← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

د - عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحُمر الأهلية زمن خيبر (١). وأما ابن عباس: فكان يجيز المتعة للمضطر فقط، روى عنه سعيد بن جبير أنه قال: سبحان الله، ما بهذا أفتيت، وإنما هي كالميتة لا تحل إلا للمضطر. وأما الشيعة فقد توسعوا فيها وجعلوا الحكم عاماً للمضطر وغيره، وللمقيم والمسافر. ومع ذلك فقد أنكر عليه الصحابة، مما يجعل رأيه شاذاً تفرد به، فقد أنكر عليه علي ﵁ قائلاً له: إنك امرؤ تائه (٢)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحُمر الإنسية، وأنكر عليه عبد الله بن الزبير ﵁، روى مسلم عنه أنه قام بمكة فقال: «إن إناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة - يعرِّض برجل هو عبد الله بن العباس - فناداه ابن عباس، فقال له: إنك لجِلْف (٣) جاف، فلعمري، لقد كانت المتعة تفعل في عهد أمير المتقين - أي رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك، فوالله لو فعلتها لأرجمنك بأحجارك». ثم نقل المحدثون عن ابن عباس أنه رجع عن قوله، روى الترمذي عنه أنه قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له فيها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر مايرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون:

стр. 6337

٢٣/ ٦]، قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام». وروى البيهقي أيضاً وأبو عوانة في صحيحه رجوع ابن عباس (١). والقول برجوعه هو الأصح لدى كثير من العلماء، ويؤكده إجماع الصحابة على التحريم المؤبد، ومن المستبعد أن يخالفهم، روى الحازمي في الناسخ والمنسوخ من حديث جابر بن عبد الله قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك، حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام، جاءت نسوة، فذكرنا تمتعنا، وهن تطفن في رحالنا، فجاءنا رسول الله ﷺ ، فنظر إليهن، وقال: من هؤلاء النسوة؟ فقلنا: يارسول الله، نسوة تمتعنا منهن، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرَّت وجنتاه، وتمعَّر وجهه، وقام فينا خطيباً، فحمد لله وأثنى عليه، ثم نهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ الرجال والنساء، ولم نعد، ولا نعود لها أبداً، فبها سميت يومئذ: ثنية الوداع» (٢). وروى أبو عوانة عن ابن جريج أنه قال في البصرة: اشهدوا أني قد رجعت عن المتعة، بعد أن حدثهم فيها ثمانية عشرة حديثاً أنه لا بأس بها (٣). كل هذا يدل على نسخ إباحة المتعة، ولعل ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين لم يبلغه الدليل الناسخ. فإذا ثبت النسخ وجب المصير إليه، أو يقال: إن إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها، ثم ورد النص القاطع بالتحريم.

стр. 6338

أدلة الجمهور: استدل الجمهور على تحريم نكاح المتعة بالقرآن والسنة والإجماع والمعقول: ١ - أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم، أو ماملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون:٥/ ٢٣ - ٦] هذه الآىة حرمت الاستمتاع بالنساء إلا من طريقين: الزواج وملك اليمين، وليست المتعة زواجاً صحيحاً، ولا ملك يمين، فتكون محرمة، ودليل أنها ليست زواجاً أنها ترتفع من غير طلاق، ولا نفقة فيها، ولا يثبت بها التوارث. ٢ - وأما السنة: فالأحاديث الكثيرة السابقة المتفق عليها التي ذكرتها عن علي وسَبْرة الجهني وسلمة بن الأكوع وغيرهم ﵃، والمتضمنة النهي الصريح عن نكاح المتعة عام خيبر، وبعد فتح مكة بخمسة عشر يوماً، وفي حجة الوداع. ٣ - وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إلا الإمامية على الامتناع عن زواج المتعة، ولو كان جائراً لأفتوا به. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، أي في المتعة، ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها، إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها، إلا الروافض (١). ٤ - أما المعقول: فإن الزواج إنما شرع مؤبداً لأغراض ومقاصد اجتماعية، مثل سكن النفس وإنجاب الأولاد وتكوين الأسرة، وليس في المتعة إلا قضاء الشهوة بنحو مؤقت، فهو كالزنا تماماً، فلا معنى لتحريمه مع إباحة المتعة.

стр. 6339

وبه يتبين رجحان أدلة الجمهور والقول بتحريم المتعة وبطلان زواجها وبطلان الزواج المؤقت، وهذا ما يتقبله المنطق وروح الشريعة، ولا يمكن لأي إنسان متجرد محايد إلا إنكار المتعة والامتنا ع عنها نهائياً. الشرط الثالث - الشهادة: الكلام عن هذا الشرط في أربعة مواضع: آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة على الزواج، وقت الشهادة، حكمتها، شروط الشهود. أولاً - آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة: اتفقت المذاهب الأربعة (١) على أن الشهادة شرط في صحة الزواج، فلا يصح بلا شهادة اثنين غير الولي، لقوله ﷺ فيما روته عائشة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٢) وروى الدارقطني حديثاً عن عائشة أيضاً: «لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدين» وروى الترمذي عن ابن عباس من قوله ﵊: «البغايا: اللاتي يَنْكحن أنفسهن بغير بينة» (٣). ولأن في الشهادة حفاظاً على حقوق الزوجة والولد، لئلا يجحده أبوه، فيضيع نسبه، وفيها درء التهمة عن الزوجين، وبيان خطورة الزواج وأهميته. نكاح السر: تأكيداً لشرط الشهادة قال المالكية (٤): يفسخ نكاح السر (وهو

стр. 6340

الذي يوصي فيه الزوج الشهود بكتمه عن امرأته، أو عن جماعة ولو أهل منزل) بطلقة بائنة إن دخل الزوجان، كما يتعين فسخ النكاح بدخول الزوجين بلا إشهاد، ويحدان معاً حد الزنا جلداً أو رجماً إن حدث وطء وأقرَّا به، أو ثبت الوطء بأربعة شهود كالزنا، ولا يعذران بجهل. ولكن لا يجب الحد عليهما إن فشا النكاح وظهر بنحو ضرب دُفّ أو وليمة، أو بشاهد واحد غير الولي، أو بشاهدين فاسقين ونحو ذلك للشبهة، لقوله ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات» (١). وقال الحنابلة: لا يبطل العقد بتواص بكتمانه، فلو كتمه ولي وشهود وزوجان، صح وكره (٢). وهناك قول شاذ لابن أبي ليلى وأبي ثور وأبي بكر الأصم: لا تشترط الشهادة في الزواج ولا تلزم؛ لأن الآيات الواردة في شأن الزواج لا تشترط الإشهاد، مثل ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣/ ٤] ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور:٣٢/ ٢٤] فيعمل بها على إطلاقها، والأحاديث الواردة لا تصلح مقيدة. وهذا هو مذهب الشيعة الإمامية (٣)، فإنهم قالوا: يستحب الإعلان والإظهار في النكاح الدائم والإشهاد، وليس الإشهاد شرطاً في صحة العقد عند علمائنا أجمع.

стр. 6341

وهذا القول باطل لا يعول عليه؛ لأن أحاديث الإشهاد على الزواج مشهورة، فيصح أن يقيد بها مطلق الكتاب. ثانياً - وقت الشهادة: يرى الجمهور غير المالكية: أن الشهادة تلزم حين إجراء العقد، ليسمع الشهود الإيجاب والقبول عند صدورهما من المتعاقدين. فإن تم العقد بدون الشهادة وقع فاسداً، للحديث السابق: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» وظاهره عند النكاح، وبه تتحقق حكمة الشهادة، ولأن الشهادة - كما قال الحنفية - شرط ركن العقد، فيشترط وجودها عند الركن. ويرى المالكية: أن الشهادة شرط لصحة الزواج، سواء أكانت عند إبرام العقد، أم بعد العقد وقبل الدخول، ويستحب فقط كونها عند العقد، فإن لم تصح الشهادة وقت العقد أو قبل الدخول، كان العقد فاسداً، والدخول بالمرأة معصية، ويتعين فسخه كما بينت، فالشهادة عندهم شرط في جواز الدخول بالمرأة، لا في صحة العقد، وهذا محل الخلاف بين المالكية وغيرهم. ثالثاً - حكمة الإشهاد: الحكمة من اشتراط الإشهاد على الزواج بيان خطورته وأهميته، وإظهار أمره بين الناس لدفع الظِّنة والتهمة عن الزوجين. ولأن بالشهادة على الزواج التمييز بين الحلال والحرام، فشأن الحلال الإظهار، وشأن الحرام التستر عليه عادة. ويتحقق بالشهادة التوثق لأمر الزواج والاحتياط لإثباته عند الحاجة إليه.

стр. 6342

لهذا كله ندب الشرع إلى إعلان النكاح والدعوة إلى وليمته، فقال ﷺ : «أعلنوا النكاح» «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغِربال» أي الدُّف، «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة، فإذا خطب أحدكم امرأة وقد خَضِب بالسواد، فليُعْلمها لا يَغرُّها» (١). رابعاً - شروط الشهود: ينبغي توافر أوصاف معينة في الشهود وهي أولاً - أن يكونوا أهلاً لتحمل الشهادة وذلك بالبلوغ والعقل، وثانياً - أن يتحقق بحضورهم معنى الإعلان، وثالثاً - أن يكونوا أهلاً لتكريم الزواج بحضورهم. أما الأهلية: فتشترط في الشهود على الزواج بالاتفاق الأهلية الكاملة، وسماع كلام العاقدين وفهم المراد منهم، وتكون شروط الشهود هي ما يأتي: ١ - العقل: فلا تصح شهادة المجنون على عقد الزواج، إذ لا تتحقق الغاية من الشهادة وهي الإعلان وإثبات الزواج في المستقبل عند الجحود والإنكار. ٢ - البلوغ: فلا تصح شهادة الصبي ولو كان مميزاً، لأنه لا يتحقق بحضور الصبيان الإعلان والتكريم، ولا يتناسب حضورهم مع خطورة الزواج. وهذان الشرطان متفق عليهما بين الفقهاء، ويمكن جمعهما بشرط واحد وهو كون الشاهدين مكلفين، واختلفوا في شروط أخرى بحسب المقصود من الشهادة، أهو الإعلان فقط كما قال الحنفية، أم صيانة العقد من الجحود والإنكار كما قال الشافعية.

стр. 6343

٣ - التعدد: شرط باتفاق الفقهاء، فلا ينعقد النكاح بشاهد واحد، للحديث السابق: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل». وذكر الحنفية (١): أن من أمر رجلاً بأن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها والأب حاضر بشهادة رجل واحد سواهما، جاز النكاح؛ لأن الأب يجعل مباشراً للعقد لاتحاد المجلس، ويكون الوكيل سفيراً ومعبراً، فيبقى المزوج شاهداً. وإن كان الأب غائباً لم يجز الزواج؛ لأن المجلس مختلف، فلا يمكن أن يجعل الأب مباشراً. وإذا زوج الأب ابنته البالغة بمحضر شاهد واحد: إن كانت حاضرة جاز، وإن كانت غائبة لم يجز. ٤ - الذكورة: شرط عند الجمهور غير الحنفية، بأن يكون الشاهدان رجلين، فلا يصح الزواج بشهادة النساء وحدهن ولا بشهادة رجل وامرأتين، لخطورة الزواج وأهميته، بخلاف الشهادة في الأموال والمعاملات المالية، قال الزهري: «مضت السنّة ألا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق» (٢) ولأنه عقد ليس بمال، ولا يقصد منه المال، ويحضره الرجال في غالب الأحوال، فلا يثبت بشهادة النساء كالحدود. وقال الحنفية: تجوز شهادة رجل وامرأتين في عقد الزواج، كالشهادة في الأموال؛ لأن المرأة أهل لتحمل الشهادة وأدائها، وإنما لم تقبل شهادتها في الحدود والقصاص فللشبهة فيها بسبب احتمال النسيان والغفلة وعدم التثبت، والحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 6344

٥ - الحرية: شرط عند الجمهور غير الحنابلة، بأن يكون الشاهدان حرين، فلا يصح الزواج بشهادة عبدين، لخطورة عقد الزواج، ولأن العبد لا ولاية له على نفسه، ولا شهادة له لعدم الولاية، فلا تكون له ولاية على غيره، والشهادة من قبيل الولايات. وقال الحنابلة: ينعقد الزواج بشهادة عبدين؛ لأن شهادة العبيد مقبولة عندهم في سائر الحقوق، ولم يثبت نفيها في كتاب أو سنة أو إجماع، قال أنس بن مالك: ما علمت أحداً رد شهادة العبد، والله يقبلها على الأمم يوم القيامة، فكيف لا تقبل هنا؟ وتقبل روايته في الحديث عن النبي ﷺ إذا كان عدلاً ثقة، فكيف لا تقبل فيما دون ذلك؟ والمعول عليه في الشهادة الثقة بخبر الشاهد، فإذا كان العبد ثقة عدلاً فتقبل شهادته. ٦ - العدالة ولو ظاهرة: أي الاستقامة واتباع تعاليم الدين، ولو في الظاهر بأن يكون مستور الحال غير مجاهر بالفسق والانحراف. وهي شرط عند الجمهور في أرجح الروايتين عن أحمد، وفي الصحيح عند الشافعية، فلا يصح الزواج بشهادة الفاسق، للحديث السابق: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» ولأن الشهادة من باب الكرامة لتكريم الزواج وإظهار شأنه، والفاسق من أهل الإهانة فلا يكرم العقد به، وهذا هو الراجح. وقال الحنفية: العدالة ليست بشرط في الشهود، فيصح العقد بشهادة العدول وغير العدول من الفساق؛ لأن هذه الشهادة تحمّل، فصحت من الفاسق كسائر التحملات، وهو من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة. وهذا رأي الشيعة

стр. 6345

الإمامية أيضاً؛ لأن الشهادة عندهم ليست شرطاً لصحة العقد، بل هي مندوب إليها (١). ٧ - الإسلام: شرط بالاتفاق، بأن يكون الشاهدان مسلمين يقيناً، ولا يكفي مستور الإسلام، واشتراطه إذا كان الزوجان مسلمين، واكتفى الحنفية بهذا الشرط إذا كانت الزوجة مسلمة. فإن تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين صح عندهم؛ لأن شهادة الكتابي على مثله جائزة، ولا يصح عند غيرهم؛ لأن الزوج مسلم، ولا بد من معرفة الزواج في أوساط المسلمين. والسبب في اشتراط إسلام الشهود في نكاح المسلمين: أن لهذا العقد خطورة واعتباراً دينياً، فلا بد من أن يشهده مسلم، لينشر خبره بين المسلمين. وأما إن كان الزوجان غير مسلمين، فتقبل شهادة الكتابيين عند الحنفية. ٨ - البصر: شرط عند الشافعية في الأصح، فلا تقبل شهادة الأعمى؛ لأن الأقوال لا تثبت إلا بالمعاينة كالسماع، وهو لا يقدر على التمييز بين المدعي والمدعى عليه. وليس البصر بشرط عند الجمهور، فتصح شهادة الأعمى إذا سمع كلام العاقدين وميز صوتهما على وجه لا يشك فيهما؛ لأنه أهل للشهادة، وهذه شهادة على قول، فتصح كما تصح في المعاملات. ٩ - سماع الشهود كلام العاقدين وفهم المراد منه: شرط عند أكثر الفقهاء، فلا ينعقد بشهادة نائمين أو أصمين؛ لأن الغرض من الشهادة لا يتحقق بأمثالهما.

стр. 6346

كذلك لا يصح بشهادة السكران الذي لا يعي ما يسمع ولا يتذكره بعد الصحو. ولا يصح أيضاً بشهادة غير عربي في عقد بالعربية إذا كان لا يعرف اللغة العربية؛ لأن القصد من الشهادة فهم كلام العاقدين، وأداء الشهادة عند اللزوم والاختلاف. وهذا هو المذهب الراجح عند الحنفية. ولا يصح الزواج بشهادة الله ورسوله، بل قيل: إنه يكفر؛ لأنه اعتقد أن رسول الله ﷺ عالم الغيب. هذا ولا يشترط في الشهود أن يكونوا ممن لا ترد شهادتهم للزوجين في القضاء، فيصح الزواج بشهادة ابني الزوجين أوابني أحدهما إلا عند الحنابلة فلا يصح، وبشهادة عدويهما؛ لأن الولد والعدو من أهل الشهادة. ويصح بشهادة الحواشي والأعمام إذا كان الولي عند غير الحنفية غيرهم، فالولي عند الجمهور شرط كالشهود، والشهود غير الولي. وقد وضع الحنفية ضابطاً لمن تقبل شهادته في الزواج ومن لا تقبل، فقالوا: كل من صلح أن يكون ولياً في الزواج بولاية نفسه (١)، صلح أن يكون شاهداً فيه. وكما يشترط الإشهاد على صحة الزواج، يستحب أيضاً عند الجمهور غير الحنفية على رضا المرأة بالزواج، بأن قالت: رضيت أو أذنت فيه، حيث يعتبر رضاها بأن كانت غير مجبرة، وذلك احتياطاً ليؤمن إنكارها. موقف القانون من الشهادة: أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري (م ١٢)

стр. 6347

بمذهب الحنفية في الشهادة، فنص على أنه: «يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين رجلين، أو رجل وامرأتين، مسلمين عاقلين بالغين، سامعين الإيجاب والقبول، فاهمين المقصود بهما»، أي أن هذا في الزواج بين مسلمين، أما بين كتابيين فيصح بشهادة شاهدين من أهل الكتاب، ولو كانا مخالفين لدين الزوجة، كشهادة نصرانيين على الزواج بيهودية. الشرط الرابع - الرضا والاختيار من العاقدين أو عدم الإكراه: هو شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا يصح الزواج بغير رضا العاقدين، فإن أكره أحدهما على الزواج بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس المديد، كان العقد فاسداً، لقوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). وأخرج النسائي عن عائشة: «أن فتاة - هي الخنساء ابنة خِدَام الأنصارية - دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته (٢)، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء» (٣) والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفي التزويج. فدل الحديثان على أن الرضا شرط لصحة الزواج، والإكراه يعدم الرضا، فلا يصح معه الزواج. وهذا هو الراجح؛ لأن التراضي أصل في العقود، والعقد للزوجين، فاعتبر تراضيهما به كالبيع. وقال الحنفية: حقيقة الرضا ليس شرطاً لصحة النكاح، فيصح الزواج ومثله

стр. 6348

الطلاق مع الإكراه والهزل؛ لأن المستكره قاصد عقد الزواج، لكنه غير راض بالحكم الذي يترتب عليه، فهو مثل الهازل، والهزل لا يمنع صحة الزواج، لقول النبي ﷺ : «ثلاث جِدهن جد، وهَزْلهن جِد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (١). لكن هذا القياس يصادم الثابت في السنة. الشرط الخامس - تعيين الزوجين: ذكر الشافعية والحنابلة هذا الشرط، فلا يصح العقد إلا على زوجين معينين؛ لأن المقصود في النكاح أعيانهما أو التعيين، فلم يصح بدون تعيينهما، فلو قال الولي: زوجتك ابنتي، لم يصح حتى يعينها بالاسم أو بالصفة أو بالإشارة، فإن سماها باسم يخصها، أو وصفها بما تتميز به عن غيرها، بأن تكون الصفة لا يشركها فيها غيرها من أخواتها، كبنتي الكبرى أو الصغرى أو الوسطى أو البيضاء ونحوه، أوأشار إليها بأن قال: هذه، صح العقد، ولو سماها الولي في حال الإشارة، بغير اسمها، أو لم يكن له إلا بنت واحدة صح أيضاً؛ لأن مع التعيين بالإشارة لا حكم للاسم، فلو قال: زوجتك بنتي فاطمة هذه، وأشار إلى خديجة، فيصح العقد على خديجة؛ لأن الإشارة أقوى. وفي حال انفرادها عنده لا جهالة؛ لأن عدم التعيين إنما جاء من التعدد، ولا تعدد هنا. فإن حدث خطأ في الإيجاب والقبول بأن نوى الولي البنت الكبيرة، ونوى الزوج البنت الصغيرة، لم يصح العقد، كما تقدم؛ لأن الإيجاب في امرأة، والقبول في أخرى.

стр. 6349

الشرط السادس - عدم الإحرام بالحج أو العمرة من أحد الزوجين أو الولي: هو شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا يصح الزواج إذا كان أحد العاقدين محرماً بحج أو عمرة، ولايجوز نكاح المحرم ولا إنكاحه لقوله ﷺ فيما رواه عثمان: «لايَنْكح المُحْرِم، ولايُنْكح» (١) وفي رواية لمسلم: «ولا يخطُب» أي لنفسه أو لغيره. فهذا نهي صريح للمحرم بحج أو عمرة أن يتزوج أو يزوج غيره، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأن الإحرام انقطاع للعبادة، والزواج سبيل إلى المتعة، فيتنافى مع الإحرام، فيمنع أثناءه. وأضاف المالكية أنه يفسخ وإن دخل الزوج وولدت، وفسخه بغير طلاق. وقال الحنفية: ليس هذا شرطاً لصحة الزواج، فيصح مع الإحرام، سواء أكان المحرم هو الزوج أم الزوجة أم الولي، أي يجوز نكاح المحرم وإنكاحه، بدليل أن النبي ﷺ فيما رواه ابن عباس تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم (٢). والحق رجحان الرأي الأول، لورود رواية أخرى من طرق شتى عن ميمونة نفسها: «أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال» (٣) فإذا تعارض الخبران رجحت رواية الكثرة، فيكون الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، وحديث عثمان صحيح في منع المحرم، فهو المعتمد. وقد تؤول حديث ابن عباس بأن معنى (وهو محرم) أي داخل في الحرم، أو في الأشهر الحرم (٤).

стр. 6350

الشرط السابع - أن يكون الزواج بصداق: هذا الشرط والشرطان الآتيان بعده مما اشترطه المالكية، وهو أن يكون الزواج بصداق (مهر)، فإن لم يذكر حال العقد، فلا بد من ذكره عند الدخول، أو يتقرر صداق المثل بالدخول. الشرط عندهم وجود الصداق، فلا يصح الزواج بدونه، لكن لا يشترط ذكره عند العقد، بل يستحب فقط، لما فيه من اطمئنان النفس، ودفع توهم الاختلاف في المستقبل. فإن لم يذكر المهر حين العقد صح الزواج، ويسمى الزواج حينئذ زواج التفويض. زواج التفويض: هو عقد بلا ذكر - أي تسمية - مهر ولا إسقاطه (١)، وهو جائز عند المالكية، أما لو تزوج رجل امرأة، وتراضيا على الزواج بدون مهر، أو اشترطا عدم المهر أو سميا شيئاً لا يصلح مهراً كالخمر والخنزير، فلا يصح الزواج، ويجب فسخه قبل الدخول، وإن دخل الرجل بالمرأة ثبت العقد، ووجب للزوجة مهر المثل (٢)، أي إن حدث الدخول على إسقاط المهر، فليس من التفويض، بل هو نكاح فاسد. وقال الجمهور (٣): لا يفسد العقد بالزواج بدون مهر، أو باشتراط عدم المهر، أو بتسمية شيء لا يصلح مهراً؛ لأن المهر ليس ركناً في العقد ولا شرطاً له، بل هو حكم من أحكامه، فالخلل فيه لا تأثير له على العقد. وهذا هو الراجح، إذ

стр. 6351

لو كان المهر شرطاً في العقد لوجب ذكره حين العقد، وهو لا يجب أن يذكر حين العقد لكن يجب مهر المثل. لهذا كان زواج التفويض (وهوإخلاء النكاح عن المهر) صحيحاً بالاتفاق (١). الشرط الثامن - عدم تواطؤ الزوج مع الشهود على كتمان الزواج: هو شرط أيضاً عند المالكية، فإذا حدث التواطؤ بين الزوج والشهود على كتمان الزواج عن الناس أو عن جماعة، بطل الزواج. وهذا ما يعرف - كما تقدم - بنكاح السر: وهو ما أوصى فيه الزوج الشهود بكتمه عن زوجته أو عن جماعة، وأهل منزل، أو زوجة قديمة، إذا لم يكن الكتم خوفاً من ظالم أو نحوه. وحكمه: أنه يجب فسخه إلا إذا دخل بالمرأة. فإن كان الإيصاء للشهود بالكتمان من الولي فقط، أو الزوجة فقط، دون الزوج، أو اتفق الزوجان والولي على الكتم دون إيصاء الشهود، أو أوصى الزوج الولي والزوجة معاً، أو أحدهما على الكتم، لم يضر، ولم يبطل العقد (٢). وقال الجمهور: ليس هذا شرطاً لصحة العقد، فلو اتفق الزوج مع الشهود على كتمان الزواج عن كل الناس أو عن بعضهم، لم يفسد العقد؛ لأن إعلان الزواج يتحقق بمجرد حضور الشاهدين. الشرط التاسع - ألا يكون أحد الزوجين مريضاً مرضاً مخوفاً: هو شرط أيضاً عند المالكية، فلا يصح نكاح المريض والمريضة المخوف

стр. 6352

عليهما، على المشهور، والمرض المخوف: هو ما يتوقع منه الموت عادة، ويفسخ الزواج إن وقع ولو بعد الدخول، إلا إن صح المريض قبل الفسخ، فإن لم يدخل الزوج فليس للمرأة صداق، وإن دخل فلها الصداق المسمى. ولو مات أحدهما قبل الفسخ ولو بعد الدخول لا يرثه الآخر؛ لأن سبب فساده إدخال وارث في التركة لم يكن موجوداً قبل المرض. لكن إن مات الزوج قبل فسخ الزواج بعد الدخول، فللزوجة الأقل من ثلث التركة ومن المسمى ومن مهر المثل؛ لأن الزواج في المرض المخوف تبرع، وتبرع المريض مرض الموت لا ينفذ إلا من الثلث (١). الشرط العاشر - حضور الولي: هو شرط عند الجمهور غير الحنفية، فلا يصح الزواج إلا بولي، لقوله تعالى: ﴿فلا تعضُلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة:٢٣٢/ ٢] قال الشافعي: هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى. ولقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (٢) وهو لنفي الحقيقة الشرعية، بدليل حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٣). ولا يصح حمل الحديث الأول على نفي الكمال؛ لأن كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية، أي لا نكاح شرعي أو موجود في الشرع إلا بولي.

стр. 6353

ولا يفهم من الحديث الثاني صحة الزواج بإذن الولي؛ لأنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لأن الغالب أن المرأة إنما تزوج نفسها بغير إذن وليها. ويؤكده حديث ثالث: «لا تزوج المرأة ُ المرأة َ، ولا تزوج المرأة نفسها» (١) فإنه يدل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها ولا لغيرها، فلا عبارة لها في النكاح إيجاباً ولا قبولاً، فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيرها، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة. والخلاصة: أن الجمهور يقولون: لا ينعقد النكاح بعبارة النساء أصلاً، فلو زوجت امرأة نفسها، أو غيرها، أو وكلت غير وليها في تزويجها ولو بإذن وليها، لم يصح نكاحها لعدم وجود شرطه وهو الولي. وقال الحنفية في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: للمرأة العاقلة البالغة تزويج نفسها وابنتها الصغيرة، وتتوكل عن الغير، ولكن لو وضعت نفسها عند غير كفء، فلأوليائها الاعتراض. وعبارتهم: ينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها ولي، بكراً كانت أم ثيباً، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في ظاهر الرواية، والولاية مندوبة مستحبة فقط. وعند محمد: ينعقد موقوفاً (٢). ودليلهم من القرآن: إسناد النكاح إلى المرأة في آيات ثلاث هي: ﴿فإن طلقها فلا تحل له مِنْ بَعْدُ حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢]، ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضُلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة:٢٣٢/ ٢] فالخطاب للأزواج، لا للأولياء كما قال الجمهور، وآية: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا

стр. 6354

جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٤/ ٢] هذه الآيات صريحة في أن زواج المرأة يصدر عنها. ودليلهم من السنة: حديث «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها» (١) وفي رواية «لا تنكح الأيم - التي فارقت زوجها بطلاق أو موت - حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» (٢) الحديث صريح في جعل الحق للمرأة الثيب في زواجها، والبكر مثلها، ولكن نظراً لغلبة حيائها اكتفى الشرع باستئذانها بما يدل على رضاها، وليس معناه سلب حق مباشرتها العقد، بما لها من الأهلية العامة. وهناك رأي وسط للفقيه أبي ثور من الشافعية (٣): وهو أنه لا بد في الزواج من رضا المرأة ووليها معاً، وليس لأحدهما أن يستقل بالزواج بدون إذن الآخر ورضاه، ومتى رضيا فلكل واحد إجراء العقد؛ لأن المرأة كاملة الأهلية في التصرفات. شروط النفاذ: اشترط الحنفية لنفاذ عقد الزواج وترتب آثاره عليه بالفعل بعد انعقاده صحيحاً الشروط الخمسة التالية (٤): ١ - أن يكون كل من الزوجين كامل الأهلية إذا تولى عقد الزواج بنفسه، أو

стр. 6355

بوكيل عنه، وكمال الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، فمتى كان كل من الزوجين عاقلاً بالغاً حراً، نفذ العقد وترتبت آثاره عليه، من حل الدخول ووجوب المهر وغيرهما، وقال محمد كما تقدم: إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة نفسها بدون ولي، كان زواجها موقوفاً على إجازة الولي. أما إن باشر عقد الزواج صبي مميز أو عبد، فيتوقف العقد عند الحنفية والمالكية على إجازة الولي من أب ونحوه، أو سيد. وإن باشره مجنون أوغير مميز فلا ينعقد أصلاً. وعند الشافعية والحنابلة: لا تنعقد تصرفات العبد والصبي المميز وغير المميز أصلاً، بل هي باطلة. ٢ - أن يكون الزوج رشيداً، إذا تولى الزواج بنفسه: هذا شرط عند المالكية، فإن كان سفيهاً غير رشيد: وهو الذي لا يحسن التصرف في ماله، وتزوج بدون إذن الولي، توقف عقد زواجه عند المالكية على إجازة وليه (١). وقال الشافعية والحنابلة (٢): الرشد شرط لصحة الزواج، فلو تزوج السفيه بغير إذن وليه، كان الزواج باطلاً؛ لأنه تصرف يجب به مال، وفي الزواج ودفع المهر والنفقة إتلاف للمال أو مظنة إتلافه. وقال الحنفية (٣): ليس الرشد شرطاً لصحة الزواج ولا لنفاذه، فإن تزوج السفيه امرأة جاز زواجه؛ لأنه من حوائجه الأصلية وتصرفاته الشخصية، والحجر

стр. 6356

إنما هو على التصرفات المالية المحضة. والقاعدة عندهم: أن كل ما لا يؤثر فيه الهزل كالعتق والنكاح، لا يؤثر فيه الحجر، لكن لا يثبت للمرأة أكثر من مهر المثل إذا كان السفيه هو الزوج، ويثبت فيه مهر المثل على الأقل إذا كانت الزوجة هي السفيهة. ٣ - ألا يكون العاقد ولياً أبعد مع وجود الولي الأقرب المقدم عليه: شرط نفاذ عند الحنفية، فإن زوج الولي الأبعد مع وجود الأقرب منه، كان العقد موقوفاً على إجازة الولي الأقرب. وهو شرط صحة عند الشافعية والحنابلة (١)، فلا يصح زواج الولي الأبعد مع وجود الأقرب إلا إذا كان هناك مانع كالجنون واختلال النظر بهرم أو خَبَل (فساد في العقل)، والصغر، والحجر بسفه، والعضل (أي المنع من الزواج بغير حق). وقال المالكية (٢): إن كان الولي الأقرب غير مجبر كالابن والأخ والجد والعم، كان العقد صحيحاً مكروهاً. وإن كان الأقرب ولياً مجبراً (وهو الأب) فسخ العقد أبداً، إلا إذا أجازه الولي الأقرب، وكان الذي تولاه مفوضاً إلىه الأمر بالبينة. ٤ - ألا يخالف الوكيل موكله فيما وكله به: فإذا وكل شخص غيره ليزوجه فتاة معينة أو بمهر معين، فزوجه فتاة غيرها، أوزوجه بمهر أكثر، لم ينفذ العقد، وكان موقوفاً على إجازة الموكل. فلو لم يعلم حتى دخل بقي الخيار له بين إجازته وفسخه، ويكون للمرأة عند الحنفية الأقل من المسمى ومهر المثل؛ لأن الموقوف كالفاسد.

стр. 6357

٥ - ألا يكون العاقد فضولياً: والفضولي: هو من لا يكون له ولاية التزويج وقت العقد. وهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية. فإذا زوج شخص امرأة لرجل وقبل عنه، دون ولاية ولا وكالة عنه وقت العقد، كان الزواج موقوفاً على إجازة الزوج عندهم. وأما عند الشافعية والحنابلة فتصرف الفضولي من بيع وزواج باطل. شروط اللزوم: معنى لزوم العقد: ألا يكون لأحد العاقدين أو لغيرهما حق فسخه بعد انعقاده، بأن يخلو العقد من الخيار. ويشترط للزوم الزواج أربعة شروط هي (١): ١ - أن يكون الولي المزوج لفاقد الأهلية كالمجنون والمعتوه، أو ناقصها وهو الصغير والصغيرة: هو الأب أو الجد، وهو شرط عند أبي حنيفة ومحمد. فلو كان المزوج لهما غيرهما كالأخ والعم، كان لكل منهما حق فسخ العقد عند زوال المانع أي الإفاقة من الجنون أو العته، والبلوغ بعد الصغر، حتى ولو كان الزواج بالكفء وبمهر المثل (٢)؛ لأن قرابة غير الأصل والفرع قرابة حواشي، فلا يساوون الأصل والفرع بالشفقة، فيقدر زواجهم بالمصلحة الظاهرة، ويعطى المتزوج خيار الفسخ. ودليل أبي حنيفة ومحمد: ما روي أن قدامة بن مظعون زوَّج بنت أخيه:

стр. 6358

عثمان بن مظعون، من عبد الله بن عمر ﵁، فخيرها رسول الله ﷺ بعد البلوغ، فاختارت نفسها، حتى روي أن ابن عمر قال: إنها انتزعت مني بعد ما ملكتها. وقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط، ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، فلا يثبت الخيار للمولى عليه؛ لأن هذا النكاح صدر من ولي، فيلزم، كما إذا صدر عن الأب والجد، لأن ولاية التزويج ولاية نظر في حق المولى عليه، وقد اجتهد الولي في تحقيق المصلحة، ونظر فيما هو الأولى والأصلح. فإذا زوج الحاكم فاقد الأهلية أو ناقصها، فلا خيار للمولى عليه في رأي أبي حنيفة خلافاً لمحمد؛ لأن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس والمال، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة، فتلزم ولاية الحاكم. ٢ - أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير رضا الأولياء بمهر مثلها، وكان لها ولي عاصب (١) لم يرض بهذا الزواج، فلهذا الولي طلب فسخ الزواج من القاضي. وهذا شرط عند الحنفية في ظاهر الرواية. وكذلك قال أئمة بقية المذاهب: الكفاءة في الزوج شرط للزوم الزواج، لا لصحته، فيصح النكاح مع فقدها، وهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة، فلو زوجت المرأة بغير كفء، فلمن لم يرض بالنكاح الفسخ، فوراً أو تراخياً، سواء من المرأة أو الأولياء

стр. 6359

جميعهم؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه كخيار البيع، ويملكه الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب منهم به، ومع رضا الزوجة، دفعاً لما يلحقه من لحوق العار. والدليل على أن الكفاءة شرط لزوم لا شرط صحة أنه ﷺ : «أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره» (١) وروت عائشة «أن أبا حذيفة ابن عقبة بن ربيعة تبنى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه: الوليد بن عقبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» (٢) وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: «رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال» (٣). ٣ - أن يكون المهر بالغاً مهر المثل إذا زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء، بغير رضا الأولياء، وألا يقل عن مهر المثل إذا زوجت المرأة نفسها من كفء. وهذا عند أبي حنيفة، فللأولياء حق الاعتراض وطلب فسخ الزواج، إلا إذا قبل الزوج زيادة المهر إلى مهر المثل، فلا يكون للولي حينئذ حق الفسخ، وبناء عليه إما أن يزيد الزوج إلى مهر المثل أو يفرق بينهما. وعند أبي يوسف ومحمد: ليس هذا بشرط، ويلزم النكاح بدونه. ٤ - خلو الزوج عن عيب الجب والعنة عند عدم الرضا من الزوجة بهما. هذه هي شروط الزواج الشرعية، أما الشروط القانونية الموضوعة لإجراء عقد الزواج رسمياً ولسماع دعوى الزوجية، لمنع الناس من تزويج الصغار، ومحاولة ادعاء الزوجية زوراً، فهي مجرد قيود قانونية.

стр. 6360

خلاصة شروط الزواج في كل مذهب على حدة: الحنفية: للزو اج شروط في الصيغة وفي العاقدين وفي الشهود: أما شروط الصيغة: (وهي الإيجاب والقبول) فهي: ١ - أن تكون بألفاظ مخصوصة: وهي إما صريحة وإما كناية، فالصريحة: هي ما كانت بلفظ التزويج والإنكاح وما اشتق منهما، سواء بلفظ الماضي، أم بلفظ المضارع بقرينة تدل على الحال، لا طلب الوعد، أم بلفظ الأمر: زوجني. والكناية: هي التي تحتاج إلى نية وأن تقوم قرينة على هذه النية، وهي ألفاظ الهبة أو الصدقة أو التمليك أو الجعل، والبيع والشراء، مع نية معنى الزواج. ولا ينعقد بلفظ الإجارة والوصية، ولا بلفظ الإباحة والإحلال والإعارة والرهن والتمتع والإقالة والخلع. ٢ - أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد. ٣ - ألا يخالف القبول الإيجاب. ٤ - أن تكون الصيغة مسموعة للعاقدين. ٥ - ألا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت كشهر، وهونكاح المتعة. وأما شروط العاقدين وهما الزوج والزوجة فهي: ١ - العقل: وهو شرط في انعقاد الزواج، فلا ينعقد زواج المجنون والصبي غير المميز. ٢ - البلوغ والحرية وهما شرطان للنفاذ.

стр. 6361

٣ - أن يضاف الزواج إلى المرأة أو إلى جزء يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة. فلا ينعقد الزواج بقوله: زوجني نصفها أو يدها أو رجلها. وأما الشهادة: فهي شرط لصحة الزواج، وتكون بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ولو كانا محرمين بالنسك، وشروط الشهود خمسة: ١ - ٣ - العقل والبلوغ والحرية: فلا يصح بشهادة مجنون أو صبي أو عبد. ٤ - الإسلام في أنكحة المسلمين: فلا يصح زواج المسلمين بشهادة الذميين، إلا إذا كانت المرأة ذمية، والرجل مسلماً، فيصح زواجها بشهادة ذميين. وإذا كان الزوجان غير مسلمين صح الزواج بشهادة غير المسلمين، سواء أكان الشاهدان موافقين للزوجين في الملة أم مخالفين. ٥ - أن يسمع الشهود كلام العاقدين معاً، فلا يصح بشهادة نائمين. وتصح شهادة الأخرس وفاقد النطق إذا كان يسمع ويفهم، ولا يشترط فهم الشهود معنى اللفظ بخصوصه، وإنما يشترط أن يعلموا أن هذا اللفظ ينعقد به الزواج. فإذا تزوج عربي بحضرة أعجميين، صح الزواج إذا عرفا أن الإيجاب والقبول ينعقد بهما الزواج، وينعقد بحضرة السكارى إذا كانا يعرفان أن هذا ينعقد به الزواج. ولا تشترط العدالة، فيصح الزواج بشهادة عدول أو غير عدول أو محدودين في القذف. ولا يشترط في الزواج اختيار العاقدين، فلو أكره أحدهما على النكاح انعقد، ومثله الطلاق والعتق؛ لأن هذه الثلاثة تنعقد في حال الجد والهزل. المالكية: يشترط في الصيغة ما يلي:

стр. 6362

١ - أن تكون بألفاظ مخصوصة: وهي أن يقول الولي: زوجت أو أنكحت، أو يقول الزوج: زوجني فلانة. ويكفي في القبول أن يقول: قبلت أو رضيت أو نفذت أو أتممت. ٢ - الفور: ألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل طويل، ولا يضر الفاصل اليسير. ٣ - ألا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت: وهذا هو نكاح المتعة. ٤ - ألا يكون مشتملاً على الخيار، أو على شرط يناقض العقد، ويشترط في الزواج أن يكون بصداق، فإن لم يذكر حال العقد، فلا بد من ذكره عند الدخول. وأن يكون الصداق مما يملك شرعاً، فلا يصح بخمر أو خنزير أو ميتة، أو مما لا يصح بيعه كالكلب أو كان جزء ضحية. وتشترط الشهادة، ولكن لا يلزم أن يحضر الشهود عند العقد، بل يندب ذلك فقط. ويشترط في الزوجين: الخلو من الموانع كالإحرام، وألا تكون المرأة زوجة للغير أو معتدة منه، وألا يكونا محرمين بنسب أو رضاع أو مصاهرة. ويشترط في الزوج لصحة الزواج أربعة شروط وهي: الإسلام في نكاح مسلمة، والعقل، والتمييز، وتحقق الذكورة، تحرزاً من الخنثى المشكل فإنه لا يَنْكح ولا يُنكَح. ويشترط في الزوج لاستقرار الزواج خمسة شروط وهي:

стр. 6363

الحرية، والبلوغ، والرشد، والصحة، والكفاءة. وإذا أكره أحد الزوجين على الزواج، لم يلزم، وليس للمكرَه أن يجيزه؛ لأنه غير منعقد (١). الشافعية: اشترطوا شروطاً في الصيغة وفي الزوجين وفي الشهود: أما شروط الصيغة: فهي ثلاثة عشر شرطاً تشترط في العقود وهي ما يأتي: ١ - الخطاب: بأن يخاطب كل من العاقدين صاحبه. ٢ - أن يكون الخطاب واقعاً على جملة المخاطب، فلا يصح على جزئه. ٣ - أن يذكر المبتدئ بأحد شرطي العقد العوض والمعوض عنه كالثمن والمثمن. ٤ - أن يقصد العاقد معنى اللفظ الذي ينطق به. فإن جرى على لسانه فلا يصح. ٥ - ألا يتخلل الإيجاب والقبول كلام أجنبي. ٦ - ألا يتخلل الإيجاب والقبول سكوت طويل: وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول. ٧ - ألا يتغير كلام البادئ قبل قبول الآخر. ٨ - أن يكون كلام كل واحد من العاقدين مسموعاً لصاحبه ولمن يقرب منه من الحاضرين. فإن لم يسمعه من كان قريباً لا يكفي، وإن سمعه العاقد.

стр. 6364

٩ - أن يتوافق القبول مع الإيجاب معنى. ١٠ - ألا يعلق الصيغة بشيء لا يقتضيه العقد، مثل إن شاء فلان أو إن شاء الله. ١١ - ألا يؤقت كلامه بوقت. ١٢ - أن يكون القبول ممن وجه له الخطاب لا غيره. ١٣ - أن تستمر أهلية المتكلمين بالصيغة إلى أن يتم القبول، فلو جُنَّ أحدهما مثلاً قبل قبول الآخر بطل العقد. يظهر من هذه الشروط: أنه يشترط في الزواج عدم التعليق مثل: زوجتك ابنتي إن بعتني الأرض الفلانية. ويشترط فيه عدم التأقيت، مثل زوجيني نفسك مدة شهر، وهو نكاح المتعة. ويضاف إلى هذه الشروط: أن صيغة الزواج مقيدة بلفظي التزويج والإنكاح دون غيرهما، في الإيجاب والقبول. ولا بد من أن تكون الصيغة بلفظ الماضي، ولا يصح بلفظ المضارع؛ لأنه يحتمل الوعد ما لم يقل: الآن. ويصح العقد بالألفاظ المحرفة مثل: جوزتك موكلتي، حتى ولو لم تكن لغته على المعتمد، ويصح بلفظ الأمر: زوجني ابنتك، فيقول له: زوجتك، كما يصح بقول الولي: تزوج بنتي، فيقول له: تزوجت. وأما شروط الزوج: فهي أن يكون غير مَحْرم للمرأة، كأخ أو خال، من نسب أو رضاع أو مصاهرة. وأن يكون مختاراً غير مكره، وأن يكون معيناً فلا يصح نكاح المجهول، وألا يكون جاهلاً حِلَّ المرأة له، فلا يجوز أن يتقدم لنكاح امرأة وهو جاهل بحلها.

стр. 6365

وأما شروط الزوجة: فهي ألا تكون محرماً للزوج، وأن تكون معينة، وأن تخلو من الموانع الشرعية كالمتزوجة والمعتدة. وأما شروط الشهود: فهي الحرية والذكورة والعدالة والسمع والبصر، وكون الشاهد غير ولي متعين في الزواج، فلا يصح الزواج بشهادة عبد أو امرأة أو فاسق أو أصم أو أعمى أو خنثى مشكل، أو ولي يباشر العقد، فلا يكون الولي شاهداً، كالزوج ووكيله، فلا تصح شهادته مع وجود وكيله. وينعقد النكاح بابني الزوجين وأبويهما وعدويهما لثبوت النكاح بهما، وبمستوري العدالة. والشهود والولي ركنان في عقد الزواج. الحنابلة: للزواج خمسة شروط: ١ - تعيين الزوجين؛ لأن النكاح عقد معاوضة، أشبه تعيين المبيع في البيع، ولأن المقصود في النكاح التعيين، فلم يصح بدونه. ويشترط في الصيغة أن تكون بلفظ النكاح أو التزويج، لكن يكفي في القبول، كما قال المالكية، وخلافاً للشافعية أن يقول: قبلت أو رضيت، ولا يشترط فيه أن يقول: قبلت زواجها أو نكاحها. ولا يصح أن يتقدم القبول على الإيجاب، ويشترط الفور، فإن تأخر القبول عن الإيجاب حتى تفرقا أو تشاغلا بما يقطعه عرفاً فإنه لا يصح. ولا يشترط أن يكون اللفظ عربياً، فيصح بغير العربية من العاجز عن النطق بالعربية بشرط أن يؤدي معنى الإيجاب والقبول بلفظ التزويج أو النكاح. ولا يصح النكاح بالكتابة ولا بالإشارة إلا من الأخرس، فيصح منه بإشارته المفهمة.

стр. 6366

٢ - الرضا والاختيار من الزوجين أو من يقوم مقامهما، فإن لم يرضيا لم يصح النكاح، فلا يصح زواج المكره. ٣ - الولي: فلا يصح نكاح إلا بولي. ٤ - الشهادة على النكاح: فلا يصح إلا بشهادة ذكرين بالغين عاقلين عدلين ولو كانت عدالتهما ظاهراً، ولو رقيقين. وأن يكونا متكلمين مسلمين سميعين، فلا تصح بشهادة الأصم والكافر، وتصح شهادة الأعمى، وشهادة عدوي الزوجين، ويشترط أن يكونا من غير أصل الزوجين وفرعيهما، فلا تصح شهادة أبي الزوجة أو الزوج أو أبنائهما؛ لأن شهادتهما لا تقبل. ٥ - خلو الزوجين أوأحدهما من مانع المحرمية بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو مانع اختلاف الدين بأن يكون مسلماً وهي مجوسية ونحوه، أو كون المرأة في عدة ونحو ذلك، كأن يكون أحدهما محرماً بحج أو عمرة. المبحث الرابع - أنواع الزواج وحكم كل نوع: يتنوع الزواج بحسب اختلاف المذاهب في شروط الزواج، فهو عند الحنفية خمسة أنواع: وهي الزواج الصحيح اللازم، والصحيح غير اللازم، والموقوف، والفاسد، والباطل. وعند المالكية أربعة أنواع: وهي الزواج اللازم، وغير اللازم، والموقوف، والفاسد أو الباطل.

стр. 6367

وعند الشافعية والحنابلة ثلاثة أنواع: وهي الزواج اللازم، وغير اللازم، والفاسد أو الباطل. وأما الزواج المكروه فهو بالاتفاق من أنواع الزواج الصحيح اللازم. والمقصود بالزواج اللازم: هو الذي استوفى أركانه وشروط صحته ونفاذه ولزومه. والزواج غير اللازم: هو ما استوفى أركانه وشروط صحته ونفاذه وفقد شرطاً من شروط اللزوم. والزواج الموقوف: هو الذي استكمل أركانه وشروط صحته، وفقد شرطاً من شروط النفاذ. والزواج الباطل عند الجمهور: هو ما فقد ركناً من أركانه أو شرطاً من شروط صحته. وأما عند الحنفية: فهو ما فقد ركناًمن أركانه أوشرطاً من شروط انعقاده. والزواج الفاسد عند الحنفية: هو ما استوفى أركانه وشروط انعقاده وتخلف فيه شرط من شروط الصحة. ولا فرق عند الجمهور بين الفاسد والباطل. والمقصود بحكم الزواج هنا: الأثر المترتب على العقد، تبعاً لاستيفاء أركانه وشرائطه الشرعية وعدم استيفائه، وأبين هنا حكم كل نوع من أنواع الزواج السابقة. أنواع الزواج وحكمها في القانون: نص قانون الأحوال الشخصية السوري على أنواع الزواج وحكم كل نوع منها. ففي المادة (٤٧) نص على الزواج الصحيح: «إذا توافرت في عقد الزواج أركانه وسائر شرائط انعقاده، كان صحيحاً».

стр. 6368

ونصت المادة (٤٩) على آثار الزواج الصحيح وهي: «الزواج الصحيح النافذ تترتب علىه جميع آثاره من الحقوق الزوجية كالمهر ونفقة الزوجة ووجوب المتابعة وتوارث الزوجين، ومن حقوق الأسرة كنسب الأولاد وحرمة المصاهرة» أي أنه تثبت أحكام ستة بمجرد عقد الزواج الصحيح: وهي وجوب المهر، واستحقاق النفقة الزوجية، ومتابعة الزوجة لزوجها، واستحقاق الإرث، وثبوت نسب الأولاد من الأب، وحرمة المصاهرة. وفي المادة (٥٠) نص على أثر الزواج الباطل: «الزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح، ولو حصل فيه دخول». «ونصت المادة ٤٨/ ٢ على أن: زواج المسلمة بغير المسلم باطل». ونصت الفقرة (١) من هذه المادة على الزواج الفاسد: «كل زواج تم ركنه بالإيجاب والقبول واختل بعض شرائطه، فهو فاسد». ونصت المادة (٥١) على آثار الزواج الفاسد: ١ - الزواج الفاسد قبل الدخول في حكم الباطل. ٢ - ويترتب على الوطء فيه النتائج التالية: أـ المهر في الحد الأقل من مهر المثل والمسمى. ب - نسب الأولاد بنتائجه المبينة في المادة (١٣٣) من هذا القانون. جـ - حرمة المصاهرة.

стр. 6369

د - عدة الفراق في حالتي المفارقة أو موت الزوج، ونفقة العدة دون التوارث بين الزوجين. ٣ - تستحق الزوجة النفقة الزوجية مادامت جاهلة فساد النكاح. ونصت المادة (٥٢) على حكم الزواج الموقوف قبل الإجازة: الزواج الموقوف حكمه قبل الإجازة كالفاسد. ولم ينص هذا القانون على أحكام الزواج غير اللازم، إلا ما ذكر في بحث الكفاءة، حيث نصت المادة (٢٧) على أن للولي حق الفسخ إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير كفء. ونصت المادة (٣٠) على أن المرأة إذا حملت يسقط حق الفسخ لعدم الكفاءة. أحكام الزواج عند الفقهاء: حكم الزواج الصحيح اللازم: للزواج اللازم أو التام الذي استوفى أركانه وشروطه كلها آثار هي (١): ١ - حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على النحو المأذون فيه شرعا ً، ما لم يمنع منه مانع. والمأذون فيه شرعاً، ما لم يمنع منه مانع. والمأذون فيه ما يأتي: أـ حل الوطء في القبل لا الدبر: ولا يحل الوطء في حالة الحيض والنفاس، والإحرام، وفي الظهار قبل التكفير (إخراج الكفارة) لقوله سبحانه: ﴿والذين هم

стр. 6370

لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون:٢٣/ ٥ - ٦] ولقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل: هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] والنفاس أخو الحيض. وقوله : ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة:٢٢٣/ ٢] أي في أي وقت وكيفية شئتم في المكان المعروف وهو القبُل (١). وقول سبحانه: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٥٨/ ٣]. وقوله ﷺ : «ملعون من أتى امرأة في دُبُرها» (٢) «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدَّقه، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٣) وقوله أيضاً: «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوانٍ (٤)، لا يملكن لأنفسهن شيئاً … وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » (٥) وكلمة الله المذكورة في كتابه العزيز: لفظة الإنكاح والتزويج. لكن لا تطلق المرأة بالوطء في دبرها، وإنما يحق لها طلب الطلاق من القاضي بسبب الأذى والضرر.

стр. 6371

ما يقتضيه وطء الحائض في القبل: يلاحظ أن الوطء في الدبر حرام في أثناء الحيض وغيره، ويسن لمن وطئ الحائض أو النفساء في قبلها إذا كان عامدا عالماً بالتحريم بالحيض أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم، وبنصف دينار إن وطئها في إدباره (١)، لخبر: «إذا واقع الرجل أهله، وهي حائض، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فليتصدق بنصف دينار» (٢). ب - حل النظر والمس من رأسها إلى قدميها في حال الحياة؛ لأن إحلال الوطء إحلال للمس والنظر من طريق الأولى. وأما بعد الموت فلا يحل له المس والنظر عند الحنفية، ويحل عند الجمهور. جـ - ملك المتعة: وهو اختصاص الزوج بمنافع بُضع الزوجة وسائر أعضائها استمتاعاً. وهو عوض عن المهر، والمهر على الرجل، فيكون هذا الحكم على الزوجة خاصاً بالزوج. ٢ - ملك الحبس والقيد: أي صيرورة المرأة ممنوعة عن الخروج إلا بإذن الزوج، لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن﴾ [الطلاق:٦٥/ ٦] والأمر بالإسكان نهي عن الخروج، وقوله : ﴿وقَرْن في بيوتكن﴾ [الأحزاب:٣٣/ ٣٣] وقوله سبحانه: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن﴾ [الطلاق:٥٦/ ١]. ٣ - وجوب المهر المسمى على الزوج للزوجة: فهو حكم أصلي للزواج لا وجود له بدونه شرعاً؛ لأن المهر عوض عن ملك المتعة. ٤ - وجوب النفقة بأنواعها الثلاثة: وهي الطعام والكسوة والسكنى، ما لم

стр. 6372

تمتنع الزوجة عن طاعة زوجها بغير حق، فإن امتنعت سقطت نفقتها. ودليل الإلزام بالنفقة قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢/ ٢٣٣] وقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] وقوله : ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ [الطلاق:٦٥/ ٦] والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تمكَّن من الخروج للكسب، لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها. ٥ - ثبوت حرمة المصاهرة: وهي حرمة الزوجة على أصول الزوج وفروعه، وحرمة أصول الزوجة وفروعها على الزوج، لكن تثبت الحرمة في بعض الحالات بنفس عقد الزواج، وفي بعضها يشترط الدخول. ٦ - ثبوت نسب الأولاد من الزوج: بمجرد وجود الزواج في الظاهر، لقوله ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (١) وفي لفظ للبخاري: «لصاحب الفراش». ٧ - ثبوت حق الإرث بين الزوجين: إذا مات أحد الزوجين أثناء الزوجية أو في العدة من طلاق رجعي، بالاتفاق، أو من طلاق بائن في مرض الموت عند الجمهور غير الشافعية، حتى ولو بعد العدة عند المالكية والحنابلة. والدليل قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم .. ﴾ [النساء:٤/ ١٢] إلى قوله : ﴿ولهن الثمُن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ [النساء:٤/ ١٢].

стр. 6373

٨ - وجوب العدل بين النساء في حقوقهن عند التعدد (١): إذا كان للرجل أكثر من امرأة، فعليه عند الجمهور غير الشافعية العدل بينهن في حقوقهن من البيتوتة والنفقة (المشروب والملبوس) والكسوة والسكنى، أي التسوية بينهن فيما ذكر. فقد ندب إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة، فدل على أن العدل بينهن في القَسْم (وهو توزيع الزمان ليلاً ونهاراً إلا لحاجة على زوجاته إن كن اثنتين فأكثر) والنفقة واجبة، قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ [النساء:٣/ ٤] أي إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع، فواحدة، وقال تعالى: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء:٣/ ٤] أي تجوروا، والجور حرام، فكان العدل واجباً ضرورة. وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما تملك ولا أملك» (٢) قال الترمذي: يعني به الحب والمودة، وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء:٤/ ١٢٩] قال: في الحب والجماع. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان، يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة، يجرُّ أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً» (٣). والبداءة في القسم وفي مقدار الدور إلى الزوج، ويطوف إلى نسائه في

стр. 6374

منازلهم اقتداء برسول الله ﷺ ، ويمنع جمع المرأتين مع الرجل في فراش واحد، وإن بدون وطء، فلو كان عمل الزوج ليلاً كالحارس، ذكر الشافعية أنه يقسم نهاراً، قال الحنفية: وهو حسن. حال المرض: والمريض في وجوب القسم عليه كالصحيح البالغ العاقل ولو مجبوباً؛ لأن «رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها» (١). لكن قال المالكية: إن لم يقدر مريض على القسم لشدة مرضه، فعند من شاء منهن، بلا تعيين. نوع القسم: ولا يجب القسم في الوطء، وإنما في المبيت إلا إذا أراد إضرار امرأة، فيجب عليه ترك الضرر، فعماد القسم الليل، لقوله : ﴿وجعلنا الليل لباساً﴾ [النبأ:٧٨/ ١٠] قيل في التفسير: الإيواء إلى المساكن، ولأن النهار للمعيشة، والليل للسكون. لكن يستحب القسم في الاستمتاع؛ لأنه أكمل في العدل. القسم في السفر: قال الحنفية: لا قسم على الزوج إذا سافر، ولا يجب عليه أن يبيت عند الأخرى مقابل أيام السفر؛ لأن مدة السفر ضائعة، لكن الأفضل أن يقرع بينهن، فيخرج بمن خرجت قرعتها تطييباً لقلوبهن دفعاً لتهمة الميل عن نفسه، قالت عائشة: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه» (٢).

стр. 6375

ورأى المالكية كالحنفية أن الزوج إذا أراد سفراً اختار منهن للسفر معه من شاء، إلا إذا أراد السفر في قُرْبة أي عبادة كحج، فيُقرع بينهما أو بينهن. والحاصل أن الحنفية والمالكية لا يوجبون القرعة؛ لأنها من باب الخطر والقمار. لكن الحنابلة والشافعية قالوا: إنه لا يجوز للزوج اصطحاب إحداهن معه بغير قرعة، فإذا أراد السفر أقرع بينهن، فمن خرجت عليها القرعة، سافر بها؛ لأنه ﷺ : «كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرج بها معه» (١). أثر سفر المرأة على القسم: إن سافرت المرأة بغير إذن الزوج، سقط حقها من القسم والنفقة؛ لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد منعت ذلك بالسفر. فإن سافرت بإذن الزوج، قال الشافعية في الجديد: إن كان لغرضه يقضي لها، وإن كان لغرضها لا يقضي. وكذلك قال الحنابلة: يسقط حق المرأة في القسم والنفقة إن سافرت بغير إذنه لحاجتها أوغيرها، أو امتنعت من المبيت عنده، أو سافرت بإذنه لحاجتها. ولا يسقط حقها من نفقة ولا قسم إن بعثها الزوج لحاجته، أو انتقلت من بلد إلى بلد بإذنه. وقالوا أيضاً: لو سافر الزوج عن المرأة لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء، وإن طال سفره للعذر. هبة المرأة حقها: اتفق الفقهاء على أن للمرأة أن تهب حقها من القسم في جميع الزمان، وفي بعضه، لبعض ضرائرها، وعلى أنه إن رضيت بترك قسمها، جاز؛ لأنه حق ثبت لها، فلها أن تستوفي، ولها أن تترك، فقد ثبت أن سودة بنت زَمْعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (٢).
следующие страницы →