← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

ويتفق الحنفية مع المالكية والشافعية في الأظهر عندهم، في أنه لا يملك العامل حصة من الربح الحاصل بعمله إلا بقسمة المال لا بظهور الربح. وقال الحنابلة والزيدية: إن العامل يملك حصته من الربح بظهوره ولو لم يقسم المال. واتفق الفقهاء على أنه يجب على العامل أن يسلم لرب المال أولاً رأس ماله، فلا يستحق شيئاً من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه. وما زاد عنه فهو ربحه، ويكون بين العامل ورب المال بحسب الشرط (١). ٤ - وأما حق رب المال: فهو أن يأخذ حصته من الربح المسمى إذا كان في المال ربح، وإن لم يكن فلا شيء له على المضارب (٢). ولا ربح للعامل في المال حتى يَنِضّ إلى رب المال رأس ماله، أي يتحول نقوداً ويسلم إليه نقداً (٣) قال ابن رشد: أجمع علماء الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال، وأخذ العامل حصته، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بيّنة ولا غيرها. ويغرم رب المال جميع ما تتعرض له تجارة القراض من خسارة أو تلف سماوي مما ليس فيه تعدٍ ولا تقصير من المضارب (٤). نقص رأس المال: إذا نقص رأس المال بعد التصرف أو العمل بسبب رخص الأسعار أو عيب حدث في الشيء المشترى أو بسبب آفة سماوية كحريق أو غريق أو غصب أو سرقة، يحسب من الربح ويجبر به؛ لأن العامل أمين لا يسأل عن النقص أو التلف إلا بتعد أو تقصير منه. المطلب الرابع - حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب: قد يختلف رب المال والمضارب في أمور تتعلق بتنفيذ مقتضى المضاربة

стр. 3852

كالاختلاف في عموم التصرفات أو خصوصها، وفي تلف المال، وفي رد المال، وفي قدر الربح المشروط، وفي قدر رأس المال. أ - فإن اختلفا في عموم التصرفات أو خصوصها، فيقبل قول من يدعي العموم، كأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم التجارات أو في عموم الأمكنة أو مع عموم الأشخاص الذين يضارب معهم، وادعى الآخر نوعاً دون نوع، ومكاناً دون مكان، وشخصاً دون شخص، فيقبل قول مدعي العموم؛ لأنه يتفق مع مقصود عقد المضاربة، إذ المقصود من العقد هو الربح، وهذا المقصود يتحقق بنحو أوفر في التعميم. وكذلك يقبل قول من يدعي الإطلاق إذا اختلفا في الإطلاق والتقييد كأن قال رب المال: أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب: ما سميت لي تجارة بعينها، فيقبل قول المضارب مع يمينه؛ لأن الإطلاق أقرب إلى تحقيق المقصود من العقد. أما لو اختلف المتعاقدان في النوع المخصص للمضاربة فيه، فقال رب المال: دفعت المال إليك مضاربة في القماش، وقال المضارب: في الحبوب، فالقول قول رب المال؛ لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد؛ لأن المضاربة تصلح في النوعين فيرجح أحدهما بالإذن الصادر من رب المال (١). ب - وإن اختلف رب المال والمضارب في تلف المال، فادعاه المضارب وأنكره رب المال، أو اختلفا في الخيانة أو (التعدي) فادعاها رب المال وأنكر المضارب، فالقول قول المضارب باتفاق العلماء؛ لأن المضارب - كما عرفنا - أمين، والأصل عدم الخيانة، فكان القول قوله كالوديع. جـ - وإن اختلف العاقدان في رد المال، فادعاه العامل وأنكره رب المال، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، كما تقدم، ولأن المضارب قبض المال لنفع نفسه، فلم يقبل قوله بالنسبة للرد كالمستعير.

стр. 3853

وعند المالكية والشافعية في الأصح: القول هو قول المضارب، لأنه مأمون كالوديع (١). د - وإن اختلفا في قدر رأس المال يقبل قول المضارب باتفاق الفقهاء (٢) كأن قال رب المال: دفعت إليك ألفين، وقال المضارب: دفعت إلي ألفاً، فيقبل قول المضارب؛ لأن المتعاقدين اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض بدليل أنه لو أنكر القبض أصلاً، وقال: لم أقبض منك شيئاً كان القول قوله، فكذا لو أنكر البعض دون البعض. ولو اختلف المتعاقدان في قدر رأس المال وفي مقدار الربح أيضاً، كأن قال رب المال: رأس المال ألفان، والمشروط ثلث الربح. وقال المضارب: رأس المال ألف، والمشروط نصف الربح، فقال الحنفية والحنابلة: القول قول المضارب أيضاً في قدر رأس المال، وقول رب المال في مقدار الربح. ويرى الشافعية أن المصدق بيمينه في الحالتين هو العامل؛ لأن الأصل عدم دفع زيادة على رأس المال، والأصل عدم الربح. هـ - وإذا اختلف رب المال مع المضارب في مقدار الربح المشروط في العقد: فقال الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القول قول رب المال، مثل أن يقول المضارب: شرطت لي نصف الربح، فيقول رب المال: بل ثلثه، فيقبل قول رب المال؛ لأن صاحب المال ينكر الزيادة على النصف والقول قول المنكر (٣)؛ لأن النبي ﷺ قال: «ولكن اليمين على المدعى عليه» (٤).

стр. 3854

وقال المالكية: القول قول المضارب بيمينه في قدر جزء الربح؛ لأنه أمين، وذلك بشرطين: أولهما - أن يأتي بما يشبه أحوال الناس في المضاربة. وثانيهما - أن يكون المال ما زال موجوداً في يد المضارب حساً أو معنى، ككونه وديعة عند شخص أجنبي (١). وقال الشافعية: إذا اختلفا في القدر المشروط للعامل من الربح، كأن قال: شرطت النصف، فقال المالك: بل الثلث، تحالفا، كاختلاف المتبايعين في قدر الثمن، فلا ينفسخ العقد بالتحالف، بل يفسخانه أو يفسخه أحدهما أو الحاكم. ويكون للعامل حينئذ أجرة المثل لعمله، بالغة ما بلغت، لتعذر رجوع عمله إليه، فوجب له قيمته وهو الأجرة (٢). فإن اختلفا في الربح، فقال العامل: لم أربح شيئاً أو لم أربح إلا كذا، صُدِّق العامل بيمينه؛ لأن الأصل عدم الربح. وـ وإن اختلف المتعاقدان في صفة رأس المال، فقال رب المال: دفعت إليك مضاربة أو وديعة أو بضاعة لتشتري به وتبيع (٣)، وقال العامل: بل أقرضتني المال، والربح لي، فالقول عند الحنفية والحنابلة والشافعية قول رب المال؛ لأن الشيء المدفوع ملكه، فالقول في صفة خروجه عن يده، ولأن المضارب يدعي على رب المال التمليك، وهو منكر، وذلك كالخلاف في نوع رأس المال. وقال المالكية: القول للعامل بيمينه كالاختلاف في جزء الربح، لرجحان جانب العامل بالعمل، ولأنه أمين (٤).

стр. 3855

ولو قال رب المال: أقرضتك، وقال المضارب: دفعت إلي مضاربة، فالقول قول المضارب عند جمهور العلماء؛ لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال، ورب المال يدعي على المضارب الضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله. وقال المالكية: القول لرب المال بيمين؛ لرجحان جانبه بأن الأصل في وضع اليد على مال الغير هو الضمان، كما هو مقتضى دعوى رب المال (١). المطلب الخامس - مبطلات المضاربة: تبطل المضاربة في الحالات التالية (٢): ١ - الفسخ والنهي عن التصرف أو العزل: تبطل المضاربة بالفسخ، وبالنهي عن التصرف أو العزل إذا وجد شرط الفسخ والنهي: وهو علم صاحبه بالفسخ والنهي، وأن يكون رأس المال ناضاً أي نقداً وقت الفسخ والنهي، حتى يتبين ما إذا كان هناك ربح مشترك بين المضارب ورب المال، فإن كان متاعاً لم يصح العزل. ويترتب عليه أنه إذا لم يعلم المضارب بالفسخ أو بالنهي وتصرف، جاز تصرفه، وإذا علم بالعزل وكان المال أمتعة (عروضاً) فله أن يبيعها لينض رأس المال ويظهر الربح، ولا يملك رب المال عندئذ نهيه عن البيع لما فيه من إبطال حقه. وهذا متفق عليه بين فقهاء المذاهب الأربعة. إلا أن المالكية قالوا: يصبح العقد بالشروع في العمل لازماً للطرفين، فلا يفسخ إلا باتفاقهما. وغير المالكية يعتبرون العقد غير لازم قبل الشروع وبعده، كما تقدم. ٢ - موت أحد العاقدين: إذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة عند الجمهور؛ لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل

стр. 3856

أو الوكيل. ويتم بطلان المضاربة سواء علم المضارب بموت رب المال أو لم يعلم؛ لأن الموت عزل حكمي، فلا يقف على العلم، كما في الوكالة. وقال المالكية: لا تنفسخ المضاربة بموت أحد العاقدين، ولورثة العامل القيام بالمضاربة إن كانوا أمناء، أو يأتوا بأمين (١). ٣ - جنون أحد العاقدين: تبطل المضاربة بجنون أحد المتعاقدين إذا كان عند غير الشافعية مطبقاً؛ لأن الجنون يبطل الأهلية، وكل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة، مثل الإغماء والحجر على رب المال نفسه. أما الحجر على المضارب للسفه فإنه لا ينعزل عند الحنفية؛ لأنه يصبح كالصبي المميز، والمميز عندهم أهل لأن يوكل عن غيره، فكذلك السفيه. ٤ - ارتداد رب المال عن الإسلام: إذا ارتد رب المال عن الإسلام، ومات أو قتل على الردة، أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه، بطلت المضاربة من يوم الردة عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن اللحوق بدار الحرب بمنزلة الموت، وهو يزيل أهلية رب المال بدليل أن المرتد يقسم ماله بين ورثته. وإذا ارتد المضارب فالمضاربة على حالها لتوافر أهليته، حتى إنه لو اشترى وباع وربح، ثم قتل على ردته أو مات أو لحق بدار الحرب فإن جميع ما فعل مما ذكر جائز، والربح بينهما على ما شرطا؛ لأن عبار ة المرتد صحيحة لتوافر التمييز والآدمية دون خلل فيهما. ويلاحظ أنه إذا صار رأس المال متاعاً، فبيع المضارب فيه وشراؤه جائز حتى ينض رأس المال (أي يتحول إلى النقدية)، وحينئذ لا ينعزل المضارب بالعزل والنهي ولا بموت رب المال ولا بردته أيضاً (٢).

стр. 3857

٥ - هلاك مال المضاربة في يد المضارب: إذا هلك رأس المال في يد المضارب قبل أن يشتري به شيئاً بطلت المضاربة؛ لأن المال تعين لعقد المضاربة بالقبض، فيبطل العقد بهلاكه كالوديعة. وكذا تبطل المضاربة باستهلاك المضارب مال المضاربة أو إنفاقه أو دفعه إلى غيره، فاستهلكه، حتى إن المضارب لا يملك أن يشتري به شيئاً للمضاربة. فإن أخذ المضارب مثل المال من الذي استهلكه، كان له أن يشتري به على المضاربة. هذه هي الحالات التي تبطل بها المضاربة كما ذكر الحنفية. وإذا انفسخت المضاربة ومال المضاربة ديون على الناس، وامتنع المضارب عن تقاضي الديون وقبضها: فإن كان المضارب قد ربح، أجبره الحاكم على اقتضاء الديون، لأنه بمنزلة الأجير، والربح كالأجر له، والأجير مجبور على العمل فيما التزم. وإن لم يكن هناك ربح لم يلزمه اقتضاء الدين، لأنه يعتبر وكيلاً، والوكيل متبرع، والمتبرع لا يجبر على إيفاء ما تبرع به، غير أنه يؤمر المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه الدين، حتى يمكنه قبضه؛ لأن حقوق العقد ترجع إلى العاقد، فلا تثبت ولاية القبض لرب المال إلا بالحوالة من العاقد، فيلزمه أن يحيله حتى لا يضيع حقه. وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح دون رأس المال؛ لأن الربح تابع للمال، ورأس المال أصل له، ولا يعتبر التبع قبل حصول الأصل، فيكون صرف الهلاك إلى التابع أولى. فإذا زاد الهلاك على الربح فلا ضمان على المضارب؛ لأنه أمين.

стр. 3858

الشركات بين القديم والحديث في الفقه الإسلامي الإسلام دين الحياة كما هو معروف، فما من كسب مشروع حلال إلا أقرته الشريعة، وما من كسب مشبوه يوقع في النزاع والجدال، ويحطم علاقات الود والتعاون بين الناس إلا حظرته الشريعة، وأوصدت الباب أمامه، فالشريعة مع الناس يسراً وسماحة إذا تحققت مصالحهم دون تصادم بينهم، وهي لا تقرهم إذا هم أوقعوا أنفسهم في متاهات الجهالة والمنازعات والظلم والاستغلال، وعليه نظمت الشركات في الإسلام على أساس التراضي المشترك، والعدل، ومراعاة المصالح، والأعراف الصحيحة المشروعة، وأن الأصل في العقود هو الإباحة والحل، وما أجمل قول الفقهاء في هذا الصدد: «الشركة تنعقد على عادة التجار». ومن أهم موارد الكسب المشروع ثلاثة هي: التجارة والصناعة والزراعة، وقد يقوم الفرد عند استطاعته بها، والغالب أنه يحتاج إلى التعاون مع غيره، لعدم توافر القدرات والإمكانات المالية أو البشرية لديه، سواء بالنسبة للخبرة الفنية، أو الجهد، أو من أجل التخفيف من احتمالات المخاطر التي قد تصادف المرء في خضم الحياة الرهيب. ومن هنا شرعت الشركة في الشرائع السماوية؛ لأن التعاون بين الناس أمر ضروري، وقد قص القرآن الكريم علينا على لسان داود ﵇ نبأ الشركاء، فقال تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، إلا

стр. 3859

الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم﴾ [ص:٢٤/ ٣٨] (١)، وأشرك الله بعض الورثة في بعض الأنصبة فقال عن الإخوة لأم: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء:١٢/ ٤]. وأكدت السنة النبوية مبدأ مشروعية الشركة، ففي الحديث القدسي: «إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» والمعنى: أنا معهما بالحفظ والإعانة، أمدهما بالمعونة في أموالهما، وأنزل البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما. وقد أقر النبي ﷺ تعاون الناس بالشركة، كما في أحاديث كثيرة، وقال: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» وصح أن السائب بن أبي السائب قال للنبي ﷺ بعد بعثته: «كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك لا تداريني ولا تماريني» [أي لاتمانعني ولاتحاورني] رواه أبو داود. ولفظ ابن ماجه: «كنت شريكي ونعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري» وجاء السائب يوم الفتح، فقال له النبي ﵇: «مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري». و الشركة كما أبان الحنفية هي: عبارة عن عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. وتعددت أنواع الشركات قديماً وحديثاً، إما على أساس الاشتراك في الأموال، أو في الأعمال والتصرفات، أو في الضمان (الالتزام). فشركة الأموال تعتمد على عنصر الاشتراك في رأس المال. وشركة الأعمال تعتمد على الحرفة والصنعة وضمان العمل، وشركة الوجوه ترتكز على عنصر ثقة الناس بالشريكين، من غير أن يكون لهما رأس مال.

стр. 3860

و أجاز فقهاء الحنفية والزيدية كل أنواع الشركات: الإجبارية وهي شركات الأملاك، والاختيارية وهي شركات العقود. ومن أهم أنواع الشركات في الماضي والحاضر: شركة المضاربة وهي التي يكون المال فيها من جانب، والعمل من جانب آخر، أجازها الشرع لحاجة الناس إليها، إذ قد يوجد ذو المال الذي لا يتمكن من التصرف فيه، ويوجد من يحسن التصرف ولا مال له، ويوزع الربح بينهما بحسب الاتفاق، ويتحمل صاحب رأس المال الخسارة وحده، ويكفي العامل ضياع جهده وعمله. وتعارف الناس في عصرنا أنواعاً جديدة من الشركات، نظم القانون المدني بعضها كشركة التضامن والتوصية البسيطة والمساهمة وغيرها، وأغفل تنظيم بعضها الآخر كشركة المحاصة والشركة على البهائم، وشركات السيارات إما مع إجارة أو بدون إجارة، ولا بد لنا من بيان حكم هذه الشركات في الشريعة، لكثرة سؤال الناس عنها، وتعارفهم ألواناً من الشركات قد تكون معقدة وغير جائزة. واكتفى القانون المدني الأردني المستمد من الشريعة ببيان أحكام بعض أنواع الشركات بنحو خاص وهي شركة الأعمال، وشركة الوجوه، وشركة المضاربة في المواد ٦١١ - ٦٣٥ بعد بيان الأحكام العامة للشركات بوجه عام في المواد ٥٨٢ - ٦١٠، وقد استقى هذا القانون شركتي الأعمال والوجوه من المذهبين الحنفي والحنبلي، وأحكام شركة المضاربة من المذهب الحنفي. و القانون المدني الوضعي في سورية ومصر قسم الشركات إلى قسمين: شركات أشخاص وشركات أموال. أما شركات الأشخاص: فهي التي يبرز فيهاالعنصر الشخصي، فتقوم على شخصية الشركاء والثقة المتبادلة بينهم، بصرف النظر عن المال الذي يقدمه كل

стр. 3861

شريك. وهي تشمل شركة التضامن، وشركة التوصية البسيطة، وشركة المحاصة. وأما شركات الأموال: فهي التي تعتمد عند تكوينها على عنصر المال، بقطع النظر عن شخصية الشريك، وهي تشمل شركة المساهمة، وشركة التوصية بالأسهم، والشركة ذات المسؤولية المحدودة. فما حكم كل نوع من هذه الأنواع في الشريعة الإسلامية؟ ١ - شركة التضامن: وهي الشركة التي يعقدها اثنان أو أكثر بقصد الاتجار في جميع أنواع التجارات أو في بعضها، ويكون الشركاء فيها مسؤولين بالتضامن عن جميع التزامات الشركة، ليس في حدود رأس المال فقط، بل قد يتعدى ذلك إلى الأموال الخاصة لكل شريك. ويلاحظ أن لعنصر الضمان (أو الكفالة أو الالتزام) في هذه الشركة شبهاً فيما تتميز به شركة المفاوضة التي لم يجزها غير الحنفية والزيدية، وهي التي تتطلب الاشتراك في عموم التجارات، بشرط التساوي بين الشركاء في رأس المال والتصرف والدين أي الملة، ويكون كل شريك كفيلاً عن الآخر فيما يلتزم به من التزامات تتعلق بالشركة. وبما أن تحقيق المساواة بين الشركاء أمر عسير، لاحتمال حدوث زيادة في أموال كل من الشركاء، فتصبح هذه الشركة نادرة الوجود، أو قصيرة الأجل وعديمة الاستمرار، مما يجعلها سريعة التحول والانقلاب إلى شركة عنان. وشركة العنان لا تتطلب المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الملة، وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه، والربح بينهما. فيجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة،

стр. 3862

والآخر غير مسؤول، فليس فيها كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات، أما تصرفات شريكه فهو غير مسؤول عنها. ويقسم الربح بينها بحسب شرطهما الذي اتفقا عليه عند جمهور الفقهاء (خلافاً للشافعي فإن الربح عنده على قدر المال)، فيجوز أن يزيد ربح أحدهما عن الآخر بسبب خبرته في التجارة، مع التساوي في رؤوس الأموال أو التفاوت فيها، وتكون الوضيعة أو الخسارة على قدر رأس المال باتفاق المذاهب عملاً بالحديث: «الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين»، ولا مانع في تقديري خلافاً لرأي الكمال بن الهمام الحنفي من اشتراط الكفالة في شركة العنان، فيصبح كل شريك كفيلاً عن صاحبه وضامناً له؛ لأن الكفالة عقد تبرع، وقد شرطها الشريكان، وهي جائزة في غير الشركة، وإذا جازت الكفالة بين شخصين لا علاقة مالية بينهما، فلأن تجوز بين شخصين ارتبطا بعقد الشركة أولى. ويؤكد ذلك أن الأصل في العقود هو التراضي، والشركة عقد يقوم على التراضي، فيلزم الوفاء بكل شرط لا يصادم النصوص الشرعية. ٢ - شركة التوصية البسيطة: هي الشركة التي تعقد بين شركاء بعضهم متضامنون، وبعضهم موصون، فالمتضامنون هم الذين لهم أموال ويقومون بأعمال إدارة الشركة، وهم مسؤولون عن الإدارة، متحملون لالتزاماتها، متضامنون في هذه المسؤولية وفي إيفاء ديون الشركة. والموصون: يقدمون المال، ولا يسألون عن إدارتها، ولا يتحملون التزاماتها. وهذه الشركة جائزة أيضاً، لأن فقهاءنا أجازوا في شركة العنان أن يشترط العمل لأحد الشريكين، ويسأل عنه دون غيره، ويجوز بناء على ذلك أن تشترط زيادة الربح للعامل، أو يقدر له مرتب خاص، ويكون أجيراً. ولا فرق بين أن

стр. 3863

يكون المسؤول عن إدارة الشركة شريكاً واحداً أو أكثر، وغير المسؤول واحداً أو أكثر، فاشتراط الكفالة والمسؤولية بين الفريق الأول دون الثاني جائز، كما تبين في شركة التضامن. كما أنه يمكن جعل هذه الشركة نوعاً من أنواع شركة المضاربة، الشريك المتضامن هو المضارب، المتصرف في الشركة، المسؤول عن الحقوق المتعلقة بها أمام الغير. والشريك الموصي هو رب المال في شركة المضاربة، وهو غير مسؤول عن إدارة الشركة، ولا يضمن لأصحاب الحقوق المتعاملين حقوقهم، ولا يتحمل من الالتزامات إلا خسارة رأس مال في حالة الخسارة، ولا يسأل العامل المضارب عن الخسارة فيما يسمح له من التصرفات، ويكون المضارب حر التصرف بحسب عادة التجار، وتوزع الأرباح على حسب الاتفاق بين المتشاركين في شركة المضاربة. والخلاصة: إن هذه الشركة تعتبر شركة مضاربة مع بعض الفروق الطفيفة بينهما في الأحكام الفقهية. ويلاحظ أن انتشار شركات المساهمة حدَّ كثيراً من انتشار شركات التوصية؛ لأن شركات المساهمة تمارس عادة نشاطاً واسعاً في الاستثمارات، وكثيراً ما يكون التوفيق حليفها لما يتوفر لها من رؤوس أموال كبيرة. ومزية شركة التوصية تتحقق في شركة المساهمة، وهذه المزية هي أن المساهم لا يكتسب صفة التاجر، ولا يسأل إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها. ٣ - شركة المحاصة: هي عقد كباقي العقود، بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال، أو من عمل، لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو من خسارة، إلا أنها تمتاز بخفائها عن الجمهور، فليس لها رأس مال شركة، ولا عنوان شركة، فهي غير معروفة من الناس، وليس لها وجود ظاهر، وليس لها شخصية معنوية مستقلة كباقي

стр. 3864

الشركات. فهي شركة وقتية كالتي تنشأ في مزاد مثلاً أو في صفقة تنتهي بانتهائها، وتصفى الأرباح عقب الفراغ منها. فالذي يبرز منها شريك واحد يتعامل في الظاهر باسمه، وتبقى الشركة مستترة، ليس لها شخصية اعتبارية. وهذه الشركة إجمالاً جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من أنواع شركة العنان، ليست فيها مساواة، ولا تضامن، ولا تكافل، وهي معقودة على نوع خاص من أنواع التجارات، والربح يوزع فيها بحسب الاتفاق، والخسارة تكون بحسب رؤوس الأموال التي استعملت فيها. وبصفة دقيقة تعد شركة المحاصة شركة عنان إذا كانت حصص الشركاء شائعة الملكية بين الشركاء. وتعد شركة عنان ومضاربة إذا احتفظ كل شريك بملكية حصته، لكنه سلمها لواحد لاستثمارها مع بقية الحصص لمصلحة الكل، على أن يقتسموا الربح أو الخسارة فيما بينهما بحسب الاتفاق أو الحصص. فالمال المقدم من أصحابه إلى أحدهم يعد مضاربة، ويكون الشريك المتصرف مضارباً، لكنه لما كان متقدماً بجزء من رأس المال فهو شريك عنان أيضاً، كما أنه إذا تصرف معه بعض الشركاء في إدارة الشركة، كانت الشركة شركة عنان بينهم. وأما الذين لم يساهموا في الإدارة فهم شركاء مضاربون. ومن المعلوم أن شركة المفاوضة: هي اشتراك أنواع من شركة العنان والوجوه والأبدان؛ لأن ما صح بانفراده؛ صح مع غيره. فيجوز بناء عليه تعدد أنواع الشركات في شركة واحدة. ٤ - شركة المساهمة: هي أهم أنواع شركات الأموال، وهي التي يقسم فيها رأس المال إلى أجزاء صغيرة متساوية، يطلق على كل منها سهم غير قابل للتجزئة، ويكون قابلاً للتداول. وتتحدد مسؤولية المساهم بقدر القيمة الاسمية لأسهمه. ويعتبر مدير الشركة وعمالها أجراء عند المساهمين، لهم مرتبات خاصة، سواء

стр. 3865

أكانوا مساهمين أم غير مساهمين. وليس لمدير الشركة أن يستدين عليها بأكثر من رأس مالها، فإن فعل ضمن هو، ولا ضمان على المساهمين إلا في حدود أسهمهم. وتوزع الأرباح بنسبة الأسهم أي بنسبة رؤوس الأموال. وتسمى شركة مغْفَلة لإغفال الاعتبار الشخصي فيها، وإنما الاعتبار الأول في تكوينها هو للمال، وليس لشخصية الشركاء، بل لا يعرف الشركاء بعضهم بعضاً، ولا يعرفون شيئاً عن إدارة الشركة إلا ما يعرضه مجلس إدارتها على الجمعية العمومية عند اجتماعها كل سنة. ورأى المشرع الوضعي قصر نشاطات الشركات المساهمة على المشروعات الكبيرة نسبياً التي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا تتوافر عادة لدى الأشخاص، كصناعة الغزل والنسيج، والمنسوجات القطنية وغيرها، والحديد والصلب، والخزف ونحو ذلك. وهذه الشركة جائزة شرعاً؛ لأنها شركة عنان، لقيامها على أساس التراضي، وكون مجلس الإدارة متصرفاً في أمور الشركة بالوكالة عن الشركاء المساهمين، ولا مانع من تعدد الشركاء، واقتصار مسؤولية الشريك على أسهمه المالية مشابه لمسؤولية رب المال في شركة المضاربة. ودوام الشركة أو استمرارها سائغ بسبب اتفاق الشركاء عليه، والمسلمون على شروطهم فيما هو حلال. وإصدار الأسهم أمر جائز شرعاً. أما إصدار السندات أي القروض بفائدة فلا يحل شرعاً. ٥ - شركة التوصية بالأسهم: هي التي تضم نوعين من الشركاء: متضامنين ومساهمين، والمساهمون كالشركاء الموصين في شركة التوصية البسيطة، لا يسأل الواحد منهم إلا في حدود الحصة التي يقدمها، إلا أن المساهمين عددهم أكثر بحيث يسمح بقيام جمعية عمومية منهم، ويختلف المساهم عن الموصي في أن الأول يملك أسهماً قابلة للتداول، على عكس الثاني. ولا اعتبار لأشخاص الشركاء، وإنما الاعتبار لأموالهم في هذه الشركة.

стр. 3866

وهي شركة جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من شركات العنان التي يشترط فيها التضامن بين بعض الشركاء، وتلك كفالة جائزة. وحرية الشريك المتضامن بالتصرف مستمدة من إذن الشركاء الآخرين. وعمل المتضامنين في أموال المساهمين خاضع لأحكام شركة المضاربة، ولا مانع من كون بعض الشركاء مساهمين كما بان في شركة المساهمة؛ لأن تقديم الحصة بالأسهم جائز شرعاً، خصوصاً إذا انحصر عدد المساهمين، وعرف بعضهم بعضاً. ٦ - الشركة ذات المسؤولية المحدودة: هي شركة تجارية كباقي شركات الأموال، لا اعتبار فيها لشخصية الشركاء، واشترط القانون فيها ألا يزيد عدد الشركاء عن خمسين شريكاً، لا يكون كل منهم مسؤولاً إلا بقدر حصته. فهي تجمع بين خصائص شركات الأموال وشركات الأشخاص. ففيها من شركات الأموال أن مسؤولية الشريك محدودة بمقدار حصته، وأن حصته تنتقل إلى ورثته، وإدارتها كما في شركات المساهمة، يجوز أن يعين لها مدير من المساهمين أو من غيرهم بمرتب محدد، ويكون أجيراً، أو يديرها أحد الشركاء نظير جزء من الأرباح. وفيها من شركات الأشخاص أن الشريك يكون صاحب حصة في الشركة وليس مساهماً، ولا تكون حصص الشركاء قابلة للتداول كالأسهم التجارية. وأهم ما يميزها أنها تتم بالاشتراك الشخصي لا بالاكتتاب العام. وكل ذلك جائز شرعاً، وتعتبر هذه الشركة من شركات العنان، وقد يكون فيها بعض خصائص المضاربة كما في تحديد مسؤولية الشريك بمقدارحصته، كما أن رب المال في المضاربة لا يسأل إلا في حدود رأسماله. والخلاصة: إن هذه الشركات التي أقرها القانون المدني ليست غريبة عن قواعد الفقه الإسلامي، وإنما هي منسجمة مع أنظمة الشركات التي عرفها

стр. 3867

فقهاؤنا، ولكنها متطورة بحسب حاجة العصر وعرفه، فشركات الأشخاص تعتبر جميعها من قبيل شركة المضاربة في الفقه الإسلامي مع اختلاف في بعض الأحكام بين الشريعة والقانون حسبما تقتضيه مصلحة الناس وطبيعة التطور. وشركات الأموال تعتبر في الغالب من قبيل شركات العنان، مع بعض أوصاف شركة المفاوضة في حال التضامن، وأوصاف شركة المضاربة في حال تحديد مسؤولية الشريك بمقدار حصته فقط. والإدارة توكيل في القيام بالأعمال، إذا كان المدير شريكاً مساهماً، والوكالة تصح بأجر أو بغير أجر أو أن المدير أجير بعقد الاستئجار أو التوظف إذا كان غير مساهم، فهو يعمل بأجر بحكم التوظف، لا بحكم المشاركة. شركات السيارات: كثيراً ماتنعقد الشركة في ملكية سيارة شاحنة أو صغيرة سياحية أو لنقل الركاب، ويكون بعض الشركاء ملاَّكاً لحصص معينة، وواحد منهم سائق للسيارة وشريك يملك بعض الأسهم معاً، ويتقاضى السائق عادة أجراً أو راتباً شهرياً معيناً، وقد يوافق مالك السيارة على أن يتنازل عن ربعها مثلاً للسائق على أن تسدد قيمة الربع من الأرباح في المستقبل. وهذا كله جائز لتعارف الناس؛ لأن الشركة تنعقد على حسب العادة، وهي مبنية على التوسع والمسامحة، وتنعقد أيضاً على الضمان أو على ذمم الشركاء أو على عملهم، والشركة تنبني على الوكالة أو على الوكالة والكفالة. ويأخذ السائق حصته من الأرباح، كما يتقاضى الأجر المتفق عليه، ولا مانع من أن يكون الأجر مقطوعاً محدداً أو مسمى، أو جزءاً نسبياً من الربح. وقد بينت في بحث شركة المساهمة وشركة التضامن أنه لا مانع شرعاً من اعتبار مدير الشركة أجيراً موظفاً على العمل. ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة، في شيء واحد، في رأي المالكية والشافعية قياساً على المزارعة والمساقاة، ولأن المنع من وجود عقدين في عقد أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع والجدال، وعدم المنازعات جرى عليه العرف والعادة، فلم يعد الشرط مفسداً، وللناس فيها حاجة.

стр. 3868

شركة البهائم: تقوم شركات متعددة في وقتنا الحاضر بين الناس لرعي الماشية أو لتربية الأبقار والأغنام، فيقدم المال من شريك، والعمل من الشريك الآخر، وقد يشترك الشريكان في دفع ثمن البهائم، ثم ينفرد أحدهما في العمل إما بالرعي أو بتقديم الطعام والشراب، والحراسة والتنظيف. وذلك كله جائز شرعاً بشرط انتفاء الجهالة الفاحشة المفضية الى النزاع والخصام، ولا تضر الجهالة اليسيرة التي لا تفضي الى التنازع، ويتسامح الناس فيها عادة. وبناء على هذا المبدأ يعرف حكم الصور الآتية: ١ - إذا اشترى شخص بعض البهائم، ودفع ثمنها كله من ماله، وتعهد شخص آخر بتربيتها وشراء الطعام لها، فهذه الشركة لا تصح؛ لأن ما يشتريه العامل من الطعام مجهول جهالةفاحشة تؤدي إلى المنازعة فيفسد أو يبطل العقد. ٢ - إذا كان ثمن العلف يستوفى مما تنتجه البهائم من ألبان، ويوزع باقي ريع اللبن على الشريكين، فلا تصح الشركة، إذ قد يكفي اللبن للطعام وقد لا يكفي. فإذا تكفل صاحب رأس المال بما قد تحتاجه من طعام، صح العقد. ٣ - إذا اقتصر عمل العامل على التربية والرعاية والإطعام. وتكفل أو تعهد رب المال بأثمان النفقات والطعام، صحت الشركة، وتكون شركة مضاربة. ولايقال: إن تناول الحيوان طعامه باختياره أمر طبيعي، لا أثر له في نمو وزيادة الحيوان، كما تصور الحنفية؛ لأن عمل العامل ضروري من تقديم الطعام بنسب معينة وفي وجبات مخصصة، والقيام بالخدمة والإشراف والتنظيف والرعاية، وفي ذلك أثر ملحوظ في تسمين الحيوانات وزيادة سعرها وتحسين نتاجها. ٤ - إذا اشترك اثنان في دفع ثمن الحيوان ونفقة الطعام والشراب، وتبرع

стр. 3869

أحدهما بالخدمة، صحت الشركة؛ لأنها اقتصرت على المشاركة في رأس المال، دون العمل. ٥ - الصورة الغالبة الآن: هي الاشتراك في أثمان الماشية، وأخذ الراعي أو العامل ألبان الماشية وأسمانها نظير القيام بما يلزمها من خدمة وعناية ورعاية، وأما النتاج من أولاد وأصواف فيقسم بين الشريكين مناصفة. هذه الشركة جائزة شرعاً كما قررت لجنة الفتوى بالأزهر عام ١٩٤٨ م، لتعامل الناس بها وتعارفهم عليها، وحاجتهم إليها، ولم يوجد نص يحظرها من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا يترتب عليها حدوث منازعات وعداوات، فتجوز تيسيراً على الناس، وأما الجهالة فهي يسيرة لا تفضي إلى المنازعة. والخلاصة: إن دين الله يسرلا عسر، والأعراف الصحيحة التي لا تصادم الشريعة معتبرة، والاجتهاد في ذلك متعين، والتجديد والتطور أمران ضروريان.

стр. 3870

الفَصْلُ السّادس: الهِبَة خطة الموضوع: بيان الهبة في المباحث الستة الآتية: المبحث الأول - تعريف الهبة ومشروعيتها. المبحث الثاني - ركن الهبة. المبحث الثالث - شروط الهبة. المبحث الرابع - حكم الهبة. المبحث الخامس - موانع الرجوع في الهبة. المبحث السادس - عطية الأبناء. المبحث الأول - تعريف الهبة ومشروعيتها: الهبة تشمل الهدية والصدقة؛ لأن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة، فإن قصد منها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاج، فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدى إليه، إعظاماً له وتودداً، فهي هدية، وإلا فهي هبة. والعطية: الهبة في مرض الموت. والهبة في الاصطلاح الشرعي: عقد يفيد

стр. 3871

التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعاً (١)، وعرفها الحنابلة (٢) بأنها: تمليك جائز التصرف مالاً معلوماً أو مجهولاً تعذر علمه (٣)، موجوداً، مقدوراً على تسليمه، غير واجب، في الحياة، بلا عوض، بما يعد هبة عرفاً (٤) من لفظ هبة وتمليك ونحوهما. والقيود احتراز عن العارية، ونحو كلب، وحَمْل، ونفقة زوجة، ووصية، ونحو بيع. فكلمة تمليك لإخراج العارية، والمال لإخراج ما ليس بمال كالكلاب، والمقدور على تسليمه لإخراج الحمل، وغيرا لواجب لإخراج الديون والنفقات، وفي الحياة لإخراج الوصية، وبلا عوض لإخراج عقود المعاوضات. والهبة مشروعة مندوب إليها لقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مرئياً﴾ [النساء:٤/ ٤]. وقوله سبحانه: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل … ﴾ [البقرة:١٧٧/ ٢] الآية. ولقوله ﷺ : «تهادوا تحابوا» (٥)، وقوله ﵊: «لاتحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة» (٦): أي

стр. 3872

ظلفها، وهو في الأصل خف البعير، فاستعير للشاة، وقوله أيضاً: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» (١). والسنة: المكافأة على الهبة حينما يتيسر ذلك للموهوب له، لما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها». وانعقد الإجماع على استحباب الهبة بجميع أنواعها، قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة:٢/ ٥]. وهي للأقارب أفضل؛ لأن فيها صلة الرحم (٢)، ولقوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء:١/ ٤] ولما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسأ له في أثره، فليصل رحمه» وبسط الرزق: التوسعة فيه والمباركة له فيه. وينسأ له في أثره: يطيل الله عمره ويؤخر له فيه. واتفق الأئمة على أن الهبة تصح بالإيجاب والقبول والقبض، وأجمعوا على أن الوفاء بالوعد في الخير مطلوب، وعلى أن تخصيص بعض الأولاد بالهبة مكروه، وكذا تفضيل بعضهم على بعض (٣). المبحث الثاني - ركن الهبة: ركن الهبة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول قياساً؛ لأنه عقد كالبيع، وكذا

стр. 3873

القبض ركن كما في المبسوط؛ لأنه لا بد منه لثبوت الملك، بخلاف البيع. واستحساناً عند الكاساني وبعض الحنفية: ليس القبول من الموهوب له ركناً، وإنما الركن فقط هو الإيجاب من الواهب؛ لأن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شرط القبول، وإنما القبول لثبوت حكمها أي الأثر المترتب عليها، وهو نقل الملكية. وفائدة الاختلاف تظهر فيمن حلف: لا يهب هذا الشيء لفلان، فوهبه منه، فلم يقبل: يحنث استحساناً، ولا يحنث قياساً، وأكثر شراح الحنفية (١) على أن الهبة تتم بالإيجاب وحده في حق الواهب، وبالإيجاب والقبول في حق الموهوب له؛ لأن الهبة عقد تبرع، فيتم بالمتبرع كالإقرار والوصية، لكن لا يملكه الموهوب له إلا بالقبول والقبض، لكن نصت المادة ٨٣٧ من المجلة على أنه «تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول، وتتم بالقبض». وأركان الهبة عند الجمهور (٢) أربعة: هي الواهب، والموهوب له، والموهوب، والصيغة. أما الواهب: فهو المالك إذا كان صحيحاً مالكاً أمر نفسه. فإن وهب المريض ثم مات، كانت هبته في ثلث تركته عند الجمهور. وأما الموهوب له: فهو كل إنسان ويجوز أن يهب الإنسان ماله كله لأجنبي اتفاقاً. وأما هبة جميع ماله لبعض ولده دون بعض أو تفضيل بعضهم على بعض في الهبة، فمكروه عند الجمهور، وإن وقع جاز. وأما الموهوب: فكل مملوك. وأما الصيغة: فكل ما يقتضي الإيجاب والقبول من قول وفعل كلفظ الهدية والهبة والعطية والنحلة، وشبه ذلك.

стр. 3874

والإيجاب: إما صريح، مثل: أن يقول الواهب: وهبت هذا الشيء لك، أو ما يجري مجرى الصريح كقوله، ملكته منك، أو جعلته لك أو هو لك، أو أعطيته، أو نحلته، أو أهديته إليك، أو أطعمتك هذا الطعام، أو حملتك على هذه الدابة، ونوى به الهبة؛ لأن تمليك العين للحال أو جعلها له من غير عوض هو معنى الهبة، ولأن بقية الألفاظ تفيد التمليك في الحال في عرف الناس أو في استعمالهم. هذا في الإيجاب المطلق، أما إذا كان مقروناً بقرينة فهي لا تخلو إما أن تكون القرينة وقتاً، أو شرطاً، أو منفعة (١). مثال الإيجاب المقترن بقرينة الوقت (العمرى): أن يقول: (أعمرتك هذه الدار، أو جعلت هذه الدار لك عمري (٢)، أو عمرك، أو حياتك أو حياتي، فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي) فهذا كله هبة، وهي للمعمر له في حياته، ولورثته بعد وفاته، لصحة التمليك، والتوقيت باطل، لقوله ﵊: «أمسكوا عليكم أموالكم، لا تعمروها، فإن من أعمر شيئاً، فإنه لمن أعمره» (٣) أي المعمر له أوالموهوب له؛ ولأن الهبة لا تبطل بالشرط الفاسد بخلاف عقود المعاوضات المالية، ومنها البيع فإنها أي المعاوضات تفسد بالشرط الفاسد للنهي عن بيع وشرط.

стр. 3875

ومثال الإيجاب المقترن بشرط (الرقبى): أن يقول: (هذه الدار لك رقبى (١) أو حبيسة) فهي عارية في يده، ويأخذها منه متى شاء عند أبي حنيفة ومحمد، واستدلا بما روي عن الرسول ﷺ أنه أجاز العمرى وأبطل الرقبى (٢)، ولأن قوله ذلك تعليق للتمليك بأمر على خطر الوجود وخطر العدم، والتمليكات لا تحتمل التعليق بالخطر الاحتمالي المتردد بين الوجود وعدم الوجود فلم تصح هبة، وصحت عارية؛ لأنه دفع الدار إليه، وأطلق له الانتفاع به، وهذا معنى العارية. وقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة (٣): إذا قبضها فهي هبة، وقوله: (رقبى، وحبيسة) باطل: ودليلهم ما روي عن الرسول ﷺ أنه أجاز العمرى والرقبى (٤)، ولأن قوله: (داري لك) تمليك العين، لا تمليك المنفعة، وقياساً على قوله: (هي عمرى). أما المالكية (٥) فقد أجازوا العمرى وأبطلوا الرقبى كالحنفية، وعرفوا العمرى

стр. 3876

بأنها تمليك منفعة عقار أو غيره لشخص بغير عوض مدة حياته. فإذا مات المعمر له رجع الشيء المعمر لمن أعمره له، إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً. وأما الرقبى: فهي اتفاق اثنين على أن من مات منهما قبل الآخر يكون ماله للآخر الحي. والخلاصة: أجاز أكثر العلماء العمرى والرقبى، على أنهما نوعان من الهبة يفتقران إلى الإيجاب والقبول والقبض ونحوه. ومنع الحنفية والمالكية الرقبى وأجازوا العمرى. ومثال الإيجاب المقترن بالمنفعة (المنحة): أن يقول: (هذه الدار لك سكنى)، أو (هذه الشاة، أو هذه الأرض لك منحة) فهي عارية باتفاق الحنفية (١)؛ لأنه لما ذكر (السكنى) دل على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن المنحة عبارة عن بذل المنافع، فإذا أضاف ذلك إلى عين ينتفع بها مع بقائها، عمل بحقيقته. أما إذا أضاف إلى شيء لا ينتفع به إلا باستهلاكه، كما إذا منحه طعاماً، أو لبناً، فإنه يكون هبة؛ لأنه لا منفعة له مع قيام عينه. وبناء على هذه التفرقة قالوا: إن عارية الأعيان تمليك المنافع، وعارية المكيل والموزون ومنها الدراهم والدنانير قرض، ويكون تمليك العين (٢)، فالعارية: هي عارية استعمال. والقرض: هو عارية استهلاك. وكذا لو قال: (هذه الدار لك سكنى عمرى، أو عمرى سكنى) فهي عارية، لأنه لما ذكر السكنى دل على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن قوله: (سكنى) موضوع

стр. 3877

للمنفعة لا تستعمل إلا لها. وكلمة (عمرى) صفة أو نعت وهي قيد في الموصوف قبلها، فدل على أنها عارية. وكذا إذا قال: (هبة سكنى، أو سكنى هبة) فهي عارية، لأنه لما ذكر (سكنى) بعد ذكر (الهبة) كان تفسيراً للهبة، لأن الهبة تحتمل هبة العين، وهبة المنافع، فإذا قال: (سكنى) فقد عيَّن هبة المنافع (١)؛ لأن هذه الكلمة نعت أو صفة لما تقدمها، والصفة قيد في الموصوف. وإن قال: (هذه الدار لك عمرى تسكنها، أو صدقة تسكنها) فهي هبة وصدقة، لأن في هذا المثال لم يفسر الهبة عن طريق النعت، وإنما وهب الدار منه، ثم أشار عليه فيما يعمل بملكه، والمشورة في ملك الغير باطلة، فيكون شرطاً فاسداً، والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة (٢)، فتعلقت الهبة بالعين. وأما قوله (تسكنها) فهو بمنزلة قوله (لتسكنها) كما إذا قال: (وهبتها لك لتؤجرها). ولو قال: هي لك هبة تسكنها» كانت هبة أيضاً، كما في المثال السابق (٣). المبحث الثالث - شروط الهبة: هناك شروط في الواهب، وشروط في الموهوب. وقد ذكر الحنابلة (٤) أحد عشر شرطاً في الهبة وهي: كونها من جائز التصرف، مختار جادّ، بمال يصح

стр. 3878

بيعه، بلا عوض، لمن يصح تملكه، مع قبوله، أو وليه قبل تشاغل بقاطع، مع تنجيز، وعدم توقيت. وجائز التصرف: هو الحر المكلف الرشيد. وكون الموهوب مالاً لإخراج الاختصاصات. أما شروط الصيغة: فهي عند الشافعية اتصال القبول بالإيجاب من غير فاصل معتبر شرعاً، وعدم تقييدها بشرط؛ لأن الهبة تمليك، والتمليكات لا تحتمل التعليق بماله خطر الوجود والعدم، وعدم تقييدها بوقت كشهر أو سنة لأن الهبة تفيد التمليك المطلق الدائم كالبيع. شروط الواهب: يشترط أن يكون الواهب له أهلية التبرع بالعقل والبلوغ مع الرشد، وهذا شرط انعقاد؛ لأن الهبة تبرع، فلا تجوز هبة الصبي والمجنون؛ لأنهما لا يملكان التبرع، لكونه ضرراً محضاً، وكذا الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط العوض بلا خلاف؛ لأن ولايته قاصرة على وجوه النفع، والهبة تبرع فيه ضرر محض فلا تجوز منه. فإن شرط الأب العوض لم يجز أيضاً عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأن الهبة بشرط العوض تبرع ابتداء أي قبل القبض، ثم تصير بيعاً انتهاء، أي بعد القبض، والأب لا يملك التبرع، وقال محمد: تجوز الهبة من الأب بشرط العوض؛ لأن ذلك في معنى البيع، والعبرة باتفاق المعنى (١). شروط الموهوب: يشترط في الموهوب شروط:

стр. 3879

١ - أن يكون موجوداً وقت الهبة: فلا تنعقد هبة ما ليس بموجود وقت العقد (١) مثل أن يهب ما يثمر نخله في هذا العام، أو ما تلد أغنامه هذه السنة؛ لأنه تمليك لمعدوم، فيكون العقد باطلاً (٢). ومثل: أن يهب ما في بطن هذه الشاة، وسلطه على القبض عند الولادة، فلا ينعقد لاحتمال الوجود والعدم؛ لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل أو لداء في البطن. وكذلك لو وهب دقيقاً في حنطة أو دهناً في سمسم أو زبداً في لبن، أو زيتاً في زيتون: لا يجوز، وإن سلطه على قبضه عند حدوثه؛ لأنه معدوم للحال، والمعدوم ليس بمحل للملك، فوقع العقد باطلاً، فلا ينعقد إلا بالتجديد. أما هبة اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، والزرع والنخيل في الأرض، والتمر في النخيل: فهي كهبة المشاع الآتية تقع فاسدة، فلو فصل ذلك وسلم إلى الموهوب له، جاز؛ لأن الموهوب موجود مملوك للحال، إلا أنه لم ينفذ لمانع، وهو كونه مشغولاً بغيره، فإذا فصل فقد زال المانع، فتجوز الهبة وتصير صحيحة (٣). ووافق الشافعية والحنابلة مذهب الحنفية في هذا الشرط، فقالوا: كل ما صح

стр. 3880

بيعه صحت هبته. وقال المالكية: تجوز هبة ما لا يصح بيعه كالعبد الآبق والبعير الشارد والمجهول والثمرة قبل بدو صلاحها والمغصوب. ٢ - أن يكون مالاً متقوماً: فلا تنعقد هبة ما ليس بمال أصلاً كالحر والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام وغير ذلك، ولا تجوز هبة ما ليس بمتقوم كالخمر (١). ٣ - أن يكون مملوكاً في نفسه: فلا تنعقد هبة المباحات، وهذه الشروط السابقة كلها شروط انعقاد. ٤ - أن يكون مملوكاً للواهب: فلا تنفذ هبة مال الغير بغير إذنه، لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك (٢)، وهذا شرط نفاذ عند الحنفية. وبناء على الشرط الأخير يجوز عند الحنفية هبة المملوك، سواء أكان عيناً أم ديناً، فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين؛ لأن ما في الذمة مقدور التسليم والقبض؛ لأن قبض العين قائم مقام قبض عين ما في الذمة. كما تجوز هبة الدين لغير من عليه الدين إن أذن له صراحة بالقبض، وقبضه استحساناً، كما سيتضح في شرط الإذن بالقبض. ٥ - أن يكون محرزاً أي مفرزاً: فلا تصح عند الحنفية هبة المشاع إذا كان يحتمل القسمة كالدار والبيت الكبير، وتكون الهبة فاسدة، فإن قسم المشاع وسلم، جازت الهبة، وهذا شرط صحة للهبة. وتجوز الهبة إذا كان مشاعاً لا يحتمل القسمة، كالسيارة والحمام، والبيت الصغير والجوهر. وجواز الهبة للضرورة، لأنه قد يحتاج إلى هبة بعض ذلك، ويكتفى بصورة التخلية مقام القبض (٣). ودليلهم على الحالة الأولى: أن القبض

стр. 3881

في الهبة شرط كالرهن، كما سأبين، والشيوع يمنع من القبض؛ لأن التصرف في النصف الشائع وحده، لا يتصور، فإن سكنى نصف الدار شائعاً محال، ولا يتمكن من التصرف فيه إلا بالتصرف في الكل، والعقد لم يتناول كل الدار، فعدم قسمة الموهوب يمنع صحة القبض وتمامه (١). وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إن هبة المشاع جائزة، كالبيع، فإن القبض في هبة المشاع يصح كالقبض في المبيع المشاع. وصفة قبضه: أن يسلم الواهب جميع الشيء إلى الموهوب له، فيستوفي منه حقه، ويكون نصيب شريكه في يده كالوديعة (٢)، والدليل على ذلك من السنة أن وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله ﷺ أن يرد عليهم ما غنمه منهم، قال رسول الله ﷺ : «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» (٣) وهذا هبة المشاع: وهي هبة الشخص ما له من حصة غير معينة في شيء. أو هبة ما يملكه من شيء لاثنين أو أكثر. وهذا الخلاف يجري في التصدق بالمشاع على الغني؛ لأن الصدقة عليه هبة. وأما الصدقة بعشرة على مسكينين مثلاً فتجوز؛ لأن الصدقة تقع من المتصدق لله تعالى، لا للفقير، فلا يتحقق الشيوع. ويترتب على قاعدة الحنفية: وهو أنه لاتجوز الهبة في المشاع الذي يحتمل القسمة ما يلي (٤):

стр. 3882

الهبة لاثنين: لو وهب إنسان داراً من رجلين أو مداً من حنطة أو ألف درهم أو نحو ذلك مما يقسم، فإنه لا يصح عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: يصح، ويجري الخلاف فيما لو وهب رجل داراً لرجلين وقال: (وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها، ولهذا نصفها). ومنشأ الخلاف في ذلك: أن أبا حنيفة يعتبر الشيوع عند القبض ما نعاً من صحة الهبة. وأما الصاحبان: فيعتبران الشيوع عند العقد والقبض معاً هو المانع من صحة الهبة. وبناء عليه: يجوز هبة الاثنين من الواحد بالاتفاق، لعدم وجود الشيوع عند القبض في رأي أبي حنيفة، ولانعدام الشيوع في الحالتين معاً في رأي الصاحبين؛ لأن الشيوع وجد عند العقد، ولم يوجد عند القبض. ولا تجوز هبة الواحد من الاثنين عند أبي حنيفة، لوجود الشيوع عندا لقبض، ويجوز ذلك عند الصاحبين؛ لأنه لم يوجد الشيوع عند العقد والقبض جميعاً. ولا تجوز الهبة بالاتفاق إذا قال في هبة الدار: (وهبت لك نصفها، ولهذا نصفها) لأن الشيوع دخل على العقد نفسه، فمنع الجواز، بخلاف المثال السابق: (وهبت لكما هذه الدار: لهذا نصفها ولهذا نصفها) فعند أبي حنيفة: لا يجوز؛ لأن هذا تمليك مضاف إلى الشائع. وعند الصاحبين: يجوز، لأن قوله: (لهذا نصفها، ولهذا نصفها) لا يمكن جعله تفسيراً لنفس العقد؛ لأن العقد وقع على تمليك الدار جملة منهما، وإنما هو تفسير للحكم الثابت بالعقد أي أثر العقد، فلا يوجب ذلك إشاعة في العقد نفسه. ولو قال: (وهبت لكما هذه الدار: لهذا ثلثها، ولهذا ثلثاها) لم يجز عند أبي يوسف وأبي حنيفة، وجاز عند محمد. أما أبو حنيفة فكما قال في المثال

стр. 3883

السابق. وأما محمد فقال كما في المثال السابق أيضاً: إن العقد متى جاز لاثنين يستوي فيه حالة التساوي والتفاضل في الأنصباء كما في البيع. وأما أبو يوسف فقد خالف قاعدته حالة التفاضل في الأنصباء؛ لأن مطلق العقد لا يحتمل التفاضل، فكان تفضيل أحد النصيبين في معنى إفراد العقد لكل منهما، فكان ذلك هبة المشاع، فيتعذر جعل قوله: (لهذا ثلثها ولهذا ثلثاها) مفسراً للحكم الثابت بالعقد، بخلاف حالة التساوي. والخلاصة: إن الشيوع حالة القبض يمنع صحة الهبة، أما حالة العقد فلا يمنع صحتها، وكذا الشيوع الطارئ لا يفسد الهبة، وهو كأن يرجع الواهب في نصف الموهوب شائعاً. ٦ - أن يكون الموهوب متميزاً عن غيره، ليس متصلاً به، ولا مشغولاً بغير الموهوب: لأن معنى القبض، وهو التمكن من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع شغل الموهوب بغيره (١) وهذا شرط صحة للهبة. وبناء عليه لو وهب شخص أرضاً فيها زرع للواهب دون الزرع، أو زرعاً دون الأرض، أو نخلاً فيها ثمرة للواهب معلقة بها دون الثمرة، أو ثمرة النخل دون النخل: لا يجوز، وإن قبض الموهوب، وتكون الهبة فاسدة، فلو جز الثمر، وحصد الزرع، ثم سلمه فارغاً، جاز؛ لأن المانع من نفاذ حكم العقد وهو ثبوت الملك، قد زال. وكذا لو وهب داراً فيها متاع للواهب، أو ظرفاً فيه متاع للواهب دون المتاع، أو وهب دابة عليها حمل للواهب دون الحمل، وقبض الموهوب، فإنه لاتجوز

стр. 3884

الهبة، ولا يزول الملك عن الواهب إلى الموهوب له؛ لأن الموهوب مشغول بغيره، فيكون بمنزلة هبة المشاع، وتكون الهبة حينئذ فاسدة، فلو ميز الموهوب عن غيره، وسلمه وحده، جازت الهبة. والخلاصة: إن هبة المشغول لا تصح بخلاف الشاغل، وهبة المتصل بغير الهبة اتصال خلْقة مع إمكان الفصل لا تجوز (١). مسألة استثناء ما في البطن: يتفرع على هذا الشرط السابق، بمقتضى القياس: أنه لو وهب دابة واستثنى ما في بطنها، لا يجوز، لأنه هبة ما هو مشغول بغيره. وأما استحساناً فقالوا: تجوز الهبة في الأم والحِمْل جميعاً، ويبطل الاستثناء. والعقود في هذه المسألة في الجملة ثلاثة أنواع (٢). ١ - قسم يفسد فيه العقد أي لا يجوز فيه أصل التصرف: وهو البيع والإجارة والرهن (٣)، فإذا عقد على الأم، دون الحَمْل، بأحد هذه العقود، فسد العقد، وبطل الاستثناء؛ لأن الحمل تبع للأم، فاستثناؤه إخراج لبعض ما اقتضاه

стр. 3885

العقد، لأن العقد ثبت في الأم وولدها، ففسد العقد، والقاعدة المقررة: أن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية يفسد العقد (١). ٢ - وقسم يصح فيه العقد ويبطل الشرط أو الاستثناء: وهو النكاح والخلع، والصلح عن دم العمد، والهبة؛ لأن موجب العقد أن يثبت الحكم في الكل، وقد استثني بعض الموجَب؛ فيكون شرطاً فاسداً، والقاعدة المقررة: أن الشرط الفاسد لايبطل عقود التبرعات والتوثيقات والزواج، بل العقد صحيح، والشرط لغو باطل، فالهبة إذن لا تبطل بالشروط الفاسدة. والأصل في ذلك بالنسبة للهبة أنه ﷺ أجاز العمرى وأبطل شرط المعمر (٢)، وهي بخلاف البيع، لأنه ﵊ نهى عن بيع وشرط (٣). ٣ - وقسم يجوز فيه العقد والاستثناء جميعاً: وهو الوصية، كما إذا أوصى بفرس إلا حَملْها، صحت الوصية في الفرس، وبقي الحَمْل لورثة الموصي؛ لأن الحمل أصل على حدة بالنسبة للوصية، حتى إنه يجوز إفراده بالوصية، فيجوز استثناؤه إذن؛ لأن عقد الوصية والإيصاء، كل منهما بطبيعته لا يكون إلا مضافاً لزمن مستقبل، ولا يثبت الملك في الموصى به إلا بعد وفاة الموصي. ٧ - الشرط السابع وهو قبض الموهوب: وهو أهم الشروط، وهو شرط لزوم وتمام الهبة، لا شرط صحة وركن عند بعض الحنفية وابن عقيل من الحنابلة

стр. 3886

كما سبق بيانه، وقد أخر إلى هنا، لكثرة ما يتبعه من أمور. فالقبض في الهبة: أن يكون الموهوب مقبوضاً، فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض بل لا تتحقق الهبة إلا بالقبض، فبالقبض توجد الهبة، والقبض مولد لآثار الهبة عند الحنفية. وأتكلم هنا في بيان أصل القبض أنه شرط أم لا عند الفقهاء. ما نوع شرط القبض؟ اختلف الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية (١): القبض شرط للزوم الهبة، حتى إنه لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، بدليل ما روت عائشة ﵂ أن أباها نحلها جداد عشرين وَسقاً (٢) من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: يابنية: إن أحب الناس عندي بعدي لأنت، وإن أعز الناس علي فقراً بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي، ولو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت: هذان أخواي، فمن أختاي، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، فإني أظنها جارية (٣). فهذا نص في اشتراط القبض للزوم الهبة، وإن الهبة تملك بالقبض لقوله: «لو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك»، وقال عمر ﵁: ما بال رجال

стр. 3887

يَنْحَلون أبناءهم نُحلاً، ثم يمسكونها فإن مات ابن أحدهم، قال: «مالي بيدي، لم أعطه أحداً، وإن مات هو قال: هو لابني، قد كنت أعطيته إياه، فمن نحل نحلة فلم يَحُزْها الذي نحلها - وأبقاها - حتى تكون إن مات لورثته، فهي باطلة» (١). وهذا هو قول عثمان وعلي أيضاً (٢)، وفي الجملة فإن الخلفاء الراشدين وغيرهم اتفقوا على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة محوزة (٣). وقال الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القبض شرط لصحة الهبة في المكيل أو الموزون، لإجماع الصحابة على ذلك، ويظهر أن المراد بكون القبض شرط صحة أنه شرط لزوم، بدليل قول ابن قدامة: إن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء. أما غير المكيل أو الموزون فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه، لما روي عن علي وابن مسعود ﵄ قالا: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض (٤).

стр. 3888

وقال المالكية: لايشترط القبض لصحة الهبة، ولا للزوم الهبة، وإنما هو شرط لتمامها، أي لكمال فائدتها، بمعنى أن الموهوب يملك بمجرد العقد أي القول، على المشهور عندهم. والقبض أو الحيازة لتتم الهبة، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب له من الموهوب. ودليلهم تشبيه الهبة بالبيع وغيره من سائر التمليكات، ولقول الأصحاب: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض (١). والخلاصة: أن غير المالكية يرون أن الموهوب يملك بالقبض لا بالعقد (٢)، وعند المالكية: يملك بالعقد. ٨ - يشترط لصحة القبض عند جمهور العلماء: أن يكون بإذن الواهب: فلو قبض بلا إذن لم يملكه، ودخل في ضمانه؛ لأن التسليم غير مستحق على الواهب، فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في البيع، ففي الهبة من باب أولى؛ لأن القبض فيها شرط لصحتها، بعكس البيع (٣) إلا أن الحنفية قالوا: القياس أن لا يجوز قبض الهبة إلا بإذن الواهب، سواء تم القبض في مجلس العقد أم بعد الافتراق. والاستحسان أن الموهوب له إذا قبض الموهوب في مجلس العقد بغير أمر الواهب، جاز. وإن قبض بعد الافتراق عن المجلس لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض.

стр. 3889

وجه القياس: أن القبض تصرف في ملك الواهب لأن ملكه قبل القبض باق، فلا يصح بدون إذنه. ووجه الاستحسان: أن القبض في الهبة بمنزل القبول؛ لأنه يتوقف عليه ثبوت الملك، والمقصود من الهبة إثبات الملك، فيكون الإيجاب من الواهب تسليطاً للموهوب له على القبض، فكان إذناً دلالة. وإنما قيد ذلك بالمجلس لأنه ثبت التسليط فيه، إلحاقاً له بالقبول، والقبول يتقيد بالمجلس، فكذلك ما يلحق به. وقال المالكية: يصح القبض ولو بلا إذن من الواهب، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب من القبض حيث طلبه؛ لأن الهبة تملك بالقول أي بالإيجاب، على المشهور عندهم (١). ويترتب على مذهب الحنفية: أنه لو وهب إنسان ثوباً، أو عيناً من الأعيان، مفرزاً، مقسوماً، ولم يأذن له في قبضه، فقبضه الموهوب له فإن كان بحضرة الواهب: يجوز استحساناً، والقياس أن لا يجوز قبضه بعد الافتراق من المجلس، وهو قول زفر؛ لأن القبض عنده ركن بمنزلة القبول في حق إثبات الحكم، فلا يجوز القبض بعد الافتراق عن المجلس، كما لا يجوز القبول بعد الافتراق. ووجه الاستحسان: أن الإذن بالقبض وجد من طريق الدلالة؛ لأن الإيجاب فيه دلالة الإذن بالقبض. وأما في هبة الدين لغير من عليه الدين، فلا بد من الإذن صراحة بالقبض، ولا يكفي الإذن دلالة. وجه الفرق بين هبة العين وهبة الدين: هو أن الإيجاب في هبة العين يدل على الإذن بالقبض دلالة؛ لأن قصده تمليك ما هو ملكه للموهوب

стр. 3890

له، أما في هبة الدين: فالإيجاب لايعطي تلك الدلالة؛ لأن الدلالة متوقفة على قصد التملك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لايتحقق إلا بالتصريح بالإذن بالقبض؛ لأنه بالتصريح يقوم قبضه مقام قبض الواهب، فيصير المقبوض ملكاً له أولاً، ثم يصير الموهوب له قابضاً لنفسه من الواهب. وبناء على هذا التقدير: يصير الواهب واهباً ملك نفسه، والموهوب له قابضاً ملك الواهب. وتجويز هبة الدين لغير من عليه الدين ثابت استحساناً، وصورتها: أن يهب رجل لرجل ديناراً له على رجل، ويأمر بقبضه ويقبضه فعلاً، فيجوز استحساناً؛ لأنه أنابه في القبض مناب نفسه، فيجعل قبض الموهوب له كقبض الواهب. وأما قياساً فلا يجوز، وهو قول زفر؛ لأن الدين ليس بمال عند الحنفية، حتى إن حلف لا مال له، وله دين على إنسان: لا يحنث في يمينه. والهبة عقد مشروع لتمليك المال، فإذا أضيف إلى ما ليس بمال لا يصلح (١). ويشترط أيضاً عند الحنفية والشافعية شرطان آخران لصحة القبض وهما أهلية القبض: بالعقل عند الحنفية، وبالعقل والبلوغ عند الشافعية، فلا يصح عندهم قبض الصبي والمجنون؛ لأن القبض من باب الولاية، ولا ولاية لغير البالغ العاقل على نفسه وماله. والشرط الثاني - ألا يكون الموهوب مشغولاً بغيره مما ليسبموهوب؛ لأن معنى القبض: التمكن من التصرف في المقبوض، وهو لا يتحقق مع شغل الشيء بغيره. وأضاف الحنفية شرطاً ثالثاً، كماتقدم: وهو أن يكون الموهوب مفرزاً عن غيره حتى يتمكن الموهوب له من قبضه، فلا يصح عندهم هبة المشاع كما تقدم.
следующие страницы →