← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا إعادة على من تيمم ثم وجد الماء في الوقت، ولا قضاء عليه بالتيمم للأسباب الأخرى، إلا أن المالكية قالوا: كل من أمر بالتيمم يعيد الصلاة في الوقت إذا كان مقصراً أي عنده نوع من التقصير في البحث عن الماء، أو طلبه. واستثنى الحنفية: المحبوس الذي صلى بالتيمم فإنه يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، ولا يعيدها في السفر. والأيسر الأخذ بهذا الرأي. ودليلهم: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: «أن رجلين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين». وتيمم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يعد. ولأن المتيمم فعل ما أمر به، وأدى فرضه كما أمر، فلم يلزمه الإعادة، ولأن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة، كالمرض، وماسقط لايعود إلى الذمة. وذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتيمم واجد الماء في الصلاة، ينتقض تيممه، وتبطل طهارته، ويعيد الطهارة ويستأنف الصلاة من جديد، لقوله ﷺ : «الصعيد الطيب: وضوء المسلم، إن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمِسَّه جلدك» (١) دل بمفهومه: على أنه لا يكون طهوراً عند وجود الماء،

стр. 562

وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده، ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة، ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها. وإن عدم الماء تيمم وصلى ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح، وإن خاف العطش أبقى ماءه ولا إعادة عليه. وقال الشافعية: إن تيمم لعدم الماء، ثم رأى الماء: أـ فإن كان قبل الدخول في الصلاة، بطل تيممه، لأنه لم يشرع في المقصود، وللحديث السابق عن أبي ذر: «فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك». ب - وإن رأى الماء في أثناء الصلاة: فإن كان في الحضر بطل تيممه وصلاته؛ لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة. والأصح أن خروجه من الصلاة وقطعها ليتوضأ أفضل. وإن كان في السفر لم يبطل تيممه على المذهب؛ لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود، فلا يلزمه الانتقال إليه. وإن رأى الماء في الصلاة في السفر، ثم نوى الإقامة، بطل تيممه وصلاته؛ لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة، فوجب أن يغلَّب حكم الحضر، ويصير كأنه تيمم وصلى، وهو حاضر، ثم رأى الماء. جـ - وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة: إن كان في الحضر، أعاد الصلاة؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلم يسقط معه فرض الإعادة، كما لو صلى بنجاسة نسيها. وإن كان في السفر لا تلزمه الإعادة، سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً في أشهر القولين عن الشافعي.

стр. 563

وإن كان سفر معصية فالأصح أنه تجب عليه الإعادة كالمقيم؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية، فلا تتعلق به رخصة. وإن تيمم للمرض وصلى، ثم برئ، لم تلزمه الإعادة أي في الوقت؛ لأن المرض من الأعذار العامة، فهو كعدم الماء في السفر. وإن تيمم لشدة البرد، وصلى، ثم زال البرد: فإن كان في الحضر، لزمه الإعادة؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة. وإن كان في السفر ففيه قولان أرجحهما أنه تجب الإعادة، لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء في الحضر. أما قضاء الصلاة المؤداة بالتيمم عند الشافعية: فقالوا فيه: يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره كالآبق والناشزة، فإنه يقضي في الأصح، لأنه ليس من أهل الرخصة. ويقضي في الأظهر من تيمم في السفر للبرد، أو لمرض يمنع الماء مطلقاً (أي في جميع أعضاء الطهارة)، أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ولا ساتر عليه، أو بسبب وجود ساتر كجبيرة في محل التيمم (الوجه واليدين)، أو حالة وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيمم. والخلاصة: أن ما كان من الصلاة بعذر دائم كصلاة المستحاضة والمريض قاعداً، والمسافر: لا يقضي. وما كان منها بعذر لا يدوم وليس له بدل كفاقد الطهورين (الماء والتراب)، والمصلوب إذا صلى بالإيماء: يقضي، وما كان منها بعذر لا يدوم وله بدل كتيمم المقيم وتيمم المسافر لشدة البرد، ففي القضاء قولان أرجحهما أنه يقضي.

стр. 564

ولا يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد، يقتضي الجنوح إلى الأخذ برأي الحنفية وموافقيهم. المطلب الثالث - أركان التيمم أو فرائضه: للتيمم أركان أو فرائض، علماً بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه، أساساً وجود الشيء أو هو جانبه الأقوى، وهو اصطلاح الجمهور (غير الحنفية)، أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف الشيء على وجوده، وكان جزءاً من حقيقته. وبناء عليه قالوا: للتيمم ركنان فقط: هما الضربتان، والاستيعاب بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين. أما الجمهور فقالوا: أركان التيمم أربعة أو خمسة على الاختلاف الآتي (١): ١ - النية عند مسح الوجه: هي فرض باتفاق المذاهب الأربعة، منهم القدوري وصاحب الهداية من الحنفية، وجعلها جماعة من الحنفية وبعض الحنابلة شرطاً، وهو المعتمد في مذهبي الحنابلة والحنفية. والنية عند المالكية: أن ينوي استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، أو فرض التيمم عند مسح الوجه، ولو نوى رفع الحدث فقط كان تيممه باطلاً؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث على المشهور عندهم.

стр. 565

ولو نوى فرض التيمم أجزأه، ولا يلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، أو الأصغر. أما لو نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، ويندب نية الأصغر، كما تقدم سابقاً. ويندب فقط تعيين الصلاة المتيمم لها من فرض أو نفل، أو هما معاً. فإن لم يعين الصلاة لا يصلي الفرض بنية النفل، ولا بنية مطلق الصلاة لأن الفرض يحتاج لنية تخصه. وقال الشافعية: لا بد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها، فلا يكفي في الأصح نية فرض التيمم أو فرض الطهارة، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو رفع الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم، ولأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً. والأصح عندهم أنه لا يشترط التعيين في النية، فإذا أطلق، صلى أي فرض شاء، وإن عين فرضاً، جاز أن يصلي غيره فرضاً أو نفلاً في الوقت أو غيره، لكن لا يصلي الفرض بنية النفل، أو بنية استباحة مطلق الصلاة، أي كما قال المالكية. ويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه، لأنه أول الأركان، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه. وينوي عند الحنابلة استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم كالصلاة ونحوها، من طواف ومس مصحف، أي كما قال الشافعية، ولا يصح بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» (١).

стр. 566

ويجب عندهم تعيين النية لما تيمم له كصلاة وطواف ومس مصحف، من حدث أصغر أو أكبر، أو نجاسة على بدنه؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بد من تعيين النية تقوية لضعفه. وصفة التعيين: أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً، أو من الحدث إن كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك. وإن تيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر؛ لأنهما طهارتان، فلم تتأد إحداهما بنية الأخرى. وقال الحنفية: يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة: إما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة كالصلاة أو سجدة التلاوة أو صلاة الجنازة. فإن نوى التيمم فقط من غير أن يلاحظ استباحة الصلاة، أو رفع الحدث القائم به، لم تصح الصلاة به. كما لا تصح الصلاة إذا نوى ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجدومس المصحف (١)، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة (٢)، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم من المحدث حدثاً أصغر لقراءة القرآن، أو للسلام أو رده. فإن تيمم الجنب لقراءة القرآن، صح له أن يصلي به سائر الصلوات. ولا يشترط عندهم تعيين الحدث أو الجنابة، وإنما يصح التيمم بإطلاق النية، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم رافع له كالوضوء.

стр. 567

ويشترط لصحة النية عندهم: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي. ومذهب الحنفية هنا أولى الآراء لسماحته ويسره وسعته. والدليل على اشتراط النية الحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» واستدل الحنفية: بأن التراب ملوث، فلا يكون مطهراً إلا بالنية، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا يشترط له النية. ٢ - مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب (١): لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة:٥/ ٦]. والمطلوب في اليدين عند الحنفية والشافعية: مسحهما إلى المرفقين كالوضوء، على وجه الاستيعاب، للآية المذكورة، لقيام التيمم مقام الوضوء، ولأن اليد أطلقت في التيمم، وقيدت في الوضوء بقوله تعالى: ﴿إلى المرافق﴾ [المائدة:٥/ ٦]، فيحمل التيمم على الوضوء، ويقاس عليه، ولحديث عمار: أن النبي ﷺ قال في التيمم: «ضربة للوجه واليدين» (٢).

стр. 568

واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى الكوعين، أما من الكوعين إلى المرفقين فسنة، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وأيديكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وإذا علق حكم بمطلق اليدين، لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ولحديث عمار بن ياسر: أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين (١)، ولقول عمار: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت (تمرغت أو تقلبت) في الصعيد، وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إنما كان يكفيك هذا، وضرب النبي ﷺ بكفَّيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢). والمفروض عند الحنفية والشافعية: ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين. وقال المالكية والحنابلة: الفريضة: الضربة الأولى: أي وضع الكفين على الصعيد، وأما الضربة الثانية فهي سنة، كما سيأتي. وسبب الخلاف: أن الآية مجملة في ذلك، والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه. والذي في حديث عمار الثابت من ذلك: إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معاً، وهناك أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه الأحاديث قياساً للتيمم على الوضوء، ومن هذه الأحاديث حديث ابن عمر: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين» (٣) وروى أبو داود: «أنه ﷺ تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه، وبأخرى ذراعيه» (٤).

стр. 569

واتفق الفقهاء على وجوب نزع الخاتم في التيمم، بخلاف الوضوء؛ لأن التراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم بخلاف الماء. ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية، ويستحب في الأولى، وإيجاب النزع إنما عند المسح لا عند نقل التراب. وأوجب المالكية والحنفية أيضاً تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع ليتم المسح. واكتفى الشافعية والحنابلة بالقول بأنه يندب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً. ولا يجب إيصال التراب منبت الشعر الخفيف، فلا يوصل التراب إلى ما تحت شعر اللحية مثلاً ولو خفيفاً، لما فيه من العسر، بخلاف الوضوء، وليس فيه مضمضة واستنشاق، لئلا يدخل التراب فمه وأنفه، بل يكرهان لما فيهما من التقذير. ٣ - الترتيب فرض عند الشافعية، وعند الحنابلة في غير حدث أكبر: أي بين عضوي التيمم؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض في الوضوء، فكذا في التيمم القائم مقامه، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن، فلا يعتبر فيه ترتيب. وقال الحنفية والمالكية: الترتيب في التيمم بين العضوين (الوجه واليدين) مستحب لا واجب؛ لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه. ٤ - الموالاة فرض عند الحنابلة والمالكية، وقيدها الحنابلة بغير الحدث الأكبر كالترتيب:

стр. 570

بأن يوالي بين أجزاء التيمم، بألا يؤخر مسح عضو عما قبله زمناً بقدرها في الوضوء، أي بحيث لو قدر مغسولاً لجف بزمن معتدل. وأضاف المالكية: أن يوالي بين التيمم وبين ما فعل له من صلاة ونحوها. وقال الشافعية والحنفية: موالاة التيمم كالوضوء سنة، كما تسن الموالاة أيضاً بين التيمم والصلاة، خروجاً من خلاف من أوجبها، وهم المالكية كما قدمنا. ٥ - الصعيد الطاهر فرض عند المالكية، شرط عند غيرهم: والصعيد عند المالكية (١): كل ما صعد على الأرض من أجزائها، كتراب وهو الأفضل من غيره عند وجوده، ورمل وحجارة وحصى، وجص (٢) لم يحرق بالنار، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به، ولو نقل ذلك من محله: بأن يجعل بينه وبين الأرض حائل. ويجوز التيمم على المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها، إذا لم تكن من أحد النقدين (الذهب أو الفضة) أو من الجواهر كاللؤلؤ. فلا يتيمم على المعادن من شبّ ومِلْح وحديد ورصاص وقصدير وكحل إن نقلت من محلاتها، وصارت أموالاً في أيدي الناس، ولا يتيمم على الذهب والفضة ولو في مكانهما الأصلي، ولا على الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها، ولا يجوز التيمم في قول على الخشب والحشيش، ولو لم يوجد غيرهما، إذ ليس كلاهما بصعيد ولا ما يشبه الصعيد، والمعتمد جواز التيمم عليها عند عدم غيرهما. ويجوز التيمم على الجليد: وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر؛ لأنه أشبه بجموده الحجر، فالتحق بأجزاء الأرض.

стр. 571

ومذهب الحنفية كالمالكية، فقال أبو حنيفة ومحمد (١): يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، كالتراب (وهو مجمع عليه) والغبار، والرمل، والحجر، والجِصّ (الكلس) والنُّورة (حجر الكلس)، والكُحْل والزَّرْنيخ، وإن لم يكن عليها غبار؛ لأن الصعيد اسم لوجه الأرض، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم جميع أجزاء الأرض، ولحديث أبي هريرة: أن ناساً من أهل البادية أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا نكون بالرمال، الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والنفساء والحائض، ولسنا نجد الماء، فقال ﵇: «عليكم بالأرض، ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة، ثم ضرب أخرى، فمسح بها على يديه إلى المرفقين» (٢) وقال الإمام البخاري: «لا بأس بالصلاة على السبخة والتيمم منها» وهي الأرض ذات الملح والنزز. ويجوز عند المالكية والحنفية التيمم بحجر أو صخرة لا غبار عليهما، وبتراب ندي لا يعلق باليد منه غبار، كما يجوز التيمم بالغبار، بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو سرج، فارتفع غباراً. وقال الشافعية والحنابلة (٣): لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق، فإن كان جرشاً أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف. وأضاف

стр. 572

الشافعية: يجوز برمل فيه غبار، ولا يجوز عند الحنابلة التيمم برمل، ونحت حجارة ونحوه، وعن أحمد: رواية أخرى: أنه يجوز التيمم بالرمل. ولا يجوز عند الفريقين التيمم بمعدن كنفط وكبريت ونورة، ولا بسُحاقة خزف، إذ لا يسمى ذلك تراباً، ولا بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو، ولا بجص مطبوخ لأنه ليس بتراب، ولا بسبخة ونحوها مما ليس له غبار، ولا بطين رطب لأنه ليس بتراب، ولا بتراب نجس، كالوضوء باتفاق العلماء لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٦/ ٥]، ولا بما استعمل في العضو عند الشافعية، ولا بمغصوب ونحوه كتراب مسجد عند الحنابلة. وإن ضرب على لبد أو ثوب أو جوالق أو بساط، فعلق بيديه غبار، فتيمم به، جاز، وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيمم احتياطاً للعبادة. ودليلهم قوله : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة:٦/ ٥] وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء من الصعيد، فما لا غبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه، ولأنه طهارة، فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة، كمسح الرأس، ولقوله ﷺ : «جعل لي التراب طهوراً» (١). وذكر الحنابلة: أنه لو وجد ثلجاً وتعذر تذويبه، لزمه مسح أعضائه، الواجب غسلها به، لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم»، ويعيد الصلاة، إن لم يجر على الأعضاء بالمس؛ لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة، بلا طهارة كاملة، كما لو صلى بلا تيمم، مع وجود طين يابس عنده، لعدم ما يدقه به، ليصير له غبار.

стр. 573

وقال ابن عباس: «الصعيد: تراب الحرث، والطيب الطاهر». وإن كان الثلج يسيل على الأعضاء، لم يعد الصلاة، لوجود الغسل المأمور به، وإن كان خفيفاً. هذا وقد اعتبر الشافعية: نقل التراب إلى العضو الممسوح أول أركان التيمم الخمسة عندهم (١)، فلو نقل التراب من عضو حدث عليه تراب جديد إلى عضو التيمم، كفى في الأصح، لوجود مسمى النقل،، ولو كان على العضو تراب، فردده عليه من جانب إلى جانب، لم يكف ولم يجز، ويظهر لي أن رأي الشافعية والحنابلة أقوى، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٦/ ٥]. المطلب الرابع - كيفية التيمم: للفقهاء رأيان في كيفية التيمم: ١ - رأي الحنفية والشافعية (٢): التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلي المرفقين، بدليل الحديث المتقدم، وهوما روى أبو أمامة وابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (٣) ولأن اليد عضو في التيمم، فوجب استيعابه كالوجه. وأما حديث عمار ﵁ الدال على الاكتفاء بالكفين، فيتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين، بدليل حديث أبي أمامة وابن عمر. وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، فيكون محله أعضاء الوضوء المنصوص على وجوب التيمم فيها.

стр. 574

٢ - رأي المالكية والحنابلة (١): التيمم الواجب: ضربة واحدة يمسح بها وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه، لحديث عمار: أن النبي ﷺ قال في التيمم: «ضربة واحدة للوجه واليدين» (٢)، لأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة. والأكمل عندهم خروجاً من خلاف من أوجبه: ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين، وكيفية المسح: أن يمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ)، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب. واتفق الفقهاء على أنه إن تيمم بأكثر من ضربتين، جاز أيضاً؛ لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حل جاز، كالوضوء. المطلب الخامس - شروط التيمم: اشترط الحنفية لصحة التيمم ثمانية شروط، والشافعية شرطوا عشرة، والمالكية والحنابلة شرطوا شرطين. وهذه الشروط قد تختلط بالفرائض المتقدمة، وقد تكون الأسباب السابقة نفسها. أما المالكية ففسروا الشروط بالأسباب وقالوا (٣): يشترط لجواز التيمم في الجملة شرطان: عدم الماء، أو تعذر استعماله.

стр. 575

وأما تفصيلاً فهي ما يلي: عدم الماء في السفر، والمرض، وفي الحضر: أن يجد من الماء ما لا يكفيه، وعدم الآلة الموصلة إلى الماء كالدلو أو الرشاء (الحبل)، وأن يخاف العطش على نفسه أو غيره من آدمي أو بهيمة، وأن يخاف إن خرج إلى الماء لصوصاً أو سباعاً، وأن يجد الماء غالياً يجحف به شراؤه، وأن يخاف فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره، أو استعمله، وأن يخاف الموت من البرد، أو حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء، أو يكون مريضاً لا يجد من يناوله الماء، أو يكون قد استوعبت الجراح أو القروح أكثر جسد الجنب، أو أعضاء الوضوء من المحدث. ويلاحظ أن هذه الحالات هي أسباب للتيمم، والذي يمكن جعله شرطاً عند المالكية: اثنان: فعله بعد دخول الوقت، وطلب الماء. أما عند الحنابلة فشرطا التيمم هما: دخول وقت ما يتيمم له، والعجز عن استعمال الماء. يتبين مما ذكر أن شروط التيمم هي ما يأتي: الشرط الأول - الصعيد الطاهر: فلا يصح التيمم بغير صعيد الأرض (التراب عند الشافعية والحنابلة، وكل ما كان من جنس الأرض عند الحنفية والمالكية)، ولا بالصعيد المتنجس، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٦/ ٥]. وهذا شرط لصحة التيمم عند الجمهور، فرض عند المالكية، كما تقدم في فروض التيمم. وأضاف الحنابلة: أن يكون التراب مباحاً، فلو تيمم بمغصوب أو بتراب مقبرة تكرر نبشها أو بتراب مسجد لم يجز. الشرط الثاني - كون التيمم بعد دخول الوقت: أي وقت ما يتيمم له. وهذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند الحنفية، كما اتضح في بحث صفة التيمم.

стр. 576

الشرط الثالث - طلب الماء: يشترط لجواز التيمم باتفاق المذاهب الأربعة طلب الماء ما لم يتيقن عدم وجوده؛ لأنه لا يسمى فاقد الماء (أو غير واجده أوعادمه) إلا إذا طلب الماء، فلم يجده. لكن الفقهاء اختلفوا في تقدير المسافة التي يلزم طلب الماء فيها، وقد أشرت إليها سابقاً في بحث أسباب التيمم، وأذكرها هنا تفصيلاً: ١ - مذهب الحنفية (١): على المقيم في البلد طلب الماء قبل التيمم مطلقاً، سواء ظن قربه أو لم يظن، أما المسافر أو خارج المصر الذي يريد التيمم، فليس عليه طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء؛ لأن الغالب عدم الماء في الفلوات. وإن غلب على ظنه وجود الماء، لم يجز له التيمم حتى يطلبه بنفسه أو برسوله، بمقدار غَلْوة سهم من كل جانب، ولا يبلغ ميلاً (٢)، وظاهره أنه لا يلزمه المشي، بل يكفيه النظر في الجهات الأربع، لئلا ينقطع عن رفقته، ودفعاً للحرج عن نفسه، لقوله تعالى إثر آية التيمم: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، ولا حرج فيما دون الميل، قال الكاساني: أقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج، ثم قال: والأصح أنه يطلب قدر ما لا يضر بنفسه ورفقته بالانتظار. فإن قصر في طلب الماء، وصلى ولم يطلبه، وجبت عليه الإعادة عند أبي حنيفة ومحمد.

стр. 577

وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيمم، لعدم المنع غالباً، فإن منعه منه تيمم لتحقق العجز. لكن لو تيمم قبل الطلب من رفيقه أجزأه عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير. وقال الصاحبان: لا يجزيه؛ لأن الماء مبذول عادة. ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل، وعنده ثمنه، لا يجزئه التيمم، لتحقق القدرة، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش (١). وإن لم يغلب على ظنه قرب الماء لا يجب طلبه، بل يندب إن رجا وجود الماء. وإن كان بينه وبين الماء ميل فأكثر، تيمم. ٢ - مذهب المالكية (٢): إن تحقق عدم الماء فلا يلزمه طلبه. وإن علم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه في مكان أو توهم وجوده، لزمه طلبه لكل صلاة طلباً لا يشق عليه بالفعل، وهو على أقل من ميلين. كما يلزمه طلبه من رُفْقته إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم إعطاءهم، فإن لم يطلب منهم وتيمم، ثم تبين وجود الماء أو لم يتبين شيئاً، أعاد الصلاة أبداً إن اعتقد أو ظن الإعطاء، وأعاد في الوقت فقط إن شك أو توهم. ويلزمه شراء الماء بثمن معتاد لم يحتج له، نقداً أو ديناً في الذمة، فإن زاد على الثمن المعتاد، ولو درهماً على الراجح، في ذلك المحل وما قاربه، فلا يلزمه الشراء. ٣ - مذهب الشافعية (٣): إن تيقن المسافر أو المقيم فقد الماء حوله، تيمم بلا

стр. 578

طلب. وإن توهم الماء (وقع في وهمه - تصور ذهنه - أي جوز ذلك)، طلبه من رحله ورُفقته، ونظر حواليه إن كان بمستو من الأرض، فإن احتاج إلى تردد، تردد في الجهات الأربعة قدر نظره في المستوي، إن أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة، بمقدار حد الغوث، وهو غلوة سهم، فإن لم يجد ماء تيمم. ولو مكث في موضعه فالأصح وجوب الطلب لما يطرأ. وإن تيقن الماء في محل، طلبه في حد القرب: وهو ستة آلاف خطوة. ويجب شراؤه بثمن مثله إن كان قادرا عليه بنقد أو غيره، ولم يحتج إليه، وثمن المثل: هو على الأصح ما تنتهي إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة. ولا يجب عليه شراؤه بزيادة على ذلك، وإن قلَّت. لكن إن بيع لأجل بزيادة لائقة بذلك الأجل وكان موسرا، والأجل ممتد إلى موضع ماله، وجب الشراء؛ لأن ذلك لا يخرجه عن ثمن المثل. ويندب له أن يشتريه إذا زاد على ثمن مثله، وهو قادر على شرائه. ولا يجب طلب الماء في حد البعد: وهو مازاد عن ستة آلاف خطوة، وله أن يتيمم. ٤ - مذهب الحنابلة (١): يلزم طلب الماء لوقت كل صلاة، بعد دخول الوقت في رحله (أي ما يسكنه وما يستصحبه من الأثاث) وفيما قرب منه عرفاً وعادة، ويسع في جهاته الأربع إلى ما قرب منه مما عادة القوافل السعي إليه، ويسأل رفقته ذوي الخبرة بالمكان عن موارد الماد، كما يسألهم عمن يبيع له الماء أو يبذله له. وإن رأى خُضْرة أو شيئاً يدل على الماء لزمه قصده، وإن كان بقربه ربوة أو شيء قائم،

стр. 579

أتاه وفتش عنده قطعاً للشك. وإن كان سائراً طلبه أمامه فقط؛ لأن في طلبه فيما عدا ذلك ضرراً به. وإن دله أو أرشده عليه ثقة (عدل ضابط) لزمه قصده إن كان قريباً عرفاً. فإن تيمم وصلى بعد طلب الماء وفقده، صح تيممه وصلاته، ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح. هذا وقد ذكر الحنابلة شرطاً آخر لصحة التيمم: وهو العجز عن استعمال الماء؛ لأن غير العاجز يجد الماء على وجه لا يضره، فلم يتناوله النص: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر، فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، لكن يلاحظ أن هذا سبب من أسباب التيمم التي ذكرتها. وعد بعض الحنابلة ثمانية شروط للتيمم وهي: نية وإسلام وعقل وتمييز واستنجاء أو استجمار، وإزالة ما على بدن من نجاسة ذات جرم، ودخول وقت لصلاة ولو منذورة بزمن معين، وتعذر ماء ولو بحبس أو غيره. شروط التيمم عند الحنفية: ذكر الحنفية شروطاً ثمانية لصحة التيمم، بعضها من أسباب التيمم، وبعضها من فرائض التيمم عند غيرهم وبعضها داخل في كيفية التيمم، وهذه الشروط هي باختصار ما يأتي (١): ١ - النية: وهي عقد القلب على الفعل، ووقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به. ويشترط لصحة النية عندهم ثلاثة شروط: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه. كما يشترط لصحة نية التيمم للصلاة به: أحد ثلاثة أشياء: إما نية

стр. 580

الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة (١) لا تصح بدون طهارة، فله الصلاة بالتيمم بنية الصلاة أو صلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة، وليس له الصلاة بالتيمم بنية دخول المسجد ومس المصحف ولو كان جنباً؛ لأنه عبادة غير مقصودة، ولا بنية قراءة القرآن للمحدث حدثاً أصغر، ولكن له الصلاة بتيمم بنية الجنب قراءة القرآن، لجواز قراءة المحدث، لا الجنب، وليس له الصلاة بتيمم لزيارة القبور والأذان والإقامة والسلام ورده أو للإسلام؛ لأنها تصح بدون طهارة. ٢ - العذر المبيح للتيمم: كبعده ميلاً عن الماء ولو في المصر، وحصول مرض، وبرد يخاف منه التلف أو المرض، وخوف عدو وعطش، واحتياج لعجن، لا لطبخ مرق لا ضرورة إليه، ولفقد آلة، وخوف فوت صلاة جنازة أو عيد لو اشتغل بالوضوء (٢)، وليس من العذر خوف فوت الجمعة، وفوات الوقت، لو اشتغل بالوضوء. ٣ - أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب والحجر والرمل، والفيروزج والعقيق، لا الحطب والفضة والذهب والنحاس والحديد، وضابطه: أن كل شيء يصير رماداً، أو ينطبع (يلين) بالإحراق، لا يجوز التيمم به، وإلا جاز لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٦/ ٥]، والصعيد: اسم لوجه الأرض تراباً كان أو غيره. ٤ - استيعاب المحل بالمسح. ٥ - أن يمسح بجميع اليد أو بأكثرها (أي بثلاث أصابع) فلو مسح بأصبعين

стр. 581

مثلاً لا يجوز حتى ولو كرر واستوعب المحل الممسوح، بخلاف مسح الرأس في الوضوء. ٦ - أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد على الأرض. ويقوم مقام الضربتين: إصابة التراب بجسده إذا مسحه بنية التيمم. ٧ - انقطاع ما ينافيه من حيض أو نفاس أو حدث، كما هو مشروط في الوضوء. ٨ - زوال ما يمنع المسح على البشرة، كشمع وشحم، حتى يتحقق مسح الجسد، وهذا مانع من تحقق المسح عليه. شروط التيمم عند الشافعية: ذكر الشافعية عشرة شروط للتيمم هي ما يأتي (١): ١ - أن يكون بتراب على أي لون كان كالمدر والسبخ (٢) الذي عليه غبار وغيرهما، حتى ما يداوى به كالطين الأرمني إذا سحق، وحتى غبار رمل خشن أو ناعم، لا مشوي بقي اسمه وزال غباره. ٢ - وأن يكون طاهراً، لقوله تعالى: ﴿صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٦/ ٥]، قال ابن عباس: تراباً طاهراً. ٣ - ألا يكون مستعملاً كالماء: وهوما بقي بمحل التيمم أو تناثر بعد مسه العضو حالة التيمم، في الأصح.

стр. 582

٤ - ألا يخالطه دقيق ونحوه كزعفران وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو. ٥ - أن يقصده، فلو سَفَتْه (ألقته) ريح عليه، فردده على أعضاء التيمم، ونوى، لم يجزئ، لأنه لم يقصد التراب بنقله إليه، وإنما التراب أتاه. لكن لو يُمم بغيره بإذنه، جاز. ٦ - أن يمسح وجهه ويديه بضربتين، وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوها. ٧ - أن يزيل النجاسة أولاً، فلو تيمم قبل إزالتها، لم يجز على المعتمد، لأن التيمم للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت. ٨ - أن يجتهد في القبلة قبل التيمم، فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها، لم يصح على الأوجه. ٩ - أن يقع التيمم بعد دخول الوقت، لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبله، فيتيمم للنافلة المطلقة فيما عدا وقت الكراهة، وللصلاة على الميت بعد طهره، وللاستسقاء بعد تجمع الناس، وللفائتة بعد تذكرها. ١٠ - أن يتيمم لكل فرض عيني؛ لأن التيمم طهارة ضرورة، فيقدر بقدرها. المطلب السادس - سنن التيمم ومكروهاته: يسن في التيمم الأمور التالية (١) علماً بأنها سبع عند الحنفية، وتسع عند المالكية، وخمس عشرة عند الشافعية، واثنتان عند الحنابلة.

стр. 583

أما سننه عند الحنفية فهي ما يأتي: ١ - التسمية في أوله، كالوضوء، بأن يقول: بسم الله، وقيل: الأفضل: بسم الله الرحمن الرحيم. ٢ - ٤ - الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب، وإدبارهما مبالغة في الاستيعاب، ثم نفضهما، اتقاء عن تلويث الوجه، نقل ذلك عن أبي حنيفة. ٥ - تفريج الأصابع، ليصل التراب إلى ما بينهما. ٦، ٧ - الترتيب والموالاة (الوِلاء) أي مسح المتأخر عقب المتقدم، بحيث لو كان الاستعمال بالماء لا يجف المتقدم، كما فعل النبي ﷺ . وسنن التيمم عند المالكية أربع: ١ - الترتيب: بأن يمسح الوجه أولاً، ثم اليدين، فإن نكس أعاد المنكس وحده وهو اليدان، إن قرب ولم يصلّ به وإلا بطل التيمم. أما الموالاة فهي فرض عندهم. ٢، ٣ - الضربة الثانية ليديه، والمسح إلى المرفقين. ٤ - نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح، بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسحهما بشيء قبل ما ذكر، كره وأجزأ، وهذا لا يمنع من نفضهما نفضاً خفيفاً. وأضاف المالكية فضائل أو مندوبات أخرى للتيمم وهي: ١ - التسمية: بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم على الأظهر، أو بسم الله في قول آخر.

стр. 584

٢، ٣ - الصمت، واستقبال القبلة. ٤، ٥ - البدء باليد اليمنى، وجعل ظاهرها من طرف الأصابع بباطن يسراه، ثم يُمرّها من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ) ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، كما فعل في اليمنى، ثم يخلل أصابعه وجوباً، كما أوضحت في الفرائض. وسنن التيمم عند الشافعية نحو خمس عشرة: التسمية الكاملة أوله كالوضوء والغسل، والبداءة بأعلى الوجه. وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين، وتفريق الأصابع في الضربة الأولى، وتخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً، وتخفيف الغبار بحيث يبقى بقدر الحاجة، لئلا تتشوه به خلقته، وعملاً بحديث عمار السابق وغيره. والموالاة، كالوضوء لأن كلاً منهما طهارة عن حدث، والموالاة بين التيمم والصلاة، خروجاً من خلاف من أوجبها، وهم المالكية. ويسن أيضاً إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء، وألا يرفع اليد عن العضو قبل تمام مسحه، خروجاً من خلاف من أوجبه. ومن سننه أيضاً مسح بعض العضد كالتحجيل في الوضوء، وعدم تكرار المسح؛ لأن المطلوب منه تخفيف الغبار، واستقبال القبلة، والشهادتان بعده، كالوضوء فيهما. ويسن نزع الخاتم في الضربة الأولى، ويجب نزعه في الضربة الثانية عند المسح. ويسن صلاة ركعتين عقبه قياساً على الوضوء، والسواك قبله بين التسمية

стр. 585

ونقل التراب إلى أعضاء التيمم، كما أنه في الوضوء بين غسل اليدين والمضمضة. أما الحنابلة: فاعتبروا التسمية والترتيب والموالاة واجبة في التيمم كالوضوء، ولم يعدوا من سنن التيمم سوى أن تأخيره أولى بكل حال إلى آخر الوقت المختار، إن رجا وجود الماء، لقول علي ﵁ في الجن: «يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلا تيمم» ولأنه يستحب التأخير للصلاة إلى ما بعد العَشَاء، وقضاء الحاجة، كيلا ذهب خشوعها وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى. كما أنهم اعتبروا تخليل الأصابع مستحباً، وليس بفرض (١). وصفة التيمم عندهم (٢): أن ينوي استباحة ما يتيمم له، كفرض الصلاة من الحدث الأصغر، أو الأكبر ونحوه، ثم يسمي، فيقول: بسم الله، وتسقط سهواً، ويضرب يديه مفرجتي الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها، على التراب أو على غيره مما له غبار طهور، كلبد أو ثوب أو بساط أو حصير أو برذعة حمار ونحوها، ضربة واحدة، بعد نزع خاتم ونحوه، ليصل التراب إلى ما تحته، وإن كان التراب خفيفاً كره نفخه لئلا يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب. ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه، لحديث عمار السابق أن النبي ﷺ قال في التيمم: «ضربة واحدة للوجه واليدين» (٣). ويجوز أن يمسح بضربتين، بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، وهو حسن.

стр. 586

مكروهات التيمم: يتبين من بحث سنن التيمم أنه عند الحنفية يكره ترك سنة من السنن المتقدمة، وتكرار المسح. وقال المالكية: تكره الزيادة على مرة في المسح، وكثرة الكلام في غير ذكر الله، وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين وهو المسمى بالغرة والتحجيل. وقال الشافعية: يكره تكثير التراب، وتكرار المسح، وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلاة، ونفض اليدين بعد تمام التيمم. وقال الحنابلة: يكره تكرار المسح، وإدخال التراب في الفم والأنف، والضرب أكثر من مرتين، ونفخ التراب إن كان خفيفاً. المطلب السابع: نواقض التيمم أو مبطلاته: ينقض التيمم ما يأتي (١) ١ - كل ما ينقض الوضوء والغسل ينقض التيمم؛ لأنه بدل عنهما، وناقض الأصل ناقض لخلفه، فلو تيمم للجنابة، ثم أحدث صار محدثاً لا جنباً، فيتيمم وينزع خفيه إن كان لابسهما، ثم بعده يمسح عليهما، ما لم يجد الماء. ٢ - زوال العذر المبيح له كذهاب العدو والمرض والبرد ووجود آلة نزح الماء، وإطلاق سراحه من السجن الذي لا ماء فيه؛ لأن ما جاز بعذر بطل بزواله.

стр. 587

٣ - رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية، ولو لم يكف عند الشافعية والحنابلة، وذلك قبل الصلاة، لا فيها عند جماعة كما سيأتي، وأن يكون فاضلاً عن حاجته كعطش وعجن وغسل نجاسة؛ لأنه مشغول بالحاجة، وغير الكافي في رأي الحنفية والمالكية كالمعدوم. وقال الحنفية: إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يجعله كالمستيقظ، يبطل تيممه. فإن رأى الماء أثناء الصلاة: ينتقض تيممه عند الحنفية والحنابلة، لبطلان الطهارة بزوال سببها، ولأن الأصل إيقاع الصلاة بالوضوء، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود ببدله، وللأدلة النصية المتقدمة في بحث إعادة الصلاة. ولا ينتقض تيممه عند المالكية، ولا ينتقض بالنسبة للمسافر عند الشافعية؛ لأنه مأذون له بالدخول في الصلاة بالتيمم، والأصل بقاء ذلك الإذن، ولقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٣٣/ ٤٧]، وكان عمله سليماً قبل رؤية الماء، والأصل بقاؤه، وقياساً على رؤية الماء بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن رؤية الماء ليست بحدث، فلا تبطل الصلاة، حفاظاً على حرمة الصلاة. وتبطل صلاة المقيم عند الشافعية إن رأى الماء في أثناء الصلاة؛ لأنه كما أبنت سابقاً تلزمه إعادة الصلاة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة. واستثنى المالكية حالة نسيان الماء: فمن كان ناسياً للماء الذي معه، فتيمم وأحرم بصلاة ثم تذكر فيها، تبطل إن اتسع الوقت. أما إن رأى الماء بعد انتهاء الصلاة:

стр. 588

فإن كان بعد خروج وقت الصلاة، لا يعيدها إجماعاً، دفعاً للحرج. وإن كان في أثناء الوقت، لم يعد الصلاة عند الجمهور (غير الشافعية)، ويعيدها المقيم لا المسافر غير العاصي بسفره عند الشافعية، كما أوضحت سابقاً. ٤ - خروج الوقت: يبطل التيمم عند الحنابلة بخروج وقت الصلاة، وأضاف الحنابلة: إن خرج وقت الصلاة وهو فيها، بطل تيممه، وبطلت صلاته، لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها، فبطلت صلاته، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة. ٥ - الردة: تبطل التيمم عند الشافعية، بخلاف الوضوء، لقوته، وضعف بدله، لكن تبطل نية الوضوء فيجب تجديدها، ولأن التيمم لاستباحة الصلاة، وهي منتفية مع الردة، هذا والردة تبطل التيمم ولو صورة كالواقعة من الصبي. ولا يبطل التيمم بالردة عند الحنفية وغيرهم، فيصلي به إذا أسلم؛ لأن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، ولأن الردة تبطل ثواب العمل، لا زوال الحدث. ٦ - الفصل الطويل بين التيمم والصلاة: يُبطل التيمم عند المالكية دون غيرهم لاشتراطهم الموالاة بينه وبين الصلاة كما تقدم. المطلب الثامن - حكم فاقد الطهورين: فاقد الطهورين: هو فاقد الماء والتراب، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس لا يمكنه إخراج تراب مطهر. أو كأن وجد ما هو محتاج إليه لنحو عطش، أو وجد تراباً ندياً ولم يقدر على تجفيفه بنحو نار. ومثله المصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى الماء.

стр. 589

ومثله: من عجز عن الوضوء والتيمم معاً بمرض ونحوه، كمن كان به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بوضوء ولا تيمم. و حكمه يتردد بين رأيين: إيجاب الصلاة عليه عند الجمهورمع الإعادة عند الحنفية والشافعية، وعدم الإعادة عند الحنابلة، وسقوط الصلاة عند المالكية على المعتمد. وهذا تفصيل الآراء (١): ١ - الحنفية: المفتى به عندهم ما قاله الصاحبان: وهو أن فاقد الطهورين يتشبه بالمصلين وجوباً، فيركع ويسجد، إن وجد مكاناً يابساً، وألا يومئ قائماً، ولا يقرأ ولا ينوي، ويعيد الصلاة متى قدر على الماء أو التراب. أما مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة، فيصلي بغير طهارة ولا يتيمم، ولا يعيد على الأصح. والمحبوس الذي صلى بالتيمم يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، لعدم الضرورة؛ لأن الحضر مظنة الماء، فلا ضرورة، ولا يعيدها في السفر؛ لأن الغالب فيه فقد الماء، وهذا مذهب الشافعية كما أبنت في بحث إعادة الصلاة. ٢ - المالكية: المذهب المعتمد أن فاقد الطهورين وهما الماء والتراب، أو فاقد القدرة على استعمالهما كالمكره والمصلوب، تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء، فلا يصلي ولا يقضي، كالحائض؛ لأن وجود الماء والصعيد شرط في وجوب أداء الصلاة، وقد عدم، وشرط وجوب القضاء: تعلق الأداء بذمة المصلي، ولم يتعلق الخطاب بأداء الصلاة في ذمته.

стр. 590

٣ - الشافعية: يصلي فاقد الطهورين الفرض وحده في المذهب الجديد على حسب حاله بنية وقراءة، لأجل حرمة الوقت، ولا يصلي النافلة ويعيد الصلاة، إذا وجد الماء أو التراب في مكان لا ماء فيه؛ لأن هذا العذر نادر ولا دوام له، ولأن العجز عن الطهارة التي هي شرط من شروط الصلاة لا يبيح ترك الصلاة، كستر العورة وإزالة النجاسة، واستقبال القبلة، والقيام والقراءة. ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها، ومن حبس عن الصلاة كفاقد الطهورين يصلون الفريضة فقط، إلا أن الجنب يقتصر على قراءة الفاتحة فقط. والراجح لدي هذا الرأي، أي أن الصلاة تكون بحسب المعتاد، وتعاد لعدم النص الصريح في حكم حال هذا المصلي. ٤ - الحنابلة: يصلي فاقد الطهورين الفرض فقط، على حسب حاله وجوباً، لقوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال، أي كما قال الشافعية. ولا إعادة عليه، لما روي عن عائشة: «أنها استعارت من أسماء قلادة، فضلَّتها، فبعث رسول الله ﷺ رجالاً في طلبها، فوجدوها، فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فشكوا إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله آية التيمم» (١) ولم يأمرهم بالإعادة، ولأن الوضوء أحد شروط الصلاة، فسقط عند العجز، كسائر شروطها. ولا يزيد المصلي الفاقد الطهورين على ما يجزئ في الصلاة من قراءة

стр. 591

وغيرها، فيقرأ الفاتحة فقط، ويسبح مرة فقط، ويقتصر على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود، أو جلوس بين السجدتين، كما يقتصر على ما يجزئ في التشهد الأول والأخير، ثم يسلم في الحال. ولا يتنفل، ولا يؤم متطهراً بماء أو تراب، لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه، لكن يؤم مثله. ولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنباً ونحوه كحائض ونفساء. وتبطل صلاته بالحدث فيها، وبطروء نجاسة لا يعفى عنها؛ لأن ذلك ينافي الصلاة. ولا تبطل صلاته بخروج وقتها بخلاف صلاة المتيمم؛ لأن التيمم يبطل فتبطل الصلاة. وتبطل الصلاة على الميت إذا لم يغسل ولم يتيمم، لعدم الماء والتراب، ويجوز نبشه قبل تفسخه للغسل أو التيمم، لأنه مصلحة بلا مفسدة، فإن خيف تفسخه لم ينبش.

стр. 592

الفَصْلُ السَّابع: الحَيض، النِّفاس، الاسْتِحاضة الدماء التي تخرج من فروج النساء ثلاثة: دم حيض: وهو الخارج في حالة الصحة، ودم استحاضة: وهو الخارج في حالة المرض، وهو غير دم الحيض لقوله ﵊ «إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة» (١)، ودم نفاس: وهو الخارج مع الولد. ولكل أحكام، ففي هذا الفصل مباحث أربعة: المبحث الأول - تعريف الحيض ووقته وفيه مطلبان: المطلب الأول - تعريف الحيض: الحيض: لغة: هو السيلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وحاضت الشجرة: إذا سال صمغها. وشرعاً: هو الدم الخارج في حال الصحة من أقصى رحم المرأة من غير ولادة ولا مرض، في أمد معين. ولونه عادة: السواد، وهو محتدم (أي شديد الحرارة)، لذاع محرق (أي موجع مؤلم)، كريه الرائحة. و الأصل فيه آية: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢]، أي

стр. 593

الحيض، وخبر الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ عن الحيض: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم». و وقته: من بلوغ الأنثى تقريباً تسع سنين قمرية (١)، إلى سن اليأس. فإن رأت الدم قبل هذه السن أو بعد سن اليأس، فهو دم فساد أو نزيف. وتصبح الأنثى برؤية الحيض بالغة مكلفة مطالبة بجميع التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وحج ونحوها، كما أن الولد يبلغ بالاحتلام بخروج المني، ويحصل البلوغ باستكمال سن الخامسة عشرة، إذا لم يحصل الاحتلام أو الحيض. واختلف الفقهاء في تحديد سن اليأس لعدم النص فيه، ولاعتمادهم على الاستقراء والتتبع لأحوال النساء (٢). فقال الحنفية على المفتى به أو المختار: سن الإياس خمس وخمسون سنة، فإن رأت بعده دماً قوياً أسود أو أحمر قانياً، اعتبر حيضاً، وعليه: ما تراه آيسة على ظاهر المذهب يعد استحاضة ما لم يكن دماً خالصاً كالأسود والأحمر القاني. وقال المالكية: سن اليأس سبعون سنة، وتسأل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين، فإن قلن: حيض، أو شككن، فحيض، كما يسألن في المراهقة: وهي بنت تسع إلى ثلاث عشرة. وقال الشافعية: لا آخر لسن اليأس، فما دامت حية فالحيض ممكن في حقها، لكن غالبه اثنان وستون سنة.

стр. 594

وقدر الحنابلة سن اليأس بخمسين سنة، لقول عائشة: «إذا بلغت امرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض» (١) وقالت أيضاً: «لن ترى في بطنها ولداً بعد الخمسين» (٢). و هل تحيض الحامل؟ للفقهاء فيه رأيان: فذهب المالكية، والشافعية في الأظهر الجديد (٣): إلى أن الحامل قد تحيض، وقد يعتريها الدم أحياناً ولو في آخر أيام الحمل، والغالب عدم نزول الدم بها، ودليلهم إطلاق الآية السابقة، والأخبار الدالة على أن الحيض من طبيعة المرأة، ولأنه دم صادف عادة، فكان حيضاً كغير الحامل. وذهب الحنفية والحنابلة (٤): إلى أن الحامل لا تحيض، ولو قبل خروج أكثر الولد عند الحنفية، أما عند الحنابلة: فما تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، يكون دم نفاس. ودليلهم: قول النبي ﷺ في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» (٥) فجعل وجود الحيض علماً على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه وقال ﷺ في حق ابن عمر - لما طلق زوجته وهي حائض - «ليطلقها طاهراً، أو حاملاً» (٦) فجعل الحمل علماً على عدم الحيض، كما جعل

стр. 595

الطهر علماً على انتهاء الحيض، ولأنه زمن لا تعتاد المرأة فيه الحيض غالباً، فلم يكن ما تراه فيه حيضاً كالآيسة. والطب والواقع يؤيد هذا الرأي. وعليه: لا تترك الحامل الصلاة لما تراه من الدم، لأنه دم فساد، لا حيض، كما لا تترك الصوم والاعتكاف والطواف ونحوها من العبادات، ولا يمنع زوجها من وطئها؛ لأنها ليست حائضاً، وتغتسل الحامل إذا رأت دماً زمن حملها عند انقطاعه استحباباً، خروجاً من الخلاف. ألوان الدم: دم الحيض في أيام العادة الشهرية باتفاق الفقهاء (١): إما أسود أو أحمر أو أصفر أو أكدر (متوسط بين السواد والبياض) وليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضاً، ولا يعرف انقطاعه إلا برؤية بياض خالص، بأن تدخل المرأة خرقة نظيفة أو قطنة في فرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو لا. ورأى الحنفية: أن ألوان دم الحيض ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتٌربية (أي على لون التراب) على الأصح. فكل ما يرى في أيام الحيض من الدماء فهو حيض، حتى ترى البياض الخالص: وهو شيئ يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض. أو هو القطن الذي تختبر به المرأة نفسها، إذا خرج أبيض، فقد طهرت. والخضرة نوع من الكدرة، وتظهر في المرأة ذات العادة الشهرية بسبب غذاء فاسد أفسد صورة دمها، كما أن الآيسة الكبيرة لاترى غير الخضرة. ورتب الشافعية ألوان الحيض بحسب قوتها فقالوا: الألوان خمسة: أقواها السواد، ثم الحمرة، ثم الشقرة (وهي التربية عند الحنفية) ثم الصفرة، ثم الكدرة.

стр. 596

و صفات دم الحيض أربعة أقواها: الثخين المنتن، ثم المنتن، ثم الثخين، ثم غير الثخين وغير المنتن. والدليل على أن هذه الألوان في أيام العادة حيض: هو دخولها في عموم النص القرآني: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] وأخبار في السنة، منها قول عائشة: «وكان النساء يبعثن إليها بالدُّرجة فيها الكُرْسف (١)، فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض، فتقول: لا تعْجَلْن حتى ترين القَصَّة البيضاء» (٢) تريد بذلك الطهر من الحيض. وأما الدليل على أن ما بعد الحيضة من الصفرة والكدرة ليس حيضاً: فهو قول أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً» (٣). المطلب الثاني - مدة الحيض والطهر: مدة الحيض لا يكون الدم حيضاً إلا إذا كان بالألوان السابقة، وأن يتقدمه أقل مدة الطهر (وهي خمسة عشر يوماً عند جمهور الفقهاء). وأن يبلغ أقل مدة الحيض، وهي مختلف فيها بين الفقهاء (٤). وما نقص عن مدة الحيض أو زاد على أكثرها فهو استحاضة.

стр. 597

يرى الحنفية: أن أقل الحيض: ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك، فليس بحيض، وإنما هو استحاضة. وأوسطه خمسة أيام. وأكثره عشرة أيام ولياليها، والزائد عن ذلك: استحاضة. ودليلهم: حديث «أقل الحيض للجارية البكر والثيب: ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» (١) وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به. ويرى المالكية: ألا حد لأقل الحيض بالنسبة للعبادات، فأقله دَفْقه أو دَفعة في لحظة، فتعتبر حائضاً وتغتسل بانقطاعه، ويبطل صومها وتقضي ذلك اليوم. وأما بالنسبة للعدة والاستبراء، فأقله يوم أو بعض يوم له بال. وأكثر الحيض يختلف باختلاف النساء وهن أربع: مبتدأة، ومعتادة (٢)، وحامل، ومختلطة. أما المبتدأة: فيقدر بخمسة عشر يوماً، وما زاد فهو دم علة وفساد. وأما المعتادة: فيقدر بزيادة ثلاثة أيام على أكثر عادتها - والعادة تثبت بمرة - استظهاراً، ما لم تجاوز نصف الشهر. وأما الحامل فيما بعد شهرين من بدء الحمل: فيقدر أكثر الحيض بعشرين يوماً.

стр. 598

وما بعد ستة أشهر فأكثر: فيقدر له ثلاثون يوماً. وأما المختلطة: وهي التي ترى الدم يوماً أو أياماً، والطهر يوماً أو أياماً، حتى لا يحصل لها طهر كامل، فإنها تلفق أيام الدم، فتعدها حتى يكمل لها مقدار أكثر أيام الحيض (١٥ يوماً)، وتلغي أيام الطهر التي بينها، فلا تعدها. فما زاد عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة. وتغتسل في كل يوم لا ترى فيه الدم، رجاء أن يكون طهراً كاملاً. وتكون حائضاً في كل يوم ترى فيه الدم، وتجتنب ما تجتنبه الحائض. ويرى الشافعية والحنابلة: أن أقل زمن الحيض يوم وليلة: وهو أربع وعشرون ساعة، على الاتصال المعتاد في الحيض، بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت، فلا يشترط نزوله بشدة دائماً حتى يوجد الاتصال. وعلى هذا فقد يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر، ولكنه موجود في الواقع، ويعرف بتلوث قطنة أو نحوها، فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة، فهو دم استحاضة، لا دم حيض. وغالبه: ست أو سبع، لقوله ﷺ لِحَمْنة بنت جحش لما سألته: «تَحَيَّضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزيك» (١). وأكثره: خمسة عشر يوماً بلياليها، فإن زاد عليها فهو استحاضة. ويتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة.

стр. 599

ودليلهم: الاستقراء (السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما) الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي ﵁ وغيره؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعاً، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة، كما هو المقرر في القبض والإحراز والتفرق بين المتبايعين في العقود. ويؤيدهم قول علي: «أقل الحيض يوم وليلة، وما زاد على خمسة عشر استحاضة». وقول عطاء: «رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر» والقاعدة عند الشافعية كما قال النووي في المنهاج: رأت المرأة الدم لسنّ الحيض أقلّه، ولم يعبر أكثره، فكله حيض، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة، تغيرت عادتها أم لا. فإذا رأت المرأة الدم أقل من يوم وليلة أو بعد أكثر من مدة الحيض (أي بعد ٥١ يوماً) كان دم استحاضة، لا دم حيض. أقل الطهر: قال الجمهور غير الحنابلة (١): إن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين: خمسة عشر يوماً؛ لأن الشهر غالباً لايخلو عن حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك خمسة عشر يوماً. ولا حد لأكثره؛ لأنه قد يمتد سنة أو سنتين، وقد لا تحيض المرأة أصلاً، وقد تحيض في السنة مرة واحدة. وقال الحنابلة (٢): أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، لما روى أحمد عن علي: «أن امرأة جاءته - قد طلقها زوجها - فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حِيَض، فقال علي لشريح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: «قالون» أي

стр. 600

جيد بالرومية. وهذا لا يقوله إلا توقيفاً، وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقيناً (١). ولا حد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء. و المراد بالطهر: هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس، وللطهر علامتان: جفاف الدم أو جفوفه، و القصة البيضاء: وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض (٢). النقاء من الدم في أيام الحيض: النقاء: أي عدم الدم، ويحدث ذلك بأن تبدأ العادة الشهرية، ثم ينقطع الحيض مدة زمنية، ثم يعود، فهل تعد تلك المدة من أيام الحيض أو لا؟ هناك رأيان فقهيان، الأول للحنفية والشافعية، والثاني للمالكية والحنابلة (٣). وأصحاب الرأي الأول يرون: أن النقاء من الدم في أيام الحيض يعتبر حيضاً، فلو رأت يوماً دماً، ويوماً نقاء، بحيث لو وضعت قطنة لم تتلوث، ويوماً بعد ذلك دماً وهكذا في مدة الحيض (أثناء العادة)، تعتبر حائضاً في كل تلك المدة. وأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق: وهو ضم الدم إلى الدم
следующие страницы →