← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

التأجيل مظنة التخلص مما هدد به بالاستغاثة والاحتماء بالسلطات العامة. وهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة. وقال المالكية: لا يشترط أن يكون المهدد به عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حاَّلاً. وهذا هو الأرجح في تقديري. الثامن - ألا يخالف المستكره المكره بفعل غير ما أكره عليه أو بالزيادة عليه، أو بالنقصان عنه، فإن خالفه في هذه الأحوال الثلاثة، كان طائعاً فيما أتى به، فلا يكون مستكرهاً. وهذا رأي الشافعية والمالكية. فلو أكره إنسان شخصاً على طلاق امرأته، فباع داره، أو أكره على طلقة واحدة رجعية، فطلقها ثلاثاً، أو أكرهه على طلاق امرأته ثلاثاً، فطلقها واحدة، فهذه الصور الثلاث نافذة عندهم؛ لأنها ليست من الإكراه في شيء. وقال الحنفية والحنابلة: المخالفة بالنقصان، بأن أتى الشخص أنقص مما أكره عليه، تجعل الشخص مكرهاً غير مختار، أما في حالة الزيادة أو فعل غير المكره عليه فلا تجعله مكرهاً، وإنما يكون مختاراً، كما قال الشافعية والمالكية. التاسع - اشترط الشافعية أن يكون المكره عليه معينا ً بأن يكون شيئاً واحداً، فلو أكره إنسان على طلاق زوجته (فلانة) عد هذا إكراهاً، أما لو أكره على طلاق إحدى امرأتيه، أو على قتل زيد أو عمرو، فلا يعد هذا إكراهاً. ولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذا الشرط، فلو أكره رجل على أن يطلق إحدى امرأتيه، فطلق واحدة كان مكرَهاً، وهو الرأي الأرجح لدي. العاشر - ألا يكون المهدد به حقاً للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقاً له ولا واجباً: فإذا كان المكره به حقاً للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقاً له ولا واجباً

стр. 4307

كتهديد الزوج زوجته بطلاقها إن لم تبرئه من دينها، فلا يكون إكراهاً، وقال بعضهم: يعتبر إكراهاً لأن الزوج سلطان زوجته، فيتحقق منه الإكراه. وهذا الشرط عند المتأخرين من الشافعية، ويوافقهم الحنفية فيه. أما الإمام أحمد فلم يشترط هذا الشرط، فالإكراه يتحقق عنده، ولو كان المهدد به حقاً للمكره (١). وهذا هو المعقول. الحادي عشر - ألا يكون المكره عليه مستحقاً على المستكره: كتهديد المفلس المحجور عليه ببيع ماله، وتهديد القاتل عمداً بالقصاص، وتهديد المولي (حالف يمين الإيلاء) بالتطليق عليه، فكل هذا ليس بإكراه، لأن الأمر المهدَّد به مستَحَق على المستكره. والخلاصة: اتفق الشافعية والحنابلة على شروط ثلاثة للإكراه هي: أولاً - قدرة المكره على تحقيق ما هدد به بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه. وثانياً - عجز المستكره عن دفع الإكراه بهرب أو غيره، وأن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ماطلبه. وثالثاً - أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، وإتلاف مال ونحوه. أما الشتم أو السب فليس بإكراه. واشترط الشافعية أيضاً أن يكون الإكراه بغير حق.

стр. 4308

المبحث الثالث - أثر الإكراه في التصرفات الحسية (أي الفعلية أو الوقائع المادية): الذي يقع عليه الإكراه من الفعل أو الترك: إما أن يكون من الأمور الحسية أو من الأمور الشرعية، والمكره به في كل منهما: إما معين أو مخير فيه. أما التصرفات الحسية المعينة فيتعلق بها حكمان: أحدهما بالنسبة للآخرة، والثاني بالنسبة للدنيا. أما أحكام الآخرة في التصرفات الحسية المكره عليها، فتختلف بحسب نوع التصرف، وأنواع التصرف الحسي ثلاثة: مباح، ومرخص فيه، وحرام. ١ - التصرف الحسي المباح بالإكراه: هو أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر، وحكمه أنه يختلف بحسب نوع الإكراه: فإن كان الإكراه ملجئاً أو تاماً كالتخويف بالقتل أو قطع العضو ونحوه، فتباح هذه الأفعال؛ لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة، فقال سبحانه ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام:١١٩/ ٦] فلو امتنع المستكره عن تناولها حتى قتل يؤاخذ به؛ لأن امتناعه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والله تعالى يقول: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢]. وإن كان الإكراه ناقصاً كالتهديد بالحبس والضرب اليسير، فلا يباح الإقدام عليها، ولا يرخص فيها أيضاً، حتى إنه يأثم بالإقدام عليها؛ لأنه يجب عليه تقديم حق الله تعالى على حق نفسه (١). والخلاصة: أن هذه التصرفات لاتباح إلا بالإكراه الملجئ.

стр. 4309

٢ - التصرف الحسي المرخص بالإكراه: هو كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، أو سب النبي محمد ﷺ ، أو الصلاة إلى الصليب، أو إتلاف مال المسلم، فهذه الأمور لا تباح، ولكن يرخص فعلها عند الإكراه التام، وإن امتنع المستكره عن فعلها حتى قتل، كان مثاباً ثواب الجهاد؛ لأن تحريمها لم يسقط عن فاعلها. وأما وإن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرخص فيها أصلاً، ويحكم بكفر فاعلها، وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان، وهذا مذهب الحنفية والمالكية. وعليه، لا يرخص بهذا التصرف إلا في حالة الإكراه الملجئ. ورخص الشافعية والحنابلة والظاهرية التلفظ بالكفر عند الإكراه الناقص؛ لأن الكثير من حوادث الإكراه على الكفر في بدء الإسلام كانت إكراهاً ناقصاً، فهذا هو الراجح إذن من الرأيين. والترخيص بإجراء كلمة الكفر عند الإكراه التام ثابت بقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل:١٦/ ١٠٦]. وهذا هو مذهب الجمهور والظاهرية. أما المالكية: فلا يبيحون إجراء كلمة الكفر على اللسان إلا في الإكراه على القتل فقط، أما الإكراه بقطع عضو، فلا يعتبرونه مبيحاً لإجراء كلمة الكفر على اللسان. ويلاحظ أن الامتناع عن الكفر أفضل، بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ اثنين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: وأنت أيضاً، فخلى سبيله. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: كما تقول في؟ قال: أنا أصم، لا

стр. 4310

أسمع، فأعاد عليه ثلاث مرات، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له» (١). وأما الترخيص بسبِّ النبي ﷺ عند الإكراه، فهو جائز لما روي أن عمار بن ياسر ﵄، لما أكرهه الكفار على سبِّ محمد ﷺ ، رجع إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما وراءك يا عمار؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركوني حتى نلت منك، فقال له الرسول ﷺ : «إن عادوا فعد» (٢). ولو امتنع المستكره عن سب النبي حتى مات كان مأجوراً، بدليل ما روي من قصة خبيب، فقد أخذه المشركون وباعوه من أهل مكة، فأخذوا يعذبونه على أن يذكر آلهتهم بخير، ويسب محمداً، فلم يسب إلا آلهتهم، ولم يذكر محمداً إلا بخير، ولما يئسوا من كفره، أجمعوا على قتله، فسألهم أن يصلي ركعتين، فأوجز في صلاته حتى لا يظنوا أنه يخشى الموت، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليموت وهو ساجد، فأبوا عليه ذلك، فرفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، فاقرأ رسول الله مني السلام، ثم قال: اللهم أحص هؤلاء عدداً، واجعلهم بدَد َا َ، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي فلما قتلوه وصلبوه، تحول وجهه نحو القبلة، فقال فيه الرسول ﷺ : «هو سيد الشهداء، وهو رفيقي في الجنة» (٣).

стр. 4311

فهذا دليل على أن الامتناع عن شتم النبي أفضل (١). وأما إتلاف مال المسلم: فيرخص فيه عند الإكراه التام؛ لأن مال الغير يستباح للضرورة، كما في حال المخصمة، والضرورة متحققة هنا؛ لأن الإكراه نوع منها. غير أن أثر الرخصة يظهر في سقوط المؤاخذة الأخروية، لا في سقوط أصل الحرمة؛ إذ الحرمة قائمة بقوله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (٢) والمراد بالإكراه التام في إتلاف المال: هو الإحراق أو ما في معناه عند الشافعية والحنفية والحنابلة في المعتمد عندهم. ويرى المالكية والظاهرية أنه لا يرخص في الإحراق لتعلق حق العبد به (٣): لأن الشارع حرم إضرار الغير، قال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٤). وأما الإكراه على الإسلام: وإن كان ممنوعاً شرعاً، فإن وقع اعتبر إسلام المستكره صحيحاً، وعومل معاملة المسلمين؛ لأنه إكراه في صالح المستكره، وإعلاء للدين الحق. ٣ - التصرف الحسي الحرام الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه: هو قتل المسلم بغير حق أو قطع عضو من أعضائه ولو أنملة؛ لأن القتل حرام

стр. 4312

محض، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الإسراء:٣٣/ ١٧]، ولأن الاعتداء حرام أيضاً، قال تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ [الأحزاب:٥٨/ ٣٣]، والتحريم سواء أكان الإكراه ناقصاً أم كاملاً. ومثله أيضاً: ضرب الوالدين قل أو كثر، فإنه لا يباح بالإكراه؛ لأنه حرام، قال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ [الإسراء:٢٣/ ١٧] والنهي عن التأفيف نهي عن الضرب من باب أولى، فلو فعل شيئاً مما ذكر أثم. وكذلك أيضاً: الزنا، فإنه لا يباح ولا يرخص للرجل بالإكراه مطلقاً، ولو فعل أثم؛ لأن حرمة الزنا ثابتة عقلاً، قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ [الإسراء:٣٢/ ١٧]. وكذا المرأة لا يرخص لها أيضاً عند الإكراه ولو كان تاماً، كما رجح الكاساني صاحب البدائع (١). والخلاصة: إن الكفروالقتل والزنا لا يباح بحال فيظل الإثم قائماً، وإن رخص بالنطق بالكفر، وهناك فرق بين الرخصة والإباحة، ففي الرخصة لا يباح الفعل أحياناً في حد ذاته، وإنما ترتفع المسؤولية فقط، أما في حال الإباحة فيصبح الشيء مباحاً في ذاته، فيرتفع الإثم والمسؤولية الدنيوية أيضاً. وأما الأحكام الدنيوية في هذه الأنواع الثلاثة فهي مايأتي (٢): النوع الأول، والكلام فيه عن: ١ - الإكراه على شرب الخمر: إذا كان الإكراه تاماً فلا يجب الحد على

стр. 4313

المستكره على شرب الخمر اتفاقاً؛ لأن الحد شرع زاجراً عن الجناية في المستقبل، والشرب المكره عليه ليس جناية، بل هو مباح. ولا تنفذ تصرفات السكران المكره على الشرب عند جمهور الفقهاء؛ لأن نفاذ تصرفات السكران حالة الاختيار عند القائلين به (١) كان تغليظاً عليه وزجراً له، ولامعنى للتغليظ في حالة الإكراه؛ لأنه ليس قائم العقل، فهو كالمجنون. وأما إذا كان الإكراه ناقصاً فيجب الحد عند الحنفية؛ لأن شرب الخمر حينئذ يعتبر حراماً، فيطبق عليه حكم الشُّرب. وقال جمهور الفقهاء: لا يجب الحد على المستكره على شرب الخمر إكراهاً ناقصاً، لقوله ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢). ٢ - الإكراه على السرقة: إذا كان الإكراه تاماً فلا إثم على السارق المستكره، ولا حد عليه للحديث السابق: «إن الله تجاوز عن أمتي … » ولأن الحدود تدرأ بالشبهات. وإن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرتفع الإثم ولا الحد عند بعض الفقهاء

стр. 4314

(الحنفية)، إذ لا ضرورة لفعل السرقة، ويرى جمهور الفقهاء أنه لا إثم ولا حد، عملاً بمقتضى إطلاق الحديث السابق: «إن الله تجاوز عن أمتي» فهذا الحديث ناطق بالعفو عن موجب الإكراه مطلقاً؛ تاماً أو ناقصاً. النوع الثاني وفيه بحثان: ١ - الإكراه على الكفر: إذا كان الإكراه تاماً، فلا يحكم بالردة، ولا تبين امرأة المستكره اتفاقاً بين الفقهاء، ما عدا المالكية فيما إذا كان التهديد بغير القتل، وأقدم المهدد على الكفر، فإنه يرتد عندهم؛ لأن غير القتل أقل خطورة من الكفر. وإن كان الإكراه ناقصاً، وتلفظ المستكره بالكفر لا يصبح مرتداً عند الشافعية والحنابلة والظاهرية، عملاً بقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .. ﴾ [النحل:١٦/ ١٠٦]. وقال المالكية والحنفية: يحكم بكفر المستكره إكراهاً ناقصاً، ويصبح مرتداً تلحقه أحكام المرتدين؛ لأنه ليس بمكره حقيقة بل أقدم على ما أقدم عليه لدفع الغم عن نفسه لا للضرورة. ويظهر أن الرأي الأول أرجح عملاً بالنص. ويجري هذا الخلاف في الإكراه على الصلاة للصليب أو على السجود للصنم. وإذا كان الإكراه على الكفر لا يجعل المستكره كافراً، فإن الإكراه على الإسلام يجعل المستكره مسلماً كما تقدم، والفرق بين الحالتين: أن الإيمان في الحقيقة تصديق، والكفر تكذيب، وذلك يحصل في القلب، والإكراه لا شأن له بالقلب، ففي حالة الاختيار جعل اللسان دليلاً على ما في القلب ظاهراً، وفي حالة الإكراه على الكفر لا يجعل اللسان دليلاً على ما في القلب؛ لأن الإيمان أمر

стр. 4315

قلبي، أما في حال الإكراه على الإسلام، فيحكم بالإسلام مع احتمال أنه كافر في قلبه؛ لأن ترجيح جانب الإسلام إعلاء الدين الحق، وإعلاء الدين الحق واجب (١)، قال ﵊: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (٢). ويلاحظ أن الذي يجوز إكراهه على الإسلام هو الحربي عند جمهور العلماء، وكذا يجوز إكراه الذمي والمستأمن عند الحنفية، ولا يجوز إكراههما عند جمهور العلماء، والأدلة تعرف في كتب الفقه المطولة، والراجح مذهب الجمهور في الذمي، كما أن الراجح في تقديري هو أن الحربي أيضاً لا يكره على الإسلام كما يقرر جماعة من العلماء لقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة:٢٥٦/ ٢] (٣). ٢ - الإكراه على إتلاف المال: إذا أكره شخص غيره على إحراق أثاث منزل لآخر مثلاً، ف إن كان الإكراه تاما ً، فالضمان على المكره عند الحنفية والحنابلة في الأرجح عندهم وبعض الشافعية؛ لأن المستكره مسلوب الإرادة، وما هو إلا آلة للمكره، ولا ضمان على الآلة اتفاقاً. وقال المالكية والظاهرية وبعض الشافعية: الضمان على المستكره؛ لأنه يكون في هذه الحالة كالمضطر إلى أكل طعام الغير، بجامع الإباحة في كل منهما، وكما يجب ضمان المضطر يجب ضمان المستكره.

стр. 4316

وقال الشافعية في الأرجح عندهم وفي وجه عند الحنابلة: الضمان على المكره والمستكره؛ لأن الإتلاف صدر من المستكره حقيقة، ومن المكره بالتسبب، والتسبب في الفعل والمباشرة سواء، لكن يستقر الضمان في النهاية على المكره في الأصح. و إن كان الإكراه ناقصا ً: فالضمان على المستكره عند الحنفية والمالكية والظاهرية والشافعية والحنابلة؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار أصلاً، فلم يكن المستكره مجرد آلة للمكره، فكان الإتلاف من المستكره، فوجب الضمان عليه (١). النوع الثالث، وفيه بحثان: ١ - الإكراه على القتل: اتفق الفقهاء على تأثيم من أكره على القتل، فقتل، واختلفوا في القصاص منه إذا كان الإكراه تاما ً. فقال أبو حنيفة ومحمد، وداود، وأحمد في رواية، والشافعي في أحد قوليه: لا قصاص على المستكره، وإنما يقتص من المكره، ويعزر المستكره فقط، لقوله ﷺ : «عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» والعفو عن الشيء عفو عن مقتضاه، فكان مقتضى ما أكره عليه عفواً، ولأن المستكره مجرد آلة للمكره، إذ القاتل في المعنى هو المكره، وإنما الموجود من المستكره صورة القتل، فأشبه المستكره الآلة، ولا قصاص على الآلة.

стр. 4317

وقال زفر وابن حزم الظاهري: يقتص من المستكره؛ لأن القتل وجد منه حقيقة حساً ومشاهدة، ولأنه أتى محرماً عليه إتيانه. وأما المكره فهو متسبب، ولا قصاص بالتسبب عندهم، ورجح الطحاوي هذا الرأي. وقال أبو يوسف: لا يقتص من المستكره ولا من المكره، للشبهة لأن المكره ليس بقاتل حقيقة وإنما هو مسبب للقتل، وإنما القاتل هو المستكره، ولما لم يجب القصاص على المستكره، فلأن لا يجب على المكره أولى. وإنما يجب على المكره الدية ولا يرجع على المستكره بشيء. وقال المالكية والشافعية في الأرجح، والحنابلة في المذهب عندهم: يقتص من المكره والمستكره؛ لأن المستكره وجد منه القتل حقيقة، والمكره متسبب في القتل، والمتسبب كالمباشر كما ثبت شرعاً. ويظهر أن الرأي الأول أرجح الآراء، وهو مذهب أبي حنيفة. وأما إذا كان الإكراه ناقصا ً فيجب القصاص على المستكره بلا خلاف؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار، فلا يمنع وجوب القصاص (١). وأما الدية حال الإكراه: ففي وجوبها روايتان عند الحنفية أرجحها أنها تجب على المكره. وأما الإرث: فلا يمنع منه المستكره الذي أكره على قتل مورثه عند أئمة الحنفية ما عدا زفر. والمستكره على قطع يد إنسان إذا قطعهما يجري فيه الخلاف المذكور في الإكراه على القتل.

стр. 4318

فإذا أذن المجني عليه للمستكره بقطع يده أو قتله، فلا يباح له الفعل؛ لأن هذه الجنايات لا تباح بالإذن. فإن تم القطع في هذه الحالة، فلا ضمان على أحد، لوجود الإذن من جهة المجني عليه، وأما في القتل فلا عبرة بالإذن، وتجب حينئذ الدية على المكره، كما في ظاهر الرواية. وفي رواية: لا تجب (١). ٢ - الإكراه على الزنا: الإكراه على الزنا إما أن يقع على المرأة أو على الرجل. ف إذا أكرهت المرأة على الزنا: فلا يقام عليها الحد عند جمهور الفقهاء، سواء أكان الإكراه تاماً أم ناقصاً، لقوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم﴾ [النور:٣٣/ ٢٤] فدلت الآية على انتفاء الإثم عن المرأة المكرهة على الزنا، وإذا انتفى الإثم عنها ارتفع الحد. و إذا أكره الرجل على الزنا إكراهاً تاماً أو ناقصاً، فالمختار عند الحنابلة وجوب الحد عليه؛ لأن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار العضو، والانتشار لا يكون مع الخوف، فحيث يوجد الانتشار، توجد الطواعية في الفعل، فيكون المستكره على الزنا إذا حدث منه طائعاً، فيجب عليه الحد. والواقع أن الانتشار طبيعي ليس دليلاً على الاختيار؛ لأن الانتشار الطبيعي عند مقابلة المرأة، ولذا يحدث للنائم ولا اختيار له. وقال الشافعية في المعتمد عندهم: لا يجب الحد على المستكره على الزنا سواء أكان الإكراه تاماً أم ناقصاً؛ لأن الإكراه أياً كان نوعه يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 4319

وأما الحنفية: فكان أبو حنيفة يرى وجوب الحد على المستكره على الزنا، ثم قال: إذا كان الإكراه تاماً - وهو الذي يتحقق فقط من السلطان بحسب عرف زمانه - فلا يجب الحد. وأما إكراه غير السلطان فيوجب الحد. وقال الصاحبان: لا يجب الحد حالة الإكراه التام، سواء أكان الإكراه من السلطان أم من غيره، ورأيهما هو الأرجح عند الحنفية. وهو رأي أبي حنيفة أخيراً. وإن كان الإكراه ناقصاً: فيجب الحد عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن الإكراه الناقص لا يسلب الاختيار، فيكون الزاني في هذه الحالة مختاراً، فيحد. والخلاصة: إن الحنفية لا يوجبون الحد في حالة الإكراه التام، ويوجبونه في حالة الإكراه الناقص. وقال المالكية: إن كان الرجل والمرأة مكرهين على الزنا فيجب الحد. وإن كانت المرأة طائعة ولم تكن ذات زوج، فقد أسقطت حقها برضاها، فلم يبق سوى حق الله تعالى، وحق الله يسقط بالإكراه، فلا يجب الحد عند بعض المالكية إذا كان التهديد بالقتل. أما بغير القتل فيجب الحد، وهذا هو المفتى به. والمشهور في المذهب: وجوب الحد على الرجل والمرأة. وكذلك يحد المكره على الزنا في مذهب الحنابلة. والذي يظهر هو رجحان مذهب الشافعية؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات (١). الإكراه على أحد أمرين: كل ما ذكر إذا كان التصرف الحسي المكره عليه معيناً، فإن كان المكره عليه مخيراً فيه: فبالنسبة للحكم الأخروي يظل المباح

стр. 4320

والمرخص فيه والحرام كما هو في حالة التعيين، ولكن عليه اختيار الأخف، فإذا أكره إنسان على أكل ميتة أو قتل مسلم، يباح له الأكل، ولا يرخص له القتل، ولو امتنع من الأكل حتى قتل يأثم. ولو أكره على إتلاف مال إنسان أو قتله رخص له الإتلاف. ولو أكره على القتل أو الزنا، لا يرخص له أن يفعل أحدهما، ولا يأثم إذا قتل. ولو أكره على القتل أو الكفر، يرخص له إجراء كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان. وأما بالنسبة للحكم الدنيوي: فقد يختلف الحكم بالتخيير عن حالة التعيين، فلو أكره على أكل الميتة أو قتل المسلم، فلم يأكل وقتل، يجب القصاص على المستكره عند الحنفية؛ لأنه أمكنه دفع الضرورة بتناول المباح، فكان القتل حاصلاً باختياره. ولو أكره على الكفر أو القتل، فقتل ولم يكفر بلسانه، فالقياس: أنه يجب عليه القصاص؛ لأنه اختار القتل الذي هو حرام على المرخص فيه، ومقتضى الاستحسان. أنه لا قصاص عليه، ولكن تجب عليه الدية، إن لم يكن عالماً أنه مرخص له بلفظ الكفر (١). المبحث الرابع - أثر الإكراه في التصرفات الشرعية: (أي في التصرفات القولية أو التصرفات القانونية). أبدأ الكلام على التصرفات الشرعية المعينة وأقول:

стр. 4321

التصرفات الشرعية المعينة إما أن تكون إنشاء أو اقراراً. والتصرفات الإنشائية نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ، ونوع يحتمل الفسخ. أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ: فهي كالطلاق والنكاح والظهار واليمين والعفو عن القصاص. وقد أوصلها بعض الحنفية إلى عشرين، والتحقيق أنها خمسة عشر (١). وأما التصرفات التي تحتمل الفسخ: فهي كالبيع والإجارة ونحوهما من كل تصرف يعتبر سبباً للملك. أولاً - التصرفات التي لا تحتمل الفسخ (أي الرد، وهي التصرفات اللازمة): يرى الحنفية أنه لا تأثير للإكراه على التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ أي الرد، ولا يشترط فيها الرضا، فتعتبر هذه التصرفات نافذة مع الإكراه؛ لأنها لا تقبل الفسخ، فتصبح لازمة. فلو أكره الرجل على الطلاق أو النذر أو اليمين أو الظهار أو النكاح أو الرجعة، أو الإيلاء أو الفيء فيه باللسان، أو العفو عن القصاص، وقع المكره عليه؛ لأنها تصرفات يستوي فيها الجدل والهزل، والإكراه في معنى الهزل لعدم القصد الصحيح للتصرف فيهما، والأصل فيه حديث حذيفة ابن اليمان ﵁، وهو «أن المشركين لما أخذوه واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله ﷺ في غزوة، فحلف مكرهاً، ثم أخبر به رسول الله ﷺ ، فقال: أوف لهم بعهدهم ونحن نستعين بالله عليهم» وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن

стр. 4322

عمر أنه أجاز طلاق المكره (١). ويؤيده عموم قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] الآية. والخلاصة: أن هذه التصرفات تصح وتلزم من المستكره. ويرى جمهور الأئمة غير الحنفية أن الإكراه يؤثر في هذه التصرفات، فيفسدها، فلا يقع طلاق المكره مثلاً، لا يثبت عقد النكاح بالإكراه ونحوهما. وهذا هو الأرجح. واستدلوا بأن الله تعالى لما لم يرتب على التلفظ بالكفر حالة الإكراه أثراً في قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل:١٠٦/ ١٦] فلا يترتب على أي تصرف قولي مع الإكراه أي أثر. وقد ثبت في السنة أن خنساء بنت خزام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ، فرد نكاحها (٢)، ويؤيدها حادثة أخرى وهي أن فتاة زوجها أبوها من ابن أخيه وهي كارهة، فجعل رسول الله ﷺ الأمر إليها (٣).

стр. 4323

وقال ﷺ : «لا طلاق في إغلاق» (١) وفسر الشافعي الإغلاق بالإكراه، وقال ﵇ أيضاً: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢) أي رفع حكم الإكراه وغيره. ثم إن هذه التصرفات لا تصح مع الإكراه حتى لا يترتب عليها زوال حقوق الناس وأملاكهم بدون رضاهم. وبناء عليه قال الشافعية: إن طلاق المستكره وعتاقه وبيعه وإجارته ونكاحه ورجعته وغيرها من التصرفات لا تصح؛ لأن رفع حكم الإكراه إنما يكون بانعدام الحكم المتعلق به، كوقوع الطلاق، وصحة البيع والنكاح. وأما وجوب القصاص عندهم على القاتل المستكره، فيستثنى من عموم الصيغة، تعظيماً لأمر الدم، فإنه لا سبيل إلى استباحته، وتجب رعاية حرمته (٣). وأما حديث: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (٤) الذي تمسك به الحنفية فهو ضعيف على الأرجح، وأما حديث حذيفة فهو حديث مكذوب كما قال ابن حزم. وأما ما روي عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره، فيقدح فيه ما رواه ابن حجر في فتح الباري أن عبد الرزاق أخرج عن ابن عمر عدم جواز طلاق المكره في قصة

стр. 4324

ثابت الأعرج، ويؤيده أن عدم جواز طلاق المكره روي عن ابن عمر في سنن البيهقي، وفي صحيح البخاري، وفي موطأ مالك. وأما ما استدل به الحنفية من عموم قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] فهو معارض لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة:٢٢٥/ ٢] والمستكره لم يطلق قط، بل إن حديث «لا طلاق في إغلاق» يقيد إطلاق آية الطلاق، حتى على مذهب الحنفية القائلين بأن هذا الحديث ظني، والظني لا يقيد القطعي؛ لأن هذه الآية قيدت بحديث مشهور وهو قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يكبر (أو يعقل أو يحتلم)، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (١) فصارت ظنية، فأصبحت بعدئذ صالحة لتقييدها بخبر ظني (٢). ثانياً - التصرفات التي تحتمل الفسخ: إذا أكره الإنسان إكراهاً تاماً أو ناقصاً على تصرف يحتمل الفسخ أي يقبل الرد، ويشترط فيه الرضا كالبيع والشراء والهبة والإجارة ونحوها، فإن الإكراه عند جمهور الحنفية يفسده أي أن التصرف نافذ، ولكنه فاسد، وحينئذ يملك المشتري المبيع بالقبض. وسبب الفساد: هو أن الرضا شرط نفاذ هذه التصرفات، والإكراه

стр. 4325

يعدم الرضا، وانتفاء الشرط يترتب عليه انتفاء المشروط، وهو النفاذ، فيفسد التصرف. وعليه يكون بيع المستكره وإجارته وهبته فاسدة، ولكن للمستكره بعد زوال الإكراه الخيار بين إمضاء التصرف وفسخه؛ لأن الرضا كما ذكرت شرط لصحة هذه التصرفات. وقال المالكية وزفر من الحنفية: تعتبر هذه التصرفات بالإكراه موقوفة؛ لأن الرضا شرط في صحة العقد، لا في انعقاده، حتى لو أجاز المستكره ما أكره عليه بعد زوال الإكراه أصبح العقد صحيحاً، ولو كان العقد فاسداً لما جاز؛ لأن الفاسد لا يجوز بالإجازة، ولا يرتفع الفساد بالإجازة كسائر البيوع الفاسدة، فأشبه بيع الفضولي، وبما أنه بيع موقوف، لا يثبت به الملك بالقبض. والخلاصة: إن أبا حنيفة وصاحبيه ذهبوا إلى أن الإكراه يفسد العقد إفساداً فقط، لا إبطالاً، وتترتب عليه الأحكام المقررة لفساد العقود إلا من ناحية واحدة، وهي أنه بعد زوال الإكراه، لو أجاز المستكره العقد، صح هذا العقد، ويصبح ملزماً؛ لأن الفساد إنما كان صيانة لمصلحته الخاصة لا لمصلحة عامة. وأما زفر فيجعل العقد غير نافذ كعقد الفضولي، فهو صحيح موقوف بالنسبة للمستكره، ويتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه، وبما أن هذا العقد يجوز ويلزم بالإجازة، فهذا دليل على كون العقد موقوفاً لا فاسداً؛ لأن العقد الفاسد يفسخ فسخاً ولا يجاز إجازة. ويلاحظ أن دليل زفر أقوى وأوجه، ولكن المعتمد عند الحنفية هو رأي الإمام وصاحبيه (١). وقال باقي الفقهاء: تعتبر هذه التصرفات مع الإكراه باطلة غير صحيحة (٢).

стр. 4326

مثاله: حالة الإكراه على البيع سواء أكان تاماً أم ناقصاً. وبه يلاحظ أن للعلماء في حكم بيع المستكره أربعة مذاهب: ١ - ذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى فساد بيع المكره عملاً بعمومات نصوص البيع، ولا فرق بين فساد البيع بسبب الجهالة أو الربا أو غيرهما وبين فسا ده بالإكراه، لعدم توافر الرضا إلا في أن المستكره له حق إجازة العقد بعد زوال الإكراه، كما له حق الفسخ مطلقاً، فيسترد المبيع الذي أكره على بيعه، ولو تداولته الأيدي كأن تصرف المشتري به، صيانة لمصلحته ومحافظة على إرادته ورضاه. أما بقية البيوع الفاسدة فلا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحوه، كما أنه إذا تصرف المشتري الجديد بالمبيع نفذ تصرفه، وليس للبائع الأصلي حق الفسخ نظراً لتعلق حق المشتري الجديد بالمبيع، وحق العبد مقدم على حق الله، لاستغناء الله واحتياج العبد. ٢ - وذهب زفر من الحنفية إلى أن بيع المستكره موقوف. ٣ - وقرر المالكية أن بيع المستكره غير لازم أي أن للعاقد المكره الخيار في إمضاء العقد أو فسخه، وهذا يتفق مع ما ذكره القدوري الحنفي في بيان حكم بيع المستكره وشرائه وإقراره. ٤ - وذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى بطلان بيع المستكره. أثر الإكراه على الإقرارات: تحدثت عن أثر الإكراه في التصرفات الإنشائية، وأذكر هنا أثر الإكراه في الإقرارات.

стр. 4327

إذا أكره رجل بغير حق على أن يقر بشيء، ففي هذا الإقرار للفقهاء مذهبان: ١ - مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: يقرر إلغاء الإقرار وعدم ترتب أي أثر عليه، سواء أكان المقر به مما يحتمل الفسخ كالبيع والإجارة، أم مما لا يحتمل الفسخ كالطلاق والرجعة. استدل الحنفية بأن الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب، إلا أنه يصح الإقرار حالة الاختيار؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه، ولم يصح حالة الإكراه، لترجح جانب الكذب بسبب وجود التهديد. واستدل غير الحنفية بحديث «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فلفظ «ما» في الحديث يفيد العموم، فيكون حكم كل تصرف أكره عليه الإنسان مرفوعاً، والإقرار تصرف من التصرفات، فيكون حكمه مرفوعاً عند الإكراه، فلا يترتب عليه أي أثر من آثاره. ٢ - مذهب المالكية يقرر عدم لزوم إقرار المستكره بغير حق، أي أن المستكره بعد زوال الإكراه مخير بين أن يجيز الإقرار وبين ألا يجيز. واستدلوا بأن إقرار المستكره كطلاقه بجامع عدم الرضا في كل، فكما لا يلزم طلاق المستكره لا يلزم إقرار المستكره. وأما الإقرار مكرهاً بالزنا أو شرب الخمر أو السرقة أو القذف أو القتل، فإنه يعتبر ملغياً، ولا يقام عليه حد ولا قصاص عند أغلب الفقهاء، ومنهم المالكية؛ لأن الإكراه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (١).

стр. 4328

أثر الإكراه في التصرفات الشرعية المخير فيها: عرفنا أن التصرفات الشرعية إما أن تكون قابلة للفسخ أو غير قابلة للفسخ. أما التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ والمخير فيها بالإكراه، فللفقهاء في حكمها رأيان: الأول - رأي الشافعية: وهو أنهم يشترطون تعيين الشيء المكره عليه، فلا إكراه مع التخيير، وتكون التصرفات المخير فيها التي لا تقبل الفسخ نافذة. الثاني - رأي جمهور الأئمة: وهو أنهم يقولون: لا يشترط التعيين في المكره عليه، فالإكراه باق مع التخيير، ويترتب على الإكراه أثره في التصرفات الشرعية المخير فيها التي لا تحتمل الفسخ بحسب المقرر في كل مذهب، كما تقدم. فإذا أكره إنسان على أن يطلق امرأته المدخول بها أو امرأته غير المدخول بها وطلق إحدى المرأتين: لم يعتبر الإكراه عند الشافعية، ويقع الطلاق؛ لأنه وجدت قرينة على الاختيار فيما أتى به. وعند بقية الأئمة: يعتبر الإكراه، ولكنهم فصلوا في وقوع الطلاق أي ترتيب أثر الإكراه، فعند الحنفية: يقع الطلاق إذ لا أثر للإكراه عندهم في التصرفات القولية التي لا تحتمل الفسخ. وفي المعتمد عند المالكية: لا يلزم الطلاق، وللمستكره بعد زوال الإكراه حق إجازة الطلاق. وعند الحنابلة: يقع الطلاق؛ لأن التخيير كالتعيين عندهم. وأما التصرفات الشرعية المخير فيها التي تحتمل الفسخ، فكذلك للفقهاء في أثر الإكراه فيها رأيان: الأول - رأي الشافعية القائلين بأنه لا إكراه مع التخيير.

стр. 4329

الثاني - رأي باقي الأئمة الذين يقولون بأنه لا مانع من وجود الإكراه مع التخيير. مثلاً: إذا أكره الرجل على بيع إحدى العمارتين المملوكتين له، فباع إحداهما، كان البيع نافذاً عند الشافعية لانعدام الإكراه هنا. وعند باقي الأئمة: يترتب على الإكراه أثره كما في حالة التعيين. وبناء عليه يكون بيع إحدى العمارتين باطلاً عند الحنابلة والظاهرية، وفاسداً عند جمهور الحنفية، وموقوفاً عند المالكية وزفر. وأدلة كل منهم تعرف في مثال الإكراه على البيع السابق ذكره (١).

стр. 4330

الفَصْلُ الثَّامن عَشَر: الحَجْر الكلام عن الحجرفي مباحث أربعة: أولها - في تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه. وثانيها - في أسباب الحجر. وثالثها - في رفع الحجر. ورابعها - تعلق الدين بالتركة. المبحث الأول - تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه ونوعاه: أولاً - تعريف الحجر: الحَجْر في اللغة: المنع والتضييق، يقال: حجر عليه حجراً أي منعه من التصرف، ومنه سمي الحرام: حِجْراً، قال تعالى: ﴿ويقولون حجراً محجوراً﴾ [الفرقان:٢٢/ ٢٥] أي حراماً محرماً، وسمي العقل حجراً، قال تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حِجْر﴾ [الفجر:٥/ ٨٩] أي عقل؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح من المفاسد وتضر عاقبته، وسمي الحطيم حِجْراً لأنه منع من الكعبة، وقطع منها، كما منع من أن يدخل في الحرم.

стр. 4331

والحَجْر في الشريعة: هو منع الإنسان عن التصرف في ماله. ويقابله الإذن وهو فك الحجر وإسقاط حق المنع (١) وللحجر تعاريف متقاربة عند الفقهاء هي مايأتي: قال الحنفية (٢): الحجر: هو المنع من لزوم العقود والتصرفات القولية. فإذا باشر المحجور عقداً أو تصرفاً قولياً كالبيع أو الهبة لا ينفذ أي لا يلزم، ولا يترتب عليه حكمه، فلا يملك بالقبض. وكون الحجر من التصرفات القولية؛ لأنها هي التي يتصور الحجر فيها بالمنع من نفاذها، أما الأفعال فلا يتصور الحجر فيها؛ لأن الفعل بعد وقوعه لا يمكن رفعه، بخلاف القول، فإنه يمكن رفعه بمنع انعقاده شرعاً أو منع نفاذه. وللحنفية تعريف آخر أدق: وهو عبارة عن منع مخصوص متعلق بشخص مخصوص، عن تصرف مخصوص أو عن نفاذه، أي لزومه؛ لأن عقد المحجور ينعقد موقوفاً (٣). فالحجر على الصغير أو المجنون قد يجعل تصرفه غير منعقد أصلاً، كما إذا كان ضرراً محضاً، كطلاق زوجته، وقد يجعله موقوفاً على إجازة الولي كالبيع والشراء من المميز، أما إذا كان لا يعقل أصلاً فتصرفه باطل. وأما الحجر على الأفعال، فلا يفيد، ويكون كل من الصبي والمجنون ضامناً لما يتلفه من مال غيره، ويؤخذ ثمنه من ماله إن كان له مال، ويطالب بالأداء وليه أو وصيه؛ لأن الضمان من خطاب الوضع، وهو لا يشترط فيه التكليف أو التمييز، لكن لا يطبق عليهما العقاب البدني كالحدود والقصاص، لعدم توافر القصد الصحيح، وإنما تجب عليهما الدية في حال القتل، لأنه يعتبر منهما خطأ.

стр. 4332

وعرفه الما لكية (١) بأنه صفة حكمية - أي يحكم بها الشرع - توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته، أو تبرعه بما زاد على ثلث ماله. فشمل الأول: الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس ونحوهم، فإنهم يمنعون من التصرف بالبيع أو التبرع فيما زاد على قوتهم ويكون تصرفهم موقوفاً على إجازة الولي. وشمل الثاني: الحجر على مريض الموت والزوجة، فإنهما لا يمنعان من البيع والشراء، وإنما يمنعان من التبرع فيما يزيد عن ثلث مالهما. وعرفه الشافعية والحنابلة (٢): بأنه المنع من التصرفات المالية. سواء أكان المنع من الشرع كمنع الصغير والمجنون والسفيه، أم من الحاكم كمنع المشتري من التصرف في ماله حتى يؤدي الثمن الحال الذي عليه. ولا يمنع المحجور (السفيه والمفلس والمريض) من التصرفات غير المالية، كالتصرف بالطلاق والإقرار بما يوجب العقوبة، وكالعبادة البدنية واجبة أو مندوبة، وتنفذ منه العبادة المالية الواجبة كالحج، دون المندوبة. لكن الصبي والمجنون لا يصح تصرفهما في شيء مطلقاً من الأموال والذمم والأحوال الشخصية من زواج وطلاق. ثانياً - دليل مشروعية الحجر: ورد في القرآن الكريم آيات ثلاث تدل على مشروعية الحجر من حيث المبدأ، أولها قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ [النساء:٥/ ٤] نهى الله تعالى فيها الأولياء عن إعطاء السفهاء أموالهم؛ لأن في إعطائهم تعريضاً لضياعها، فدل النص على منعهم من التصرف في أموالهم، وهو معنى الحجر عليهم.

стр. 4333

والآية الثانية قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] أمر الله تعالى باختبار اليتامى في حفظ أموالهم، بأن يدفع لهم شيء من أموالهم، لمعرفة خبرتهم في التصرفات، فإن آنس منهم الرشد قبل البلوغ، سلموا أموالهم، فدل النص على منع دفع أموالهم إليهم، قبل الرشد، وحجرهم عنها، حتى لا يتصرفوا فيها. والآية الثالثة قوله سبحانه: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] فسَّر الشافعي ﵁ السفيه بالمبذر، والضعيف بالصبي، والكبير بالمختل، والذي لا يستطيع أن يمل بالمغلوب على عقله، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم. وثبت في السنة الصحيحة أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه (١). وحجر عثمان بسبب التبذير على عبد الله بن جعفر (٢). ثالثاً - حكمة تشريع الحجر: ليس في الحجر إهدار حقيقي لكرامة الإنسان، وإنما هو رحمة ومصلحة وصون وتعاون، فهو رحمة بالمحجور عليه حتى يوفر له ماله في وقت تكثر فيه مسؤولياته، وتتعدد واجباته، فلا يواجه الحياة بوجه عبوس مقطب، ولا تتراكم عليه الهموم والمشكلات، ولا تصادمه الصعاب والمشاق، وإنما يجد في ماله سبيلاً للنجاة، والعيش الكريم، وشق طريق الحياة، وهو صون لماله من عبث العابثين، وحد لهوى النفس بالإنفاق في وجوه غير صحيحة.

стр. 4334

وهو مصلحة للفرد والمجتمع ودفع للضرر عنهما، بتدريب المحجور وتوفير الخدمة اللازمة له بالتصرفات وممارسة شؤون التجارات، حتى لا يصبح عالة على المجتمع، وكيلا تبدد الأموال. وهو عون ضروري من الكبير الراشد ليتيم قاصر مثلاً للأخذ بيده في سفينة الحياة، ولتثمير ماله، والإنفاق منه على الأمور الضرورية له، والبعد عن الأوجه المتنوعة للصرف فيما لا يحق النفع والخير له. فالمحجور عليه إن كان صغيراً أو مجنوناً أو معتوهاً، هو ناقص العقل ليس أهلاً لتقدير المصلحة، ولا يتصور منه الرضا الصحيح، ولا القصد والاختيار. فالحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة حفظاً لماله عليه. وإن كان سفيهاً مبذراً لأمواله هو متلف له ومضيعة في غير الوجوه النافعة. وإن كان مغفلاً فلا يهتدي إلى التصرفات الرابحة، وإنما يغبن في البيوع ويتضرر بها. وإن كان مديناً فلا بد من رعاية حق الدائنين في أموالهم وحفظ مصالحهم وعدم إضاعتها دفعاً للضرر عنهم، وحتى لا ينضب معين الخير في الناس، ولا ينفر أو يتبرم امرؤ من إقراض غيره قرضاً حسناً ينقذه من ورطات السوء. لذا كان الحجر محققاً لمصلحة المحجور عليه نفسه بحفظ ماله وحقوقه، ولمصلحة المجتمع أيضاً بإيصاد منافذ العوز والفاقة والفقر؛ لأن المال عصب الحياة، فيجب إنفاقه في غير إسراف ولا تبذير لقوله تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ [الإسراء:٢٧/ ١٧]. وقد أوصى الله الأولياء والأوصياء عن اليتامى والمساكين بضرورة الإشراف على شؤونهم بالحق والعدل والمعروف، إذ أنه ربما ترك الإنسان ذرية ضعافاً يحتاجون لمعاونة غيرهم لهم، فقال سبحانه: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم

стр. 4335

ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً﴾ [النساء:٩/ ٤ - ١٠] وروى الإمام أحمد والنسائي وأبو داود وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] عَزَلوا أموال اليتامى، حتى جَعَل الطعامُ يفسدُ، واللحم ينتُن، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة:٢٢٠/ ٢] وأوجب الحق ﵎ اختبار الأيتام قبل دفع أموالهم إليهم، فقال: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤]. ومنع القرآن الكريم من إيتاء السفيه ماله حرصاً على مصلحته ولمصلحة الناس، فقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء:٥/ ٤]. وثبت في السنة كما ذكرت الحجر على المدين، دفعاً للضرر عن الدائنين، كما ثبت عن عثمان الحجر على المبذر، حفظاً لماله من الضياع. وروى الدارقطني عن كعب بن مالك: «أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله، وباعه في دين عليه» وروى الشافعي في مسنده عن عروة بن الزبير أن عثمان حجر على عبد الله بن جعفر بسبب تبذيره. رابعاً - تقسيم الحجر بحسب نوع المصلحة: الحجر بحسب نوع المصلحة المقصودة منه نوعان (١):

стр. 4336

الأول - حجر لمصلحة المحجور عليه: وهو كحجر المجنون والصغير والسفيه والمبذر، إذ فائدة الحجر لا تتعداهم، فقد شرع لمصلحتهم أنفسهم. الثاني - حجر لمصلحة الغير: وهو كحجر المدين المفلس لحق الغرماء (الدائنين)، ومريض الموت لحق الورثة فيما زاد عن ثلث التركة حيث لا دين، وحجر الراهن بعدم لزوم الرهن لحق المرتهن في العين المرهونة، فقد شرع الحجر لصالح غير المحجور عليه. المبحث الثاني - أسباب الحجر: للحجر أسباب كثيرة، منها ما هو متفق عليه كالحجر بسبب الصغر والجنون والعته، لفقد الأهلية أو نقصها. ومنها ما هو مختلف فيه كالحجر بسبب السفه والغفلة والدين، وسبب الخلاف راجع لا لقصور الأهلية، وإنما لدفع الضرر عنهم وعن الناس. والحجر بسبب الرق متفق عليه، فالرقيق محجور عن التصرف في ملك غيره إلا بإذنه، لكونه ليس أهلاً للملك. ويختلف أثر الحجر في تصرفات المحجور عليه باختلاف سببه، ويظهر الاختلاف في المطالب الآتية: المطلب الأول - أثر الحجر في تصرفات الصغير: الصغر طور يمر به كل إنسان، يبدأ من حين الولادة إلى البلوغ، وقد أجمع العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحُلُم (١)، لقوله تعالى:

стр. 4337

﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء:٦/ ٤] ولعدم توافر أهلية التصرف لعدم اكتمال الإدراك اللازم لتقدير مايترتب على التصرفات. وقد اختلف الفقهاء في حكم تصرفات الصغير وفي أمور أخرى متعلقة به. أولاً - آراء الفقهاء في حكم تصرفات الصغير أو أثر الحجر عليه: للفقهاء مذاهب في أثر الحجر على الصغير، فيرى الحنفية والمالكية ضرورة التفرقة بين المميز وغير المميز، ولم يفرق الشافعية والحنابلة بينهما. ١ - قال الحنفية والمالكية (١): الصغير إما مميز أو غير مميز، وغير المميز: هو الذي لم يتم سن السابعة من العمر. والمميز هو الذي أكمل سن السابعة، لقوله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» (٢). والتصرفات إما قولية أو فعلية: أما التصرفات الفعلية: وهي الغصوب والإتلافات، فلا أثر لحجر الصبي والمجنون عليها، فيجب على كل منهما ضمان ماأتلف من مال أو نفس، إذ لا حجر على الأفعال، وإنما على الأقوال (٣). وأما التصرفات القولية:

стр. 4338

فإن صدرت من غير مميز فجميع تصرفاته باطلة لفقده أهلية الأداء أو التصرف، إذ لا عقل له ولا تمييز، فلا يعتبر رضاه ولا قصده، سواء أكان التصرف نافعاً له، أو ضاراً به، أو متردداً بين الضرر والنفع، فلا يصح عقده ولا إقراره ولا طلاقه كالمجنون لعدم اعتبار أقوالهما. وإن صدرت من مميز فهي ثلاثة أنواع: أـ التصرف النافع له نفعاً محضاً، كقبوله الهبة أو الوصية، واعتناق الإسلام، يصح منه وينفذ بدون توقف على إجازة وليه أو وصيه، رعاية لجانب نفعه. ب - التصرف الضار به ضرراً محضاً، كتبرعه بشيء من ماله، أو إقراضه، أو إعارته، أو طلاق زوجته، يبطل منه، ولا ينفذ ولا تصححه إجازة الولي؛ لأن الإجازة لا تلحق الباطل، ومن قواعد الحنفية: «كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي والمعتوه» وقد رووه حديثاً، لكنه لم يصح أصلاً (١). جـ - التصرف المتردد بين الضرر والنفع، كالبيع والشراء، والإيجار والاستئجار، والزواج، ينعقد منه موقوفاً على إجازة الولي، إذا كان المميز يعقل البيع بأن يعلم أن البيع سالب، والشراء جالب، ويقصده بأن يكون غير هازل؛ لأن تصرفه يحتمل الضرر فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل، وليس له إجازة ما فيه غبن فاحش، والولي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة، وإن شاء فسخه. ٢ - وقال الشافعية والحنابلة (٢): تعتبر التصرفات المالية من الصبي مميزاً أو غير مميز باطلة. لكن الشافعية قالوا: لا تصح تصرفات المميز وإن أذن له الولي، ويعتبر إذن الصبي المميز في إذن الدخول وإيصاله الهدية، ويصح إحرامه بإذن وليه، وتصح عبادته، وله إزالة المنكر ويثاب عليه كالبالغ، كما يعتبر إسلامه، كإسلام سيدنا علي ﵁ صغيراً.

стр. 4339

أما الحنابلة فقالوا: يصح تصرف المميز بإذن الولي، وينفك عنه الحجر فيما أذن له فيه من تجارة وغيرها، ويصح إقراره فيما أذن له فيه. واتفق المذهبان على تضمين إتلافات الصغير من مال أو نفس، كالحنفية والمالكية. والخلاصة: أنه لا تنفذ عند الحنفية والمالكية عقود الصبي والمجنون ولا إقرارهما، ولا تصح عند الشافعية والحنابلة. ثانياً - عدم تسليم الصغير أمواله: اتفق العلماء على أنه لا تسلم للصغير أمواله، حتى يبلغ راشداً (١)؛ لأن الله تعالى علق دفع المال إليه على شرطين: وهما البلوغ والرشد في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما. فإذا بلغ الصغير، فإما أن يبلغ رشيداً أو غير رشيد. أـ فإن بلغ رشيدا ً - مصلحاً للمال: دفع ماله إليه، وفك عنه الحجر (٢)، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] وفي سنن أبي داود: «لا يُتم بعد الاحتلام». وإذا دفع إليه ماله أشهد عليه عند الدفع لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء:٦/ ٤]. وهل يحتاج رفع الحجر عن الصغير لحكم القاضي؟

стр. 4340

قال الجمهور (الحنفية والشافعية في الأرجح، والحنابلة) (١): يرتفع حجر الصغير ببلوغه رشيداً بدون حكم الحاكم؛ لأن الحجر عليه ثبت بغير حكم حاكم، فيزول من غير حكم، كالحجر على المجنون. والوجه الآخر عند الشافعية: أنه يفتقر إلى الحاكم؛ لأنه يحتاج إلى نظر واختبار كفك الحجر عن السفيه. ورأي الجمهور هو الأرجح لاتفاقه مع الواقع، والتيسير. وقال المالكية (٢): إما أن يكون الصغير ذكراً أو أنثى: ف إن كان ذكرا ً فهناك ثلاث حالات: أحدها - أن يكون أبوه حياً: فإنه ينطلق من الحجر ببلوغه بدون حكم، ما لم يظهر منه سفه أو يحجره أبوه. الثاني - أن يكون أبوه قد مات وعليه وصي: فلا ينطلق من الحجر إلا بالترشيد، فإن كان وصيه مقدَّم الأب أي باختياره (وهو الوصي المختار): فله أن يرشده من غير إذن القاضي؛ لأنه ثبت عليه الحجر بالأصالة من غير فرض من أحد، فلا يحتاج رفعه لحكم القاضي. وإن كان وصي القاضي ليس له ترشيده إلا بإذن القاضي كما ذكر ابن جزي، وأما ما قرره الدردير وهو الراجح فهو أن الوصي سواء كان وصي الأب أم وصي القاضي لا يحتاج في ترشيده لإذن القاضي. والترشيد بأن يقول الوصي أمام العدول: اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان، وأطلقت له التصرف، لما ثبت عندي من رشده وحسن تصرفه. وللقاضي ترشيد المحجور مطلقاً إذا ثبت عنده رشده.

стр. 4341

الثالث - أن يبلغ الصغير، وليس له أب ولا وصي، وهو المُهْمل: فهو محمول على الرشد إلا أن يتبين سفهه. والخلاصة: أن الصبي ذا الأب أو الوصي المختار لا يحتاج رفع الحجر عنه إلى حاكم، ولكن ذو الأب لا يحتاج إلى ترشيد، وذو الوصي يحتاج إلى ترشيد. وأما ذو الوصي المعين من القاضي، فيحتاج لحكم القاضي في رأي ابن جزي، ولايحتاج لإذن القاضي فيما قرره الدردير، وهو الراجح. وأما الأنثى: فذات الأب لا ينفك الحجر عنها إذا لم يرشدها أبوها إلا بأمور أربعة: بلوغها، وحسن تصرفها، وشهادة العدول بذلك، ودخول الزوج بها. وللأب ترشيدها قبل دخول الزوج بها بأن يقول لها: رشدتك ورفعت الحجر عنك. فيرتفع الحجر عنها وتنفذ تصرفاتها، ولو لم يشهد العدول بصلاح حالها. وأما ذات الوصي (المختار أو المعين من القاضي): فلا ينفك الحجر عنها إلا بأمور خمسة: البلوغ، وحسن تصرفها، وشهادة البينة بذلك، ودخول الزوج بها، وفك الوصي حجرها بترشيدها، ولا يحتاج في الفك لإذن الحاكم؛ أي أن الأنثى لا تحتاج في رفع الحجر عنها إلى قضاء القاضي. وعليه يكون مذهب المالكية قريباً من مذهب الجمهور، إذ لا يحتاج رفع الحجر عن الصغير لقضاء القاضي إلا إذا كان الصغير تحت ولاية القاضي، فيحتاج لترشيد القاضي، كما يحتاج ذو الوصي لترشيد الوصي. والخلاصة: أن ما يرفع الحجر عن الصبي شيئان عند الجمهور غير الشافعية: هما إذن الولي إياه بالتجارة، وبلوغه رشيداً. وعند الشافعية شيء واحد هو البلوغ. ب - وإن بلغ الصغير غير رشيد، لا تسلم إليه أمواله، بل يحجر عليه بسبب

стр. 4342

السفه، باتفاق المذاهب، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤]. إلا أن أبا حنيفة (١) قال: يستمر الحجر على البالغ غير الرشيد إلى بلوغه خمساً وعشرين سنة، ثم يسلم إليه ماله، ولو لم يرشد؛ لأن في الحجر عليه بعد هذه السن إهداراً لكرامته الإنسانية، ولقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] وهذا قد بلغ أشده، ويصلح أن يكون جَدَّاً في هذه السن، ولأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعدئذ غالباً، فلا فائدة في المنع، فلزم الدفع إليه. وقال الصاحبان وباقي الأئمة (٢): إذا بلغ الولد غير رشيد، لا يسلم إليه ماله، ويستمر الحجر عليه، حتى يؤنس رشده، ولو بلغ الستين من عمره، للآية السابقة ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] حيث شرط الله تعالى لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين: البلوغ وإيناس الرشد، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، ولقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء:٥/ ٤] أي أموالهم. ثالثاً - البلوغ: يحدث البلوغ إما بالأمارات الطبيعية أو بالسن. أما الأمارات أو العلامات الطبيعية، فاختلفت المذاهب في تعدادها: فقال الحنفية (٣): يعرف البلوغ في الغلام بالاحتلام، وإنزال المني، وإحبال المرأة. والمراد من الاحتلام هو خروج المني في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره.

стр. 4343

والدليل على كونه علامة البلوغ قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ [النور:٥٩/ ٢٤] وخبر «رفع القلم عن ثلاثة، منها: عن الصبي حتى يحتلم (١)» وروى أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : «لا يُتم بعد الاحتلام». وإذا تحقق البلوغ بالاحتلام تحقق بالإنزال؛ لأن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة، فعلق الحكم به. وكذا الإحبال؛ لأنه لا يتحقق بدون الإنزال عادة. ويعرف البلوغ في الأنثى بالحيض لخبر رواه الخمسة إلا النسائي: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٢) أو بالحبل لأن الحمل دليل على إنزال المرأة فيحكم ببلوغها منذ حملت. وأدنى مدة البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة، وللأنثى تسع سنين، وهو المختار عند الحنفية. فإذا لم يحصل بلوغ طبيعي، ثبت البلوغ بالسن، فمتى بلغ الولد (ذكراً أو أنثى) سن الخامسة عشرة فقد بلغ الحلم على المفتى به، وهو سن المراهقة. وقال أبو حنيفة: يبلغ الغلام إذا أتم ثماني عشرة سنة، والأنثى سبع عشرة سنة؛ لأنه إنما يقع اليأس عن الاحتلام الذي علق الشرع الحكم به بهذه السن. ومذهب المالكية (٣): علامات البلوغ الطبيعية سبعة، خمسة منها مشتركة بين

стр. 4344

الجنسين، واثنان مختصان بالأنثى. فالحيض والحبل خاص بالمرأة. وإنزال المني مطلقاً في نوم أو يقظة، وإنبات شعر العانة الخشن، لا الزغب، ونتن الإبط، وفرق أرنبة الأنف، وغلظ الصوت: مشترك بين الذكر والأنثى. ودليل حصول البلوغ بالإنبات: حديث الترمذي عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شَرْخهم، والشرخ: الغلمان الذين لم يُنْبتوا». فإن لم يظهر شيء مما ذكر، كان بلوغ الصغير بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل: بالدخول فيها. ومذهب الشافعية (١): يحصل البلوغ إما باستكمال خمس عشرة سنة قمرية، أو بالاحتلام أو بخروج المني وقت إمكانه من ذكر أو أنثى، ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين، أو بنبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته لنحو حلق. وأما نبات شعر الإبط واللحية، فليس دليلاً للبلوغ لندورهما دون خمس عشرة سنة. ويزيد على المذكور بالنسبة للمرأة: الحيض والحبل. والخلاصة: أن البلوغ عندهم يحصل بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهي الإنزال (الاحتلام) والإنبات والسن. واثنان تختص بهما المرأة وهما الحيض والحبل. ودليلهم على تحديد السن بـ ١٥ سنة: خبر ابن عمر: «عُرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه

стр. 4345

يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني، ورآني بلغت (١)». ومذهب الحنابلة (٢) كالشافعية تماماً. رابعاً - الرشد: الرشد عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (٣): هو صلاح المال ولو كان فاسقاً، أي توفر الخبرة في إدارة المال واستثماره وحفظه وإصلاحه، وحسن التصرف به، وتمييز النافع من الضار، فلا ينفق ماله في غير مصلحة، ولا يضيعه بالتبذير والإسراف، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] قال ابن عباس: يعني صلاحاً في أموالهم. فمن كان مصلحاً لماله، فقد وجد منه الرشد، ولم يكن الحجر عليه إلا لحفظ ماله، فكان المؤثر فيه ما أثر في تضييع المال، أو حفظه. وقال الشافعية (٤): الرشد صلاح الدين والمال، فإصلاح الدين؛ ألا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة، وإصلاح المال: أن يكون حافظاً لماله غير مبذر، فلا يفعل محرماً يبطل العدالة: من كبيرة أو إصرار على صغيرة، ولم تغلب طاعاته على معاصيه، ولا يبذر بأن يضيع المال بغبن فاحش (٥) في المعاملة ونحوها، أو
следующие страницы →