← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

روى البخاري أنه ﷺ توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (١) وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً. وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية على المعتمد، وعند الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: « … ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء». ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل؛ لأنه شعر خارج عن محل الفرض، وليس من مسمى الوجه. وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: «إذا توضأت فمضمض» ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: «إذا توضأت فانتثر» ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله ﷺ : «لاصلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٢). ثانياً - غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة: لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وللإجماع (٣).

стр. 352

والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع. ويجب عند جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف «إلى» لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ [هود:٥٢/ ١١]، ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء:٢/ ٤]، ولأن الأصل في اليد شمولها الكف إلى الذراع، لكن التحديد بالمرافق أسقط ما وراءها، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله ﷺ : «أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد .. » (١) وروى الدارقطني عن عثمان ﵁ أنه قال: «هلمَّ أتوضأ لكم وُضوء رسول الله ﷺ ، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف العضدين … » (٢) وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال: «كان النبي ﷺ إذا توضأ أمرَّ الماء على مرفقيه». ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر غيرها كدهن وطلاء. ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين. ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية؛ لأنها نابتة فيه،

стр. 353

كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض. وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض. فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق. فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضد عن طهارة. ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل وامرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً. ثالثاً - مسح الرأس: لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وروى مسلم «أنه ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة». والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو. والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان ما فوق العظم الناتئ في الوجه.

стр. 354

واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه (١): فقال الحنفية على المشهور المعتمد: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر. ودليلهم: أنه لا بد من تحقيق معنى المسح عرفاً، فيحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحاً في المتعارف، وبما أن الباء للإلصاق، فيكون معنى الآية وامسحوا أيديكم ملصقة برؤوسكم، والقاعدة: أن الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب الآلة، وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب الممسوح، فتفيد المسح بمقدار اليد؛ لأن استيعاب اليد ملصقة بالرأس لا يستغرق غالباً سوى الربع، فيكون هو المطلوب من الآية. ويوضحه مارواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين» وما رواه أبو داود عن أنس قال: «رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عِمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة» (٢)، فكان ذلك بياناً لمجمل الآية القرآنية، لأن الناصية أو مقدم الرأس مقدرة بالربع؛ لأنها أحد جوانب الرأس الأربعة، ولعل أرجح الآراء وجوب مسح مقدار يسمى مسحاً باليد في العرف. وقال المالكية: والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم: يجب مسح جميع

стр. 355

الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته؛ لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه. والظاهر عند الحنابلة: وجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: «الأذنان من الرأس» (١). ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح برأسه) ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره. ودليلهم: أن الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول، فكأنه تعالى قال: ألصقوا المسح برؤوسكم أي المسح بالماء. ولأنه ﷺ مسح جميع الرأس، روى عبد الله بن زيد «أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (٢) وهو يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، وهو مستحب باتفاق العلماء، كما قال النووي.

стр. 356

وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله. والأصح عند الشافعية جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه. والأصح عند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده. ودليل الشافعية حديث المغيرة السابق عند الشيخين: «أنه ﷺ مسح بناصيته، وعلى العمامة» فاكتفى بمسح البعض فيما ذكر، لأن المطلوب مطلقاً وهو المسح في الآية يتحقق بالبعض، والباء إذا دخلت على متعدد، كما في الآية، تكون للتبعيض، فيكفي القليل كالكثير. والحق: أن الآية من قبيل المطلق، وأنها لا تدل على أكثر من إيقاع المسح بالرأس، وذلك يتحقق بمسح الكل، وبمسح أي جزء قل أم كثر، ما دام في دائرة ما يصدق عليه اسم المسح، وأن مسح شعرة أو ثلاث شعرات لا يصدق عليه ذلك (١). رابعاً - غسل الرجلين إلى الكعبين: لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم (٢) إلى الكعبين﴾ [المائدة:٥/ ٦]، ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن عَبْسة عند أحمد: « … ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله» ولحديث عثمان عند أبي داود

стр. 357

والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة. والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم. والواجب عند جمهور الفقهاء غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد «إلى» فيما قبلها (١)، ولحديث أبي هريرة السابق: « … ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» (٢). ويلزم عند الجمهور أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله ﷺ : «ويل للأعقاب من النار» (٣) فقد توعد على المسح، ولمداومته ﷺ على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ «أمرنا رسول الله ﷺ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا» ولثبوت ذلك من قوله وفعله ﷺ ، كما في حديث عمرو بن عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: (فغسل قدميه)، ولقوله ﷺ بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: «فمن

стр. 358

زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» (١) ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله ﵊ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» (٢) ثم ذكر له صفة الوضوء، ولإجماع الصحابة على الغسل، فكانت هذه الأمور موجبة لحمل قراءة (وأرجلِكم) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر، لا يجوز حمل المتنازع فيه عليها. وعطفها على (برؤوسكم) بالجر للمجاورة. وأما قراءة النصب فهي عطف على اليدين في الغسل. ثم إن أمر النبي ﷺ بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل (٣). وأوجب الشيعة الإمامية (٤) مسح الرجلين، لما أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي: «أنه رأى رسول الله ﷺ أتى كِظَامة (٥) قوم بالطائف، فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه» (٦)، وعملاً بقراءة الجر «وأرجلكم» وبما روي عن علي وابن عباس وأنس، لكن قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال الشوكاني: وأما الموجبون للمسح، وهم الإمامية، فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب

стр. 359

والسنة المتواترة قولاً وفعلاً بحجة نيرة، وجعلوا قراءة النصب عطفاً على محل قوله: ﴿برؤوسكم﴾ [المائدة:٦/ ٥] (١). والسبب في ذكر الغسل والمسح في الأرجل بحسب قراءتي النصب والجر - كما ذكر الزمخشري - هو توقي الإسراف؛ لأن الأرجل مظنة لذلك. والخلاصة: أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة، كما سيأتي بيانه. النَّوع الثَّاني - فرائِضُ الوضوء المختلف فيها: اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية النية، وقال المالكية والحنابلة والإمامية بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة والإمامية بوجوب الترتيب، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. وأبحث الخلاف في هذه الأمور: أولاً - النية: النية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت فرائض الوضوء، أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة المانع بين كل فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل جزماً.

стр. 360

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة: فقال الحنفية (١): يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ. ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك. واستدلوا على رأيهم بما يأتي: ١ - عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح بالرأس، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص الكتاب، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ، لا يصح بالآحاد. ٢ - عدم النص عليها في السنة: لم يعلمها النبي ﷺ للأعرابي مع جهله. وفرضت النية في التيمم لأنه بالتراب، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة، وإنما هو بدل عن الماء. ٣ - القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء، فلا تشترط لها النية كإزالة النجاسة، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر العورة، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم. ٤ - إن الوضوء وسيلة للصلاة، وليس مقصوداً لذاته، والنية شرط مطلوب في المقاصد، لا في الوسائل.

стр. 361

وقال المالكية والشافعية: النية فرض في الوضوء، وعند الحنابلة شرط، لتحقيق العبادة أو قصد القربة لله (١)، فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك. واستدلوا بما يأتي: ١ - السنة: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢) أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية، والوضوء عمل، فلا يوجد شرعاً إلا بنية. ٢ - تحقيق الإخلاص في العبادة: لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة:٥/ ٩٨]، والوضوء عبادة مأمور بها، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه لله تعالى، لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية. ٣ - القياس: تشترط النية في الوضوء كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في التيمم لا ستباحة الصلاة. ٤ - الوضوء وسيلة للمقصود، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة، ومن أجل هذه العبادة، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة، وهو معنى النية. والحق: القول بفرضية النية؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً

стр. 362

ليست في القرآن، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً، أو بقصد التبرد، ليس غسلاً للوضوء، حتى يؤد ي مهمته الشرعية، ويحقق المأمور به كما أمر به (١). ما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي (٢): أـ حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله. ب - حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب. جـ - المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى. د - شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكماً، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره، وألا تكون معلقة، فلو قال: إن شاء الله تعالى: فإن قصد التعليق أوأطلق، لم تصح، وإن قصد التبرك صحت. واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم. هـ - محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزئه الفعل الحاصل، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.

стр. 363

وـ صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف، وينوي رفع الحدث الأصغر، أي المنع المترتب على الأعضاء، أي أن صفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث، وأيهما نواه أجزأه، لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث. فإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه؛ لأنه لم ينو الطهارة ولامايتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئاً. وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة، ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة. وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه وله أن يصلي ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة. ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع بقاء الحدث. كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية؛ لأنه مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده رفع الحدث. ولا خلاف في أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى بوضوئه الفريضة؛ لأنه ارتفع حدثه (١).

стр. 364

وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها؛ لأنها عبادة شك في شرطها، وهو فيها، فلم تصح كالصلاة. ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات. وإذا وضّأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛ لأن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له. وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث، لعدم إمكان رفعه. ز - وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول الطهارة. وقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن طال الزمن لم يُجزه ذلك. ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها. ولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول الوضوء؛ لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت وضوئي، فإنه يبطل.

стр. 365

وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه، لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله. والمعتمد عند المالكية خلافاً للأظهر عند ابن رشد: أنه لا يجزئ تفريق النية على الأعضاء، بأن يخص كل عضو بنية، من غير قصد إتمام الوضوء، ثم يبدو له فيغسل ما بعده، وهكذا، فإن فرق النية على الأعضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور، أجزأه ذلك. وبه يلتقي المالكية مع الشافعية والحنابلة. والخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين. ثانياً - الترتيب: الترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد الآخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه (١). فقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله بذكره وبالميامن؛ لأن النص القرآني الوارد في تعداد فرائض الوضوء عطف المفروضات بالواو، التي لا تفيد إلا مطلق الجمع، وهو لا يقتضي الترتيب، ولو كان الترتيب مطلوباً لعطفه بالفاء أو (ثم)، والفاء التي في قوله تعالى: ﴿فاغسلوا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، لتعقيب جملة الأعضاء.

стр. 366

وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي ﵁: «ما أبالي بأي أعضائي بدأت» وقال ابن عباس ﵄: «لابأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين» وقال ابن مسعود ﵁: «لابأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» (١). وقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي ﷺ المبين للوضوء المأمور به (٢)، ولقوله ﷺ في حجته: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (٣)، والعبرة بعموم اللفظ، ولأن في آية الوضوء قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب، فإنه تعالى ذكر ممسوحاً بين مغسولات، والعرب لا تفرق بين المتجانسين ولا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي هنا الترتيب، ولأن الآية بيان للوضوء الواجب، بدليل أنه لم يذكر فيها شيء من السنن. وقياساً على الترتيب الواجب في أركان الصلاة. فلو نكس (٤) الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ما بعده على الترتيب الشرعي. ويمكن تصحيح الوضوء غير المرتب بأن يغسل أعضاءه أربع مرات، لأنه يحصل له في كل مرة غسل كل عضو، فيحصل له من المرة الأولى غسل الوجه، ومن الثانية غسل اليدين، ومن الثالثة مسح الرأس، ومن الرابعة غسل الرجلين. وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة؛ لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.

стр. 367

ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عن الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث؛ لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة. ولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب، فيخرج وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء، سواء أكان الماءراكداً أم جارياً. والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجهما في القرآن واحد، قال تعالى: ﴿وأيديكم﴾. . . ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضواً، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد. وفي تقديري: أن رأي القائلين بالترتيب أولى، لمواظبة النبي ﷺ قولاً وفعلاً عليه، واستمر الصحابة على ذلك، لا يعرفون غير الترتيب في الوضوء، ولايتوضؤون إلا مرتبين، ودرج المسلمون على الترتيب في كل العصور. وكون الواو لا يقتضي الترتيب صحيح مسلّم به، لكن ذلك عند عدم القرائن الدالة على إرادة الترتيب، والقرائن الدالة عليه كثيرة، وهي المواظبة من النبي وصحبه (١). ثالثاً - الموالاة أو الوِلاء: هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي

стр. 368

المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في وجوبها (١). فقال الحنفية الشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل، أجزأه؛ لأن الوضوء عبادة لايبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج. واستدلوا على رأيهم بالآتي: ١ - «إنه ﷺ توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، فدعي إلى جنازة، فأتى المسجد يمسح على خفيه وصلى عليها» (٢) قال الإمام الشافعي: وبينهما تفريق كثير. ٢ - صح عن ابن عمر ﵄ التفريق أيضاً، ولم ينكر عليه أحد. وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل مايأتي: ١ - «إنه ﷺ رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لُمْعة (بقعة) قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» (٣) ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة.

стр. 369

٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁ «أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى» (١). ٣ - مواظبته ﷺ على الوِلاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متوالياً، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء. ٤ - القياس على الصلاة، الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فاشترطت الموالاة كالصلاة. وفي تقديري أن القول بضرورة الموالاة إلا لعجز أمر يتفق مع ضرورة الجدية في العبادات وعدم العبث واللعب فيها، ومع وحدة العبادات، والسنة الفعلية، ولزوم الانصراف الكلي بالنية والتطبيق لتنفيذ مطلب الشرع على نحو متتابع منسجم بعضه مع بعض، دون تخلل أمر صارف عن موضوعية الفعل. رابعاً - الدلك الخفيف باليد: الدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه، والمراد باليد: باطن الكف، فلا يكفي دلك الرِجل بالأخرى. واختلف الفقهاء في إيجابه (٢). فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر

стр. 370

به، والسنة لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي ﷺ . والثابت في صفة غسله ﵊ مجرد إفاضة الماء مع تخلل أصول الشعر (١). وقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمرار العضو على العضو إمراراً متوسطاً، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة. وهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور. واستدلوا بما يأتي: ١ - إن الغسل المأمور به في آية الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، لا يتحقق معناه إلا بالدلك، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلاً، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم، وهو معنى الدلك. ٢ - حديث «بُلُّوا الشعر، وأنقوا البشر» (٢) على فرض صحته مشعر بوجوب الدلك؛ لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة. ٣ - القياس: قاسوا طهارة الحدث الأصغر على إزالة النجاسة التي لا تحصل إلا بالدلك والعرك، كما قاسوها على غسل الجنابة في آية: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، فالصيغة للمبالغة، والمبالغة تكون بالدلك. ويظهر لي أن الدلك وسيلة تنظيف وتحسين هيئة الأعضاء الظاهرة، ويكفي لتحقيق هذا

стр. 371

المقصود القول بسنية الدلك لا بوجوبه، لأن الأحاديث التي وصفت غسل النبي ﷺ لا تدل حقاً على الدلك، وليس في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل، فالواجب ما صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة. حكم ناسي أحد الفروض: قال ابن جزي المالكي (١): من نسي شيئاً من فرائض الوضوء، فإن ذكر بعد أن جف وضوءه، فعل ما ترك خاصة، وإن ذكر قبل أن يجف وضوءه ابتدأ الوضوء، قال الطُّليطلي: إنه يعيد الذي نسي وما بعده ولايبتدئ الوضوء، وهو الصحيح. المطلب الثالث - شروط الوضوء: سبب وجوب الوضوء: هو الحدث، ودخول وقت الصلاة، والقيام إليها ونحوها، والأصح عند الشافعية: الاثنان معاً أي الحدث والقيام إلى الصلاة ونحوها. وأما شروط الوضوء فنوعان: شروط وجوب، وشروط صحة (٢). وشرائط الوجوب: هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص. وشرائط الصحة: ما لا تصح الطهارة إلا بها. أولاً - شروط الوجوب: يشترط لوجوب الوضوء على الشخص، أي التكليف به وافتراضه عليه شروط ثمانية هي ما يأتي:

стр. 372

١ - العقل: فلا يجب ولا يصح من مجنون حال جنونه، ولا من مصروع حال صرعه، ولا يجب على النائم والغافل ولا يصح منهما لعدم النية عند الجمهور غير الحنفية؛ إذ لا نية لنائم أو غافل حال النوم أو الغفلة. ٢ - البلوغ: فلا يجب على صبي، لكن لا يصح الوضوء إلا من مميز، فالتمييز شرط لصحة الوضوء. ٣ - الإسلام: شرط وجوب عند الحنفية بناء على المشهور عندهم من أن الكفار غير مخاطبين بالعبادات وغيرها من فروع الشريعة، فلا يجب على كافر إذ لايخاطب كافر بفروع الشريعة. وهو شرط صحة عند الجمهور بناء على أن المقرر لديهم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، فلا يصح من كافر، إذ يشترط لصحة أدائه منه وجود الإسلام (١). وهذا شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج. ٤ - القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي، فلا يجب على عاجز عن استعمال المطهر، ولا على فاقد الماء، والتراب أيضاً، ولا على واجد ماء لا يكفي لجميع الأعضاء مرة مرة. ولا على عاجز يضره الماء، فالمراد بالقادر: هو الواجد الماء الذي لا يضره استعماله. هذا عند الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية والحنابلة أنه يجب استعمال الماء الذي لا يكفيه ثم يتيمم. ٥ - وجود الحدث: فلا يلزم المتوضئ إعادة الوضوء أي الوضوء على الوضوء. ٦، ٧ - عدم الحيض والنفاس بانقطاعهما شرعاً، فلا يجب على الحائض والنفساء.

стр. 373

٨ - ضيق الوقت: لأن الخطاب الشرعي يتوجه للمكلف حينئذ توجهاً مضيقاً، وموسعاً في ابتداء الوقت، فلا يجب الوضوء حال سعة الوقت، ويجب إذا ضاق الوقت. ويمكن اختصار هذه الشروط في أمر واحد: هو قدرة المكلف بالطهارة عليها بالماء. ثانياً - شروط الصحة: يشترط لصحة الوضوء شروط ثلاثة عند الحنفية، وأربعة عند الجمهور: ١ - عموم البشرة بالماء الطهور: أي أن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول، بحيث لا يبقى منه شيء، إلا وقد غسل، لكي يغمر الماء جميع أجزاء البشرة، حتى لو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه الماء من المفروض غسله، لم يصح الوضوء. وبناء عليه يجب تحريك الخاتم الضيق عند الجمهور غير المالكية: أما المالكية فقالوا: لا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً بخلاف غير المأذون فيه، كالذهب للرجل أو المتعدد أكثر من واحد، فلا بد من نزعه ما لم يكن واسعاً يدخل الماء تحته، فيكفي تحريكه؛ لأنه بمنزلة الدلك بالخرقة. ولا يصح الوضوء باتفاق الفقهاء بغير الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن ونحو ذلك، كما لا يصح التوضؤ بالماء النجس، إذ لا صلاة إلا بطهور أو لا صلاة إلا بطهارة. ٢ - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو: أي ألا يكون على العضو الواجب

стр. 374

غسله حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة، كشمع وشحم ودهن ودهان، ومنه عماص العين، والحبر الصيني المتجسم، وطلاء الأظافر للنساء. أما الزيت ونحوه فلا يمنع نفوذ الماء للبشرة. ٣ - عدم المنافي للوضوء أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره: أي انقطاع كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به، لغير المعذور، من دم حيض ونفاس وبول ونحوهما، وانقطاع حدث حال التوضؤ؛ لأنه بظهور بول وسيلان ناقض، لا يصح الوضوء. والخلاصة: أنه لا يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود ناقض للوضوء. ٤ - دخول الوقت للتيمم عند الجمهور غير الحنفية، ولمن حدثه دائم كسلس البول عند الشافعية والحنابلة، لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت. والإسلام كما عرفنا شرط لصحة أداء العبادات عند غير الحنفية، وعندهم: شرط وجوب. وأما التمييز فهو شرط لصحة الوضوء وغيره من العبادات بالاتفاق. وقال الشافعية: شروط الوضوء والغسل ثلاثة عشر: الإسلام، والتمييز، والنقاء من الحيض والنفاس، وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة، والعلم بفرضيته، وألا يعتقد فرضاً معيناً من فروضه سنة، والماء الطهور، وإزالة النجاسة العينية، وألا يكون على العضو ما يغير الماء، وألا يعلق نيته، وأن يجري الماء على العضو، ودخول الوقت لدائم الحدث، والموالاة (أي فقد الصارف).

стр. 375

المطلب الرابع - سنن الوضوء: ميز الحنفية بين السنة والمندوب، فقالوا: السنة: هي المؤكدة وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم، على سبيل المواظبة، أي أنها التي واظب عليها النبي ﷺ وتركها أحياناً بلا عذر. وحكمها الثواب على الفعل والعتاب على الترك. وأما المندوب أو المستحب: فهو ما لم يواظب عليه النبي ﷺ . ويعرف هنا بآداب الوضوء. وحكمه الثواب على فعله وعدم اللوم على تركه. وأهم سنن الوضوء عند الحنفية: ثمانية عشر شيئاً، وعند المالكية ثمان، وعند الشافعية حوالي ثلاثين، إذ لم يفرقوا بين السنة والمندوب، وعند الحنابلة: حوالي عشرين مطلوباً (١). ١ - النية سنة عند الحنفية، ووقتها قبل الاستنجاء، وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، واستحب المشايخ النطق بها. وهي فرض عند الجمهور غير الحنفية، كما بينت في بحث فرائض الوضوء. ٢ - غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء، سواء قام من النوم أم لم يقم؛ لأنهما آلة التطهير، ولقول النبي ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه،

стр. 376

فليغسل يده، قبل أن يدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» (١) وفي لفظ: «حتى يغسلها ثلاثاً» والأرجح الاكتفاء بمرة كبقية أفعال الوضوء، والتثليث مستحب. وقال الحنابلة: يكون الغسل ثلاثاً، سنة لغير المستيقظ من النوم ليلاً، وواجباً على المستيقظ من نومه ليلاً. ٣ - التسمية في بدء الوضوء: بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، والوارد عنه ﵇ فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة بإسناد حسن - باسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام. وقيل: الأفضل: (باسم الله الرحمن الرحيم) عملاً بحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم: أقطع» (٢). وقد اعتبر المالكية التسمية من فضائل (آداب) الوضوء. وأوجب الحنابلة التسمية عند الوضوء. ودليلهم: قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٣) وقوله ﵇ من حديث سعيد بن زيد مثله (٤)، وحديث أبي سعيد: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٥).

стр. 377

استدل الحنابلة على وجوب التسمية بهذه الأحاديث. وتأول الجمهور هذه الأحاديث بأنها واردة لنفي الكمال، لا نفي الصحة، كحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (١) وحديث «ذكر الله على قلب المؤمن، سمى أو لم يسمِّ» (٢) بقرينة حديث مرفوع عن ابن عمر (٣): «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه، كان طهوراً لأعضاء وضوئه» (٤) ولخبر النسائي وابن خزيمة بإسناد جيد عن أنس: «توضؤوا بسم الله» أي قائلين ذلك، وأكملها كمالها، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته، الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً. وإنما تجب التسمية لآية الوضوء المبينة لواجباتها. ٤ - المضمضة والاستنشاق: والمضمضة: هي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه، أو استيعاب جميع الفم بالماء. والاستنشاق: إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه. ويلحق بهما سنة الاستنثار: وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه (السبابة والإبهام من يده اليسرى) على أنفه، كما يفعل في امتخاطه. وهي كلها سنة مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة لحديث مسلم: «ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، إلا خرَّت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء» (٥). وأما خبر (تمضمضوا واستنشقوا) فضعيف. وإنما لم يجبا فلآية الوضوء المبينة لواجباته.

стр. 378

صفة وضوء رسول الله ﷺ في المضمضة والاستنشاق: وتسن المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للحديث المتفق عليه عن عثمان بن عفان ﵁: أنه دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رِجليه ثلاث مرات إلى الكعبين. ثم قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يُحدِّث فيهما نفسه، غفَر الله له ما تقدم من ذنبه» (١) ولقوله ﵇ فيما روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة: «عشر من الفطرة» وذكر منها (المضمضة والاستنشاق) والفطرة: السنة، ولأن الفم والأنف عضوان باطنان، فلا يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين، ولأن الوجه: ماتحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بهما. واتفق الفقهاء على أنه تسن المبالغة فيهما للمفطر غير الصائم، لقوله ﷺ في رواية صحح ابن القطان إسنادها -: «إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائماً» ولحديث لَقِيط بن صَبْرة: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً» (٢) ولا تسن المبالغة للصائم، بل تكره لخوف الإفطار. والمبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات. ويسن إمرار أصبع يده اليسرى على ذلك، وفي الاستنشاق: أن يصعد الماء بالنَّفَس إلى الخيشوم. ويسن إدارة الماء في الفم ومجه.

стр. 379

ويسن الاستنثار للأمر به في خبر ابن عباس عن النبي ﷺ : «استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثاً» (١). وعبارة الحنفية في المضمضة والاستنشاق: وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان على سنن خمس: الترتيب، والتثليث، وتجديد الماء، وفعلهما باليمنى، والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن (أرنبة الأنف) لغير الصائم، لاحتمال الفساد أي الإفطار (٢). وقال المالكية: يندب فعل المضمضة والاستنشاق، بثلاث غرفات لكل منهما، ومبالغة مفطر. ويرى الشافعية في الأصح أن الترتيب فيهما مستحق لا مستحب، بعكس تقديم اليمنى على اليسرى. والأظهر كما قال النووي في المنهاج: تفضيل الجمع على الفصل بين المضمضة والاستنشاق، بثلاث غرف، يتمضمض من كلٍ، ثم يستنشق، أي أن الجمع بغرفة لكليهما أفضل من فصلهما للأخبار الصحيحة في ذلك (٣). والمشهور في مذهب الحنابلة: أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين جميعاً: الوضوء والغسل، لأن غسل الوجه واجب فيهما، والفم والأنف من الوجه، ولحديث عائشة: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه» (٤)، ولمداومته ﷺ عليهما في كل حديث ذكر فيه صفة وضوء رسول الله

стр. 380

ﷺ ، مثل حديث عثمان السابق، وحديث علي: «أنه دعا بوَضُوء (أي ماء)، فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طَهُور نبي الله ﷺ » (١) وحديثي أبي هريرة: «أن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر» «أمر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق» (٢). والحق: أن هذه الأحاديث ظاهرة في إيجاب المضمضة والاستنشاق. وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق، مع صحة الأمر به، إلا بكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد. وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء (٣). ٥ - السواك سنة باتفاق الفقهاء ما عدا المالكية الذين عدوه من الفضائل، وسأخصص له مبحثاً مستقلاً. ٦ - تخليل اللحية الكثة والأصابع: يسن تخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها (٤)، وتخليل أصابع اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء، لما روى ابن ماجه والترمذي وصححه: أنه ﷺ كان يخلل لحيته، ولما روى أبو داود: «أنه ﷺ كان إذا توضأ، أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا

стр. 381

أمرني ربي» (١). ولحديث لَقيط بن صَبْرَة في المبالغة في الاستنشاق السابق: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (٢) وحديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأت فخلِّل أصابع يديك ورجليك» (٣) وحديث المُسْتَورِد بن شدَّاد قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» (٤). ٧ - تثليث الغسل: اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل واعتبره المالكية من فضائل الوضوء، لما ثبت في السنة كحديث عمرو بن شعيب من تثليث غسل الكفين والوجه والذراعين (٥). وإنما لم يجب؛ لأنه ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا الذي لايقبل الله العمل إلا به»، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: «هذا يضاعف الله به الأجر مرتين» وتوضأ ثلاثا ﷺ ثلاثاً، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (٦). وأما المسح فلا يسن تكراره عند الجمهور وأكثر أهل العلم من الصحابة، لحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء رسول الله ﷺ ، قال: «ومسح برأسه مرة

стр. 382

واحدة» (١)، ولما روي عن علي ﵁ «أنه توضأ ومسح برأسه مرة واحدة»، ثم قال: «هذا وضوء النبي ﷺ ، من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله ﷺ فلينظر إلى هذا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع والرُّبَيِّع، كلهم قالوا: (ومسح برأسه مرة واحدة) وحكايتهم لوضوء النبي ﷺ إخبار عن الدوام، ولا يداوم إلا على الأفضل الأكمل. ولأنه مسح في طهارة، فلا يسن تكراره، كالمسح في التيمم والمسح على الجبيرة، وسائر المسح. وقال الشافعية: ويسن أيضاً تثليث المسح، لما روي عن أنس: «الثلاث أفضل» ولحديث شقيق بن سلمة عند أبي داود قال: «رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا، وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وروى عثمان وعلي وابن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو مالك والرُّبيع، وأبي بن كعب: «أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً». لكن رد الجمهور على الشافعية بأنه لم يصح من أحاديثهم شيء صريح، ويظهر أن رأي الجمهور أقوى دليلاً من السنة الصحيحة. ٨ - استيعاب كل الرأس بالمسح: يسن الاستيعاب بالمسح عند الحنفية والشافعية اتباعاً للسنة فيما رواه الشيخان، مرة واحدة عند الحنفية، وثلاثاً عند الشافعية، وخروجاً من خلاف من أوجبه؛ لأن مسح الرأس كله واجب عند المالكية والحنابلة كما بينا.

стр. 383

والسنة في كيفيته: أن يضع يديه على مقدمة رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب (١)، فإن لم يقلب شعره لقصره أو عدمه لم يردّ لعدم الفائدة. وقال المالكية: يسن رد مسح الرأس وإن لم يكن له شعر بأن يعمه بالمسح ثانياً إن بقي بيده بلل من المسح الواجب، وإلا سقطت سنة الرد. ودليل الحنفية: حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان السابقان وفيهما: «ثم مسح برأسه» ولم يذكرا عدداً. ومثله حديث أبي حَبَّة في صفة وضوء علي وفيه: «ومسح برأسه مرة» (٢) ودليل الشافعية: حديث عثمان السابق فيما رواه أبو داود بإسناد حسن: أنه توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً، وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا. وحديث علي عند البيهقي: «توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل». وأجاز الشافعية والحنابلة مسح بعض الرأس والإكمال على العمامة إن عسر رفعها، لأنه ﷺ «مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» (٣). ٩ - مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد: يسن مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد عند الجمهور؛ لأنه ﷺ مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه، يأخذ لصماخيه أيضاً ماء جديداً. روي عن عبد الله بن زيد: «أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماءً

стр. 384

خلاف الماء الذي أخذه لرأسه» (١)، وكان ابن عمر إذا توضأ يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه (٢). وقال الحنابلة: يجب مسح الأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس لحديث «الأذنان من الرأس» (٣)، ولأن النبي ﷺ مسحهما مع رأسه، كما هو الثابت في أحاديث متعددة (٤). والراجح لدي القول بسنية مسح الأذنين فقط، لأن حديث «الأذنان من الرأس» لم يثبت، وإنما هو ضعيف، حتى قال ابن الصلاح: إن ضعفه كثيرلا ينجبر بكثرة الطرق. وقال الشوكاني: الحق عدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل (٥). ومسح الأذنين: ثلاث مرات عند الشافعية ومرة عند الجمهور. ١٠ - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين: واعتبره المالكية من الفضائل. ودليل السنية: حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يحب التيامُن في تنعله وترجُّله وطَهوره، وفي شأنه كله» (٦) وهو دليل على مشروعية الابتداء

стр. 385

باليمين في لبس النعال، وفي ترجيل الشعر (أي تسريحه) وفي الطهور، فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى، وبالجانب الأيمن من سائر البدن في الغسل قبل الأيسر، والتيامن سنة في جميع الأشياء. ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم» (١). وأضاف الحنفية والشافعية لهذه السنة: البداءة برؤوس الأصابع ومقدم الرأس، كما أن الشافعية أضافوا: البدء بأعلى الوجه. وقال المالكية: يندب البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، أي في الوجه واليدين والرأس والرجلين. ١١ - الترتيب والموالاة والدلك عند من لا يرى فرضيتها، كما قدمنا في بحث فرائض الوضوء. المطلب الخامس - آداب الوضوء أو فضائله: عبر الحنفية عن ذلك بالآدا ب جمع أدب: وهو ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه. وحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. وآداب الوضوء عندهم أربعة عشر شيئاً. وعبر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والأفعال المستحبة، وهي عندهم عشر، والفرق بينها وبين السنة: أن السنة: ما أكد الشارع أمرها، وعظم قدرها، وأما المندوب أو المستحب: فهو ما طلبه الشارع طلباً غير جازم، وخفف أمره، وكل منهما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.

стр. 386

وأهم هذه الآداب ما يأتي: ١ - استقبال القبلة؛ لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء، واعتبره الحنابلة والشافعية سنة، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب. ٢ - الجلوس في مكان مرتفع؛ تحرزاً عن الغسالة. وقال المالكية: يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل، وشأنه الطهارة، فيكره الوضوء في بيت الخلاء أو الكنيف (دورة المياه) قبل استعماله (١)، كما يكره الوضوءفي غيره من المواضع المتنجسة بالفعل. ٣ - عدم التكلم بكلام الناس، بلا ضرورة؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور. ٤ - عدم الاستعانة بغيره إلا لعذر؛ كالصب ونحوه (٢)، لأنه الأكثر من فعله ﷺ (٣)، ولأنها نوع من الترفه والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد، والأجر على قدر النَّصَب، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره. فإن كان ذلك لعذر كمرض فلا بأس، وقد أجازها النبي، بدليل حديث المغيرة بن شعبة: «أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن مُغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح الخفين» (٤)، وقال صفوان بن عَسَّال:

стр. 387

«صببت الماء على النبي ﷺ في السفر والحضر في الوضوء» (١) وقد دل هذان الحديثان على جواز الاستعانة بالغير، وبهما أخذ الحنابلة فقالوا بالإباحة. ٥ - تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل، وروي عن أبي رافع: «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ حرَّك خاتمه» (٢). ويندب أيضاً تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء، وإلا فيفرض تحريكه. وقد بينت أنه عند المالكية: لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه. ٦ - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى لشرفها، والامتخاط باليسرى لامتهانها. ٧ - التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة، لغير المعذور. أما المعذور أو المتيمم فلا يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية، ويجب تأخيرها لما بعد دخول الوقت عند الجمهور. ٨ - إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الأذنين؛ مبالغة في التنظيف. ٩ - مسح الرقبة بظهر يديه، لا الحلقوم عند الحنفية (٣)؛ لما روي عن ليث عن طلحة بن مُصرِّف عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القَذَال، وما يليه من مُقَدَّم العنق» (٤).

стр. 388

وقال جمهور الفقهاء: لا يندب مسح الرقبة، بل يكره؛ لأنه من الغلو في الدين. ١٠ - إطالة الغرة والتحجيل: إطالة الغرة: بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه، وغايتها: غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس. والتحجيل: بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب، وغايته استيعاب العضدين والساقين. وهذا مندوب عند الجمهور، لخبر الصحيحين: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل» وخبر مسلم: «أنتم الغُرُّ المحجَّلُون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرَّته وتحجيله» (١). وقال المالكية: لا تندب إطالة الغرة: وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض، بل يكره، لأنه من الغلو في الدين، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد، ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة، كما حمل عليه الحديث السابق: «من استطاع منكم أن يطيل غرته» فقد حملوا الإطالة على الدوام، والغرة على الوضوء. فيتلخص أن إطالة الغرة له معنيان: الزيادة على المغسول، وإدامة الوضوء، الأول مكروه، والثاني مطلوب عندهم. ١١ - ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند

стр. 389

الشافعية: إبقاء لأثر العبادة، ولأنه ﷺ «بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل، فرده، وجعل يقول بالماء: هكذا، ينفضه» (١). وقال المالكية: المسح بالمنديل جائز، لحديث قيس بن سعد، قال: «زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فأمر له سعد بغُسْل، فوُضع له فاغتسل، ثم ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران، أو وَرَس، فاشتمل بها» (٢). وعبارة الحنابلة: يباح للمتطهر تنشيف أعضائه (٣)، وتركه أفضل. وهذا هو الراجح. ١٢ - ترك النفض للماء في الأصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض عند بعض الحنابلة، وخلاف الأولى عند الشافعية، لحديث أبي هريرة: «إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان» (٤)، والأظهر عند الحنابلة أنه لا يكره وفاقاً للأئمة الثلاثة. ١٣ - تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء، لأن الإسراف في الماء مكروه. ١٤ - جعل الإناء المفتوح كالقَصْعة والطَّست عن يمين المتطهر، لأنه أعون في التناول.

стр. 390

١٥ - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء. قال الحنابلة: وكذا بعد الغسل. وهو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمد ك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إ ليك. ويسن الصلاة والسلام بعد الوضوء على النبي ﷺ ، فيقول: اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد. والنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعاً: «مامنكم من أحد يتوضأ فيبلِّغ، أو فيسبغ الوضوء (أي يتمه)، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». وزاد الترمذي على مسلم: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» وزاد فيه أيضاً: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» ورواه أحمد وأبو داود. وروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: «من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقّ ثم طبع بطابَع (خاتم)، فلم يكسر إلى يوم القيامة» أي لم يتطرق إليه إبطال. قال السامري: ويقرأ سورة القدر ثلاثاً. وأما الدعاء عند غسل الأعضاء فلا أصل له في كتب الحديث، كما قال
следующие страницы →