← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

ومنعاً من الاختلاف: لا بد للموكل الذي يوكل غيره بشراء شيء من تسمية جنسه وصفته، أو جنسه ومقدار ثمنه، إلا أن يوكله وكالة عامة، فيقول: اشتر لي ما رأيت؛ لأنه فوض الأمر إلى رأيه، فأي شيء يشتريه يكون ممتثلاً في رأي أبي حنيفة خلافاً للصاحبين إذ يتقيد بالعرف والعادة (١). وقال المالكية والشافعية والحنابلة: إذا كانت الوكالة بالشراء مطلقة، فيلزم المشتري أن يشتري بثمن المثل، ولا يشتري بأكثر من ثمن المثل بما لا يتغابن الناس به من غير إذن الموكل؛ لأن الوكيل منهي عن الإضرار بالموكل، مأمور بالنصح له، وفي الزيادة على ثمن المثل في الشراء إضرار وترك للنصح (٢). ولا يشتري شيئاً معيباً مع العلم بالعيب؛ لأن الموكل لم يأذن له بشراء المعيب، وقد لا يتمكن الموكل من رد المبيع لهرب البائع، فيتضرر بذلك. وإذا وُكل رجل بشراء شيء بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه، وإذا اشترى يقع الشراء للموكل؛ لأن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة، وهو لا يملك العزل إلا بمحضر من الموكل. أما إذا وكل بشراء شيء بغير عينه، فيكون الشراء لنفسه، إلا أن ينويه للموكل. والوكيل بالشراء لا يملك الشراء من نفسه، كما لا يملكه الوكيل بالبيع، وهذا باتفاق الحنفية والشافعية والحنابلة وكذا المالكية؛ لأن حقوق العقد كما عرفنا ترجع عند الحنفية والشافعية إلى الوكيل، ولا يمكن أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً، مطالِباً ومطالباً، ولأنه متهم في الشراء من نفسه. وروي عن الإمام مالك: أنه يجوز للوكيل أن يشتري من نفسه بثمن المثل فأكثر (٣).

стр. 3992

ويجوز عند المالكية: أن يبيع الوكيل لزوجته وولده الرشيد إذا لم يحابهما، كما يجوز له الشراء منهما مما وكل فيه إذا لم يكن محاباة لهما وقت الشراء. وكذلك لا يملك الشراء من أبيه وجده وولده وولد زوجته، وكل من لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين: فيجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها. وقد ذكرت أدلة مختلف الآراء في الوكالة بالبيع، وتعرف آراء المذاهب الأخرى في الشراء لنفسه وأصوله وفروعه من حكم البيع لنفسه. وإذا وُكل إنسان بشراء طعام، فيراد به الحنطة والدقيق بقرينة الشراء في العرف. وإذا وكل بشراء لحم ينصرف المقصود إلى اللحم الذي يباع في السوق، ويشتري الناس منه في الأغلب من لحم الضأن والمعز والبقر والإبل إن جرت العادة بشرائه، ولا ينصرف المراد إلى المشوي والمطبوخ إلا إذا كان مسافراً، ولا إلى لحم الطير والوحش والسمك ولا إلى شاة حية ولا إلى مذبوحة غير مسلوخة، لعدم جريان العادة بشرائه، ولا إلى البطن والكرش والكبد والرأس والكراع، لأنها ليست بلحم عرفاً. ولو وكل إنسان بشراء سمك، فيراد به الطري الكبير، لا المملح ولا الصغير، لأن العادة كذلك. ولو وكل بشراء الرأس، فيقصد منه الرأس النيء لا المطبوخ والمشوي ويحدد المطلوب برأس الغنم دون الإبل والبقر إلا في موضع جرت العادة بما اشتراه. ولو وكل بشراء فاكهة، فله أن يشتري أي فاكهة تباع في السوق عادة. وإذا

стр. 3993

وكل بشراء البيض فيراد به بيض الدجاج. وإذا وكل بشراء لبن فيراد به ما يباع عادة في السوق من الغنم والبقر والإبل. وبه يلاحظ أن المقصود فيما يوكل الإنسان بشرائه يتحدد بحسب العرف السائد عادة وفعلاً بحسب كل زمان ومكان. علاقة الوكيل بالشراء بموكله: إذا دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله من غير صريح إذن الموكل وقبض المبيع، فله أن يرجع به على الموكل لوجود الإذن دلالة؛ لأن حقوق العقد كما سأبين لما كانت عائدة إلى العاقد وقد علم الموكل بالثمن، يكون راضياً بدفعه. فإن هلك المبيع في يد الوكيل قبل حبسه عن الموكل، هلك من مال الموكل، ولم يسقط الثمن؛ لأن يده كيد الموكل. وللوكيل بالشراء أن يحبس المبيع في يده حتى يستوفي الثمن، وإن لم يكن قد دفعه بعد؛ لأنه مع الموكل بمنزلة البائع. فإن حبسه لاستيفاء الثمن، فهلك في يده، كان مضموناً عليه ضمان الرهن عند أبي يوسف، فيضمن الأقل من قيمته ومن الثمن، وضمان الغصب عند زفر فيجب مثله أو قيمته بالغة ما بلغت، وضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد، فيسقط الثمن قليلاً كان أو كثيراً (١). وأما علاقة الوكيل بمن تعامل معه لحساب الموكل فهي تنفيذ حقوق العقد، كدفع الثمن والرد بالعيب ما دام المبيع في يده. ثانياً - حقوق العقد وحكمه في الوكالة: حقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها للحصول على الغاية والغرض من

стр. 3994

العقد، مثل تسليم المبيع، وقبض الثمن، والرد بالعيب أو بخيار الرؤية أو الشرط، وضمان رد الثمن إذا استحق المبيع مثلاً (١). وقد اتفق الفقهاء على أن الوكيل إذا أضاف العقد إلى الموكل في العقود التي تتم بالإيجاب والقبول كالبيع، تنصرف حقوق العقد إلى الموكل. فإن أضاف العقد إلى نفسه، فالقاعدة العامة في التوكيل بالبيع والشراء: أن حقوق العقد ترجع عند الجمهور إلى الوكيل، فهو الذي يلتزم بتسليم المبيع ويقوم بتسليمه فعلاً وبقبضه، وهو الذي يقبض الثمن ويطالب به، ويخاصم في الرد بالعيب، ونحو ذلك. وعند الحنابلة ترجع إلى الموكل، على تفصيل سيأتي قريباً. قال الحنفية: الوكالة: منها - ما لا حقوق له إلا ما أمر به الوكيل، كالوكالة بتقاضي الدين، والوكالة بالملازمة (٢) ونحوهما. ومنها - ما تعود حقوقه للوكيل، ومنها ما تعود حقوقه للموكل. أـ والقاعدة العامة في هذا عند الحنفية أن كل عقد لا يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل ويكتفي فيه بالإضافة إلى نفسه: فحقوقه راجعة إلى العاقد، كالبياعات والأشرية والإجارات والصلح الذي هو في معنى البيع (أي الصلح عن إقرار) فحقوق هذه العقود ترجع للوكيل وعليه، مثل تسليم المبيع، وقبض الثمن، والمطالبة بالثمن إذا اشترى، وقبض المبيع، والمخاصمة بالعيب. فيجب عليه تسليم المبيع إلى المشتري، وقبض الثمن. وإذا وجد المشتري بالمبيع عيباً فله أن يخاصم الوكيل، وإذا ظهر أن المبيع مستحق لغير البائع، فيجب

стр. 3995

على الوكيل الضمان، إلا إذا كان العاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي ليس أهلاً للمسؤولية والتزام الحقوق) كالصبي المحجور عن التصرف، والقاضي، وأمين القاضي، ونحوهم، فحينئذ ترجع حقوق العقد للموكل نفسه لا إلى الوكيل، وكذلك ترجع حقوق العقد للموكل، إذا أضاف الوكيل العقد إلى الموكل. وللوكيل أن يوكل غيره في تحمل حقوق العقد، وليس للموكل أن يباشر شيئاً منها بنفسه ما دام الوكيل قائماً، فإذا طالب الموكل بالبيع المشتري بالثمن، فللمشتري أن يمنعه من قبضه؛ لأنه أجنبي عن العقد وحقوقه؛ لأن الحقوق إلى العاقد. فإن دفع المشتري الثمن إلى الموكل جاز؛ لأن نفس الثمن المقبوض يعتبر حقه، وليس للوكيل أن يطالبه به ثانياً لعدم الفائدة لأنه لو أخذه منه لوجب عليه إعادته له. ب - وكل عقد يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل، أي أن يذكر اسم الموكل في عبارته ليدل على أنه يتصرف له: فحقوقه ترجع إلى الموكل كالنكاح، والطلاق على مال، والخلع، والصلح عن دم العمد، والصلح عن إنكار المدعى عليه، ونحوها، فحقوق هذه العقود تكون للموكل وعليه، والوكيل فيها يكون سفيراً ومعبراً محضاً، حتى إن وكيل الزوج في النكاح لا يطالب بالمهر، وإنما يطالب به الزوج، إلا إذا ضمن المهر، فحينئذ يطالب به بحكم الضمان، ووكيل المرأة في النكاح لا يملك قبض المهر، ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها. وكذا الوكيل بالخلع لا يملك قبض بدل الخلع إن كان وكيلاً عن الزوج، وإن كان وكيلاً عن المرأة لا يطالب ببدل الخلع إلا بالضمان، وكذا الوكيل بالصلح عن دم العمد. جـ - وكذلك العقود التي لا تتم إلا بالقبض، أي العقود العينية كالهبة والقرض والإعارة والرهن ونحوها لا بد من إضافتها إلى الموكل وترجع الحقوق

стр. 3996

له، وإلا وقع العقد للوكيل. والسبب في أن هاتين الفئتين من العقود لا بد فيها من نسبة العقد للأصيل: هو أنه يكون للاعتبار الشخصي فيها المقام الأول. هذا مذهب الحنفية (١)، ويذكرون في كتبهم كعادتهم في كثير من الأحيان: أن الشافعية يخالفونهم، فيجعلون حقوق العقد راجعة للموكل دون الوكيل (٢)، إلا أن الواقع يوجب الاعتماد في نقل أحكام المذاهب على الكتب المعتمدة عند أصحابها، ففي كتاب المنهاج للنووي نص صريح على أن أحكام العقد أي (حقوقه) تتعلق بالوكيل دون الموكل (٣)، فهم كالحنفية في هذا. وكذلك قال المالكية: ترجع حقوق العقد للوكيل من قبض الثمن وغيره لا للموكل (٤). أما الحنابلة فيقولون: إن حقوق العقد ترجع للموكل دون الوكيل؛ لأن الوكيل عندهم مجرد سفير ومعبر عن العاقد الأصيل (٥). وفي هذا الرأي إضاعة للغرض من الوكالة؛ لأن الموكل يوكل غيره في أموره ليخفف من عناء مباشرته لها بنفسه أو لأنه لا يليق به أن يباشرها، أو لعدم قدرته على القيام بها، فإذا عادت الحقوق للموكل نفسه لم يتحقق له الغرض من الوكالة (٦).

стр. 3997

هذا الاختلاف بين المذاهب محصور فيما إذا لم يصرح الوكيل بأن التعاقد لحساب الأصيل، فإن صرح بأن التعاقد باسم الأصيل فالمذاهب مجمعة على ثبوت حكم العقد وحقوقه معاً تقع للأصيل دون النائب. يستفاد من هذا البحث معرفة حقوق كل من الموكل والوكيل وواجباتهما في البيع، ف واجبات الموكل في الوكالة بالبيع: تحمل الخسارة العارضة إذا لم يكن تعد أو تفريط، ودفع الأجر للوكيل إن كانت الوكالة بأجر ونفذ العمل، وحق الموكل: تنفيذ الوكيل ما التزم به في حقه. و واجبات الوكيل بالبيع: التقيد بالقيود ومراعاة الشروط المبينة في الوكالة المقيدة، ومراعاة العرف والعادة في الوكالة المطلقة. و واجبات الموكل في الوكالة بالشراء: دفع ثمن السلعة المشتراة، وتحمل الخسارة العارضة في التصرف الموكل فيه إذا لم تكن بتعدٍ أو تفريط، ودفع أجر الوكيل إن كانت الوكالة بأجر. و واجبات الوكيل بالشراء: الشراء بثمن المثل عملاً بالعرف، وشراء السلعة السليمة من العيوب عند الجمهور غير أبي حنيفة، وعليه عند الحنفية شراء الشيء المعين للموكل لا لنفسه وأقاربه، وعليه عند المالكية فعل كل ما فيه مصلحة للموكل، فإن خالف الوكيل شروط الموكل كان عند الحنفية مشترياً لنفسه. و حقوق الوكيل بالشراء: الشراء بأقل مما عينه له الموكل؛ لأنه خلاف إلى خير، والرجوع على الموكل بما دفع من ماله ثمناً للسلعة المشتراة للموكل، وحبس ما اشتراه للموكل حتى يستوفي الثمن منه، والرد بالعيب ما دام المعيب في يده. حكم العقد: تكلمنا عن حقوق عقد الوكالة التي ترجع إلى الوكيل عند الحنفية والشافعية. وقد رأينا من المناسب أن نذكر حكم العقد هنا استطراداً.

стр. 3998

المراد بحكم العقد: هو الغرض والغاية منه: أـ ففي عقد البيع ونحوه مما يتوقف على الإيجاب والقبول يكون الحكم: هو ثبوت الملكية في المبيع للمشتري وفي الثمن للبائع. واتفق الفقهاء على أن حكم العقد الذي يتم بواسطة وكيل يقع للموكل نفسه لا للوكيل؛ لأن الوكيل متكلم باسم الموكل وعاقد له، فهو قد استمد ولايته منه. وينصرف حكم العقد للموكل عند الجمهور مطلقاً، سواء أضاف الوكيل العقد لنفسه أم أسنده إلى الموكل. وعند المالكية: ينصرف الحكم للموكل إذا أعلن الوكيل في العقد أنه يعمل لحساب موكله. وتثبت الملكية للموكل مباشرة بمجرد تمام العقد أي من ابتداء الأمر دون حاجة لثبوتها للوكيل أولاً، ثم انتقالها عنه لموكله، وهذا في المذاهب الأربعة؛ لأن الوكيل يعمل في الحقيقة لموكله وبأمره (١). ويترتب عليه أن المسلم لو وكل ذمياً بشراء خمر أو خنزير لم يصح الشراء؛ لأن المسلم ليس له أن يتملك شيئاً من هذين. هذا هو مذهب الحنفية لا ما تذكره كتب الحنابلة والمالكية من أن مذهب أبي حنيفة أن الملكية تنتقل إلى الوكيل ثم إلى الموكل. ب - العقود التي لا تتم إلا بالقبض كالهبة والإعارة: يقع حكم العقد للموكل ولو أضاف الوكيل العقد لنفسه بأن قال: وهبت أو أعرت هذا الشيء؛ لأن الوكيل في هذه العقود مجرد سفير ومعبر. جـ - عقد الزواج: إذا أضاف العقد لموكله بأن قال: تزوجك فلان، انصرف

стр. 3999

حكمه إلى الموكل. وإذا أضافه إلى نفسه فقال: تزوجتك، كان الزواج له لا لموكله. د - الطلاق مثل الزواج في التفصيل السابق، إن كان وكيلاً عن الزوج، فإن كان وكيلاً عن الزوجة، فلا بد من إضافة الطلاق إليها، فيقول: طلِّق فلانة على كذا. ثالثاً - حال المقبوض في يد الوكيل: اتفق الفقهاء على أن المقبوض في يد الوكيل يعتبر أمانة بمنزلة الوديعة ونحوها؛ لأن يده نيابة عن الموكل بمنزلة يد الوديع، فيضمن بما يضمن في الودائع، ويبرأ بما يبرأ فيها، ويكون القول قوله في دفع الضمان عن نفسه (١). ومجمل القول في سبب الحكم: هو أن الوكيل أمين فلا ضمان عليه لموكله إلا إذا حدث منه تعد أو تفريط، ويتحمل الموكل الخسارة العارضة إذا لم تكن بتعدٍ أو تفريط من الوكيل. وبناء على هذه القاعدة ذكر ابن قدامة في المغني حكم ستة أحوال يختلف فيها الوكيل والموكل عادة، أذكرها باختصار: أحدها - أن يختلفا في تلف أو ضياع المال، فقال الوكيل: تلف مالك في يدي، أو ضاع، فيكذبه الموكل، فالقول بالاتفاق قول الوكيل مع يمينه، لأنه أمين، وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه، فلا يكلف بالبينة كالوديع. واستثنى الحنابلة حالة ادعاء الوكيل التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب ونحوهما، فعليه إقامة البينة على وجود التلف.

стр. 4000

ثانيها - أن يختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ ومخالفته أمر الموكل، مثل: أن يدعي عليه أنه حمل الدابة فوق طاقتها أو فرط في حفظها، أو أمره برد المال فلم يفعل، ونحوها، فالقول قول الوكيل أيضاً مع يمينه، لأنه أمين كما تقدم. والمشهور عند المالكية أن يحكم بقول الموكل (١). والوكيل أمين سواء أكانت الوكالة بجعل أم بغير جعل؛ لأن الوكيل نائب عن الموكل في اليد (أي الحيازة) والتصرف، فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، فلا يضمن ما تلف في يده بلا تعد. ثالثها - أن يختلفا في التصرف، فيقول الوكيل: بعت الثوب وقبضت الثمن، فتلف، فيقول الموكل: لم تبع ولم تقبض. أو يقول: بعت ولم تقبض شيئاً، أي أن الخلاف إما في حدوث البيع، أو في قبض الثمن بعد الاتفاق على البيع، فالقول قول الوكيل عند الحنابلة والحنفية؛ لأنه يملك البيع والقبض، فيقبل قوله فيهما (٢). وعند الشافعية قولان: أصحهما أنه يصدق قول الموكل بيمينه؛ لأن الأصل عدم التصرف، وبقاء ملك الموكل (٣). رابعها - أن يختلفا في رد الشيء الموكل فيه إلى الموكل، فيدعيه الوكيل وينكره الموكل، فالقول قول الوكيل عند أئمة المذاهب الأربعة في الراجح منها، سواء أكانت الوكالة بجعل أم بغير جعل؛ لأن الموكل ائتمنه، وإذا كانت الوكالة بجعل، فإن الوكيل ينتفع بالعمل بالعين لا بالعين نفسها، فلم يكن قبضه لنفع نفسه كالمستعير (٤).

стр. 4001

خامسها - إذا اختلفا في أصل الوكالة، فقال الوكيل: وكلتني، فأنكر الموكل، فالقول قول الموكل بيمينه في المذاهب الأربعة؛ لأن الأصل عدم الوكالة، فلم يثبت أنه أمينه، ليقبل قوله عليه (١). سادسها - أن يختلفا في صفة الوكالة بأن يقول الوكيل: وكلتني في البيع نسيئة، أو الشراء بعشرين ليرة مثلاً، أو ببيع هذا الكتاب، فقال الموكل: بل نقداً، أو بعشرة، أو هذا القلم، فالقول قول الموكل بيمينه في المذاهب الأربعة؛ لأن الأصل عدم الإذن فيما ذكره الوكيل، ولأن الموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه (٢). وإن تنازعا في الثمن المدفوع للسلعة في الوكالة بالشراء فالقول عند الحنفية قول الوكيل إن كان الشيء يساوي ما ادعاه الوكيل، وإن كان لا يساويه فالقول قول الموكل. وقال الشافعية والحنابلة: القول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه أمين (٣). وإن تنازعا في نوع الشيء المشترى كأن اشترى الوكيل تمراً فزعم الموكل أنه أمره بشراء عنب، فالقول قول الوكيل مع يمينه. وقال المالكية: إن اشترى الوكيل شيئاً بالثمن المدفوع له لشراء سلعة، فزعم الموكل أنه أمره بشراء سلعة غيرها، فالقول قول الوكيل مع يمينه، وكذا إذا وكل شخص غيره ببيع سلعة، فباعها بعشرة، وادعى أن الموكل أمره بذلك، وقال الموكل: بل أمرته بأكثر من ذلك، فالقول قول الوكيل بيمينه (٤).

стр. 4002

المبحث الرابع - تعدد الوكلاء قد يتعدد الوكلاء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات، أو المرافعة أمام القضاء كما يحدث عادة في كثير من الأحيان، فيكون هناك وكيلان أو أكثر. فإن وكل إنسان وكلاء متعددين كلاً في عقد خاص وأعمال خاصة، كان للواحد منهم عند الحنفية أن يقوم بما وكل فيه وحده دون حاجة لاستشارة غيره. وإن كانت الوكالة لعمل واحد كان لأي وكيل القيام به وحده أيضاً. وإن كانت الوكالة للجميع في عقد واحد فليس لأحدهم - دون إذن الموكل - الانفراد بالقيام بما وكلوا فيه، إلا إذا كان التصرف مما لا يحتاج لتبادل الرأي كرد الودائع ووفاء الديون، أو مما لا يمكن الاجتماع فيه كالوكالة بالخصومة، أي المرافعة أمام مجلس القضاء، وكالطلاق. وأجاز المالكية تعدد وكلاء الخصومة بشرط موافقة الخصم على التعدد. ولم يجز الشافعية لأحد وكلاء الخصومة المتعددين الانفراد بالخصومة؛ لأن الموكل لم يرض إلا بتصرفهما معاً، وعند الحنابلة قولان: قول كالشافعية، وقول يجيز الانفراد بالتصرف عرفاً (١). هذه هي القواعد العامة لتعدد الوكلاء، وتطبيقها يظهر في استعراض أنواع الوكالات فيما يأتي: إذا كان التصرف مما يحتاج فيه لأخذ الرأي، فليس لأحد الوكلاء أن يتصرف فيما وكلوا به دون الآخرين؛ لأن الموكل رضي برأيهم المشترك، لا برأي

стр. 4003

أحدهم، فإذا وكل اثنان بالبيع، فلا يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه، ولو فعل لم يجز البيع حتى يجيزه صاحبه، أو الموكل؛ لأن البيع يحتاج فيه إلى أخذ الرأي، والموكل رضي برأيهما، لا برأي أحدهما. وإذا وكل اثنان بالشراء فلا يملك أحدهما الانفراد بالتصرف إلا أنه في الشراء إذا اشترى أحدهما بدون وجود الآخر ينفذ العقد على المشتري، ولا يقف على الإجازة، بخلاف البيع؛ لأن الوكيل بالشراء متهم بمراعاة مصلحته كما عرفنا. وإذا وكل اثنان بعقد الزواج أو الطلاق على مال ونحوهما من كل عقد فيه عوض مالي، فلا يملك أحدهما إجراء العقد بدون الآخر؛ لأن الأمر هنا يحتاج إلى تبادل وجهات النظر وأخذ الآراء. والوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أيضاً أن يقبض دون وجود صاحبه؛ لأن قبض الدين مما يحتاج إلى أخذ الرأي والأمانة، وقد فوض الموكل الرأي لهما، لا إلى أحدهما، ورضي بأمانتهما، لا بأمانة أحدهما. وأما إذا كان التصرف مما لا يحتاج فيه لأخذ الرأي، فيملك أحد الوكيلين أن ينفرد بالتصرف دون الآخر، مثل الوكيلين بالطلاق بغير عوض، أو برد الوديعة أو قضاء الدين، فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؛ لأن هذه التصرفات مما لا يحتاج فيها إلى أخذ الرأي، وإنما هي تعبير محض، وعبارة الواحد أو أكثر سواء. وأما الوكيلان بالخصومة أي القيام بالمرافعة فعلاً أمام المحكمة فكل واحد منهما يتصرف بانفراده عند جمهور الحنفية؛ لأن الاجتماع فيها في وقت واحد أمر متعذر؛ لأن الغرض من الخصومة إعلام القاضي بما يملكه الخصم من وسائل الدفاع واستماع القاضي إليها، واجتماع الوكيلين على الدفاع يخل بالإعلام والاستماع، كما هو واضح. أما إعداد المذكرات للدفاع بها فيمكن طبعاً الاجتماع على

стр. 4004

تحضيرها، كما يمكن تقسيم الدفاع على المحامين الموكلين فيما بينهم، فيقوم كل واحد منهما بقسم منه. وقال زفر: لا ينفرد أحد الوكيلين بالخصومة بالقيام بها دون الآخر؛ لأن الخصومة مما تحتاج إلى أخذ الرأي، ولم يرض الموكل برأي أحدهما (١). وقال الجمهور (٢) (المالكية والشافعية والحنابلة): إذا تعدد الوكلاء فليس لأحدهم الانفراد بالتصرف بدون مشاورة الآخر؛ لأنه لم يرض بتصرف أحدهما دون الآخر، إلا إذا أذن لهما الموكل بإفراد التصرف، فيجوز لكل واحد منهما أن يستقل بالتصرف. المبحث الخامس - طرق انتهاء الوكالة صفة عقد الوكالة: اتفق الفقهاء (٣) على أن عقد الوكالة بغير أجر جائز غير لازم بالنسبة للعاقدين، أما من جانب الموكل: فلأنه قد يرى المصلحة في ترك ما وكل فيه، أو في توكيل شخص آخر. وأما من جانب الوكيل: فلأنه قد لا يتفرغ لأعمال الوكالة، فيكون لزوم العقد مضراً بالطرفين. وبناء عليه، لكل من طرفي عقد الوكالة الرجوع عنه متى شاء، وتنتهي حينئذ الوكالة. وأذكر هنا طرق انتهاء الوكالة. وأما الوكالة بأجر: فإن كانت على سبيل الجعالة بأن لم يعين في العقد الزمن أو العمل فهي غير لازمة أيضاً بالاتفاق، إلا أن المالكية قالوا: تلزم الجاعل فقط بعد الشروع في العمل.

стр. 4005

وإن كانت على سبيل الإجارة بأن عين الزمن والعمل كالبياع والسمسار، فهي لازمة عند الحنفية وفي المشهور لدى المالكية؛ وغير لازمة عند الشافعية والحنابلة. و تنتهي الوكالة بأمور كثيرة وهي (١): ١ - عزل الموكل وكيله: تنتهي الوكالة بالاتفاق بعزل الموكل وكيله؛ لأن الوكالة كما عرفنا عقد غير لازم، فكان بطبيعته قابلاً للفسخ بالعزل، ولكن يشترط لصحة العزل عند الحنفية والمالكية شرطان: أحدهما - أن يعلم الوكيل بالعزل؛ لأن العزل فسخ للعقد، فلا يلزم حكمه إلا بعد العلم به كالفسخ. والعلم بالعزل يتم إما بحضور الوكيل، أو بالكتابة له، أو بإرسال رسول إليه، أو بإخبار رجلين أو رجل واحد عدل، أوغير عدل وصدقه بالعزل. وأما قبل العلم بالعزل، فتكون تصرفات الوكيل كتصرفاته قبل العزل في جميع الأحكام. وهذا الشرط مشروط أيضاً في الأرجح عند المالكية وفي رواية عن الإمام أحمد: والسبب في اشتراط هذا الشرط: هو أن العزل يترتب عليه إضرار بالوكيل من ناحيتين: أولهما - أنه يترتب عليه إبطال ولايته بالعزل. وثانيهما - أنه يكون متحملاً لحقوق العقد، فيدفع الثمن إن كان وكيلاً بالشراء، ويسلم المبيع إن كان وكيلاً بالبيع. وقال الشافعي في الأصح عنده، وأحمد في الرواية الثانية عنه وهي الراجحة في مذهبه: لا يشترط هذا الشرط، فلو عزل الموكل وكيله في حضوره أو أثناء غيبته

стр. 4006

انعزل في الحال، لأنه رفع عقد لايفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يحتاج إلى علمه كالطلاق، وقياساً على ما لو وكل شخص غيره، وكان الوكيل غائباً (١). واتفقت المذاهب على أنه في حال عزل الوكيل نفسه عن الوكالة يشترط إخبار الموكل بالأمر، صيانة لحق الموكل، ومنعاً من التغرير به. ثانيهما - ألا يتعلق بالوكالة حق للغير، فإذا تعلق حق للغير بها لم يصح العزل بغير رضا صاحب الحق، مثل وكيل المدين ببيع الرهن لسداد الدين عند حلول الأجل، فإنه لا يملك المدين الموكل عزل وكيله هذا إلا برضا الدائن، لتعلق حقه بالوكالة إذ أنه يريد أخذ دينه عن طريق بيع العين. ومثل وكيل الزوج بطلاق زوجته متى شاء، فإنه لا يملك الزوج الموكل الرجوع عن وكالته إلا برضا المرأة. ومثل الوكالة بالخصومة بطلب الدائن عند غيبة المدين، كأن يكون لشخص عند آخر دين، ثم يعزم المدين السفر إلى بلاد بعيدة، فيطلب صاحب الدين من المدين أن يوكل عنه شخصاً ليخاصمه في طلب الدين حال غيابه، فوكل عنه بناء على هذا الطلب، فيصبح هذا لوكيل غير قابل للعزل، لأنه قام مقام المدين الغائب، وليس لصاحب الدين من يطالبه بدينه سواه، فلو عزله ضاع عليه حقه. ٢ - تصرف الموكل فيما وكل به: أي أن يقوم الموكل صاحب الشأن بالعمل الذي وكل فيه غيره، كأن يوكل إنسان غيره ببيع شيء ثم يبيعه الموكل، فتنتهي الوكالة بالاتفاق (٢)؛ لأن العقد يصبح حينئذ غير ذي موضوع، فينعزل الوكيل وإن لم يعلم بالعزل. ٣ - انتهاء الغرض من الوكالة: وهو أن يتم تنفيذ التصرف الذي وكل فيه الوكيل، لأن العقد يصبح حينئذ غير ذي موضوع.

стр. 4007

٤ - خروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية: بموت بالاتفاق أو جنون مطبق (١) عند الجمهور خلافاً للشافعية، أو حجر عليه لسفه باتفاق المذاهب الأربعة، وألحق الشافعية الإغماء بالجنون في الأصح عندهم. وقال غيرهم: الإغماء لا يخرج عن أهلية التصرف. ولا يشترط عند الحنفية والشافعية والحنابلة أن يعلم العاقد بخروج الطرف الآخر عن الأهلية بهذه العوارض (٢). وقال المالكية: الأرجح أن الوكيل لا ينعزل بموت الموكل حتى يعلم به (٣). واختلف أبو يوسف ومحمد في حد الجنون المطبق، فقال أبو يوسف: هو ما استوعب شهراً؛ لأن الشهر يسقط به صوم شهر رمضان. وقال محمد: هو ما استوعب حولاً كاملاً؛ لأن الحول يسقط به جميع العبادات فيقدر به احتياطاً. قال قاضي زاده صاحب تكملة فتح القدير: والمختار ما قاله أبو حنيفة أنه مقدر بالشهر؛ لأن ما دون الشهر في حكم العاجل، فكان قصيراً، والشهر فصاعداً في حكم الآجل، فكان طويلاً، قال صاحب الدر: وبه يفتى. ٥ - لحاق الموكل مرتداً بدار الحرب: هذه الحالة عند أبي حنيفة؛ لأنه يصير حينئذ من أهل الحرب. وقال الصاحبان: لا تنتهي الوكالة بذلك؛ لأن تصرفات المرتد عندهما نافذة، فلا تبطل الوكالة إلا بموته أو بقتله بسبب ردته، أو بحكم القاضي بلحاقه. وأما مذهب أبي حنيفة في هذا فهو أن تصرفات المرتد موقوفة عنده، ومنها الوكالة، فإن أسلم الموكل نفذت، وإن قتل على الردة أو لحق بدار الحرب بطلت الوكالة.

стр. 4008

وأما الوكيل إذا لحق بدار الحرب مرتداً فإنه لا يخرج عن الوكالة باتفاق الحنفية إلا أن يقضي القاضي بلحاقه، لكن بمجرد لحوقه لا يجوز له التصرف إلا أن يعود مسلماً، فإن عاد مسلماً من دار الحرب إلى دار الإسلام قال محمد: تعود الوكالة إليه لزوال المانع من التصرف. وقال أبو يوسف: لا تعود الوكالة؛ لأنه بلحاقه بدار الحرب يلحق بالأموات، فيبطل ما ملكه من ولاية تنفيذ التصرف على الموكل، وإذا بطلت الولاية بطل التوكيل، وإذا بطلت الولاية لا تعود. وقال المالكية: ينعزل الوكيل بردته أيام الاستتابة، وأما بعدها فإن قتل انعزل، وإن أخر قتله لمانع كوجود حمل عند المرأة، فإن العلماء ترددوا في عزله، وكذا ينعزل بردة الموكل بعد مضي أيام الاستتابة، ولم يرجع ولم يقتل لمانع (١). وقال الشافعية والحنابلة: لا تبطل الوكالة بردة الوكيل، سواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الإسلام؛ لأن الردة لا تمنع ابتداء وكالته، فلم تمنع استدامتها كسائر أنواع الكفر. وأما ارتداد الموكل فلا يبطل الوكالة فيما له التصرف فيه عند الحنابلة، وهو الظاهر عند الشافعية لعدم زوال ملكه (٢). ٦ - عزل الوكيل نفسه أو أن يخرج الوكيل نفسه من الوكالة: إذا قال الوكيل: عزلت نفسي أو رددت الوكالة أو خرجت منها ونحوها انعزل (٣)، لدلالة ذلك عليه. وقد اشترط الفقهاء لانتهاء الوكالة مما ذكر أن يعلم الموكل بهذا، حتى لا يتضرر مما فعل الوكيل. وذكر المالكية أن للوكيل بغير أجر أن يعزل نفسه متى شاء إلا حيث يمنع موكله من عزل نفسه. ٧ - هلاك العين الموكل بالتصرف فيها: تنتهي الوكالة أيضاً باتفاق

стр. 4009

الفقهاء (١) بهلاك العين التي وكل فيها إنسان بالتصرف فيها بالبيع أو الشراء، أو الإيجار مثلاً؛ لأن العقد يصبح في هذه الحالة غير ذي موضوع، فيكون التصرف في المحل المعقود عليه غير متصور بعد هلاكه، والوكالة بالتصرف فيما لا يحتمل التصرف محال، فتبطل الوكالة. ٨ - خروج الموكل فيه عن ملك الموكل: كأن وكله ببيع منزل فصادرته الدولة، فتزول الوكالة (٢). ٩ - الإفلاس: تنتهي الوكالة بإفلاس الموكل إذا كانت الوكالة بأعيان ماله؛ لأنه بالإفلاس ينتقل مال الموكل لغرمائه (٣). ١٠ - الجحود: تنتهي الوكالة عند الحنفية والشافعية بحجودها من الموكل أو الوكيل؛ لأن الجحود بمثابة رد الوكالة. ولا تبطل الوكالة عند الحنابلة بالجحود (٤). ١١ - التعدي: تنتهي الوكالة في أحد وجهين عند الشافعية بتعدي الوكيل في التصرف الموكل فيه، كأن يوكله ببيع ثوب فيلبسه؛ لأن الوكالة عقد أمانة تبطل بخيانة الوكيل فيها. وفي الوجه الثاني لا تبطل، وإنما تبطل الأمانة ويصير ضامناً، ويبقى التصرف (٥)، ويظهر لي أن الوجه الثاني أصح وهو رأي الحنابلة. ١٢ - الفسق: تبطل الوكالة عند الشافعية والحنابلة بفسق الوكيل في عقد ينافيه الفسق كإيجاب في الزواج لخروجه عن أهلية التصرف (٦)، بخلاف قبول الزواج أو الشراء. ١٣ - الطلاق: قال المالكية: ينعزل الزوج عن وكالته لزوجته بالطلاق إذا طلقها؛ لأن الطلاق بيده، ولا تنعزل الزوجة عن وكالتها بطلاقه لها، إلا أن يعلم

стр. 4010

من الموكل كراهة ذلك منها. وقال الحنابلة: لا تبطل الوكالة بطلاق امرأة وكلها زوجها بشيء (١). ١٤ - مضي الوقت: تنتهي الوكالة بمضي المدة المحددة لها كعشرة أيام مثلاً عند المالكية والشافعية والحنابلة، ولا تنتهي به على الأصح عند الحنفية (٢). هذه هي أهم الحالات التي تنتهي بها الوكالة عند الفقهاء، وهي فيما عدا حالة العزل تنتهي بها الوكالة على رأي الحنفية، سواء علم بها الوكيل أم لم يعلم. انتهى الجزء الخامس ويتبعه الجزء السادس تتمة العقود وما يتعلق بها الملكية وتوابعها

стр. 4011

الفَصْلُ العاشِر: الكَفَالة الكفالة والحوالة والرهن هي عقود الاستيثاق، تبحث تباعاً. خطة الموضوع وأسماء الكفالة: الكفالة لها أسماء وهي: كفالة وحمالة وضمانة وزعامة. ويقال للملتزم بها: ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير. قال الماوردي من كبار الشافعية: غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال، والحميل الديات، والزعيم في الأموال العظام، والكفيل في النفوس، والصبير في الجميع. والشائع الاستعمال أن الكفالة بالدين تسمى الضمان، والكفالة بإحضار الملزم بحق من دين أو قصاص وغيرهما تسمى كفالة بالنفس، أو الكفالة بالوجه. والكلام عن هذا العقد في المباحث الخمسة الآتية: المبحث الأول - مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها. المبحث الثاني - شرائط صحة الكفالة. المبحث الثالث - أحكام الكفالة. المبحث الرابع - انتهاء الكفالة. المبحث الخامس - رجوع الكفيل على الأصيل (المكفول عنه).

стр. 4012

المبحث الأول: مشروعية الكفالة وتعريفها وركنها وألفاظها: مشروعية الكفالة: الكفالة في الجملة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف:٧٢/ ١٢] قال ابن عباس: الزعيم: الكفيل. وأما السنة: فقوله ﵊: «الزعيم غارم» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه (١). وجاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أتي بجنازة رجل ليصلي عليه، فقال: «هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران (٢). فقال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي ﷺ » (٣). وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة لحاجة الناس إليها ودفع الضرر عن المدين (٤). وإنما اختلفوا في بعض الفروع التي ستذكر إن شاء الله تعالى. ويلاحظ أن الكفالة بالنية الحسنة تكون طاعة يثاب عليها

стр. 4013

فاعلها. أما في الواقع، فأولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة (١)، فبعد تمامها في أول الأمر يلوم الكفيل نفسه أو يلومه الناس، وعند المطالبة بالمال يندم على إتلافه لماله، ثم بعدئذ يغرم المال. و حكمة تشريعها: توثيق الحقوق وتحقيق التعاون بين الناس وتيسير معاملاتهم في إقراض الديون والأموال وإعارة الأعيان، ليطمئن صاحب الحق في الدين أو العين المعارة للوصول إلى حقه ورعاية مصالحه، ودفع الحرج عن الناس. تعريفها: الكفالة لغة كما في كتب الحنفية والحنابلة: هي الضم. وفي كتب الشافعية: هي الالتزام. واصطلاحاً في الأصح عند الحنفية: هي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة مطلقاً أي ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المدين في المطالبة بنفس أو بدين أو عين كمغصوب ونحوه، فلا يثبت الدين في ذمة الكفيل، ولا يسقط عن الأصيل (٢). وقال المالكية والشافعية والحنابلة: الكفالة: هي ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق أي في الدين، فيثبت الدين في ذمتهما جميعاً، كما جاء في المغني لابن قدامة الحنبلي (٣). ويلاحظ أنه ليس من ضرورة ثبوت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل أن يترتب عليه زيادة حق للدائن؛ لأن الدين وإن ثبت في ذمة الكفيل، فلا يحق لرب الدين إلا استيفاء قيمة واحدة: إما من الكفيل أو من الأصيل.

стр. 4014

كما يلاحظ أيضاً أنه لا مانع من ثبوت الدين في أكثر من ذمة؛ لأن الدين أمر اعتباري من الاعتبارات الشرعية، فجاز أن يعتبر الشيء الواحد في ذمتين، وإنما الممتنع هو ثبوت عين في زمن واحد في ظرفين حقيقيين. والدليل على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أنه لو وهب الدين للكفيل صحت الهبة، وأن الكفيل يرجع بالدين على الأصيل مع أن هبة الدين لغير من عليه الدين لا تجوز. ويصح أيضاً للدائن أن يشتري شيئاً من الكفيل بالدين الذي له، مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح. وأما دليل الحنفية على مذهبهم: فهو أن الدين وإن أمكن شرعاً اعتباره في ذمتين لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب، ولا موجب هنا؛ لأن التوثق بالدين يحصل بثبوت حق المطالبة، وأجابوا عن صحة الهبة ونحوها بأنهم جعلوا الدين في حكم الدينين لضرورة تصحيح تصرف صاحب الحق (١). ومن أدلة الحنفية أيضاً أن الكفالة كما تصح بالمال تصح بالنفس مع أنه لا دين فيها، والمضمون بالكفالة بالنفس هو إحضار المكفول به، وكما تصح بالدين تصح بالأعيان المضمونة، وتعريف الكفالة بما يفيد ثبوت حق المطالبة فيها هو من أجل شمول جميع هذه الأنواع بخلاف ما لو قصرنا معناها على الضم في الدين، فإنه يراد بها الكفالة بالمال فقط. والخلاصة: إن تعريف الكفالة بالضم في المطالبة أعم لشموله أنواع الكفالة: وهي الكفالة بالمال وبالنفس وبالأعيان، وهو معنى كون هذا التعريف أصح. وأما من عرفها بالضم في الدين فإنه أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال. وأما النوعان الآخران فمتفق على كون الكفالة بهما كفالة بالمطالبة. فيكون

стр. 4015

تصحيح الحنفية للتعريف الذي اختاروه مقبولاً من هذه الزاوية فقط وهي كونه أعم وأشمل لأنواع الكفالة الثلاث. أما من ناحية الواقع بالنسبة لأحكام الكفالة فقد استظهر ابن عابدين أن الفقهاء متفقون على ثبوت الدين في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل، بدليل الاتفاق على صحة هبة الدين والشراء به كما عرفنا، ولأن اعتبار الدين في ذمتين ممكن كما تقدم، ولو كانت الكفالة ضَمّاً في المطالبة فقط بدون دين لزم ألا يؤخذ المال من تركة الكفيل؛ لأن المطالبة تسقط عنه بموته كالكفيل بالنفس، مع أن المنصوص عليه حتى عند الحنفية هو أن المال يحل بموت الكفيل، ويؤخذ من تركته. وبدليل أنه يجوز أن يكفل الكفيل كفيل آخر بالمال المكفول به. وتظهر ثمرة الخلاف بين التعريفين فيما إذا حلف الكفيل ألا دين عليه، فإنه يحنث إذا قلنا بأن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في الدين، ولا يحنث إذا قلنا بأنها ضم في المطالبة (١). ركن الكفالة: ركن الكفالة عند أبي حنيفة ومحمد: هو الإيجاب والقبول أي الإيجاب من الكفيل، والقبول من الدائن (٢). وقال أبو يوسف وجمهور الفقهاء: ركن الكفالة هو الإيجاب وحده. وأما القبول فليس بركن. وعلى هذا تتم الكفالة بالكفيل وحده في الكفالة بالمال والنفس، ولا يشترط عند جمهور الفقهاء قبول المكفول له وهو الدائن، ولا رضاه لعدم التعرض للقبول في حديث أبي قتادة السابق ذكره، فإنه صحت الكفالة بمجرد أن قال أبو قتادة: هما

стр. 4016

علي يا رسول الله، فصلى عليه، ولم ينقل أنه قبل الدائن. ولأن الكفالة ضم لغة والتزام المطالبة بما على الأصيل شرعاً، ومعنى الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فأشبه النذر (١). وقال أبو حنيفة ومحمد: يشترط رضا المكفول له، كما سيأتي في شروط الكفالة. وأما رضا المكفول عنه أي الأصيل فلا يشترط بالاتفاق بين العلماء؛ لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز، فالتزامه أولى، ولأنه يصح الضمان عن الميت اتفاقاً ما عدا أبا حنيفة وإن لم يترك وفاء لدينه أي كان مفلساً. وأركان الكفالة أو الضمان عند الجمهور (٢) أربعة: ضامن (وهو كل من يجوز تصرفه في ماله فلا يجوز ضمان الصغير ولا السفيه). ومضمون (وهو كل حق تصح النيابة فيه، وهو الدين أو العين المضمونة، وذلك في الأموال، لا في الحدود ولا في القصاص؛ لأنه لا تصح النيابة فيه) ومضمون عنه (وهو كل مطلوب بمال، حياً كان أو ميتاً) وصيغة (إيجاب) وأضاف الشافعية ركناً خامساً وهو المضمون له (وهو مستحق الدين). ألفاظ الكفالة: تنعقد الكفالة بصيغة معينة، وألفاظها عند الحنفية والشافعية: إما صريح أو كناية: وهي كل لفظ ينبئ عن العهدة في العرف والعادة (٣). الصريح: أن يقول الكفيل: تكفلت أو ضمنت أو أنا ضامن ما عليه، أو أنا زعيم، أو قبيل، أو هو إلي أو علي، أو لك عندي، أو لك قبلي، أو على أن أوافيك به، أو على أن ألقاك به، أو دعه إلي.

стр. 4017

والكناية: أن يقول: خل عن فلان، والدين الذي عليه عندي، أو دين فلان إلي، أو ضمنت فلاناً، أو ضمان فلان علي، فإن نوى المال، أو البدن لزم وإلا لغا. وإذا قال: لفلان عندي كذا، فهو يحتمل كونه وديعة ويحتمل كونه في الذمة، لأن كلمة (عند) تفيد القرب والحضرة، وهو موجود في المعنيين السابقين، فإذا أطلق اللفظ يحمل على كونه وديعة في يده، وعند قرينة الدين يحمل على ما في الذمة أي في ذمتي؛ لأن الدين لا يحتمله إلا الذمة. و الكفالة نوعان: كفالة بالنفس وكفالة بالمال. وتنعقد الكفالة بالنفس إذا قال الكفيل: تكفلت بنفس فلان أو برقبته أو بروحه أو بجسده أو برأسه أو ببدنه، وكذا إذا قال: بنصفه أو بثلثه، أو بجزء منه؛ لأن القاعدة الفقهية: «ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله» فيكون كفيلاً بكله؛ لأنه مما لا يتجزأ (١) بخلاف ما إذا قال: بيد فلان أو برجله. وكذا تنعقد إذا قال: ضمنته، أو قال: علي، أو قال: أنا زعيم به أو قبيل، بخلاف قوله: أنا ضامن بمعرفته. أحوال ركن الكفالة: الاتفاق على الكفالة إما أن يكون مطلقاً أو مقيداً بوصف، أو معلقاً بشرط، أو مضافاً إلى وقت (٢). أـ إن كانت الكفالة مطلقة: فتجوز بالشروط التي ستذكر، غير أنها تتقيد بوصف الدين: فإن كان حالاً كانت الكفالة حالة، وإن كان مؤجلاً كانت الكفالة مؤجلة.

стр. 4018

ب - وإن كانت الكفالة مقيدة: فإما أن تقيد بوصف التأجيل أو بوصف الحلول. فإن كانت مؤجلة إلى أجل معلوم كشهر أو سنة، جازت. ويجوز أن يكون أجل الكفالة مماثلاً لأجل الدين أو أزيد منه أو أنقص؛ لأن المطالبة بالدين حق الدائن المكفول له، فله أن يتفق مع الكفيل والمدين على ما يشاء. وإن كان الدين حالاً، جاز التأجيل في الكفالة، ويستفيد المدين نفسه من الأجل أيضاً في ظاهر الرواية؛ لأن التأجيل إذا كان في نفس العقد، يجعل الأجل صفة للدين، والدين واحد. أما إذا كان التأجيل بعد تمام العقد، فيختص به الكفيل فقط. وإذا كان التأجيل عن الأصيل، فيستفيد الكفيل من الأجل، أما إذا أجل الكفيل، فلم يستفد الأصيل من الأجل؛ لأن المقصود تأخير المطالبة، لا إسقاط الحق. وإذا كانت الكفالة مؤجلة إلى سنة مثلاً، فمات الأصيل قبل تمام السنة، يحل الدين في ماله، ويبقى الأجل للكفيل، وكذا يحل الدين في مال الكفيل إذا مات، ويبقى الأصيل على أجله. هذا هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (١)؛ لأن الموت عند الحنفية يعصف بذمة الإنسان ويبطل الأهلية إلا بمقدار ما تقتضيه ضرورة تسوية الحقوق وثبوت الأحكام التي لها سبب في حال الحياة. وعند الحنابلة روايتان، رجح ابن قدامة أن الدين لا يحل بالموت؛ لأن الدين مؤجل، فلا تجوز المطالبة به قبل الأجل، كما لو لم يمت (٢).

стр. 4019

وإن كان التأجيل إلى وقت مجهول، فتجوز الكفالة عند الحنفية والحنابلة والمالكية إذا كان الأجل متعارفاً بين الناس كالحصاد والدياس والنيروز ونحوه؛ لأن هذه الجهالة ليست فاحشة فتتحملها الكفالة. وقال الشافعي: لا يجوز التأجيل إلى هذه الأوقات، لأنه أجل مجهول (١). وإن لم يكن الأجل متعارفاً بين الناس كالتأجيل إلى مجيء المطر أو هبوب الريح، فالأجل باطل، والكفالة صحيحة؛ لأن هذه جهالة فاحشة، فلا تتحملها الكفالة، فلا يصح التأجيل، فبطل. هذا إذا كانت الكفالة مؤجلة. فإن كانت الكفالة حالَّة، فيجوز للدائن أن يشرط الحلول على الكفيل، سواء أكان الدين حالاً أم مؤجلاً. ولو كفل الكفيل حالاً يصح للدائن أن يؤجله بعدئذ، ويكون التأجيل خاصاً به. وفي الجملة: يجوز في المذاهب الأربعة ضمان الدين الحال مؤجلاً، وضمان المؤجل حالاًّ؛ لأن الضمان تبرع، والحاجة تدعو إليه، فيصح على حسب ما التزم به الضامن (٢)، وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس أن النبي ﷺ ضمن مديناً لوفاء دينه لمدة شهر. وفي الكفالة بالنفس: لو تكفل شخص برجل إلى شهر أو ثلاثة أيام ونحوها: جاز، ولكن الكفيل إنما يطالب بتسليم المكفول بنفسه بعد مضي تلك المدة المتفق عليها ولا يطالب به في الحال في ظاهر الرواية.

стр. 4020

وقال أبو يوسف: إنه يطالب به للحال، إذا مضى الأجل يبرأ الكفيل. وهو قول الحسن بن زياد، وقال القاضي النسفي: وقول أبي يوسف أشبه بعرف الناس. وكان بعضهم يفتي به (١). ج - إن كانت الكفالة معلقة بشرط: فتجوز عند الحنفية إذا كان الشرط ملائماً لمقتضى العقد، مثل أن يكون الشرط سبباً لوجوب الحق، كأن يقول الكفيل: إذا استحق المبيع فأنا كفيل، أو شرطاً لإمكان الاستيفاء (أي لسهولته) مثل قوله: إذا قدم زيد - وكان هو المكفول عنه - فأنا كفيل، أو شرطاً لتعذر الاستيفاء وصعوبته مثل: إن غاب زيد عند البلدة فأنا كفيل. وفيما عدا مثل هذه الحالات كالتعليق بهبوب الريح أو مجيء المطر، أو دخول زيد الدار بأن يقول: إذا جاء المطر أو نحوه فأنا كفيل، تثبت الكفالة حالة، ويبطل الأجل (٢). والخلاصة: أنه يصح تعليق الكفالة بنوعيها بشرط متعارف، والمتعارف كأن يعلق الكفالة بما هو سبب الحق، أو سبب لإمكان التسليم. وأما التعليق بهبوب الريح ونحوه فهو غير متعارف. وقال الشافعية: الأصح أنه لا يجوز تعليق الكفالة بشرط مثل: إذا جاء رأس الشهر، فقد ضمنت ما على فلان، أو تكفلت ببدنه (٣). تعليق كفالة المال على عدم الموافاة بالنفس: لو كفل إنسان بنفس آخر، فقال: إن لم أحضر غداً فأنا ضامن ما عليه، فلم

стр. 4021

يحضر به، أو مات المكفول، فالمال لازم للكفيل عند الحنفية، لأن هنا كفالتين: بالنفس والمال، وكل ما في الأمر أنه كفل بالنفس مطلقاً، وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالنفس، وهذا التعليق صحيح إذا أقر المدين بالمدعى به، أو ثبت بالبينة وقضى به القاضي (١). وقال الشافعية: لايضمن المال (٢). وذكر الحنفية تفريعات أخرى قريبة من هذا الموضوع. منها: لو كفل إنسان بنفس رجل، وقال: إن لم أوافك به غداً، فعلي ألف ليرة، ولم يقل الألف التي عليه أو الألف التي ادعيت، وكان المطالب بالمبلغ ينكر المال، فالمال لازم للكفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: لا يلزمه. وجه قول محمد: أن هذا إيجاب المال معلقاً بالخطر أي بالاحتمال، لأنه لم توجد الإضافة إلى الواجب، ووجوب المال لا يتعلق بالخطر، أما الكفالة بمال ثابت فتتعلق بالخطر. ووجه قول الشيخين: أن مطلق الألف ينصرف إلى الألف المعهودة، وهي الألف المضمونة. ولو كفل رجل بالمال، وقال للمكفول له: «إن وافيتك به غداً، فأنا بريء» فوافاه من الغد يبرأ من المال في رواية؛ لأن هذا ليس بتعليق البراءة بشرط الموافاة، بل هو جعل الموافاة غاية للكفالة بالمال، والشرط قد يذكر بمعنى الغاية لمناسبة بينهما. وفي رواية وهي الراجحة: لا يبرأ من المال لأن قوله: «إن وافيتك به غداً

стр. 4022

فأنا بريء» تعليق البراءة عن المال بشرط الموافاة بالنفس، والبراءة لا تحتمل التعليق بالشرط؛ لأن فيها معنى التمليك، والتمليكات لا يصح تعليقها بالشرط (١). د - وإن كانت الكفالة مضافة إلى وقت في المستقبل: جازت عند الحنفية مثل أن يضمن إنسان لآخر ما يقرضه لفلان، أو ما يستهلكه من ماله أو ما يغصبه منه، أو ثمن ما يبايعه به، فهذه الكفالة صحيحة لأنها أضيفت إلى سبب الضمان. وقد أجاز القانون المدني تعليق الكفالة على شرط أو إضافتها إلى زمن مستقبل. الخيار في الكفالة: اتفق العلماء على أنه لا يدخل في الضمان والكفالة خيار؛ لأن الخيار جعل ليعرف ما فيه الحظ، والضمين والكفيل على بصيرة أنه لاحظ لهما، ولأن الضمان عقد لا يفتقر إلى القبول، فلم يدخله خيار كالنذر (٢). المبحث الثاني - شروط الكفالة: تشترط في الكفالة شروط تتعلق إما بالصيغة أو بالكفيل، أو بالأصيل، أو بالمكفول له، أو بالمكفول به، فالذي تلزمه المطالبة بالمال الذي على المدين هو الكفيل، والمدين: هو المكفول عنه، ويسمى الأصيل أيضاً، والمدعي - وهو الدائن: مكفول له، ومحل الكفالة - وهو المال أو النفس المكفولة: هو المكفول به. شروط الصيغة: يشترط في صيغة الكفالة ثلاثة شروط وهي: ١ - أن تكون بلفظ يدل على الالتزام صراحة أو كناية كما تقدم، مثل ضمنت دينك على فلان أو تكفلت به أو تكفلت بنفس فلان ونحو ذلك من الصريح، أو يقول: الدين الذي لك على فلان هو علي ونحو ذلك من الكنايات.

стр. 4023

٢ - التنجيز في العقد: فلا تصح الكفالة المعلقة على شرط غير متعارف، مثل إن قدم فلان من السفر فأنا كفيل لك بما على فلان، أو إن فعلت كذا تكفلت بإحضار فلان، أو إن نزل المطر فأنا كفيل؛ لأن الكفالة عقد يفيد أثره في الحال، فلا يقبل التعليق. ٣ - عدم التأقيت: سواء في كفالة المال؛ لأن المقصود منها الأداء، أم في كفالة البدن؛ لأن المقصود الإحضار. لكن يصح ضمان النفس في الحال بشرط تأخير إحضار المكفول إلى أجل معلوم. ويصح تنجيز الكفالة بالدين الحال على أن يؤديه في أجل معين؛ لأنه قد لا يتيسر للضامن الأداء حالاً، ويصح ضمان الدَّيْن المؤجل حالاً؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل؛ ولكن لا يلزمه التعجيل، بل له الحق في الأجل تبعاً للأصيل الذي عليه الدَّين، كما تقدم. شروط الكفيل: اشترط فقهاء الحنفية وغيرهم في الكفيل شرطين (١): أولهما - أهلية العقل والبلوغ أي أهلية التبرع: فلا تنعقد كفالة الصبي والمجنون؛ لأن الكفالة عقد تبرع بالتزام المال، فلا تنعقد ممن ليس من أهل التبرع، وهذا شرط متفق عليه، وهو المعبر عنه بالرشد أي صلاح الدين والمال عند الشافعية خلافاً للجمهور الذين يكتفون بصلاح المال. لأن الكفالة تصرف مالي، فلا تصح من مجنون وصبي ومحجور عليه بسفه، لعدم رشدهم. أما ضمان المريض مرض الموت المخوف فحكمه حكم تبرعه، لا يصح فيما يزيد عن ثلث ماله، وإلا توقف على إجازة الوارث.

стр. 4024

ولم يجز المالكية خلافاً لجمهور الفقهاء كفالة المرأة في الديون إلا في حدود ثلث مالها كالمريض، لأنها محجورة عندهم عن التصرف فيما يزيد عن ثلث مالها، منعاً من الإضرار بالزوج، فإن زاد الدين عن ثلث مالها، لم يلزمها الضمان، بل يتوقف على إجازة الزوج. ثانيهما - الحرية: وهذا شرط نفاذ للتصرف، فلا يجوز كفالة العبد؛ لأنها تبرع، والعبد لا يملك التبرع بدون إذن سيده، ولكن الكفالة تنعقد، حتى إن العبد يطالب بموجبها بعد عتقه. شروط الأصيل: يشترط في الأصيل المكفول عنه شرطان أيضاً (١): أولهما - أن يكون قادراً على تسليم المكفول به إما بنفسه أو بنائبه. وهذا الشرط خاص عند أبي حنيفة، فلا تصح الكفالة عنده بالدين عن ميت مفلس مات ولم يترك وفاء لدينه؛ لأنه دين ساقط، فلم يصح ضمانه، كما لو سقط بالإبراء، ولأن ذمة الميت قد زالت بالموت، فلم يبق فيها دين، والضمان: ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة به. وقال الصاحبان وجمهور الفقهاء (٢): يصح ضمان الدين عن الميت المفلس بدليل حديث أبي قتادة السابق ذكره، فإنه ضمن دين ميت لم يترك شيئاً لوفاء دينه. والنبي ﷺ حض الصحابة على ضمان دين الميت في حديث أبي قتادة بقوله: «ألا قام أحدكم فضمنه؟» ولأن دين الميت دين ثابت، فصح ضمانه ما لو خلف وفاء لدينه. والدليل على ثبوت هذا الدين: أنه لو تبرع رجل بقضائه، جاز

стр. 4025

لصاحب الدين اقتضاؤه، وكذا لو ضمنه حياً، ثم مات لم تبرأ ذمة الضامن، مما يدل على أنه لم تبرأ ذمة المضمون عنه. ثانيهما - أن يكون الأصيل معروفاً (أي معلوماً) عند الكفيل: فإذا قال الكفيل: كفلت ما على أحد من الناس، لا تصح الكفالة؛ لأن الناس لم يتعارفوا ذلك، ولأن اشتراط هذا الشرط إنما هو لأجل معرفة المكفول عنه: هل هو موسراً وممن يبادر إلى قضاء دينه أو يستحق اصطناع المعروف أو لا، وأجاز بعض الفقهاء أن يكون المكفول عنه مجهولاً. ولا يشترط حضرة الأصيل، فتجوز الكفالة عن غائب أو محبوس؛ لأن الحاجة إلى الكفالة في الغالب تظهر في مثل هذه الأحوال (١). وقال الشافعية والحنابلة: الأصح أنه لا يشترط معرفة المكفول عنه قياساً على رضاه، فإنه ليس بشرط، وأما اصطناع المعروف فهو معروف، سواء أكان لأهله أم لغير أهله (٢). شروط المكفول له: يشترط في المكفول له وهو الدائن شروط (٣) وهي: أولاً - أن يكون معلوماً: فلو كفل إنسان لأحد من الناس، فلا تجوز الكفالة، لأنه إذا كان المكفول له مجهولاً لا يتحقق المقصود من الكفالة وهو التوثق. ويوافق الشافعية على هذا الشرط في الأصح عندهم؛ لأن مستحقي الدين يتفاوتون عادة في استيفاء الدين تشديداً وتسهيلاً (٤).

стр. 4026

وأجاز المالكية والحنابلة الضمان مع جهالة المكفول له، نحو: أنا ضامن زيداً بالدين الذي عليه للناس. ويستدلون بقوله تعالى: ﴿قالوا: نفقد صُواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ [يوسف:٧٢/ ١٢] لأن المنادي لم يكن مالكاً، وإنما كان نائباً عن يوسف ﵇، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، وتحمل هو به عن يوسف (١). ثانياً - أن يكون المكفول له حاضراً في مجلس العقد: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يكن هناك نائب عن المكفول له يقبل الكفالة في المجلس. فلو كفل إنسان لغائب عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز لا تجوز الكفالة عندهما إذا لم يقبل به حاضر في المجلس. دليلهما: أن في الكفالة معنى التمليك، والتمليك لا يحصل إلا بالإيجاب والقبول، فلا بد من توافره لإتمام صيغة العقد. وأما أبو يوسف فعنه روايتان، والقول المتأخر عنه أن الكفالة عن الغائب تجوز؛ لأن معنى الكفالة وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فكان إيجابه صالحاً وحده لإتمام العقد، وهذا رأي جمهور الفقهاء القائلين بأن الكفالة تنعقد بالإيجاب وحده. ثالثاً - أن يكون المكفول له عاقلاً: وهذا متفرع على مذهب أبي حنيفة ومحمد في اشتراط الشرط السابق، فلا يصح قبول المجنون والصبي غير المميز، لأنهما ليسا أهلاً لصدور القبول عنهما باعتباره ركناً في العقد. شروط المكفول به: يشترط في المكفول به شروط ثلاثة (٢):

стр. 4027

أولاً - أن يكون المكفول به مضموناً على الأصيل، سواء أكان ديناً أم عيناً أم نفساً أم فعلاً عند الحنفية بشرط أن تكون العين مضمونة بنفسها (١) كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد، والمقبوض على سوم الشراء. أما العين التي هي أمانة سواء أكانت غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات، أم واجبة التسليم كالعارية والمستأجر في يد الأجير أو المضمونة بغيرها، كالمبيع قبل القبض، والرهن، فلا تصح الكفالة بهما؛ لأن العين التي هي أمانة ليست بمضمونة، ولأن المضمون بغيره ليس بمضمون بنفسه. فإذا هلك المبيع قبل القبض لا يجب على البائع شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري، وإذا هلك الرهن لا يجب على المرتهن شيء ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره. والمراد بالفعل المكفول به: هو فعل التسليم مثل الكفالة بتسليم المبيع والرهن، وتصح الكفالة بالفعل؛ لأن التسليم مضمون على الملتزم به، فالمبيع مضمون التسليم على البائع، والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين. ضمان الأعيان: يتبين من هذا أنه يجوز ضمان الأعيان المضمونة، ولا يصح ضمان الأعيان إذا لم تكن مضمونة على من هي في يده، وهذا رأي جمهور الفقهاء، وأحد قولي الشافعي الراجح في المذهب؛ لأن الأعيان المضمونة مضمونة على من هي في يده، فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة. أما القول الآخر للشافعي فلا يصح ضمان الأعيان؛ لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة، والجواب:

стр. 4028

الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها، وهذا مما يصح ضمانه كعهدة المبيع، فإن ضمانها يصح وهو في الحقيقة التزام رد الثمن أو عوضه إن ظهر بالمبيع عيب أو خرج مستحقاً. وظاهر كلام أحمد صحة ضمان الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط إن صارت مضمونة على صاحبها إن تعدى فيها. الكفالة بالنفس: وعلى هذا تصح الكفالة بنفس من عليه الحق لأن الكفالة بالنفس (١) كفالة بالفعل: وهو تسليم النفس، وفعل التسليم مضمون على الأصيل، فجازت الكفالة به. وقد أجاز الكفالة بالنفس إذا كانت بسبب المال جمهور الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة، لقوله تعالى: ﴿قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتُنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف:٦٦/ ١٢] ولقوله ﵊ «الزعيم غارم» وهذا يشمل الكفالة بنوعيها، ولأن ما وجب تسليمه بعقد، وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال، ولأن الكفيل يقدر على تسليم الأصيل بأن يعلم من يطلبه مكانه، فيخلي بينه وبينه، أو يستعين بأعوان القاضي في التسليم. وأما قول الشافعي: «كفالة البدن ضعيفة» فإنه أراد أنها ضعيفة من جهة القياس؛ لأن الشخص الحر لا يدخل تحت اليد، ولا يقدر على تسليمه (٢). هذا هو تحقيق مذهب الشافعي وهو المشهور بخلاف ما تذكره كتب الحنفية.

стр. 4029

إلا أن الشافعية قالوا: المذهب صحة الكفالة بالنفس أو البدن لمن عليه مال أو لمن عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف، والمذهب منعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة؛ لأنه يسعى في دفعها ما أمكن. وقال الحنابلة والمالكية: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء أكان حقاً لله تعالى، كحد الزنا والسرقة، أم لآدمي كحد القذف والقصاص. ومن أحكام الكفالة بالنفس: أنه إذا شرط الأصيل في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه، لزم الكفيل إحضار المكفول به إذا طالبه به في الوقت، وفاء بما التزمه كالدين المؤجل إذا حل، فإن أحضره، فبها، وإن لم يحضره، حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه. وإن أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته كالمصر، برئ من الكفالة، لأنه أتى بما التزمه. وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي، فسلمه في السوق برئ أيضاً؛ لأن المقصود هو إمكان الخصومة وإثبات الحق، وهذا حاصل متى سلمه في السوق لتعاون الناس معه على إحضاره إلى القاضي. ويلاحظ أن المالكية يمنعون الزوجة من كفالة النفس ما لم يأذن زوجها؛ لأنها قد تحبس أو تخرج لخصومة أو لطلب المضمون، وفي ذلك معرة، وأجازوا ما سموه بضمان الطلب وهو في الحقيقة نوع من كفالة النفس أو الوجه، ولكن بشرط عدم غرم المال إلا إذا فرط في الطلب، فهو التزام طلب المكفول والبحث عنه إن تغيب، وإرشاد صاحب الحق عليه، كأن يقول: أنا كفيل أو حميل بطلبه أو علي طلبه بشرط عدم غرم المال إن لم أجده (١).

стр. 4030

ثانياً - أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل ليكون العقد مفيداً، وذلك في الأموال عند جمهور العلماء. وعليه لا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل (أي لأن النيابة لا تجري في العقوبات)، فلا تفيد الكفالة فائدتها. هذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (١). ودليلهم ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: «لا كفالة في حد» (٢) ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات، فلا يلائمها الاستيثاق، ولأن الحق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به. ويلاحظ أن عدم جواز الكفالة بالحدود والقصاص معناه عند الحنفية: عدم جواز الإجبار على إعطاء الكفالة، فإن سمحت نفس المدعى عليه وتبرع بإعطاء الكفالة في حالة القصاص والحد الذي فيه حق للعبد وهو حد القذف وحد السرقة، جازت الكفالة بالنفس؛ لأنها كفالة بمضمون على الأصل مقدور الاستيفاء من الكفيل، فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين. فإن لم يتبرع المدعى عليه وهو الذي توجه عليه الحد أو القصاص، فلا يجبر عند أبي حنيفة على تقديم كفيل بنفسه بإحضاره في مجلس القضاء لإثبات دعوى المدعى عليه؛ لأن الكفالة لا تتلاءم مع الحدود كما عرفنا، وحينئذ يحبسه القاضي حتى تقام عليه البينة أو يستوفى الحد. وقال الصاحبان: يجبر على تقديم كفيل بنفسه في القصاص وفي حد القذف؛ لأن فيهما حق العبد.
следующие страницы →