← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

فقال الحنفية والمالكية والشافعية: إذا نقلها إلى الدار الأخرى، وكانت مماثلة للدار الأولى في الحرز، أو أحرز منها، فلا يضمن؛ لأن التقييد غير مفيد (١)، فإن نقلها من بلد إلى بلد ضمنها عند المالكية. وقال الحنابلة في الأرجح عندهم: يضمن سواء نقلها إلى مثل المكان أو دونه أو فوقه، لأنه خالف صاحب الوديعة لغير فائدة ولا مصلحة، ولا يجوز تفويت غرض رب الوديعة من تعيينه المكان من غير ضرورة. ولكن إن خاف عليها في موضعها فعليه نقلها، فإن تركها فتلفت ضمنها؛ لأن نهي صاحبها عن نقلها إنما كان لحفظها، وحفظها ههنا في نقلها، فأشبه ما لو لم ينهه عن نقلها (٢). وإذا قال صاحب الوديعة للوديع: (لا تسلمها إلى زوجتك) فسلمها إليها وهلكت، لم يضمن عند الحنفية؛ لأنه لا يجد بداً من التسليم، فإنه إذا خرج، كان البيت وما فيه مسلَّماً إليها، فلا يمكنه الحفظ مع مراعاة هذا الشرط وإن كان مفيداً (٣). وبه يتبين أن أسباب ضمان الوديعة عند المالكية (٤) ستة هي: ١ - إيداع الوديعة عند غير الوديع لغير عذر، حتى ولو استردها بعدئذ فضاعت. ٢ - نقل الوديعة من بلد إلى بلد، بخلاف نقلها من منزل إلى منزل.

стр. 3922

٣ - خلط الوديعة بما لا يتميز عنها مما هو غير مماثل لها كخلط القمح بالشعير، فإن خلطها بما تنفصل عنه، لم يضمن. ٤ - الانتفاع بالوديعة، فلو لبس الثوب أو ركب الدابة فهلكت في حال الانتفاع، ضمن، وكذا إن تسلف الدنانير والدراهم أو ما يكال أو يوزن، فهلك في تصرفه فيه. ٥ - التضييع والإتلاف بأن يلقيه في مضيعة أو يدل عليها سارقاً. ٦ - المخالفة في كيفية الحفظ، مثل أن يأمره ألا يقفل عليها، فقفل، فإنه يضمن. وكذلك قال الشافعية (١) قريباً من مذهب المالكية: إن أسباب الضمان ستة: ١ - إيداع الوديعة عند غيره بلا إذن ولا عذر له. ٢ - وضعها في غير حرز مثلها. ٣ - نقلها إلى دون حرز مثلها. ٤ - إهمال حفظها الواجب عليه بالتزامه، كما لو ترك علف دابة فماتت. ٥ - العدول عن الحفظ المأمور به مع تلفها بذلك. ٦ - الانتفاع بها، كما لو لبس الثوب أو ركب الدابة لغير غرض المالك، فإنه يضمن لتعديه، كما يضمن كل أنواع التعدي عليها. ومتى صارت مضمونة بانتفاع أو غيره، ثم ترك الخيانة، لم يبرأ إلا أن يحدث المالك له استئماناً.

стр. 3923

وقال الحنابلة (١): تضمن الوديعة بما يلي: ١ - إيداعها عند غيره بلا عذر. ٢ - إهمال حفظها أو دلالة لص عليها. ٣ - المخالفة في كيفية الحفظ المتفق عليه ولو أنه حرز مثلها. ٤ - خلطها بغيرها خلطاً لا يتميز. ٥ - الانتفاع بها. ومتى خان لا تعود وديعة بغير عقد متجدد. أحكام فرعية للوديعة: ذكر ابن جزي المالكي طائفة من أحكام الفروع الفقهية في الوديعة، وهي ما يأتي (٢): أولاً - الاتجار بالوديعة: من اتجر بمال الوديعة، فالربح له حلال. وقال أبو حنيفة: الربح صدقة. وقال قوم: الربح لصاحب المال. ثانياً - سلف الوديعة: من أقرض الوديعة، فإن كانت عيناً كره، وأجازه أشهب إن كان له وفاء بها، وإن كانت عروضاً لم يجز، وإن كانت مما يكال أو يوزن كالطعام، ففيه قولان مفرعان على موضوع: هل يلحق الطعام بالنقد أو بالعروض؟. ثالثاً - الاختلاف في الوديعة: إذا طولب الوديع بالوديعة، فادعى التلف، فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إذا ادعى الرد، إلا أن يكون قبضها ببينة، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة. وقال ابن القاسم وأبو حنيفة والشافعي: إن القول قوله وإن قبضها ببينة.

стр. 3924

رابعاً - طلب الأجرة على حفظ الوديعة: إذا طلب الوديع أجرة على حفظ الوديعة، لم يكن له ذلك، إلا أن تكون مما يشغل منزله، فله كراؤه. وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فهو على صاحبها. خامساً - الجحود المماثل لوديعة أخرى: إذا أودع شخص وديعة عند آخر، فخانه وجحده، ثم إن الوديع الأول استودع المودع مثلها، فهل له أن يجحده فيها؟ المشهور عند المالكية المنع، وقيل: بالكراهة، وقيل بالإباحة. المبحث السادس - انتهاء الإيداع: ينتهى عقد الإيداع بما يأتي: ١ - استرداد الوديعة أو ردها: إذا استرد المودع الوديعة أو رد الوديع الوديعة، انتهى الإيداع، لأن الإيداع عقد غير لازم ينتهي بالاسترداد أو الرد. ٢ - موت المودع أو الوديع: ينتهي العقد بالموت، لأنه جرى بين العاقدين. ٣ - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه، لزوال الأهلية. ٤ - الحجر على المودع للسفه وعلى الوديع للفلس، رعاية للمصلحة. ٥ - نقل ملكية الوديعة لغير المالك: ينتهي الإيداع بنقل المالك ملكية الوديعة لغيره ببيع أو هبة أو نحوهما.

стр. 3925

الفَصْلُ الثَّامن: الإِعَارة خطة الموضوع: الكلام في عقد الإعارة يشتمل على المباحث الستة التالية: المبحث الأول - تعريف الإعارة ومشروعيتها. المبحث الثاني - ركن الإعارة وشرائطها. المبحث الثالث - حكم عقد الإعارة. المبحث الرابع - حال العارية، هل هي مضمونة أو أمانة؟. المبحث الخامس - الاختلاف بين المعير والمستعير. المبحث السادس - انتهاء الإعارة. المبحث الأول - تعريف الإعارة ومشروعيتها: العارية: بتشديد الياء، وقد تخفف، والأول أفصح وأشهر. وهي اسم لما يعار، أو لعقد العارية: مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل: من التعاور أي التداول أو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار

стр. 3926

وعيب، واعترض عليه بأنه ﷺ فعلها، ولو كانت عاراً وعيباً ما فعلها (١). وعرف السرخسي والمالكية الإعارة بأنها: تمليك المنفعة بغير عوض. سميت إعارة: لتعريها عن العوض (٢). وعرفها الشافعية والحنابلة (٣) بأنها إباحة المنفعة بلا عوض. فهي تختلف عن الهبة بأنها واردة على المنافع، أما الهبة فترد على عين المال، والفرق بين التعريفين أن الأول يفيد التمليك، فللمستعير إعارة الشيء لغيره، والثاني يفيد الإباحة، فليس له إعارة الشيء لغيره، أو إجارته. والإعارة قربة مندوبة إليها، لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة:٢/ ٥] وفسر جمهور المفسرين قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون:٧/ ١٠٧] بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، كالدلو والفأس والإبرة، ونحوها (٤). وفي الصحيحين أنه ﷺ استعار فرساً من أبي طلحة فركبه (٥). وفي رواية لأبي داود بإسناد جيد أنه ﷺ استعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصباً يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة (٦).

стр. 3927

المبحث الثاني - ركن الإعارة وشرائطها: ركن الإعارة عند الحنفية: هو الإيجاب من المعير. وأما القبول من المستعير فليس بركن عند جمهور الحنفية استحساناً. والقياس أن يكون ركناً وهو قول زفر كما في الهبة، حتى إن من حلف: لا يعير فلاناً، فأعاره، ولم يقبل، يحنث عند جمهور الحنفية، ولا يحنث عنده، كما سبق في الهبة. والإيجاب: أن يقول: أعرتك هذا الشيء، أو منحتك هذا الثوب، أو هذه الدار، أو أطعمتك هذه الأرض، فلفظ الإعارة صريح فيها، والمنحة: هي العطية التي ينتفع الإنسان بها زماناً، ثم يردها على صاحبها وهو معنى العارية. والإطعام المضاف إلى الأرض: هو إطعام منافعها التي تحصل منها بالزراعة من غير عوض عرفاً وعادة، وهو معنى العارية (١). واشترط الشافعية في الأصح عندهم وجود لفظ من المعير أو المستعير في صيغة العقد: مثل أعرتك أو أعرني؛ لأن الانتفاع بمال الغير يعتمد إذنه (٢). وأركان الإعارة عند الجمهور (٣) أربعة: المعير والمستعير والمعار، والصيغة وهي كل ما يدل على هبة المنفعة من قول أو فعل.

стр. 3928

شروط الإعارة: يشترط عند الفقهاء ما يأتي: ١ - كون المعير عاقلاً، فلا تصح الإعارة من المجنون والصبي غير العاقل. ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، ويشترط عند غيرهم كون المعير أهلاً للتبرع مختاراً؛ لأن العارية تبرع بإباحة المنفعة، فلا تصح ممن لا يصح تبرعه كصبي وسفيه ومفلس، ولا من مستكره (١). ٢ - القبض من المستعير: لأن الإعارة عقد تبرع، فلا يثبت حكم العارية بدون القبض كالهبة. ٣ - أن يكون المستعار مما يكن الانتفاع به بدون استهلاكه، وإلا لم تصح إعارته (٢). وقد قرر العلماء أنه تصح الإعارة في كل عين ينتفع بها مع بقائها كالدور والأرضين والثياب والدواب وسائر الحيوان، وجميع ما يعرف بعينه، إذا كانت منفعته مباحة الاستعمال. فلا تجوز إباحة الجواري للاستمتاع، ويكره للاستخدام، إلا أن تكون لذي رحم محرم؛ لأنه لا يأمن أن يخلو بها فيواقعها (٣)، ويحرم إعارة السلاح والخيل للحربي، والمصحف وما في معناه للكافر، وإعارة الصيد للمحرم (٤).

стр. 3929

المبحث الثالث - حكم عقد الإعارة: البحث هنا في أصل حكم الإعارة، وفي بيان صفته. أصل حكم الإعارة: يطلق اسم العارية في العرف بطريقتين: بطريق الحقيقة، وبطريق المجاز، أما الإطلاق بطريق الحقيقة فهو محل البحث هنا، وهو إعارة الأعيان التي ينتفع بها، مع بقائها. وحكمها عند المالكية وجمهور الحنفية: هو ملك المنفعة للمستعير، بغير عوض، أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفاً وعادة (١). وقال الكرخي والشافعية والحنابلة: إن موجب الإعارة هو إباحة الانتفاع بالعين، فهي عقد إباحة (٢). والإعارة عندهم: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال. ويترتب على الخلاف بين الفريقين: أن المستعير يجوز له عند الفريق الأول إعارة الشيء المستعار لغيره، وإن لم يأذن له المالك، إذا كان لا يختلف باختلاف المستعمل. غير أن المالكية قالوا: إذا منع المستعير من الإعارة، فلا يجوز له أن يعير. ودليل الحنفية: أن المعير سلط المستعير على تحصيل المنافع، والتسليط على هذا الوجه تمليك، لا إباحة، كما في الأعيان، ومقتضى التمليك أن للمستعير حرية التصرف في الانتفاع بالعارية بنفسه أو بغيره.

стр. 3930

ولا يجوز للمستعير عند الفريق الثاني أن يعير العارية لغيره؛ لأن الإعارة إباحة المنفعة، فلا يملك بها الإباحة لغيره، كإباحة الطعام، فالضيف لا يبيح لغيره ما قدم له. ودليلهم أيضاً اتفاق العلماء على أن عقد الإعارة يجوز من غير أجل، فلو كان مقتضى الإعارة تمليك المنفعة، لما جازت من غير أجل، كالإجارة. واتفق الفريقان على أن المستعير لا يملك إجارة العين المعارة. والسبب عند الفريق الثاني هو أن العارية تبيح المنافع فقط، ولكن لا تملكه إياها. وأما السبب عند الفريق الأول فهو أن المستعير لا يملك الإجارة، لأنها عقد لازم، والإعارة عقد تبرع، جائز غير لازم، فلا يملك به ما هو لازم، فيؤدي إلى تغيير طبيعة الإعارة. كذلك ليس للمستعير أن يرهن ما استعاره؛ لأن الشيء لا يتضمن ما فوقه (١). وأما إطلاق الإعارة بطريق المجاز: فهو إعارة المكيل والموزون والمعدود المتقارب، مثل الجوز والبيض وكل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كإعارة الدراهم والدنانير، فهو قرض حقيقة، فعليه المثل أو القيمة، ولكنه إعارة مجازاً، لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، ولا سبيل إليه إلا بالتصرف بالعين، بخلاف الإعارة حقيقة، فإن محل العقد فيها هو المنفعة لا العين، سواء قلنا: إنها تفيد تمليك المنفعة أو إباحة المنفعة (٢). حقوق الانتفاع بالعارية: قال الجمهور غير الحنفية: للمستعير الانتفاع بالعارية بحسب الإذن.

стр. 3931

وقال الحنفية: الحقوق التي يمنحها عقد الإعارة للمستعير تختلف بين ما إذا كانت الإعارة مطلقة أو مقيدة. ف الإعارة المطلقة: هي أن يستعير إنسان شيئاً، ولم يبين في العقد أنه يستعمله بنفسه أو بغيره، ولم يبين كيفية الاستعمال، مثل: أن يعير شخص دابته لآخر، ولم يسم مكاناً ولا زماناً، ولم يحدد الركوب ولا الحمل. فحكمها: أن المستعير ينزل منزلة المالك، فكل ما ينتفع به المالك ينتفع به المستعير، فله أن يستعمل الدابة في أي مكان وزمان، وله أن يركب أو يحمل، أو يركب غيره؛ لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملَّكه منافع العارية مطلقاً، إلا أنه لا يحمل عليها فوق المعتاد لمثلها ولا يستعملها ليلاً ونهاراً، ما لم يستعمل مثلها من الدواب، فلو فعل فعطبت، يضمن؛ لأن العقد المطلق مقيد بالعرف والعادة ضمناً، كما يتقيد نصاً، كما في الإجارة (١). وأما الإعارة المقيدة: فهي أن تكون مقيدة في الزمان والانتفاع معاً أو في أحدهما. وحكمها: أنه يراعى فيها القيد ما أمكن؛ لأن الأصل في المقيد اعتبار القيد فيه، إلا إذا تعذر اعتباره لعدم الفائدة ونحوه، فيلغو القيد؛ لأن التقييد يجري مجرى العبث (٢). وبيانه فيما يأتي: إذا قيده في استعمال العارية بنفسه: فإن كان الاستعمال مما يتفاوت الناس فيه كالركوب واللبس، فإنه يختص به، ولا يجوز أن يركب غيره، أو يلبس الثوب غيره.

стр. 3932

وإن كان الاستعمال لا يتفاوت بتفاوت الناس، مثل سكنى الدار فله أن يسكن غيره؛ لأن المملوك بالعقد هو السكنى، والناس لا يتفاوتون فيه عادة، فلم يكن التقييد بسكناه مفيداً، فيلغو القيد، إلا إذا كان الذي يسكنها إياه حداداً، أو قصاراً (١)، ونحوهما ممن يوهن البناء، فليس له أن يسكنها إياه ولا أن يعمل بنفسه ذلك؛ لأن المعير لا يرضى به عادة. و إذا حدد زماناً أو مكاناً، فجاوز ذلك المكان، أو زاد على الوقت: يضمن؛ لأن التخصص مفيد. و إذا بين مقدار الحمل والجنس: فإن حمله عليه وزاد، يضمن، بقدر الزيادة، فلو ركب الدابة بنفسه، وأردف غيره، فعطبت فإن كانت الدابة مما تطيق حملها جميعاً، يضمن نصف قيمة الدابة؛ لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف، وإن كانت الدابة مما لا تطيق حملهما، ضمن جميع قيمتها، لأنه استهلكها. ولو حمل على الدابة شيئاً بخلاف الجنس المحدد في العقد: فإن كان مثله في الخفة أو أخف منه، لا يضمن. وإن كان أثقل منه، يضمن. وإن كان الحمل مثل المعين في العقد في الوزن والثقل: بأن استعار دابة ليحمل عليها مئة رطل من القطن، فحمل عليها مئة رطل من الحديد، فإنه يضمن؛ لأن ثقل الحديد يتركز في موضع واحد على ظهر الدابة، وثقل القطن يتوزع على جميع ظهرها وبدنها، فكان ضرره بالدابة أكثر، والرضا بأدنى الضررين لا يكون رضا بأعلاهما. وإن كان الحمل أثقل من المبين في العقد: فإن كان من الجنس المذكور في العقد، يضمن بقدر الزيادة، وإن كان من خلاف الجنس، يضمن كل القيمة.

стр. 3933

وإن اختلف المعير والمستعير في مدة العارية أو في مقدار الحمل، أو في المكان، فالقول قول المعير (١)؛ لأن المعير هو الذي يأذن بالانتفاع بالعارية، فيقبل قوله في تحديد وجه الانتفاع، والمستعير يدعي بأن وجه الانتفاع هو على النحو الذي يريده، والمعير منكر لذلك فيقبل قوله بيمينه. صفة حكم الإعارة: قال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه ملك لا يقابله عوض، فلا يكون لازماً، كالملك الثابت بالهبة، فيجوز للمعير أن يرجع في الإعارة، كما للمستعير أن يردها في أي وقت شاء، سواء أكانت الإعارة مطلقة أم مؤقتة بوقت، ما لم يأذن المعير في شغل المستعار بشيء يتضرر بالرجوع فيه، أو كانت العارية لازمة. كمن أعار أرضاً لدفن ميت محترم، فلا يجوز للمعير الرجوع في الموضع الذي دفن فيه، وامتنع على المستعير رده، فهذه إعارة لازمة من الجانبين، حتى يندرس أثر المدفون بأن يصير تراباً (٢). ومثله: لو استعار مكاناً لسكنى معتدة، فليس للمعير الاسترداد. ودليلهم على أن العارية عقد جائز (غير لازم) قوله ﷺ : «المنحة مردودة، والعارية مؤداة» (٣).

стр. 3934

وقال المالكية في المشهور عندهم: ليس للمعير استرجاع العارية، قبل الانتفاع بها، وإذا كانت العارية إلى أجل، فلا يجوز للمعير الرجوع إلا بعد انقضاء الأجل. وإن لم يتحدد أجل، يلزم المعير من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية، وقال الدردير في الشرح الكبير: الراجح أن للمعير أن يرجع في الإعارة ال مطلقة متى أحب (١). وبهذا يظهر أن المالكية يسوغون الرجوع في العارية المطلقة ويمنعونه في العارية المقيدة بالشرط أو العمل أو الزمن أو العرف والعادة. وسبب الخلاف بين الفريقين: هو ما يوجد في العارية من شبه العقود اللازمة وغير اللازمة. الرجوع في الأرض المعارة للبناء أو الغراس أو الزراعة: قال الحنفية: إذ اكانت الإعارة مطلقة، فللمعير صاحب الأرض أن يستردها في أي وقت شاء؛ لأن الإعارة غير لازمة، ويجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء؛ لأن في الترك ضرراً بالمعير، ولا يضمن المعير شيئاً من قيمة الغرس أو البناء؛ إذ أنه لم يغرر المستعير بشيء حيث أطلق العقد، بل هو الذي غرر بنفسه، حيث حمل المطلق على الأبد فهو مغتر غير مغرور. وإن كانت الإعارة مؤقتة بوقت: فللمعير استرداد العارية أيضاً للحديث السابق: «المنحة مردودة، والعارية مؤداة». ولكن يكره الرجوع قبل انتهاء الوقت، لما فيه من خلف الوعد، وليس له إجبار المستعير على النقض والقلع، والمستعير حينئذ بالخيار: إن شاء ضمن المعير قيمة غرسه وبنائه؛ لأنه غره بتوقيت العارية،

стр. 3935

ثم بإخراجه قبل الوقت، وإن شاء أخذ غرسه وبناءه إن لم يضر القلع بأرض المعير، فإن أضر القلع بها كان الخيار للمعير: إن شاء أخذ الغرس والبناء بالضمان، وإن شاء رضي بالقطع. هذا ما ذكر الحاكم الشهيد في مختصره. وعند القدوري: يضمن المعير ما نقص البناء والغرس بالقلع؛ لأن المستعير مغرور، حيث وقت له المعير، إذ الظاهر الوفاء بالعهد، والمغرور يرجع على الغار، دفعاً للضرر عن نفسه. وأما إذا استعار شخص أرضاً للزراعة، فلا تؤخذ منه، حتى يحصد الزرع، وقّت العارية أو لم يوقت؛ لأن للزرع نهاية معلومة، وفي ترك الزرع لوقت الحصاد بطريق الإجارة بأجر المثل مراعاة لحقي المعير والمستعير، بخلاف الغرس، لأنه ليس له نهاية معلومة، فيقلع دفعاً للضرر عن المالك (١). وقال المالكية: الراجح أن للمعير أن يرجع في الإعارة المطلقة متى أحب، أما إذا كانت الإعارة مقيدة بشرط أو بعرف أو عادة، فلا يجوز الرجوع قبل انقضاء الأجل، وبناء عليه: إذا أعار أرضاً لبناء أو غرس، وبنى أوغرس، فإن لم يحصل تقييد بأجل، فللمعير إخراج المستعير، ويملك المعير بناء المستعير وغرسه، إن دفع له ما أنفق. ففي الإعارة المقيدة على هذا النحو: ليس للمعير الرجوع في الأرض، إذا حصل البناء أو الغرس، قبل انقضاء أجل الإعارة، ما لم يدفع للمستعير ما أنفقه، فإن انقضت مدة البناء أو الغرس المشترطة أو المعتادة، فالمالك بالخيار: إن شاء أمر المستعير بهدم البناء، وقلع الشجر، وتسوية الأرض، كما كانت؛ وإن شاء دفع

стр. 3936

قيمة ذلك منقوضاً أو مقلوعاً، إذا كان مما له قيمة بعد القلع، بعد إسقاط أجرة من يهدمه ويسوي الأرض، إذا كان المستعير لا يتولى الأمر بنفسه أو خادمه (١). وقال الشافعية والحنابلة: إذا كانت الإعارة للبناء أو الغراس، مطلقة المدة، فللمستعير أن ينتفع بالأرض ما لم يرجع المعير، فإن رجع المعير بعد أن بنى المستعير أو غرس، فإن كان المعير قد شرط عليه القلع، لزمه قلعه، عملاً بالشرط، فإن امتنع فللمعير القلع. ويلزم المستعير تسوية الأرض المحفورة، إن شرطت وإلا فلا يلزمه تسوية الحفر؛ لأنه لما شرط عليه القلع، رضي بما يحصل بالقلع من الحفر، ولأنه مأذون فيه، فلا يلزمه ضمان ما حصل به من النقص. وإن لم يشرط عليه القلع: فإن اختار المستعير القلع، قلع، دون أن يلتزم المعير بدفع قيمة النقص. ويلزم المستعير بتسوية الأرض في الأصح عند الشافعية، ويحتمل أن تلزمه التسوية عند الحنابلة؛ لأن القلع حصل باختياره، فإنه لو امتنع منه لم يجبر عليه، فلزمه تسوية الحفر كما لو خرب أرضه التي لم يستعرها، إلا أن القاضي من الحنابلة ذكر أنه لا يلزمه تسوية الحفر؛ لأن المعير رضي بذلك، حيث أعاره مع علمه بأن له قلع غرسه، وهو الأصح عندهم. وإن لم يختر المستعير القلع، فللمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة المثل، أو يقلع ويضمن قدرالنقص بين قيمته قائماً ومقلوعاً. وإن كانت الإعارة لبناء أو غراس أو غيره مؤقتة، فللمعير الرجوع أيضاً، فإذا رجع أو انتهت المدة، طبقت الأحكام السابقة نفسها في الإعارة المطلقة: من ناحية اشتراط القلع أو عدم اشتراطه، وآثار ذلك.

стр. 3937

وإذا أعار شخص أرضاً للزراعة، فله الرجوع، ما لم يزرع، فإذا زرع لم يملك الرجوع فيها إلى وقت الحصاد، وعليه إبقاء الزرع إلى ذلك الوقت، فإن رجع المعير قبل الحصاد، وجب على المستعير دفع أجرة المثل من وقت الرجوع إلى الحصاد (١). والخلاصة: إن المعير له الرجوع في الإعارة للبناء أو الغراس عند الشافعية والحنابلة والحنفية، سواء أكانت الإعارة مطلقة أم مؤقتة، وأما في الإعارة للزراعة فيقتصر أثر الرجوع على إعطاء المعير حق المطالبة بأجرة المثل، في المدة التي بين الرجوع والحصاد. وعند المالكية: للمعير الرجوع في الإعارة المطلقة، وليس له الرجوع في الإعارة المقيدة، قبل انقضاء أجل العقد، فهذه الإعارة لازمة لانتهاء الأجل المعلوم. المبحث الرابع - حال العارية: هل هي مضمونة أو أمانة؟ قال الحنفية: إن الشيء المستعار أمانة في يد المستعير، في حال الاستعمال وفي غير حال الاستعمال، لا يضمن على كل حال إلا بتعدٍ أو تقصير؛ لأنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان، فلا يجب عليه الضمان، كالوديعة والإجارة؛ لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، ولم يفعل ما يوجب الضمان؛ لأنه يقوم بحفظ مال الغير، وهذا إحسان في حق المالك، قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن:٦٠/ ٥٥] (٢).

стр. 3938

وقال المالكية (١): يضمن المستعير ما يُغاب عليه: وهو ما يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي والسفينة السائرة في عرض البحر، وذلك إذا لم يكن على التلف أو الضياع بينة على حصوله بلا سبب منه، ولا يضمن فيما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار، ولا فيما قامت البينة على تلفه. ودليلهم الجمع والتوفيق بين حديثين: أولهما - أنه ﵊ قال لصفوان بن أمية: «بل عارية مضمونة مؤداة» وفي رواية «بل عارية مؤداة» وثانيهما - حديث: «ليس على المستعير غير المغل - أي الخائن - ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان» فحمل الضمان على ما يغاب عليه، والحديث الآخر على ما لا يغاب عليه. وهذا المذهب قريب في شطره من مذهب الحنفية في أن العارية أمانة (٢). والأصح عند الشافعية: أن العارية مضمونة على المستعير بقيمتها يوم التلف إذا تلفت بغير الاستعمال المأذون فيه وإن لم يفرط، لحديث صفوان: «بل عارية مضمونة» ولأنه مال يجب رده لمالكه، فيضمن عند تلفه كالشيء المتسلم، أي المقبوض على سوم الشراء، أما إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه فلا ضمان (٣)، لحدوث التلف عن سبب مأذون فيه، فلو تعسرت الدابة من ثقل حمل مأذون فيه أو ماتت به، أو انمحق أي (تلف بالكلية) ثوب يلبسه المأذون فيه، أو سقط ثور في

стр. 3939

ساقية استعير لاستعماله فيها، فلا ضمان في هذه الحالات كلها (١). كذلك لايضمن المستعير ما استعاره ليرهنه، فرهنه، فتلف عند المرتهن. لكن يشترط ذكر جنس الدين وقدره وصفته والمرهون عنده. ويد المستعير على العارية عند الشافعية يد ضمان في أثناء الاستعمال غير المأذون فيه، فيضمنها بالتلف سواء تعدى أم لم يتعد، وسواء قصر في حفظها أم لم يقصر، قال النووي في المنهاج: فإن تلفت (أي العين المستعاره عند المستعير) لا باستعمال لها مأذون فيه، ضمنها، وإن لم يفرط، لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: «بل عارية مضمونة» ولأنه مال يجب رده لمالكه، فيضمن عند تلفه، كالمستام، أي الذي يسوم السلعة. والأصح أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف، لا بأقصى القيم، ولا بيوم القبض. وقال الحنابلة في ظاهر المذاهب (٢): إن العارية مضمونة على المستعير مطلقاً، تعدى أو لم يتعد، بقيمتها يوم التلف، بدليل حديث صفوان بن أمية السابق الإشارة إليه، وهو أن النبي ﷺ استعار منه درعاً يوم حنين، فقال - فيما رواه أحمد وأبو داود - أغصباً يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» فهذا إخبار بصفة العارية وحكمها، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة.

стр. 3940

ولقوله ﵊: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١)، ولأنه مال لغيره، أخذه لمنفعة نفسه، لا على وجه الوثيقة كالرهن، ومن غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف، فكان مضموناً كالمغصوب. وأضاف الحنابلة أن المستعير لو استعاروقفاً ككتب علم وأدرع موقوفة على المجاهدين فتلفت بغير تفريط ولا تعد، فلا ضمان، لكون تعلم العلم وتعليمه والجهاد من المصالح العامة. والخلاصة: إن يد المستعير يد ضمان عند الشافعية والحنابلة، ويد أمانة عند الحنفية والمالكية، على التفصيل السابق عند المالكية والشافعية. ويبرأ المستعير برد العارية إلى من جرت العادة بتسلم الشيء منه كزوجة وخازن ووكيل عام في قبض الحقوق. شرط المعير الضمان: قال الحنفية: إذا شرط المعير على المستعير ضمان العارية يكون الاشتراط باطلاً، وبه يفتى، كما في الوديعة، وكشرط عدم الضمان في الرهن، لأن في ذلك تغييراً لمقتضى العقد (٢). وقال المالكية: إذا اشترط المعير الضمان في الموضع الذي لا يجب فيه الضمان، لا يضمنه المستعير بإجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يخرج

стр. 3941

العارية عن حكمها إلى باب الإجارة الفاسدة، إذا كان صاحبها لم يرض أن يعيرها، بغير ضمان، فهو عوض مجهول، فيجب أن يرد إلى معلوم (١). وقال الشافعية والحنابلة: إذا شرط المستعير أن تكون العارية أمانة أو نفي الضمان لم يسقط الضمان ويلغو الشرط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط، كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد (٢). تغير حال العارية من الأمانة إلى الضمان: يتغير حال العارية عند الحنفية من الأمانة إلى الضمان بالأسباب نفسها التي يتغير بها حال الوديعة، منها (٣): ١ - التضييع، والإتلاف حقيقة بإلقائها في مضيعة أو كأن يدل عليها سارقاً؛ أو الإتلاف معنى بمنع العارية بعد طلبها أوبعد انقضاء المدة. ٢ - ترك الحفظ في استعمال العارية، أو إيجارها. ٣ - استعمال العين المعارة استعمالاً غير مشروط أو غير مألوف عادة. ٤ - المخالفة في كيفية الحفظ: مثل أن يأمره ألا يغفل عنها، فغفل، فيضمن. فإن عاد إلى موافقة مطلب المعير لا يبرأ عن الضمان، بخلاف ما عرفناه في الوديعة عند الحنفية، فإنه يبرأ عن الضمان؛ لأن المقصود في الوديعة، هو الحفظ للمالك، والحفظ يتحقق بعد المخالفة كما كان قبل المخالفة. وهناك فرق آخر: وهو أن المستعير لو رد العارية إلى منزل المالك، كما إذا رد الدابة إلى إصطبل مالكها، يبرأ عن الضمان بخلاف الوديعة، للعادة الجارية في

стр. 3942

العارية بردها إلى بيت المالك أو بدفعها إلى عياله، ولم تجر العادة بذلك في الوديعة، فخصصت العارية من عموم آية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء:٥٨/ ٤]، وبقيت الوديعة على ظاهر النص، كما سبق ذكره. والعين المغصوبة مثل الوديعة ترد إلى المالك نفسه. لكن إذا كانت العارية شيئاً نفيساً فرده المستعير إلى دار المالك ولم يسلمه إليه ضمن؛ لأن الأعيان النفيسة لا ترد إلا إلى صاحبها في العادة. وكذلك إذا اختلف المعير والمستعير، فالقول قول المالك كما تقدم بخلاف الوديعة: القول قول الوديع (١). مؤنة رد العارية: إن أجرة رد العارية على المستعير؛ لأن الرد واجب عليه؛ لأنه قبضها لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد، فتكون عليه. وكذلك أجرة رد العين المغصوبة على الغاصب؛ لأن الرد واجب عليه دفعاً للضرر عن المالك، فتكون مؤنته عليه. أما أجرة رد العين المستأجرة فعلى المؤجر؛ لأن الواجب على المستأجر التمكين من الرد والتخلية بين الشيء وصاحبه، دون الرد (٢). والفرق أن غرض المؤجر والغاصب ومثلهما المرتهن هو حصول المنفعة لهم بخلاف المستعير، قبض الشيء لمنفعته الخاصة. وكذلك أجرة رد الوديعة على المالك المودع؛ لأن الوديع يجب علىه فقط رد الوديعة عند طلب المالك لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء:٥٨/ ٤].

стр. 3943

المبحث الخامس - الاختلاف بين المعير والمستعير: قد يحدث اختلاف في بعض الأمور بين المعير والمستعير، فمن الذي يصدق قوله؟ ١ - الاختلاف في أصل العقد أو صفته: إذا ادعى المنتفع الإعارة وادعى المالك الإجارة، وادعى المنتفع الإعارة وادعى المالك الغصب بأن المنتفع غصب الشيء منه، يصدق المالك بيمينه على المذهب عند الشافعية؛ لأن الأصل عدم الإذن بالانتفاع، فيحلف ويستحق أجرة المثل. ٢ - الاختلاف في التلف: إذا تلفت العين المستعارة، وادعى المستعير أنها تلفت بالاستعمال المأذون فيه، وأنكر المعير ذلك، وقال: بل تلفت بغير الاستعمال، أو باستعمال غير مأذون فيه، يصدق المستعير بيمينه بالاتفاق، لأنه يصعب عليه إثبات قوله بالبينة عند القائلين بأن يد المستعير يد ضمان، ولأن الأمين يقبل قوله عند القائلين بأن يد المستعير يد أمانة. ٣ - الاختلاف في الرد: إذا ادعى المستعير أنه رد العين المستعارة على المعير، وأنكر المعير ذلك، فيحلف المعير على قوله ويصدق بيمينه، لأن الأصل عدم الرد، والمستعير مدع فعليه البينة، والمعير منكر، واليمين على المنكر (١). المبحث السادس - انتهاء الإعارة: تنتهي الإعارة بما يلي: ١ - طلب المعير رد العارية: لأن الإعارة عقد غير لازم، فتنتهي بالفسخ.

стр. 3944

٢ - رد العارية: إذا رد المستعير العين المستعارة على المعير، انتهت الإعارة، سواء قبل انتهاء مدة الإعارة أم قبلها. ٣ - جنون أحد العاقدين أو إغماؤه: تنتهي الإعارة بالجنون أو الإغماء، لزوال أهلية التبرع المطلوبة لإبرام العقد وأثناء بقائه. ٤ - موت أحد العاقدين - المعير أو المستعير: لأن الإعارة إباحة الانتفاع بالإذن، وبالموت لم يبق الآذن أو المأذون له. ٥ - الحجر على أحد العاقدين بالسفه: لأنه بالحجر يفقد المحجور أهلية التبرع، فتفسخ الإعارة. ٦ - الحجر بالإفلاس على المعير المالك: لأنه يمتنع عليه تفويت منافع أمواله، لمصلحة دائنيه.

стр. 3945

الفَصْلُ التَّاسع: الوَكَالة خطة الموضوع: الكلام عن عقد الوكالة في المباحث الخمسة الآتية: المبحث الأول - تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها. المبحث الثاني - شرائط الوكالة. المبحث الثالث - أحكام الوكالة. المبحث الرابع - تعدد الوكلاء. المبحث الخامس - طرق انتهاء الوكالة. المبحث الأول - تعريف الوكالة وركنها ومشروعيتها: تعريف الوكالة: الوكالة بفتح الواو وكسرها، وهي تطلق لغة ويراد بها الحفظ، كما في قوله : ﴿وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران:١٧٣/ ٣] أي الحافظ، وقوله سبحانه: ﴿لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً﴾ [المزمل:٩/ ٧٣] قال الفراء: أي حفيظاً. وتطلق ويراد بها التفويض، يقال: وكل أمره إلى فلان: فوضه إليه واكتفى به، ومنه? توكلت على الله) قال تعالى: ﴿وعلى الله

стр. 3946

فليتوكل المتوكلون﴾ [إبراهيم:١٢/ ١٤]، وقال سبحانه مخبراً عن هود ﵇: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم﴾ [هود:٥٦/ ١١] أي اعتمدت على الله، وفوضت أمري إليه. والوكالة شرعاً عند الحنفية (١): هي عبارة عن إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. أو هي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل. والتصرف يشمل التصرفات المالية من بيع وشراء وغيرهما من كل ما يقبل النيابة شرعاً كالإذن بالدخول. وقال الشافعية: الوكالة تفويض شخص ماله فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته (٢). والتقييد بالحياة للتمييز عن الوصية. ركن الوكالة: ركن الوكالة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، فالإيجاب من الموكل ويسمى الأصيل: أن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل: أن يقول: قبلت وما يجري مجراه (٣). ويتم القبول بكل فعل دل على القبول، ولا يشترط كونه لفظاً؛ لأن التوكيل إباحة ورفع حجر، فأشبه إباحة الطعام (٤). ويجوز بالاتفاق قبول الوكالة على الفور والتراخي؛ لأن قبول وكلائه ﷺ كان بفعلهم، وكان متراخياً عن توكيله إياهم. فإذا لم يوجد الإيجاب والقبول لا يتم العقد، فلو وكل إنسان غيره بقبض دينه، فأبى أن يقبل، ثم ذهب الوكيل فقبضه، لم يبرأ المدين؛ لأن تمام العقد

стр. 3947

بالإيجاب والقبول، وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخر، كما في البيع ونحوه. وللوكالة عند الجمهور أركان أربعة: هي الموكل والوكيل والموكل فيه والصيغة. وتصح الوكالة الدورية (١) عند الحنابلة (٢): وهي وكلتك، وكلما عزلتك أو انعزلت فقد وكلتك أو فأنت وكيلي، ويصح عزله بقوله: كلما وكلتك أو عدت وكيلي فقد عزلتك. تعليق الوكالة على شرط أو زمن: الوكالة عند الحنفية والحنابلة قد تكون مطلقاً وقد تكون معلقة بالشرط، مثل: إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا الكتاب، ولا يصح تصرف الوكيل قبل تحقق الشرط، وقد تكون مضافة إلى وقت في المستقبل بأن يقول: وكلتك في بيع هذا الكتاب غداً، ولا يصير وكيلاً قبل الغد. ودليلهم على جواز ذلك أن التوكيل عقد يبيح التصرف مطلقاً، والإطلاقات مما تحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت كالطلاق، وبما أن التوكيل إذن في التصرف فهو يشبه الوصية (٣). وقال الإمام الشافعي في الأصح من مذهبه: لا يصح تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت، مثل: إن جاء زيد أو رأس الشهر فقد وكلتك بكذا. ودليله أن التوكيل عقد تؤثر الجهالة في إبطاله، فلم يصح تعليقه على شرط كسائر العقود من

стр. 3948

بيع وإجارة. ويخالف الوصية لأنها لايؤثر فيها غرر الجهالة، فلا يؤثر فيها غرر الشرط، فتقبل التعليق. أما الوكالة فتؤثر الجهالة في إبطالها فيؤثر غرر الشرط فيها، فلا تقبل التعليق. لكن لو تصرف الوكيل في هذه الحالة صح تصرفه لوجود الإذن، وإن كان العقد فاسداً، وحينئذ إذا كان وكيلاً بأجر سقط المسمى، ووجب له أجر المثل، لأنه عمل في عقد فاسد لم يرض فيه بغير بدل، فوجب أجر المثل كالعمل في الإجارة الفاسدة (١). وإذا نجَّز الوكالة وشرط للتصرف شرطاً جاز اتفاقاً، مثل: وكلتك بشراء شيء، ولكن لا تشتره إلا بعد شهر. تأقيت الوكالة: اتفق الفقهاء على صحة تأقيت الوكالة بزمن معين كشهر أو سنة؛ لأن الوكالة بحسب الحاجة. الوكالة بأجر: تصح الوكالة بأجر وبغير أجر؛ لأن النبي ﷺ كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمولة (٢)، ولهذا قال له أبناء عمه: «لو بعثتنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونصيب ما يصيبه الناس» أي العمولة، ولأن الوكالة عقد جائز لا يجب على الوكيل القيام بها، فيجوز أخذ الأجرة فيها، بخلاف الشهادة فإنها فرض يجب على الشاهد أداؤها. فإن كانت الوكالة بغير أجرة فهي معروف من الوكيل، وإذا كانت الوكالة

стр. 3949

بأجر أي (بجعل) فحكمها حكم الإجارات، فيستحق الوكيل الجُعْل بتسليم ما وكل فيه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسليمه كثوب يخيطه، فمتى سلمه مخيطاً، فله الأجر. وإن وكل في بيع أوشراء أو حج استحق الأجر، إذا عمله، وإن لم يقبض الثمن في البيع (١). وفي الوكالة بأجر يجوز للموكل أن يشترط على الوكيل ألا يخرج نفسه منها إلا بعد أجل محدود، وإلا لما كان عليه التعويض. عموم الوكالة وتخصيصها: تصح الوكالة العامة عند الحنفية والمالكية (٢)؛ لأنها تجوز في كل ما يملكه الموكل وفي كل ما تصح فيه النيابة من التصرفات المالية وغيرها. وقال الشافعي والحنابلة (٣): لا تصح الوكالة العامة؛ لما فيها من عظيم الغرر. واتفق الفقهاء على جواز الوكالة الخاصة، وهو الأصل الغالب فيها. مشروعية الوكالة: الوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى حكاية عن أهل الكهف: ﴿فابعثوا أحدكم بوَرِقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه﴾ [الكهف:١٩/ ١٨] وهذه وكالة في الشراء، وقوله : ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ [النساء:٣٥/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾ [يوسف:٩٣/ ١٢] وقوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف:٥٥/ ١٢]. وقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾ [التوبة:٦٠/ ٩] أي السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة، لأن الله سبحانه جوز العمل

стр. 3950

على الصدقات، وهو بحكم النيابة عن المستحقين. وقوله سبحانه: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ [النساء:٣٥/ ٤] والحكمان وكيلان عن الزوجين. وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: «أنه ﷺ بعث السعاة لأخذ الزكاة»، ومنها: «توكيله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمري في نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان» (١) ومنها «توكيله أبا رافع في قبول نكاح ميمونة بنت الحارث» (٢) ومنها «توكيله حكيم بن حزام بشراء الأضحية، وتوكيله عروة البارقي في شراء الشاة» (٣). ومنها خبر البخاري في التوكيل بإعطاء بعير سداداً لدين رجل، وقوله ﵇: «إن خياركم أحسنكم قضاء». وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز الوكالة، ولأن الحاجة داعية

стр. 3951

إليها، فإن الشخص قد يعجز عن قيامه بمصالحه كلها (١)، فكانت جائزة لأنها نوع من أنواع التعاون على البر والتقوى. و حكمة تشريع الوكالة واضحة: وهي رعاية المصلحة وسد الحاجة ودفع الحرج عن الناس، فقد تتوافر القدرة والكفاءة والخبرة عند إنسان دون آخر، وقد يكون الإنسان محقاً، ولكنه عاجز عن تقديم الحجة والبيان، وخصمه أقدر وأعرف بالحجج، فيكون محتاجاً لتوكيل غيره للدفاع عنه، وإظهار حقه. الحكم التكليفي للوكالة: الأصل في الوكالة الإباحة، وقد تصبح مندوبة إن كانت إعانة على مندوب. وقد تصير مكروهة إن أعانت على مكروه، وقد تكون حراماً إن أعانت على حرام، وقد تكون واجبة إن دفعت ضرراً عن الموكل. المبحث الثاني - شرائط الوكالة: يشترط لصحة الوكالة شروط في الصيغة وفي العاقدين وفي محل العقد. والعاقدان هما: الموكل والوكيل، والموكل يجوز أن يكون غائباً أو امرأة أو مريضاً بالاتفاق، أو حاضراً صحيحاً خلافاً لأبي حنيفة. والوكيل: كل من جاز له التصرف لنفسه في شيء، جاز له أن ينوب فيه عن غيره، إلا أنه لا يجوز توكيل العدو على عدوه. ولا يجوز عند المالكية توكيل الكافر على بيع أو شراء أو عقد سلَم لئلا يفعل الحرام، ولا توكيله على قبض من المسلمين لئلا يستعلي عليهم.

стр. 3952

أما ما يشترط في الصيغة: فهو شرطان عند الشافعية: ١ - أن تتم الوكالة بلفظ يدل على الرضا بالتوكيل إما صراحة أو كناية، مثل وكلتك ببيع داري، أو أقمتك مقامي في بيعه، ولا يشترط اللفظ في القبول، بل يكفي الفعل، كإباحة الطعام للضيف. ٢ - عدم تعليقها على شرط عند الشافعية، مثل إن جاء فلان من السفر فأنت وكيلي بكذا. ولكن يصح تعليق التصرف بأمر إذا كانت الوكالة منجزة، مثل وكلتك في بيع داري على أن يتم البيع عند قدوم فلان. ويصح تقييد الوكالة بوقت، كأن يتم التوكيل لمدة شهر أوسنة. أما شرط الموكل: فهو أن يكون مالكاً للتصرف الذي يوكل فيه، وتلزمه أحكام ذلك التصرف. فلا يصح التوكيل من المجنون والمغمى عليه والصبي غير المميز؛ لعدم وجود العقل الذي هو من شرائط الأهلية، ولأنه لا تلزمهما أحكام التصرفات، كما لا يصح التوكيل من الصبي المميز بما لايملكه بنفسه من التصرفات كالطلاق والهبة والصدقات ونحوها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً به. أما التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول التبرعات، فيجوز للصبي المميز التوكيل بها. وأما التصرفات المترددة بين النفع والضرر كالبيع والإجارة: فإن كان المميز مأذوناً في التجارة يصح منه التوكيل بها، لأنه يملكها بنفسه، وإن كان ممنوعاً من التصرف ينعقد التوكيل منه موقوفاً على إجازة وليه، وعلى إذن وليه بالتجارة أيضاً (١).

стр. 3953

وقال الإمام الشافعي: لا يصح توكيل الصبي مطلقاً، إذ لا تصح عنده مباشرته لأي تصرف. وهذا هو رأي المالكية والحنابلة (١). واكتفى أبو حنيفة باشتراط أن يكون التوكيل حاصلاً بما يملكه الوكيل، وبناء عليه يجوز عنده توكيل المسلم ذمياً بشراء الخمر والخنزير. ولا يصح توكيل المحجور عليه لسفه في تصرف مالي؛ لأنه لا يملك مباشرته. ولا يصح للمرأة والمحرم بحج أو عمرة عند الجمهور غير الحنفية التوكيل بمباشرة عقد الزواج؛ لأنه لا يصح منهما مباشرته. كما لا يصح للأب الفاسق أن يوكل في تزويج ابنته؛ لأنه لا يملك مباشرة ذلك بنفسه. ويستثنى من ذلك الأعمى عند الشافعية فإنه لا يصح له البيع والشراء ونحوهما مما يتوقف على الرواية، ويصح أن يوكل في ذلك للضرورة. وأما شروط الوكيل: فهو: ١ - أن يكون عاقلاً أي يعقل العقد بأن يعرف مثلاً أن البيع سالب والشراء جالب، ويعرف الغبن اليسير من الغبن الفاحش، فلا تصح وكالة المجنون والصبي غير المميز. أما الصبي المميز فتصح وكالته عند الحنفية سواء أكان مأذوناً في التجارة أم محجوراً. واشترط هذا الشرط؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في العبارة، فلابد من أن يكون من أهل العبارة، وأهلية العبارة لاتكون إلا بالعقل والتمييز، وقد زوج ابن أم سلمة - وكان صبياً - النبي ﷺ . وقال الشافعي والمالكية والحنابلة: وكالة الصبي والمجنون والمغمى عليه غير صحيحة؛ لأن كل واحد منهم غير مكلف، فلا تصح مباشرته التصرف لنفسه،

стр. 3954

فلا يصح توكله، وأجاز الشافعية على الصحيح توكيل الصبي المميز في الإذن بدخول دار وإيصال هدية وحج وتطوع وذبح ضحية وتفرقة زكاة. ولا يصح توكيل السفيه في تصرف مالي، ولا توكيل المحرم بحج أو عمرة، ولا توكيل المرأة في إبرام عقد نكاح عند الجمهور غير الحنفية، لعدم صحة مباشرة المحرم والمرأة عقد الزواج. ولا يصح عند الشافعية توكيل الأعمى في تصرف يتطلب الرؤية. ٢ - ويشترط عند الحنفية أيضاً: أن يكون الوكيل قاصداً العقد، بألا يكون هازلاً، وأن يعلم بالتوكيل في الجملة، فلو وكل رجلاً ببيع كتابه، فباعه الوكيل من رجل قبل أن يعلم بالوكالة، لا يجوز بيعه، حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد علمه بالوكالة؛ وعلم الوكيل بالوكالة يثبت بالمشافهة أو الكتابة إليه، أو بإرسال رسول إليه، أو بإخبار رجلين أورجل واحد عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل (١). ٣ - أن يكون الوكيل معيناً إما بنسبة أو إشارة إليه، فلو وكل أحد رجلين لم تصح الوكالة للجهالة. وأن يكون عالماً بموكله بوصف له أو شهرة (٢). واشترط المالكية في الموكل والوكيل ثلاثة شروط: الحرية، والرشد، والبلوغ، فلا يصح التوكيل بين الأرقاء والأحرار، ولا بين السفهاء والمحجورين، ولا بين الصبيان أو بينهم وبين البالغين. واشترط الشافعية في الوكيل أن يكون عدلاً إذا كان وكيلاً عن القاضي أو عن الولي في بيع مال من تحت ولايته.

стр. 3955

وأما شروط الموكل به فهي: ١ - ألا يكون الموكل فيه من الأمور المباحة: فلا يصح لإنسان أن يوكل غيره بالاحتطاب والاحتشاش واستقاء الماء واستخراج المعادن كالنحاس والرصاص والجواهر، فإذا حصل التوكيل في شيء مما ذكر فهو للوكيل، وليس للموكل فيه شيء. وهذا الشرط عند الحنفية، وأجاز الجمهور في الأظهر عند الشافعية التوكيل في هذه الأمور، ويقسم بينهم على قدر أجر كل منهم بلا ترجيح بينهم لحصوله بمنافع مختلفة (١)؛ لأن تملك المباحات أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء والبيع، فصح التوكيل فيه. ٢ - أن يكون الموكل به مملوكاً للموكل: لأن ما لا يملكه لا يتصور تفويض التصرف به لغيره، وهذا متفق عليه. ٣ - أن يكون معلوماً من بعض الوجوه بحيث لا يعظم الغرر فيه، وهذا شرط للشافعية. ٤ - ألا يكون الموكل فيه طلب قرض من الغير، فإذا وكل إنسان غيره في أن يقترض له من شخص مالاً، فقال الوكيل: أقرضني كذا، فأقرضه، كان القرض للوكيل لا للموكل، لكن يصح ذلك بطريق الرسالة، بأن يقول: أرسلني فلان ليستقرض كذا. ٥ - أن يكون قابلاً للنيابة شرعاً: وهو كل ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية وغيرها، فلا تصح الوكالة في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث؛ لأن المقصود منها الابتلاء والاختبار بإتعاب النفس، وهو لا يحصل

стр. 3956

بالتوكيل، ولا يصح التوكيل باليمين؛ لأن المقصود منها إظهار صدق الحالف وتعتمد على الإجلال والتعظيم والعبودية لله تعالى، وهذا أمر شرعي، ولا يصح التوكيل بالنكاح بمعنى الوطء؛ لأن المقصود به الإعفاف وإنجاب ولد ينسب إليه. وتجوز الوكالة عند الجمهور في العبادات التي لها تعلق بالمال قبضاً وإخراجاً ودفعاً إلى المستحق كالزكاة والكفارة والنذر والصدقة والحج والعمرة عند العجز وبعد الموت، وذبح الهدي وجبران النقص في الإحرام بالحج أو العمرة وذبح الأضحية ونحوها (١)؛ لأن المقصود بها إيصالها لأهلها، ولم يجز المالكية التوكيل بالحج؛ لأن المقصود به تهذيب النفس وتعظيم شعائر الله (٢)، وأما إنفاق المال فهو أمر عارض. وقد اختلف الفقهاء في بعض الأمور التي يجوز التوكيل بها، مما يقتضينا قسمة ما يجوز التوكيل به وما لا يجوز إلى قسمين: إما أن يكون التوكيل بحقوق الله وهي كل الحدود عند الحنفية، وعند غيرهم ما عدا حد القذف. وإما أن يكون بحقوق العباد. أولاً - الوكالة في حقوق الله تعالى: التوكيل في حقوق الله تعالى نوعان: أحدهما - بالإثبات، والثاني - بالاستيفاء. ١ - التوكيل بإثبات الحدود: قال الحنفية: إن كان الحد لايحتاج في إظهاره

стр. 3957

لكن استثناء القود محل نظر كما سيأتي. عند القاضي إلى الخصومة (أي للدعوى) كحد الزنا وشرب الخمر فلا يصح فيه التوكيل بإثباته؛ لأنه يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير حاجة إلى رفع دعوى من صاحب الحق، فتكفي فيه شهادة الحسبة بدون دعوى. فيتلخص من هذا أنه يشترط في الموكل فيه ألا يكون حداً من الحدود التي لا يشترط فيها إقامة الدعوى كحد الزنا وحد شرب الخمر. وإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة (أي إقامة دعوى) كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، بإقامة البينة على الجريمة الموجبة للحد. ولا يجوز التوكيل بذلك عند أبي يوسف وإنما لا يثبت إلا بالبينة أو الإقرار من الموكل، وهذا الخلاف يجري أيضاً في إثبات القصاص، استدل أبو يوسف على رأيه؛ وهو أن الوكالة لا تجوز في إثبات الحدود والقصاص بالقياس على عدم جواز الوكالة بالاستيفاء، فكما لا يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص لا يجوز التوكيل بإثباتها؛ لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء. ورد أبو حنيفة ومحمد على دليل أبي يوسف بأن هناك فرقاً بين الإثبات والاستيفاء، فإن امتناع التوكيل بالاستيفاء بسبب وجود شبهة كما سنعرف، وتلك الشبهة غير متوفرة في التوكيل بالإثبات (١). وقال الشافعية: لا يجوز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى، لأن الحق فيها لله سبحانه، وهو قد أمرنا بدرء الحدود والتوصل إلى إسقاطها، وبالتوكيل يتوصل إلى إيجاب الحد، فلا يجوز. أما إثبات القصاص وحد القذف فيجوز التوكيل فيهما؛ لأنهما حق آدمي، فجاز التوكيل في إثباته، كالحق في المال (٢). ويجوز التوكيل عندهم في استيفاء الحدود كما سيأتي بيانه.

стр. 3958

وقال الحنابلة (١): يجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف في حضرة الموكل وغيبته؛ لأنهما من حقوق الآدميين، وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما. وكذلك الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة: يجوز التوكيل في إثباتها؛ لأن الرسول ﷺ وكل أنيساً في إثبات واستيفاء حد الزنا، فإنه قال: «فإن اعترفت فارجمها» وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت، وقد وكله في إثبات الحد واستيفائه جميعاً. والوكيل يقوم مقام الموكل في درء الحدود بالشبهات. ٢ - التوكيل في استيفاء الحدود: اتفق أئمة المذاهب الأربعة في الجملة على أنه يجوز للحاكم التوكيل في استيفاء (٢) حدود الله تعالى وفي القصاص، غير أنه قد يوجد خلاف في المذهب في صحة التوكيل بالاستيفاء حال غياب الموكل عن مجلس الاستيفاء أي والموكل غير حاضر. وأذكر هنا تفصيل كل مذهب على حدة: قال أبو حنيفة ومحمد: أما التوكيل من صاحب الحق باستيفاء الحدود التي تحتاج إلى إقامة الدعوى كحد القذف وحد السرقة، فإن كان الموكل حاضراً بأن يحضر هو ووكيله حال تنفيذ الحد، فإنه يجوز التوكيل إذ ليس كل أحد يحسن الاستيفاء إما لضعف قلبه أو لنقص خبرته ومعرفته. و أبو يوسف: لا يجيز التوكيل في استيفاء حد القذف وحد السرقة، كما لا يجوز التوكيل في إثباتهما، والظاهر أنه يقول: إن التوكيل في الحدود التي هي من حقوق الله تعالى لا معنى له، سواء

стр. 3959

احتاجت لدعوى أم لا؛ لأن ولي الأمر مطالب باستيفائها، فلا بد له من تنفيذها، وليس للمجني عليه فيها شأن (١). وأما إن كان المقذوف والمسروق منه غائباً وقت الاستيفاء فاختلفت فيه مشايخ الحنفية. فقال بعضهم: يجوز التوكيل؛ لأن عدم الجواز لاحتمال حدوث العفو والصلح، وهنا لا يتأتى ذلك الاحتمال؛ لأن الأمر وصل إلى القاضي، والحق صار لله تعالى وحده، فلو عفا عنه المسروق منه لا يلتفت إليه. وقال بعضهم وهو الأرجح عند الحنفية: لا يجوز التوكيل بالاستيفاء؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وغيبة الموكل شبهة؛ لأنه لو كان حاضراً وقت الاستيفاء وإن لم يملك العفو والصلح إلا أنه إذا كان مقذوفاً قد يصدق القاذف فيما قذفه به، وإذا كان مسروقاً منه فقد يترك الخصومة (أي يسقط ادعاءه)، فلا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة. والنتيجة: أنه لا يصح وقوع الحد بدون حضور الموكل وهو المجني عليه. وأما التعازير: فيجوز التوكيل بإثباتها واستيفائها باتفاق الحنفية وباقي المذاهب (٢)، وللوكيل أن يستوفي سواء أكان الموكل غائباً أم حاضراً؛ لأن التعزير حق الشخص، ولا يسقط بالشبهات بخلاف الحدود. وأما التوكيل باستيفاء القصاص: فإن كان الموكل وهو ولي الدم حاضراً جاز، لأنه قد لا يقدر على الاستيفاء، فيحتاج إلى التوكيل، وإن كان غائباً لا

стр. 3960

يجوز، لاحتمال صدور العفو منه عن القاتل إذا كان حاضراً، فلا يجوز استيفاء القصاص مع قيام الشبهة. هذا هو مذهب الحنفية في الاستيفاء (١)، وخلاصته: أنه لا يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص بدون حضور الموكل وهو المجني عليه وقت الاستيفاء؛ لأنها تدرأ بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة حال غيبة الموكل، بخلاف حال حضرته أو وجوده لانتفاء الشبهة. وقال المالكية: تجوز الوكالة باستيفاء العقوبات في حضرة الموكل وغيبته (٢). وقال الحنابلة في ظاهر المذهب عندهم: تجوز الوكالة باستيفاء الحدود والقصاص في حضرة الموكل وغيبته؛ لأن النبي ﷺ قال: «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها أنيس، فاعترفت، فأمر بها فرجمت» (٣) وأمر النبي ﷺ برجم ماعز، فرجموه، ووكل عثمان علياً في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ووكل علي الحسن في ذلك، فأبى الحسن، فوكل عبد الله بن جعفر، فأقامه وعلي يعد، ولأن الحاجة قد تدعو إلى التوكيل؛ لأن الإمام لا يمكنه تولي الحد بنفسه. وقال بعض الحنابلة كالحنفية: لا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف في غيبة الموكل؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط العقاب، وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء، ولأن العفو مندوب إليه، فإذا حضر احتمل أن يرحم المقتص منه أو القاذف، فيعفو.
следующие страницы →