم من مقتضيات العقد.
لكن قال الشافعية: للبائع حبس المبيع حتى يقبض الثمن إن خاف فوته، وكذا للمشتري حبس الثمن إن خاف فوت المبيع.
(٩٩) - وأما في عقد الإيجار: فيرى الحنفية والمالكية (٢) أن المستأجر يدفع الأجرة أولاً إذا
كانت معجلة، ثم يسلم المؤجر العين المؤجرة. وتجب الأجرة وتملك بأحد أمور ثلاثة: اشتراط تعجيلها في العقد، وتعجيلها من غير شرط استيفاء المعقود عليه وهو المنافع شيئاً فشيئاً، ولا تجب الأجرة ولا تملك بنفس العقد، وإنما تلزم جزءاً فجزءاً بحسب ما يقبض من المنافع، فلا يستحق المؤجر المطالبة بالأجرة
стр. 3130
إلا تدريجياً يوماً فيوماً؛ لأنه إذا لم يثبت الملك في أحد العوضين لا يثبت في العوض الآخر، عملاً بالمساواة التي تقوم عليها العقود.
وللمؤجر الحق في حبس العين المؤجرة في يده أو الامتناع عن تسليم الشيء المؤجر، حتى يستوفي الأجر المعجل، كما أن له الحق في فسخ الإجارة.
وأما في الإجارة على الأعمال: فيستحق الأجير الخاص أجره كما ذكر الحنفية بمجرد تسليم نفسه للخدمة، سواء خدم أو لم يخدم، ويجوز له اشتراط تعجيل الأجر قبل أن يسلم الأجير نفسه للعمل. وأما الأجير المشترك أو العام كالخياط والحمال، فله أن يحبس المستأجر فيه حتى يستوفي أجرته إن كان لعمله أثر ظاهر (أي مجرد ما يعاين ويرى) في العين المؤجرة كالخياط والصباغ، إن لم يشترط تأجيلها. وليس له أن يحبس المستأجر فيه، إن لم يكن لعمله أثر ظاهر فيه كالحمال والملاح. أما المالكية فقالوا: للأجير إذا عمل للناس، سواء أكان عاماً أم خاصاً حبس المستأجر فيه حتى يقبض حقه.
(١٠٠) - وذهب الشافعية والحنابلة (١) إلى أن على المؤجر تسليم العين المؤجرة، ثم يسلم المستأجر الأجرة، وتجب الأجرة وتملك بمجرد العقد؛ لأن الإجارة عقد معاوضة، والمعاوضة إذا كانت مطلقة عن الشرط تقتضي الملك في العوضين عقد العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع. وليس للمؤجر حبس العين المؤجرة حتى يستوفي الأجرة.
(١٠١) - وأما في عقد الوكالة: فإن الحنفية ذكروا أن للوكيل بالشراء حق
стр. 3131
حبس المال المشترى في يده إلى أن يقبض الثمن من الموكل، وإن لم يكن قد أعطاه إلى البائع (١).
(١٠٢) -. وأما في عقد الزواج: فاتفقت المذاهب (٢) على أن للمرأة قبل دخول زوجها بها أن تمنع الزوج عن الدخول بها أو عن الانتقال إلى بيت الزوجية، حتى يعطيها جميع المهر المعجل. ويثبت لها أيضاً هذا الحق في حبس نفسها عن زوجها ومنع نفسها من الاستمتاع بها حتى بعد الدخول بها أو الخلوة بها أو الانتقال إلى بيت زوجها. وهذا رأي أبي حنيفة.
أما الصاحبان وبقية الفقهاء فقرروا أنه ليس لها أن تمنع نفسها بعد الدخول بها، حتى تقبض معجل مهرها؛ لأن رضاها بالدخول إسقاط لحقها في طلب المهر، فإذا امتنعت كانت ناشزة، فيسقط حقها في النفقة.
متى يجوز عدم تنفيذ العقد أو ما هي شروط الدفع بعدم التنفيذ؟ (١٠٣) - يشترط للدفع بعدم تنفيذ العقد شرطان (٣):
١ - أن يكون العقد ملزماً للجانبين، أي عقد معاوضة: ففي هذا النوع من العقود يمكن التمسك بعدم تنفيذ العقد، أو بالحق في الحبس الذي هو أوسع بكثير من نطاق الدفع بعدم التنفيذ، وأمثلة ذلك: أن للملتقط حق حبس اللقطة عنده بما أنفق عليها، وللغاصب حبس المغصوب حتى يستوفي ما زاده فيه من بناء أو
стр. 3132
غراس، ولصاحب الملك المشترك أو لصاحب حق العلو إذا انهدم البناء أن يمنع شريكه أو صاحب السفل الذي امتنع من إعادة البناء من الانتفاع ببنائه حتى يؤدي ما يخص حصته من المصروفات (١).
٢ - أن يكون الالتزام المحبوس أو الممنوع عن الآخر التزاماً يتأخر تنفيذه عن تنفيذ الالتزام المقابل: فللبائع حبس المبيع لديه حتى يستوفي الثمن، وليس العكس، كما تقدم، وللمؤجر حبس المأجور إلى استيفاء الأجرة إذا كانت الأجرة معجلة.
آثار الفسخ (أحكامه):
(١٠٤) -. تظهر آثار الفسخ في شيئين: انتهاء العقد، وسريانه على الماضي والمستقبل.
١ - انتهاء العقد بالفسخ: ينتهي العقد بالفسخ، ويكون له آثار فيما بين الطرفين المتعاقدين وبالنسبة لغيرهما.
أولاً- أثر الفسخ فيما بين الطرفين المتعاقدين: يظل العقد قائماً إلى حين الفسخ، وينتج جميع آثاره، فتنتقل مثلاً ملكية المبيع إلى المشتري، وللطرفين إجازة العقد صراحة قبل الفسخ، أو ضمنياً، وحق الفسخ محصور فقط في المتضرر من المتعاقدين دون المتعاقد الآخر.
فإذا فسخ العقد انحل واعتبر كأن لم يكن بالنسبة للطرفين، وتجب إعادة كل شيء إلى ما كان عليه قبل العقد، ويعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل
стр. 3133
التعاقد، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بالتعويض، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو بحكم الاتفاق أو بحكم الشرع.
(١٠٥) - ثانياً - أثر الفسخ بالنسبة للغير: يصبح العقد بالفسخ بالنسبة لغير المتعاقدين أيضاً كأن لم يكن، إلا أن التصرف في العين للغير من قبل المشتري كالبيع أو الهبة أو الصلح ما نع من حق الفسخ، أي يطهر العين المبيعة من حق الفسخ، فلا يتمكن المشتري الأول أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه؛ لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد، أنشأه المشتري نفسه (١).
(١٠٦) -. وكذلك للإقالة التي هي عبارة عن فسخ العقد الذي يربط المتعاقدين آثار بالنسبة للعاقدين وبالنسبة إلى الغير، فهي كما تقدم في رأي أبي حنيفة وزفر تعد فسخاً في حق العاقدين، وليست اتفاقاً جديداً، فملكية المبيع لا تنتقل من جديد إلى البائع، بل يعتبر المبيع كأنه لم يخرج أبداً من ملك البائع (٢).
وكذلك قال الشافعية والحنابلة: الإقالة فسخ، كالرد بالعيب (٣). أما المالكية والظاهرية فذهبوا إلى أن الإقالة اتفاق أو بيع جديد؛ لإتمامها بتراض جديد بين العاقدين، فيجوز فيها ما يجوز في البيوع، ويحرم منها ما يحرم في البيوع (٤).
وأما أثر الإقالة بالنسبة للغير وهو الشخص الثالث غير العاقدين: فهو أنها ليست فسخاً، بل هي بيع جديد في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف والمالكية
стр. 3134
والظاهرية؛ لأنها في الواقع مبادلة جديدة، فيأخذ كل واحد من المتعاقدين رأس ماله ببدل، وعلى ذلك تعتبر الملكية بالنسبة للغير أنها انتقلت من جديد إلى البائع بالإقالة، فمن اشترى داراً ولها شفيع، فلم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع، ثم أقال العاقدان البيع، فيثبت للشفيع حق طلب الشفعة ثانياً؛ لأن الإقالة عقد جديد في حقه.
وذهب زفر ومحمد والشافعية وأكثر الحنابلة إلى أن الإقالة بالنسبة للغير فسخ كما هو الشأن بالنسبة للعاقدين؛ لأن الإقالة هي الرفع والإزالة، ولأن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان الاتفاق فسخاً كالرد بالعيب.
٢ - أثر الفسخ في الماضي (الأثر المستند والمقتصر) والمستقبل:
(١٠٧) -. للفسخ أثر مستند، أي أثر رجعي منسحب على الماضي، في العقود الفورية كالبيع والمقايضة، فيوجب التراجع فيما نفذ من التزامات، ففسخ البيع يوجب التراد في المبيع والثمن، وكذا انفساخه بهلاك المبيع قبل التسليم يوجب رد الثمن المقبوض؛ لأن الالتزام فيه يصبح بلا سبب. وعلى ذلك لا يمكن طلب الشفعة عند الفسخ.
وينحصر الأثر الرجعي بالعاقدين وورثتهما عند الجمهور غير الحنفية القائلين بانتقال الخيار بالوراثة. أما غير المتعاقدين إذا اكتسب حقاً على العين المبيعة فلا يتأثر برجعية الفسخ، بل يمتنع الفسخ، وتلزم المتعاقدين الصفقة دفعاً للضرر عن الغير (١).
وأما العقود المستمرة أو عقود المدة التي يستمر تنفيذها مع توالي الزمن كعقد
стр. 3135
الإيجار أو الشركة، فإن الفسخ يكون مقتصراً، أي ليس له أثر رجعي، وإنما يسري على المستقبل فقط، وما مضى يكون على حكم العقد، فالفسخ أو الانفساخ يقطعان تأثير هذه العقود بالنسبة إلى المستقبل، ويظل ما مضى على حكم العقد. وكذلك انحلال الوكالة بالعزل لا ينقض تصرفات الوكيل السابقة (١).
(١٠٨) -. وكذلك للإقالة أثر رجعي كالفسخ، بشرط وجود محل العقد عند الإقالة، ووحدة الزمان، وتطابق الإيجاب والقبول، أي رضا المتقايلين وتوافق الإرادتين؛ لأن الإقالة رفع العقد، والمبيع محله، فإن كان هالكاً كله وقت الإقالة، لم تصح، وإن هلك بعضه، لم تصح الإقالة بقدره، ولأن الإقالة عند الجمهور فسخ العقد، والعقد وقع بتراضي العاقدين، فكذا فسخه، أما قيام الثمن وقت الإقالة فليس بشرط (٢).
(١٠٩) -. هذا وقد بحث السيوطي أثر الفسخ بالنسبة للماضي بعنوان: هل يرفع الفسخ العقد من أصله أو من حينه؟ فقال:
١ - فسخ البيع بخيار المجلس أو الشرط: الأصح أنه من حينه.
٢ - الفسخ بخيار العيب والتصرية (ربط ثدي الشاة لتجمع اللبن): الأصح من حينه.
٣ - تلف المبيع قبل القبض: الأصح الانفساخ من حين التلف.
٤ - الفسخ بالتخالف بين البائع والمشتري: الأصح من حينه.
٥ - السلم: يرجع الفسخ إلى عين رأس المال.
стр. 3136
٦ - الفسخ بالفلس: من حينه.
٧ - الرجوع في الهبة: من حينه قطعا.
٨ - فسخ النكاح بأحد العيوب: الأصح من حينه.
٩ - الإقالة على القول بأنها فسخ: الأصح من حينه (١).
ويلاحظ أن أغلب حالات الفسخ في رأي الشافعية ليس لها أثر رجعي.
وذكر ابن رجب الحنبلي خلافاً في الفسخ بالعيب المستند إلى مقارن للعقد، هل هو رفع للعقد من أصله أو من حينه (٢).
وذهب المالكية إلى أن فسخ البيع بسبب العيب إما بحكم الحاكم أو بتراضي المتبايعين رفع للعقد من حينه. وليس له أثر على الماضي، فتكون غلة المردود بعيب للمشتري من وقت عقد البيع وقبض المشتري له، وتثبت الشفعة للشريك بما وقعت به الإقالة (٣).
стр. 3137
مُلحَق: ما اقتبسه القانون المدنيّ المعاصِر من الفِقه الإسلاميّ
لا تتبوأ الأمة مكانتها وتنعم بعزتها بغير الاستقلال الكامل المادي والمعنوي الذي لا أثر فيه للتبعية الفكرية والثقافية والقانونية لأية دولة أخرى.
ولا يكمل الاستقلال الوطني ولا تتحقق أو تنمو ذاتية البلد المطلقة ولا تخطو خطوات بنائه نحو التقدم والمستقبل المشرق، محطمة قيود التخلف إلا بالتخلص من كل آثار الاستعمار ورواسبه البعيدة المدى. ومن أولى مهام الحكم المستقل الوطني في سبيل تحقيق تلك الغاية الاعتماد في التقنين في مختلف أنواعه على التراث القومي النابع من البيئة، والمتجاوب مع تطلعات أبناء البلاد وأهدافهم وعقيدتهم.
لقد اعترف الفقيه الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري واضع القانون المدني المصري وغيره في البلاد العربية بأن الفقه والقضاء المصري ضيفان على القضاء الفرنسي، ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته، وطالب بتمصير الفقه، وجعله فقهاً مصرياً خالصاً نرى فيه طابع قوميتنا ونحس أثر عقليتنا، ففقهنا حتى اليوم لا يزال يحتله الأجنبي، الاحتلال هنا فرنسي، وهو احتلال ليس بأخف وطأة ولا أقل عنتاً من أي احتلال آخر.
стр. 3138
لذلك كانت أمنية من أغلى الأماني العراض وأعزها لدينا أن يصدر قانون مدني وغير مدني مستمد كله من أحكام الشريعة الإسلامية. قال الدكتور السنهوري (١): أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي يبنى عليه تشريعنا المدني، فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج بها الصدور، وتنطوي عليها الجوانح. ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة، ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون المقارن.
ومن بدهي القول إعلان أن الشريعة الإسلامية ذات المصدر السماوي الإلهي المستقل لا تزال شريعة حية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، أكد ذلك فقهاء القانون في الغرب والشرق، وعمداء الحقوق في البلاد العربية والأجنبية، ومؤتمرات القانون المقارن والمحامين الدولية في العصر الحديث (٢).
قال الدكتور السنهوري (٣): «ولا أريد الاقتصار على شهادة الفقهاء المنصفين من علماء الغرب، كالفقيه الألماني كوهلر والأستاذ الإيطالي دلفيشيو والعميد الأمريكي ويجمور وكثيرين غيرهم، يشهدون بما انطوت عليه الشريعة الإسلامية من مرونة وقابلية للتطور، ويضعونها إلى جانب القانون الروماني والقانون الإنكليزي إحدى الشرائع الأساسية الثلاث التي سادت ولا تزال تسود العالم. وقد أشار الأستاذ لا مبير الفقيه الفرنسي المعروف في المؤتمر الدولي للقانون
стр. 3139
المقارن، الذي انعقد في مدينة لا هاي في سنة (١٩٣٢ م) إلى هذا التقدير الكبير للشريعة الإسلامية، الذي بدأ يسود بين فقهاء أوروبا وأمريكا في العصر الحاضر.
ولكني أرجع للشريعة نفسها لأثبت صحة ما قررته. ففي هذه الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة، فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادئ لا تقل في الرقي وفي الشمول وفي مسايرة التطور عن أخطر النظريات الفقهية التي نتلقاها اليوم عن الفقه الغربي الحديث.
وآتي بأمثلة أربعة اضطررت إلى الاقتصار عليها لضيق المقام: يدرك كل مطلع على فقه الغرب أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين: نظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الظروف الطارئة، ونظرية تحمل التبعة، ومسؤولية عديم التمييز. ولكل نظرية من هذه النظريات الأربع أساس في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا للصياغة والبناء ليقوم على أركان قوية، ويسامت نظريات الفقه الحديث».
وقد أحدثت هذه الصيحة بالاعتراف بالحق دوياً في نفوس واضعي القوانين العربية، ولم يعد مقبولاً بحال ترك مصادرنا الفقهية الإسلامية، وأخذ قانون مترجم ترجمة حرفية عن القانون المدني الفرنسي.
وأثمر هذا الدوي القوي في أفكار القانونيين، فصدر في دنيا العرب قانونان مدنيان مستمدان من الفقه الإسلامي، وهما القانون المدني العراقي عام (١٩٥١ م)، والقانون المدني الأردني عام (١٩٧٦ م)، وصدر في ليبيا - الثورة إلغاء صريح فوري لكل مواد القانون المدني المعارضة للشريعة، وبدئ بوضع قانون جديد مستمد من الفقه الإسلامي، كما بدئ في مصر بوضع مشاريع قوانين مدنية وجزائية مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، غير الملتزمة مذهباً فقهياً معيناً،
стр. 3140
وإنما تأخذ من مجموع أحكام المذاهب الإسلامية - السنية والشيعية ما يناسب ظروف العصر، وبدأت لجان منبثقة من قرارات وزراء العدل العرب بوضع قانون مدني وآخر جزائي مستمد من الشريعة الإسلامية منذ عام (١٩٨٠ م) وكذا قانون موحد للأحوال الشخصية، وتم إنجاز مشروعات هذه القوانين الثلاثة.
وقد جاء في الأسباب الموجبة للائحة القانون المدني العراقي المكون من ١٣٨٣ مادة ما يلي: إن قواعد القانون المدني العراقي استمدت من مصادر متباينة، فبعضها أخذ من الفقه الإسلامي مباشرة، وبعضها نقل عن الفقه الإسلامي مقنناً في المجلة، والبعض الآخر هو بقية من القوانين العثمانية العتيقة، وهذه القوانين بدورها قد اشتقت أحكامها بوجه خاص من القانون الفرنسي والعرف المحلي.
والكثرة الغالبة من أحكام القانون العراقي قد خرِّجت على الفقه الإسلامي في مذاهبه المختلفة دون تقيد بمذهب معين، واستطاع مشروع هذا القانون أن يجد في غير عناء مادة خصبة في الفقه الإسلامي يصوغ منها طائفة العقود المسماة، سواء وقع العقد على الملكية كالبيع والهبة والشركة والقرض، أم وقع على المنفعة كالإيجار والإعارة، أو وقع على العمل كالمقاولة وعقد العمل والوكالة والوديعة.
وجاء في نص البيان الصحفي الذي أعلن به مشروع القانون المدني الأردني سنة ١٩٧٦ م المكون من (١٤٤٩) مادة ما يلي:
اعتمدت لجنة واضعيه على المراجع والمصادر التالية:
١ - مجلة الأحكام العدلية والفقه الإسلامي بجميع مذاهبه.
٢ - التشريعات والقوانين الأردنية المعمول بها.
٣ - مشروع القانون المدني الموجود حالياً في مجلس الأعيان.
стр. 3141
٤ - كافة التشريعات والقوانين المعاصرة والمستمدة من الفقه الإسلامي.
وتناول المشروع أحكام المعاملات مستمدة من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة المتفتحة على الحياة وقواعده المتطورة دائماً مع متطلبات العصر والصالحة للغد ولتبدل الأزمان. وهو مشروع رائد ينتظره العرب والمسلمون بفارغ الصبر، وهو يحقق رغبة طالما تمناها كثير من رجال القضاء والقانون وعلى رأسهم المرحوم الدكتور عبد الرزاق السنهوري.
ويقع المشروع في نحو (١٤٠) مادة، وتستند كل مادة من مواده إلى مآخذها ونظائرها في القوانين المعاصرة ومرجعها الفقهي في مذكرات إيضاحية تقع في نحو (١٥٠٠) صفحة، وهي شروح وافية لكل مادة وثروة قانونية لقضائنا ورجال القانون.
فمن المقطوع به أن كل نص تشريعي أو مادة قانونية ينبغي أن تعيش في البيئة التي تطبق فيها والبلد الذي تنفذ فيه، مهما كان مصدرها، لكن يلاحظ أن القانون الأردني وكذا الكويتي لم يجز الفوائد الربوية، على عكس القانون العراقي الذي أباح الاتفاق على الفائدة بنسبة ٧%.
مدى الاعتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري:
القانون المدني السوري الصادر عام (١٩٤٩ م) وأصله القانون المصري الصادر عام (١٩٤٨ م) ما يزالان قائمين على أساس من القانون المدني الفرنسي، إلا أنهما جعلا الفقه الإسلامي (م ١/ ٢) مصدراً رسمياً للقانون يأتي في المرتبة الثانية بعد نصوص القانون في قانوننا السوري (ومثله القانون الجزائري الصادر عام ١٩٧٥) وفي المرتبة الثالثة بعد نصوص القانون والعرف والعادة في القانون المصري.
стр. 3142
وفي تقديري أن اعتبار الفقه الإسلامي مصدراً رسمياً احتياطياً في كلا القانونين ليس له فائدة عملية كبيرة؛ لأن القاضي لا يلجأ إليه إلا إذا استحال عليه الوصول إلى الحكم القانوني من نصوص التشريع، وهذا احتمال نادر، لكنه لا شك يزيد كثيراً في أهمية الشريعة الإسلامية، ويجعل دراستها دراسة عملية في ضوء القانون المقارن أمراً ضرورياً لا من الناحية النظرية الفقهية فحسب، بل كذلك من الناحية العملية التطبيقية.
فكل من الفقيه والقاضي أصبح الآن مطالباً أن يستكمل أحكام القانون المدني، فيما لم يرد فيه نص بالرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي (١).
ولكن المفيد التعرف على الأحكام التي استمدها القانون المدني السوري (وأصله المصري) من الفقه الإسلامي. وبعض هذه الأحكام هي مبادئ عامة، وبعضها مسائل تفصيلية (٢):
بعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه الإسلامي:
١ - النزعة الموضوعية
٢ - الأهلية، ومسؤولية عديم التمييز
٣ - نظرية التعسف في استعمال الحق
٤ - نظرية الظروف الطارئة
٥ - حوالة الدين
٦ - لا تركة إلا بعد سداد الدين
стр. 3143
بعض الأحكام التفصيلية المستقاة من الفقه الإسلامي:
١ - في عقد البيع (أحكام مجلس العقد، البيع بالصفة، تبعة الهلاك في البيع - نظرية تحمل التبعة، حق الحبس، الغبن في بيع القاصر، ضمان العيوب الخفية وضمان التعرض والاستحقاق).
٢ - في عقد الإيجار (إيجار الأراضي الزراعية، غرس الأشجار في العين المؤجرة، هلاك الزرع في العين المؤجرة، المزارعة، انقضاء الإيجار بموت المستأجر وفسخه للعذر، إيجار الوقف).
٣ - حقوق الارتفاق: (حق العلو والسفل، الحائط المشترك).
٤ - أحكام عقد الهبة - شكلاً وموضوعاً (تكوين العقد، محل العقد، الرجوع في الهبة).
٥ - تصرف المريض مرض الموت.
٦ - أحكام متفرقة (مدة التقادم، الإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده).
بيان أهم المبادئ والنظريات المقتبسة من الفقه الإسلامي:
١ - النزعة الموضوعية: أخذ القانونان المصري والسوري بالنزعة الموضوعية التي تخللت كثيراً من النصوص (١). وهذه هي نزعة الفقه الإسلامي والقوانين الجرمانية، آثرها التقنين على النزعة الذاتية التي هي طابع القوانين اللاتينية، وجعل الفقه الإسلامي عمدته
стр. 3144
في الترجيح. فأخذ بالإرادة الظاهرة وبالموضوعية معاً، ولكن بقدر متفاوت، إذ أقلَّ من الأخذ بالإرادة الظاهرة، وأكثر من الأخذ بالموضوعية، إلى حد أنه حينما كان في بعض المسائل يتخذ معايير ذاتية لم يتخذها ذاتية محضة، بل رسم لها ضوابط موضوعية ليضفي عليها شيئاً من الثبات والاستقرار.
ومن أمثلة المعايير الموضوعية (عناية الشخص المعتاد) أي أن الشخص مطالب بأن يبذل من العناية في حفظ مال الغير كالوديعة مثلاً ما يبذله عادة في حفظ ماله الخاص.
انظر القانون المدني السوري (المواد ٢١٢/ ١ في الالتزام بعمل، ٤٨٩/ ٢ في آثار الشركة، ٥٥١/ ١ في استعمال العين المؤجرة، ٦٠٧/ ١ التزام المستعير، ٦٥١/ ١ التزام العامل، ٦٧٠/ ٢ التزام الوكيل، ٦٨٦ التزام الوديع، ٧٠٠/ ١ التزام الحارس، ١٩٣/ ١ التزام الفضولي، ١٣٠/ ١ إبطال العقد بسبب الغبن، ١٤٧ انتقال الالتزام إلى الخلف الخاص، ١٧٩ مسؤولية حارس الأشياء، ٢٢٢ تعويض الضرر، ٤١٥/ ١ التزام البائع بضمان العيوب الخفية، ٥٨٠/ ١ استغلال المستأجر الأراضي الزراعية).
وهذا المعيار الموضوعي مقرر في الفقه الإسلامي في الأحوال السابقة، فقد قرر فقهاؤنا أنه يجب على الأمين أن يحفظ الأمانة، كما يحفظ ماله على النحو الذي جرت به عادة الناس في كيفية حفظ أموالهم (١).
أما الفقه الإسلامي فيقرر مسؤولية الصبي غير المميز والمجنون مطلقاً عن الإتلافات، قال الحنفية: «الصبي المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه
стр. 3145
من المال» (١) «لو أن طفلاً ابن يوم انقلب على قارورة فكسرها، لزمه الضمان» (٢) وقال المالكية: «إن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس، إنما باختلاف البلاد والأزمان» (٣).
ونصت المجلة على ذلك فيما يأتي: «. . . . يلزم الضمان على الصبي إذا أتلف مال الغير، وإن كان غير مميز» (م ٩٦٠): «إذا أتلف صبي مال غيره يلزم الضمان من ماله، وإن لم يكن له مال ينتظر إلى حال يساره، ولا يضمن وليه» (م ٩١٦) (م ٩١٢).
ولكن لا يكون غير المميز مسؤولاً مسؤولية جنائية عن حوادث القتل، فلا ينفَّذ في حقه القصاص، وإنما يقتصر على تعزيره بالحبس أو بالتوبيخ ونحوهما.
٢ - أحكام الأهلية ومسؤولية عديم التمييز:
إن أحكام الأهلية (المواد ٤٦ - ٥٠، ١٠٩ - ١٢٩) مستمدة من الفقه الإسلامي (٤)، سواء فيما
يتعلق بأهلية التملك أو بمباشرة التصرفات والعقود، ووجود الحاجة أحياناً إلى النائب الشرعي عن الغير، والحكم ببطلان التصرف بسبب انعدام الأهلية، إلا أن القانون في حالة وجود عيب من عيوب الرضا كالإكراه والتدليس والغلط يجعل العقد قابلاً للإبطال، أي أن العقد قائم وموجود، لكنه عرضة للإبطال من طريق القاضي بناء على طلب صاحب المصلحة
стр. 3146
في حماية حقه الخاص. وأما في الفقه فيسمى العقد حينئذ غير لازم أي يجوز فسخه من صاحب الحق بمحض إرادته من غير قضاء إلا في حالة وجود التدليس المتضمن إخفاء عيب (خيار العيب) فيحتاج إلى القضاء لتقدير وجود العيب. وقد يسمى العقد المعيب بعيب (كما في حالة الإكراه) غير نافذ أو موقوفاً على الإجازة كما في حالة تجاوز العاقد حدود النيابة المتعارف عليها، إلا أن العقد الموقوف لا ينتج أي أثر، أما العقد القابل للإبطال فهوعقد صحيح منتج لآثاره.
وكذلك أخذ القانون المدني بمبدأ مسؤولية عديم التمييز عن أعماله غير المشروعة التي تسبب ضرراً للغير، مسايرة لمبادئ الشريعة الإسلامية التي توجب تعويض الضرر الواقع باعتباره واقعة مادية، ولو لم يتوفر عنصر الخطأ أحد أركان المسؤولية المدنية التقصيرية، وهو ما تقرره نظرية تحمل التبعة التي لا تقيم المسؤولية على أساس فكرة الخطأ، وإنما تكتفي بمراعاة مبدأ «الغرم بالغنم». وقد نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (١٦٥/ ٢): «ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز، ولم يكن هناك من هو مسؤول عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول، جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل، مراعياً في ذلك مركز الخصوم» أي أن هذه المسؤولية لغير المميز تتميز بأنها مشروطة، ومسؤولية مخففة أي في حدود التعويض العادل (١).
وبهذا يكون ولي القاصر بصفة عامة هو المسؤول عن عمل القاصر أو المجنون على أساس الخطأ المفترض أو التقصير في الرقابة (راجع المادة ١٧٤).
وسألقي الضوء إجمالاً على هذه المبادئ والنظريات والأحكام التفصيلية المستمدة من الفقه الإسلامي، تاركاً الشرح لفقهاء القانون المدني الذين يبينون عادة منشأ هذه الأحكام، وموطن استمداد المشرع لها.
стр. 3147
٣ - نظرية التعسف في استعمال الحق:
ليس حق الملكية حقاً مطلقاً، وإنما هو مقيد بعدم إلحاق الضرر بالغير، فإذا ترتب على استعمال الحق إحداث ضرر بالغير نتيجة إساءة استعمال هذا الحق، كان محدث الضرر مسؤولاً.
ونص القانون المدني السوري على هذا المبدأ في المادتين (٥، ٦) «من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر» (م ٥).
يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:
«أـ إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.
ب - إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية، بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر».
ج - إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة (م ٦) وقد حرص واضعو القانون - لدى صياغة النص الذي أورد في هذه النظرية - على الاستفادة من القواعد التي استقرت في الفقه الإسلامي (١) ومن أهمها: «تصرف الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به غيره» فهذه القاعدة أساس واضح لنظرية منع التعسف في استعمال الحق، وهي القاعدة المنظمة لحقوق الجوار (٢).
أما نص المادة (٥) فمأخوذ من المبدأ المقرر في الشريعة المعبر عنه في القاعدة الفقهية الكلية القائلة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان) أي أن الفعل المباح شرعاً لا يستوجب الضمان أو تعويض الضرر الذي قد يحدث.
стр. 3148
وأما نص المادة (٦) فمستمد من حيث المبدأ من الحديث النبوي المتقدم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» الذي يقضي بمنع الضرر في حالتين:
الأولى - استعمال الحق بقصد الإضرار.
الثانية - أن يترتب على استعمال الحق المشروع إضرار الآخرين، سواء أكان الاستعمال على وجه معتاد، أم على غير الوجه المعتاد.
وفي كلتا الحالتين توجب قواعد الإسلام إزالة الضرر عيناً، سواء أكان مادياً أم معنوياً؛ لأن الراجح أن المنافع أموال متقومة، فإن تعذر ذلك يجب الحكم بتعويض مالي عادل لرفع آثار الضرر ومنع بقائه أو تجدده في المستقبل.
ويلاحظ أن القانون قصر التعسف على حالات الاستعمال غيرالمشروع (١).
أما الحالة الأولى قانوناً فتقابل الحالة الأولى المفهومة من الحديث، والحالة الثانية تقابل الحالة الثانية المأخوذة من الحديث، وتتفق مع ما أخذت به المجلة (المادة ١٩، ٢٠) ويقتضيه الاستحسان الفقهي. وأما الحالة الثالثة في القانون فهي مستقاة من مجموع ما تقرره المذاهب الإسلامية وتقتضيه روح التشريع الإسلامي في محاربة الأعمال غير المشروعة، أو المعاصي والمنكرات الضارة بمصلحة المجتمع، وأنه يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام ونحو ذلك من كل ما يجعل للحق صلة اجتماعية في الإسلام.
وقد ذكرت المادة (١١٩٩) من المجلة مبدأ نظرية التعسف: لا يمنع أحد من التصرف في ملكه أبداً إلا إذا كان ضرره لغيره فاحشاً، كما يأتي تفصيله في الفصل الثان وفي هذا الفصل وضع معيار الضرر الفاحش (في المادة ١١٩٩) وفي المادة (١٢٠٠) ذكرت أمثلة عديدة عن الأضرار.
стр. 3149
٤ - نظرية الظروف الطارئة:
لقد نشأت هذه النظرية في نطاق القضاء الإداري، ثم تسللت إلى ميدان الحقوق الخاصة. وهي في أصلها تقوم على فكرة إسعاف المتعاقد المنكوب الذي اختل توازن عقده اقتصادياً مما قد يجره إلى الهلاك، فهي تهدف إلى تحقيق العدالة في العقود ورفع الغبن منها (١). والمصدر الأساسي لهذه النظرية هو مبدأ العدالة الذي يقضي بإزالة الإرهاق عن المدين، بسبب ظرف طارئ، لم يكن يتوقعه عند إبرام العقد (٢).
وأخذ بهذه النظرية القانون المدني السوري، فنص في المادة (١٤٨/ ١) على ما يلي: «العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون».
وأردفتها الفقرة الثانية من هذه المادة، فقررت «ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك».
النص الثاني يدل على أنه، وإن كان الأصل العام في القواعد المدنية التقليدية شريعةالمتعاقدين (أو أن المتعاقد عبد عقده)، وأنه ليس للقاضي أن يعدل في العقد، فإن وجود الظرف الطارئ يجيز للقاضي إجراء هذا التعديل.
وبهذا النص قيد القانون من سلطان الإرادة عند تنفيذ العقد، فجعل نظرية
стр. 3150
الحوادث الطارئة وقت هذا التنفيذ تقابل نظريتي الاستغلال والإذعان وقت تكوين العقد.
أخذ القانون المدني بهذه النظرية استناداً إلى نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية، وهي - كما قال الدكتور السنهوري (١) - نظرية فسيحة المدى، خصبة النتائج، تتسع لنظرية الظروف الطارئة؛ لأن الضرورة توجب إزالة الضرر، ولها تطبيقات كثيرة منها نظرية العذر في فسخ الإيجار، وإنقاص الثمن بسبب الجوائح في بيع الثمار.
أما فسخ الإجارة بالأعذار، فقد أجازه فقهاء الحنفية كما تقدم، فقالوا: تفسخ الإجارة بالأعذار؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو كل ما يكون أمراً عارضاً، يتضرر به العاقد في نفسه أو ماله مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ. والأعذار ثلاثة أنواع (٢):
أـ عذر من جانب المستأجر: كإفلاسه أو انتقاله من حرفة إلى أخرى؛ لأن المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر، فلا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى مثلاً.
ب - عذر من جانب المؤجر: كأن يلحقه دين فادح لا يجد طريقاً لوفائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، بشرط أن يثبت الدين بالبينة أو الإقرار.
стр. 3151
ج - عذر راجع للعين المؤجرة أو الشيء المأجور: كأن يستأجر شخص حماماً في قرية ليستغله مدة معلومة، ثم يهاجر أهل القرية، فلا يجب عليه الأجر للمؤجر. ومثل استئجار مرضع لإرضاع طفل، ثم يأبى الصبي لبنها، أو إمساك الثدي، أو تمرض هي، أو يريد أهل الصبي السفر، فامتنعت، كان هذا عذراً في فسخ الإجارة.
وأما إنقاص الثمن بسبب الجوائح (١) في بيع الثمار: فقد قرره فقهاء المالكية والحنابلة (٢)؛ لأن «النبي ﷺ وضع الجوائح» أو «أمر بوضع الجوائح» وفي رواية: «إن بعت من أخيك تمراً فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» (٣).
ومجمل القول: إن فسخ الإجارة بالأعذار، وإنقاص الثمن بالجوائح في بيع الثمار ونحوهما من الحوادث الطارئة عند فقهاء الإسلام مثل كساد الأوراق النقدية، أو انقطاعها المستوجب لبطلان البيع، تعتبر أمثلة حية لنظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلامي، تطبيقاً لمبدأ العدالة، ومراعاة لما يجب من توفر التعادل والتوازن في الالتزامات وتنفيذها (٤).
стр. 3152
٥ - حوالة الدين:
أخذ القانون المدني (في المواد ٣١٥ - ٣٢١) بمبدأ حوالة الدين جرياً على سنن التقنينات الحديثةوالفقه الإسلامي الذي نظم حوالة الدين تنظيماً محكماً دقيقاً (١).
وتتم حوالة الدين قانوناًإما باتفاق بين المدين وشخص آخر يتحمل عنه الدين، دون حاجة إلى قبول الدائن، وإما باتفاق بين الدائن وشخص آخر يتحمل قبله الدين من دون حاجة إلى قبول المدين. فإذا تمت الحوالة، جاز للمدين الجديد أن يتمسك قِبَل الدائن بالدفوع التي كان للمدين الأصلي أن يتمسك بها، ويضمن المدين الأصلي للدائن أن يكون المدين الجديد موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة.
ولم يجز التشريع الروماني حوالة الدين وحوالة الحق، لتأثره بالنظرية الشخصية في طبيعة الالتزام، ومقتضاها أن لأحد الطرفين سلطة شخصية على الآخر، يحق للدائن بموجبها إجبار المدين على إيفاء دينه بالإكراه البدني كالحبس والمضايقة.
ثم اتجه التشريع الألماني إلى الأخذ بالنظرية المادية التي تعتبر الالتزام علاقة مادية بحتة، فلا تجيز الإجبار، وإنما يبحث الدائن عن مال المدين، فإن عثر عليه، أمكن استيفاء الحق منه بواسطة القضاء.
أما التشريع الإسلامي، فإنه جعل الالتزام في ذاته علاقة مادية إما بمال المكلف كما في المدين، وإما بعمله كما في الأجير، ولكن يرافق هذا الالتزام سلطة شخصية تأييداً لتنفيذه، منعاً من قيام المكلف بإخفاء ماله، أو امتناعه عن عمله. ويجوز للقاضي الحكم بحبس المدين أو الأجير تعزيراً بناءً على طلب الدائن،
стр. 3153
ليحمله على الوفاء بالتزامه. ولا يجوز للدائن أن يمارس شيئاً من هذه الضغوط على المدين بسلطته الشخصية وإنما من طريق القضاء (١).
والتقنين المدني المصري والسوري وقف موقف الاعتدال في النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام، فلم يغرق في الأخذ بالمذهب المادي، ولكنه من جهة أخرى سجل ما تم فعلاً من تطور نحو هذا المذهب بحكم تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية (٢). وهذا هو اتجاه الفقه الإسلامي.
وحوالة الدين عند فقهاء الحنفية: هي نقل المطالبة من ذمة المدين إلى ذمةالملتزم (٣). وعرفها غير فقهاء الحنفية بأنها عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٤). فالحوالة عند الحنفية يترتب عليها براءة مؤقتة من الدين، ويجوز للمحال العودة إلى مطالبة المحيل بالدين في حال إفلاس المحال عليه في رأي صاحبي أبي حنيفة، أوفي حال موت المحال عليه مفلساً، أوعند جحوده أو إنكاره الحوالة. وعند غير الحنفية يبرأ المحيل براءة نهائية بالحوالة، إلا إذا وجد تغرير كالإحالة على مفلس، فيجوز عند المالكية الرجوع على المحيل. كما يجوز الرجوع عندهم حال اشتراط يسار المحال عليه.
وتنعقد الحوالة عند الحنفية: بإيجاب وقبول، إيجاب من المحيل، وقبول من المحال والمحال عليه، أي أنه لا بد من رضا المحيل والمحال عليه. أما رضا المحيل فمطلوب؛ لأن ذوي المروءات قد يأنفون بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين. وأما رضا المحال فلا بد منه، لأن الدين حقه، وهو في ذمة
المحيل، والدين هو الذي
стр. 3154
ينتقل بالحوالة، والذمم متفاوتة في حسن القضاء والمطل، فلا بد من رضاه، وإلا لزم الضرر بإلزامه اتباع من لا يوفيه.
وأما رضا المحال عليه فضروري لأنه الذي يلزمه الدين، ولا لزوم إلا بالتزامه، وكونه مديناً لا يمنع من تغير صفة الالتزام؛ لأن الناس يتفاوتون في اقتضاء الدين سهولة ويسراً، أو صعوبة وعسراً.
وقال الحنابلة والظاهرية: يشترط رضا المحيل فقط، وأما المحال والمحال عليه فيلزمهما قبول الحوالة، عملاً بالأمر الوارد في الحديث النبوي المفيد للوجوب، وهو قوله ﵊: «مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتْبَع» (١) وفي رواية: «ومن أحيل على مليء فليحتل».
وقال المالكية في المشهور عندهم، والشافعية في الأصح عندهم: يشترط لصحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط؛ لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء، فلا يلزم بجهة معينة. وحق المحال في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم تتفاوت في الأداء والقضاء.
ولايشترط عند هؤلاء رضا المحال عليه، لأنه محل الحق والتصرف، ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره، والأمر هو مجرد تفويض بالقبض فلا يعتبر رضا من عليه، كما لو وكل إنسان غيره بقبض دينه (٢).
والخلاصة: أن رضا المحيل مشروط في كل المذاهب، وأما رضا المحال والمحال عليه، ففيه اختلاف اجتهادي بين المذاهب.
стр. 3155
نوعا الحوالة: الحوالة نوعان متميزان بحسب صفة المحيل، فإن كان المحيل هو الدائن فهي حوالة حق، وإن كان المحيل هو المدين فهي حوالة دين.
حوالة الحق: هي نقل الحق من دائن إلى دائن، أو حلول دائن محل دائن بالنسبة للمدين. فإذا تبدل دائن بدائن في حق مالي متعلق بالذمة، لا بعين، كانت الحوالة حوالة حق. والدائن فيها هو المحيل، إذ هو يحيل غيره ليستوفي حقه.
و حوالة الدين: هي تبدل المدين بالنسبة للدائن أي تبدل مدين بمدين، والمحيل فيها هو المدين، إذ هو إنما يحيل على غيره لوفاء دينه، وهي مشروعة باتفاق العلماء، عملاً بالحديث النبوي المار ذكره.
وحوالة الحق جائزة أيضاً باتفاق المذاهب الأربعة، وليس فقط عند غير الحنفية، كما فهم بعض أساتذة القانون والشريعة (١)؛ لأن حوالة الدين عند الحنفية والشيعة نوعان: مطلقة ومقيدة. وأما غير الحنفية فلم يتصوروا غير الحوالة المقيدة.
أما الحوالة المطلقة: فهي أن يحيل شخص غيره بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي عليه، ويقبل المحال عليه. نصت المادة (٦٧٩) من المجلة على ذلك بقولها: «الحوالة المطلقة: هي التي لم تقيد بأن تعطى من مال المحيل الذي هو عند المحال عليه».
وأما الحوالة المقيدة: فهي أن يحيل شخص غيره على آخر، ليستوفي منه دينه، ويقيده بالدين الذي له عليه. جاء في المادة (٦٧٨) من المجلة: «الحوالة المقيدة: هي الحوالة التي قيدت بأن تعطى من مال المحيل الذي هو في ذمة المحال عليه، وفي يده».