كما سبق بيانه، وقد أخر إلى هنا، لكثرة ما يتبعه من أمور. فالقبض في الهبة: أن يكون الموهوب مقبوضاً، فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض بل لا تتحقق الهبة إلا بالقبض، فبالقبض توجد الهبة، والقبض مولد لآثار الهبة عند الحنفية. وأتكلم هنا في بيان أصل القبض أنه شرط أم لا عند الفقهاء.
ما نوع شرط القبض؟ اختلف الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية (١): القبض شرط للزوم الهبة، حتى إنه لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، بدليل ما روت عائشة ﵂ أن أباها نحلها جداد عشرين وَسقاً (٢) من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: يابنية: إن أحب الناس عندي بعدي لأنت، وإن أعز الناس علي فقراً بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي، ولو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، قالت: هذان أخواي، فمن أختاي، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، فإني أظنها جارية (٣).
فهذا نص في اشتراط القبض للزوم الهبة، وإن الهبة تملك بالقبض لقوله: «لو كنت جددتيه وأحرزتيه لكان لك»، وقال عمر ﵁: ما بال رجال
стр. 3887
يَنْحَلون أبناءهم نُحلاً، ثم يمسكونها فإن مات ابن أحدهم، قال: «مالي بيدي، لم أعطه أحداً، وإن مات هو قال: هو لابني، قد كنت أعطيته إياه، فمن نحل نحلة فلم يَحُزْها الذي نحلها - وأبقاها - حتى تكون إن مات لورثته، فهي باطلة» (١).
وهذا هو قول عثمان وعلي أيضاً (٢)، وفي الجملة فإن الخلفاء الراشدين وغيرهم اتفقوا على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة محوزة (٣).
وقال الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: القبض شرط لصحة الهبة في المكيل أو الموزون، لإجماع الصحابة على ذلك، ويظهر أن المراد بكون القبض شرط صحة أنه شرط لزوم، بدليل قول ابن قدامة: إن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء.
أما غير المكيل أو الموزون فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه، لما روي عن علي وابن مسعود ﵄ قالا: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض (٤).
стр. 3888
وقال المالكية: لايشترط القبض لصحة الهبة، ولا للزوم الهبة، وإنما هو شرط لتمامها، أي لكمال فائدتها، بمعنى أن الموهوب يملك بمجرد العقد أي القول، على المشهور عندهم. والقبض أو الحيازة لتتم الهبة، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب له من الموهوب. ودليلهم تشبيه الهبة بالبيع وغيره من سائر التمليكات، ولقول الأصحاب: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض (١).
والخلاصة: أن غير المالكية يرون أن الموهوب يملك بالقبض لا بالعقد (٢)، وعند المالكية: يملك بالعقد.
٨ - يشترط لصحة القبض عند جمهور العلماء: أن يكون بإذن الواهب: فلو قبض بلا إذن لم يملكه، ودخل في ضمانه؛ لأن التسليم غير مستحق على الواهب، فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في البيع، ففي الهبة من باب أولى؛ لأن القبض فيها شرط لصحتها، بعكس البيع (٣) إلا أن الحنفية قالوا: القياس أن لا يجوز قبض الهبة إلا بإذن الواهب، سواء تم القبض في مجلس العقد أم بعد الافتراق. والاستحسان أن الموهوب له إذا قبض الموهوب في مجلس العقد بغير أمر الواهب، جاز. وإن قبض بعد الافتراق عن المجلس لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض.
стр. 3889
وجه القياس: أن القبض تصرف في ملك الواهب لأن ملكه قبل القبض باق، فلا يصح بدون إذنه.
ووجه الاستحسان: أن القبض في الهبة بمنزل القبول؛ لأنه يتوقف عليه ثبوت الملك، والمقصود من الهبة إثبات الملك، فيكون الإيجاب من الواهب تسليطاً للموهوب له على القبض، فكان إذناً دلالة. وإنما قيد ذلك بالمجلس لأنه ثبت التسليط فيه، إلحاقاً له بالقبول، والقبول يتقيد بالمجلس، فكذلك ما يلحق به.
وقال المالكية: يصح القبض ولو بلا إذن من الواهب، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب من القبض حيث طلبه؛ لأن الهبة تملك بالقول أي بالإيجاب، على المشهور عندهم (١).
ويترتب على مذهب الحنفية: أنه لو وهب إنسان ثوباً، أو عيناً من الأعيان، مفرزاً، مقسوماً، ولم يأذن له في قبضه، فقبضه الموهوب له فإن كان بحضرة الواهب: يجوز استحساناً، والقياس أن لا يجوز قبضه بعد الافتراق من المجلس، وهو قول زفر؛ لأن القبض عنده ركن بمنزلة القبول في حق إثبات الحكم، فلا يجوز القبض بعد الافتراق عن المجلس، كما لا يجوز القبول بعد الافتراق.
ووجه الاستحسان: أن الإذن بالقبض وجد من طريق الدلالة؛ لأن الإيجاب فيه دلالة الإذن بالقبض.
وأما في هبة الدين لغير من عليه الدين، فلا بد من الإذن صراحة بالقبض، ولا يكفي الإذن دلالة. وجه الفرق بين هبة العين وهبة الدين: هو أن الإيجاب في هبة العين يدل على الإذن بالقبض دلالة؛ لأن قصده تمليك ما هو ملكه للموهوب
стр. 3890
له، أما في هبة الدين: فالإيجاب لايعطي تلك الدلالة؛ لأن الدلالة متوقفة على قصد التملك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لايتحقق إلا بالتصريح بالإذن بالقبض؛ لأنه بالتصريح يقوم قبضه مقام قبض الواهب، فيصير المقبوض ملكاً له أولاً، ثم يصير الموهوب له قابضاً لنفسه من الواهب. وبناء على هذا التقدير: يصير الواهب واهباً ملك نفسه، والموهوب له قابضاً ملك الواهب.
وتجويز هبة الدين لغير من عليه الدين ثابت استحساناً، وصورتها: أن يهب رجل لرجل ديناراً له على رجل، ويأمر بقبضه ويقبضه فعلاً، فيجوز استحساناً؛ لأنه أنابه في القبض مناب نفسه، فيجعل قبض الموهوب له كقبض الواهب. وأما قياساً فلا يجوز، وهو قول زفر؛ لأن الدين ليس بمال عند الحنفية، حتى إن حلف لا مال له، وله دين على إنسان: لا يحنث في يمينه. والهبة عقد
مشروع لتمليك المال، فإذا أضيف إلى ما ليس بمال لا يصلح (١).
ويشترط أيضاً عند الحنفية والشافعية شرطان آخران لصحة القبض وهما أهلية القبض: بالعقل عند الحنفية، وبالعقل والبلوغ عند الشافعية، فلا يصح عندهم قبض الصبي والمجنون؛ لأن القبض من باب الولاية، ولا ولاية لغير البالغ العاقل على نفسه وماله. والشرط الثاني - ألا يكون الموهوب مشغولاً بغيره مما ليسبموهوب؛ لأن معنى القبض: التمكن من التصرف في المقبوض، وهو لا يتحقق مع شغل الشيء بغيره. وأضاف الحنفية شرطاً ثالثاً، كماتقدم: وهو أن يكون الموهوب مفرزاً عن غيره حتى يتمكن الموهوب له من قبضه، فلا يصح عندهم هبة المشاع كما تقدم.
стр. 3891
نوعا القبض:
قبض الهبة عند الحنفية نوعان: قبض بطريق الأصالة، وقبض بطريق النيابة (١).
أما القبض بطريق الأصالة: فهو أن يقبض بنفسه لنفسه، وشرط جوازه العقل فقط، فلا يجوز قبض الصبي غير المميز والمجنون. وأما البلوغ: فليس بشرط لصحة القبض استحساناً، فيجوز قبض الصبي العاقل (أي المميز) ما وهب له.
والقياس وهو رأي غير الحنفية: أن يكون البلوغ شرطاً؛ لأن القبض من باب الولاية، ولا ولاية للصبي على نفسه، فلا يجوز قبضه في الهبة، كما لا يجوز في البيع.
ووجه الاستحسان: أن قبض الهبة من التصرفات النافعة نفعاً محضاً، فيملكه الصبي العاقل.
وأما القبض بطريق النيابة، فالنيابة في القبض نوعان:
نوع يرجع إلى القابض، ونوع يرجع إلى القبض نفسه.
أما الأول - فهو القبض للصبي، وشرط جوازه وجود ولاية أو عيلة أي كون الصبي في حِجْر وعيال شخص أي في رعايته وتربيته عند عدم الولي.
فلو وهب أجنبي للصغير شيئاً، فيقبض عنه وليه على هذا الترتيب عند الحنفية: الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه، ومن غاب من هؤلاء غيبة منقطعة
стр. 3892
تنتقل الولاية إلى الأبعد، كما في ولاية النكاح؛ لأن التأخير إلى قدوم الغائب يؤدي إلى تفويت المنفعة على الصغير، فتنتقل الولاية إلى ما يتلوه.
وبناء على ذلك لو وهب أحد هؤلاء الأولياء للصغير شيئاً، والمال في أيديهم صحت الهبة، ويصيرون قابضين للصغير، وكذلك إذا باع الأب ماله من ابنه الصغير، ثم هلك المبيع عقب البيع، كان الهلاك على الصغير؛ لأنه صار قابضاً بقبض الأب.
ولو قبض الصغير العاقل ما وهب له أحد أوليائه المذكورين، جاز قبضه استحساناً، والقياس: أن لا يجوز، كما تبين في القبض بطريق الأصالة.
ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأولياء الأربعة المذكورين مع وجود واحد منهم، أجنبياً كان أو ذا رحم محرم منه، كالأخ والعم والأم؛ لأنه ليس لهم ولاية التصرف في مال الصبي.
فإن لم يكن أحد من هؤلاء الأولياء الأربعة، جاز قبض من كان الصبي في حجره وعياله استحساناً، والقياس: أن لا يجوز لعدم الولاية، وإنما جاز ذلك استحساناً؛ لأن من هو في عياله، له عليه نوع ولاية، إذ أنه يؤدبه، ويعمل له ما فيه المنفعة، وللصبي في قبض الهبة منفعة محضة، فكيون ذلك من باب الحفظ.
وأما النوع الثاني من النيابة: وهو الذي يرجع إلى القبض نفسه فهو أن القبض الموجود بسبب من الأسباب ينوب عن قبض الهبة، سواء أكان مثل قبض الهبة أم أقوى منه، وبيانه:
أـ إذا كان الموهوب في يد الموهوب له وديعة أو عارية، فوهب منه، جازت الهبة، ولا يحتاج إلى تجديد القبض بعد العقد استحساناً، والقياس: أن لا يصير
стр. 3893
قابضاً ما لم يجدد القبض، وهو أن يخلي بين الموهوب له وبين الموهوب بعد العقد؛ لأن يد الوديع هي يد صورية، وهي في الحقيقة والمعنى يد المودع، فكان المال في يده فيحتاج إلى تجديد القبض.
ووجه الاستحسان: أن قبض الهبة وقبض الوديعة أو العارية متماثلان في القوة؛ لأن كل واحد منهما قبض أمانة غير مضمون، إذ الهبة عقد تبرع، وكذا الوديعة والعارية، فتماثل القبضان، فيقوم أحدهما مقام الآخر.
ب - وإذا كان الموهوب في يد الموهوب له مضموناً بنفسه، كالمغصوب والمقبوض على سوم الشراء (١)، والمقبوض ببيع فاسد، فوهب منه: تصح الهبة، ويبرأ عن الضمان؛ لأن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة، فينوب عنه، لوجود المستحق بالعقد وهو القبض، وزيادة ضمان.
ج - وإذا كان الموهوب في يد الموهوب له مضموناً بغيره، كالمرهون المضمون بالدين، والمبيع المضمون بالثمن، فوهبه مالكه لصاحب اليد: فإنه لا يصير قابضاً بذلك عند الكرخي ما لم يجدد القبض؛ لأن قبض الرهن أو البيع، وإن كان قبض ضمان، لكنه ضمان لا تصح البراءة منه، فلا يحتمل الإبراء بالهبة، ليصير قبض أمانة، وبالتالي يتماثل القبضان، وحينئذ على سوم الشراء؛ لأن ذلك الضمان مما تصح البراءة عنه، فيبرأ عنه بالهبة؛ ويبقى قبضاً بغير ضمان، فتماثل القبضان فيتناوبان.
стр. 3894
وفي الجامع الصغير والبدائع، وهو الأرجح: يصير الموهوب له في المضمون بغيره قابضاً؛ لأن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة، والأقوى ينوب عن الأدنى.
المبحث الرابع - حكم الهبة:
أصل حكم الهبة: هو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض.
صفة حكم الهبة: قال الحنفية: حكم الهبة ثبوت الملك للموهوب له غير لازم، فيصح الرجوع والفسخ، لقوله ﵇: «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها» (١) أي يعوض، فإنه ﵇ جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض، وهذا نص في المراد، فيصح الرجوع ما لم يحصل تعويض، وإن تم القبض، وهناك موانع أخرى من الرجوع ستذكر. ولكن يكره الرجوع؛ لأنه من باب الدناءة، وللموهوب له أن يمتنع عن الرد. ولا يصح الرجوع إلا بتراض أو بقضاء القاضي؛ لأن الرجوع فسخ بعد تمام العقد، فصار كالفسخ بسبب العيب بعد القبض (٢)، فالرجوع في الهبة بالتراضي يعد من الإقالة.
وقال المالكية: يثبت الملك في الهبة بمجرد العقد ويصبح لازماً بالقبض، فلا
стр. 3895
يحل الرجوع بعدئذ، أما قبل القبض أو بعده فيصح للواهب الأب فقط أن يرجع فيما وهبه لابنه، ما لم يترتب عليه حق الغير كأن يتزوج مثلاً، أو يستحدث ديناً. والرجوع في الهبة يعرف عندهم بالاعتصار في الهبة (١).
والاعتصار أو الرجوع في الهبة جائز عند المالكية فيما يهبه الوالد لولده صغيراً أو كبيراً بشروط خمسة: وهي ألا يتزوج الولد بعد الهبة، ولا يحدث ديناً لأجل، وألا يتغير الموهوب عن حاله، وألا يحدث الموهوب له في الموهوب حدثاً، وألا يمرض الواهب أو الموهوب له. فإن وقع شيء من ذلك يمتنع الرجوع، هذا في هبة التردد والمحبة. أما الهبة لوجه الله تعالى وهي التي تسمى صدقة فلا رجوع فيهاأصلاً ولا اعتصار، ولا ينبغي للواهب أن يرتجعها بشراء ولا غيره، وإن كانت شجراً فلا يأكل من ثمرها، وإن كانت دابة فلا يركبها إلا أن ترجع إليه بالميراث، وأما هبة الثواب على أن يكافئه الموهوب له فهي جائزة عند المالكية، والموهوب له مخير بين قبولها أو ردها، فإن قبلها فيجب أن يكافئه بقيمة الموهوب، ولا يلزمه الزيادة عليها، ولا يلزم الواهب قبول ما دونه.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يحل للواهب أن يرجع في هبته، إلا الوالد فيما أعطى ولده، لقوله ﵊: «العائد في هبته كالعائد في قيئه»، «ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه» (٢) وقال ﷺ : «ليس
стр. 3896
لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد، فيما يعطي ولده» (١)، وكالوالد: سائر الأصول عند الشافعية (٢).
والخلاصة: إن حكم الهبة غير لازم عند الحنفية، ولازم عند الجمهور إلا هبة الوالد لولده، فيصح له الرجوع قبل القبض عند المالكية، وبعد القبض أيضاً عند الشافعية والحنابلة. ويثبت ذلك الحق عند الشافعية في هبة الأصل (الوالد والجد) للفرع مطلقاً.
المبحث الخامس - موانع الرجوع في الهبة عند الحنفية:
نظم بعضهم هذه الموانع وهي سبعة، فقال:
ومانع من الرجوع في الهبة يا صاحبي حروف (دمع خزقة)
الدال رمز للزيادة المتصلة في نفس العين، والميم للموت، والعين للعوض، والخاء لخروج الموهوب عن ملك الموهوب له، والزاي للزوجية، والقاف للقرابة، والهاء للهلاك.
وتفصيل ذلك يعرف مما يأتي:
стр. 3897
أولاً - العوض المالي: إذا عوض الموهوب له الواهب من هبته عوضاً، وقبضه الواهب، امتنع على الواهب الرجوع في هبته، لقوله ﵊: «الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها» أي يعوض وذلك هو هبة الثواب أي العوض، ولأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض، فإذا عوض امتنع الرجوع، لكن يشترط في المعوض أن يقول شيئاً من الألفاظ يؤذن بالعوض، أما إذا سكت ولم يقل شيئاً، جاز الرجوع فيما أعطى.
والعوض نوعان: عوض مشروط في العقد، وعوض متأخر عن العقد (١).
أـ العوض المشروط في العقد (أو الهبة بشرط العوض أو هبة الثواب):
إذا قال الواهب: «وهبت لك هذا القلم على أن تعوضني هذا الثوب» فقد اتفق الأئمة الأربعة على صحة هذا الشرط، والعقد الذي اشتمل عليه، واختلفوا في تكييف العقد المذكور.
فقال الحنفية ما عدا زفر: يعتبر هذا العقد هبة ابتداء، بيعاً انتهاءً، فتطبق عليه أحكام الهبة قبل القبض، فلا تجوز هبة المشاع ويشترط القبض، ويجوز الرجوع في السلعتين، ما لم يتقابضا. وأما بعد التقابض فيعد العقد بمنزلة البيع، بحيث يرد البدلان بالعيب وعدم الرؤية، ويرجع في الاستحقاق، وتجب الشفعة في العقار.
وقال زفر: هو عقد بيع ابتداءً وانتهاءً، وتثبت فيه أحكام البيع، فلا يفسد بالشيوع، ويفيد الملك بنفسه، بدون اشتراط القبض؛ لأن معنى البيع موجود في هذا العقد، إذ البيع تمليك العين بعوض.
стр. 3898
واعتمد جمهور الحنفية على أنه وجد في هذا العقد لفظ الهبة، ومعنى البيع، فيعطى شبه العقدين (١).
وقال المالكية: يعتبر هذا العقد كالبيع في غالب الأحوال، ويخالفه في الأقل منها؛ لأن هبة الثواب تجوز مع جهل عوضها، وجهل أجله، وليس للواهب رد الثواب المعيب، وإنما يلزم بقبوله، ما لم يكن العيب فادحاً كجذام وبرص، وإلا فلا يلزم الواهب قبوله، ولو كمل له القيمة (٢).
وقال الشافعية والحنابلة: يعتبر العقد بيعاً على الصحيح، فيلتزم الموهوب له بدفع العوض المشروط، وتطبق عليه أحكام البيع من الشفعة والخيار وضمان الدرَك أي ما يدرك المبيع من استحقاق، ونحو ذلك (٣). والسب هو أن اشتراط العوض صراحة يبطل الهبة، لأنه شرط مخالف لمقتضى العقد.
ب - العوض المتأخر عن العقد:
العوض المتأخر عن العقد إما أن يضاف إلى الهبة الأولى مثل: هذا عوض عن هبتك، أو بدل عنها أو مكانها، وإما ألا يضاف إليها.
فإذا لم يضف العوض إلى الهبة الأولى، تكون الهبة الثانية هبة مبتدأة، ويثبت حق الرجوع في الهبتين.
وأما إذا أضيف العوض إلى الهبة الأولى، فيكون التعويض المتأخر عن الهبة
стр. 3899
الأولى هبة مبتدأة بلا خلاف، تصح بما تصح به الهبة، وتبطل بما تبطل به الهبة، ولكن يخالف الهبة المبتدأة في إسقاط الرجوع في الهبة الأولى، فكان فيه معنى العوض (١).
ولكن هل الهبة المطلقة عن شرط التعويض عنها تقتضي الإثابة والتعويض؟
اختلف العلماء: فقال الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأرجح عندهم: لاتقتضي ثواباً، سواء أكانت من الإنسان لمثله، أم دونه، أم أعلى منه، فلا يلزم الموهوب له بالإثابة والتعويض للواهب (٢).
وقال المالكية: الهبة تقتضي الثواب وتحمل على إرادة التعويض إذا اختلف الواهب والموهوب له في ذلك، وخصوصاً: إذا دلت قرينة الحال على قصد الثواب. مثل: أن يهب الفقير الغني، أو لمن يرى أنه إنما قصد بذلك الثواب. ودليلهم قول عمر ﵁: ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها، إذا لم يرض منها (٣).
ثانياً - العوض من حيث المعنى: وهو ليس بعوض مالي، وهو ثلاثة أنواع (٤).
الأول - الثواب من الله تعالى: فلا رجوع في الهبة من الفقير بعد قبضها؛ لأن الهبة إلى الفقير صدقة، ويطلب بها الثواب، ولا رجوع في الصدقة.
стр. 3900
الثاني - صلة الرحم: فلا يصح الرجوع في هبة ذوي الأرحام المحارم؛ لأن هذه الصلة عوض معنوي؛ لأن التواصل سبب التناصر والتعاون في الدنيا، فيكون وسيلة إلى استيفاء النصرة، وسبب الثواب في الدار الآخرة، فكان ذلك أقوى من المال.
الثالث - صلة الزوجية: فلا يصح الرجوع في هبة الزوجين؛ لأن هذه الصلة تجري مجرى صلة القرابة الكاملة، بدليل أنه يتعلق بها التوارث في جميع الأحوال.
ثالثاً - الزيادة المتصلة في الموهوب بفعل الموهوب له أو بفعل غيره: هذه الزيادة تمنع الرجوع، سواء أكانت متولدة أم غير متولدة، كأن يكون الموهوب داراً، فبنى الموهوب له فيها بناء، أو كان أرضاً فغرس فيها أشجاراً، أو أقام مضخة ماء وثبّتها في الأرض وبنى عليها، أو كان الموهوب ثوباً فصبغه بصباغ زادت به قيمته، أو قطعه قميصاً وخاطه، أو طرأ سمن وجمال، فلا يصح الرجوع؛ لأن الموهوب اختلط بغيره، والرجوع لا يمكن في غير الموهوب، لأنه ليس بموهوب، وبما أنه لا يمكن الرجوع في الأصل بدون الزيادة، فامتنع الرجوع أصلاً.
وأما الزيادة المنفصلة: فلا تمنع من الرجوع، سواء أكانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمر، أم غير متولدة كالأرش (١) والكسب والغلة؛ لأن هذه الزوائد لم يرد عليها العقد، فلا يرد عليها الفسخ، وإنما ورد على الأصل، ويمكن فسخ العقد في الأصل دون الزيادة، بخلاف المتصلة، وبخلاف زوائد المبيع، فإنها تمنع الرد بالعيب، حتى لا يحصل هناك ربا؛ لأنه يترتب على فسخ البيع وردِّ
стр. 3901
الأصل أن يبقى الولد مثلاً عند المشتري بدون مقابل، وهذا هو معنى الربا، ومعنى الربا لا يتصور في الهبة؛ لأن الربا يختص بالمعاوضات.
وأما نقصان الموهوب فلا يمنع من الرجوع في الهبة، لأنه ما دام له الحق في الرجوع في كل الموهوب، فيكون له الرجوع في بعض الموهوب مع بقائه، فكذا عند نقصانه. ولا يضمن الموهوب له النقصان؛ لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون (١).
رابعاً - خروج الموهوب عن ملك الموهوب له: بأي سبب كان، كالبيع أو الهبة ونحوهما؛ لأن الملك يختلف بهذه التصرفات، واختلاف الملكين كاختلاف العينين، فلو وهب عيناً لم يكن له أن يرجع في عين أخرى، فكذا إذا أوجب ملكاً لم يكن له أن يفسخ ملكاً آخر (٢).
خامساً - موت أحد العاقدين: إذا مات الموهوب له امتنع الرجوع؛ لأن الملك انتقل إلى ورثته، فصار كما إذا انتقل في حياته. وكذا إذا مات الواهب؛ لأن الملك ينتقل إلى وارثه، وهو أجنبي، لم تحدث منه الهبة (٣).
سادساً - هلاك الموهوب أو استهلاكه: لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك، ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته؛ لأنها ليست بموهوبة، لعدم ورود العقد عليها، وقبض الهبة غير مضمون (٤).
стр. 3902
ماهية الرجوع: لا خلاف في أن الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ. واختلف العلماء في الرجوع فيها بالتراضي، فقال جمهور الحنفية: إنه فسخ أيضاً كالرجوع بالقضاء، فيجوز بالمشاع، ولا يشترط لصحته القبض.
وقال زفر: إنه هبة مبتدأة؛ لأن ملك الموهوب عاد إلى الواهب بتراضيهما، فصار يشبه الرد بالعيب، فيعتبر عقداً جديداً بالنسبة لشخص ثالث غير المتعاقدين.
واستدل جمهور الحنفية بأن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه، واستيفاء الحق لا يتوقف على قضاء القاضي، بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي: إنه يعتبر بيعاً جديداً في حق شخص ثالث (أي غير المتعاقدين)، لأنه لا حق للمشتري في الفسخ، وإنما حقه في كون المبيع سالماً من العيوب، فإذا لم يسلم اختل رضاه (١).
المبحث السادس - عطية الأولاد:
لا خلاف بين جمهور العلماء في استحباب التسوية في العطاء بين الأولاد، وكراهة التفضيل بينهم في حال الصحة كما تقدم، واختلفوا في بيان المراد من التسوية المستحبة.
فقال أبو يوسف من الحنفية، والمالكية والشافعية وهو رأي الجمهور: يستحب للأب أن يسوي بين الأولاد - الذكور والإناث - في العطية، فتعطى الأنثى مثلما يعطى الذكر؛ لقوله ﷺ : «سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً
стр. 3903
لآثرت النساء على الرجال» (١) رواه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي بإسناد حسن، وفي رواية للبخاري: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (٢)، ولأن العدل في القسمة والمعاملة مطلوب (٣)، وقدحملوا الأمر في هذه الأحاديث على الندب.
وقال الحنابلة، ومحمد من الحنفية: للأب أن يقسم بين أولاده على حسب قسمة الله تعالى في الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الله تعالى قسم بينهم كذلك، وأولى ما اقتدى به: هو قسمة الله، ولأن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كحالة الموت، والميراث المترتب عليه. يدل لهذا أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت، فينبغي أن تكون على حسبه (٤).
أما عن حكم التسوية في العطية: فقال جمهور العلماء (٥): لا تجب التسوية بل تندب، فإن فضل بعض الورثة صح وكره، وحملوا الأمر بالتسوية في الأحاديث على الندب؛ لأن الإنسان حر التصرف بماله، لوارث وغيره، وكذلك حملوا النهي الثابت في رواية لمسلم بلفظ «أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن» على التنزيه، فالعدل: هو التسوية بين الأولاد.
стр. 3904
وقال جماعة (وهم أحمد والثوري وطاووس وإسحاق وآخرون): تجب التسوية بين الأولاد في العطية أو الهبة، وتبطل العطية مع عدم المساواة، عملاً بظاهر الأمر في الأحاديث، الذي يقتضي الوجوب مثل قوله ﵇: «اتقوا الله» وقوله: «اعدلوا بين أولادكم» (١) وقوله: «فلا إذن» وقوله في حالة إعطاء بعض دون بعض: «لا أشهد على جور».
واختلف هؤلاء في كيفية التسوية، فقيل بأن تكون عطية الذكر والأنثى سواء وهو ظاهر رواية عند النسائي: «ألا سويت بينهم» وعند ابن حبان: «سووا بينهم» وحديث ابن عباس: «سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء».
وقال الحنابلة: بل التسوية أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب التوريث.
وروي عن أحمد: أنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته المرضية أو لعمى، أو لقضاء دينه، أو كثرة عائلته، أو للاشتغال بالعلم، أو نحو ذلك دون الباقين (٢).
стр. 3905
العطية للوالدين: تسن التسوية أيضاً في العطية للوالدين، ويجوز تفضيل الأم أحياناً وتخصيصها بمزيد من العطاء والإكرام؛ لما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك».
العطية للإخوة والأخوات: يستحب كذلك التسوية بين الإخوة والأخوات في العطاء والهبات والهدايا في المناسبات وغيرها، إذا كانوا بدرجة واحدة من الحاجة، ويجوز تخصيص الأكبر بشيء، لقوله ﷺ : «حقُّ كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده» وفي رواية «الأكبر من الإخوة بمنزلة الأب» (١).
стр. 3906
الفَصْلُ السّابع: الإِيدَاع
خطة الموضوع:
الكلام عن عقد الإيداع في المباحث الستة الآتية:
المبحث الأول - تعريف الإيداع ومشروعيته.
المبحث الثاني - ركن الإيداع وشرائطه.
المبحث الثالث - حكم عقد الإيداع، وطريقة حفظ الوديعة.
المبحث الرابع - حال الوديعة: هل يد الوديع يد أمانة أو يد ضمان؟.
المبحث الخامس - حالات ضمان الوديعة.
المبحث السادس - انتهاء الإيداع.
المبحث الأول - تعريف الإيداع ومشروعيته:
الودع في اللغة: الترك، والوديعة لغة: الشيءالموضوع عند غير صاحبه للحفظ. وشرعاً: تطلق على الإيداع، وعلى العين المودعة، والراجح أنها عقد إلا أن الأصح أن يقال: الإيداع عقد، لا الوديعةعقد؛ لأن الأرجح أنها عقد. وتعريف الإيداع عند جماعة من شراح الحنفية: هو تسليط الغير على حفظ ماله
стр. 3907
صريحاً أو دلالة (١) مثل قول المودع لغيره: أودعتك (٢)، فيقبل الآخر ويتم الإيداع صراحة عندئذ، أو دلالة كأن يجيء رجل بثوب إلى رجل ويضعه بين يديه، ويقول: هذا وديعة عندك، ويسكت الآخر، فيصير مودعاً دلالة.
وعرفه الشافعية والمالكية بقولهم: توكيل في حفظ مملوك، أو محترم مختص، على وجه مخصوص (٣)، فيصح إيداع الخمر المحترمة (٤)، وجلد ميتة يطهر بالدباغ، وزبل وكلب معلم للصيد. أما غير المختص كالكلب الذي لا يقتنى، والثوب الذي طيرته الريح ونحوه، فهذا لا اختصاص فيه؛ لأنه مال ضائع مغاير لحكم الوديعة.
ويقال لدافع الوديعة: مودع - بكسر الدال - ولآخذها: مودع - بفتح الدال - ووديع.
والإيداع مشروع ومندوب إليه لقوله سبحانه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء:٥٨/ ٤] وقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] وقال ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (٥)،
стр. 3908
وأجمع العلماء في كل عصر من العصور الإسلامية على جواز الإيداع والاستيداع، لأن بالناس حاجة، بل ضرورة إلى الإيداع (١).
المبحث الثاني - ركن الإيداع وشرائطه:
ركن الإيداع عند الحنفية هو الإيجاب والقبول. وهو أن يقول لغيره: أودعتك هذا، أو احفظ هذا الشيء لي، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك، ونحو ذلك ويقبله الآخر (٢).
وأركانه عند الجمهور أربعة (٣): عاقدان (مودع ووديع)، ووديعة (الشيء المودع) وصيغة (إيجاب وقبول) والقبول إما أن يكون لفظاً مثل: قبلت، أو دلالة كمن يضع ماله عند شخص فيسكت، فيكون السكوت قائماً مقام القبول كالمعاطاة في البيع.
شرائط الركن:
يشترط عند الحنفية في العاقدين: العقل، فلا يصح الإيداع من الصبي الذي لا يعقل، والمجنون، كما لا يصح قبول الوديعة من المجنون والصبي الذي لا يعقل، ولا يشترط البلوغ، فيصح الإيداع من الصبي المأذون في التجارة؛ لأن ذلك
стр. 3909
مما يحتاج إليه التاجر، كما يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون؛ لأنه من أهل الحفظ. وأما الصبي المحجور عليه فلا يصح قبول الوديعة منه؛ لأنه لا يحفظ المال عادة (١).
ويشترط عند الجمهور في الإيداع ما يشترط في الوكالة من البلوغ والعقل والرشد.
و يشترط في الوديعة: أن يكون المال قابلاً لإثبات اليد عليه، فلو أودع الآبق أو الطير في الهواء أو المال الساقط في البحر: لم يضمن (٢).
المبحث الثالث - حكم عقد الإيداع وطريق حفظ الوديعة:
حكم عقد الإيداع: لزوم الحفظ للمالك؛ لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ وائتمان، ومن جانب الوديع التزام بالحفظ، فيلزمه الحفظ، لقوله ﵇: «المسلمون على شروطهم» (٣).
إيداع رجلين من رجل: لو أودع رجلان عند رجل وديعة، وغابا ثم حضر أحدهما وطلب نصيبه، فليس له أن يدفع إليه حصته، حتى يحضر الآخر، وقال
стр. 3910
الصاحبان: للوديع أن يقسم الوديعة، ويدفع إلى أحد المودعين نصيبه، ولا يكون ذلك قسمة على الغائب، حتى إنه لو هلك النصف الباقي في يد الوديع، كان للغائب أن يشارك القابض فيما قبض.
دليلهما: أن أحد المودعين طالب الوديع بدفع نصيبه، فيؤمر بالدفع إليه كما في الدين المشترك.
واستدل لأبي حنيفة: بأنه لا نسلم أن أحد المودعين طالب بتسليم نصيبه، بل بدفع نصيب الغائب؛ لأنه يطالب بالنصيب المفرز، وحقه ليس فيه، وإنما في المشاع، وهو كل الوديعة، والمفرز المعين منها يشتمل على الحقين، ولا يتميز حقه إلا بالقسمة، وليس للوديع ولاية القسمة؛ لأنه ليس بوكيل في ذلك، بخلاف الدين المشترك؛ لأن الشريك يطالب المديون بتسليم حقه أي بقضاء حقه، وحقه من حيث القضاء ليس بمشترك بين الدائنين؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، والمثل مال المديون ليس بمشترك بين الدائنين، فلا يكون هذا تصرفاً في حق الغير، بل يكون المدين متصرفاً في مال نفسه، فيجوز (١).
إيداع رجل من رجلين: لو أودع رجل عند رجلين وديعة مما يقسم، فلهما أن يقسماه، ويأخذ كل واحد نصفه للحفظ؛ لأن المالك رضي بحفظهما، ولم يرض بحفظ أحدهما لكل الوديعة.
ولو دفع أحدهما الوديعة كلها إلى صاحبه، ضمن النصف عند أبي حنيفة؛ لأنه رضي بحفظهما، لا بحفظ أحدهما؛ لأن الأصل أن فعل الاثنين إذا أضيف إلى ما يقبل التجزئة، تناول البعض، فإذا سلم أحدهما الكل إلى الآخر، ولم يرض المالك به، ضمن.
стр. 3911
وقال الصاحبان: لايضمن؛ لأنه رضي بأمانتهما، فكان لكل واحد منهما أن يسلم إلى الآخر، ولا يضمنه، كما هو الشأن فيما لا يقسم.
واتفقوا على أن الوديعة إذا كانت لا تقسم، لا تضمن؛ لأنه لا يمكن حفظها إلا في مكان واحد، فكان المالك راضياً بحفظ أحدهما لعلمه أنهما لا يجتمعان عليه أبداً (١).
طريقة حفظ الوديعة: اختلف العلماء في طريقة حفظ الوديعة، فقال الحنفية والحنابلة: على الوديع أن يحفظ الوديعة، كما يحفظ به ماله في حرز مثله، وذلك بيده أو بيد من هو في عياله (٢) ممن تلزمه نفقته، كامرأته وولده وغلامه وخادمه؛ لأن حفظها بهؤلاء مثلما يحفظ به ماله، فأشبه ما لو حفظها بنفسه.
وله عند الحنفية أن يحفظ الوديعة أيضاً بيد من ليس في عياله، ممن يحفظ عنده ماله بنفسه عادة كشريكه المفاوض والعنان، لا المستأجر مياومة (٣). فإن حفظ الوديع الوديعة عند غير هؤلاء فتلفت، ضمنها؛ لأن المالك رضي بيده لا بيد غيره والأيدي تختلف في الأمانة إلا أن يقع في دار الوديع حريق، فيسلمها إلى جاره أو يكون الوديع في سفينة وهاجت الريح وصار بحيث يخاف الغرق، فيلقيها إلى سفينة أخرى، فله ذلك لأنه إجراء تعين طريقاً للحفظ في هذه الحالة، فيرتضيها المالك. ولا يصدق الوديع على ذلك إلا ببينة؛ لأنه يدعي ضرورة مسقطة للضمان بعد تحقق سبب الضمان.
стр. 3912
وقال المالكية: للوديع حفظها عند عياله الذين يأمنهم كالزوجة والابن والأجير الذين اعتيد حفظ ماله عندهم بأن طالت إقامتهم عنده، ووثق بهم بالتجربة، بخلاف ما لم يعتادوا ذلك كالزوجة إثر تزوجه بها، والأجير إثر استئجاره (١).
وقال الشافعية: على الوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه، ولا يجوز حفظها عند زوجته أو ولده بلا إذن من المودع، أو إذا لم يكن هناك عذر بذلك؛ لأن المودع لم يرض بأمانة غير هذا الوديع لا بيد غيره. فإن خالف الوديع طريق الحفظ ضمن، إلا إذا كان الإيداع لعذر كمرض أو سفر، فإنه لا يضمن (٢).
المبحث الرابع - حال الوديعة: هل هي أمانة أو مضمونة؟
اتفق علماء المذاهب على أن الوديعة قربة مندوب إليها، وأن في حفظها ثواباً، وأنها أمانة محضة، لا مضمونة، وأن الضمان لا يجب على الوديع إلا بالتعدي أو التقصير، لقوله ﵊: «ليس على المستودع غير المغل ضمان» (٣) وقوله «لا ضمان على مؤتمن» (٤) واشتراط الضمان على الأمين باطل، وهو المفتى به عند الحنفية.
стр. 3913
ويترتب عليه أنه يجب ردها عند طلب المالك مع الإمكان، لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء:٥٨/ ٤].
ولكل واحد من العاقدين فسخ الإيداع متى شاء دون إذن العاقد الآخر؛ لأن عقد الإيداع جائز غير لازم، فللمودع استرداد الوديعة متى شاء، وللوديع ردها على المودع أيضاً متى شاء.
فإذا طالب المالك الوديع بها، فقال: (ما أودعتني شيئاً) ثم قال بعدئذ: ضاعت، فيضمن، لخروجه عن حد الأمانة، وإذا قال: ما تستحق عندي شيئاً، ثم قال: ضاعت، كان القول قوله بيمينه. ويترتب عليه أنه يجب أداء الوديعة إلى المالك نفسه؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، فلو ردها إلى منزل المالك، من غير حضرته، أو دفعها إلى من هو في عيال المالك يضمن؛ لأنه لم يرض بيد عياله حيث أودع عند غيرهم. بخلاف العارية والإجارة: لو رد المستعار أو العين المؤجرة إلى بيت المالك أو إلى من في عياله: لا يضمن، لعادة الناس الجارية في رد المستعار ونحوه، حتى لو كانت العارية شيئاً نفيساً كعقد جوهر ونحوه، يضمن، لعدم جريان العادة به.
ويترتب عليه أيضاً أن القول قول الوديع في التلف والرد على الإطلاق مع يمينه على التفصيل الآتي (١):
تعارض الادعاءات والبينات:
إذا اختلف المودع مع الوديع، فقال الوديع: هلكت الوديعة عندي أو (رددتها
стр. 3914
إليك) وأنكر المودع، وقال: (لا، بل أتلفتها) فالقول قول الوديع، لأنه أمين في الحفظ، ولكن مع اليمين، كما تقدم.
فإن أقام المودع البينة على الإتلاف: يضمن الوديع، وكذا إذا استحلف الوديع على الإتلاف، فنكل. فلو أقام المودع البينة على أن الوديع أتلفها، وأقام الوديع البينة على أنها هلكت بنفسها، فبينة المودع أولى؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ لأن فيها إثبات الهلاك وزيادة عليه وهو التعدي. فإذا أقام الوديع البينة على إقرار المودع أنها هلكت، تقبل بينته، ويكون هذا الإثبات تكذيباً لبينة المودع.
المبحث الخامس - حالات ضمان الوديعة:
يتغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان بحالات، هي (١):
١ - ترك الوديع الحفظ: لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت، يضمن بدلها بطريق الكفالة، فلو رأى إنساناً يسرق الوديعة، وهو قادر على منعه ضمن، لترك الحفظ الملتزم بالعقد.
٢ - إيداع الوديع عند من ليس في عياله، ولا هو ممن يحفظ ماله بيده عادة:
إذا أخرج الوديع الوديعة من يده، وأودعها عند غيره بغير عذر، يصير ضامناً؛ لأن المودع ارتضى بحفظ الوديع الأول، دون حفظ غيره إلا إذا كان هناك عذر فلا يضمن، كأن وقع في داره حريق، أو كان في سفينة فخاف الغرق، فدفعها
стр. 3915
إلى غيره؛ لأن الدفع إليه في هذه الحالة تعين
طريقاً للحفظ، فكان الدفع بإذن المالك دلالة (١).
وإذا أودعها عند شخص آخر بغير عذر، فهلكت أو ضاعت وهي في يد الثاني، فالضمان على الأول، لا على المودع الثاني عند أبي حنيفة والحنابلة (٢)؛ لأن الثاني محسن إلى المالك بصيانة الوديعة عن أسباب الهلاك، والله سبحانه يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ [التوبة:٩١/ ٩] وأما المودع الأول فهو مخصوص من النص.
وقال الصاحبان: المالك بالخيار، إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الأول، لا يرجع بالضمان على الثاني؛ لأنه ملك الوديعة بأداء الضمان، وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول؛ لأن الأول غره بالإيداع، فيلزمه ضمان الغرور. وسبب التخيير هو أنه وجد من كل منهما سبب لوجوب الضمان فيخير المالك. أما الأول: فلأنه دفع مال الغير إلى غيره بغير إذنه، وأما الثاني: فلأنه قبض مال الغير بغير إذنه.
وأما إذا استهلك المودع الثاني الوديعة، فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن وإن شاء ضمن الثاني بالاتفاق، غير أنه إن ضمن الأول يرجع بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني لا يرجع بالضمان على الأول؛ لأن سبب وجوب الضمان وجد من الثاني حقيقة وهو الاستهلاك، ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني على طريق الاستحفاظ (٣).
стр. 3916
والقاعدة عند جمهور الحنفية: أن الوديعة إذا صارت مضمونة، ثم أزيل سبب الضمان، كأن يسترد الوديع الأول من المودع الثاني الوديعة، ويحفظها بنفسه أو نحو ذلك مما سيأتي، فإنه يبرأ عن الضمان؛ لأنه في عودته لحالته الأولى يعتبر وديعاً، والوديع إذا هلكت الوديعة بدون سبب منه لا ضمان عليه (١). هذا بخلاف المستأجر والمستعير، إذا خالفا، ثم تركا الخلاف بقي الضمان.
والقاعدة عند زفر والشافعي وبقية الأئمة: أن الوديعة متى صارت مضمونة بانتفاع وغيره مما سيأتي، ثم ترك الوديع الخيانة، لم يبرأ من الضمان؛ لأن الوديعة لما صارت مضمونة، فقد ارتفع العقد، لتغيرطبيعته، فلا يعود إلا بالتجديد، ولم يوجد، فصار كما لو جحد الوديعة، ثم أقر بها (٢).
٣ - استعمال الوديعة: إذا انتفع الوديع بالوديعة كركوب الدابة ولبس الثوب، فإنه يصير ضامناً، فإن ترك الاستعمال، فقال جمهور الحنفية كما عرفنا من قاعدتهم: لا ضمان عليه؛ لأنه ممسك لها بإذن مالكها، فأشبه ما قبل الاستعمال (٣).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا تلفت الوديعة بعد استعمالها يضمنها، ولو كان التلف بسبب سماوي؛ لأنه بالتعدي في الاستعمال قد ارتفع حكم الوديعة وبطل الاستئمان، فصار كما لو جحد الوديعة ثم أقر بها، فلا يبرأ من الضمان إلا بالرد على المالك، كما تقرر (٤).
стр. 3917
٤ - السفر بالوديعة: قال أبو حنيفة: للوديع أن يسافر بالوديعة إذا كان الطريق آمناً، ولم ينهه صاحب الوديعة، بأن كان العقد مطلقاً؛ لأن الأمر بحفظ الوديعة صدر مطلقاً عن تعيين المكان، فلا يجوز التعيين إلا بدليل، وعلى هذا فلو سافر فتلفت الوديعة لا يضمن.
وقال الصاحبان: إن كان للوديعة حمل ومؤنة، لا يملك المسافرة بها؛ لأن في المسافرة بما له حمل ومؤنة ضرراً بالمالك، لجواز أن يموت الوديع في السفر، فيحتاج المالك إلى الاسترداد من موضع
يكلفه حِمْلاً ومؤنة عظيمة، فيتضرر به، بخلاف ما إذا لم يكن لها حمل ومؤنة (١).
وقال المالكية: ليس للوديع أن يسافر بالوديعة، إلا أن تعطى له في سفر، فإذا أراد السفر، فله إيداعها عند ثقة مؤتمن من أهل البلد، ولا ضمان عليه، سواء قدر على دفعها إلى الحاكم، أو لم يقدر (٢).
وقال الشافعية والحنابلة: ليس للوديع المسافرة بالوديعة، فإن أراد السفر ردها إلى صاحبها أو وكيله إن قدر على الرد، فإن لم يقدر، كأن لم يجد صاحبها سلمها إلى الحاكم؛ لأنه متبرع بإمساكها، فلا يلزمه استدامته، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته، فإن سافر بها ضمن؛ لأنه عرضها للضياع، والحرز في السفر دون حرز الحضر، سواء أكان الطريق آمناً أم مخوفاً (٣)، وقال ﵊ «إن المسافر وماله لعلى قَلَت إلا ما وقى الله» أي على خطر الهلاك (٤).
стр. 3918
٥ - جحود الوديعة: إذا طلب المودع الوديعة فجحدها الوديع، أو حبسها عنه وهو يقدر على تسليمها ضمن؛ لأنه لما طالبه بالرد، فقد عزله عن الحفظ، فيكون بعدئذ بالإمساك غاصباً مانعاً، فيضمنها إذا أقام المودع البينة على الإيداع أو لكل الوديع عن اليمين أو أقر به. فإن جحد ثم عاد إلى الاعتراف لم يبرأ عن الضمان لارتفاع العقد.
ولو جحد الوديعة ثم أقام الوديع البينة على هلاكها فثلاثة أوجه: إن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود أو مطلقاً لا ينتفع ببينته؛ لأن العقد ارتفع بالجحود، أو عنده، فيضمن. وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته، ولا ضمان عليه؛ لأن الهلاك قبل الجحود يؤدي إلى انتهاء العقد.
ولو ادعى الهلاك قبل الجحود، ولا بينة له، وطلب اليمين من المودع حلفه القاضي (بالله تعالى ما يعلم أنها هلكت قبل جحوده) فإن حلف، يقضى بالضمان، وإن نكل، يقضى بالبراءة (١).
٦ - خلط الوديعة بغيرها: إذا خلط الوديع الوديعة بمال نفسه فإن كان يمكن التمييز بينهما، لاشيء عليه ويميز. وإن كان لايمكن التمييز، يضمن المثل عند أبي حنيفة؛ لأن الخلط إتلاف للوديعة من حيث المعنى.
стр. 3919
وكذلك إذا كانت وديعتان كدراهم مثلاً، فخلط إحداهما بالأخرى، يضمن مثلها لكل منهما عنده.
وكذا في سائر المكيلات والموزونات إذا خلط الجنس بالجنس خلطاً لا يتميز، كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، أو بغير جنسه كخلط الحنطة بالشعير، يضمن عند أبي حنيفة لكل واحد مثل حقه، دليله: أنه لما خلطهما خلطاً لا يتميز، فقد عجز كل منهما عن الانتفاع بالمخلوط، فكان الخلط منه إتلافاً للوديعة لكل واحد منهما فيضمن.
وقال الصاحبان في كل ما سبق: المالك بالخيار إن شاء ضمن الوديع مثل حقه، وإن شاء أخذ نصف المخلوط أو باعه المالكان وقبضا الثمن، دليلهما: أن الوديعة قائمة بعينها، لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض الخلط (١).
ولو مات الوديع ولم يبين الوديعة، فإن كانت معروفة وهي قائمة، ترد إلى صاحبها؛ لأن هذا عين ماله و «من وجد عين ماله، فهو أحق به» على لسان الرسول ﷺ (٢)، وإن لم تعرف بعينها، يضمن، وتكون ديناً في تركته لأنه لما مات مجهلاً الوديعة فقد أتلفها معنى. وعلى هذا فالأمانات تصبح مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاثة أحوال:
١ - إذا مات ناظر الوقف مجهلاً غلات الوقف.
стр. 3920
٢ - إذا مات القاضي مجهلاً أموال اليتامى عند من أودعها أو عنده.
٣ - إذا مات الحاكم ولم يبين عند من أودع بعض الغنائم الحربية، ونحو ذلك (١).
والأئمة الآخرون قالوا مثل قول أبي حنيفة: إذا تعذر التمييز بين الوديعة وغيرها أو تعسر كخلط الدراهم بالدراهم، والدهن بالدهن، والزيت بالزيت، والسمن بغيره، سواء خلطها بمثلها، أو دونها أو أجود منها، من جنسها، أو من غير جنسها، فيضمنها الوديع؛ لأن المودع لم يرض بذلك. إلا أن المالكية قالوا: إذا كان الخلط بالمثل كخلط الحنطة بمثلها، والدنانير بمثلها، فلا يضمن الوديع، إذا كان الخلط بقصد الإحراز والحفظ والرفق، وإلا ضمن.
وأما إذا لم يتعذر التمييز بين الوديعة وغيرها، كخلط الدراهم بالدنانير أو الجيد بالرديء، فإن الوديع لا يضمن شيئاً، إلا إذا حدث بالخلط نقص في القيمة، فيضمن عند الشافعية والحنابلة (٢).
٧ - مخالفة شرط المودع في حفظ الوديعة: إذا شرط المودع على الوديع حفظ الوديعة في مكان معين كدار أو بيت أو صندوق، فنقلها إلى مكان آخر بدون عذر، فقال الحنفية وغيرهم من الأئمة:
إذا نقلها إلى حرز دون الحرز السابق في الحفظ يضمن، وإن نقلها إلى مكان مماثل للحرز السابق، أو أحرز منه، فلا يضمن.
أما إذا أمره بحفظ الوديعة في مكان، ونهاه عن حفظها في مكان آخر، كأن قال له: احفظها في هذه الدار، ولا تحفظها في دار أخرى.
стр. 3921
فقال الحنفية والمالكية والشافعية: إذا نقلها إلى الدار الأخرى، وكانت مماثلة للدار الأولى في الحرز، أو أحرز منها، فلا يضمن؛ لأن التقييد غير مفيد (١)، فإن نقلها من بلد إلى بلد ضمنها عند المالكية.
وقال الحنابلة في الأرجح عندهم: يضمن سواء نقلها إلى مثل المكان أو دونه أو فوقه، لأنه خالف صاحب الوديعة لغير فائدة ولا مصلحة، ولا يجوز تفويت غرض رب الوديعة من تعيينه المكان من غير ضرورة. ولكن إن خاف عليها في موضعها فعليه نقلها، فإن تركها فتلفت ضمنها؛ لأن نهي صاحبها عن نقلها إنما كان لحفظها، وحفظها ههنا في نقلها، فأشبه ما لو لم ينهه عن نقلها (٢).
وإذا قال صاحب الوديعة للوديع: (لا تسلمها إلى زوجتك) فسلمها إليها وهلكت، لم يضمن عند الحنفية؛ لأنه لا يجد بداً من التسليم، فإنه إذا خرج، كان البيت وما فيه مسلَّماً إليها، فلا يمكنه الحفظ مع مراعاة هذا الشرط وإن كان مفيداً (٣).
وبه يتبين أن أسباب ضمان الوديعة عند المالكية (٤) ستة هي:
١ - إيداع الوديعة عند غير الوديع لغير عذر، حتى ولو استردها بعدئذ فضاعت.
٢ - نقل الوديعة من بلد إلى بلد، بخلاف نقلها من منزل إلى منزل.
стр. 3922
٣ - خلط الوديعة بما لا يتميز عنها مما هو غير مماثل لها كخلط القمح بالشعير، فإن خلطها بما تنفصل عنه، لم يضمن.
٤ - الانتفاع بالوديعة، فلو لبس الثوب أو ركب الدابة فهلكت في حال الانتفاع، ضمن، وكذا إن تسلف الدنانير والدراهم أو ما يكال أو يوزن، فهلك في تصرفه فيه.
٥ - التضييع والإتلاف بأن يلقيه في مضيعة أو يدل عليها سارقاً.
٦ - المخالفة في كيفية الحفظ، مثل أن يأمره ألا يقفل عليها، فقفل، فإنه يضمن.
وكذلك قال الشافعية (١) قريباً من مذهب المالكية: إن أسباب الضمان ستة:
١ - إيداع الوديعة عند غيره بلا إذن ولا عذر له.
٢ - وضعها في غير حرز مثلها.
٣ - نقلها إلى دون حرز مثلها.
٤ - إهمال حفظها الواجب عليه بالتزامه، كما لو ترك علف دابة فماتت.
٥ - العدول عن الحفظ المأمور به مع تلفها بذلك.
٦ - الانتفاع بها، كما لو لبس الثوب أو ركب الدابة لغير غرض المالك، فإنه يضمن لتعديه، كما يضمن كل أنواع التعدي عليها. ومتى صارت مضمونة بانتفاع أو غيره، ثم ترك الخيانة، لم يبرأ إلا أن يحدث المالك له استئماناً.
стр. 3923
وقال الحنابلة (١): تضمن الوديعة بما يلي:
١ - إيداعها عند غيره بلا عذر.
٢ - إهمال حفظها أو دلالة لص عليها.
٣ - المخالفة في كيفية الحفظ المتفق عليه ولو أنه حرز مثلها.
٤ - خلطها بغيرها خلطاً لا يتميز.
٥ - الانتفاع بها. ومتى خان لا تعود وديعة بغير عقد متجدد.
أحكام فرعية للوديعة: ذكر ابن جزي المالكي طائفة من أحكام الفروع الفقهية في الوديعة، وهي ما يأتي (٢):
أولاً - الاتجار بالوديعة: من اتجر بمال الوديعة، فالربح له حلال. وقال أبو حنيفة: الربح صدقة. وقال قوم: الربح لصاحب المال.
ثانياً - سلف الوديعة: من أقرض الوديعة، فإن كانت عيناً كره، وأجازه أشهب إن كان له وفاء بها، وإن كانت عروضاً لم يجز، وإن كانت مما يكال أو يوزن كالطعام، ففيه قولان مفرعان على موضوع: هل يلحق الطعام بالنقد أو بالعروض؟.
ثالثاً - الاختلاف في الوديعة: إذا طولب الوديع بالوديعة، فادعى التلف، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إذا ادعى الرد، إلا أن يكون قبضها ببينة، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. وقال ابن القاسم وأبو حنيفة والشافعي: إن القول قوله وإن قبضها ببينة.
стр. 3924
رابعاً - طلب الأجرة على حفظ الوديعة: إذا طلب الوديع أجرة على حفظ الوديعة، لم يكن له ذلك، إلا أن تكون مما يشغل منزله، فله كراؤه. وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فهو على صاحبها.
خامساً - الجحود المماثل لوديعة أخرى: إذا أودع شخص وديعة عند آخر، فخانه وجحده، ثم إن الوديع الأول استودع المودع مثلها، فهل له أن يجحده فيها؟ المشهور عند المالكية المنع، وقيل: بالكراهة، وقيل بالإباحة.
المبحث السادس - انتهاء الإيداع:
ينتهى عقد الإيداع بما يأتي:
١ - استرداد الوديعة أو ردها: إذا استرد المودع الوديعة أو رد الوديع الوديعة، انتهى الإيداع، لأن الإيداع عقد غير لازم ينتهي بالاسترداد أو الرد.
٢ - موت المودع أو الوديع: ينتهي العقد بالموت، لأنه جرى بين العاقدين.
٣ - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه، لزوال الأهلية.
٤ - الحجر على المودع للسفه وعلى الوديع للفلس، رعاية للمصلحة.
٥ - نقل ملكية الوديعة لغير المالك: ينتهي الإيداع بنقل المالك ملكية الوديعة لغيره ببيع أو هبة أو نحوهما.
стр. 3925
الفَصْلُ الثَّامن: الإِعَارة خطة الموضوع:
الكلام في عقد الإعارة يشتمل على المباحث الستة التالية:
المبحث الأول - تعريف الإعارة ومشروعيتها.
المبحث الثاني - ركن الإعارة وشرائطها.
المبحث الثالث - حكم عقد الإعارة.
المبحث الرابع - حال العارية، هل هي مضمونة أو أمانة؟.
المبحث الخامس - الاختلاف بين المعير والمستعير.
المبحث السادس - انتهاء الإعارة.
المبحث الأول - تعريف الإعارة ومشروعيتها:
العارية: بتشديد الياء، وقد تخفف، والأول أفصح وأشهر. وهي اسم لما يعار، أو لعقد العارية: مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: من التعاور أي التداول أو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار