← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

وغيرهم ممن لا مشاركة لهم في القتال، ولا يقطع الشجر ولا تُنهب الأموال ولا تُخرب المنشآت المدنية ولا يُمثّل بالقتيل. وللجريح الحق في أن يداوى وللأسير أن يُطعم ويؤوى. ١١ - حرمة الميت المادة الرابعة والعشرون حرمة الموت واجبة شرعاً، وعلى الدولة والمجتمع حماية جثمان الميت ودفنه وتنفيذ وصاياه وفقاً لأحكام دينه، ومنع التشهير به. ١٢ - حدود هذه الوثيقة الشرعية وتفسيرها المادة الخامسة والعشرون. أـ كل الحقوق والحريات والواجبات المقررة في هذه الوثيقة مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها. ب - الشريعة الإسلامية بمصادرها الأساسية المعتمدة هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة. ويرجع عند الاختلاف إلى أهل العلم المتخصصين. انتهى الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع وأوله الأحوال الشخصية

стр. 6267

القسْمُ السَّادسُ: الأحوال الشّخْصيَّة خطة البحث: يشتمل هذا القسم على ستة أبواب: الباب الأول - الزواج وآثاره. الباب الثاني - انحلال الزواج وآثاره، وفيه فصول أربعة عن الطلاق، والخلع، والتفريق القضائي، والعدة. الباب الثالث - حقوق الأولاد: من نسب، ورضاع، وحضانة، وولاية، ونفقات الزوجة والأولاد. الباب الرابع - الوصايا. الباب الخامس - الوقف. الباب السادس - الميراث أو الفرائض

стр. 6268

تمهيد المقصود بالأحوال الشخصية: الأحوال الشخصية اصطلاح قانوني أجنبي يقابل الأحوال المدنية أو المعاملات المدنية، وقسم الجنايات. وقد اشتهر في الجامعات، وأصبح عنوان التأليف في أحكام الأسرة. ويراد به الأحكام التي تتصل بعلاقة الإنسان بأسرته، بدءاً بالزواج، وانتهاء بتصفية التركات أو الميراث، وهي تشمل ما يأتي: ١ - أحكام الأهلية والولاية والوصاية على الصغير، وقد بحثت في النظريات الفقهية. ٢ - أحكام الأسرة من خطبة وزواج وحقوق الزوجين من مهر ونفقة، وحقوق الأولاد من نسب ورضاع ونفقات، وانحلال الزواج بإرادة الزوج كالطلاق والخلع، أو بالتفريق القضائي كالإيلاء واللعان والظهار، والتفريق للعيب والغيبة والضرر وعدم الإنفاق. ٣ - أحكام أموال الأسرة من ميراث، ويسمى فقهاً (الفرائض)، ووصايا وأوقاف ونحوها مما يعد تصرفاً مضافاً لما بعد الموت. وقد حددت المادة (١٣) من قانون القضاء في مصر، رقم (١٤٧) لسنة (١٩٤٩ م) ما يعد من الأحوال الشخصية، وهي الفئات الثلاث السابقة، وصدرت قوانين الأحوال الشخصية في سورية وتونس والأردن والعراق والمغرب الأقصى متضمنة أحكام الزواج والأهلية والوصاية على الصغير والوصية، والإرث، إلا أن

стр. 6269

قانون العراق المشتمل على أحكام المذهبين السني والجعفري لم يتضمن كل أحكام الأحوال الشخصية، وهو فيما عدا المذهب الجعفري اختصار لكتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا على مذهب الحنفية. وصدر في مصر قوانين خاصة بالميراث عام (١٩٤٣ م)، والوقف عام (١٩٤٦ م)، والوصية عام (١٩٤٦ م)، وأخيراً صدر قانون في الأحوال الشخصية في أواخر السبعينات في عهد السادات.

стр. 6270

البَاب الأوَّل: الزّواج وآثاره فيه فصول سبعة: الفصل الأول - مقدمات الزواج: النظر والخطبة. الفصل الثاني - تكوين الزواج - معناه وحكمه، وأركانه وشروطه، وأنواعه وحكم كل نوع، وما يستحب فيه. الفصل الثالث - المحرَّمات من النساء. الفصل الرابع - الأهلية والولاية والوكالة في الزواج. الفصل الخامس - الكفاءة في الزواج. الفصل السادس - آثار الزواج - المهر وأحكامه، الخلوة وأحكامها، المتعة المادية بعد الطلاق أو قبل الدخول. الفصل السابع - حقوق الزواج وواجباته. وأبحث هذه الفصول في المذاهب تباعاً.

стр. 6271

الفَصْلُ الأوَّل: مقدّمات الزّواج الخطبة: معناها، حكمتها، أنواعها، ما يترتب على الخطبة، الخطبة على الخطبة، مقومات المرأة المخطوبة، من تباح خطبتها، خطبة المعتدة، رؤية المخطوبة، مقدار ما يباح النظر إليه، وقت الرؤية وشرطها، تحريم الخلوة بالمخطوبة، العدول عن الخطبة وأثره. أولاً - أنواع مقدمات الزواج: ذكر ابن رشد (١) أربع مقدمات للزواج هي حكم الزواج شرعاً، وحكم خُطْبة العقد، والخِطْبة على الخطبة، والنظر إلى المخطوبة قبل التزويج، وسأبحث الأمرين الأولين في بحث تكوين الزواج، وأما الأمران الآخران فمحل بحثهما هنا. والسبب في عناية الشرع بهذه المقدمات: هوا لحرص على إقامة الزواج على أمتن الأسس، وأقوى المبادئ، لتتحقق الغاية الطيبة منه، وهي الدوام والبقاء، وسعادة الأسرة، والاستقرار ومنع التصدع الداخلي، وحماية هذه الرابطة من النزاع والخلاف، لينشأ الأولاد في جو من الحب والألفة والود والسكينة واطمئنان

стр. 6272

كل طرف إلى الآخر، قال الله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الروم:٢١/ ٣٠]. ثانياً - معنى الخِطْبة: الخطبة: هي إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة، وإعلام المرأة وليها بذلك. وقد يتم هذا الإعلام مباشرة من الخاطب، أو بواسطة أهله. فإن وافقت المخطوبة أو أهلها، فقد تمت الخطبة بينهما، وترتبت عليها أحكامها وآثارها الشرعية التي سأذكرها. ثالثاً - حكمة الخطبة: الخطبة كغيرها من مقدمات الزواج طريق لتعرُّف كل من الخاطبين على الآخر، إذ أنها السبيل إلى دراسة أخلاق الطرفين وطبائعهما وميولهما، ولكن بالقدر المسموح به شرعاً، وهو كاف جداً، فإذا وجد التلاقي والتجاوب أمكن الإقدام على الزواج الذي هو رابطة دائمة في الحياة، واطمأن الطرفان إلى أنه يمكن التعايش بينهما بسلام وأمان، وسعادة ووئام، وطمأنينة وحب، وهي غايات يحرص عليها كل الشبان والشابات والأهل من ورائهم. رابعاً - أنواع الخطبة: الخطبة إما أن تكون بإبداء الرغبة فيه صراحة، كأن يقول الخاطب: أريد الزواج من فلانة، وإما أن تكون مفهومة ضمنا أو بالتعريض والقرائن، بمخاطبة المرأة مباشرة، كأن يقول لها: إنك جديرة بالزواج، أو يسعد بك صاحب الحظ، أو أبحث عن فتاة لائقة مثلك، ونحوها. خامساً - ما يترتب على الخطبة: الخطبة مجرد وعد بالزواج، وليست

стр. 6273

زواجاً (١)، فإن الزواج لا يتم إلا بانعقاد العقد المعروف، فيظل كل من الخاطبين أجنبياً عن الآخر، ولا يحل له الاطلاع إلا على المقدار المباح شرعاً وهو الوجه والكفان، كما سيأتي. نص قانون الأحوال الشخصية السوري (م ٢) على ما يلي: الخطبة والوعد بالزواج وقراءة الفاتحة وقبض المهر وقبول الهدية، لا تكون زواجاً. سادساً - الخطبة على الخطبة: يترتب على الخطبة أيضاً حرمة التقدم لخطبة المرأة ممن كان يعلم بتمام خطبتها لغيره، فقد أجمع العلماء على تحريم الخطبة الثانية على الخطبة الأولى إذا كان قد تم التصريح بالإجابة، ولم يأذن الخاطب الأول، ولم يترك الخطبة، فإن خطب الثاني وتزوج والحال هذه فقد عصى، باتفاق العلماء؛ لقوله ﷺ : «لا يبع أحدكم على بيع أخيه (٢)، ولا يخطب على خِطْبة أخيه، إلا أن يأذن له» (٣)، وفي رواية البخاري: «نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب» (٤). هذا النهي صريح في تحريم الخطبة الثانية بعد تمام الموافقة على الخطبة الأولى لخطيب آخر، لما فيها من إيذاء الخاطب الأول، وتوريث عداوته، وزرع الضغينة في نفسه، فإن عدل أحد الطرفين أو أذن لغيره بالتقدم للخطبة، جاز ذلك. أما إن لم تتم الخطبة الأولى، وكان الأمر في حال مشاورة أو تردد، فالأصح عدم التحريم، ولكن تكره عند الحنفية الخطبة، لإطلاق الأحاديث السابقة الواردة

стр. 6274

في النهي عن الخطبة على خطبة الغير، والبيع على البيع أو السوم على السوم، أي بعد الاتفاق على البيع وقبل عقده. وأباح الجمهور الخطبة الثانية؛ لأن فاطمة بنت قيس خطبها ثلاثة: وهم معاوية، وأبو جهم بن حذافة، وأسامة بن زيد، بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص ابن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد» (١) فهذا يدل على جواز تقدم أكثر من خطيب إذا لم تقبل المرأة الخطبة، لكن يظهر أن ذلك إذا لم يعلم الخاطب أن غيره قد تقدم لخطبة تلك المرأة، مما يدل على رجحان الرأي الأول. وعلى كل حال فالأدب الإسلامي يقضي بالتريث إلى أن تنتهي فترة التردد والمفاوضات والمشاورات التي تحدث عادة، حفاظاً على صلة الود والمحبة بين الناس، وبعداً عن إيجاد العداوة وزرع الأحقاد في النفوس. سابعاً - مقومات المرأة المخطوبة: حرص الإسلام على ديمومة الزواج بالاعتماد على حسن الاختيار، وقوة الأساس الذي يحقق الصفاء والوئام، والسعادة والاطمئنان، وذلك بالدين والخلق، فالدين يقوى مع مضي العمر، والخلق يستقيم بمرور الزمن وتجارب الحياة، أما الغايات الأخرى التي يتأثر بها الناس من مال وجمال وحسب، فهي وقتية الأثر، ولا تحقق دوام الارتباط، وتكون غالباً مدعاة للتفاخر والتعالي، واجتذاب أو لفت أنظار الآخرين.

стр. 6275

لذا قال ﵊: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، ترِبت يداك» (١) أي أن الذي يرغب في الزواج ويدعو الرجال إليه عادة أحد هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين، فأمرهم النبي ﷺ بأنه إذا وجدوا ذات الدين، فلا يعدلوا عنها، وإلا أصيب الرجل بالإفلاس والفقر. ثم نهى ﷺ صراحة عن زواج المرأة لغير دينها، وحذر من عاقبة المال والجمال، فقال: «لا تنكحوا النساء لحسنهن، فلعله يرديهن، ولا لمالهن فلعله يطغيهن، وانكحوهن للدين، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل» (٢). وورد في صفة خير النساء: «قيل: يا رسول الله، أي النساء خير؟ قال: التي تسره إن نظر، وتطيعه إن أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» (٣) وللبيئة تأثير كبير، فلا يغترن الشاب بجمال في بيئة ذات تربية وضيعة، روى الدارقطني والديلمي عن أبي سعيد مرفوعاً أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم وخضراء الدِّمَن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء» لكن قال الدارقطني: لا يصح من وجه. وحسن اختيار المرأة ذو هدفين، إسعاد الرجل، وتنشئة الأولاد نشأة صالحة تتميز بالاستقامة وحسن الأخلاق، لذا قال ﵊: «تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء، وانكحوا إليهم» (٤).

стр. 6276

ويمكن تلخيص ضوابط مقومات المرأة المخطوبة على النحو الآتي كما أبان الشافعية والحنابلة وغيرهم (١)، فقالوا: يستحب ما يلي: ١ - أن تكون المرأة ديِّنة، للحديث السابق: «فعليك بذات الدين». ٢ - أن تكون ولوداً، لحديث: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٢). ويعرف كون البكر ولوداً بكونها من نساء يعرفن بكثرة الأولاد. ٣ - أن تكون بكراً، لقوله ﷺ لجابر: «فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك؟» (٣). ٤ - وأن تكون من بيت معروف بالدين والقناعة؛ لأنه مظنّة دينها وقناعتها. ٥ - وأن تكون حسيبة: وهي النسيبة، أي طيبة الأصل، ليكون ولدها نجيباً، فإنه ربما أشبه أهلها ونزع إليها، لحديث «ولحسبها». ولا ينبغي تزوج بنت زنا ولقيطة ومن لا يعرف أبوها، أي أن الزواج حينئذ مكروه. مباح غير حرام، وأما آية: ﴿الزاني لاينكح إلا زانية .. ﴾ [النور:٣/ ٢٤] فمنسوخة، أو شأنه ذلك. ٦ - وأن تكون جميلة؛ لأنها أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأكمل لمودته، ولذلك جاز النظر قبل الزواج، ولحديث أبي هريرة السابق: «قيل: يا رسول الله، أي النساء خير؟ … » لكن كره الشافعية خطبة المرأة الفائقة الجمال. ٧ - وأن تكون أجنبية غير ذات قرابة قريبة؛ لأن ولدها يكون أنجب، وقد قيل: «إن الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر» ولأنه لا يأمن الطلاق، فيفضي مع

стр. 6277

القرابة إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها، واستدل الرافعي لذلك تبعاً للوسيط بحديث: «لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاوياً» أي نحيفاً، وذلك لضعف الشهوة. ٨ - ألا يزيد على واحدة إن حصل بها الإعفاف، لما فيه من التعرض للمحرم، قال الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء:١٢٩/ ٤] وقال ﷺ : «من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة، وشقه مائل» (١). فالأصل وحدة الزوجية لا التعدد. ويكره الزواج بالزانية أي المشهورة بالزنا، وإن لم يثبت عليها الزنا. ثامناً - من تباح خطبتها: الخطبة - كما هو واضح - مقدمة الزواج ووسيلته، فإذا كان الزواج بالمرأة ممنوعاً شرعاً، كانت خطبتها ممنوعة أيضاً، وإذا كان الزواج بها مباحاً شرعاً، كانت خطبتها مباحة أيضاً. وقد يوجد مانع شرعي مؤقت من الخطبة والزواج، لذا يشترط لإباحة الخطبة شرطان: الشرط الأول - ألا يحرم الزواج بها شرعا ً (٢): بأن كانت من المحارم المحرمة تحريماً مؤبداً، كالأخت والعمة والخالة، أو تحريماً مؤقتاً، كأخت الزوجة، وزوجة الغير، لما في حالات المؤبد من الضرر بالأولاد والضرر الاجتماعي، ولما في المؤقت من النزاع والفساد.

стр. 6278

خطبة المعتدة: من حالات التحريم المؤقت: أن تكون معتدة، أي في أثناء العدة من زواج سابق (١): فإنه يحرم باتفاق الفقهاء الخطبة الصريحة أوالمواعدة للمعتدة مطلقاً، سواء أكانت بسبب عدة الوفاة، أم عدة الطلاق الرجعي أم البائن، لمفهوم قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به من خطبة النساء، أوأكننتم في أنفسكم، علم الله أنكم ستذكرونهن، ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ [البقرة:٢٣٥/ ٢]. والتصريح: ما يقطع بالرغبة في الزواج، مثل: أريد أن أتزوجك، وإذا انقضت عدتك تزوجتك. وسبب تحريم الخطبة بطريق التصريح: أنه ربما تكذب في انقضاء العدة، ولأن في خطبتها اعتداء على حق المُطلِّق، والاعتداء على حق الغير حرام شرعاً، لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة:١٩٠/ ٢]. وأما الخطبة بطريق التعريض: وهو القول المفهم للمقصود وليس بنص فيه، ومنه الهدية، أو هو ما يحتمل الرغبة في الزواج وعدمها، كقوله لها: أنت جميلة، ورب راغب فيك، ومن يجد مثلك، ولست بمرغوب عنك، أو عسى أن ييسر الله لي أمرأة صالحة، أو نحو ذلك: أـ فإن كان سبب العدة وفاة الزوج، جازت الخطبة باتفاق الفقهاء؛ لانتهاء الزوجية بالوفاة، فلا يكون في خطبتها اعتداء على حق الزوج ولا إضرار به. ب - وإن كان سبب العدة هو الطلاق:

стр. 6279

فإن كان الطلاق رجعياً، حرمت الخطبة باتفاق الفقهاء؛ لأن لمن طلَّقها الحق في مراجعتها أثناء العدة، فتكون خطبتها اعتداء على حقه، فهي زوجة أو في معنى الزوجة. وإن كان الطلاق بائناً بينونة صغرى أو كبرى، ففي خطبة المعتدة ممن طلّقها بالتعريض رأيان: رأي الحنفية: تحريم الخطبة؛ لأن لمُطلِّقها في حالة البينونة الصغرى أن يعقد عليها مرة أخرى قبل انقضاء العدة، كما بعدها، فلو أبيحت خطبتها، لكان في ذلك اعتداء على حقوقه، ومع له من العودة إلى زوجته مرة أخرى، كالمطلقة الرجعية. وأما في حالة البينونة الكبرى فتمنع الخطبة في العدة بطريق التعريض، كيلا تكذب المرأة في الإخبار بانتهاء عدتها، ولئلا يظن أن هذا الخاطب كان سبباً في تصدع العلاقة الزوجية السابقة. وأما آية ﴿ولا جناح عليكم﴾ [البقرة:٢٣٥/ ٢] فهي خاصة بالمعتدات للوفاة بدليل الآية التي قبلها: ﴿والذين يتوفون﴾ [البقرة:٢٣٤/ ٢]. رأي الجمهور: جواز الخطبة، لعموم الآية السابقة: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به … ﴾ [البقرة:٢٣٥/ ٢] وقوله: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ [البقرة:٢٣٥/ ٢] أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض دون التصريح، ولانقطاع سلطنة الزوج عن البائن، فالطلاق البائن بنوعيه يقطع رابطة الزوجية، فلا يكون في خطبتها تعريضاً اعتداء على حق المُطلِّق، فتشبه المعتدة بسبب الوفاة. وأرجح مذهب الجمهور في البينونة الكبرى إذ لا ضغينة في نفس الزوج وقد أكمل الطلاق، وأرجح مذهب الحنفية في البينونة الصغرى.

стр. 6280

وإذا عقد على المعتدة زواج في العدة، ودخل الزوج بها، فسخ الزواج بالاتفاق، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه عند مالك وأحمد والشعبي، فلا يحل نكاحها أبداً، وبه قضى عمر؛ لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله. وقال الحنفية والشافعية: يفسخ النكاح، فإذا انتهت العدة، جاز لهذا الزوج أن يخطبها مرة أخرى ويتزوجها، ولم يتأبد التحريم؛ لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل من هذا. الشرط الثاني - ألا تكون المخطوبة مخطوبة سابقاً لخاطب آخر: إذ لا تحل خطبة المخطوبة (١)، للحديث السابق: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن». وقد فصّلت القول في البند السادس السابق في الخطبة على الخطبة، وظاهر النهي في هذا الحديث وغيره يدل على التحريم، ولأنه نهي عن الإضرار بالإنسان، فكان مقتضاه التحريم كالنهي عن أكل ماله، وسفك دمه. فإن فعل، فزواجه عند الجمهور صحيح وعليه الإثم، ولا يفرق بين الزوجين عند الجمهور، كالخطبة في العدة؛ لأن النهي ليس متوجهاً إلى نفس العقد، بل هو متوجه إلى أمر خارج عن حقيقته، فلا يقتضي بطلان العقد، كالتوضؤ بماء مغصوب. وروي عن مالك وداود: أنه لا يصح؛ لأنه نكاح منهي عنه، فكان باطلاً كنكاح الشغار. والمعتمد عند المالكية: أنه إذا رفعت الحادثة لحاكم، وثبت عنده العقد على المخطوبة ببينة أوإقرار، وجب عليه فسخه قبل الدخول بطلقة بائنة.

стр. 6281

تاسعاً - رؤية المخطوبة: حرمة النظر إلى الأجنبية: يحرم نظر كبير بالغ، ولو شيخاً وعاجزاً عن الوطء، عاقل مختار، ولو لغير شهوة أوعند عدم الفتنة إلى عورة امرأة أجنبية (غير محرم)، والعورة: هي ما عدا الوجه والكفين (١)؛ لأن النظر مظنة الفتنة، ومحرك للشهوة، ولقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم … ﴾ [النور:٣٠/ ٢٤] وقوله ﷺ لعلي بن أبي طالب: «يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخِرة» (٢) وقوله ﷺ «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة، يجد حلاوتها في قلبه» (٣) وقوله أيضاً في الحديث القدسي: «النظرة سهم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي، أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه» (٤). والأصح عند الشافعية: أن المراهق وهو من قارب الحُلُمْ حكمه في نظره للأجنبية كالبالغ، فيلزم الاحتجاب منه، كالمجنون في ذلك لظهوره على العورات. ويحرم نظر أمرد (وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته) بشهوة أو بغيرها في الأصح المنصوص عند الشافعية، وأجاز الحنابلة النظر إلى الغلام بغير شهوة؛ لأنه ذكر أشبه الملتحي، ما لم يخف ثوران الشهوة.

стр. 6282

واللائق بمحاسن الشريعة سد الباب والإعراض عن مواطن الشبهات من دخول الأقارب غير المحارم كالأخ وابن العم على بعضهم، والخلوة بالمرأة الأجنبية، لقول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو مَحْرم منها، فإن ثالثهما الشيطان» (١) وقوله ﵊: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحَمْو؟ قال: الحمو: الموت» (٢) ومعنى الحمو: يقال: هو أخو الزوج وما أشبه من أقارب الزوج كابن العم ونحوه. وصرح الشافعية أنه يحرم أيضاً النظر إلى الوجه والكفين من كل يد، من رؤوس الأصابع إلى المعصم عند خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بالمرأة لجما ع أو مقدماته بلا جماع، وكذا عند الأمن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة على الصحيح، لاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه. ولو نظر إلى الوجه والكفين بشهوة: وهي قصد التلذذ بالنظر المجرد وأمن الفتنة، حرم قطعاً. من يحل له النظر: يحل نظر الصبي غير البالغ والمجنون والمستكره، لعدم الشهوة، ولقوله تعالى في آية سورة النور [:٢٤/ ٣١]: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾. ويحل النظر منها بعين غير أولي الإربة، لقوله تعالى في سورة النور [:٢٤/ ٣١]: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ … ﴿أو التابعين غير أولي الإربة﴾ والمراد بالإربة هنا: الحاجة إلى النساء، والمراد بالتابعين: الذين يتبعون الناس لينالوا من فضل طعامهم، من غير أن تكون لهم لنساء، ولا ميل لهن.

стр. 6283

واختلف السلف وأئمة المذاهب في تعيين المراد بغيرأولي الإربة من الرجال، فقال ابن عباس: هو المخنث: الذي لا يقوم عليه آلة. وقال مجاهد وقتادة: الذي لا أرب له في النساء. وذهب الشافعية إلى أن المخنث: وهو المتشبه بالنساء، والمجبوب: وهو مقطوع الذكر فقط، والخصي: وهو من بقي ذكره دون أنثييه، والخنثى المشكل، حكمهم حكم الرجل العادي. ومذهب الحنفية كالشافعية في المخنث: لا يجوز له النظر، بدليل ما روته عائشة، قالت: كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قالت: فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال: أرى هذا يعرف ما ههنا، لا يدخل عليكن، فحجبوه (١). هذا يدل على أن النبي حظر دخول المخنث على نسائه؛ لأنه وصف امرأة أجنبية بحضرة الرجال الأجانب، وقد نهى الرجل أن يصف امرأته لغيره (٢)، فكيف إذا وصفها غيرهُ من الرجال؟!.

стр. 6284

وذهب المالكية والحنابلة إلى أن المجبوب والكبير والعنِّين من أولي الإربة، ومثلهم من ذهبت شهوته لمرض لا يرجى برؤه، ودليلهم نفس قصة المخنث السابقة التي يفهم منها أن الشريعة رخصت في ذلك للحاجة الماسة إليه، ولقصد نفي الحرج به. والراجح أن المراد بغير أولي الإربة: كل من ليس له حاجة إلى النساء وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب، ويشمل الشيخ الذي فنيت شهوته، والأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئاً، والمجبوب، والخصي، والممسوح، والعنَّين، وخادم القوم للعيش، والمخنث الذي لا يصف المرأة لغيره، ولايتعين ذلك بنوع من هذه الأنواع. فإذا كان أحد هؤلاء أعرف بالنساء وأقدر على وصفهن، منع من النظر. ويحل للرجل بغير شهوة النظر من محرمه الأنثى من نسب أورضاع أو مصاهرة ما عدا ما بين السرة والركبة، فيجوز النظر إلى السرة والركبة؛ لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المَحْرَم، ويحرم نظر ما بين السرة والركبة منها إجماعاً، ويحتاط في قرابة الرضاع. ويحل نظر رجل إلى رجل، وامرأة إلى امرأة إلا ما بين سرة وركبة. النظر للمرأة لحاجة: يباح للضرورة أو للحاجة وبقدر الحاجة نظر الرجل للمرأة الأجنبية في أحوال الخطبة والمعاملة في بيع وإجارة وقرض ونحوها، والشهادة، والتعليم، والاستطباب، وخدمة مريض أو مريضة في وضوء واستنجاء وغيرهما، والتخليص من غرق وحرق ونحوهما، وكذا عند الحنابلة حلق عانة من لا يحسن حلق عانته، ونحوها؛ وذلك بقدر الحاجة؛ لأن ما جاز

стр. 6285

للضرورة يقدر بقدرها، فينظر عند الشافعية في المعاملة إلى الوجه فقط، وعند الحنابلة: إلى الوجه والكفين، ولا يزاد على النظرة الواحدة إلا أن يحتاج إلى ثانية للتحقق، فيجوز. وليكن النظر في أحوال الحاجة هذه مع حضور محرم أو زوج؛ لأنه لا يأمن مع الخلوة مواقعة المحظور، ويستر منها ما عدا موضع الحاجة؛ لأنها على الأصل في التحريم. والشرع أباح التعرف على المخطوبة من ناحيتين فقط: الأولى - عن طريق إرسال امرأة يثق الخاطب بها تنظر إليها، وتخبره بصفتها، روى أنس أنه ﷺ «بعث أم سُليم إلى امرأة، فقال: انظري إلى عُرْقوبها، وشَمّي معاطفها» (١) وفي رواية «شمي عوارضها»: وهي الأسنان التي في عرض الفم، وهي ما بين الثنايا والأضراس، والمراد اختبار رائحة النكهة. وأما المعاطف فهي ناحيتا العنق، والعرقوب: عصب غليظ فوق العقب، والنظر إلى العرقوب لمعرفة الدمامة والجمال في الرجلين. وللمرأة أن تفعل مثل ذلك بإرسال رجل، فلها أن تنظر إلى خاطبها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها. الثانية - النظر مباشرة من الخاطب للمخطوبة للتعرف على حالة الجمال وخصوبة البدن، فينظر إلى الوجه والكفين والقامة، إذ يدل الوجه على الجمال، والكفان على الخصوبة والنحافة، والقامة على الطول والقصر.

стр. 6286

ودل الشرع على جواز رؤية من يريد الرجل خطبتها. روى جابر عن رسول الله ﷺ قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل»، قال جابر: «فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها» (١). وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ : «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (٢) أرشد النبي ﷺ المغيرة إلى رؤية خطيبته قبل الخطبة، لما في النظر من فائدة هي صلاح حال الزوجين وتحقيق الألفة والمودة بينهما. وعن أبي حُمَيد أو حميدة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخِطْبة، وإن كانت لا تعلم» (٣). وعن محمد بن الحنفية عند عبد الرزاق وسعيد بن منصور: «أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقال: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك». والظاهر أنها صارت امرأته بقول علي. عاشراً - مقدار ما يباح النظر إليه (٤): يرى أكثر الفقهاء أن للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها إلى الوجه

стр. 6287

والكفين فقط؛ لأن رؤيتهما تحقق المطلوب من الجمال وخصوبة الجسد وعدمهما، فيدل الوجه على الجمال أو ضده لأنه مجمع المحاسن، والكفان على خصوبة البدن أو عدمها. وأجاز أبو حنيفة النظر إلى قدميها. وأجاز الحنابلة النظر إلى ما يظهر عند القيام بالأعمال وهي ستة أعضاء: الوجه والرقبة واليد والقدم والرأس والساق؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ولإطلاق الأحاديث السابقة: «انظر إليها» ولفعل عمر السابق، وفعل جابر أيضاً، وهذا هو الرأي الراجح لدي ولكن لا أفتي به. وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود الظاهري: يجوز النظر إلى جميع البدن، لظاهر حديث «انظر إليها» وهذا منكر وشذوذ، يؤدي إلى الفساد. وللزوج النظر إلى جميع بدن زوجته في حال حياتها، ولها أيضاً النظر إلى جميع بدن زوجها، حتى نظر الفرج، لكن يكره لكل منهما نظر الفرج من الآخر. حادي عشر - وقت الرؤية وشرطها: قال الشافعية (١): ينبغي أن يكون نظر الخاطب إلى المرأة قبل الخطبة، وأن تكون خفية بغير علم المرأة أو ذويها، مراعاة لكرامة المرأة وأسرتها، فإذا أعجبته تقدم لخطبتها من غير إيذاء لها وإحراج لأسرتها، وهذا هو المعقول، والراجح عملاً بظاهر الأحاديث التي تدل على أنه يجوز النظر إليها، سواء أكان ذلك بإذنها أم لا.

стр. 6288

وقال المالكية (١): يجوز نظر وجه الزوجة وكفيها خاصة قبل العقد، ليعلم بذلك حقيقة أمرها بعلم منها أو وليها، ويكره استغفالها. والنظر يكون بنفسه أو وكيله إن لم يكن على وجه التلذذ بها، وإلا منع كما يمنع ما زاد على الوجه والكفين لأنه عورة. ال ثاني عشر - تحريم الخلوة بالمخطوبة: بينا أن الخطبة ليست زواجاً، وإنما هي مجرد وعد بالزواج، فلا يترتب عليها شيء من أحكام الزواج، ولا الخلوة بالمرأة أو معاشرتها بانفراد؛ لأنها ما تزال أجنبية عن الخاطب، وقد نهى الرسول ﷺ في الأحاديث السابقة عن الخلوة بالأجنبية وعن الجلوس معها إلا مع محرم كأبيها أو أخيها أوعمها، ومن تلك الأحاديث: «لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا مَحْرمٌ» (٢). وفي هذا القدر أمان وضمان وبُعْد عن التعرض لمخاطر الاحتمالات في المستقبل من فسخ الخطوبة وغيره، وبه يتحقق المطلوب بالجلوس والتحدث إلى المرأة عند وجود محرم لها، وهذا هو الموقف الحكيم المعتدل دون إفراط ولا تفريط. وأما المعاشرة قبل الزواج والذهاب معاً إلى الأماكن العامة وغيرها، فهو كله ممنوع شرعاً، بل إنه لا يحقق الغاية المرجوة، إذ كل منهما يظهر بغير حقيقته، كما قيل: (كل خاطب كاذب). ولأن الخاطب قد يتعجل الأمور، وقد يستجيب الإنسان لتلبية الغريزة، ويضعف عن مقاومتها في حال الانفراد بالمرأة، فيقع الضرر بها، وتتأثر سمعتها عند العدول عن الخطبة.

стр. 6289

الثالث عشر - العدول عن الخطبة وأثره: بما أن الخطبة ليست زواجاً، وإنما هي وعد بالزواج، فيجوز في رأي أكثر الفقهاء للخاطب أو المخطوبة العدول عن الخطبة (١)؛ لأنه ما لم يوجد العقد فلا إلزام ولا التزام. ولكن يطلب أدبياً ألا ينقض أحدهما وعده إلا لضرورة أو حاجة شديدة، مراعاة لحرمة البيوت وكرامة الفتاة. وينبغي الحكم على المخطوبة بالموضوعية المجردة، لا بالهوى أو بدون مسوغ معقول، فلا يعدل الخاطب عن عزمه الذي شاءه؛ لأن عدوله هو نقض للعهد أو الوعد، ويستحسن شرعاً وعرفاً التعجيل في العدول إذا بدا سبب واضح يقتضي ذلك، قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] وقال ﷺ : «اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (٢). حكم انفساخ الخطبة أو أثره: لا يترتب على انفساخ الخطبة أي أثر ما دام لم يحصل عقد. وأما ما قدمه الخاطب من مهر: فله أن يسترده، سواء أكان قائماً أم هالكاً أم مستهلكاً، وفي حال الهلاك أو الاستهلاك يرجع بقيمته إن كان قيمياً، وبمثله إن كان مثلياً، أياً كان سبب العدول، من جانب الخاطب أو من جانب المخطوبة. وهذا متفق عليه فقهاً (٣).

стр. 6290

ولكن فصّل القانون السوري (م ٤) بين حالة كون العدول من جهة الخاطب، وحالة كونه من جهة المخطوبة، أخذاً بعرف الناس اليوم. ففي الحالة الأولى: إذا اشترت المرأة جهازاً تخير بين إعادة مثل المهر أو تسليم الجهاز. وفي الحالة الثانية: يجب عليها إعادة المهر أو قيمته. هدايا الخطبة: أما رد الهدايا ففيه آراء فقهية: ١ - قال الحنفية (١): هدايا الخطبة هبة، وللواهب أن يرجع في هبته إلا إذا وجد مانع من موانع الرجوع بالهبة كهلاك الشيء أو استهلاكه أو وجود الزوجية. فإذا كان ما أهداه الخاطب موجوداً فله استرداده. وإذا كان قد هلك أو استهلك أو حدث فيه تغيير، كأن ضاع الخاتم، وأكل الطعام. وصنع القماش ثوباً، فلا يحق للخاطب استرداد بدله. ٢ - وذكر المالكية (٢): أن الهدايا قبل عقد الزواج أو فيه تتشطر بين المرأة والرجل، سواء اشترطت، أو لم تشترط؛ لأنها مشترطة حكماً. ٣ - وفصل الحنابلة (٣) بين أن يكون العدول من جهة الخاطب أو من جهة المخطوبة، فإذا عدل الخاطب، فلا يرجع بشيء ولو كان موجوداً. وإذا عدلت المخطوبة، فللخاطب أن يسترد الهدايا، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فإن هلكت أو استهلكت وجبت قيمتها. وهذا حق وعدل، لأنه وهب بشرط بقاء العقد، فإن زال العقد، فله الرجوع، فأشبه بذلك. ٤ - ورأى الشافعية (٤): أن للخاطب الرجوع بما أهداه؛ لأنه إنما أنفق لأجل تزوجها، فيرجع إن بقي، وببدله إن تلف.

стр. 6291

وأخذ القانون المغربي بمذهب المالكية، والقانون الأردني بمذهب الحنفية، فصرح أنه يجري على هدايا الخطبة حكم الهبة. وسكوت القانون السوري يتضمن العمل برأي الحنفية، إذ نص في المادة (٣٠٥) على أن «كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون، يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي». وجاء في (م/٤ ف ٣): تجري على الهدايا أحكام الهبة. والراجح لدي أن المرأة تستحق جميع ما قدم لها قبل العقد من هدايا، بدليل ما رواه الخمسة إلا الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت على صداق أو حِبَاء (عطاء) أو عِدَة قبل عصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه» (١) وذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز والثوري وأبو عبيد ومالك، والهادوية من الزيدية. التعويض عن الضرر: أما التعويض عن الأضرار المادية أو المعنويةالتي تترتب على فسخ الخطبة، كشراء بعض الأمتعة والألبسة، أو ترك وظيفة أو تفويت خاطب آخر، أو الإساءة لسمعتها بمجرد العدول عن خطبة طال أمدها كأربع سنوات مثلاً، فلم ينص عليه فقهاؤنا القدامى. ويمكن إقراره في الفقه الحديث عملاً بقواعد الشريعة العامة، كقاعدة تحريم التغرير وإيجابه الضمان، وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وما يترتب عليها من تطبيق نظرية التعسف في استعمال الحق التي أخذ بها المالكية والحنابلة، وراعاها أبو حنيفة في حقوق العلو والجوار. كما يمكن تأصيل التعويض عن ضرر العدول بمبدأ الالتزام في الفقه المالكي في مشهور الأقوال: وهو أنه في الوعد بشيء يقضى بتنفيذ الوعد إن كان مبنياً على سبب ودخل الموعود بالسبب، أي فيجب الوفاء بالوعد المعلق على سبب، وباشر

стр. 6292

الموعود السبب ونفذه. مثل: اشتر سلعة أو تزوج امرأة، وأنا أسلفك، فإذا تزوج فعلاً وجب عليه إقراضه. أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق. والذي استقر عليه القضاء المصري الآن: ما قررته محكمة النقض سنة (١٩٣٩ م) وهو ما يلي: ١ - الخطبة ليست بعقد ملزم. ٢ - مجرد العدول عن الخطبة لا يكون سبباً موجباً للتعويض. ٣ - إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعال أخرى، ألحقت ضرراً بأحد الخطيبين، جاز الحكم بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية، أي الخطأ الذي سبب ضرراً بالغير. وهذا يتفق مع قواعد الشريعة الإسلامية، وعلى هذا يفرق بين حالتين: الأولى - إذا كان للعادل دخل في الضرر الذي لحق الآخر بسبب عدوله، كأن يطلب الخاطب إعداد جهاز خاص، أو يطلب من المخطوبة ترك وظيفتها، فتتركها بناء على رغبته، أو تطلب المخطوبة إعداد الخاطب مسكناً خاصاً، فيجوز الحكم بالتعويض عن الضرر لعدوله عن الخطبة، لتسبب العادل في الضرر وتغريره الطرف الآخر. الثانية - ألا يكون للعادل دخل في الضرر الذي لحق الطرف الآخر بسبب العدول، فلا يحكم بالتعويض على العادل، إذ لم يوجد منه سبب الضمان من ضرر أو تغرير.

стр. 6293

الفَصْلُ الثَّاني: تكوين الزّواج وفيه مباحث خمسة: المبحث الأول - تعريف الزواج وحكمه في الشرع: تعريف الزواج (١): النكاح لغة: الضم والجمع، أو عبارة عن الوطء والعقد جميعاً، وهو في الشرع: عقد التزويج، والزواج شرعاً: عقد يتضمن إباحة الاستمتاع بالمرأة، بالوطء والمباشرة والتقبيل والضم وغير ذلك، إذا كانت المرأة غير مَحْرم بنسب أو رضاع أو صهر. أوهو عقد وضعه الشارع ليفيد ملك استمتاع الرجل بالمرأة، وحل استمتاع المرأة بالرجل. أي أن أثر هذا العقد بالنسبة للرجل يفيد الملك الخاص به فلا يحل لأحد غيره، وأما أثره بالنسبة للمرأة فهو حل الاستمتاع لا الملك الخاص بها، وإنما يجوز أن تتعدد الزوجات فيصبح الملك حقاً مشتركاً بينهن، أي أن تعدد الأزواج ممنوع شرعاً، وتعدد الزوجات جائز شرعاً.

стр. 6294

وعرفه الحنفية بقولهم: عقد يفيد ملك المتعة قصداً، أي حل استمتاع الرجل من امرأة، لم يمنع من نكاحها مانع شرعي، بالقصد المباشر. خرج بكلمة (المرأة): الذكر والخنثى المشكل لجواز ذكورته، وخرج بقوله «ما لم يمنع من نكاحها ما نع شرعي»: المرأة الوثنية، والمحارم، والجنِّية، وإنسان الماء، لاختلاف الجنس؛ لأن قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ [النحل:٧٢/ ١٦] أوضح المراد من قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣/ ٤] وهو الأنثى من بنات آدم، فلا يثبت حل غيرها بلا دليل، ولأن الجن يتشكّلون بصور شتى، فقد يكون ذكراً تشكَّل بشكل أنثى. وخرج بكلمة (قصداً) حل الاستمتاع ضمناً بواسطة شراء أمة للتسري. ووضع بعضهم كلمة (بطريق الأصالة) بدل كلمة (قصداً). وعرفه أيضاً بعض الحنفية بأنه عقد وضع لتمليك منافع البُضْع، أي الفرج. هل يراد شرعاً بالنكاح الوطء أو العقد؟ النكاح عند أهل الأصول واللغة حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، فحيث جاء في الكتاب أو السنة مجرداً عن القرائن يراد به الوطء، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء:٢٢/ ٤] فتحرم مزنية الأب على الابن، أي على فروعه، وتكون حرمتها على الفروع ثاتبة بالنص القرآني. وأما حرمة التي عقد عليها عقداً صحيحاً على الفروع فبالإجماع. ولو قال لزوجته: إن نكحتك فأنت طالق، تعلق الشرط بالوطء، وكذا لو أبانها قبل الوطء، ثم تزوجها، تطلق بالوطء، لا بالعقد. أما نكاح المرأة الأجنبية فيراد به العقد؛ لأن وطأها لما حرم عليه شرعاً، كانت الحقيقة مهجورة، فتعين المجاز.

стр. 6295

والنكاح عند الفقهاء ومنهم مشايخ المذاهب الأربعة: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء؛ لأنه المشهور في القرآن والأخبار، وقد قال الزمخشري وهو من علماء الحنفية: ليس في الكتاب لفظ النكاح بمعنى الوطء إلا قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] لخبر الصحيحين: «حتى تذوقي عسيلته» فالمراد به العقد، والوطء مستفاد من هذا الخبر. الحكم الشرعي للزواج: الزواج مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣/ ٤] الآية، وقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور:٣٢/ ٢٤]. وأما السنة: فقول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (١) والباءة: مؤن الزواج وواجباته. وآي قرآنية وأخبار سوى ذلك كثيرة. وأجمع المسلمون على أن الزواج مشروع. و حكمة مشروعيته: إعفاف المرء نفسه وزوجه عن الوقوع في الحرام، وحفظ النوع الإنساني من الزوال والانقراض، بالإنجاب والتوالد، وبقاء النسل وحفظ النسب، وإقامة الأسرة التي بها يتم تنظيم المجتمع، وإيجاد التعاون بين أفرادها، فمن المعروف أن الزواج تعاون بين الزوجين لتحمل أعباء الحياة، وعقد

стр. 6296

مودة وتعاضد بين الجماعات، وتقوية روابط الأسر، وبه يتم الاستعانة على المصالح. وأما نوع أو صفة الزواج شرعا ً بحسب طلب الشارع فعله أو تركه، فيعرف عند الفقهاء بحسب أحوال الناس (١): ١ - الفرضية: يكون الزواج عند عامة الفقهاء فرضاً إذا تيقن الإنسان الوقوع في الزنا لو لم يتزوج، وكان قادراً على نفقات الزواج من مهر ونفقة الزوجة، وحقوق الزواج الشرعية، ولم يستطع الاحتراز عن الوقوع في الفاحشة بالصوم ونحوه؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وطريقه الزواج. ولا فرق بين الفرضية والوجوب عند الجمهور. ورأى الحنفية: أن الزواج واجب إذا خاف المرء الوقوع في الفاحشة بعدم الزواج خوفاً دون اليقين، وكان قادراً على مؤن الزواج، من مهر ونفقة، ولايخاف ظلم المرأة ولا التقصير في حقها. ٢ - التحريم: يحرم الزواج إذا تيقن الشخص ظلم المرأة والإضرار بها إذا تزوج، بأن كان عاجزاً عن تكاليف الزواج، أو لا يعدل إن تزوج بزوجة أخرى؛ لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام. وإذا تعارض ما يجعل الزواج فرضاً وما يجعله حراماً بأن تيقن أنه سيقع في الزنا إن لم يتزوج، وتيقن أيضاً أنه سيظلم زوجته، كان الزواج حراماً؛ لأنه إذا

стр. 6297

اجتمع الحلال والحرام، غلب الحرام الحلال، ولقوله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لايجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله﴾ [النور:٣٣/ ٢٤] ولحديث «يا معشر الشباب» السابق الذي يرشد إلى الصوم لعصمة النفس من الشهوات. وربما قيل: يفضل الزواج حينئذ؛ لأن الرجل بعد الزواج تلين طباعه، وترتقي معاملته، وتخف قسوته وتزول عُقَده، ولأن في عدم الزواج غلبة الظن في الوقوع بالزنا. ٣ - الكراهة: يكره الزواج إذا خاف الشخص الوقوع في الجور والضرر خوفاً لا يصل إلى مرتبة اليقين إن تزوج، لعجزه عن الإنفاق، أوإساءة العشرة، أو فتور الرغبة في النساء. وتكون الكراهة عند الحنفية تحريمية أو تنزيهية بحسب قوة الخوف وضعفه. ويكره عند الشافعية لمن به علة كهرم أو مرض دائم أو تعنين دائم، أو كان ممسوحاً، ويكره أيضاً عندهم نكاح بعد خطبة على خطبة غيره إن عُرِّض فيها بالإجابة، ونكاح المحلل إذا لم يشرط في العقد مايخل بمقصوده، ونكاح الغرور كأن غرر الزوج بإسلام امرأة أو بحريتها أو بنسب معين. ٤ - الاستحباب أو الندب في حال الاعتدال: يستحب عند الجمهور غير الشافعي الزواج إذا كان الشخص معتدل المزاج، بحيث لا يخشى الوقوع في الزنا إن لم يتزوج، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوج. وحالة الاعتدال هذه هي الغالبة عند أكثر الناس. ودليل كون الزواج سنة الحديث السابق: «يا معشر الشباب» وحديث الرهط الثلاثة الذين عزموا على أمور، الأول - أن يصلي الليل أبداً، والثاني - أن يصوم الدهر أبداً، والثالث - أن يعتزل النساء فلا يتزوج أبداً، فقال النبي ﷺ : «أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني» (١).

стр. 6298

ويؤيده أن الرسول ﷺ تزوج وداوم عليه، وكذلك أصحابه تزوجوا وداوموا عليه، وتابعهم المسلمون في الزواج، والمداومة والمتابعة دليل السنية. وهذا الرأي هو المختار. وقال الشافعي: إن الزواج في هذه الحالة مباح، يجوز فعله وتركه، وإن التفرغ للعبادة أو الاشتغال بالعلم أفضل من الزواج؛ لأن الله تعالى مدح يحيى ﵇ بقوله: ﴿وسيداً وحصوراً﴾ [آل عمران:٣٩/ ٣] والحصور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن، فلو كان الزواج أفضل لما مدح بتركه. ورد هذا بأنه شرع من قبلنا، وشريعتنا على خلافه. وقال الله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾ [آل عمران:١٤/ ٣] وهذا في معرض الذم. وإنما لم يجب لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ماطاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣/ ٤] إذ الواجب لايتعلق بالاستطابة، ولقوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣/ ٤] ولا يجب العدد بالإجماع، ولقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء:٣/ ٤]. ورد السبكي التعليل الأول: بأنه ليس المراد بالآية المستطاب، وإنما المراد الحلال؛ لأن في النساء محرمات بآية ﴿حرمت عليكم أمهاتكم … ﴾ [النساء:٢٣/ ٤] الآية. إعفاف الوالد: تحقيقاً للترغيب الشرعي في الزواج قال الشافعية على المشهور (١): يلزم الولد ذكراً كان أو أنثى إعفاف الأب والأجداد؛ لأنه من وجوه

стр. 6299

حاجاتهم المهمة كالنفقة والكسوة، ولئلا يعرضهم للزنا المفضي إلى الهلاك، وذلك لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها شرعاً، والإعفاف: بأن يعطيه مهر امرأة حرة تعفه، أو يقول: تزوج وأعطيك المهر، أو يزوجه بإذنه ويدفع المهر. ويجب تجديد الإعفاف إذا ماتت الزوجة، أو انفسخ النكاح برده منها، أو فسخ الزوج النكاح بعيب في الزوجة، وكذا إذ اطلق بعذر في الأصح. وإنما يجب الإعفاف بشرطين: الأول - لمن كان فاقد المهر في الواقع. ولا يلزم الإعفاف إذا كان الأب قادراً على المهر بالكسب. الثاني - للمحتاج إلى الزواج: بأن تتوق نفسه إلى الوطء، وإن لم يخف الزنا، أو كان عنده من لا تعفه كصغيرة وعجوز شوهاء. ويحرم طلب الزواج ممن لم يضر به العزوبة، ولم يشق عليه الصبر. ولو احتاج لعقد النكاح لا للتمتع، بل للخدمة لنحو مرض، وجب إعفافه إذا تعينت الحاجة إليه، لكن لا يسمى إعفافاً. هل الزواج عبادة؟ الزواج عند الشافعية من الأعمال الدنيوية كالبيع ونحوه، وهو ليس بعبادة، بدليل صحته من الكافر، ولو كان عبادة لما صح منه، والقصد منه قضاء شهوة النفس، والعمل بالعبادة عمل لله تعالى، والعمل لله تعالى أفضل من العمل للنفس. ورد ذلك بأنه إنما صح من الكافر، وإن كان عبادة، لما فيه من عمارة الدنيا، كعمارة المساجد والجوامع، فإن هذه تصح من المسلم، وهي منه عبادة، ومن الكافر

стр. 6300

وليست منه عبادة، ويدل لكونه عبادة أمر النبي ﷺ ، والعبادة تتلقى من الشرع، فالزواج من قبيل العبادة، لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة التي منها تحصين النفس وإيجاد النسل، وقال عنه النبي ﷺ : «وفي بُضع أحدكم صدقة» (١). ونظراً لضعف هذه الأدلة التي ذكرت للشافعي، قال الإمام النووي: - وهو من العلماء العزاب - إن لم يتعبد فاقد الحاجة للنكاح، واجد الأهبة (وهي مؤن الزواج من مهر وكسوة ونفقة يومه)، فالنكاح له أفضل من تركه في الأصح، كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش. وقال: النكاح مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته، فإن فقدها استحب تركه، ويكسر شهوته بالصوم، فإن لم يحتج كره إن فقد الأهبة، وإلا فلا يكره له لقدرته عليه. وقال الظاهرية: إن الزواج في حالة الاعتدال هذه فرض، متى كان الإنسان قادراً عليه، وعلى مؤنه المطلوبة، بدليل ظواهر الآيات السابقة: ﴿فانكحوا ما طاب … ﴾ [النساء:٣/ ٤] ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور:٣٢/ ٢٤] والأحاديث المتقدمة: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» والأمر يفيد الوجوب، فيكون الزواج واجباً. ورد عليهم بأن هذا الوجوب مصروف إلى الندب والاستحباب بدليل قوله: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣/ ٤] وقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء:٣/ ٤] ولأن النبي ﷺ لم يحتم الزواج على كل واحد. ويؤيد هذا الرأي ما رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن عبد البر عن عَكَّاف بن وَدَاعة: «أنه أتى النبي ﷺ ، فقال له: ألك زوجة يا عكاف؟ قال: لا، قال: ولا جارية؟ قال: لا، قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم، والحمد لله، فقال: فأنت إذن من إخوان الشياطين: إن كنت من رهبان النصارى، فالحق بهم، وإن

стр. 6301

كنت منا فاصنع كما نصنع، فإن سنتنا النكاح، شراركم عزّابكم، وإن أرذل موتاكم عزابكم» (١). ورد بأن إيجاب الزواج على شخص لا يستلزم إيجابه على الناس جميعاً؛ لأن سبب وجوبه وجد في حقه، دون غيره من الناس. المبحث الثاني - أركان الزواج: تمهيد: الركن عند الحنفية: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءاً داخلاً في حقيقته. والشرط عندهم: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ولم يكن جزءاً من حقيقته. والركن عند الجمهور: ما به قوام الشيء ووجوده، فلا يتحقق إلا به، أو ما لا بد منه، وبعبارتهم الشهيرة: هو ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به، أو ما تتوقف عليه حقيقة الشيء، سواء أكان جزءاً منه أم خارجاً عنه. والشرط عندهم: ما يتوقف عليه وجود الشيء، وليس جزءاً منه. فالإيجاب والقبول ركن بالاتفاق، لأن بهما يترتبط أحد العاقدين بالآخر، والرضا شرط. وركن الزواج عند الحنفية: الإيجاب والقبول فقط، وأركان الزواج عند الجمهور أربعة: صيغة (وهي الإيجاب والقبول) وزوجة، وزوج، وولي وهما العاقدان. وأما المعقود عليه فهو الاستمتاع الذي يقصده الزوجان من الزواج. وأما المهر فلا يتوقف عليه العقد، وإنما هو شرط كالشهود، بدليل جواز نكاح التفويض، وأما الشهود فشرط أيضاً. وجعل الشهود والمهر ركناً مجرد اصطلاح لبعض الفقهاء.

стр. 6302

والإيجاب عند الحنفية: ما يصدر أولاً من أحد العاقدين، سواء أكان الزوج أم الزوجة. والقبول عندهم: ما يصدر ثانياً من الطرف الآخر. والإيجاب عند الجمهور: هو اللفظ الصادر من قبل الولي أو من يقوم مقامه كوكيل؛ لأن القبول إنما يكون للإيجاب، فإذا وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه. والقبول: هو اللفظ الدال على الرضا بالزواج الصادر من الزوج. فإذا قال الرجل للمرأة: زوجيني نفسك، فقالت: قبلت، كان الأول عند الحنفية إيجاباً، والثاني قبولاً. وعند الجمهور بالعكس؛ لأن ولي المرأة هو الذي يملِّك الزوج حق الاستمتاع، فكلامه هو الإيجاب، والرجل يتملك ذلك، فكلامه هو القبول. وقد نص القانون السوري (م ٥) على أنه: ينعقد الزواج بإيجاب من أحد العاقدين، وقبول من الآخر. صيغة الزواج: أولاً - ألفاظ الزواج: الزواج عقد مدني لا شكليات فيه، والعقد: ربط أجزاء التصرف، أي الإيجاب والقبول شرعاً. والمراد بالعقد هنا هو المعنى المصدري وهو الارتباط، والشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول موجودان حساً، يرتبطان ارتباطاً حكمياً. وكل من الإيجاب والقبول قد يكون لفظاً، وقد يكون كتابة أو إشارة، وألفاظ الإيجاب والقبول، منها ما هو متفق على انعقاد الزواج به، ومنها ما هو متفق على عدم انعقاد الزواج به، ومنها ما هو مختلف فيه (١).

стр. 6303

أما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بها: فهي لفظ: أنكحت وزوجت، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى: ﴿زوجناكها﴾ [الأحزاب:٣٧/ ٣٣] وقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء:٢٢/ ٤]. وأما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بها: فهي التي لا تدل على تمليك العين في الحال ولا على بقاء الملك مدة الحياة، وهي: الإباحة والإعارة والإجارة والمتعة والوصية والرهن والوديعة ونحوها. وأما الألفاظ التي اختلفوا في انعقاد الزواج بها: فهي لفظ البيع، ولفظ الهبة، ولفظ الصدقة، أو العطية ونحوها مما يدل على تمليك العين في الحال، وبقاء الملك مدة الحياة: ١ - قال الحنفية، والمالكية على الراجح: ينعقد الزواج بها بشرط نية أو قرينة تدل على الزواج، كبيان المهر وإحضار الناس، وفهم الشهود المقصود؛ لأن المطلوب التعرف على إرادة العاقدين، وليس للفظ اعتبار، وقد ورد في الشرع ما يدل على الزواج بلفظ الهبة والتمليك. الأول - في قوله تعالى: ﴿وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب:٥٠/ ٣٣] والخصوصية للنبي في صحة الزواج بدون مهر، لا باستعمال لفظ الهبة. والثاني - قول الرسول ﷺ لرجل لم يملك مالاً يقدمه مهراً: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» (١). وهذا هو الراجح لدي؛ لأن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.

стр. 6304

٢ - وقال الشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بها، ولا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لورودهما في القرآن كما تقدم، فيلزم الاقتصار عليهما، ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ؛ لأن الزواج عقد يعتبر فيه النية مع اللفظ الخاص به، وآية: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب:٥٠/ ٣٣] من خصوصيات النبي ﷺ . وحديث «ملكتكها» إما وهم من الراوي، أو أن الراوي رواه بالمعنى، ظناً منه ترادف هذا اللفظ مع لفظ الزواج، وبتقدير صحة الرواية، فهي معارضة برواية الجمهور: «زوجتكها». وخلاصة المذاهب ما يأتي: ينعقد الزواج عند الحنفية (١) بكل لفظ يدل على تمليك الأعيان في الحال، كلفظ الهبة والتمليك والصدقة والعطية والقرض والسلَم والاستئجار (٢) والصلح والصرف، والجعل والبيع والشراء، بشرط نية أو قرينة، وفهم الشهود المقصود. ولا ينعقد بقوله: تزوجت نصفك على الأصح احتياطاً، بل لا بد أن يضيفه إلى كلها أو ما يعبر به عن الكل، ومنه الظهر والبطن على الأشبه. وينعقد عند المالكية (٣) بلفظ التزويج والتمليك، وما يجري مجراهما كالبيع والهبة والصدقة والعطية، ولا يشترط ذكر المهر، لانعقاد العقد، وإن كان لا بد منه، فيكون شرطاً لصحة العقد كالشهود، إلا إذا كان بلفظ الهبة، والألفاظ أربعة: الأول - ما ينعقد به الزواج مطلقاً سواء سمى العاقد صداقاً أم لا وهو

стр. 6305

أنكحت وزوجت، والثاني - ماينعقد به إن سمى صداقاً وإلا فلا، وهو وهبت فقط، والثالث - ما فيه التردد، وهو كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، مثل: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا، أو ملكتك إياها أو أحللت أو أعطيت أو منحتك إياها. قيل: ينعقد به إن سمى صداقاً، وقيل: لاينعقد به مطلقاً. والرابع - ما لا ينعقد به اتفاقاً: وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة كالحبس والوقف والإجارة والإعارة والعمرى أي أعمرتك، وهوالراجح. وينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة (١) بلفظ التزويج والنكاح فقط، دون ماعداهما كالهبة والتمليك والإجارة، اقتصاراً على المذكور في القرآن. المعاطاة: اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بالتعاطي، احتراماً لأمر الفروج، وخطورتها وشدة حرمتها (٢)، فلا يصح العقد عليها إلا بلفظ صريح أو كناية عند الحنفية والمالكية، وبلفظ صريح عند الشافعية والحنابلة كما تقدم. ولا ينعقد الزواج على المختار عند الحنفية بالإقرار، أي أن الإقرار ليس من صيغ العقد، فلو قالت امرأة: أقر بأنك زوجي، ولم تكن قد حدثت زوجية بينها وبين الرجل، فإنه لا يصح، لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء. الألفاظ المصحفة (٣): لا ينعقد الزواج عند الحنفية بالألفاظ المصحفة، مثل (تجوزت) أو جوزت أوزوزت، بدل «تزوجت» لعدم القصد الصحيح، لكن لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة، بحيث إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع، وتصدر عن قصد واختيار منهم، فينعقد بها الزواج؛ لأنه والحالة هذه
следующие страницы →