صفة صلاة النبي ﷺ : هذه صفة واضحة لصلاة النبي ﷺ ، أثْبتها هنا قبل تفصيل الكلام عن الصلاة، كما رواها المحدِّثون الثقات،
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعديّ في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة - قال أبو حميد:
أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تَبَعاً، ولا أقدمنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، يرفع يديه حتى يُحاذِيَ بهما مَنْكِبيه، ثم يُكَبِّر حتى يَقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا يَنْصِبُ رأسه ولا يُقْنِعُ (١)، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يَهْوي (٢) إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع أسه، ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها (٣)، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع، ويُثْني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الآخر مثل ذلك.
стр. 632
ثم إذا قام من الركعتين، كبَّر ورفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته.
حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرَّ رجله، وقعد مُتَورِّكاً (١) على شِقِّه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي ﷺ .
وفي رواية قال: «كنت في مجلس من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: اذكروا صلاته، فقال أبو حميد - فذكر بعض هذا الحديث - فتذكر: فإذا ركع أمْكَن كفّيه من ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه، وهَصَر (٢) ظهره، غير مُقْنِع رأسه، ولا صافِحٍ بخدِّه (٣)، وقال: فإذا قعد في الركعتين، قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوَرِكه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة».
وفي رواية أخرى: قال: «إذا سجد وضع يديه غير مُفْترش (٤) ولا قابِضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة».
وفي رواية قال: «ثم رفع رأسه - يعني من الركوع - فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه».
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن رفاعة بن رافع ﵁ حديثاً علَّم فيه النبي ﷺ رجلاً بدوياً كيفية الصلاة، حينما صلى فأخَفَّ صلاته، فقال النبي ﷺ : «إنه لا تتم صلاةُ أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء - يعني
стр. 633
مواضعه - ثم يكبر، ويحمد الله ، ويُثْني عليه، ثم يقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصلُه، ثم يرفع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائماً، ويقول: الله أكبر، ثم يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصلُه، ويرفع ثانية ليكبِّر، فإذا فعل ذلك تمت صلاته».
стр. 634
الفَصْلُ الأوَّل: تعريف الصَّلاة، ومشروعيَّتها وحكمة تشريعها
فرضيَّتها وفرائضها، حكم تارك الصَّلاة حقيقة الصلاة: الصلاة لغة: الدعاء أو الدعاء بخير، قال تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سَكَن لهم﴾ [التوبة:٩/ ٣٠١] أي ادع لهم. وشرعاً: هي أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
مشروعيتها: الصلاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيِّمة﴾ [البينة:٥/ ٨٩] وقوله سبحانه: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج:٢٢/ ٨٧]، مع آي كثيرة مثل: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء:٤/ ٣٠١].
وأما السنة: فأحاديث متعددة، منها: حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» (١)، وفي معناه حديث عمر بن الخطاب ﵁: «الإسلام: أن
стр. 635
تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١).
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة.
تاريخها ونوع فرضيتها وفرائضها: فرضت الصلاة ليلة الإسراء قبل الهجرة بنحو خمس سنين على المشهور بين أهل السير، لحديث أنس، قال: «فرضت على النبي ﷺ الصلوات ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي: يا محمد، إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمسة خمسين» (٢). وقال بعض الحنفية: فرضت ليلة الإسراء قبل السبت سابع عشر من رمضان قبل الهجرة بسنة ونصف. وجزم الحافظ ابن حجر بأنه ليلة السابع والعشرين من رجب، وعليه عمل أهل الأمصار.
وهي فرض عين على كل مكلف (بالغ عاقل)، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، بيدٍ، لا بخشبة، لقوله ﷺ : «مُروا صبيانكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (٣).
والصلوات المكتوبات خمس في اليوم والليلة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا بنذر، للأحاديث السابقة، ولحديث الأعرابي:
стр. 636
«خمس صلوات في اليوم والليلة» قال الأعرابي: «هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا تطَّوع» (١) ولقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «أخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (٢).
وقال أبو حنيفة ﵀: الوتر واجب، لقوله ﷺ : «إن الله قد زادكم صلاة، وهي الوتر» (٣) وهذا يقتضي وجوبه، وقال ﵇: «الوتر واجب على كل مسلم» (٤).
حكمة تشريع الصلاة: الصلاة أعظم فروض الإسلام بعد الشهادتين، لحديث جابر: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» (٥).
وقد شرعت شكراً لنعم الله تعالى الكثيرة، ولها فوائد دينية وتربوية على الصعيدين الفردي والاجتماعي.
فمن فوائدها الدينية: عقد الصلة بين العبد وربه، بما فيها من لذة المناجاة للخالق، وإظهار العبودية لله، وتفويض الأمر له، والتماس الأمن والسكينة والنجاة في رحابه، وهي طريق الفوز والفلاح، وتكفير السيئات والخطايا، قال تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون ١/ ٢٣ - ٢]
стр. 637
﴿إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين﴾ [المعارج:٧٠/ ١٩ - ٢٠].
وقال ﷺ : «أرأيتم لو أن نَهَراً بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا» (١).
وفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائر» (٢). وعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «إن العبد إذا قام يصلي، أُتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه، فكلما ركع أو سجد، تساقطت عنه» (٣) أي حتى لا يبقى منها شيء إن شاء الله تعالى.
و من فوائدها الشخصية: التقرب بها إلى الله تعالى ومعراج النفس إلى ربها، قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:٥١/ ٥٦] وفيها تقوية النفس والإرادة، والاعتزاز بالله تعالى دون غيره، والسمو عن الدنيا ومظاهرها، والترفع عن مغرياتها وأهوائها، وعما يحلو في النفس مما لدى الآخرين من جاه ومال وسلطان، قال الله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة:٢/ ٤٥].
كما أن في الصلاة راحة نفسية كبيرة، وطمأنينة روحية، وبعداً عن الغفلة
стр. 638
التي تصرف الإنسان عن رسالته السامية الخالدة في هذه الحياة، قال ﷺ : «حُبِّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة» (١)، وكان ﵇ فيما رواه أحمد - إذا حَز به أمر (أي نزل به هم أو غم) قال: «أرحنا بها يا بلال» (٢).
وفي الصلاة: تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في الأعمال وشؤون الحياة، واحترا م الوقت وتقديره لأدائها في أوقات منظمة، وبها يتعلم المرء خصال الحلم والأناة والسكينة والوقار، ويتعود على حصر الذهن في المفيد النافع، لتركيز الانتباه في معاني آي القرآن وعظمة الله تعالى ومعاني الصلاة.
كما أن الصلاة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، قال الله سبحانه: ﴿وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت:٩٢/ ٥٤].
و من فوائدها الاجتماعية: إقرار العقيدة الجامعة لأفراد المجتمع، وتقويتها في نفسهم، وفي تنظيم الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة، وفيها تقوية الشعور بالجماعة، وتنمية روابط الانتماء للأمة، وتحقيق التضامن الاجتماعي، ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وفي صلاة الجماعة: فوائد عميقة وكثيرة، من أهمها إعلان مظهر المساواة، وقوة الصف الواحد، ووحدة الكلمة، والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما يرضي الله تعالى، والاتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان الله تعالى.
стр. 639
كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتغذية الاهتمام بأوضاع وأحوال المسلمين العامة، ومساندة الضعيف والسجين والملاحَق بتهمة والغائب عن أسرته وأولاده. ويعد المسجد والصلاة فيه مقراً لقاعدة شعبية منظمة متعاونة متآزرة، تخرِّج القيادة، وتدعم السلطة الشرعية، وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة والموعظة الحسنة، والقول الليِّن، والنقد البناء الهادف؛ لأن «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (١).
والصلاة تميِّز المسلم عن غيره، فتكون طريقاً للثقة والائتمان، وبعث روح المحبة والمودة فيما بين الناس، جاء في الحديث: «من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم» (٢).
حكم تارك الصلاة: اتفق المسلمون على أن الصلاة واجبة على كل مسلم بالغ عاقل طاهر، أي غير ذي حيض أو نفاس، ولا ذي جنون أو إغماء، وهي عبادة بدنية محضة لا تقبل النيابة أصلاً، فلا يصح أن يصلي أحد عن أحد، كما لا يصح أن يصوم أحد عن أحد.
وأجمع المسلمون على أن من جحد وجوب الصلاة، فهو كافر مرتد، لثبوت فرضيتها بالأدلة القطعية من القرآن والسنة والإجماع، كما أبنت. ومن تركها تكاسلاً وتهاوناً فهو فاسق عاص، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة.
وترك الصلاة موجب للعقوبة الأخروية والدنيوية، أما الأخروية فلقوله تعالى: ﴿ما سلككم في سَقَر؟ قالوا: لم نك من المصلين﴾ [المدثر:٧٤/ ٤٢ - ٤٣]
стр. 640
﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون:١٠٧/ ٤ - ٥]، ﴿فخلَف من بعدهم خَلْف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيّاً﴾ [مريم:١٩/ ٥٩]. وقال ﷺ : «من ترك الصلاة متعمداً، فقد برئت منه ذمة الله ورسوله» (١).
وأما عقوبتها الدنيوية لمن تركها كسلاً وتهاوناً، فلها أنماط عند الفقهاء.
فقال الحنفية (٢): تارك الصلاة تكاسلاً فاسق يحبس ويضرب - على المذهب - ضرباً شديداً حتى يسيل منه الدم، حتى يصلي ويتوب، أو يموت في السجن ومثله تارك صوم رمضان، ولا يقتل حتى يجحد وجوبهما، أو يستخف بأحدهما كإظهار الإفطار بلا عذر تهاوناً، بدليل قوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣).
وأضاف الحنفية: أنه يحكم بإسلام فاعل الصلاة بشروط أربعة: أن يصلي الوقت، مع جماعة، أو يؤذن في الوقت، أو يسجد للتلاوة عند سماع آية سجدة، ولا يحكم بإسلام الكافر في ظاهر الرواية إن صام أوحج أو أدى الزكاة.
وقال الأئمة الآخرون (٤): تارك الصلاة بلا عذر ولو ترك صلاة واحدة. يستتاب ثلاثة أيام كالمرتد (٥)، وإلا قتل إن لم يتب، ويقتل عند المالكية والشافعية
стр. 641
حداً، لا كفراً، أي لا يحكم بكفره وإنما يعاقب كعقوبة الحدود الأخرى على معاصي الزنى والقذف والسرقة ونحوها، وبعد الموت يغسل ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين. ودليلهم على عدم تكفير تارك الصلاة قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء:٤/ ٤٨]، وأحاديث متعددة منها: حديث عبادة بن الصامت: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيِّع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يُدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفَر له» (١).
وحديث أبي هريرة: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: الصلاة المكتوبة، فإن أتمها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع، أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثلُ ذلك» (٢) فلا يكفر بترك الصلاة؛ لأن الكفر بالاعتقاد، واعتقاده صحيح، ويكفر إن تركها جاحداً وجوبها. وتأولوا الأحاديث الآتية التي استدل بها الحنابلة بأنها محمولة على المستحل أو المستحق عقوبة الكافر وهي القتل.
وقال الإمام أحمد ﵀ (٣): يقتل تارك الصلاة كفراً أي بسبب كفره، لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحُرُم، فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة:٩/ ٥]، فمن ترك الصلاة، لم يأت بشرط التخلية، فيبقى على إباحة القتل، فلا يخلى من لم يقم الصلاة.
стр. 642
ولقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر: ترك الصلاة» (١) فهويدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر.
ومثله حديث بُرَيْدة: «العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (٢) وهو يدل على أن تارك الصلاة يكفر.
ورجح الشوكاني هذا الرأي، فقال: والحق أنه كافر يقتل. ولا يمنع بعض أنواع الكفر من المغفرة واستحقاق الشفاعة.
وإني أميل إلى الرأي الأول وهو الحكم بعدم كفر تارك الصلاة، للأدلة الكثيرة القاطعة بعدم خلود المسلم في النار بعد النطق بالشهادتين، قال ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حرُم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٣) وقال ﵇ أيضاً: «يخرج من النار: من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار: من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن بُرَّة من خير، ويخرج من النار: من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من خير» (٤).
وطريقة قتل تارك الصلاة عند الجمهور (غير الحنفية): هو ضرب عنقه بالسيف، إن لم يتب.
دوام فرضية الصلاة طوال العمر: لا تسقط الصلاة بحال حضراً أو سفراً أو
стр. 643
مرضاً، فيلزم المسلم بالصلاة ما دام حياً، ولم يصبح في حال غيبوبة أو فقد الوعي، وإنما يسر الإسلام كيفية أداء الصلاة كما في صلاة الخوف، وصلاة المريض بحسب القدرة من قيام أو قعود أو على جنب أواستلقاء أو بالرأس أو بالأعين أو إجراء الأركان على القلب. ومن كان ملطخاً بالدم إثر عملية جراحية، أو مربوطاً بكيس يصب فيه الدم مثلاً، أو مجبَّر الكسور، يصلي على هذه الحال بوضوء أو تيمم بحسب القدرة، ثم يعيد الصلاة، بعد الشفاء احتياطاً.
стр. 644
الفَصْلُ الثَّاني: أوقاتُ الصَّلاة الأوقات في السنة:
حددت السنة النبوية مواقيت الصلاة تحديداً دقيقاً لأول الوقت (١) وآخره، روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ جاءه جبريل ﵇، فقال له: قم، فصلِّهْ، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصلِّه، فصلى العصر، حين صار ظل كل شيء مثلَه، ثم جاءه المغرب، فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وَجَبت الشمس (غربت)، ثم جاءه العشاء، فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشَّفَق، ثم جاءه الفجر، فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين بَرَق الفجر، أو قال: سطع الفجر.
ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصلِّهْ، فصلى الظهر، حين صار كل شيء مثله، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصلِّهْ، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتاً واحداً، لم يزُل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جداً، فقال: قم فصَلِّهْ، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت» (٢) وهو يدل على أن للصلوات وقتين، إلا المغرب.
стр. 645
وهناك حديث آخر في تحديد وقت المغرب عن عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب، حتى تشتبك النجوم» (١) وهو يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب، وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم.
وقد أوضح الفقهاء بناء على ذلك وقت كل صلاة على النحو الآتي (٢)، وأجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة، ثبتت في أحاديث صحاح جياد، وتجب الصلاة بأول الوقت وجوباً موسعاً إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها فيضيق الوقت حينئذ. وفي المناطق القطبية ونحوها يقدرون الأوقات بحسب أقرب البلاد إليهم، أو بميقات مكة المكرمة.
١ - وقت الفجر: يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس. والفجر الصادق: هو البياض المنتشر ضوءه معترضاً في الأفق. ويقابله الفجر الكاذب: وهو الذي يطلع مستطيلاً متجهاً إلى الأعلى في وسط السماء، كذنب السِرْحان (٣)، أي الذئب، ثم تعقبُه ظُلْمة. والأول: هو الذي تتعلق به الأحكام الشرعية كلها من بدء الصوم ووقت الصبح وانتهاء وقت العشاء، والثاني: لا يتعلق به شيء من الأحكام،
стр. 646
بدليل قوله ﵇: «الفجر فجران: فجر يحرِّم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة الصبح - ويحل فيه الطعام» (١).
وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس» وما بعد طلوع الشمس إلى وقت الظهر يعتبر وقتاً مهملاً لا فريضة فيه.
٢ - وقت الظهر: من زوال الشمس إلى مصير ظل كل شيء مثله، سوى ظل أو فيء الزوال. وهذا رأي الصاحبين المفتى به عند الحنفية والأئمة الثلاثة. وظاهر الرواية وهو رأي أبي حنيفة: أن آخر وقت الظهر: أن يصير ظل كل شيء مِثْليْه، إلا أن هذا الوقت هو وقت العصر بالاتفاق، فتقدم الصلاة عن هذا الوقت؛ لأن الأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى.
وزوال الشمس: هو ميلها عن وسط السماء، ويسمى بلوغ الشمس إلى وسط (أو كبد) السماء: حالة الاستواء، وإذا تحولت الشمس من جهة المشرق إلى جهة المغرب حدث الزوال.
و يعرف الزوال: بالنظر إلى قامة الشخص، أو إلى شاخص أو عمود منتصب في أرض مستوية (مسطحة)، فإذا كان الظل ينقص فهو قبل الزوال، وإن وقف لايزيد ولا ينقص، فهو وقت الاستواء، وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت.
فإذا زاد ظل الشيء على ظله حالة الاستواء، أو مالت الشمس إلى جهة
стр. 647
المغرب، بدأ وقت الظهر، وينتهي وقته عند الجمهور بصيرورة ظل الشيء مثله في القدر والطول، مع إضافة مقدار ظل أو فيء الاستواء، أي الظل الموجود عند الزوال.
ودليل الجمهور: أن جبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ في اليوم التالي حين صار ظل كل شيء مثله، ولا شك أن هذا هو الأقوى. ودليل أبي حنيفة قوله ﵇: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» (١). وأشد الحر في ديارهم كان في هذا الوقت يعني إذا صار ظل كل شيء مثله. ودليل الكل على بدء وقت الظهر قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء:١٧/ ٧٨] أي زوالها.
٣ - وقت العصر: يبدأ من خروج وقت الظهر، على الخلاف بين القولين المتقدمين، وينتهي بغروب الشمس، أي أنه يبدأ من حين الزيادة على مثل ظل الشيء، أدنى زيادة عند الجمهور، أو من حين الزيادة على مثلي الظل عند أبي حنيفة، وينتهي الوقت بالاتفاق قبيل غروب الشمس، لحديث: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» (٢).
ويرى أكثر الفقهاء: أن صلاة العصر تكره في وقت اصفرار الشمس لقوله ﷺ : «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْني
стр. 648
الشيطان، قام فنَقَرها أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً» (١) وقوله ﵇: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» (٢).
وصلاة العصر: هي الصلاة الوسطى عند أكثر العلماء، بدليل ما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قرأ: ﴿حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى﴾ [البقرة:٢/ ٢٣٨]، والصلاة الوسطى: صلاة العصر (٣) وعن ابن مسعود وسمرة قالا: قال النبي ﷺ : «الصلاة الوسطى: صلاة العصر» (٤) وسميت وسطى لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار.
والمشهور عند مالك: أن صلاة الصبح هي الوسطى، لما روى النسائي عن ابن عباس قال: «أدلج رسول الله ﷺ ، ثم عرّس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس، فصلى وهي صلاة الوسطى، والرأي الأول أصح لصحة الأحاديث فيه».
٤ - وقت المغرب: من غروب الشمس بالإجماع، أي غياب قرصها بكامله، ويمتد عند الجمهور (الحنفية والحنابلة والأظهر عند الشافعية وهو مذهب الشافعي القديم) إلى مغيب الشَّفَق، لحديث: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» (٥).
стр. 649
والشفق عند الصاحبين والحنابلة والشافعية: هو الشفق الأحمر، لقول ابن عمر: «الشفق: الحمرة» (١) والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين، وقد رجع الإمام إليه، وهو المذهب.
وعند أبي حنيفة: هو البياض الذي يستمر في الأفق ويبقى عادة بعد الحمرة، ثم يظهر السواد، وبين الشفقين تفاوت يقدر بثلاث درجات، والدرجة أربع دقائق.
ودليله قوله ﵊: «وآخر وقت المغرب إذا اسود الأفق» (٢) وهو ما روي عن أبي بكر وعائشة ومعاذ وابن عباس.
والمشهور عند المالكية ومذهب الشافعي الجديد غير الأظهر المعمول به لدى الشافعية: أن وقت المغرب ينقضي بمقدار وضوء وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات، أي أن وقته مضيق غير ممتد؛ لأن جبريل ﵇ صلى بالنبي ﵊ في اليومين في وقت واحد، كما ذكر في حديث جابر المتقدم، فلو كان للمغرب وقت آخر لبينه، كما بين وقت بقية الصلوات. ورد بأن جبريل إنما بين الوقت المختار، وهو المسمى بوقت الفضيلة، وأما الوقت الجائز وهو محل النزاع فليس فيه تعرض له.
стр. 650
٥ - وقت العشاء: يبدأ في المذاهب من مغيب الشفق الأحمر على المفتى به عند الحنفية إلى طلوع الفجر الصادق، أي قبيل طلوعه لقول ابن عمر المتقدم: «الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» ولحديث أبي قتادة عند مسلم: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى». فإنه ظاهر في امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا الفجر، فإنها مخصوصة من هذا العموم بالإجماع.
وأما الوقت المختار للعشاء فهو إلى ثلث الليل أو نصفه، لحديث أبي هريرة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» (١)، وحديث أنس: «أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى» (٢) وحديث ابن عمرو: «وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» (٣).
وأما حديث عائشة «أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، حتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» (٤) فهو وإن كان فيه إشعار بامتداد وقت اختيار العشاء إلى ما بعد نصف الليل. ولكنه مؤول بأن المراد بعامة الليل: كثير منه، وليس المراد أكثره.
وأول وقت الوتر: بعد صلاة العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
стр. 651
الوقت الأفضل أو المستحب:
للفقهاء آراء في بيان أفضل وقت كل صلاة أو الوقت المستحب، فقال الحنفية (١): يستحب للرجال الإسفار بالفجر، لقوله ﷺ : «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٢) والإسفار: التأخير للإضاءة. وحد الإسفار: أن يبدأ بالصلاة بعد انتشار البياض بقراءة مسنونة، أي أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية، ثم يعيدها بطهارة لو فسدت. ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها، وما يؤدي إلى التكثير أفضل، وليسهل تحصيل ما ورد عن أنس من حديث حسن: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت كأجر حجة تامة، وعمرة تامة».
وأما النساء: فالأفضل لهن الغَلَس (الظلمة)؛ لأنه أستر، وفي غير الفجر يَنْتَظِرْن فراغ الرجال من الجماعة. وكذلك التغليس أفضل للرجل والمرأة لحاج بمزدلفة.
ويستحب في البلاد الحارة وغيرها الإبراد بالظهر في الصيف، بحيث يمشي في الظل، لقوله ﷺ السابق: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» ويستحب تعجيله في الشتاء والربيع والخريف، لحديث أنس عند البخاري: «كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» (٣).
ويستحب تأخير العصر مطلقاً، توسعة لأداء النوافل، ما لم تتغير الشمس
стр. 652
بذهاب ضوئها، فلا يتحير فيها البصر، سواء في الشتاء أم الصيف، لما فيه من التمكن من تكثير النوافل، لكراهتها بعد العصر.
ويستحب تعجيل المغرب مطلقاً، فلا يفصل بين الأذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو جلسة خفيفة؛ لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، ولقوله ﵇: «لا تزال أمتي بخير أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (١).
ويستحب تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل الأول، في غير وقت الغيم، فيندب تعجيله فيه، للأحاديث السابقة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه».
ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل ويثق بالانتباه: أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، ليكون آخر صلاته فيه، فإن لم يثق من نفسه بالانتباه أوتر قبل النوم، لقوله ﷺ : «من خاف ألا يقوم آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل» (٢).
وقال المالكية (٣): أفضل الوقت مطلقاً لظهر أو غيره، لفرد أو جماعة، في شدة الحر أو غيره أوله، فهو رضوان الله، لقوله ﷺ لمن سأله: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» (٤) أو «الصلاة في أول وقتها» وعن ابن عمر
стр. 653
مرفوعاً: «الصلاة في أول الوقت: رضوان الله، وفي آخره عفو الله» (١) فالأفضل تقديم الصبح والعصر والمغرب.
لكن الأفضل على المشهور تأخير الظهر لربع القامة بعد ظل الزوال صيفاً وشتاء، أي التأخير بمقدار ذراع بأن يصيرظل الشخص بمقدار ربع قامته زيادة على ظل الزوال، وندب التأخير لربع القامة لمن ينتظر أداء الصلاة جماعة أو كثرتها، لتحصيل فضل الجماعة، وإذا كان الوقت وقت شدة الحر ندب تأخير الظهر للإبراد، أي الدخول في وقت البرد.
كما أن الأفضل في قول ضعيف في المدونة تأخير العشاء قليلاً في المساجد، والراجح كما حقق الدسوقي ندب تقديم العشاء للجماعة مطلقاً.
والخلاصة: أن المبادرة في أول الوقت مطلقاً هو الأفضل، إلا في حال انتظار الفرد جماعة للظهر وغيره، وفي حال الإبراد بالظهر أي لأجل الدخول في وقت البرد.
وقال الشافعية (٢): يسن تعجيل الصلاة ولو عشاء لأول الوقت، إلا الظهر، فيسن الإبراد بالظهر في شدة الحر، للأحاديث السابقة المذكورة في مذهب المالكية، والحنفية، والأصح: اختصاص التأخير للإبراد ببلد حار، وجماعة مسجد ونحوه كمدرسة، يقصدونه من مكان بعيد.
ويكره تسمية المغرب عشاء والعشاء عتْمة للنهي عنه (٣)، ويكره النوم قبل
стр. 654
صلاة العشاء والحديث بعدها إلا في خير، لما رواه الجماعة عن أبي بَرْزة الأسلمي أن النبي ﷺ «كان يستحب أن يؤخر العشاء التي يدعونها العَتْمة، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها».
وقال الحنابلة (١): الصلاة في أول الوقت أفضل إلا العشاء، والظهر في شدة الحر، والمغرب في حالة الغيم، أما العشاء فتأخيرها إلى آخر وقتها المختار وهو ثلث الليل أو نصفه أفضل، ما لم يشق على المأمومين أو على بعضهم، فإنه يكره، عملاً بقول النبي ﷺ السابق: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه» ولأنه ﷺ «كان يأمر بالتخفيف رفقاً بهم».
وأما الظهر فيستحب الإبراد به على كل حال في وقت الحر، ويستحب تعجيلها في وقت العشاء، عملاً بالحديث السابق: «إذا اشتد الحر فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم».
وأما حالة الغيم: فيستحب تأخير الظهر والمغرب أثناءه، وتعجيل العصر والعشاء؛ لأنه وقت يخاف منه العوارض من المطر والريح والبرد، فيكون في تأخير الصلاة الأولى من أجل الجمع بين الصلاتين في المطر، وفي تعجيل الثانية دفع للمشقة التي قد تحصل بسبب هذه العوارض.
ولا يستحب عند الحنابلة تسمية العشاء العتمة، وكان ابن عمر إذا سمع رجلاً يقول (العتمة) صاح وغضب، وقال: (إنما هو العشاء).
والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على أن الوقت الأفضل هو أول وقت كل صلاة، واستحب الحنفية الإسفار بصلاة الصبح، وقال الجمهور: التغليس بها
стр. 655
أفضل، واستحب الكل الإبراد بالظهر، واستحب الحنفية تأخير العصر، واستحب المالكية للفرد التأخير رجاء إدراك صلاة الجماعة، واستحب الحنابلة تأخير العشاء، وتأخير الظهر والمغرب للجمع بين الصلاتين في حالة الغيم بسبب المطر.
متى تقع الصلاة أداء في الوقت؟ من المعلوم أن الصلاة إذا أديت كلها في الوقت المخصص لها فهي أداء، وإن فعلت مرة ثانية في الوقت لخلل غير الفساد فهي إعادة، وإن فعلت بعد الوقت فهي قضاء، والقضاء: فعل الواجب بعد وقته.
أما إن أدرك المصلي جزءاً من الصلاة في الوقت فهل تقع أداء؟ للفقهاء رأيان: الأول للحنفية، والحنابلة على الراجح، والثاني للمالكية والشافعية.
الرأي الأول - للحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد (١): تدرك الفريضة أداء كلها بتكبيرة الإحرام في وقتها المخصص لها، سواء أخرها لعذر كحائض تطهر، ومجنون يفيق، أو لغير عذر، لحديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: «من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها» (٢) وللبخاري «فليتم صلاته» وكإدراك المسافر صلاة المقيم، وكإدراك الجماعة، ولأن بقية الصلاة تبع لما وقع في الوقت.
الرأي الثاني - للمالكية، والشافعية (٣) في الأصح: تعد الصلاة جميعها أداء في الوقت إن وقع ركعة بسجدتيها في الوقت، وإلا بأن وقع أقل من ركعة فهي
стр. 656
قضاء، لخبر الصحيحين: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» (١) أي مؤداة. ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لا يدرك الصلاة مؤداة، والفرق بين الأمرين: أن الركعة مشتملة على معظم أفعال الصلاة، وغالب ما بعدها كالتكرار لها، فكان تابعاً لها. وهذا الرأي فيما يظهر أصح لأن المراد بالسجدة الركعة، بدليل ما ذكر مسلم، وبدليل ما رواه الجماعة بلفظ «من أدرك من الصبح ركعة … » الخ.
الاجتهاد في الوقت:
من جهل الوقت بسبب عارض غيم أو حبس في بيت مظلم (٢)، وعدم ثقة يخبره به عن علم، ولم يكن معه ساعة تؤقت له، اجتهد بما يغلب على ظنه دخوله بوِرْد من قرآن ودرس ومطالعة وصلاة ونحوه كخياطة وصوت ديك مجرَّب، وعمل على الأغلب في ظنه.
والاجتهاد يكون واجباً إن عجز عن اليقين بالصبر أو غيره كالخروج لرؤية الفجر أو الشمس مثلاً، وجائزاً إن قدر عليه.
وإن أخبره ثقة من رجل أو امرأة بدخول الوقت عن علم، أي مشاهدة، عمل به؛ لأنه خبر ديني يرجع في المجتهد إلى قول الثقة كخبر الرسول ﷺ . أما إن أخبره عن اجتهاد فلا يقلده؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً آخر.
وإذا شك في دخول الوقت، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك، وحينئذ تباح له الصلاة، ويستحب تأخيرها قليلاً احتياطاً لتزداد غلبة ظنه، إلا أن يخشى خروج الوقت.
стр. 657
وإن تيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت، ولو بإخبار عدل مقبول الرواية عن مشاهدة، قضى في الأظهر عند الشافعية وعند أكثر العلماء، وإلا أي إن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت، فلا قضاء عليه. ودليل القضاء: ما روي عن ابن عمر وأبي موسى أنهما أعادا الفجر؛ لأنهما صلياها قبل الوقت، ولأن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها، فإن لم تبرأ الذمة منه بقي بحاله.
تأخير الصلاة: يجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله ﷺ فيما رواه الدارقطني عن جرير بن عبد الله: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» ولأنا لو لم نجوز التأخير لضاق على الناس، فسمح لهم بالتأخير. لكن من أخر الصلاة عمداً، ثم خرج الوقت وهو فيها، أثم وأجزأته (١).
الأوقات المكروهة:
ثبت في السنة النهي عن الصلاة في أوقات خمسة، ثلاثة منها في حديث، واثنان منها في حديث آخر.
أما الثلاثة ففي حديث مسلم عن عقبة بن عامر الجُهَني: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلِّي فيهن، وأن نقبُر فيهن موتانا: حين تطلعُ الشمس بازغة حتى ترتفع (٢)، وحين يقوم قائم الظهيرة (٣) حتى تزول الشمس (٤)، وحين تتضيَّف (٥) الشمس لغروب».
стр. 658
وهذه الأوقات الثلاثة تختص بأمرين: دفن الموتى والصلاة.
وأما الوقتان الآخران ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر» وهذان الوقتان يختصان بالنهي عن الصلاة فقط.
فالأوقات الخمسة هي ما يأتي:
١ - ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرُمح في رأي العين.
٢ - وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رُمح أي بعد طلوعها بمقدار ثلث ساعة.
٣ - وقت الاستواء (١) إلى أن تزول الشمس، أي يدخل وقت الظهر.
٤ - وقت اصفرار الشمس حتى تغرب.
٥ - بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
والحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات وتحريم النوافل فيها: هي أن الأوقات الثلاثة الأولى ورد تعليل النهي عن الصلاة فيها في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم وأبي داود والنسائي: وهو أن الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، وعند قيام قائم الظهيرة تسجر (توقد) جهنم وتفتح أبوابها، وعند الغروب تغرب بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار. فالحكمة هي إما التشبه بالكفار عبدة الشمس، أو لكون الزوال وقت غضب.
стр. 659
وأما حكمة النهي عن النوافل بعد الصبح وبعد العصر فهي ليست لمعنى في الوقت، وإنما الوقت كالمشغول حكماً بفرض الوقت، وهو أفضل من النفل الحقيقي.
وأما نوع الحكم المستفاد من النهي:
فهو حرمة النافلة عند الحنابلة في الأوقات الخمسة، وعند المالكية في الأوقات الثلاثة، والكراهة التنزيهية في الوقتين الآخرين.
والكراهة التحريمية عند الحنفية في الأوقات الخمسة، وهو المعتمد عند الشافعية (١) في الأوقات الثلاثة، والكراهة التنزيهية في مشهور مذهب الشافعية في الوقتين الآخرين.
والحرمة أو الكراهة التحريمية (٢) تقتضي عدم انعقاد الصلاة على الخلاف الآتي.
وأما نوع الصلاة المكروهة ففيها خلاف بين الفقهاء.
أولاً - الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) قال الحنفية (٣): يكره تحريماً فيها كل صلاة مطلقاً، فرضاً أو نفلاً، أو واجباً، ولو قضاء لشيء واجب في الذمة، أو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة أو سهو، إلا يوم الجمعة على المعتمد المصحح، وإلا فرض عصر اليوم أداء.
стр. 660
والكراهة تقتضي عدم انعقاد الفرض وما يلحق به من الواجب كالوتر، وينعقد النفل بالشروع فيه مع كراهة التحريم، فإن طرأ الوقت المكروه على صلاة شرع فيها فتبطل إلا صلاة جنازة حضرت فيها، وسجدة تليت آيتها فيها، وعصر يومه، والنفل والنذر المقيد بها، وقضاء ما شرع به فيها ثم أفسده، فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلاً، في الأولى منها، ومع الكراهة التنزيهية في الثانية، والتحريمية في البواقي.
ودليلهم عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات. وأما عدم صحة القضاء؛ فلأن الفريضة وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص.
ولا يصح أداء فجر اليوم عند الشروق، لوجوبه في وقت كامل فيبطل في وقت الفساد، إلا العوام فلا يمنعون من ذلك؛ لأنهم يتركونها، والأداء الجائز عند البعض أولى من الترك.
ويصح أداء العصر مع الكراهة التحريمية، لحديث أبي هريرة: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (١).
ويصح مع الكراهة التنزيهية أداء سجدة التلاوة المقروءة في وقت النهي أو أداء صلاة منذورة فيه أو نافلة شرع بأدائها فيه، لوجوبها في هذا الوقت. كذلك تصح صلاة الجنازة إذا حضرت في وقت مكروه لحديث الترمذي: «يا علي ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت لها كفؤاً».
стр. 661
وقد رد الحنفية على التفرقة بين العصر والصبح مع أن هذا الحديث يسوي بينهما: بأن التعارض لما وقع بينه وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة الفجر (رد المحتار:١/ ٣٤٦) والحق أن هذه التفرقة لدي غير مقبولة، لأنه يلزم عليها العمل ببعض الحديث وترك بعضه. ودليل المصحح المعتمد، وهو قول أبي يوسف، في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال: هو حديث أبي هريرة في مسند الشافعي ﵀: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة» (١).
ثانياً - الوقتان الآخران (بعد صلاتي الفجر والعصر): يكره تحريماً أيضاً التنفل فيهما، ولو بسنة الصبح أو العصر إذا لم يؤدها قبل الفريضة أو بتحية مسجد، أو منذور، وركعتي طواف، وسجدتي سهو، وصلاة جنازة؛ لأن الكراهة كانت لشغل الوقت بصاحب الفريضة الأصلية، فإذا أديت لم تبق كراهة بشغله بفرض آخر أو واجب لعينه، لكن عدم الكراهة في القضاء بما بعد العصر مقيد بما قبل تغير الشمس، أما بعده فلا يجوز فيه القضاء أيضاً، وإن كان قبل أن يصلي العصر.
وقال المالكية (٢):
يحرم النفل لا الفرض في الأوقات الثلاثة، ويجوز قضاء الفرائض الفائتة فيها وفي غيرها، ومن النفل عندهم: صلاة الجنازة، والنفل المنذور، والنفل المفسد، وسجود السهو البعدي، لأن ذلك كله سنة، عملاً بمقتضى النهي السابق الثابت في السنة.
ويكره تنزيهاً النفل في الوقتين الآخرين (بعد طلوع الفجر وبعد أداء العصر) إلى أن ترتفع الشمس بعد طلوعها قدر رمح (٣)، وإلى أن تصلي المغرب، إلا صلاة الجنازة وسجود التلاوة بعد صلاة الصبح قبل إسفار الصبح، وما بعد العصر قبل
стр. 662
اصفرار الشمس فلا يكره بل يندب، وإلا ركعتي الفجر، فلا يكرهان بعد طلوع الفجر، لأنهما رغيبة كما سيأتي.
ويقطع المتنفل صلاته وجوباً إن أحرم بوقت تحرم فيه الصلاة، وندباً إن أحرم بوقت كراهة، ولا قضاء عليه.
وقال الشافعية (١):
تكره صلاة النافلة تحريماً على المعتمد في الأوقات الثلاثة، وتنزيهاً (٢) في الوقتين الآخرين. ولا تنعقد الصلاة في الحالتين؛ لأن النهي إذا رجع لذات العبادة أو لازمها اقتضى الفساد، سواء أكان للتحريم أم للتنزيه. ويأثم الفاعل في الحالتين أيضاً؛ لأن الكراهة التنزيهية وإن كانت لا تقتضي الإثم عموماً، لكنها في هذه الحالة يأثم بها المصلي، بسبب التلبس بعبادة فاسدة. ويعزر من صلى في الأوقات المنهي عنها.
واستثنى الشافعية حالات لا كراهة فيها وهي ما يأتي:
١ - يوم الجمعة: لا تكره الصلاة عند الاستواء يوم الجمعة، لاستثنائه في خبر البيهقي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: «كان رسول الله ﷺ ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» (٣) وخبر أبي داود عن أبي قتادة نحوه، ولفظه: «وكره النبي ﷺ الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة» (٤).
стр. 663
والأصح عندهم جواز الصلاة في هذا الوقت، سواء أحضر إلى الجمعة أم لا.
٢ - حرم مكة: الصحيح أنه لا تكره الصلاة في هذه الأوقات في حرم مكة لخبر جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (١) ولما فيه من زيادة فضل الصلاة فلا تكره بحال، لكنها خلاف الأولى خروجاً من الخلاف.
٣ - الصلاة ذات السبب غير المتأخر، كفائتة، وكسوف، وتحية مسجد، وسنة الوضوء وسجدة شكر؛ لأن الفائتة وتحية المسجد وركعتي الوضوء لها سبب متقدم، وأما الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب متقدم، وأما الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها سبب مقارن. والفائتة فرضاً أو نفلاً تقضى في أي وقت بنص الحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» (٢) وخبر الصحيحين «أنه ﷺ صلى بعد العصر ركعتين، وقال: هما اللتان بعد الظهر» والكسوف وتحية المسجد ونحوهما معرضان للفوات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة «أنه ﷺ قال لبلال: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفَّ نعليك (٣) بين يدي في الجنة؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي».
стр. 664
وفي سجدة الشكر: ورد في الصحيحين أيضاً توبة كعب بن مالك: «أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس».
أما ما له سبب متأخر كركعتي الاستخارة والإحرام: فإنه لا ينعقد، كالصلاة التي لا سبب لها.
وقال الحنابلة (١):
يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، لعموم الحديث السابق: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» ولحديث أبي قتادة: «ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (٢).
ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها، خلافاً للحنفية، للحديث السابق: «إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته».
ويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي، ولو كان نذرها فيه، خلافاً للحنفية؛ لأنها صلاة واجبة، فأشبهت الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة.
ويجوز فعل ركعتي الطواف، للحديث السابق عند الشافعية: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار».
وتجوز صلاة الجنازة في الوقتين (بعد الصبح وبعد العصر) وهو رأي جمهور الفقهاء، ولا تجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة (الشروق والغروب والاستواء) إلا أن يخاف عليها فتجوز مطلقاً للضرورة، ودليلهم على المنع قول
стр. 665
وتجوز إعادة جماعة في أي وقت من أوقات النهي بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يصلون، سواء أكان صلى جماعة أم وحده، لما روى يزيد بن الأسود، قال: «صليت مع النبي ﷺ صلاة الفجر، فلما قضى صلاته، إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، قد صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلِّيا معهم، فإنها لكم نافلة» (١) وهذ نص في الفجر، وبقية الأوقات مثله، ولأنه متى لم يعد لحقته تهمة في حق الإمام.
ويحرم التطوع بغير الصلوات المستثناة السابقة في شيء من الأوقات الخمسة، للأحاديث المتقدمة، سواء أكان التطوع مما له سبب كسجود تلاوة وشكر وسنة راتبة كسنة الصبح إذا صلاها بعد صلاة الصبح، أو بعد العصر، وكصلاة الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وسنة الوضوء، أم ليس له سبب كصلاة الاستخارة، لعموم النهي، وإنما ترجح عمومها على أحاديث التحية وغيرها، لأنها حاظرة وتلك مبيحة، والحاظر مقدم على المبيح، وأما الصلاة بعد العصر فمن خصائصه ﷺ . لكن تجوز فقط تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام يخطب، فيركعهما، للحديث السابق «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة».
ويجوز في الصحيح قضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لأن النبي ﷺ فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة.
والصحيح
стр. 666
في الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى، لما روت عائشة «أن النبيصلّى الله عليه وسلم صلاهما، فقلت له: أتقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» (١) ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى خروجاً من الخلاف.
والمشهور في المذهب أنه لا يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي.
ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، لعموم النهي.
كما لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف، لعموم الأحاديث في النهي.
كراهة التنفل في أوقات أخرى:
كره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي (٢)، علماً بأن الكراهة تحريمية عند الحنفية في كل ما يذكر هنا:
١ - ما بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح:
قال الحنفية: يكره تحريماً التنفل حينئذ بأكثر من سنة الفجر، وقال بعض الشافعية بكراهة التنزيه في هذا الوقت، والمشهور في المذهب خلافه، كما أن الصحيح عند الحنابلة جواز التنفل في هذا الوقت؛ لأن أحاديث النهي الصحيحة
стр. 667
ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر، وإنما فيه حديث ابن عمر، وهو غريب، فيجوز بناء عليه صلاة الوتر قبل الفجر.
وقال المالكية: يكره تنزيهاً الصلاة تطوعاً بعد الفجر قبل الصبح، ويجوز فيه قضاء الفوائت وركعتا الفجر، والوتر، والوِرْد، أي ما وظفه من الصلاة ليلاً على نفسه.
ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر: «لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الفجر» (١).
٢ - ما قبل صلاة المغرب:
يكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلاة المغرب، للعمومات الواردة في تعجيل المغرب، منها حديث سلمة بن الأكوع: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غَرَبَتْ الشمس وتوارت بالحجاب» (٢) وحديث عقبة بن عامر: «لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» (٣) والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب، والمبادرة إلى أداء المغرب مستحبة.
وقال الشافعية على المشهور: يستحب صلاة ركعتين قبل المغرب، وهي سنة غير مؤكدة، وقال الحنابلة: إنهما جائزتان وليستا سنة، ودليلهم: ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل «أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين» وقال
стр. 668
أنس: «كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب» (١) وعن عبد الله بن مُغَفَّل أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة» (٢).
قال الشوكاني: والحق أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصصة لعموم أدلة استحباب التعجيل.
٣ - أثناء خطبة الإمام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف والاستسقاء:
يكره لدى الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، لحديث أبي هريرة: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» (٣)، وأضاف المالكية أنه يكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس من المسجد.
وكذلك يكره التنفل تنزيهاً في هذه الحالة عند الشافعية والحنابلة إلا تحية المسجد إن لم يخش فوات تكبيرة الإحرام، ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على الواجبات، فإن لم يكن صلى سنة الجمعة القبلية نواها مع التحية إذ لا يجوز له الزيادة على ركعتين، ولا تنعقد صلاة غير التحية عند الشافعية. ودليلهم خبر الصحيحين: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» فهو
стр. 669
مخصص لخبر النهي. وروى جابر، قال: «جاء سُلَيك الغطفاني، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: ياسليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما» (١) أي خفف فيهما.
٤ - ما قبل العيد وبعده:
يكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلاة العيد وبعده، لحديث أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين» (٢) وأضاف الحنابلة: لا بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى.
والكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للإمام والمأموم، وسواء أكان في المسجد أم المصلى، وأما عند المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى لا في المسجد.
وقال الشافعية: يكره التنفل للإمام قبل العيد وبعده، لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي ﷺ ، فقد روى ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها» (٣).
ولا يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، كذلك لا يكره النفل بعد العيد إن كان لا يسمع الخطبة، فإن كان يسمع الخطبة كره له.
٥ - عند إقامة الصلاة المكتوبة:
قال الحنفية: يكره تحريماً التطوع عند إقامة الصلاة المفروضة، لحديث: «إذا
стр. 670
أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (١) إلا سنة الفجر إن لم يخف فوت جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده، فإن خاف تركها أصلاً، فيجوز الإتيان بسنة الفجر عند الإقامة، لشدة تأكدها، والحث عليها، ومواظبة النبي ﷺ عليها، قال ﵇: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٢) وقالت عائشة: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر» (٣). وروى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود: «أنه دخل المسجد، وأقيمت الصلاة، فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى أسطوانة».
وكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة، لتفويته الفرض عن وقته.
وقال الشافعي والجمهور (٤): يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء أكانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أم غيرها كتحية المسجد.
وقد عنون النووي لهذا البحث بقوله: «باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، سواء السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها، سواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم لا» ودليل الجمهور على كراهة افتتاح النافلة: قوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» وفي الرواية الأخرى: «أن رسول الله ﷺ مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فقال: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً» ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا