← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

عمر بن الخطاب ﵄ خرجا في جيش العراق، فلما قفلا مرا على عامل لعمر: وهو أبو موسى الأشعري، فرحب بهما وسهل، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكما، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، وتوفران رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما ربحه. فقالا: وددنا، ففعل، فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا وربحا، فقال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقال: لا. فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما!! فأدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين، لو هلك المال ضمناه. فقال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً (أي لو عملت بحكم المضاربة: وهو أن يجعل لهما النصف، ولبيت المال النصف) فرضي عمر، وأخذ رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال (١). وأثبت ابن تيمية مشروعية المضاربة بالإجماع القائم على النص، فإن المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله ﷺ قد سافر بمال غيره قبل النبوة، كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله ﷺ ، وكان أصحابه يسافرون بمال غيره مضاربة، ولم ينه عن ذلك، والسنة: قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة (٢).

стр. 3817

وأما القياس: فالمضاربة قيست على المساقاة لحاجة الناس إليها، لأن الناس بين غني وفقير، والإنسان قد يكون له مال، لكنه لا يهتدي إلى أوجه التصرف والتجارة به، وهناك من لا مال له، لكنه مهتد في التصرفات، فكان في تشريع هذا العقد تحقيق للحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم (١). وحكمة مشروعية المضاربة: تمكين الناس من تنمية الأموال وتحقيق التعاون بينهم، وضم الخبرات والمهارات إلى رؤوس الأموال لتحقيق أطيب الثمرات. ركن المضاربة وألفاظها ونوعاها: ركن عقد المضاربة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، بألفاظ تدل عليهما. فألفاظ الإيجاب: هي لفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ بأن يقول رب المال: (خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة). وكذا إذا قال: مقارضة أو معاملة، أو قال (خذ هذا المال واعمل به على أن مارزق الله من شيء فهو بيننا على كذا) ولم يزد على هذا فهو جائز، لأنه أتى بلفظ يؤدي معنى هذا العقد، والعبرة في العقود لمعانيها، لا لصور الألفاظ. وألفاظ القبول: هي أن يقول العامل المضارب: أخذت، أو رضيت أو قبلت، ونحوها. وإذا توافر الإيجاب والقبول انعقد العقد (٢).

стр. 3818

وأركان المضاربة عند الجمهور ثلاثة: عاقدان (مالك وعامل) ومعقود عليه (رأس المال، والعمل والربح)، وصيغة (إيجاب وقبول) وعدها الشافعية خمسة: مال وعمل وربح (١) وصيغة وعاقدان. نوعاها: المضاربة نوعان: مطلقة ومقيدة (٢): ف المطلقة: هي أن يدفع شخص المال إلى آخر بدون قيد، ويقول: «دفعت هذا المال إلىك مضاربة على أن الربح بيننا كذا مناصفة أو أثلاثاً، ونحو ذلك» أو هي أن يدفع المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله. و المقيدة: هي أن يعين شيئاً من ذلك أو أن يدفع إلى آخر ألف دينار مثلاً مضاربة على أن يعمل بها في بلدة معينة، أو في بضاعة معينة، أو في وقت معين، أو لا يبيع ولا يشتري إلا من شخص معين. وهذان النوعان الأخيران (حالة التأقيت وتخصيص شخص) جائزان عند أبي حنيفة وأحمد، وغير جائزين عند مالك والشافعي. وكذلك يجوز إضافتها إلى المستقبل عند الأولين ولا يجوز عند الآخرين كأن يقول رب المال: ضارب بهذا المال ابتداء من الشهر الآتي. وأما تعليق المضاربة على شرط كما إذا قال صاحب المال: إذا جاءك فلان بالدين الذي لي في ذمته (ومقداره ألف دينار) وسلمك إياه فضارب به، فقد أجازه الحنابلة والزيدية ولم يجزه الحنفية والمالكية والشافعية؛ لأن المضاربة تفيد تمليك جزء من الربح، والتمليك لا يقبل التعليق (٣).

стр. 3819

ويشترط في المضاربة عند الشافعية والمالكية أن تكون مطلقة، فلا تصح مقيدة بنوع معين من التجارة، ولا بشخص معين، ولا ببلد معين. ولا يشترط تعيين مدة فيها، فإن عينت مدة لا يتمكن فيها العامل من المتاجرة، فسدت الشركة، وإن عينت مدة يتمكن فيها من التجارة، ثم منع العامل من الشراء، ولم يمنع من البيع، صح ذلك لتمكنه من الربح بالبيع. صفة عقد المضاربة: اتفق العلماء على أن عقد المضاربة قبل شروع العامل في العمل غير لازم، وأنه لكل من المتعاقدين فسخه. واختلفوا فيما إذا شرع العامل في المضاربة، فقال الإمام مالك: هو عقد لازم بالشروع، وهوعقد يورث، فإن المضارب إذا كان له بنون أمناء كانوا في المضاربة أو القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين. وإن شرع العامل لا يفسخ العقد حتى ينض المال أي يتحول نقوداً لا عروضاً. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: العقد غير لازم، ولكل من العاقدين الفسخ إذا شاء، وليس هو عقداً يورث. ومرجع الخلاف بين الفريقين: أن الإمام مالك جعل العقد لازماً بعد الشروع في العمل لما يترتب على الفسخ من ضرر، فكان من العقود الموروثة. وأما الفريق الثاني فقد شبهوا الشروع في العمل بما قبل الشروع في العمل؛ لأن المضاربة تصرف في مال الغير بإذنه، فيملك كل واحد من العاقدين فسخ العقد، كما في الوديعة والوكالة (١).

стр. 3820

ولكن الحنفية ومن وافقهم اشترطوا لصحة الفسخ وانتهاء المضاربة علم المتعاقد الآخر بالفسخ، كما في سائر أنواع الشركات، وأن يكون عند الحنفية رأس المال ناضاً أي نقوداً (١) وقت الفسخ، فإن كان من العروض من عقار أو منقول، لم يصح الفسخ عندهم. وقال الشافعية والحنابلة: إذا انفسخت المضاربة ورأس المال عروض، فاتفق المتعاقدان على بيعه أو قسمته جاز؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن طلب العامل البيع، وأبى رب المال، أجبر رب المال على البيع؛ لأن حق العامل في الربح، وهو لا يحصل إلا بالبيع (٢). تعدد المضارب: قال المالكية (٣): إذا تعدد عامل القراض، فإن الربح يوزع عليهم على قدر العمل كشركاء الأبدان، أي فيأخذ كل منهما من الربح بقدر عمله، فلا يجوز أن يتساويا في العمل، ويختلفا في الربح، أو بالعكس، بل الربح على قدر العمل على المشهور. حكم الشركات القانونية الحديثة: إن شركات الأشخاص التجارية في القانون الوضعي وهي شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة تعتبر جميعها في الجملة من قبيل شركة المضاربة في الفقه الإسلامي مع اختلاف بعض الأحكام بين القانون والشريعة حسبما تقتضيه مصلحة الناس وطبيعة التطور. ففي شركة التضامن حيث يكون المال من جميع الشركاء، والعمل من بعضهم، يكون العامل مضارباً في مال غيره. وفي شركة التوصية البسيطة حيث

стр. 3821

تتكون الشركة من شركاء متضامنين مسؤولين عن التزامات الشركة، وشركاء موصين تنحصر مسؤولية كل واحد فيما يقدمه من حصة في المال، تكون الشركة مضاربة في مال الموصين. وفي شركة المحاصة إذا سلمت الحصص لأحد الشركاء لاستثمارها، يكون هذا الشريك وكيلاً عنهم في استثمار هذا المال، وعمله في مال غيره يكون قراضاً (مضاربة). وكذلك شركات الأموال أو شركات المساهمة حيث يكون العمل في مالها عادة لغير أرباب الأموال فيها، تعد من قبيل القراض في هذه الحال. وكذلك الشركات ذات المسؤولية المحدودة التي لا يزيد عدد الشركاء فيها على خمسين شريكاً، يكون عمل المدير فيها قراضاً، كما يرى أستاذنا الشيخ علي الخفيف (١). والأدق أن يعتبر عمله من باب التوظف، فهو يعمل بأجر بحكم التوظف لا بحكم المشاركة. ولا مانع شرعاً في شركة المساهمة وشركة التضامن من اعتبار مدير الشركة أجيراً موظفاً على العمل، ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة في شيء واحد؛ لأن المنع من وجود عقدين أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع والخلاف، وعدم التنازع جرى عليه العرف والعادة، فلم يعد شرطاً مفسداً. وسأوضح ذلك قريباً. المطلب الثاني - شرائط المضاربة: يشترط لصحة المضاربة شروط في العاقدين وفي رأس المال وفي الربح: أما ما يشترط في العاقدين وهما رب المال والمضارب: فهو أهلية التوكيل والوكالة؛ لأن المضارب يتصرف بأمر رب المال، وهذا معنى التوكيل، ولا يشترط

стр. 3822

كونهما مسلمين، فتصح المضاربة بين المسلم والذمي والمستأمن في دار الإسلام، والمذهب عند المالكية الكراهة بين مسلم وذمي إذا لم يعمل بمحرم كالربا. وأما شروط رأس المال فهي: أولاً - أن يكون رأس المال من النقود الرائجة أي الدراهم والدنانير ونحوها، كما هو الشرط في شركة العنان. فلا تجوز المضاربة بالعروض من عقار أو منقول عند جمهور العلماء، ولو كان المنقول مثلياً عند الحنفية والحنابلة، وأجازها ابن أبي ليلى والأوزاعي، وتنعقد حينئذ على قيمها عند انعقاد المضاربة. وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضاً كان غرراً؛ لأن المضاربة تؤدي حينئذ إلى جهالة الربح وقت القسمة، إذ أن قيمة العروض تعرف بالحزر والظن، وتختلف باختلاف المقومين، والجهالة تفضي إلى المنازعة، والمنازعة تفضي إلى الفساد (١)، وللعامل حينئذ أجر مثله في ذمة رب المال. وكون القراض لا يجوز بالعروض عند المالكية مع جواز ذلك في شركة العنان، فلأن القراض رخصة يقتصر على ما ورد فيها. أما إذا كان رأس المال ما به تباع العروض، بأن دفع إنسان لآخر عروضاً، وقال: بعها واعمل بثمنها مضاربة، فباعها بنقود، وتصرف فيها، جاز العقد عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض، وإنما أضافها إلى الثمن، والثمن تصح به المضاربة.

стр. 3823

ولم يجز العقد عند الشافعي، لأنه قارضه على ماتباع به السلعة، وذلك مجهول، فكأنه قارضه على رأس مال مجهول. وكما أنه لا تصح المضاربة على العروض لا تصح أيضاً على تبر الذهب والفضة والنقرة (القطعة الخالصة من الذهب والفضة)، ولا على الفلوس عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك، لأنها لا تعتبر أثماناً مطلقة، وعند محمد: تجوز، لأنها أثمان للأشياء عنده، كما عرفنا في بحث شركات الأموال. والخلاصة: أن كل ما يصلح رأس مال في الشركة، ويصح به عقد الشركة، تصح به المضاربة، وإلا فلا. ثانياً - أن يكون رأس المال معلوم المقدار: فإن كان مجهولاً لا تصح المضاربة؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح، وكون الربح معلوماً شرط لصحة المضاربة. ثالثاً - أن يكون رأس المال عيناً (١) حاضرة لا ديناً: فلا تصح المضاربة على دين ولا على مال غائب. وعليه لا يجوز أن يقال لمن عليه دين: ضارب بالدين الذي عليك. وهذا الشرط والذي قبله باتفاق العلماء. والمضاربة بالدين فاسدة؛ لأن المال الذي في يد من عليه دين له، وإنما يصير لدائنه (أوغريمه) بقبضه، ولم يوجد القبض ههنا (٢).

стр. 3824

والشرط أن يكون المال حاضراً عند التصرف، فلا يشترط الحضور في مجلس العقد، فلو وفي الدين، وسلم إلى المضارب أو أحضر المال الغائب، فسلم إليه، صحت المضاربة. وبناء عليه: إذا كان لرب المال دين على رجل، فقال له: «اعمل بديني الذي في ذمتك مضاربة بالنصف» فقال أبو حنيفة: إذا اشترى المدين بذلك وباع، فجميع ما اشترى وباع يملكه هو، وله ربحه وعليه وضيعته (خسارته) والدين يظل قائماً في ذمته بحاله، وهذا مبني على الأصل المقرر عنده فيمن وكل رجلاً ليشتري له بالدين الذي في ذمته: وهو أنه لا يجوز. وهذا متفق مع مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً، فلا تصح عندهم المضاربة بما في ذمة المضارب من دين لآخر، وإنما لا بد من تسليمه إلى الدائن، ثم يسلمه الدائن مرة أخرى للمضارب. وقال الصاحبان: إن جميع ما اشترى وباع لرب المال، له ربحه وعليه خسارته. وهذا مبني على الأصل المقرر عندهما في الوكالة السابقة: وهو أن هذا التوكيل جائز، ويبرأ المدين من الدين، ولكن المضاربة فاسدة؛ لأن الشراء وقع للموكل، فتصير المضاربة بعدئذ مضاربة بالعروض، كأنه وكله بشراء العروض، ثم دفعه إليه مضاربة، والمضاربة بالعروض لا تصح. قبض الدين: أما إذا قال إنسان لرجل: (اقبض ما لي على فلان من الدين واعمل به مضاربة) جاز باتفاق العلماء؛ لأن المضاربة هنا أضيفت إلى المقبوض الذي هو أمانة في يده، فكان رأس المال عيناً لا ديناً، أي أن المضارب يكون وكيلاً في قبضه مؤتمناً عليه؛ لأنه قبضه بإذن مالكه من غيره، فجاز أن يجعله مضاربة، كما لو قال: اقبض المال من غلامي وضارب به.

стр. 3825

الوديعة: وكذلك تجوز المضاربة عند الحنفية والشافعية والحنابلة إذا كان في يد شخص وديعة، فقال له المودع: ضارب بها؛ لأن الوديعة ملك رب المال، فجاز أن يضاربه عليها، كما لو كانت حاضرة، فقال: (قارضتك على هذا الألف) وأشار إليه في زاوية البيت. والفرق بين هذه الحالة والدين: أن عين المال في حالة الدين لا يصير ملكاً للدائن إلا بقبضه. وقال المالكية: المرهون أو الوديعة لا يجوز أن يكون أحدهما رأس مال القراض؛ لأنه شبيه بالدين. المغصوب: والمضاربة تجوز أيضاً فيما إذا كان المال مغصوباً، فضارب به الغاصب؛ لأنه مال لرب المال يباح له بيعه من غاصبه ومن يقدر على أخذه منه، فأشبه الوديعة (١). رابعاً - أن يكون رأس المال مسلَّماً إلى العامل: ليتمكن من العمل فيه، ولأن رأس المال أمانة في يده، فلا يصح إلا بالتسليم وهو التخلية كالوديعة، ولا تصح المضاربة مع بقاء يد رب المال على المال، لعدم تحقق التسليم مع بقاء يده. ويترتب عليه أنه لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة، إذ لا بد من استقلال العامل بالتصرف والعمل بمقتضى طبيعة التجارة وظروفها التي يتعذر فيها الاشتراك في العمل الذي يحتاج إنجازه لسرعة واهتبال الفرصة المواتية. فإن استعان العامل بصاحب المال في العمل، دون اشتراط، جاز ذلك، لأن الاستعانة به لا تخرج المال من العامل. وهذا الشرط محل اتفاق بين الجمهور (أبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي

стр. 3826

والأوزاعي وأبي ثور وابن المنذر). وأما الحنابلة فقد أجازوا اشتراط بقاء يد المالك على المال. وأجاز المالكية للعامل أن يشترط عمل رب المال مجاناً أن يعمل معه في مال القراض، أو يشترط تقديم دابة رب المال حيث كان المال كثيراً. كما أجازوا أيضاً لمريد القراض أن يدفع مالين متعاقبين، أي واحداً بعد واحد لعامل واحد، إذا شرطا خلط المالين عند دفع الثاني؛ لأنه يرجع حينئذ إلى أجر واحد معلوم. وفي هذا الشرط تختلف المضاربة عن شركات الأموال، فإنها تصح مع بقاء يد رب المال على ماله. والفرق هو أن المضاربة انعقدت على رأس مال من أحد الجانبين، وعلى العمل من الجانب الآخر، ولا يتحقق العمل إلا بعد خروج المال من يد صاحبه ليتمكن من التصرف فيه. أما الشركة فإنها انعقدت على العمل من الجانبين، فإذا شرط زوال يد رب المال عن العمل، فيكون هذا الشرط مناقضاً لمقتضى العقد، كما لو شرط في المضاربة عمل رب المال، فإن المضاربة تفسد، سواء عمل رب المال مع المضارب، أم لم يعمل؛ لأن شرط عمله معه معناه اشتراط بقاء يده على المال، وهذا شرط فاسد، لأنه يمنع المضارب من التمكن من التصرف، فلا يتحقق المقصود من العقد (١). وهذا الشرط مطلوب، سواء أكان المالك عاقداً أم غير عاقد، فلا بد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة. ويترتب عليه أن الأب أوا لوصي إذا ضارب في مال الصغير، وشرط عمل

стр. 3827

الصغير، لم تصح المضاربة؛ لأن يد الصغير ثابتة له، وبقاء يده يمنع التسليم إلى المضارب (١). وكذلك أحد شريكي المفاوضة أو العنان إذا دفع مالاً مضاربة وشرط عمل شريكه مع المضارب، فالمضاربة فاسدة لقيام الملك لشريكه، وإن لم يكن عاقداً، فيمنع تحقق التسليم (٢). ويترتب على هذا الشرط أن المضارب لو دفع إلى رب المال مضاربة بالثلث فالمضاربة الثانية فاسدة، والمضاربة الأولى على حالها جائزة. وأما شروط الربح فهي ما يأتي: أولاً - أن يكون الربح معلوم القدر: لأن المعقود عليه أو المقصود من العقد هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد (٣). وإذا دفع شخص لآخر ألف درهم على أن يشتركا في الربح، ولم يبين مقدار الربح، جاز العقد، ويكون الربح بينهما نصفين؛ لأن الشركة تقتضي المساواة كما في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكاء ُفي الثلث﴾ [النساء:١٢/ ٤]. حالة فساد المضاربة وحالة فساد الشرط فقط عند الحنفية: إن كان هناك شرط يؤدي إلى جهالة الربح فسدت المضاربة، لاختلال المقصود من العقد: وهو الربح.

стр. 3828

وإن كان الشرط لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط ويصح القعد. مثل أن يشترط المالك أن تكون الخسارة على المضارب أو عليهما، فالشرط يبطل، ويبقى العقد صحيحاً، والخسارة تكون على المالك في مال المضاربة. والسبب في أن شرط الخسارة عليهما شرط فاسد: هو أن الخسارة تعتبر جزءاً هالكاً من المال، فلا يكون إلا على رب المال، لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح، فيؤثر في العقد فيجعله فاسداً. ومثله أيضاً: أن يدفع شخص لآخر ألف دينار مضاربة على أن الربح بينهما نصفان، وعلى أن يدفع إليه رب المال أرضه ليزرعها سنة أو داراً ليسكنها سنة فالشرط باطل، والمضاربة جائزة، لأنه - أي رب المال - ألحق بها شرطاً فاسداً لا يقتضيه العقد. أما لو كان المضارب هو المشروط عليه بأن شُرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال سنة أو يدفع داره إلى رب المال ليسكنها سنة، فإن المضاربة تفسد، لأنه جعل نصف الربح عوضاً عن عمله وعن أجرة الدار أو الأرض، فصارت حصة العمل مجهولة بالعقد، فلم يصح العقد (١). وخلاصة ضابط الفساد عند الحنفية باقتران شرط في المضاربة: هو أنه إذا كان الشرط مؤدياً إلى عدم توافر شرط من شروط صحة المضاربة، فإنه يفسدها، كجهالة الربح أو عدم كمال تسليم المال إلى المضارب. أما إذا كان الشرط لا يمس شروط صحة المضاربة، فإن اشتراط شرط فاسد في المضاربة، لا يفسدها، وإنما يفسد الشرط ويلغو، وتصح المضاربة، كاشتراط الوضيعة (الخسارة) على المضارب، يبطل الشرط، وتصح المضاربة. ولو جعل الربح كله لرب المال وقبل المضارب أن يعمل فيه بالمجان لم يكن العقد مضاربة، ولكن صار إبضاعاً أو مباضعة، والعامل فيه مستبضعاً.

стр. 3829

ولو شرط في المضاربة كون جميع الربح للمضارب، فالعقد قرض عند الحنفية والحنابلة، وهو مضاربة فاسدة عند الشافعية، وحينئذ يكون للعامل أجرة مثل عمله؛ لأن مقتضى المضاربة الاشتراك في الربح، فإذا شرط استئثار العامل بالربح، كان الشرط فاسداً. ويجوز عند الحنفية أن يشترط لأحد العاقدين دراهم معدودة معلومة إن زاد الربح على مقدار كذا من الدراهم، فذلك شرط صحيح لا يؤثر في صحة المضاربة؛ لأنه لا يؤدي إلى جهالة الربح (١). وقال المالكية: يجوز أن يشترط العامل الربح كله له (٢)، وعبارتهم: يجوز اشتراط الربح كله في القراض لرب المال أو للعامل أو لغيرهما؛ لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض عليه حينئذ مجاز، وليس هو بقراض حقيقة، أي أن العامل يضمن المال إذا أخذه على أن الربح كله له، لأنه حينئذ يشبه السلف. ووجه قول الحنفية والحنابلة: أنه إذا لم يمكن تصحيح العقد مضاربة يجعل قرضاً؛ لأنه أتى بمعنى القرض، والعبرة في العقود لمعانيها (٣). ويترتب على هذا أنه إذا شرط جميع الربح لرب المال فهو مباضعة عندهم، لوجود معنى الإبضاع (٤) كما تقدم. ثانياً - أن يكون الربح جزءاً مشاعاً: أي نسبة عشرية أو سهماً من الربح، كأن يتفقا على ثلث أو ربع أو نصف، وهذا مستثنى من حكم الإجارة المجهولة؛

стр. 3830

لأن جواز عقد المضاربة كان للرفق بالناس، فإذا عين المتعاقدان مقداراً مقطوعاً محدداً، بأن شرطا مثلاً أن يكون لأحدهما مئة دينار أو أقل أو أكثر، والباقي للآخر، فلا يصح هذا الشرط، والمضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح، وهذا الشرط يمنع الاشتراك في الربح، لاحتمال ألا يربح المضارب إلا هذا القدر المذكور، فيكون الربح لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، وبالتالي لا يكون التصرف مضاربة. ولا تجوز المضاربة إذا جعل للعامل جزء من ربح غير المال المتجر فيه، وصرح المالكية أنه يجوز أن يتراضى العاقدان بعد العمل على جزء قليل أو كثير. وكذلك تفسد المضاربة إذا شرط زيادة ربح كعشرة مثلاً لأحد الشريكين، لاحتمال ألا يربح العامل إلا هذا القدر، فلا تتحقق الشركة في الربح. وحينئذ يلزم للعامل أجر المثل كما في سائر أنواع المضاربة الفاسدة (١). قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. وبناء عليه: لا تصح المضاربة بربح محدد كالفائدة التي تقدمها المصارف على الودائع؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح بدون تحديد نسبة مقطوعة كسبعة في المئة مثلاً. ولا تصح المضاربة على أن يأخذ العامل راتباً شهرياً معيناً، ونسبة من الأرباح عند تصفية الشركة أو الجرد السنوي وغيره.

стр. 3831

المطلب الثالث - أحكام المضاربة: المضاربة إما صحيحة أو فاسدة، ولكل واحد منهما أحكام، وسأبدأ في أحكام المضاربة الفاسدة التي اختل فيها شرط من شروط صحتها، لأن الكلام فيها يسير. حكم المضاربة الفاسدة: إذا كانت المضاربة فاسدة كأن يقول شخص لآخر: صد بشبكتي والصيد بيننا، فليس للمضارب عند الحنفية والشافعية والحنابلة (١) أن يعمل شيئاً مما تقتضيه المضاربة الصحيحة، ولا يثبت بها شيء من أحكام المضاربة الصحيحة التي سنعرفها، ولا يستحق النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر مثل عمله، سواء أكان في المضاربة ربح أم لم يكن؛ لأن المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة، والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الإجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل. وعلى هذا إذا لم يربح المضارب، فله أجر مثل عمله؛ لأن رب المال استعمله مدة في عمله، فكان عليه أجر العمل، وينفذ تصرف العامل، والربح للمالك. وأما الربح الحاصل حينئذ أو الصيد في مثالنا، فيكون كله لرب المال؛ لأن الربح نماء ملكه، ولم يستحق المضارب منه شيئاً نظراً لفساد العقد. وكذلك الخسران يكون على رب المال. والقول قول المضارب مع يمينه إذا فسد العقد، وذلك في دعوى الهلاك والضياع، والمال في يده أمانة، كما في المضاربة الصحيحة.

стр. 3832

ومذهب الشافعية والحنابلة في المضاربة الفاسدة كالحنفية إلا أنهم قالوا: إذا تصرف المضارب نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقي الإذن، فملك به التصرف كما في الوكالة الفاسدة، وهذا بخلاف البيع، فإنه لو فسد لاينفذ تصرف المشتري، مع أن البائع قد أذن له في التصرف، والفرق هو أن المشتري إنما يتصرف بالملك لا بالإذن، ولا ملك في البيع الفاسد. والربح جميعه في هذين المذهبين حين الفساد لرب المال؛ لأنه نماء ملكه، وعليه الخسران أيضاً. ويكون للمضارب أجرة مثل عمله، وإن لم يكن ربح، لأنه عمل طامعاً في المسمى، فإذا لم يحصل له المسمى وجب رد عمله إليه، وهو متعذر، فتجب قيمته وهي أجرة مثله، كما لو تبايعا بيعاً فاسداً وتقابضا وتلف أحد العوضين في يد القابض له، وجب رد قيمته (١). وقال المالكية: يرد العامل في جميع أحكام المضاربة الفاسدة إلى قراض مثله في الربح والخسارة وغيرها في أحوال معدودة، وله أجر مثل عمله في غيرها من الحالات. وعليه إذا حدث ربح في الحالات الأولى، فيثبت حق المضارب في الربح نفسه، لا في ذمة رب المال، حتى إذا هلك المال لم يكن للمضارب شيء، وإذا لم يكن ربح فلا شيء له (٢). والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل: أن الأجرة في أجرة المثل تتعلق بذمة رب المال، سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل: هو على سنة القراض، إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلا فلا شيء له (٣).

стр. 3833

وأهم حالات رد المضاربة الفاسدة إلى قراض المثل: حالة القراض بالعروض، وحالة جهالة الربح وليس هناك عادة يحتكم إليها، وحالة توقيت القراض كسنة مثل: اعمل به سنة، أو إضافة القراض للمستقبل مثل: إذا جاء الوقت الفلاني فاعمل به، وحالة الاشتراط على العامل ضمان رأس المال إن تلف بلا تفريط، أو قال له: اشتر بدين مؤجل فاشترى نقداً، فالربح له والخسارة عليه؛ لأن الثمن صار قرضاً في ذمته، أو شرط عليه ما يقل وجوده، بأن يوجد تارة ويعدم أخرى، أو اختلف العاقدان بعد العمل في جزء الربح، وادعى كل من رب المال والعامل مالاً يشبه أن يكون له، كأن يقول العامل: الثلثين، ورب المال: الثلث. وأهم حالات وجوب أجرة المثل في الذمة (أي ذمة رب المال) سواء حصل ربح أم لا في المضاربة الفاسدة ما يأتي: - وقوع القراض بدين لرب المال على العامل قبل قبضه منه، أو بوديعة له عند العامل قبل قبضها منه. - واشتراط يد رب المال مع العامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء. أو اشتراط مشاورته عند البيع والشراء بحيث لا يعمل عملاً فيه إلا بإذنه. أو اشترط المالك أميناً على العامل يراقبه. أو اشترط على العامل أن يخيط ثياب التجارة، أو يخرز الجلود المشتراة لها. أو اشترط عليه أن يشارك غيره في مال القراض، أو يخلط المال بماله أو بمال القراض عنده، أو أن يبضع بمال القراض (أي يرسله أو بعضه مع غيره ليشتري به ما يتجر العامل به مجاناً) ففي كل هذه الحالات يجب للعامل أجرة مثله. وأما أحكام المضاربة الصحيحة: فكثيرة، منها ما يرجع إلى حال يد

стр. 3834

المضارب، وبعضها يرجع إلى عمل المضارب، وبعضها يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل، ومايستحقه رب المال بالمال. ١ - أما حال يد المضارب: فقد اتفق أئمة المذاهب (١) على أن العامل المضارب أمين فيما في يده من رأس المال بمنزلة الوديعة، لأنه قبضه بإذن مالكه، لا على وجه البدل (أي المبادلة) كالمقبوض على سوم الشراء، ولا على وجه الوثيقة كالرهن. وإذا اشترى المضارب شيئاً صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع، لأنه تصرف في مال الغير بإذنه وهو معنى الوكيل، فتطبق عليه أحكام الوكالة المعروفة بالنسبة للشراء: وهو أن يكون الشيء بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس في مثله كالوكيل بالشراء. وأما بالنسبة للبيع فيعتبر كالوكيل بالبيع المطلق، كما سنعرف. فإذا ربح المضارب صار شريكاً فيه بقدر حصته من الربح؛ لأنه ملك جزءاً من المال بعمله، والباقي لرب المال، لأنه نماء ماله، فهو له. وإذا فسدت المضاربة بسبب من الأسباب صارت إجارة، والمضارب بمنزلة الأجير لرب المال، ويستحق حينئذ أجر المثل. وإذا خالف المضارب شرط رب المال، كأن فعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً منع من شرائه، صار بمنزلة الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه؛ لأنه تعدى في ملك غيره.

стр. 3835

وإذا تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه نائب عن رب المال في التصرف، فلم يضمن من غير تفريط، كالوديع. وإذا ظهرت خسارة كانت على رب المال وحده، واحتسب أولاً من الربح إن كان في المال ربح. وإن شرط على العامل ضمان رأس المال إن تلف، بطل الشرط والعقد صحيح عند الحنفية والحنابلة. وبناء عليه: يكون تشغيل المال على حساب الربح مع ضمان رأس المال صحيحاً والشرط باطل. وقال المالكية والشافعية: تفسد المضارب حينئذ، لأنه شرط فيه زيادة غرر يتنافى مع طبيعة العقد (١). لكن قال ابن قدامة في المغني ٥/ ١٤٤ في المضاربة: «وإن قال: خذ هذا المال فاتجر به، وربحه كله لك، كان قرضاً لا قراضاً. وقال الدردير: يجوز أن يضمن العامل مال القراض - أي المضاربة - لربه لو تلف أو ضاع بلا تفريط في اشتراط الربح له، أي للعامل، بأن قال ربه (صاحب المال): اعمل فيه والربح لك؛ لأنه حينئذ صار قرضاً، وانتقل من الأمانة إلى الذمة (٢). ٢ - وأما تصرفات المضارب: فيختلف حكمها بحسب ما إذا كانت المضاربة مطلقة أو مقيدة. والمطلقة كما عرفنا: أن يدفع المالك المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله. والمقيدة: أن يعين المالك شيئاً من ذلك. فإذا كانت المضاربة مطلقة: فللمضارب أن يتصرف في مال المضاربة ما بدا

стр. 3836

له من أنواع التجارات، في سائر الأمكنة، مع سائر الناس، لإطلاق العقد، فله أن يشتري به ويبيع؛ لأن المقصود من المضاربة: هو تحصيل الربح، والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع، إلا أنه في الشراء مقيد بالمعروف، وهو أن يكون بمثل قيمة المشترى، أو بأقل منه مما يتغابن الناس في مثله؛ لأنه وكيل، وشراء الوكيل يقع على ما هو متعارف. وأما بيعه فهو على الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في التوكيل بمطلق البيع. فعند أبي حنيفة ﵁: يملك البيع نقداً ونسيئة وبغبن فاحش. وعند الصاحبين: لا يملك البيع بالنسيئة، ولا بما لا يتغابن الناس في مثله، وإنما يتقيد بالمتعارف وهذا هو الرأي الأرجح. وهو ما ذهب إليه الشافعية والمالكية والحنابلة، إلا أن الحنابلة أجازوا للمضارب أن يبيع نقداً ونسيئة كما يقول أبو حنيفة. وللمضارب أن يدفع المال بضاعة (١)؛ لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح، والإبضاع طريق إليه، ولأنه يملك الاستئجار فالإبضاع أولى؛ لأن الاستئجار استعمال شخص في المال بعوض، والإبضاع استعماله فيه بغير عوض، فكان أولى. ولا يجوز عند المالكية الإبضاع إلا بإذن رب المال، وإلا ضمن (٢). وللمضارب عند الحنفية أن يودع، لأن الإيداع من عادة التجار ومن

стр. 3837

ضرورات التجارة. وليس للمضارب عند المالكية أن يأتمن على المال أحداً ولا أن يودعه، فإن خالف فهو ضامن. وله أن يستأجر أجيراً ليعمل في المال؛ لأن الاستئجار من عادة التجار وضرورات التجارة. كما له أن يستأجر البيوت ليجعل المال فيها؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا به. وله أيضاً أن يستأجر السفن والدواب للعمل؛ لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق لتحصيل الربح، ولا يمكنه النقل بنفسه. وله أن يوكل بالشراء والبيع؛ لأن التوكيل من عادة التجار، ولأنه طريق الوصول إلى الربح. وله أن يرهن بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة، وأن يرتهن بدين له منها على رجل؛ لأن الرهن بالدين والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه، وهو يملكها. ولكن ليس له أن يرهن بعد نهي رب المال عن العمل ولا بعد موته؛ لأن المضاربة تبطل بالنهي والموت. وللمضارب أن يسافر بالمال في الرواية المشهورة عند الحنفية، وكذلك عند المالكية وفي وجه عند الحنابلة (١)؛ لأن المقصود من المضاربة استنماء المال، ولأن العقد مطلق، كما أن اسم المضاربة دليل على جواز السفر؛ لأن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير (٢). وقال الشافعي وفي وجه آخر عند الحنابلة: لا يسافر به إلا بإذن رب المال.

стр. 3838

ما لا يجوز للمضارب فعله: ليس للمضارب في المضاربة المطلقة أن يفعل بعض الأفعال إلا بالنص عليها صراحة (١)، فليس له أن يستدين على مال المضاربة إلا بإذن صريح، ولو استدان لم يجز على رب المال، ويكون ديناً على المضارب في ماله؛ لأن الاستدانة إثبات زيادة في رأس المال من غير رضا رب المال، بل فيه إثبات زيادة ضمان على رب المال من غير رضاه؛ لأن ثمن المشترى مضمون على رب المال، فلو جوزنا الاستدانة على المضاربة لألزمناه زيادة ضمان لم يرض به، وهذا لا يجوز. وإذا كانت الاستدانة لا تجوز، فلا يجوز الإقراض من رأس المال من باب أولى. وعدم جواز الاستدانة إلا بإذن صاحب المال هو مذهب الحنابلة والشافعية أيضاً. وقال المالكية: لا يجوز للمضارب أن يشتري سلعاً بالدين وإن أذن له رب المال بالشراء، فإن فعل ضمن ما اشتراه، وكان الربح له وحده، ولا شيء منه لرب المال؛ لأنه ﵊ نهى عن ربح ما لم يضمن، فكيف يأخذ رب المال ربح ما يضمنه العامل في ذمته؟! ولا يجوز للمضارب أيضاً أن يشتري سلعاً للقراض بأكثر من مال المضاربة نقداً أو إلى أجل، للنهي عن ربح ما لم يضمن، وذلك لأن العامل يضمن ما زاد في ذمته. فإن فعل كان ما يشتريه شركة بينه وبين رب المال بنسبة ما زاد على مال

стр. 3839

القراض. وهذا إذا لم يرض رب المال، فإذا رضي بالتصرف، كان ذلك من جملة القراض. ولا يجوز للمضارب أن يهب شيئاً كثيراً من مال القراض بغير ثواب (١). وليس للمضارب أخذ المال على سبيل القرض ليسلمه إلى مدين في بلد آخر يريده المقرض؛ لأنه يكون محتملاً تبعة مخاطر الطريق، ولأن دافع المال (وهو المقرض) استفاد من هذه العملية، وقد ثبت النهي عن قرض جر نفعاً. وهذه هي المسألة المعروفة في الفقه بمسألة السفاتج (٢). وكذلك ليس للمضارب أن يدفع المال إلى غيره مضاربة، أو أن يشارك به، أو أن يخلطه بمال نفسه أو بمال غيره، إلا إذا قال له رب المال: اعمل برأيك، أو أذن له بالتصرف. أما المضاربة فلا تجوز لأنها مثل المضاربة الأولى، والشيء لا يستتبع مثله، فلا يستفاد بمطلق عقد المضاربة مثله، كما لا يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد. وأما الشركة فهي أولى ألا يملكها بمطلق العقد؛ لأنه أعم من المضاربة، والشيء لا يستتبع مثله فما فوقه أولى. وأما الخلط فلأنه يوجب في مال رب المال حقاً لغيره، فلا يجوز إلا بإذنه (٣). ما يجب على العامل المضارب: يجب على العامل القيام بأعمال المضاربة بحسب المعتاد من أمثاله، وبحسب عادة التجار فيما يتعاملون به، فإذا استأجر

стр. 3840

على عمل يلزمه القيام به، وجبت الأجرة عليه في ماله خاصة لا في مال القراض. وله أن يستأجر على عمل من مال المضاربة إذا كان من الأعمال التي لا يلزمه القيام بها بحسب العرف التجاري. المضارب يضارب: أولاً - مذهب الحنفية: لا يجوز للمضارب أن يضارب بالمال مع شخص آخر، إلا إذا فوضه رب المال، فإذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة ولم يأذن له رب المال، فإن المال لا يكون عند أبي حنيفة مضموناً على المضارب الأول بمجرد الدفع إلى الثاني، ولا بتصرف المضارب الثاني فيه حتى يربح. فإذا ربح ضمن المضارب الأول لرب المال، أما قبل الربح فلا يضمن. فلو هلك المال في يد الثاني قبل أن يربح، هلك هلاك الأمانات. وجه الحالة الأولى (أي قبل العمل): أن مجرد الدفع من المضارب إيداع منه، وهو يملك إيداع مال المضاربة، فلا يضمن بالدفع. ووجه الحالة الثانية (أي بعد العمل): أن الدفع من المضارب الأول إلى المضارب الثاني يعتبر إبضاعاً، وهو يملك الإبضاع. فإذا ربح الثاني فقد أثبت للأول شركة في المال، فيضمن الأول لرب المال كما لو خلط المال بغيره. هذا إذا كانت المضاربة صحيحة. فإن كانت فاسدة فلا يضمن المضارب الأول بعد الربح؛ لأن المضارب الثاني أجير في المال حينئذ، وله أجر مثله، فلم تثبت الشركة الموجبة للضمان. وقال زفر: يضمن المضارب الأول بمجرد الدفع، عمل الثاني أو لم يعمل؛

стр. 3841

لأن المضارب يملك الدفع على وجه الإيداع، وهذا الدفع على وجه المضاربة، فإذا دفع صار بالدفع مخالفاً، فصار ضامناً كالوديع إذا أودع الوديعة عند غيره. وقال الصاحبان وهو ظاهر الرواية: إذا عمل المضارب الثاني ضمن الأول المال، ربح أو لم يربح؛ لأن المضارب الثاني لما عمل فقد تصرف الأول في المال بغير إذن المالك، فيتعين به الضمان سواء ربح أم لم يربح (١). وحينئذ إذا عمل المضارب الثاني يخير رب المال: إن شاء ضمن المضارب الأول رأس ماله، وإن شاء ضمن الثاني. فالراجح عند الحنفية: أن المضارب الأول لا يضمن في المضاربة الصحيحة بمجرد دفع المال إلى المضارب الثاني، وإنما يضمن إذا عمل الثاني، ربح المال أو لم يربح. وأما الربح الناتج من المضاربة فيوزع حسب الشرط، فيعطى لرب المال ربحه على حسب شرطه في عقد المضاربة الأولى؛ وما يبقى من الربح بعدئذ يكون بين المضارب الأول والثاني على حسب شرطيهما في عقد المضاربة الثاني. هذا ما ذهب إليه الحنفية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٢). وقال ابن قدامة: ليس هذا موافقاً لأصول المذهب، ولا لنص أحمد، فإن أحمد قال: لا يطيب الربح للمضارب (٣). ثانياً - مذاهب غير الحنفية: قال المالكية: يضمن العامل إذا قارض في مال

стр. 3842

القراض بغير إذن رب المال، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه، والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال، ولا ربح للعامل الأول؛ لأن ربح القراض جُعْل لايستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل، فلا ربح له، ويغرم العامل الأول للثاني ماشرطه له من زيادة في الربح المستحق له من رب المال. وقال الشافعية في الأصح، لا يجوز للعامل أن يقارض آخر ليشاركه في العمل والربح، ولو كان ذلك بإذن رب المال. وحينئذ يظل القراض مع العامل الأول صحيحاً، ويستحق العامل الثاني من الأول أجر المثل إذا عمل (١)؛ لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له، والآخر عاملاً ولو متعدداً، فلا يعدل عما ذكر إلى أن يعقده عاملان مع نفسيهما، فيصير القراض بين عاملين فلا يصح. والخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على أن الضمان بمضاربة العامل غيره يستقر على الأول. وأما خلاصة أحكام تصرفات المضارب في المضاربة المطلقة عند الحنفية فهي ثلاثة أنواع: ١ - نوع يملكه المضارب عرفا ً: وهو جميع ما تتناوله أعمال التجارة عادة، كالبيع والشراء، والتوكيل فيهما، وإن لم يؤذن له بذلك صراحة، ويكون شراؤه على المعروف، فلا يتجاوز ما يتغابن فيه الناس عادة، لأنه وكيل، وشراء الوكيل يقع بحسب المعتاد، أما البيع ففيه خلاف بين الحنفية، والراجح أنه يتقيد أيضاً بالمعتاد.

стр. 3843

٢ - ونوع لا يملكه إلا إذا فوض إليه العمل في المضاربة برأيه، فقال له: اعمل فيها برأيك، أو كما ترى: وهو ما يحتمل أن يلحق بأعمال التجارة، كإعطاء المال مضاربة لشخص آخر يضارب فيه، أو جعله رأس مال لشركة عنان، فإذا فوض له ذلك صح. ٣ - ونوع لا يملكه المضارب إلا بالنص عليه صراحة، كالتبرعات، من هبة أو محاباة بالبيع والشراء، والإقراض، والشراء لأجل عند الشافعية والمالكية والحنابلة، والشراء بأكثر من رأس المال والربح عند أكثر الفقهاء. وأما المضاربة المقيدة: فحكمها حكم المضاربة المطلقة في جميع الأحكام التي ذكرت، وإنما تفارقها في قدر القيد الذي قيدت به، فإن خصص رب المال تصرف المضارب في بلد بعينه، أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها، لأنه توكيل، وفي التخصيص بما ذكر فائدة، فيتخصص به. أـ تعيين المكان: وعلى هذا إذا كان القيد متعلقاً بالمكان، كأن دفع رجل إلى رجل مالاً مضاربة على أن يعمل به في بلدة معينة كدمشق مثلاً، فليس له أن يعمل في غير دمشق؛ لأن قوله «على أن» من ألفاظ الشرط، وهو شرط مفيد؛ لأن الأماكن تختلف بالرخص والغلاء، وفي السفر خطر. وكذا لا يعطيها بضاعة (١) لمن يخرج بها من دمشق، لأنه إذا لم يملك الإخراج بنفسه فلأن لا يملك الإذن به أولى. فإن أخرجها من دمشق: فإن اشترى بها وباع ضمن؛ لأنه تصرف لا على الوجه المأذون فيه فصار مخالفاً فيضمن، وكان ما اشتراه لنفسه له ربحه وعليه

стр. 3844

خسارته، لكن لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: يطيب. وإن لم يشتر بمال المضاربة شيئاً حتى رده إلى البلدة المعينة المذكورة برئ من الضمان، ورجع المال مضاربة على حاله، كالوديع إذا خالف أمر المودع ثم عدل عن المخالفة (١). ولو دفع المال إلى رجل ليعمل في سوق دمشق العام، فعمل في دمشق نفسها في غير سوقها، فهو جائز على أساس المضاربة استحساناً عند الحنفية. والقياس ألا يجوز. وجه القياس: أنه شرط عليه العمل في مكان معين، فلا يجوز في غيره، كما لو شرط العمل في بلد معين. ووجه الاستحسان: أن التقييد بسوق دمشق غير مفيد غالباً؛ لأن البلد الواحد بمنزلة بقعة واحدة، فلا فائدة في هذا الشرط، فيلغو، ومن المقرر أن الشرط معتبر إذا كان مفيداً. ولو قال له: (لا تعمل به إلا في سوق دمشق) فعمل في غير السوق، فباع واشترى، فهو ضامن؛ لأن قوله السابق حجر له، فلا يجوز تصرفه بعد الحجر. وفي المثال الأول لم يحجر عليه، وإنما شرط عليه أن يكون عمله في السوق، والشرط غير مفيد، فيلغو. وكذلك إذا قال له: (خذ هذا المال تعمل به في دمشق أو فاعمل به في دمشق) لم يجز له العمل في غيرها؛ لأن (في) كلمة ظرف، فتصبح دمشق ظرفاً للتصرف الذي أذن له فيه، فلو جاز في غير دمشق لم تكن دمشق ظرفاً لتصرفه.

стр. 3845

وأما قوله (فاعمل به .. ) فالفاء للوصل والتعقيب، والمتصل المتعقب للمبهم تفسير له. وكذا قوله: (خذه بالنصف بدمشق) لأن الباء تفيد الإلصاق، فتقتضي التصاق الصفة بالموصوف: يعني أنه يجب عليه العمل بالمال ملصقاً بدمشق، وهو أن يكون العمل فيها. أما لو قال: (خذ هذا المال واعمل به بدمشق) فله أن يعمل به فيها وفي غيرها، لأن الواو للعطف، وهو مما يجوز الابتداء به، فيجعل مشورة، كأنه قال: (إن فعلت كذا كان أنفع). ب - تعيين الشخص: ولو قال: (على أن تشتري من فلان وتبيع منه) صح التقييد عند الحنفية والحنابلة لأنه مفيد لزيادة الثقة به في المعاملة. وخالف في هذا المالكية والشافعية كما عرفنا؛ لأن هذا التقييد يمنع مقصود المضاربة وهو التقلب في الأسواق وطلب الربح. جـ - توقيت المضاربة: ولو وقَّت المضاربة بوقت معين، على أنه إذا مضى بطل العقد، صح العقد عند الحنفية والحنابلة؛ لأنه توكيل، فيتأقت بما وقته، والتوقيت مفيد، وأنه تقييد بالزمان، فصار كالتقييد بالنوع والمكان (١). ولم يصح العقد عند الشافعية والمالكية كما عرفنا لإخلال التأقيت بمقصود القراض، إذ قد لا يربح في المدة، وقد يكون الربح والحظ في إبقاء المتاع وبيعه بعد المدة المعينة (٢).

стр. 3846

و الضابط في تقييد المضاربة عند الحنفية: هو أن المضاربة تقبل التقييد المفيد ولو بعد العقد ما لم يصر المال عرضاً؛ لأنه إذا صار المال من العروض التجارية، لا يملك رب المال عزل المضارب، فلا يملك تخصيصه. أما التقييد بغير المفيد فلا يعتبر أصلاً كنهيه عن بيع المال حالاً (١). ويرى الشافعية والمالكية: أن وظيفة المضارب هو التجارة في المال للاسترباح والتنمية، وهو بالبيع والشراء مما جرت العادة بأن يتولاه التجار. وعليه فكل شرط يحول دون عمله المعتاد المتعارف مفسد للقراض عندهم (٢). التقيد الطارئ على المضاربة المطلقة: قال الحنفية: إذا كانت المضاربة مطلقة فخصصها رب المال بعد العقد: فإن كان رأس المال بحاله نقداً أو اشترى به المضارب متاعاً ثم باعه وقبض ثمنه من النقود: فإن تخصيصه جائز، كما لو خصص المضاربة في الابتداء؛ لأن رب المال يملك التخصيص إذا كان فيه فائدة. أما إذا كان مال المضاربة عروضاً فلا يصح تقييد رب المال للمضارب أو نهيه عن أمر حتى يصير رأس المال نقداً، مثل أن يقول له: (لا تبع بالنسيئة) لأن المضاربة تمت بالشراء. ٣ - وأما حقوق المضارب: التي يستحقها بعمله في مال المضاربة فهي شيئان: النفقة، والربح المسمى في العقد. أولاً - أما النفقة من مال المضاربة: فاختلف الفقهاء في وجوبها للمضارب

стр. 3847

على أقوال ثلاثة، فقال الإمام الشافعي في الأظهر من قوليه: لا نفقة للمضارب على نفسه من مال المضاربة لا حضراً ولا سفراً إلا أن يأذن له رب المال؛ لأن للمضارب نصيباً من الربح، فلا يستحق شيئاً آخر، ويكون المأخوذ زيادة منفعة في المضاربة، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح، فيؤدي أخذه إلى انفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال، وهذا ينافي مقتضى العقد، فلو شرطت النفقة للمضارب في العقد فسد (١). وقال قوم منهم إبراهيم النخعي والحسن البصري: له نفقته حضراً وسفراً (٢). وقال جمهور الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والزيدية: للمضارب النفقة في السفر لا في الحضر من مال المضاربة من الربح إن وجد وإلا فمن رأس المال بما يحتاج إليه من طعام وكسوة (٣)، إلا أن الإمام مالك قال: إذا كان المال يحمل ذلك. ولا نفقة له من مال المضاربة في حال الإقامة، وإنما في مال نفسه، إلا إذا كانت المضاربة تشغله عن الوجوه التي يقتات منها، فله حينئذ الإنفاق من مال المضاربة. وأما الحنابلة فأجازوا اشتراط المضارب نفقة نفسه في الحضر أو في السفر (٤)، أي أنهم في هذا كالشافعية لا يوجبون النفقة للمضارب في السفر أو الحضر إلا بالشرط.

стр. 3848

ودليل هؤلاء المجيزين: هو أنه لو لم تجعل نفقة المضارب من مال المضاربة لامتنع الناس من قبول المضاربات مع مساس الحاجة إليها. والسبب في استحقاق المضارب النفقة في السفردون الحضر: هو أنه حبس نفسه عن الكسب وسافر لأجل المضاربة، فأشبه حبس الزوجة التي تستحق النفقة بالاحتباس بخلاف الحضر، فلو أنفق المضارب في السفر من ماله الخاص تضرر بذلك. والنفقة الواجبة للمضارب في مال المضاربة، كما ذكر الحنفية: هي ما تصرف إلى الحاجة الراتبة وهي الطعام والكسوة والإدام والشراب، وأجر الأجير وأجرة الحمام، ودهن السراج والحطب، وفراش ينام عليه وعلف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها في حوائجه، وغسل ثيابه ونحوه مما لا بد في السفر منه عادة. أما ثمن الدواء ففي مال المضارب خاصة في ظاهر الرواية؛ لأن الحاجة إلى النفقة معلومة الوقوع، وإلى الدواء بعارض المرض، ولهذا كانت نفقة المرأة على الزوج، ودواؤها في مالها كما يذكر متقدمو الحنفية، وهذا محل نظر. وعن أبي حنيفة ﵀: أن الدواء يدخل في نفقة المضارب؛ لأنه لإصلاح بدنه، ولا يتمكن من التجارة إلا به، فصار كالنفقة (١). وأما قدر النفقة: فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير إسراف، فإن جاوز المعروف ضمن الفضل؛ لأن الإذن ثابت بالعادة، فيعتبر القدر المعتاد. ولو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد، وعاد بالمال، فنفقته ما دام مسافراً في مال المضاربة؛ لأن عمل التجار على هذا، وهو أن الشراء قد يحصل في وقت دون وقت، ومكان دون مكان.

стр. 3849

ويكون للمضارب النفقة، سواء سافر بمال المضاربة وحده، أو بماله ومال المضاربة، أو بمال المضاربة لواحد أو لاثنين، إلا إذا سافر بماله ومال المضاربة أو بمالين لرجلين، كانت النفقة من المالين بالحصص؛ لأن السفر لأجل المالين، فتكون النفقة فيهما (١). وأما ما تحتسب النفقة منه: فالنفقة تحتسب من الربح إن حدث ربح، فإن لم يحدث فهي من رأس المال؛ لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل أن الهلاك ينصرف إلى الربح. ولو أقام المضارب في بلد من البلدان للبيع والشراء، ونوى الإقامة خمسة عشر يوماً، فنفقته من مال المضاربة، ما لم يتخذ من البلد داراً للتوطن. وقال المالكية: ما لم يتزوج. وإذا رجع المضارب إلى بلده: فما فضل عنده من الكسوة والنفقة رده إلى مال المضاربة؛ لأن الإذن له بالنفقة كان لأجل السفر، فإذا انقطع السفر لم يبق الإذن، فيجب رد ما بقي إلى مال المضاربة. وإذا أنفق المضارب من ماله على نفسه فيما يحق له أن ينفقه من مال المضاربة، فما أنفقه فهو دين في مال المضاربة، كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه؛ لأن تدبير أمره مفوض إليه (٢). ثانياً - وأما الحق الثاني للمضارب فهو الربح المسمى: يستحق المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة الربح المسمى إن كان في المضاربة ربح، فإن لم يكن ربح فلا شيء للمضارب، لأنه عامل لنفسه فلا يستحق الأجر.

стр. 3850

وإنما يظهر الربح بالقسمة، وشرط جواز القسمة قبض رأس المال، فلا تصح قسمة الربح قبل أخذ رأس المال من يد المضارب. فلو دفع رجل إلى آخر ألف دينار مضاربة بالنصف، فربح ألفاً فاقتسما الربح، ورأس المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال، فهلك (١) في يد المضارب بعد قسمة الربح، فلا تصح هذه القسمة، ويكون ما قبض رب المال محسوباً عليه من رأس ماله، وما قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال حتى يستوفي رأس ماله، فإن فضل ربح فهو بينهما. والدليل على أن رب المال يأخذ رأس ماله قبل قسمة الربح: هو ما روي عن الرسول ﷺ أنه قال: «مثل المؤمن مثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله، كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه» (٢) فدل الحديث على أن قسمة الربح قبل قبض رأس المال لا تصح؛ لأن الربح زيادة، والزيادة على الشيء لا تكون إلا بعد سلامة الأصل. وإذا اختلف المضارب مع رب المال في رد المال، فقال المضارب: قد كنت دفعت إليك رأس مالك قبل قسمة الربح، وقال رب المال: لم أقبض رأس المال قبل القسمة، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، ويرد المضارب ما قبضه لنفسه لإتمام رأس المال. فإن بقي شيء بعدئذ مما قبضه المضارب كان بينهما نصفين. وإنما كان الحكم هو قبول قول رب المال؛ لأن المضارب في هذه الحالة مدعٍ، ورب المال منكر، والمضارب وإن كان أميناً لكن القول قول الأمين في إسقاط الضمان عن نفسه، لا في التسليم إلى غيره (٣).

стр. 3851

ويتفق الحنفية مع المالكية والشافعية في الأظهر عندهم، في أنه لا يملك العامل حصة من الربح الحاصل بعمله إلا بقسمة المال لا بظهور الربح. وقال الحنابلة والزيدية: إن العامل يملك حصته من الربح بظهوره ولو لم يقسم المال. واتفق الفقهاء على أنه يجب على العامل أن يسلم لرب المال أولاً رأس ماله، فلا يستحق شيئاً من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه. وما زاد عنه فهو ربحه، ويكون بين العامل ورب المال بحسب الشرط (١). ٤ - وأما حق رب المال: فهو أن يأخذ حصته من الربح المسمى إذا كان في المال ربح، وإن لم يكن فلا شيء له على المضارب (٢). ولا ربح للعامل في المال حتى يَنِضّ إلى رب المال رأس ماله، أي يتحول نقوداً ويسلم إليه نقداً (٣) قال ابن رشد: أجمع علماء الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال، وأخذ العامل حصته، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بيّنة ولا غيرها. ويغرم رب المال جميع ما تتعرض له تجارة القراض من خسارة أو تلف سماوي مما ليس فيه تعدٍ ولا تقصير من المضارب (٤). نقص رأس المال: إذا نقص رأس المال بعد التصرف أو العمل بسبب رخص الأسعار أو عيب حدث في الشيء المشترى أو بسبب آفة سماوية كحريق أو غريق أو غصب أو سرقة، يحسب من الربح ويجبر به؛ لأن العامل أمين لا يسأل عن النقص أو التلف إلا بتعد أو تقصير منه. المطلب الرابع - حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب: قد يختلف رب المال والمضارب في أمور تتعلق بتنفيذ مقتضى المضاربة

стр. 3852

كالاختلاف في عموم التصرفات أو خصوصها، وفي تلف المال، وفي رد المال، وفي قدر الربح المشروط، وفي قدر رأس المال. أ - فإن اختلفا في عموم التصرفات أو خصوصها، فيقبل قول من يدعي العموم، كأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم التجارات أو في عموم الأمكنة أو مع عموم الأشخاص الذين يضارب معهم، وادعى الآخر نوعاً دون نوع، ومكاناً دون مكان، وشخصاً دون شخص، فيقبل قول مدعي العموم؛ لأنه يتفق مع مقصود عقد المضاربة، إذ المقصود من العقد هو الربح، وهذا المقصود يتحقق بنحو أوفر في التعميم. وكذلك يقبل قول من يدعي الإطلاق إذا اختلفا في الإطلاق والتقييد كأن قال رب المال: أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب: ما سميت لي تجارة بعينها، فيقبل قول المضارب مع يمينه؛ لأن الإطلاق أقرب إلى تحقيق المقصود من العقد. أما لو اختلف المتعاقدان في النوع المخصص للمضاربة فيه، فقال رب المال: دفعت المال إليك مضاربة في القماش، وقال المضارب: في الحبوب، فالقول قول رب المال؛ لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد؛ لأن المضاربة تصلح في النوعين فيرجح أحدهما بالإذن الصادر من رب المال (١). ب - وإن اختلف رب المال والمضارب في تلف المال، فادعاه المضارب وأنكره رب المال، أو اختلفا في الخيانة أو (التعدي) فادعاها رب المال وأنكر المضارب، فالقول قول المضارب باتفاق العلماء؛ لأن المضارب - كما عرفنا - أمين، والأصل عدم الخيانة، فكان القول قوله كالوديع. جـ - وإن اختلف العاقدان في رد المال، فادعاه العامل وأنكره رب المال، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، كما تقدم، ولأن المضارب قبض المال لنفع نفسه، فلم يقبل قوله بالنسبة للرد كالمستعير.

стр. 3853

وعند المالكية والشافعية في الأصح: القول هو قول المضارب، لأنه مأمون كالوديع (١). د - وإن اختلفا في قدر رأس المال يقبل قول المضارب باتفاق الفقهاء (٢) كأن قال رب المال: دفعت إليك ألفين، وقال المضارب: دفعت إلي ألفاً، فيقبل قول المضارب؛ لأن المتعاقدين اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض بدليل أنه لو أنكر القبض أصلاً، وقال: لم أقبض منك شيئاً كان القول قوله، فكذا لو أنكر البعض دون البعض. ولو اختلف المتعاقدان في قدر رأس المال وفي مقدار الربح أيضاً، كأن قال رب المال: رأس المال ألفان، والمشروط ثلث الربح. وقال المضارب: رأس المال ألف، والمشروط نصف الربح، فقال الحنفية والحنابلة: القول قول المضارب أيضاً في قدر رأس المال، وقول رب المال في مقدار الربح. ويرى الشافعية أن المصدق بيمينه في الحالتين هو العامل؛ لأن الأصل عدم دفع زيادة على رأس المال، والأصل عدم الربح. هـ - وإذا اختلف رب المال مع المضارب في مقدار الربح المشروط في العقد: فقال الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القول قول رب المال، مثل أن يقول المضارب: شرطت لي نصف الربح، فيقول رب المال: بل ثلثه، فيقبل قول رب المال؛ لأن صاحب المال ينكر الزيادة على النصف والقول قول المنكر (٣)؛ لأن النبي ﷺ قال: «ولكن اليمين على المدعى عليه» (٤).

стр. 3854

وقال المالكية: القول قول المضارب بيمينه في قدر جزء الربح؛ لأنه أمين، وذلك بشرطين: أولهما - أن يأتي بما يشبه أحوال الناس في المضاربة. وثانيهما - أن يكون المال ما زال موجوداً في يد المضارب حساً أو معنى، ككونه وديعة عند شخص أجنبي (١). وقال الشافعية: إذا اختلفا في القدر المشروط للعامل من الربح، كأن قال: شرطت النصف، فقال المالك: بل الثلث، تحالفا، كاختلاف المتبايعين في قدر الثمن، فلا ينفسخ العقد بالتحالف، بل يفسخانه أو يفسخه أحدهما أو الحاكم. ويكون للعامل حينئذ أجرة المثل لعمله، بالغة ما بلغت، لتعذر رجوع عمله إليه، فوجب له قيمته وهو الأجرة (٢). فإن اختلفا في الربح، فقال العامل: لم أربح شيئاً أو لم أربح إلا كذا، صُدِّق العامل بيمينه؛ لأن الأصل عدم الربح. وـ وإن اختلف المتعاقدان في صفة رأس المال، فقال رب المال: دفعت إليك مضاربة أو وديعة أو بضاعة لتشتري به وتبيع (٣)، وقال العامل: بل أقرضتني المال، والربح لي، فالقول عند الحنفية والحنابلة والشافعية قول رب المال؛ لأن الشيء المدفوع ملكه، فالقول في صفة خروجه عن يده، ولأن المضارب يدعي على رب المال التمليك، وهو منكر، وذلك كالخلاف في نوع رأس المال. وقال المالكية: القول للعامل بيمينه كالاختلاف في جزء الربح، لرجحان جانب العامل بالعمل، ولأنه أمين (٤).

стр. 3855

ولو قال رب المال: أقرضتك، وقال المضارب: دفعت إلي مضاربة، فالقول قول المضارب عند جمهور العلماء؛ لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال، ورب المال يدعي على المضارب الضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله. وقال المالكية: القول لرب المال بيمين؛ لرجحان جانبه بأن الأصل في وضع اليد على مال الغير هو الضمان، كما هو مقتضى دعوى رب المال (١). المطلب الخامس - مبطلات المضاربة: تبطل المضاربة في الحالات التالية (٢): ١ - الفسخ والنهي عن التصرف أو العزل: تبطل المضاربة بالفسخ، وبالنهي عن التصرف أو العزل إذا وجد شرط الفسخ والنهي: وهو علم صاحبه بالفسخ والنهي، وأن يكون رأس المال ناضاً أي نقداً وقت الفسخ والنهي، حتى يتبين ما إذا كان هناك ربح مشترك بين المضارب ورب المال، فإن كان متاعاً لم يصح العزل. ويترتب عليه أنه إذا لم يعلم المضارب بالفسخ أو بالنهي وتصرف، جاز تصرفه، وإذا علم بالعزل وكان المال أمتعة (عروضاً) فله أن يبيعها لينض رأس المال ويظهر الربح، ولا يملك رب المال عندئذ نهيه عن البيع لما فيه من إبطال حقه. وهذا متفق عليه بين فقهاء المذاهب الأربعة. إلا أن المالكية قالوا: يصبح العقد بالشروع في العمل لازماً للطرفين، فلا يفسخ إلا باتفاقهما. وغير المالكية يعتبرون العقد غير لازم قبل الشروع وبعده، كما تقدم. ٢ - موت أحد العاقدين: إذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة عند الجمهور؛ لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل
следующие страницы →