← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

و صفات دم الحيض أربعة أقواها: الثخين المنتن، ثم المنتن، ثم الثخين، ثم غير الثخين وغير المنتن. والدليل على أن هذه الألوان في أيام العادة حيض: هو دخولها في عموم النص القرآني: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] وأخبار في السنة، منها قول عائشة: «وكان النساء يبعثن إليها بالدُّرجة فيها الكُرْسف (١)، فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض، فتقول: لا تعْجَلْن حتى ترين القَصَّة البيضاء» (٢) تريد بذلك الطهر من الحيض. وأما الدليل على أن ما بعد الحيضة من الصفرة والكدرة ليس حيضاً: فهو قول أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً» (٣). المطلب الثاني - مدة الحيض والطهر: مدة الحيض لا يكون الدم حيضاً إلا إذا كان بالألوان السابقة، وأن يتقدمه أقل مدة الطهر (وهي خمسة عشر يوماً عند جمهور الفقهاء). وأن يبلغ أقل مدة الحيض، وهي مختلف فيها بين الفقهاء (٤). وما نقص عن مدة الحيض أو زاد على أكثرها فهو استحاضة.

стр. 597

يرى الحنفية: أن أقل الحيض: ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك، فليس بحيض، وإنما هو استحاضة. وأوسطه خمسة أيام. وأكثره عشرة أيام ولياليها، والزائد عن ذلك: استحاضة. ودليلهم: حديث «أقل الحيض للجارية البكر والثيب: ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» (١) وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به. ويرى المالكية: ألا حد لأقل الحيض بالنسبة للعبادات، فأقله دَفْقه أو دَفعة في لحظة، فتعتبر حائضاً وتغتسل بانقطاعه، ويبطل صومها وتقضي ذلك اليوم. وأما بالنسبة للعدة والاستبراء، فأقله يوم أو بعض يوم له بال. وأكثر الحيض يختلف باختلاف النساء وهن أربع: مبتدأة، ومعتادة (٢)، وحامل، ومختلطة. أما المبتدأة: فيقدر بخمسة عشر يوماً، وما زاد فهو دم علة وفساد. وأما المعتادة: فيقدر بزيادة ثلاثة أيام على أكثر عادتها - والعادة تثبت بمرة - استظهاراً، ما لم تجاوز نصف الشهر. وأما الحامل فيما بعد شهرين من بدء الحمل: فيقدر أكثر الحيض بعشرين يوماً.

стр. 598

وما بعد ستة أشهر فأكثر: فيقدر له ثلاثون يوماً. وأما المختلطة: وهي التي ترى الدم يوماً أو أياماً، والطهر يوماً أو أياماً، حتى لا يحصل لها طهر كامل، فإنها تلفق أيام الدم، فتعدها حتى يكمل لها مقدار أكثر أيام الحيض (١٥ يوماً)، وتلغي أيام الطهر التي بينها، فلا تعدها. فما زاد عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة. وتغتسل في كل يوم لا ترى فيه الدم، رجاء أن يكون طهراً كاملاً. وتكون حائضاً في كل يوم ترى فيه الدم، وتجتنب ما تجتنبه الحائض. ويرى الشافعية والحنابلة: أن أقل زمن الحيض يوم وليلة: وهو أربع وعشرون ساعة، على الاتصال المعتاد في الحيض، بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت، فلا يشترط نزوله بشدة دائماً حتى يوجد الاتصال. وعلى هذا فقد يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر، ولكنه موجود في الواقع، ويعرف بتلوث قطنة أو نحوها، فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة، فهو دم استحاضة، لا دم حيض. وغالبه: ست أو سبع، لقوله ﷺ لِحَمْنة بنت جحش لما سألته: «تَحَيَّضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزيك» (١). وأكثره: خمسة عشر يوماً بلياليها، فإن زاد عليها فهو استحاضة. ويتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة.

стр. 599

ودليلهم: الاستقراء (السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما) الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي ﵁ وغيره؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعاً، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة، كما هو المقرر في القبض والإحراز والتفرق بين المتبايعين في العقود. ويؤيدهم قول علي: «أقل الحيض يوم وليلة، وما زاد على خمسة عشر استحاضة». وقول عطاء: «رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر» والقاعدة عند الشافعية كما قال النووي في المنهاج: رأت المرأة الدم لسنّ الحيض أقلّه، ولم يعبر أكثره، فكله حيض، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة، تغيرت عادتها أم لا. فإذا رأت المرأة الدم أقل من يوم وليلة أو بعد أكثر من مدة الحيض (أي بعد ٥١ يوماً) كان دم استحاضة، لا دم حيض. أقل الطهر: قال الجمهور غير الحنابلة (١): إن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين: خمسة عشر يوماً؛ لأن الشهر غالباً لايخلو عن حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك خمسة عشر يوماً. ولا حد لأكثره؛ لأنه قد يمتد سنة أو سنتين، وقد لا تحيض المرأة أصلاً، وقد تحيض في السنة مرة واحدة. وقال الحنابلة (٢): أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، لما روى أحمد عن علي: «أن امرأة جاءته - قد طلقها زوجها - فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حِيَض، فقال علي لشريح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: «قالون» أي

стр. 600

جيد بالرومية. وهذا لا يقوله إلا توقيفاً، وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقيناً (١). ولا حد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء. و المراد بالطهر: هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس، وللطهر علامتان: جفاف الدم أو جفوفه، و القصة البيضاء: وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض (٢). النقاء من الدم في أيام الحيض: النقاء: أي عدم الدم، ويحدث ذلك بأن تبدأ العادة الشهرية، ثم ينقطع الحيض مدة زمنية، ثم يعود، فهل تعد تلك المدة من أيام الحيض أو لا؟ هناك رأيان فقهيان، الأول للحنفية والشافعية، والثاني للمالكية والحنابلة (٣). وأصحاب الرأي الأول يرون: أن النقاء من الدم في أيام الحيض يعتبر حيضاً، فلو رأت يوماً دماً، ويوماً نقاء، بحيث لو وضعت قطنة لم تتلوث، ويوماً بعد ذلك دماً وهكذا في مدة الحيض (أثناء العادة)، تعتبر حائضاً في كل تلك المدة. وأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق: وهو ضم الدم إلى الدم

стр. 601

واعتبار أيام النقاء طهراً صحيحاً، فلو رأت الحائض الدم يوماً أو يومين، ثم طهرت يوماً أو يومين، جمعت أيام الدم بعضها إلى بعض، واعتبر الباقي طهراً، واتفق الكل على أن الطهر (المتخلل) بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً بين الدمين في الحيض، وما قبله وما بعده يعد حيضاً إذا بلغ أقل مدة الحيض. وها هو تفصيل الآراء في كل مذهب: ١ - مذهب الحنفية: أفتى كثير من المتأخرين بقول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة الآخر، وهو أن الطهر المتخلل بين الدمين، لا يعد فاصلاً، بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل، فيجوز بداية الحيض بالطهر، وختمه به أيضاً، فلو رأت مبتدأة يوماً دماً، وأربعة عشر طهراً، ويوماً دماً، فالعشرة الأولى حيض. ولو رأت المعتادة قبل عادتها يوماً دماً وعشرة طهراً ويوماً دماً، فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت عادتها، وإلا ردت إلى أيام عادتها. وأما الطهر المتخلل بين الأربعين يوماً في حالة النفاس فلا يفْصل عند أبي حنيفة وعليه الفتوى، سواء أكان خمسة عشر أم أقل أم أكثر، ويجعل إحاطة الدم بطرفيه كالدم المتوالي. ٢ - مذهب الشافعية: الأظهر المعتمد أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر حيض تبعاً لها، بشروط: وهي ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً، ولم تنقص الدماء المرئية عند المرأة عن أقل الحيض، وأن يكون النقاء محتوشاً (محوطاً) بين دمي حيض. وهذا يسمى قول السَّحْب؛ لأننا سحبنا الحكم بالحيض على النقاء أيضاً، وجعلنا الكل حيضاً.

стр. 602

وهناك قول آخر ضعيف يسمى قول اللَّقْط: وهو أن النقاء طهر؛ لأن الدم إذا كان حيضاً، كان النقاء طهراً، وسمي بذلك لأنا لقطنا أوقات النقاء وجعلناها طهراً. أما زمن النقاء في حالة النفاس فهو على المعتمد طهر، لكنه يحسب من مدة النفاس الستين يوماً، أي أنه من النفاس عدداً لا حكماً على المعتمد. والخلاصة: أن النقاء في الحيض يأخذ حكم الحيض، وفي النفاس: لايأخذ حكمه، وإنما يحسب أي النقاء من أيام الستين التي هي أكثر مدة النفاس. ٣ - مذهب المالكية المعتمد، والحنابلة: هو الأخذ بالتلفيق أي ضم الدم إلى الدم، والطهر في أثناء الحيضة طهر صحيح، فإذا أتاها الدم في يوم مثلاً، وانقطع يوماً أو أكثر، ولم يبلغ الانقطاع نصف الشهر وهو أكثر مدة الحيض، فإنها تلفق أيام الدم فقط، أي يضم الدم إلى الدم، فيكون حيضاً، وما بينهما من النقاء طهر. وحكم الملفقة: أنها تغتسل وجوباً، كلما انقطع دمها، وتصلي وتصوم وتوطأ، لأنه طهر حقيقة، لكن قال الحنابلة: يكره وطؤها زمن الطهر. وتظل على هذا النحو عند الحنابلة إلى أن يجاوز زمن الدم وزمن النقاء أكثر الحيض، كأن ترى يوماً دماً ويوماً طهراً إلى ثمانية عشر يوماً مثلاً، فتكون مستحاضة. وقال المالكية: تلفق المبتدأة، والمعتادة نصف الشهر: خمسة عشر يوماً. أما المعتادة أقل من نصف شهر: فتلفق عادتها، مع إضافة ثلاثة أيام على أكثر عادتها، وهي التي تسمى أيام الاستظهار. وما نزل عليها من الدم بعد ذلك فاستحاضة لاحيض.

стр. 603

أولاً - تعريف النفاس: المبحث الثاني - تعريف النفاس ومدته أولاًـ تعريف النفاس: النفاس عند الحنفية والشافعية (١): هو الدم الخارج عقب الولادة. أما الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله، فهو دم فساد واستحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي، وأضاف الحنفية: أو تتيمم وتومئ بصلاة ولا تؤخر الصلاة. واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله، بناء على أن الحامل تحيض في الأصح عندهم، وقال المالكية: الدم الذي يخرج قبل الولادة هو دم حيض. والنفاس عند الحنابلة (٢): الدم الخارج بسبب الولادة. والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم، كالدم الخارج عقب الولادة. ويعد الدم عند هؤلاء دم نفاس: بخروج أكثر الولد، ولو متقطعاً عضواً عضواً، ولو سِقْطاً (٣) استبان فيه بعض خلقة الإنسان كأصبع أو ظفر، ولو بين توأمين (٤)، إلا أن الأصح عند الشافعية أن النفاس معتبر من الولد الثاني، ومايخرج بعد الأول هو حيض ان اتصل بحيض سابق وإلا فهو استحاضة. فإن رأت دماً بعد إلقاء نطفة أو علقة، فليس بنفاس، أما المالكية فقالوا (٥):

стр. 604

النفاس: هو ما خرج من قُبُل المرأة عند ولادتها مع الولادة أو بعدها، ولو بين توأمين. أما ما خرج قبل الولادة، فالراجح أنه حيض، فلا يحسب من الستين يوماً. ثانياً - مدة النفاس: للنفاس مدة دنيا وقصوى وغالبة (١). أما المدة الدنيا: فقال الشافعية: أقله لحظة أي مجة أو دفعة. وقال الأئمة الآخرون: لا حد لأقله، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيراً. والظاهر ألا خلاف بين الرأيين، والمراد بهما واحد. وقد تلد المرأة ولا ترى الدم، روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ ، «فلم تر نفاساً»، فسميت ذات الجفوف. وغالبه عند الشافعية أربعون يوماً. وأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوماً والمعتمد في ذلك هو الاستقراء، وعند الحنفية والحنابلة: أربعون يوماً، وما زاد عن ذلك فهو استحاضة، بدليل قول أم سلمة: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً وأربعين ليلة» (٢).

стр. 605

لكن قال فيه الشافعية: لا دلالة فيه على نفي الزيادة، أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات. المبحث الثالث - أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء: للحيض أحكام خمسة وهي ما يلي (١): ١ - الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه، لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض، قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطْهُرنَ، فإذا تطَّهرْنَ فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢]. ولقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم وصَلِّي» (٢) وفي رواية للبخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». ٢ - البلوغ: تبلغ الأنثى وتصبح أهلاً للتكاليف الشرعية بالحيض، لقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٣) فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدل على أن التكليف حصل به. ٣ - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض، ومن المعلوم أن الأصل في مشروعية العدة العلم ببراءة الرحم. ٤ - الاعتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة ؛ لأن الأقراء الثلاثة المنصوص عليها في القرآن الكريم هي الحيضات، ولا تنتهي عدة المطلقة غير الحامل إلا بانتهاء الحيضة الثالثة ولا تحتسب الحيضة التي وقع الطلاق في أثنائها. وقال

стр. 606

المالكية والشافعية: القرء: الطهر، فتحسب العدة بزمن الأطهار، وتنتهي العدة بابتداء الحيضة الثالثة، ويحتسب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من الأطهار الثلاثة ولو كان لحظة. ٥ - الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة، وسيأتي الكلام في ذلك في بحث ما يحرم بالحيض. ما يحرم بالحيض والنفاس: يحرم بالحيض والنفاس ما يحرم بالجنابة وهي سبعة أمور: الصلوات كلها، وسجود التلاوة، ومس المصحف، ودخول المسجد، والطواف، والاعتكاف، وقراءة القرآن، لكن أجاز المالكية على المعتمد للحائض والنفساء قراءة القرآن عن ظهر قلب إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها، سواء أكانت جنباً حال حيضها أو نفاسها أم لا. ويزاد على ذلك أمور أخرى، وقد عد الحنفية ثمانية أمور تحرم على الحائض والنفساء، والمالكية عدوا اثني عشر، وهي السبعة السابقة وخمسة أخرى وهي الصيام، والطلاق، والجماع في الفرج قبل انقطاع الدم، والجماع بما دون الفرج قبل انقطاع الدم، والجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال. وعد الشافعية ثمانية أمور، والحنابلة خمسة عشر أمراً. وتفصيل هذه الممنوعات في حالة الحيض ومثله النفاس وأدلتها بتبين فيما يأتي (١):

стр. 607

١ - الطهارة: غسلاً أو وضوءاً: في رأي الشافعية والحنابلة، فإذا حاضت المرأة، حرم عليها الطهارة للحيض؛ لأن الحيض ومثله النفاس يوجب الطهارة، وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول، أي أن انقطاعه شرط لصحة الطهارة له. لكن يجوز الغسل لجنابة أو إحرام ودخول مكة ونحوه (١) بل يستحب لذلك. ٢ - الصلاة: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة، لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش المتقدم: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» لكن يسقط فرض الصلاة ولا يقضى، بإجماع العلماء، لما روت عائشة ﵂: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٢)، ولأنه يشق قضاء الصلاة لتكرر الحيض وطول مدته، بخلاف الصوم. ويحرم على الحائض قضاء الصلاة، والمعتمد عند الشافعية أنه يكره وتنعقد نفلاً مطلقاً لا ثواب فيه. ٣ - الصوم: يحرم على الحائض والنفساء الصوم ويمنع صحته، لحديث عائشة السابق، فإنه يدل على أنهن كن يفطرن. ولا يسقط قضاؤه عنهما فتقضي الحائض والنفساء الصوم دون الصلاة للحديث نفسه، ولأن الصوم في السنة مرة، فلا يشق قضاؤه، فلم يسقط. وهناك حديث آخر عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال للنساء: أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلكن من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى؟ قال: فذلكن من نقصان دينها» (٣).

стр. 608

٤ - الطواف: لقوله ﷺ لعائشة ﵄: «إذا حضت، افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (١) ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح من الحائض. ٥ - قراءة القرآن ومس المصحف وحمله، كما سبق في الجنابة، لقوله تعالى ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة:٧٩/ ٥٦]، ولقوله ﷺ : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» (٢) واستثنى الشافعية حالة الخوف على القرآن من غرق أو حرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر، فيجب حمله حينئذ، كما يجوز حمله باتفاق العلماء في تفسير أكثر منه يقيناً، ولا يجوز حمله عند الشافعية إذا قصده مع المتاع على المعتمد. واستثنى الحنفية حالة مس القرآن بغلاف متجاف عن القرآن، ويكره مسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس، ويرخص لأهل كتب الشريعة من حديث وفقه وتفسير أخذ الورقة بالكم وباليد للضرورة، ويكره مسها؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن، والمستحب ألا تقلب ورقة القرآن إلا بوضوء. وأجازوا تقليب أوراق المصحف بنحو قلم للقراءة، كما أجازوا للصبي حمل القرآن ورفعه لضرورة التعلم، ولا يكره النظر للقرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين. وتكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش، وتكره القراءة في المخرج والمغتسل والحمام. ولا تكره كتابة آية الكرسي على صحيفة منفصلة عن الكاتب، إلا أن يمسها بيده.

стр. 609

٦ - دخول المسجد، واللبث والاعتكاف فيه، ولو بوضوء، لقوله ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (١). وأجاز الشافعية والحنابلة للحائض والنفساء العبور في المسجد إن أمنت تلويثه، لأنه يحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار بسبب المكث فيه، ولما روت عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ناوليني الخُمْرة من المسجد» فقلت: «إني حائض» فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (٢) وعن ميمونة ﵂ قالت: «تقوم إحدانا بالخُمْرة إلى المسجد، فتبسُطُها وهي حائض» (٣) هذا .. وأباح الحنابلة أيضاً للحائض المكث في المسجد بوضوء بعد انقطاع الدم، لانتفاء المحذور وهو خشية تلويث المسجد. ٧ - الوطء في الفرج (الجماع) ولو بحائل باتفاق العلماء، والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند الجمهور (غير الحنابلة)، لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] والمراد بالاعتزال: ترك الوطء، ولقوله ﷺ لعبد الله بن سعد حينما سأله: ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» (٤) ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع، فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير: «من حام حول الحمى

стр. 610

يوشك أن يقع فيه» والإزار: الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دونه، وهو ما بين السرة والركبة غالباً، فما عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة أوالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك. وأباح الحنابلة الاستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ما عدا الوطء في الفرج، لقوله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١)، كما أنهم أباحوا الجماع لمن به شَبَق بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمَة … وتستمر حرمة الوطء والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند المالكية والشافعية حتى تغتسل، أي تطهر بالماء لا بالتيمم، إلا في حال فقد الماء أوالعجز عن استعماله، فيباح الوطء بالتيمم. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] فالله تعالى شرط لحل الوطء شرطين: انقطاع الدم، والغسل، الأول من قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] أي ينقطع دمهن، والثاني: من قوله : ﴿فإذا تطهرْن﴾ أي اغتسلن بالماء ﴿فأتوهن﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل. وهذا هو رأي الحنابلة أيضاً في حرمة الوطء (الجماع). وكذلك قال الحنفية: إذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، لم يحل وطؤها أو الاستمتاع بها حتى تغتسل أو تتيمم بشرطه، وإن لم تصل به في

стр. 611

الأصح؛ لأن الدم تارة يدر، وتارة ينقطع، فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع. فإن لم تغتسل ومضى عليها وقت صلاة كامل، بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل ولبس الثياب وتحريمة الصلاة، وخرج الوقت، ولم تُصَلِّ، حل وطؤها؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها، فطهرت حكماً. ولو انقطع دم الحائض لدون عادتها، فوق الأيام الثلاثة، لم يقربها حتى تمضي عادتها، وإن اغتسلت؛ لأن النقاء عندهم حيض كما عرفنا، ولأن العَوْد في العادة غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب. وإن انقطع دم الحائض لعشرة أيام، وهو أكثر الحيض عندهم، جاز وطؤها قبل الغسل؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة؛ إلا أنه لا يستحب قبل الغسل، للنهي عنه في قراءة ﴿ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن﴾ [البقرة:٢/ ٢٢٢] بالتشديد، والتشديد يدل على المبالغة في الطهارة، وذلك إنما يكون بالاغتسال فعلاً، لا بانقطاع الدم. والخلاصة: أن الحنفية أجازوا الوطء في حالة الحيض ومثله النفاس قبل الغسل في حالتين، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة:٢/ ٢٢٢] بتخفيف الطاء، فإنه جعل الطهر غاية للحرمة. ويستحب ألا يطأها حتى تغتسل لقراءة التشديد، خروجاً من الخلاف. والحالتان هما: أن يمضي على من اع دمها دون العشرة أيام وقت صلاة كامل ويخرج الوقت ولم تصل، وأن ينقطع دمها لعشرة أيام أي بعد أكثر الحيض. أما الحالة الغالبة بين النساء: وهي انقطاع الدم بعد ستة أو سبعة أيام فلا يجوز نقطة أج

стр. 612

وطؤها حتى تغتسل، ما لم تصر الصلاة ديناً في ذمتها، وهي الحالة الأولى السابقة، فمن انقطع دمها لأكثر الحيض حلت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل. كفارة وطء الحائض ونحوها: يري المالكية والحنفية والشافعية في المذهب الجديد: أنه لا كفارة على من وطئ حائضاً ونحوها، بل الواجب عليه الاستغفار والتوبة؛ لأن الأصل البراءة، فلا ينتقل عنها إلا بحجة، وحديث الكفارة مضطرب، ولأنه وطء محرم للأذى، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر. ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: أنه تجب الكفارة على من وطئ امرأة في أثناء الحيض أو النفاس، وتجب على المرأة إن طاوعت الرجل في وطئها في الحيض، ككفارة الوطء في الإحرام، فإن كانت مكرهة فلا شيء عليها، لعدم تكليفها. والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناس ومكره وجاهل الحيض أو الالتحريم، أو كلاهما، ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم. والكفارة دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير، أيهما أخرج أجزأه، لما روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : في الذي يأتي امرأته، وهي حائض: يتصدق بدينار أو نصف دينار (١) وتسقط كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها، ككفارة الوطء في رمضان. وقال الشافعية: يسن لمن وطئ في إقبال الدم التصدق بدينار، ولمن وطئ في إدباره التصدق بنصف دينار، لخبر ابن عباس السابق عن الترمذي: «إذا كان دما أحمر، فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار». ووطء الحائض ليس بمعصية كبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه.

стр. 613

٨ - الطلاق: يحرم الطلاق في الحيض، ويكون الطلاق بدعياً واقعاً، لما فيه من تطويل العدة على المرأة، ولمخالفته قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] أي في الوقت الذي يشرعن فيه العدة، لأن بقية الحيض لا تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والانتظار، ولما روي عن ابن عمر: «أنه طلق امرأته، فذكر عمر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً» (١). أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق. وهكذا يبين أنه إذا انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غيرُ الصوم، والطلاق، والطهر، والصلاة المكتوبة إذا فقدت المرأة الطهورين. أما الصوم: فلأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، وقد زال الحيض. وأما الطلاق: فلزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويل العدة. وأما الطهر فإنها مأمورة به. وأما الصلاة المكتوبه فهي مأمورة بها أيضاً. ولا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض، لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] وبعض القرء ليس بقرء. الفرق بين الحيض والجنابة: عرفنا أن ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر مما يحرم على الجنب. وهناك فروق أخرى هي (٢):

стр. 614

فالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة، ولا يجوز للحائض والنفساء؛ لأن الحيض والنفاس أغلظ من الحدث، وهو معنى قوله ﷺ في تفسير نقصان الدين عند المرأة: «تقعد إحداهن شطر عمرها، لا تصوم ولا تصلي» (١). ويقضي الجنب الصلاة والصوم، والحائض ونحوها لا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم فقط؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر، فتحرج في قضاء أيام العادة، ولا حرج في قضاء الصوم؛ لأنه مفروض في السنة مرة. ويحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس، ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] ومثل هذا لم يرد في الجنابة، بل وردت الإباحة بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة:١٨٧/ ٢] أي الولد، فقد أباح الله المباشرة وطلب الولد بالجماع مطلقاً على الأحوال. الفرق بين الحيض والنفاس: يفترق الحيض عن النفاس في ثلاثة أمور هي (٢): ١ - الاعتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة؛ لأن انقضاء العدة بالقروء والنفاس ليس بقرء. ٢ - النفاس لا يوجب البلوغ، لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولد ينعقد من الرجل والمرأة، لقوله تعالى: ﴿خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق:٦/ ٨٦ - ٧].

стр. 615

٣ - لا تحتسب مدة النفاس على المولي في مدة الإيلاء (١) في قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] لأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض. وبدن الحائض وعَرَقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك، ولا وضع يديها في شيء من المائعات، وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة الحائض كالمعتاد دون عزلها، لأن المراد من اعتزالها هو وطؤها، روت عائشة فقالت: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْق، وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيَّ» (٢). المبحث الرابع - الاستحاضة وأحكامها: تعريف الاستحاضة: هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة (غير الحيض والنفاس) من مرض وفساد، من عِرْق أدنى الرحم، يقال له العاذل، فكل نزيف من الأنثى قبل مدة الحيض (وهي تسع سنين)، أو نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس، أو زاد عن أيام العادة الشهرية وجاوز أكثر مدة الحيض، أو ما تراه الحامل (الحبلى) في رأي الحنفية والحنابلة، هو استحاضة (٣). أحكام المستحاضة: هناك أمور ثلاثة تحتاج إلى بحث وهي ما يأتي:

стр. 616

أولاً - هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض؟ الاستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء، أو كرعاف دائم أو جرح لا يرقأ دمه أي لا يسكن عند الحنفية والحنابلة، فلا يمنع شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً، وطواف، وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بلا كراهة، للضرورة (١)، وللأحاديث الثابتة في ذلك، منها: ١ - ما روت عائشة قالت: «قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ : إني امرأة أُسْتَحاض، فلا أطهرُ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عِرْق (أي ينزف)، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها (قدر عادتها) فاغسلي عنك الدم، وصلِّي» (٢). ٢ - أمر النبي ﷺ حَمْنة بنت جَحْش بالصوم والصلاة في حالة الاستحاضة (٣). ٣ - روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش «أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها» وقال: «كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» وكانت حمنة زوجة طلحة، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف (٤). وهذا المذكور في إباحة وطء المستحاضة هو ما قرره الفقهاء، منهم الإمام

стр. 617

أحمد في رواية عنه، وفي رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة: لا توطأ المستحاضة إلا أن يخاف على نفسه الوقو ع في محظور، لما روى الخلال بإسناده عن عائشة: أنها قالت: «المستحاضة لا يغشاها زوجها» ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها كالحائض، قال تعالى في الحائض معللاً منع وطئها بالأذى ﴿قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢]. لكن إذا انقطع دم المستحاضة أبيح وطؤها عند الحنابلة من غير غسل، لأن الغسل ليس بواجب عليها كسلس البول. ثانياً - طهارة المستحاضة الوضوء والغسل: قال المالكية (١): يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، كما يستحب لها بعد انقطاع الدم الغسل من دم الاستحاضة. وقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (٢): يجب على المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة، بعد أن تغسل فرجها، وتعصِبه، وتحشوه بقطن وما أشبهه إلا إذا أحرقها الدم أو كانت صائمة، والحشو ليرد الدم، لقوله ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: «أنْعَت لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهب الدمَ» (٣) فإذا استوثقت (بأن تشد خرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة) ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد، لم تبطل صلاتها، لما روت عائشة ﵂: أن فاطمة

стр. 618

بنت أبي حبيش استحيضت، فقال لها النبي ﷺ : «اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صَلِّي، وإن قطر الدم على الحصير» (١). والدليل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل فريضة: وهو أن النبي ﷺ قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها (حيضاتها)، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي» (٢) ولأنهاطهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم. ولا يجب على المستحاضة إلا غسل واحد باتفاق المذاهب الأربعة بدليل الحديث السابق وغيره كحديث حمنة، ويسن لها عند الشافعية والحنابلة، ويندب عند الحنفية كالمالكية أن تغتسل لكل صلاة، بدليل الحديث المتقدم في الأغسال المسنونة: «أن النبي ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (٣). وتصلي المستحاضة ونحوها عند الحنفية بوضوئها ما شاءت من الفرائض والنوافل. ويبطل وضوءها بخروج الوقت كما بينا في بحث وضوء المعذور. ولها عند الحنابلة أيضاً الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؛ «لأن النبي ﷺ أمر حمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد» وأمر به سهلة بنت سهيل. وخروج الوقت مبطل لهذه الطهارة، أي أن مذهبي الحنفية والحنابلة متفقان.

стр. 619

أما الشافعية فقالوا: يجب الوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالتيمم لبقاء الحدث، وتصلي به الجنازة وما شاءت من النوافل، وكذا يجب لكل فرض تجديد العِصَابة في الأصح، قياساً على تجديد الوضوء. ويجب أن تبادر إلى الصلاة عقب الوضوء، إلا لمصلحة كستر عورة وأذان وإقامة، وانتظار جماعة واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد وتحصيل سترة. وقد سبق بيان ذلك وغيره في بحث وضوء المعذور. ثالثاً - تقدير مدة حيض المستحاضة: نظراً لاستمرار نزول الدم على المستحاضة بسبب حالة مرضية، فإنها تحتاج لبيان مدة الحيض الشهرية، لتطبق عليها أحكام الحيض، ويكون الباقي استحاضة، وقد ورد في السنة النبوية مبادئ أساسية في هذا الموضوع، منها ما يأتي: أولاً - العمل بالتمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفاً بصفة السواد فهو حيض، وإلا فهو استحاضة، أي أن المرأة إذا ميزت دم الحيض عن دم الاستحاضة، عملت بتمييزها، وذلك في حديث عروة عن فاطمة بنت أبي حُبَيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيضة، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي، فإنما هو عِرْق» (١) ينزف. ثانياً - بناء المعتادة على عادتها السابقة، في حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وفي رواية البخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلِّي» (٢).

стр. 620

ثالثاً - رجوع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء: وهي ست أو سبع لفقد العادة والتمييز، في حديث حمنة بنت جحش: « … إنما هذه رَكْضة من رَكَضات الشيطان (١) فتحيَّضي (٢) ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهُرت، واستَنْقَيت، فصلِّي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين وأيامها، فصومي، فإن ذلك مُجْزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، وكما يَطْهُرن لميقات حيضِهِن وطهرهن .. » (٣). وقد اختلفت المذاهب في تقدير مدة حيض المستحاضة على النحو التالي: مذهب الحنفية (٤): المستحاضة إما مبتدأة: وهي التي ابتدأها الدم مع البلوغ أو في أول نفاس ثم استمر، أو معتادة: وهي التي سبق لها دم وطهر صحيحان، أو متحيرة وهي المعتادة التي نسيت عادتها. أما المبتدأة: فيقدر حيضها بعشرة أيام لأنه لا مزيد للحيض على العشرة، وطهرها بعشرين يوماً من كل شهر (عشرة حيض وعشرون استحاضة) عملا ً بالحديث السابق: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها» أي أيام حيضها، كما يقدر نفاسها بأربعين يوماً وطهرها منه بعشرين يوماً، ثم يقدر حيضها بعد ذلك بعشرة أيام، وهكذا حتى تطهر أو تموت.

стр. 621

وأما المعتادة: التي لم تنس عادتها الممتدة الدم: فترد إلى عادتها المعروفة في الحيض والطهر، وما زاد على ذلك فهو استحاضة، فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة، إلا إذا كانت عادتها في الطهر ستة أشهر فأكثر، فترد إلى ستة أشهر إلا ساعة بالنسبة لانقضاء العدة، وأما بالنسبة لغير العدة فترد إلى عادتها السابقة كما كانت ترى. والمفتى به أن العادة تثبت بمرة. وأما المحيَّرة أو المتحيرة وهي التي نسيت عادتها، فلا يحكم لها بشيء من الطهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذ بالأحوط في حق الأحكام الشرعية (١)، وأما بالنسبة لانقضاء العدة فيقدر في الأصح بستة أشهر إلا ساعة، لأن الطهر بين الدمين أقل من أدنى مدة الحمل (٢) عادة، فنقصناه من ذلك ساعة، فإن طُلِّقت تنقضي عدتها بتسعة عشر شهراً إلا ثلاث ساعات، لجواز أن يكون طلقها في أول الطهر، فتحتاج إلى ثلاث حيضات مجموعها شهر (لأن كل حيضة عشرة أيام)، وإلى ثلاثة أطهار مجموعها ثمانية عشر شهراً إلا ثلاث ساعات. مذهب المالكية (٣): المستحاضة وهي التي استمر بها الدم بعد تمام حيضها: إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو ثخن أو تألم ونحو ذلك لا بكثرة الدم وقلّته، فهو حيض (٤)، بشرط أن يتقدمه أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوماً، علماً بأن دم الحيض أسود

стр. 622

غليظ، ودم الاستحاضة أحمر رقيق، والصفرة أو الكدرة حيض، كما أبنت في ألوان الدم. ولا تزيد المميزة ثلاثة أيام على عادتها استظهاراً، على الأصح، بل تقتصر على عادتها، ما لم يستمر ما ميزته بصفة الحيض المميز، فإن استمر بصفته استظهرت على المعتمد، والعادة تثبت بمرة. فإن لم تميز، فهي مستحاضة (أي باقية على أنها طاهر)، ولو مكثت طول عمرها، وتعتد عدة المرتابة بسنة بيضاء. وكذلك تكون مستحاضة لو ميزت قبل تمام أقل الطهر، إذ لا عبرة بذلك التمييز ولا فائدة له. والخلاصة: أن المستحاضة لا تعد بحكم الحائض إلا بثلاثة شروط: الأول - أن تكون المرأة مميزة. والثاني - أن يتغير الدم عن صفة الاستحاضة إلى الحيض. والثالث - أن تمضي لها من الأيام في الاستحاضة مقدار أقل الطهر (٥١ يوماً). مذهب الشافعية (١): تسمى المرأة التي زاد دمها على خمسة عشر يوماً مستحاضة، وصورها سبع: ١ - المُبتَدَأة المميزة: المبتدأة: أول ما ابتدأها الدم، والمميزة: هي التي تميز الدم، فترى قوياً وضعيفاً، كالأسود والأحمر (٢).

стр. 623

وحكمها: الضعيف استحاضة، والقوي حيض، بشرط ألا ينقص القوي عن أقل الحيض (يوم وليلة)، وألا يعبر أو يجاوز أكثره (وهو خمسة عشر يوماً) لأن الحيض لا يزيد عن ذلك، وبشرط ألا ينقص الضعيف إن استمر عن أقل الطهر (وهو خمسة عشر يوماً) أي بأن يكون ولاء متتابعاً خمسة عشر يوماً فأكثر متصلة. فإن نقص القوي عن أقل الحيض، أو عبر أكثره، أو نقص الضعيف عن أقل الطهر أو لم يكن ولاء متتابعاً، كما لو رأت يوماً أسود، ويوماً أحمر، فهي فاقدة شرطاً من شروط التمييز، يعرف حكمها من الصورة الثانية. ٢ - المبتدأة غير المميزة: وهي أول ما ابتدأها الدم، ولكنها ترى الدم بصفة واحدة. ومثلها المميزة التي فقدت شرطاً من شروط التمييز. وحكمها: أن حيضها يوم وليلة، وطهرها تسع وعشرون إن عرفت وقت ابتداء الدم، وإلا فهي متحيرة سيأتي حكمها. ٣ - المعتادة المميزة: المعتادة: هي التي سبق لها حيض وطهر، والمميزة: هي التي ترى قوياً وضعيفاً، كما تقدم. والأصح أن العادة تثبت بمرة. وحكمها: العمل بالتمييز، لا بعادة مخالفة للتمييز في الأصح، إن لم يتخلل بين القوي والضعيف أقل الطهر. فلو كانت عادتها خمسة من أول الشهر، وبقيته طهر، ثم لما استحيضت ونزل عليها الدم واستمر، فرأت عشرة أيام أسود من أول الشهر، وبقيته أحمر، كان حيضها العشرة، لا الخمسة فقط، للحديث المتقدم «دم الحيض أسود يعرف» ولأن التمييز أقوى من العادة؛ لأن التمييز علامة في الدم، والعادة علامة في صاحبته. فإن كانت العادة متفقة مع التمييز، كما لو كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر، فجاء التمييز كذلك، حكم لها بهما معاً.

стр. 624

وإن تخلل بين نوعي الدم أقل الطهر: كأن رأت بعد خمستها العادية عشرين يوماً ضعيفاً، ثم خمسة قوياً، ثم ضعيفاً، فقدر العادة حيض للعادة، وقدر التمييز حيض آخر للتمييز. ٤ - المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدراً ووقتاً: وهي التي سبق لها حيض وطهر، ولكنها ترى الدم بصفة واحدة، وتذكر مقدار عادتها ووقته. وحكمها: أن ترد إلى العادة قدراً ووقتاً، فلو حاضت في شهر خمسة أيام من أوله مثلاً، ثم استحيضت، فحيضها هو الخمسة من أول الشهر، وطهرها بقية الشهر، عملاً بعادتها، وإن لم تتكرر؛ لأن العادة تثبت بمرة إن لم تختلف، فإن اختلفت فلا تثبت بمرة. ٥ - المعتادة غير المميزة الناسية لعادتها قدراً ووقتاً: بأن سبق لها حيض وطهر، ولم تعلم عادتها قدراً ووقتاً. حكمها: كحائض في أحكام كحرمة الاستمتاع بها وقراءة القرآن في غير الصلاة، ومس المصحف، احتياطاً؛ لأن كل زمن يمر عليها يحتمل الحيض. وهي أيضاً كطاهر في أحكام كالصلاة فرضاً أو نفلاً في الأصح والصوم، احتياطاً؛ لأن كل زمن يمر عليها يحتمل الطهر. وتغتسل لكل فرض في وقته، لاحتمال انقطاع الدم حينئذ إن جهلت وقت الانقطاع. فإن علمته كأن عرفت أنه كان ينقطع عند الغروب، فلا يلزمها الغسل، إلا عند الغروب، وتتوضأ لباقي الفرائض لاحتمال الانقطاع عند الغروب، دون ما عداه، وتصوم رمضان، ثم شهراً كاملاً، ويبقى عليها يومان، لاحتمال أن يطرأ عليها الحيض في أثناء اليوم الأول، واحتمال كونها تحيض أكثر الحيض (٥١ يوماً) فيفسد صومها في اليوم السادس عشر؛ لأنه يطرأ الدم في أثناء يوم، وينقطع في

стр. 625

أثناء يوم، ويحسب لها أربعة عشر من كل من الشهرين، بثمانية وعشرين يوماً، فيبقى لها يومان، تصوم لهما من ثمانية عشر ثلاثة أولها، وثلاثة آخرها، فيحصلان، علماً بأن أقل الطهر ٥١ يوماً. ٦ - المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدراً لا وقتاً: كأن تقول: كان حيضي خمسة في العشر الأول من الشهر، لا أعلم ابتداءها، وأعلم أني في اليوم الأول طاهر بيقين، فالسادس حيض بيقين، والأول طهر بيقين، كالعَشْرين الأخيرين، والثاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر، دون الانقطاع، والسابع إلى آخر العاشر محتمل للحيض والطهر والانقطاع. فلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتمل كناسية لهما (الحيض والطهر) كما في الصورة الخامسة. ومعلوم أنه لا يلزمها الغسل إلا عند احتمال الانقطاع. ويسمى ما يحتمل الانقطاع طهراً مشكوكاً فيه، وما لا يحتمله حيضاً مشكوكاً فيه. ٧ - المعتادة غير المميزة، الذاكرة لعادتها وقتاً لا قدراً، كأن تقول: كان حيضي يبتدئني أول الشهر، ولا أعلم قدره. حكمها: يوم وليلة منه حيض بيقين، ونصفه الثاني طهر بيقين، وما بين ذلك محتمل للحيض والطهر والانقطاع. فلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتمل كناسية لهما، كما مر في التي قبلها.

стр. 626

والخلاصة: يطلق على الصور الثلاث الأخيرة اسم المتحيرة: وهي التي نسيت عادتها قدراً ووقتاً، أو نسيت القدر دون الوقت، أو بالعكس. والمشهور في حكمها: وجوب الاحتياط، فيحرم الوطء ومس المصحف، والقراءة في غير الصلاة، وتصلي الفرائض كلها، وكذا النفل في الأصح. وتغتسل لكل فرض، وتصوم رمضان، ثم شهراً كاملاً، فيحصل من كل منهما أربعة عشر يوماً، ثم تصوم ثمانية عشر: ثلاثة أولها، وثلاثة آخرها، فيحصل اليومان الباقيان. وما عدا المتحيرة: تعمل أولاً بالتمييز إن كانت مميزة، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة. وإن لم تكن مميزة وتعلم عادتها قدراً ووقتاً، ترد إلى عادتها في ذلك، وإن كانت مبتدأة لا مميِّزة، أو فقدت شرط تمييز، فالأظهر أن حيضها يوم وليلة، وطهرها تسع وعشرون. مذهب الحنابلة (١): المستحاضة إما مبتدأة أو معتادة، وكل منهما إما مميزة أولا، فإن كانت المبتدأة مميزة عملت بتمييزها، وإن كانت غير مميزة قدر حيضها بيوم وليلة، وتغتسل بعد ذلك، وبقية الشهر طاهرة، وذلك في الشهور الثلاثة الأولى، ثم تنتقل في الشهر الرابع إلى غالب الحيض وهو ست أو سبع باجتهادها. وتفصيل كلامهم فيما يأتي: ١ - المبتدأة غير المميزة: يقدر حيضها بيوم وليلة؛ لأنه المتيقن، وما زاد مشكوك فيه كغير المستحاضة، ثم تغتسل وتصلي احتياطاً لبراءة ذمتها، ولكن يحرم وطؤها في مدة خمسة عشر يوماً إن استمر بها الدم هذه المدة. فإن انقطع الدم قبل هذه المدة اغتسلت عند انقطاعه غسلاً ثانياً، ويباح وطؤها حينئذ.

стр. 627

تفعل هكذا في ثلاثة أشهر، في كل شهر مرة؛ لأن العادة لا تثبت بدون التكرار ثلاث مرات في ظاهر المذهب أو أكثر الروايات عن أحمد. وفي الشهر الرابع تنتقل إلى غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة باجتهادها وتحريها، ورأيها، فتعمل بما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها، أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضاً. وإن جاوز دمها أكثر الحيض (٥١ يوماً) فهي مستحاضة، لقول النبي ﷺ : «إنما ذلك عرق، وليس بحيضة» ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضاً. ٢ - المبتدأة المميزة: بأن ميزت الدم الأسود أو الثخين أو المنتن عن الرقيق الأحمر غير المنتن، فتعمل بالتمييز، ويكون حيضها زمن الأسود أو زمن الثخين، أو زمن المنتن إن لم ينقص عن أقل الحيض (يوم وليلة) ولم يجاوز أكثره (خمسة عشر يوماً) لحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ النسائي: «إذا كان الحيض، فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق»، فإن نقص عن يوم وليلة فهو استحاضة، وإن جاوز الخمسة عشر، بأن كان الأسود عشراً، والأحمر ثلاثين مثلاً، فحيضها زمن الدم الأسود، وما عداه استحاضة؛ لأنه لا يصلح حيضاً. ٣ - المعتادة غير المميزة: ترجع إلى عادتها، لتعمل بها، لما يأتي في الصورة التالية. ٤ - المعتادة المميزة: بأن ترى بعض دمها أسود أو ثخيناً أو منتناً، فتقدم العادة على التمييز، سواء اتفق تمييزها وعادتها، بأن تكون عادتها أربعة مثلاً من أول الشهر، وكان دم هذه الأربعة الآن أسود، ودم باقي الشهر أحمر، أو اختلفا أي العادة والتمييز، بأن تكون عادتها ستة أيام، وترى الآن أربعة أسود، وباقي الشهر أحمر؛ لقوله ﷺ : «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم

стр. 628

اغتسلي وصلي» ولأن العادة أقوى؛ لأنها لاتبطل دلالتها، بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته. ٥ - المعتادة المميزة الناسية لعادتها: تعمل كالمبتدأة بالتمييز الصالح؛ لأنه يكون حيضاً. والتمييز الصالح: هو ألا يكون الدم ناقصاً عن يوم وليلة، وألا يجاوز خمسة عشر يوماً. وذلك عملاً بحديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق». ٦ - المتحيرة: وهي التي تحيرت في حيضها بجهل العادة، وعدم التمييز، ولها أحوال ثلاثة: أـ الناسية لوقت عادتها وعددها: يكون حيضها في كل شهر ستة أيام أو سبعة بحسب اجتهادها ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضاً، ثم تغتسل، وتعتبر فيما بعد ذلك مستحاضة، تصوم وتصلي وتطوف، عملاً بحديث حمنة بن جحش: «فتحيَّضي ستة أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي … ». ب - الناسية عدد عادتها، وتذكر وقتها: كالتي تعلم أن حيضها في العشر الأول من الشهر، ولا تعلم عدده، حكمها كالحالة الأولى، ترد إلى غالب الحيض: ست أو سبع، في أصح الروايتين. جـ - الناسية لوقتها دون عددها: أي أنها عالمة بالعدد ناسية للموضع، كأن تعلم عدد أيام حيضتها، وتنسى موضعها بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر أو أوسطه أو آخره؟ حكمها: أن تجعل أيام حيضتها من أول كل شهر هلالي؛ لأنه ﷺ (جعل حيضة حمنة من أول الشهر، والصلاة في بقيته) ولأن دم الحيض هو الأصل، والاستحاضة عارضة، فيقدم دم الحيض.

стр. 629

البَابُ الثَّاني: الصَّلاة (١) وفيه عشرة فصول: الفصل الأول - تعريف الصلاة، مشروعيتها وحكمة تشريعها، فرضيتها وفرائضها، حكم تارك الصلاة. الفصل الثاني - أوقات الصلاة، وفيه بحث: متى تدرك الصلاة أداء؟ الفصل الثالث - الأذان والإقامة. الفصل الرابع - شروط الصلاة (شروط التكليف بها أو الوجوب، وشروط بحث صلاة المريض. الفصل الخامس - أركان الصلاة (أو فرائضها) وواجباتها عند الحنفية وفيه بحث صلاة المريض. الفصل السادس - سنن الصلاة ومندوباتها وصفتها (كيفيتها) ومكروهاتها، والأذكار الواردة عقبها، وفيه بحث أمور مستقلة ثلاثة وهي: سترة المصلي، والقنوت، والوتر.

стр. 630

الفصل السابع - مفسدات أو مبطلات الصلاة. الفصل الثامن - النوافل أو صلاة التطوع وترتيب أفضليتها. الفصل التاسع - أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر)، وقضاء الفوائت. الفصل العاشر - أنواع الصلاة: وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول - صلاة الجماعة وأحكامها (الإمامة والاقتداء) وفيه بحث صلاة المسبوق، والاستخلاف والبناء على الصلاة. المبحث الثاني - صلاة الجمعة وخطبتها. المبحث الثالث - صلاة المسافر (الجمع والقصر). المبحث الرابع - صلاة العيدين. المبحث الخامس - صلاة الكسوف والخسوف. المبحث السادس - صلاة الاستسقاء. المبحث السابع - صلاة الخوف. المبحث الثامن - صلاة الجنازة، وأحكام الجنائز والشهداء والقبور.

стр. 631

صفة صلاة النبي ﷺ : هذه صفة واضحة لصلاة النبي ﷺ ، أثْبتها هنا قبل تفصيل الكلام عن الصلاة، كما رواها المحدِّثون الثقات، أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعديّ في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة - قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تَبَعاً، ولا أقدمنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، يرفع يديه حتى يُحاذِيَ بهما مَنْكِبيه، ثم يُكَبِّر حتى يَقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا يَنْصِبُ رأسه ولا يُقْنِعُ (١)، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يَهْوي (٢) إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع أسه، ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها (٣)، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع، ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الآخر مثل ذلك.

стр. 632

ثم إذا قام من الركعتين، كبَّر ورفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته. حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرَّ رجله، وقعد مُتَورِّكاً (١) على شِقِّه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي ﷺ . وفي رواية قال: «كنت في مجلس من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: اذكروا صلاته، فقال أبو حميد - فذكر بعض هذا الحديث - فتذكر: فإذا ركع أمْكَن كفّيه من ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه، وهَصَر (٢) ظهره، غير مُقْنِع رأسه، ولا صافِحٍ بخدِّه (٣)، وقال: فإذا قعد في الركعتين، قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوَرِكه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة». وفي رواية أخرى: قال: «إذا سجد وضع يديه غير مُفْترش (٤) ولا قابِضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة». وفي رواية قال: «ثم رفع رأسه - يعني من الركوع - فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه». وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع ﵁ حديثاً علَّم فيه النبي ﷺ رجلاً بدوياً كيفية الصلاة، حينما صلى فأخَفَّ صلاته، فقال النبي ﷺ : «إنه لا تتم صلاةُ أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء - يعني

стр. 633

مواضعه - ثم يكبر، ويحمد الله ، ويُثْني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصلُه، ثم يرفع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائماً، ويقول: الله أكبر، ثم يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصلُه، ويرفع ثانية ليكبِّر، فإذا فعل ذلك تمت صلاته».

стр. 634

الفَصْلُ الأوَّل: تعريف الصَّلاة، ومشروعيَّتها وحكمة تشريعها فرضيَّتها وفرائضها، حكم تارك الصَّلاة حقيقة الصلاة: الصلاة لغة: الدعاء أو الدعاء بخير، قال تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سَكَن لهم﴾ [التوبة:٩/ ٣٠١] أي ادع لهم. وشرعاً: هي أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. مشروعيتها: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيِّمة﴾ [البينة:٥/ ٨٩] وقوله سبحانه: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج:٢٢/ ٨٧]، مع آي كثيرة مثل: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء:٤/ ٣٠١]. وأما السنة: فأحاديث متعددة، منها: حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» (١)، وفي معناه حديث عمر بن الخطاب ﵁: «الإسلام: أن

стр. 635

تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. تاريخها ونوع فرضيتها وفرائضها: فرضت الصلاة ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على المشهور بين أهل السير، لحديث أنس، قال: «فرضت على النبي ﷺ الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي: يا محمد، إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمسة خمسين» (٢). وقال بعض الحنفية: فرضت ليلة الإسراء قبل السبت سابع عشر من رمضان قبل الهجرة بسنة ونصف. وجزم الحافظ ابن حجر بأنه ليلة السابع والعشرين من رجب، وعليه عمل أهل الأمصار. وهي فرض عين على كل مكلف (بالغ عاقل)، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، بيدٍ، لا بخشبة، لقوله ﷺ : «مُروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (٣). والصلوات المكتوبات خمس في اليوم والليلة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا بنذر، للأحاديث السابقة، ولحديث الأعرابي:
следующие страницы →