كنت منا فاصنع كما نصنع، فإن سنتنا النكاح، شراركم عزّابكم، وإن أرذل موتاكم عزابكم» (١).
ورد بأن إيجاب الزواج على شخص لا يستلزم إيجابه على الناس جميعاً؛ لأن سبب وجوبه وجد في حقه، دون غيره من الناس.
المبحث الثاني - أركان الزواج:
تمهيد: الركن عند الحنفية: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءاً داخلاً في حقيقته. والشرط عندهم: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ولم يكن جزءاً من حقيقته. والركن عند الجمهور: ما به قوام الشيء ووجوده، فلا يتحقق إلا به، أو ما لا بد منه، وبعبارتهم الشهيرة: هو ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به، أو ما تتوقف عليه حقيقة الشيء، سواء أكان جزءاً منه أم خارجاً عنه.
والشرط عندهم: ما يتوقف عليه وجود الشيء، وليس جزءاً منه.
فالإيجاب والقبول ركن بالاتفاق، لأن بهما يترتبط أحد العاقدين بالآخر، والرضا شرط.
وركن الزواج عند الحنفية: الإيجاب والقبول فقط، وأركان الزواج عند الجمهور أربعة: صيغة (وهي الإيجاب والقبول) وزوجة، وزوج، وولي وهما العاقدان. وأما المعقود عليه فهو الاستمتاع الذي يقصده الزوجان من الزواج. وأما المهر فلا يتوقف عليه العقد، وإنما هو شرط كالشهود، بدليل جواز نكاح التفويض، وأما الشهود فشرط أيضاً. وجعل الشهود والمهر ركناً مجرد اصطلاح لبعض الفقهاء.
стр. 6302
والإيجاب عند الحنفية: ما يصدر أولاً من أحد العاقدين، سواء أكان الزوج أم الزوجة. والقبول عندهم: ما يصدر ثانياً من الطرف الآخر.
والإيجاب عند الجمهور: هو اللفظ الصادر من قبل الولي أو من يقوم مقامه كوكيل؛ لأن القبول إنما يكون للإيجاب، فإذا وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه. والقبول: هو اللفظ الدال على الرضا بالزواج الصادر من الزوج.
فإذا قال الرجل للمرأة: زوجيني نفسك، فقالت: قبلت، كان الأول عند الحنفية إيجاباً، والثاني قبولاً. وعند الجمهور بالعكس؛ لأن ولي المرأة هو الذي يملِّك الزوج حق الاستمتاع، فكلامه هو الإيجاب، والرجل يتملك ذلك، فكلامه هو القبول. وقد نص القانون السوري (م ٥) على أنه: ينعقد الزواج بإيجاب من أحد العاقدين، وقبول من الآخر.
صيغة الزواج:
أولاً - ألفاظ الزواج: الزواج عقد مدني لا شكليات فيه، والعقد: ربط أجزاء التصرف، أي الإيجاب والقبول شرعاً. والمراد بالعقد هنا هو المعنى المصدري وهو الارتباط، والشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول موجودان حساً، يرتبطان ارتباطاً حكمياً.
وكل من الإيجاب والقبول قد يكون لفظاً، وقد يكون كتابة أو إشارة، وألفاظ الإيجاب والقبول، منها ما هو متفق على انعقاد الزواج به، ومنها ما هو متفق على عدم انعقاد الزواج به، ومنها ما هو مختلف فيه (١).
стр. 6303
أما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بها: فهي لفظ: أنكحت وزوجت، لورودهما في نص القرآن في قوله تعالى: ﴿زوجناكها﴾ [الأحزاب:٣٧/ ٣٣] وقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء:٢٢/ ٤].
وأما الألفاظ التي اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بها: فهي التي لا تدل على تمليك العين في الحال ولا على بقاء الملك مدة الحياة، وهي: الإباحة والإعارة والإجارة والمتعة والوصية والرهن والوديعة ونحوها.
وأما الألفاظ التي اختلفوا في انعقاد الزواج بها: فهي لفظ البيع، ولفظ الهبة، ولفظ الصدقة، أو العطية ونحوها مما يدل على تمليك العين في الحال، وبقاء الملك مدة الحياة:
١ - قال الحنفية، والمالكية على الراجح: ينعقد الزواج بها بشرط نية أو قرينة تدل على الزواج، كبيان المهر وإحضار الناس، وفهم الشهود المقصود؛ لأن المطلوب التعرف على إرادة العاقدين، وليس للفظ اعتبار، وقد ورد في الشرع ما يدل على الزواج بلفظ الهبة والتمليك.
الأول - في قوله تعالى: ﴿وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب:٥٠/ ٣٣] والخصوصية للنبي في صحة الزواج بدون مهر، لا باستعمال لفظ الهبة.
والثاني - قول الرسول ﷺ لرجل لم يملك مالاً يقدمه مهراً: «قد ملكتكها بما معك من القرآن» (١). وهذا هو الراجح لدي؛ لأن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.
стр. 6304
٢ - وقال الشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بها، ولا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لورودهما في القرآن كما تقدم، فيلزم الاقتصار عليهما، ولا يصح أن ينعقد بغيرهما من الألفاظ؛ لأن الزواج عقد يعتبر فيه النية مع اللفظ الخاص به، وآية: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب:٥٠/ ٣٣] من خصوصيات النبي ﷺ . وحديث «ملكتكها» إما وهم من الراوي، أو أن الراوي رواه بالمعنى، ظناً منه ترادف هذا اللفظ مع لفظ الزواج، وبتقدير صحة الرواية، فهي معارضة برواية الجمهور: «زوجتكها».
وخلاصة المذاهب ما يأتي:
ينعقد الزواج عند الحنفية (١) بكل لفظ يدل على تمليك الأعيان في الحال، كلفظ الهبة والتمليك والصدقة والعطية والقرض والسلَم والاستئجار (٢) والصلح والصرف، والجعل والبيع والشراء، بشرط نية أو قرينة، وفهم الشهود المقصود. ولا ينعقد بقوله: تزوجت نصفك على الأصح احتياطاً، بل لا بد أن يضيفه إلى كلها أو ما يعبر به عن الكل، ومنه الظهر والبطن على الأشبه.
وينعقد عند المالكية (٣) بلفظ التزويج والتمليك، وما يجري مجراهما كالبيع والهبة والصدقة والعطية، ولا يشترط ذكر المهر، لانعقاد العقد، وإن كان لا بد منه، فيكون شرطاً لصحة العقد كالشهود، إلا إذا كان بلفظ الهبة، والألفاظ أربعة: الأول - ما ينعقد به الزواج مطلقاً سواء سمى العاقد صداقاً أم لا وهو
стр. 6305
أنكحت وزوجت، والثاني - ماينعقد به إن سمى صداقاً وإلا فلا، وهو وهبت فقط، والثالث - ما فيه التردد، وهو كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، مثل: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا، أو ملكتك إياها أو أحللت أو أعطيت أو منحتك إياها. قيل: ينعقد به إن سمى صداقاً، وقيل: لاينعقد به مطلقاً. والرابع - ما لا ينعقد به اتفاقاً: وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة كالحبس والوقف والإجارة والإعارة والعمرى أي أعمرتك، وهوالراجح.
وينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة (١) بلفظ التزويج والنكاح فقط، دون ماعداهما كالهبة والتمليك والإجارة، اقتصاراً على المذكور في القرآن.
المعاطاة: اتفق الفقهاء على عدم انعقاد الزواج بالتعاطي، احتراماً لأمر الفروج، وخطورتها وشدة حرمتها (٢)، فلا يصح العقد عليها إلا بلفظ صريح أو كناية عند الحنفية والمالكية، وبلفظ صريح عند الشافعية والحنابلة كما تقدم. ولا ينعقد الزواج على المختار عند الحنفية بالإقرار، أي أن الإقرار ليس من صيغ العقد، فلو قالت امرأة: أقر بأنك زوجي، ولم تكن قد حدثت زوجية بينها وبين الرجل، فإنه لا يصح، لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء.
الألفاظ المصحفة (٣): لا ينعقد الزواج عند الحنفية بالألفاظ المصحفة، مثل (تجوزت) أو جوزت أوزوزت، بدل «تزوجت» لعدم القصد الصحيح، لكن لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة، بحيث إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع، وتصدر عن قصد واختيار منهم، فينعقد بها الزواج؛ لأنه والحالة هذه
стр. 6306
يكون وضعاً جديداً منهم (١)، أي أن اللفظ أصبح دالاً على الزواج عرفاً، فينعقد به الزواج، فلا يفهم العاقدان والشهود من تلك الألفاظ إلا أنها عبارة عن التزويج، ولا يقصد منها إلا ذلك المعنى بحسب العرف.
وقال الشافعية: ينعقد الزواج بالألفاظ المحرفة مثل: جوزتك موكلتي.
الألفاظ غير العربية: اتفق أكثر الفقهاء على أن الأجنبي غير العربي العاجز عن النطق بالعربية يصح انعقاد زواجه بلغته التي يفهمها ويتكلم بها؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، ولأنه عاجز عن العربية، فسقط عنه النطق بالعربية كالأخرس. وعليه أن يأتي بمعنى التزويج أو الإنكاح بلسانه، بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي.
أما إذا كان العاقد يحسن التكلم بالعربية: فيجوز عند الجمهور في الأصح عند الشافعية النطق بكل لغة يمكن التفاهم بها؛ لأن المقصود هو التعبير عن الإرادة، وذلك واقع في كل لغة، ولأنه أتى بلفظه الخاص، فانعقد به، كما ينعقد بلفظ العربية.
وقال الحنابلة: لا يجوز الزواج إلا بالعربية لمن قدر عليها، فمن قدر على لفظ الزواج بالعربية، لم يصح بغيرها؛ لأنه عدل عن لفظي (الإنكاح والتزويج) مع القدرة عليهما، فلم يصح، كما لم يصح بألفاظ الهبة والبيع والإحلال (٢).
وقد أخذ القانون السوري (م ٦) برأي الجمهور، فنص على أنه: يكون الإيجاب والقبول في الزواج بالألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفاً.
стр. 6307
ثانياً - صيغة الفعل: قد تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي أو بلفظ المضارع أو بلفظ الأمر، واتفق الفقهاء على انعقاد الزواج بصيغة الماضي، واختلفوا في المضارع والأمر (١).
أـ ينعقد الزواج بصيغة الفعل الماضي: كأن يقول ولي المرأة للرجل: زوجتك ابنتي فلانة على مهر كذا، فقال الزوج: قبلت أورضيت؛ لأن المقصود بهذه الصيغة إنشاء العقد في الحال، فينعقد بها العقد من غير توقف على نية أو قرينة.
ب - وأما العقد بصيغة المضارع: مثل أن يقول الرجل للمرأة في مجلس العقد: أتزوجك على مهر قدره كذا، فقالت: أقبل أو أرضى، صح العقد عند الحنفية والمالكية إذا كانت هناك قرينة تدل على إرادة إنشاء العقد في الحال، لا للوعد في المستقبل، كأن يكون المجلس مهيئاً لإجراء عقد الزواج، فوجود هذه الهيئة ينفي إرادة الوعد أو المساومة، ويدل على إرادة التنجيز؛ لأن الزواج بعكس البيع يكون مسبوقاً بالخطبة.
فإن لم يكن المجلس مهيئاً لإنجاز العقد، ولم توجد قرينة دالة على قصد إنشاء الزواج في الحال، فلا ينعقد العقد.
ولا ينعقد الزواج عند الشافعية والحنابلة بصيغة المضارع، وإنما لا بد عندهم من لفظ بصيغة الماضي مشتق من النكاح أوالزواج، بأن يقول الزوج: تزوجت أو نكحت أو قبلت نكاحها أو تزويجها، ولا يصح بكناية: كأحللتك ابنتي، إذ لا
стр. 6308
اطلاع للشهود على النية. ولو قال ولي المرأة: زوجتك، فقال الزوج: قبلت، لم ينعقد الزواج لدى الشافعية على المذهب، وينعقد عند الجمهور غير الشافعية.
جـ - ويصح العقد عند الحنفية والمالكية بصيغة الأمر: كأن يقول الرجل لامرأة: زوجيني نفسك، وقصد بذلك إنشاء الزواج، لا الخطوبة، فقالت المرأة: زوجتك نفسي، تم الزواج بينهما.
وتوجيه ذلك عند الحنفية (١): أن قول الرجل يتضمن توكيل المرأة في أن تزوجه بنفسها، فقولها: زوجتك نفسي، قام مقام الإيجاب والقبول. والتوجيه عند المالكية أن صيغة الأمر تعتبر إيجاباً للعقد عرفاً، ولا تعتبر توكيلاً ضمنياً. وهذا القول أوجه. وعبارة المالكية: ينعقد النكاح بالإيجاب والاستيجاب، أي طلب الإيجاب.
د - أما انعقاد الزواج بلفظ الاستفهام مثل قول رجل لآخر: زوجتني ابنتك؟ فقال الآخر: زوجت، أو قال: نعم، فلا يكون عند الحنفية زواجاً، ما لم يقل الموجب بعدئذ: قبلت؛ لأن قوله: زوجتني؟ استفهام أو استخبار، وليس بعقد، بخلاف صيغة الأمر: زوجني، فإنه توكيل ضمني، كما عرفنا.
والخلاصة: لا ينعقد الزواج عند الشافعية إلا بصيغة الماضي، ومن مادة الزواج والنكاح، وينعقد عند المالكية والحنفية بالماضي والمضارع والأمر، إذا دلت القرينة أو دلالة الحال على أنه للإيجاب، لا للوعد.
ولا يشترط عند الجمهور غيرالحنابلة تقديم الإيجاب على القبول، بل يندب،
стр. 6309
بأن يقول الولي: زوجتك إياها أو أنكحتك. وقال الحنابلة: إذا تقدم القبول على الإيجاب، لم يصح، سواء أكان بلفظ الماضي: تزوجت، أم بلفظ الطلب: زوجني.
ثالثاً - انعقاد الزواج بعاقد واحد: قال الحنفية (١): ينعقد الزواج بعاقد واحد إذا كانت له ولاية من الجانبين، سواء أكانت ولايته أصلية كولاية القرابة، أم طارئة كولاية الوكالة:
١ - بأن كان العاقد ولياً من الجانبين كالجد إذا زوج ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة، والأخ إذا زوج بنت أخيه من ابن أخيه الصغير.
٢ - أو كان أصيلاً وولياً كابن العم إذا تزوج بنت عمه من نفسه.
٣ - أو كان وكيلاً من الجانبين.
٤ - أو كان رسولاً من الجانبين.
٥ - أو كان أصيلاً من جانب، ووكيلاً من جانب آخر، كأن توكل امرأة رجلاً ليزوجها من نفسه، أو وكل رجل امرأة لتزوج نفسها منه.
وأجاز الشافعي انعقاد الزواج في الحالة الأولى - حالة الولي من الجانبين - كالجد يزوج بنت ابنه من ابن ابنه (٢).
وأجاز المالكية (٣) لابن العم ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسه.
стр. 6310
ولا ينعقد الزواج بعاقد فضولي واحد، ولو بعبارتين؛ لأن تعدد العاقد شرط في كل العقود، سواء أكان التعدد حقيقة بأن يكون هناك شخصان يصدر منهما الإيجاب والقبول، أم حكماً بأن يكون هناك شخص واحد له صفة شرعية وولاية من الجانبين. وينعقد العقد فيما لو قال فضولي: زوجت فلانةمن فلان، وهما غائبان، فقبل فضولي آخر عن الزوج.
وأدلة انعقاد الزواج بعاقد واحد استثناءً من مبدأ تعدد العاقد:
أولاً - ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم: أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت: نعم، قال: فقد تزوجتك. فهذا دليل الحالة الأخيرة وهو أن يكون العاقد أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب.
ثانياً - ما رواه أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم فزوج أحدهما صاحبه» فهذا دليل الحالة الثالثة: وهوأن يكون وكيلاً من الجانبين.
ثالثاً: يقاس على المذكور في الحديثين السابقين بقية الحالات، لاشتراكها في المعنى، وهو أن للعاقد في الجميع صفة شرعية عند إجراء العقد، إما الولاية على الغير أو الوكالة عن الغير أو الأصالة عن النفس.
رابعاً - انعقاد الزواج بالكتابة والإشارة: ينعقد الزواج أحياناً بالكتابة أو الإشارة على التفصيل الآتي (١):
стр. 6311
١ ًَ - الناطق في حال الحضور: إن كان العاقدان حاضرين معاً في مجلس العقد وكانا قادرين على النطق: فلا يصح بالاتفاق الزواج بينهما بالكتابةأو الإشارة، ولو كانت الكتابة بينة واضحة، والإشارة مفهمة في الدلالة على إنشاء الزواج، للاستغناء عنها بالنطق، ولأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة، ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا، ولأنه لا يتيسر للشهود سماع كلام العاقدين في حال الكتابة.
٢ - الناطق في حال الغيبة: إذا كان أحد العاقدين غائباً عن مجلس العقد: ينعقد الزواج عند الحنفية بالكتابة أو إرسال رسول، إذا حضر شاهدان عند وصول الكتاب أو الرسول؛ لأن الكتاب من الغائب خطابه، قال الحنفية (١): «الكتابة من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر».
مثال الكتاب: أن يكتب رجل لخطيبته: تزوجتك أو زوجيني نفسك، فقالت المرأة في مجلس وصول الكتاب: قبلت الزواج، بحضور شاهدين، صح الزواج؛ لأن سماع الشاهدين شطري العقد (الإيجاب والقبول) شرط لصحة الزواج.
ومثال إرسال الرسول: أن يرسل الخاطب إلى خطيبته الغائبة عن المجلس شخصاً يبلغها الإيجاب مشافهة، فإذا قبلت في مجلس بلوغ الرسالة بحضور شاهدين، تم الزواج.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا ينعقد الزواج بكتابة في غيبة أو حضور؛ لأن الكتابة كناية، فلو قال الولي لغائب: زوجتك ابنتي، أو قال: زوجتها من فلان، ثم كتب، فبلغه الكتاب، أي الخبر، فقال: قبلت، لم يصح العقد.
стр. 6312
٣ - الأخرس: إذا كان أحد العاقدين أخرس أو معتقل اللسان:
أـ فإن كان قادراً على الكتابة، انعقد الزواج بها كما ينعقد بالإشارة، بالاتفاق حتى عند الشافعية؛ لأنها ضرورة، لكن في الرواية الظاهرة عند الحنفية: لا ينعقد بالإشارة، وإنما ينعقد بالكتابة في حال القدرة عليها؛ لأن الكتابة أقوى في الدلالة على المراد، وأبعد عن الاحتمال من الإشارة. وعلى كل حال: الكتابة بالاتفاق أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
ب - وإن كان الأخرس أو نحوه عاجزاً عن الكتابة: انعقد الزواج بالإشارة المفهمة المعلومة بالاتفاق؛ لأنها حينئذ الوسيلة المتعينة للتعبير عن الإرادة.
والخلاصة: ينعقد نكاح الأخرس بكتابته أو إشارته عند الفقهاء وتتعين الكتابة عند الحنفية إذا قدر عليها.
وقد نص القانون السوري (م ٧) على أنه: يجوز أن يكون الإيجاب والقبول بالكتابةإذا كان أحد الطرفين غائباً عن المجلس.
ونصت المادة (١٠) على أنه: يصح الإيجاب أو القبول من العاجز عن النطق بالكتابة إذا كان يكتب، وإلا فبإشارته المفهمة.
وجاء في المادة (١٢٨) من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بمصر: «إقرار الأخرس يكون بإشارته المعهودة، ولا يعبر إقراره بالإشارة إذا كان يمكنه الإقرار بالكتابة».
المبحث الثالث - شروط الزواج:
أنواع الشروط: بينت سابقاً أن الشرط: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون خارجاً عن حقيقته. وشروط كل عقد، ومنها الزواج، أربعة أنواع:
стр. 6313
شروط الانعقاد: وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم.
وشروط الانعقاد: هي التي يلزم توافرها في أركان العقد، أو في أسسه. وإذا تخلف شرط منها، كان العقد باطلاً بالاتفاق.
وشروط الصحة: هي التي يلزم توافرها لترتب الأثر الشرعي على العقد. فإذا تخلف شرط منها، كان العقد عند الحنفية فاسداً، وعند الجمهور باطلاً.
وشروط النفاذ: هي التي يتوقف عليها ترتب أثر العقد عليه بالفعل، بعد انعقاده وصحته. فإذا تخلف شرط منها، كان العقد عند الحنفية والمالكية موقوفاً.
وشروط اللزوم: هي التي يتوقف عليها استمرار العقد وبقاؤه. فإذا تخلف شرط منها، كان العقد (جائزاً) أو (غير لازم): وهو الذي يجوز لأحد العاقدين أو لغيرهما فسخه.
والعقد الباطل: لا يترتب عليه أي أثر من آثار العقد الصحيح، فالزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج، ولو بعد الدخول، ويعتبر في منزلة العدم. فلا يثبت به النسب من الأب، ولا تجب بعده العدة على المرأة، مثل الزواج بإحدى المحارم كالأخت والبنت، والزواج بالمرأة المتزوجة برجل آخر.
والعقد الفاسد: يثبت له عند الحنفية بعض آثار العقد الصحيح، فالزواج الفاسد يثبت به آثار الدخول بالزوجة، فيثبت به النسب، وتجب بالتفريق أو المتاركة العدة على المرأة، مثل الزواج بغير شهود، والزواج المؤقت، والزواج بالأخت على أختها في عصمة الزوج، أو في أثناء العدة.
стр. 6314
شروط انعقاد الزواج:
يشترط لانعقاد الزواج شروط في العاقدين - الرجل والمرأة، وشروط في الصيغة - الإيجاب والقبول (١).
أولاً - شروط العاقدين: يشترط في عاقدي الزواج شرطان:
١ - أهلية التصرف: أن يكون العاقد لنفسه أو لغيره أهلاً لمباشرة العقد، وذلك بالتمييز فقط، فإذا كان غير مميز كصبي لم يبلغ السابعة ومجنون، لم ينعقد الزواج؛ ويكون باطلاً؛ لعدم توافر الإرادة والقصد الصحيح المعتبر شرعاً.
ولا يشترط البلوغ لانعقاد الزواج وصحته، وإنما هو شرط لنفاذ العقد عند الحنفية.
وأجاز الشافعية للولي من أب أو جد تزويج صغير مميز ولو أكثر من واحدة إن رآه الولي مصلحة؛ لأن تزويجه بالمصلحة؛ وقد تقتضي ذلك (٢). وأجاز الحنابلة (٣) أيضاً للأب خاصة تزويج ابنه الصغير أو المجنون ولو كان كبيراً، روى الأثرم: «أن ابن عمر زوج ابنه وهوصغير، فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعاً» وللأب أن يزوج الصغير بأكثر من واحدة إن رأى فيه مصلحة. وأجاز المالكية (٤) للأب والوصي والحاكم تزويج المجنون والصغير لمصلحة كالخوف من الزنا أو الضرر، أو ممن تحفظ له ماله، والصداق على الأب.
стр. 6315
٢ - سماع كلام الآخر: أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر، ولو حكماً كالكتاب إلى امرأة غائبة، ويفهم أن المقصود منه إنشاء الزواج، ليتحقق رضاهما به. والأدق أن يعتبر هذا شرطاً في صيغة العقد. ولا يشترط عند الحنفية توافر حقيقة الرضا، فيصح الزواج مع الإكراه والهزل.
ثانياً - شروط المرأة: يشترط في المرأة لأجل عقد الزواج شرطان:
١ - أن تكون أنثى محققة الأنوثة: فلا ينعقد الزواج على الرجل أو الخنثى المشكل: وهو الذي لا يستبين أمره، أهو رجل أم أنثى، ويكون الزواج على خنثى باطلاً.
٢ - ألا تكون محرَّمة على الرجل تحريماً قاطعاً لا شبهة فيه: فلا ينعقد الزواج بالمحارم كالبنت والأخت والعمة والخالة، والمتزوجة بزوج آخر، والمعتدة، والمرأة المسلمة بغير المسلم، والزواج في كل هذه الحالات باطل.
ثالثاً - شروط صيغة العقد - الإيجاب والقبول: الصيغة: هي الإيجاب والقبول، ويشترط فيها بالاتفاق أربعة شروط هي ما يأتي:
١ - اتحاد المجلس إذا كان العاقدان حاضرين: وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن يتحد مجلس الإيجاب والقبول، لا مجلس المتعاقدين؛ لأن شرط الارتباط اتحاد الزمان، فجعل المجلس جامعاً لأطرافه تيسيراً على العاقدين.
стр. 6316
فإن اختلف المجلس، فلا ينعقد العقد، فإذا قالت المرأة: زوجتك نفسي، أو قال الولي: زوجتك ابنتي، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل يفيد انصرافه عن المجلس، ثم قال: قبلت بعدئذ، فإنه لا ينعقد العقد عند الحنفية. وهذا يدل على أن مجرد الوقوف بعد القعود يغير المجلس. وكذلك إذا انصرف العاقد الأول عن المجلس بعد الإيجاب، فقبل الآخر وهو في المجلس في غيبة الأول أوبعد عودته، لم ينعقد العقد. ويتغير المجلس عند الحنفية بالسير حال المشي أو الركوب على دابة بأكثر من خطوتين، كما يعد نوم العاقدين مضطجعين، لا جالسين، دليل الإعراض عن القبول. لكن لا يشترط الفور في القبول؛ فينعقد العقد وإن طال المجلس. وينعقد إن كان العاقدان على سفينة سائرة؛ لأن السفينة في حكم مكان واحد.
والمعول عليه في الحقيقة في الحد الفاصل بين اتحاد المجلس واختلافه هوالعرف، فما يعتبر في العرف إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول يكون مغيراً لمجلس العقد، وما لا يعتبر فيه إعراضاً عن العقد أو فاصلاً بين الإيجاب والقبول لا يكون مغيراً للمجلس.
وعند الجمهور (١): يشترط الفور بألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل كثير (٢)، وعبارة الشافعية: يشترط ألا يطول الفصل في لفظي العاقدين بين الإيجاب والقبول، فإن طال ضر؛ لأن طول الفصل يخرج القبول عن أن يكون جواباً عن الإيجاب. والفصل الطويل: هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي
стр. 6317
عن العقد، ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول، وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول.
وأما في حال غيبة أحد العاقدين عن الآخر، والتعاقد بطريق الكتابة أو الرسالة، فقال الحنفية: مجلس عقد الزواج: وهو مجلس قراءة الكتاب أمام الشهود، أو سماع رسالة الرسول بحضرة الشهود، فعندئذ يتحد المجلس؛ لأن الكتاب بمنزلة الخطاب من الكاتب، ولأن كلام الرسول كلام المرسل؛ لأنه ينقل عبارة المرسل، فكان قراءة الكتاب، وسماع قول الرسول، وكلام الكاتب معنى، وسماع قول المرسل معنى. فإن لم يقرأ الكتاب أو لم يسمع كلام الرسول لا ينعقد العقد عند أبي حنيفة ومحمد، لاشتراط الشهادة على شطري العقد.
وإن قرأت المرأة الكتاب أو سمعت الرسالة أمام الشهود، ثم قامت من المجلس لقضاء مصلحة أخرى، أو اشتغلت بالحديث في شيء آخر أجنبي عن العقد، ثم قالت: زوجت نفسي من فلان، فلا ينعقد الزواج، لاختلاف المجلس.
لكن لو أعادت المرأة قراءة الكتاب في مجلس آخر، فقبلت أمام الشهود، صح العقد، لبقاء الكتابة، أما لو أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر، فقبلت، لم يصح؛ لأن رسالته انتهت أولاً بخلاف الكتابة لبقائها.
٢ - توافق القبول مع الإيجاب ومطابقته له: يتحقق التوافق باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد وفي مقدار المهر، فإذا تخالفا فإن كانت المخالفة في محل العقد، مثل قول أبي الفتاة: زوجتك خديجة، فيقول الرجل: قبلت زواج فاطمة، فلا ينعقد الزواج؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وجد الإيجاب فيه، فلم يصح، كما لو ساومه بثوب، وأوجب العقد في غيره بغير علم المشتري (١). وإن كانت
стр. 6318
المخالفة في مقدار المهر، مثل: زوجتك ابنتي على ألف درهم، فقال الزوج: قبلت الزواج بثمانمائة، لا ينعقد العقد، إلا إذا كانت المخالفة لخير، بأن قال الزوج: قبلت بألف ومائة، فيصح العقد عند الحنفية.
وسبب عدم انعقاد العقد في المخالفة بمقدار المهر، وإن لم يكن المهر ركناً من أركان العقد: هو أن المهر إذا ذكر في العقد، التحق بالإيجاب وصار جزءاً منه، فيلزم أن يأتي القبول على وفق الإيجاب، حتى ينعقد العقد.
فإن لم يذكر المهر في العقد، أو صرح بأن لا مهر للمرأة، فلا يكون جزءاً من الإيجاب، ولكن يجب في هذه الحالة مهر المثل؛ لأن المهر في الزواج واجب بإيجاب الشرع، فلا يصح إخلاء الزواج منه.
٣ - بقاء الموجب على إيجابه: يشترط عدم رجوع الموجب عن الإيجاب قبل قبول العاقد الآخر، فإن رجع بطل الإيجاب، ولم يجد القبول شيئاً يوافقه.
ولا يلزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلا إذا اتصل به القبول، كما في البيع، فلو وجد الإيجاب من أحد المتعاقدين، كان له أن يرجع قبل قبول الآخر؛ لأن كلاً من الإيجاب والقبول ركن واحد، فكان أحدهما بعض الركن، والمركب من شيئين لا وجود له بأحدهما.
٤ - التنجيز في الحال: الزواج كالبيع يشترط فيه كونه في الحال، فلا يجوز في المذاهب الأربعة كونه مضافاً إلى المستقبل، كتزوجتك غداً، أو بعد غد، ولا معلقاً على شرط غير كائن، كتزوجتك إن قدم زيد، أو إن رضي أبي، أو إذا طلعت الشمس فقد زوجتك بنتي؛ لأن عقد الزواج من عقود التمليكات أو المعاوضات، وهي لا تقبل التعليق ولا الإضافة، ولأن الشارع وضع عقد الزواج
стр. 6319
ليفيد حكمه في الحال، والتعليق والإضافة يناقضان الحقيقة الشرعية (١). لكن يصح التعليق بشرط ماض كائن لا محالة، فينعقد العقد في الحال، كأن خطب شخص بنتاً لابنه، فقال أبوها: زوجتها قبلك من فلان، فكذبه، فقال: إن لم أكن زوجتها لفلان، فقد زوجتها لابنك، فقبل، ثم علم كذبه، انعقد العقد، لتعليقه بموجود، وكذا إذا وجد المعلق عليه في المجلس. ومثل: تزوجتك إن كان عمرك عشرين، وكانت في الواقع كذلك. ومثل: تزوجتك إن رضي أبي، وكان أبوها في المجلس فرضي، صح العقد.
وذكر الشافعية: أنه لو قال الولي: زوجتك إن شاء الله، وقصد التعليق أو أطلق، لم يصح العقد، وإن قصد التبرك، أو أن كل شيء بمشيئة الله تعالى، صح. ولو قال: إن كان ما ولد لي من ولد أنثى فقد زوجتها، أو قال: إن كانت بنتي طلقت واعتدت، فقد زوجتها، فالمذهب بطلان الزواج في هذه الصور لوجود صورة التعليق.
والحاصل أنه لا يجوز تعليق الزواج بشرط باتفاق المذاهب، لكن قال ابن القيم: «ونص الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط» (٢) والبيع أولى بالجواز. لكن ذكر ابن قدامة أن تعليق النكاح على شرط يبطله (٣). أما القانون فقد نص قانون الأحوال الشخصية السوري (م ١٣) على أنه: «لا ينعقد الزواج المضاف إلى المستقبل، ولا المعلق على شرط غير متحقق».
هل يثبت الخيار في عقد الزواج؟ لا يثبت في الزواج خيار باتفاق أكثر
стр. 6320
الفقهاء (١)، سواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط؛ لأن الحاجة غير داعية إليه، فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد ترو وتفكر، ولأن الزواج ليس بمعاوضة محضة، ولأن ثبوت الخيار يؤدي إلى فسخ الزواج، وفي فسخه بعد العقد ضرر بالمرأة، لكن أثبت المالكية خيار المجلس في الزواج إذا اشتُرِط (٢).
مذاهب الفقهاء في الشروط المشترطة في الزواج:
الشروط في الزواج: هي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض. ويراد بها الشروط المقترنة بالإيجاب أو القبول، أي أن الإيجاب يحصل ولكن يصاحبه شرط من الشروط. وللفقهاء تفصيلات فيها، نذكر رأي كل مذهب فيها على حدة. وهذا بخلاف حالة الإيجاب المعلق على شرط، فإن الإيجاب لا وجود له قبل وجود الشرط.
١ - مذهب الحنفية (٣):
أـ إن كان الشرط صحيحاً يلائم مقتضى العقد، ولايتنافى مع أحكام الشرع، وجب الوفاء به، كاشتراط المرأة أن يسكنها وحدها في منزل، لا مع أهله أو مع ضَرَّتها، أو ألا يسافر بها سفراً بعيداً إلا بإذن أهلها.
أو تزوجا على مهر مسمى، وشرط لها شيئاً آخر، بأن تزوجها بألف على ألا يخرجها من بلدها، أو على ألا يتزوج عليها، فإن وفى بالشرط، فلها المهر المسمى؛ لأنه يصلح مهراً، وقد تم رضاها به، وإن لم يف بالشرط، بأن تزوج
стр. 6321
عليها، أو أخرجها، فلها مهر المثل؛ لأنه سمى لها شيئاً لها فيه نفع، فعند فواته يجب لها مهر المثل، لعدم رضاها به.
ومثله الشرط الذي تأمر به الشريعة، كاشتراطها عليه أن يحسن معاملتها أو لا يخرجها إلى النوادي والمراقص ونحوها.
قالوا: ومن الشروط الصحيحة عندهم: لو تزوجها على أن أمرها بيدها، صح. لكن لو قال: زوجني ابنتك على أن أمرك بيدك، لم يكن له الأمر؛ لأنه تفويض قبل النكاح.
ب - وأن كان الشرط فاسداً، أي لا يلائم مقتضى العقد، أو لا تجيزه أحكام الشرع، فالعقد صحيح، ويبطل الشرط وحده، مثل اشتراط الخيار لأحد الزوجين أو لكل منهما أن يعدل عن الزواج في مدة معينة، وهذا بخلاف القاعدة العامة: وهي أن الشرط الفاسد في المعاوضات المالية كالبيع يفسدها.
فإن ورد النهي عن الشرط، كاشتراط طلاق ضرتها، كره الوفاء به، لحديث «لا يحل لامرأة تسأل طلاق ضَرتها».
٢ - مذهب المالكية (١):
الشروط التي تقترن بعقد الزواج نوعان: شروط صحيحة، وشروط فاسدة.
أما الشروط الصحيحة: فنوعان: مكروهة وغير مكروهة.
فالشروط الصحيحة غير المكروهة: هي التي تتفق مع مقتضى العقد، كالإنفاق على المرأة أو حسن معاشرتها، أو أن تطيع الرجل أو ألا تخرج من البيت إلا بإذنه.
стр. 6322
ومنها اشتراط كون المرأة سليمة من العيوب التي لا تجيز فسخ الزواج، مثل ألا تكون عمياء أو عوراء أو صماء أو خرساء أو أن تكون بكراً أو بيضاء، ونحوها.
والشروط الصحيحة المكروهة: هي التي لا تتعلق بالعقد، أو لا تنافي المقصود من العقد، وإنما فيها تضييق على الر جل، مثل شرط عدم إخراجها من بلدها، أو عدم السفر بها، أو عدم نقلها من مكان كذا، وشرط عدم التزوج عليها، ونحوها، ولا تلزم الزوج إلا أن يكون فيها يمين بعتق أو طلاق، فإن الشرط يلزمه.
وأما الشروط الفاسدة: فهي التي تنافي أو تناقض مقتضى العقد أو المقصود من الزواج، مثل شرط ألا يقسم بينها وبين ضَرَّتها في المبيت، أو أن يُؤْثر عليها ضَرّتها أسبوعاً أو أقل أو أكثر تستقل بها عنها. وشرط المرأة عند زواجها بمحجور عليه أن تكون نفقتها على وليه: أبيه أو سيده، أو على نفسها أو أبيها فإنه شرط مناقض لمقصود الزواج، لأن الأصل أن نفقة الزوجة على زوجها، فشرط خلافه مضر. ومثل اشتراط الخيار في الزواج (١)، أو اشتراط ما يؤثر في جهالة المهر كأن يتزوجها على أن لها من النفقة كذا كل شهر؛ لأنه لا يدري إلى متى تستمر هذه النفقة.
ومثل أن تشترط المرأ ة على الرجل أن يكون أمرها بيدها، تطلق نفسها متى شاءت، أو أن ينفق على ولدها من غيره، أو على أقاربها كأبيها أوأخيها، ونحوها. وحكم هذه الشروط: أنها تبطل العقد ويجب فسخه ما لم يدخل الرجل بالمرأة، فإن دخل بها مضى العقد، وألغي الشرط، وبطل المسمى، ووجب للمرأة مهر المثل. إلا أنه في مسألة جعل المرأة أمرها بيدها قالوا:
стр. 6323
أـ إن علق أمر الطلاق بيدها على سبب: فإن كان السبب فعلاً يفعله الزوج فهو جائز لازم للزوج، مثل أن يشرط لها أنه متى ضربها أو سافر عنها، فأمرها بيدها أو بيد أبيها أو غيره، ومثله إن كان الالتزام على يمين بطلاق أو عتق كأن حلف ألا يتزوج عليها، على أن يحدد نوع الطلاق المفوض لها، أهو رجعي أو بائن، أو ثلاث، أو أي طلاق شاءت، فحينئذ يلزم الزوج بالشرط.
ب - وإن كان سببه فعل غير الزوج لم ينفذ، ولم يلزم الزوج، والنكاح جائز.
٣ - مذهب الشافعية (١):
الشروط نوعان: صحيحة وفاسدة.
أـ الشروط الصحيحة الواقعة في الزواج: هي التي وافق الشرط فيها مقتضى عقد النكاح، كشرط النفقة والقسم بين الزوجات، أو لم يوافق مقتضى النكاح ولكنه لم يتعلق به غرض، كشرط ألا تأكل إلا كذا. وحكمها: أن الشرط يلغو، أي لا تأثير له في الصورتين لانتفاء فائدته، ويصح النكاح والمهر، كما هو الحكم في البيع.
ب - وأما الشروط الفاسدة: فهي التي تخالف مقتضى عقد النكاح ولم يخل بمقصوده الأصلي: وهو الوطء، كشرط ألا يتزوج عليها، أو ألا نفقة لها أو ألا يسافر بها، أوألا ينقلها من بلدها، وحكمها: أن الزواج يصح لعدم الإخلال بمقصوده وهو الوطء أو الاستمتاع، ويفسد الشرط لأنه يخالف مقتضى العقد، سواء أكان لها كالمثال الأول والثالث والرابع، أم عليها كالمثال الثاني، لقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (٢)، ويفسد المهر أيضاً؛ لأن الشرط إن
стр. 6324
كان لها، فلم ترض بالمسمى وحده، وإن كان عليها فلم يرض الزوج ببدل المسمى إلا عند سلامة ما شرطه.
فإن أخل الشرط بمقصود الزواج الأصلي: كأن شرط ألا يطأها الزوج أصلاً، أوألا يطأها إلا مرة واحدة مثلاً في السنة، أو شرطت المرأة ألا يطأها إلا ليلاً فقط أو إلا نهاراً فقط، أوشرط أن يطلقها ولو بعد الوطء، بطل الزواج؛ لأنه شرط ينافي مقصود العقد فأبطله. فإن شرط الزوج ألا يطأها ليلاً لم يبطل العقد؛ لأن الزوج يملك الوطء ليلاً ونهاراً وله أن يترك، فإن شرط ألا يطأها فقد شرط ترك ما له تركه، وأما المرأة فيستحق عليها الوطء ليلاً ونهاراً، فإذا اشترطت ألا يطأها فقد شرطت منع الزوج من حقه، وهو ينافي مقصود العقد، فبطل.
وكذا لو شرط الرجل أنها لا ترثه، أو أنه لا يرثها، أو أنهما لا يتوارثان، أو أن النفقة على غير الزوج، بطل الزواج أيضاً.
٤ - مذهب الحنابلة (١):
الشروط عندهم كالشافعية: إما صحيحة أو فاسدة، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول - الشروط الصحيحة: وهي التي يقتضيها العقد أو لا يقتضيها العقد ولكن فيها منفعة لأحد العاقدين، ولم يرد في الشرع ما ينهى عنها ما دامت لا تخل بالمقصود من العقد، وحكمها: أنه يلزم الوفاء بها، لما فيها من منفعة وفائدة.
مثل أن تشترط المرأة على الرجل أن ينفق عليها أو أن يحسن معاشرتها، أو ألا يتزوج عليها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو ألا يسافر بها.
стр. 6325
ومثل أن يشترط الرجل في المرأة أن تكون بكراً أو جميلة أو متعلمة أو خالية من العيوب التي لا يثبت فيها الخيارفي فسخ الزواج كالعمى والخرس والعرج ونحوها.
ودليل لزوم الوفاء بهذه الشروط: قول النبي ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (١) وحديث «المسلمون على شروطهم» (٢)، وروى الأثرم بإسناده: «أن رجلاً تزوج امرأة، وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: إذن تطلقينا؟ فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط» ولأنه شرط لها فيه منفعة، ولا يمنع المقصود من الزواج، فكان لازماً، كما لو شرطت زيادة في المهر أو غير نقد البلد.
وأما قوله ﵊: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» أي ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع.
وأما الشروط غير الصحيحة: فهي التي ورد عن الشرع نهي عنها أو التي تنافي مقتضى العقد، وتشمل النوعين الثاني والثالث.
النوع الثاني - ما يبطل الشرط ويصح العقد: مثل أن يشترط الرجل ألا مهر للمرأة، أو ألا ينفق عليها، أو إن أصدقها رجع عليها.
أو تشترط المرأة على الرجل ألا يطأها أو يعزل عنها أو يقسم لها أقل من قَسمْ صاحبتها أو أكثر، أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئاً.
стр. 6326
فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها؛ لأنها تنافي مقتضى العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح.
ومن هذا النوع: إن شرطت عليه أن يطلق ضرتها، لم يصح الشرط، لنهي الشرع عنه، لما روى أبو هريرة قال: «نهى النبي ﷺ أن تشترط المرأة طلاق أختها» (١) وفي لفظ: «لا تسأل المرأة لتنكح» أو «لتكفئ ما في صحفتها أو إنائها، فإنما رزقها على الله» والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنها شرطت عليه فسخ عقده، وإبطال حقه وحق امرأته، فلم يصح، كما لو اشترطت عليه فسخ بيعه.
النوع الثالث - ما يبطل الزواج من أصله: مثل اشتراط تأقيت الزواج، وهو نكاح المتعة، أو أن يطلقها في وقت بعينه، أو يعلقه على الشرط، مثل أن يقول الولي: زوجتك إن رضيت أمها، أو فلان، أويشترط الخيار في الزواج لهما أو لأحدهما.
هذه شروط باطلة في نفسها، ويبطل بها الزواج، ومنها أن يجعل صداقها تزويج امرأة أخرى، وهو نكاح الشغار. أما إن شرط الخيار في الصداق خاصة، فلا يفسد الزواج؛ لأن الزواج ينفرد عن ذكر الصداق.
والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على صحة الشروط التي تلائم مقتضى العقد، وعلى بطلان الشروط التي تنافي المقصود من الزواج أو تخالف أحكام الشريعة. واتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على صحة الشروط التي يكون فيهاتحقيق وصف مرغوب فيه، أو خلو المرأة من عيب لا يثبت الخيار في فسخ الزواج. واختلفوا في الشروط التي لا تكون من مقتضى العقد، ولكنها لا تنافي حكماً من أحكام
стр. 6327
الزواج، وفيها منفعة لأحد العاقدين، كاشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها ونحوها:
فالحنابلة يقولون: إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها.
والحنفية يقولون: إنها شروط ملغاة، والعقد صحيح.
والمالكية يقولون: إنها شروط مكروهة لا يلزم الوفاء بها، بل يستحب فقط.
والشافعية يقولون: إنها شروط باطلة، ويصح الزواج بدونها.
ورأي الحنابلة هو الراجح لدي، للأدلة السابقة التي ذكروها، لذا أخذ به القانون السوري.
وأما تأثير الشرط الفاسد على العقد: فعند الحنفية: الشرط الفاسد لا يفسد العقد، وإنما يلغى الشرط وحده، ويصح العقد. والحنابلة يوافقون الحنفية فيما ذكر إلا في بعض الشروط فإنها تبطل العقد، منها توقيت العقد، واشتراط طلاق المرأة في وقت معين، واشتراط الخيار في فسخ الزواج في مدة معينة. وهذا هو النوع الثالث عندهم. وأما عند الشافعية: فإن الشرط الفاسد يفسد العقد إذا أخل بمقصود الزواج الأصلي، وإلا فسد الشرط وحده. لكن قال المالكية: يجب فسخ العقد ما دام الرجل لم يدخل بالمرأة، فإن دخل بها مضى العقد وألغي الشرط، وبطل المسمى، ووجب للمرأة مهر المثل.
موقف القانون من شروط الانعقاد:
نص القانون السوري (م ١١/ ١) على أربعة شروط لانعقاد الزواج هي:
١ - أن يتفق الإيجاب والقبول من كل وجه.
٢ - أن يتحد مجلس الإيجاب والقبول.
стр. 6328
٣ - أن يسمع كل من المتعاقدين كلام الآخر ويفهمه، وقد ذكر في شروط العاقدين.
٤ - ألا يوجد من أحد الطرفين قبل القبول ما يبطل الإيجاب، بأن يرجع الموجب عن إيجابه قبل أن يقبل الطرف الآخر.
ونصت الفقرة الثانية من هذه المادة على أنه: يبطل الإيجاب قبل القبول بزوال أهلية الموجب، وبكل ما يفيد الإعراض من أحد الطرفين.
وهناك شرطان آخران للانعقاد، ذكر أحدهما في الأهلية، وذكر الآخر ضمناً في أنواع الزواج، وهما:
١ - أن يكون كل من العاقدين ممن تحققت فيه الأهلية الكاملة لعقد الزواج، وذلك بالعقل والبلوغ، فلا يصح عقد الزواج من مجنون، ولا صبي غير بالغ، وعدم صحة زواج المجنون متفق عليه بين الفقهاء، وأما غير البالغ فقد أخذ فيه القانون برأي ابن شبرمة وعثمان البتّي.
٢ - أن يكون الزوج مسلماً بالنسبة إلى المسلمة: فلا ينعقد زواج المسلمة بغير المسلم، بل هو عقد باطل، ولا يترتب عليه أي أثر.
موقف القانون من شروط الزواج غير شروط الانعقاد:
نص قانون الأحوال الشخصية السوري (م ١٤) على شروط الزوج مراعياً فيها ما اتفق عليه الفقهاء، ومذهب الحنابلة بصفة خاصة، فقسم الشروط ثلاثة أقسام:
١ - شروط صحيحة يلزم الوفاء بها: وهي التي يكون فيها مصلحة مشروعة
стр. 6329
للزوجة، ولا تمس حقوق غيرها، ولا تقيد حرية الزوج في عمله الخاص المشروع، مثل ألا يسافر بها أو ألا ينقلها من بلدها أو دارها. ويحق للزوجة فسخ الزواج إن لم ينفذ الشرط، وهذا مأخوذ من مذهب الحنابلة.
٢ - شروط صحيحة لا يلزم الزوج تنفيذها قضاء، وهي ما يأتي من الحالات:
أـ أن تشترط الزوجة ما يقيد حرية الزوج في عمله الخاص المشروع، كشرط ألا يسافر أو ألا يتوظف أو ألا يتزوج عليها.
ب - أن تشترط ما يمس حقوق غيرها: كاشتراطها أن يطلق زوجته الأخرى.
الشرط في هاتين الحالتين صحيح، لكن لا يلزم الزوج الوفاء به، فإن لم يف، كان للزوجة طلب فسخ الزواج. وهذا موافق لمذهب الحنابلة إلا في اشتراط تطليق الضرة، فالعقد صحيح والشرط باطل.
٣ - شروط باطلة لا يحق الوفاء بها، ويكون العقد معها صحيحاً: وهي أن يقيد الزواج بقيد ينافي في نظامه الشرعي، كاشتراط عدم المهر، أو إنفاق الزوجة على الزوج، أو ينافي مقاصده الشرعية، كاشتراط عدم الاستمتاع الزوجي، أو يكون الشرط محظوراً شرعاً، كاشتراط أن تسافر المرأة وحدها. وهذا موافق للمذاهب بالاتفاق.
стр. 6330
شروط صحة الزواج:
يشترط لصحة الزواج عشرة شروط، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه (١).
الأول - المحلية الفرعية، والثاني - التأبيد في صيغة العقد، والثالث - الشهادة، والرابع - الرضا والاختيار، والخامس - تعيين الزوجين، والسادس - عدم الإحرام بالحج أو العمرة، والسابع - أن يكون بصداق، والثامن - عدم التواطؤ على الكتمان، والتاسع - ألا يكون أحد الزوجين أو كلاهما في مرض مخوف، والعاشر - الولي.
الشرط الأول - المحلية الفرعية: ألا تكون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤقتاً، أو تحريماً فيه شبهة، أو خلاف بين الفقهاء، كتزويج المعتدة من طلاق بائن، وتزوج أخت المطلقة التي لا تزال في العدة، والجمع بين اثنتين كلتاهما محرم للأخرى، كتزوج العمة على ابنة أخيها، والخالة على ابنة أختها، فإذا لم تتحقق هذه المحلية الفرعية كان العقد فاسداً عند الحنفية.
أما المحلية الأصلية: وهي ألا تكون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤبداً، كالأخت والبنت والعمة والخالة، فهي شرط لانعقاد الزواج، فإذا لم تتحقق هذه المحلية، كان العقد باطلاً بالاتفاق، ولا يترتب عليه أي أثر من آثار الزواج.
стр. 6331
وعلى هذا إذا كان التحريم قطعياً، كان سبباً من أسباب البطلان، وإذا كان التحريم ظنياً، كان سبباً من أسباب الفساد عند الحنفية.
الزواج في حال انعدام المحلية الفرعية فاسد، يترتب عليه بالدخول بعض الآثار، لكن يحرم الدخول بالمرأة في حال فساد العقد، ويجب فيه التفريق بين الرجل والمرأة جبراً إن لم يتفرقا اختياراً.
وإذا حصل دخول بعد هذا الزواج الفاسد بالرغم من تحريمه وكونه معصية، ووجوب التفريق، فتترتب عليه بعض الآثار، فيجب فيه للمرأة أقل الأمرين من المهر المسمى ومهر المثل، وتجب عليها العدة، ويثبت به نسب الولد إن حدث حمل، ولكن لا يثبت به حق التوارث بين الزوجين.
الشرط الثاني - أن تكون صيغة الإيجاب والقبول مؤبدة غير مؤقتة: فإن أقِّت الزواج بمدة بطل، بأن يكون بصيغة التمتع مثل: تمتعت بك إلى شهر كذا، فتقول: قبلت، أو بالتأقيت إلى مدة معلومة أو مجهولة، مثل: تزوجتك إلى شهر أو سنة كذا، أو مدة إقامتي في هذا البلد. والنوع الأول يعرف ب نكاح المتعة، والثاني يعرف بال نكاح المؤقت.
لكن قال المالكية: نكاح المتعة أوالنكاح لأجل سواء عين الأجل أم لا، يعاقب فيه الزوجان، ولا يحدان على المذهب، ويفسخ بلا طلاق، والمضرّ بيان ذلك في العقد للمرأة أو وليها، وأما لو أضمر الزوج في نفسه أن يتزوجها ما دام في هذه البلدة أو مدة سنة ثم يفارقها، فلا يضر، ولو فهمت المرأة من حاله ذلك (١).
وقال الحنفية أيضاً: من تزوج امرأة بنية أن يطلقها إذا مضى سنة لا يكون متعة (٢). والمعتمد عند الحنابلة خلافاً لابن قدامة: أن نية الطلاق بعد مدة تبطل العقد كالتصريح بذلك.
стр. 6332
اتفقت المذاهب الأربعة وجماهير الصحابة على أن زواج المتعة ونحوه حرام باطل، وكونه باطلاً عند الحنفية بالرغم من أن هذا الشرط من شروط الصحة؛ لأنه منصوص على حكمه في السنة، إلا أن الإمام زفر اعتبر الزواج المؤقت صحيحاً وشرط التأقيت فاسداً أو باطلاً، أي لا عبرة بالتأقيت ويكون الزواج صحيحاً مؤبداً؛ لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. ورد عليه بأن العقد المؤقت في معنى المتعة، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ.
وقال الشيعة الإمامية (١): يجوز زواج المتعة أو النكاح المنقطع بالمرأة المسلمة أو الكتابية، ويكره بالزانية، بشرط ذكر المهر، وتحديد الأجل أي المدة، وينعقد بأحد الألفاظ الثلاثة: وهي زوجتك، وأنكحتك، ومتعتك. ولا يشترط الشهود ولا الولي لهذا العقد. وأحكامه هي:
١ - الإخلال بذكر المهر مع ذكر الأجل يبطل العقد، وذكر المهر من دون الأجل يقلبه دائماً.
٢ - لا حكم للشروط قبل العقد، ويلزم لو ذكرت فيه.
٣ - يجوز اشتراط إتيانها ليلاً أو نهاراً وألا يطأها في الفرج، والعزل من دون إذنها، ويلحق الولد بالأب وإن عزل، لكن لو نفاه لم يحتج إلى اللعان.
٤ - لا يقع بالمتعة طلاق بإجماع الشيعة، ولا لعان على الأظهر، ويقع الظهار على تردد.
٥ - لا يثبت بالمتعة ميراث بين الزوجين، وأما الولد فإنه يرثهما ويرثانه من غير خلاف.
стр. 6333
٦ - إذا انقضى الأجل المتفق عليه، فالعدة حيضتان على الأشهر. وعدة غير الحائض خمسة وأربعون يوماً، وعدة الوفاة لو مات عنها في أشبه الروايتين أربعة أشهر وعشرة أيام.
٧ - لا يصح تجديد العقد قبل انقضاء الأجل، ولو أراده وهبها ما بقي من المدة واستأنف.
الأدلة:
أدلة الإمامية: استدل الإمامية على مشروعية النكاح المنقطع أو المتعة بما يلي:
١ - بقول الله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء:٢٤/ ٤] فإنه عبر بالاستمتاع دون الزواج، وبالأجور دون المهور، مما يدل على جواز المتعة، فالاستمتاع والتمتع بمعنى واحد، وإيتاء الأجر بعد الاستمتاع يكون في عقد الإجارة، والمتعة هو عقد الإجارة على منفعة البضع. أما المهر فإنه يجب بنفس عقد النكاح قبل الاستمتاع.
٢ - ثبت في السنة جواز المتعة في بعض الغزوات منها عام أوطاس، وفي عمرة القضاء، وفي خيبر، وعام الفتح، وفي تبوك (١)، قال ابن مسعود: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله (أي ابن مسعود): ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة:٨٧/ ٥] (٢)، الآية.
стр. 6334
وفي صحيح مسلم عن جابر: «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ﷺ … وأبي بكر، حتى نهى عمر في شأن عمرو بن حريث» (١).
وكان يقول بجواز المتعة ابن عباس وجماعة من السلف، منهم بعض الصحابة (أسماء بنت أبي بكر، وجابر وابن مسعود ومعاوية وعمرو بن حريث، وأبو سعيد وسلمة ابنا أمية بن خلف) ومنهم بعض التابعين (طاوس وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة ومنهم ابن جريج).
وأجاز المتعة الإمام المهدي، وحكاه عن الباقر والصادق والإمامية (٢). وأما الشيعة الزيدية فيقولون كالجمهور بتحريم نكاح المتعة، ويؤكدون أن ابن عباس رجع عن تحليله (٣).
و أجيب عن هذه الأدلة بما يأتي (٤):
١ - إن المراد بالاستمتاع في آية ﴿فما استمتعتم﴾ [النساء:٢٤/ ٤]: النكاح؛ لأنه هو المذكور في أول الآية وآخرها، حيث بدئت بقول تعالى: ﴿ولا تنكحوا مانكح آباؤكم﴾ [النساء:٢٢/ ٤] وختمت بقوله سبحانه: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء:٢٥/ ٤] فدل على أن المراد بالاستمتاع هنا ما كان عن طريق النكاح، وليس المراد به المتعة المحرمة شرعاً.
وأما التعبير بالأجر: فإن المهر في النكاح يسمى في اللغة أجراً، لقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن، وآتوهن أجورهن بالمعروف﴾ [النساء:٢٥/ ٤] أي
стр. 6335
مهورهن، وقوله سبحانه: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ [الأحزاب:٥٠/ ٣٣] أي مهورهن.
وأما الأمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع، والمهر يؤخذ قبل الاستمتاع، فهذا على طريقة في اللغة من تقديم وتأخير، والتقدير: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن، أي إذا أردتم الاستمتاع بهن، مثل قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] أي إذا أردتم الطلاق، ومثل ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة:٦/ ٥] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
٢ - وأما الإذن بالمتعة في السنة النبوية في بعض الغزوات، فكان للضرورة القاهرة في الحرب، وبسبب العُزْبة في حال السفر، ثم حرمها الرسول ﷺ تحريماً أبدياً إلى يوم القيامة، بدليل الأحاديث الكثيرة، منها:
أـ «يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» (١).
ب - قال سلمة بن الأكوع: «رخص لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها» (٢).
جـ - قال سَبْرة بن معبد: «إن رسول الله ﷺ في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة» (٣).
стр. 6336
د - عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحُمر الأهلية زمن خيبر (١).
وأما ابن عباس: فكان يجيز المتعة للمضطر فقط، روى عنه سعيد بن جبير أنه قال: سبحان الله، ما بهذا أفتيت، وإنما هي كالميتة لا تحل إلا للمضطر. وأما الشيعة فقد توسعوا فيها وجعلوا الحكم عاماً للمضطر وغيره، وللمقيم والمسافر.
ومع ذلك فقد أنكر عليه الصحابة، مما يجعل رأيه شاذاً تفرد به، فقد أنكر عليه علي ﵁ قائلاً له: إنك امرؤ تائه (٢)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحُمر الإنسية، وأنكر عليه عبد الله بن الزبير ﵁، روى مسلم عنه أنه قام بمكة فقال: «إن إناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرِّض برجل هو عبد الله بن العباس - فناداه ابن عباس، فقال له: إنك لجِلْف (٣) جاف، فلعمري، لقد كانت المتعة تفعل في عهد أمير المتقين - أي رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فوالله لو فعلتها لأرجمنك بأحجارك».
ثم نقل المحدثون عن ابن عباس أنه رجع عن قوله، روى الترمذي عنه أنه قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له فيها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر مايرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون:
стр. 6337
٢٣/ ٦]، قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام».
وروى البيهقي أيضاً وأبو عوانة في صحيحه رجوع ابن عباس (١).
والقول برجوعه هو الأصح لدى كثير من العلماء، ويؤكده إجماع الصحابة على التحريم المؤبد، ومن المستبعد أن يخالفهم، روى الحازمي في الناسخ والمنسوخ من حديث جابر بن عبد الله قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، جاءت نسوة، فذكرنا تمتعنا، وهن تطفن في رحالنا، فجاءنا رسول الله ﷺ ، فنظر إليهن، وقال: من هؤلاء النسوة؟ فقلنا: يارسول الله، نسوة تمتعنا منهن، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرَّت وجنتاه، وتمعَّر وجهه، وقام فينا خطيباً، فحمد لله وأثنى عليه، ثم نهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء، ولم نعد، ولا نعود لها أبداً، فبها سميت يومئذ: ثنية الوداع» (٢).
وروى أبو عوانة عن ابن جريج أنه قال في البصرة: اشهدوا أني قد رجعت عن المتعة، بعد أن حدثهم فيها ثمانية عشرة حديثاً أنه لا بأس بها (٣).
كل هذا يدل على نسخ إباحة المتعة، ولعل ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين لم يبلغه الدليل الناسخ. فإذا ثبت النسخ وجب المصير إليه، أو يقال: إن إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها، ثم ورد النص القاطع بالتحريم.
стр. 6338
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على تحريم نكاح المتعة بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول:
١ - أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم، أو ماملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون:٥/ ٢٣ - ٦] هذه الآىة حرمت الاستمتاع بالنساء إلا من طريقين: الزواج وملك اليمين، وليست المتعة زواجاً صحيحاً، ولا ملك يمين، فتكون محرمة، ودليل أنها ليست زواجاً أنها ترتفع من غير طلاق، ولا نفقة فيها، ولا يثبت بها التوارث.
٢ - وأما السنة: فالأحاديث الكثيرة السابقة المتفق عليها التي ذكرتها عن علي وسَبْرة الجهني وسلمة بن الأكوع وغيرهم ﵃، والمتضمنة النهي الصريح عن نكاح المتعة عام خيبر، وبعد فتح مكة بخمسة عشر يوماً، وفي حجة الوداع.
٣ - وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إلا الإمامية على الامتناع عن زواج المتعة، ولو كان جائراً لأفتوا به. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، أي في المتعة، ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها، إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها، إلا الروافض (١).
٤ - أما المعقول: فإن الزواج إنما شرع مؤبداً لأغراض ومقاصد اجتماعية، مثل سكن النفس وإنجاب الأولاد وتكوين الأسرة، وليس في المتعة إلا قضاء الشهوة بنحو مؤقت، فهو كالزنا تماماً، فلا معنى لتحريمه مع إباحة المتعة.
стр. 6339
وبه يتبين رجحان أدلة الجمهور والقول بتحريم المتعة وبطلان زواجها وبطلان الزواج المؤقت، وهذا ما يتقبله المنطق وروح الشريعة، ولا يمكن لأي إنسان متجرد محايد إلا إنكار المتعة والامتنا ع عنها نهائياً.
الشرط الثالث - الشهادة:
الكلام عن هذا الشرط في أربعة مواضع: آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة على الزواج، وقت الشهادة، حكمتها، شروط الشهود.
أولاً - آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة: اتفقت المذاهب الأربعة (١) على أن الشهادة شرط في صحة الزواج، فلا يصح بلا شهادة اثنين غير الولي، لقوله ﷺ فيما روته عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٢) وروى الدارقطني حديثاً عن عائشة أيضاً: «لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدين» وروى الترمذي عن ابن عباس من قوله ﵊: «البغايا: اللاتي يَنْكحن أنفسهن بغير بينة» (٣).
ولأن في الشهادة حفاظاً على حقوق الزوجة والولد، لئلا يجحده أبوه، فيضيع نسبه، وفيها درء التهمة عن الزوجين، وبيان خطورة الزواج وأهميته.
نكاح السر: تأكيداً لشرط الشهادة قال المالكية (٤): يفسخ نكاح السر (وهو
стр. 6340
الذي يوصي فيه الزوج الشهود بكتمه عن امرأته، أو عن جماعة ولو أهل منزل) بطلقة بائنة إن دخل الزوجان، كما يتعين فسخ النكاح بدخول الزوجين بلا إشهاد، ويحدان معاً حد الزنا جلداً أو رجماً إن حدث وطء وأقرَّا به، أو ثبت الوطء بأربعة شهود كالزنا، ولا يعذران بجهل.
ولكن لا يجب الحد عليهما إن فشا النكاح وظهر بنحو ضرب دُفّ أو وليمة، أو بشاهد واحد غير الولي، أو بشاهدين فاسقين ونحو ذلك للشبهة، لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات» (١).
وقال الحنابلة: لا يبطل العقد بتواص بكتمانه، فلو كتمه ولي وشهود وزوجان، صح وكره (٢).
وهناك قول شاذ لابن أبي ليلى وأبي ثور وأبي بكر الأصم: لا تشترط الشهادة في الزواج ولا تلزم؛ لأن الآيات الواردة في شأن الزواج لا تشترط الإشهاد، مثل ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣/ ٤] ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور:٣٢/ ٢٤] فيعمل بها على إطلاقها، والأحاديث الواردة لا تصلح مقيدة.
وهذا هو مذهب الشيعة الإمامية (٣)، فإنهم قالوا: يستحب الإعلان والإظهار في النكاح الدائم والإشهاد، وليس الإشهاد شرطاً في صحة العقد عند علمائنا أجمع.