← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

في الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى، لما روت عائشة «أن النبيصلّى الله عليه وسلم صلاهما، فقلت له: أتقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» (١) ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى خروجاً من الخلاف. والمشهور في المذهب أنه لا يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي. ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي، لعموم النهي. كما لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها، ولا بين الشتاء والصيف، لعموم الأحاديث في النهي. كراهة التنفل في أوقات أخرى: كره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي (٢)، علماً بأن الكراهة تحريمية عند الحنفية في كل ما يذكر هنا: ١ - ما بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح: قال الحنفية: يكره تحريماً التنفل حينئذ بأكثر من سنة الفجر، وقال بعض الشافعية بكراهة التنزيه في هذا الوقت، والمشهور في المذهب خلافه، كما أن الصحيح عند الحنابلة جواز التنفل في هذا الوقت؛ لأن أحاديث النهي الصحيحة

стр. 667

ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر، وإنما فيه حديث ابن عمر، وهو غريب، فيجوز بناء عليه صلاة الوتر قبل الفجر. وقال المالكية: يكره تنزيهاً الصلاة تطوعاً بعد الفجر قبل الصبح، ويجوز فيه قضاء الفوائت وركعتا الفجر، والوتر، والوِرْد، أي ما وظفه من الصلاة ليلاً على نفسه. ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر: «لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الفجر» (١). ٢ - ما قبل صلاة المغرب: يكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلاة المغرب، للعمومات الواردة في تعجيل المغرب، منها حديث سلمة بن الأكوع: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غَرَبَتْ الشمس وتوارت بالحجاب» (٢) وحديث عقبة بن عامر: «لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» (٣) والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب، والمبادرة إلى أداء المغرب مستحبة. وقال الشافعية على المشهور: يستحب صلاة ركعتين قبل المغرب، وهي سنة غير مؤكدة، وقال الحنابلة: إنهما جائزتان وليستا سنة، ودليلهم: ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل «أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين» وقال

стр. 668

أنس: «كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب» (١) وعن عبد الله بن مُغَفَّل أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة» (٢). قال الشوكاني: والحق أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب مخصصة لعموم أدلة استحباب التعجيل. ٣ - أثناء خطبة الإمام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف والاستسقاء: يكره لدى الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، لحديث أبي هريرة: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» (٣)، وأضاف المالكية أنه يكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً إلى أن ينصرف الناس من المسجد. وكذلك يكره التنفل تنزيهاً في هذه الحالة عند الشافعية والحنابلة إلا تحية المسجد إن لم يخش فوات تكبيرة الإحرام، ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على الواجبات، فإن لم يكن صلى سنة الجمعة القبلية نواها مع التحية إذ لا يجوز له الزيادة على ركعتين، ولا تنعقد صلاة غير التحية عند الشافعية. ودليلهم خبر الصحيحين: «إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» فهو

стр. 669

مخصص لخبر النهي. وروى جابر، قال: «جاء سُلَيك الغطفاني، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: ياسليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما» (١) أي خفف فيهما. ٤ - ما قبل العيد وبعده: يكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلاة العيد وبعده، لحديث أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله، صلى ركعتين» (٢) وأضاف الحنابلة: لا بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى. والكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للإمام والمأموم، وسواء أكان في المسجد أم المصلى، وأما عند المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى لا في المسجد. وقال الشافعية: يكره التنفل للإمام قبل العيد وبعده، لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي ﷺ ، فقد روى ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها» (٣). ولا يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، كذلك لا يكره النفل بعد العيد إن كان لا يسمع الخطبة، فإن كان يسمع الخطبة كره له. ٥ - عند إقامة الصلاة المكتوبة: قال الحنفية: يكره تحريماً التطوع عند إقامة الصلاة المفروضة، لحديث: «إذا

стр. 670

أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (١) إلا سنة الفجر إن لم يخف فوت جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده، فإن خاف تركها أصلاً، فيجوز الإتيان بسنة الفجر عند الإقامة، لشدة تأكدها، والحث عليها، ومواظبة النبي ﷺ عليها، قال ﵇: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٢) وقالت عائشة: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر» (٣). وروى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود: «أنه دخل المسجد، وأقيمت الصلاة، فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى أسطوانة». وكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة، لتفويته الفرض عن وقته. وقال الشافعي والجمهور (٤): يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء أكانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر، أم غيرها كتحية المسجد. وقد عنون النووي لهذا البحث بقوله: «باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، سواء السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها، سواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم لا» ودليل الجمهور على كراهة افتتاح النافلة: قوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» وفي الرواية الأخرى: «أن رسول الله ﷺ مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح، فقال: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً» ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة للصبح إلا

стр. 671

الفريضة (١)، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة، صار في معنى «من صلى الصبح أربعاً» لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً. والصحيح في حكمة النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة: أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. وفيه حكمة أخرى هو النهي عن الاختلاف على الأئمة. إلا أن الإمام مالك قال: إن لم يخف فوات الركعة ركعهما خارج المسجد.

стр. 672

الفَصْلُ الثَّالث: الأذان والإقامة أولاً - معنى الأذان، ومشروعيته وفضله، حكمه، شروطه، كيفيته، سننه ومكروهاته، إجابة المؤذن، ما يستحب بعد الأذان. ثانياً - صفة الإقامة أو كيفيتها، وأحكامها أولاً - الأذان: معنى الأذان: الأذان لغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس﴾ [التوبة:٩/ ٣]، أي إعلام ﴿وأذِّن في الناس بالحج﴾ [الحج:٢٢/ ٢٧] أي أعلمهم. وشرعاً: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة (١). أو هو الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة (٢). مشروعيته وفضله: دل القرآن والسنة والإجماع على شرعية الأذان؛ لأن فيه فضلاً كثيراً وأجراً عظيماً.

стр. 673

فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة … ﴾ [المائدة:٥/ ٥٨]. ومن السنة: أحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: «إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمّكم أكبركم» (١)، ودل حديث عبد الله بن زيد على كيفية الأذان المعروف بالرؤيا التي أيده فيها عمر بن الخطاب في حديث طويل، فقال النبي ﷺ : «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فإنه أندى صوتاً منك» (٢). وليس مستند الأذان الرؤيا فقط، بل وافقها نزول الوحي، فقد روى البزار: «أن النبي ﷺ أُري ليلة الإسراء، وأسمعه مشاهدة فوق سبع سموات، ثم قدّمه جبريل، فأمَّ أهل السماء، وفيهم آدم ونوح عليهم أفضل الصلاة والسلام، فأكمل له الله الشرف على أهل السموات والأرض، لكنه حديث غريب، والخبر الصحيح أن بدء الأذان كان بالمدينة كما أخرجه مسلم عن ابن عمر (٣). وعلى هذا كانت رؤيا الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وأيده النبي ﷺ . وفي الأذان ثواب كبير، بدليل قوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتهموا عليه، لا ستهموا عليه» (٤) وقوله ﵇: «إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة» (٥).

стр. 674

وفي حديث آخر: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة» (١). واعتبر الأذان مع الإقامة عند الشافعي في الأصح والحنابلة أفضل من الإمامة، لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً﴾ [فصلت:٣٣/ ٤١] قالت عائشة: هم المؤذنون، وللأخبار السابقة في فضيلته، ولقوله ﵊: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين» (٢) والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، ولم يتوله النبي ﷺ ولا خلفاؤه لضيق وقتهم عنه (٣). وقال الحنفية: الإقامة والإمامة أفضل من الأذان؛ لأن النبي ﷺ وخلفاءه تولوا الإمامة، ولم يتولوا الأذان. حكم الأذان: الأذان والإقامة عند الجمهور (٤) (غير الحنابلة) ومنهم الخرقي الحنبلي: سنة مؤكدة للرجال جماعة في كل مسجد للصلوات الخمس والجمعة، دون غيرها، كالعيد والكسوف والتراويح وصلاة الجنازة، ويقال فيها عند أدائها جماعة: «الصلاة جامعة» لما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو وقال: «لما

стр. 675

انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، نودي: الصلاة جامعةٌ» أما الأذان والإقامة، فلأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، والقيام إليها. ولاتسن للنافلة والمنذورة. ودليلهم على السنية الحديث السابق: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، لاستهموا عليه» ولأنه ﷺ لم يأمر بهما في حديث الأعرابي، مع ذكر الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة. وبناء عليه: لم يأثم أهل بلدة بالاجتماع على ترك الأذان إذا قام به غيرهم ولم يضربوا ولم يحبسوا. وأضاف الشافعية والمالكية أنه يستحب الإقامة وحدها لا الأذان للمرأة أو جماعة النساء، منعاً من خوف الفتنة برفع المرأة الصوت به. وقال الحنفية: إنه تكره الإقامة كالأذان للنساء؛ لما روي عن أنس وابن عمر من كراهتها لهن، ولأن مبنى حالهن على الستر، ورفع صوتهن حرام. الأذان للفائتة وللمنفرد: المعتمد عند الشافعي: أنه يستحب أيضاً الأذان والإقامة للمنفرد أيضاً أداء أو قضاء بالرغم من سماع أذان الحي أو المسجد، ويرفع صوته بالأذان إلا إذا كان بمسجد وقعت فيه جماعة، لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى، والأذان للفائتة هو المذهب القديم للشافعي وهو الأظهر كما أبان النووي، لما ورد في فضل الأذان من الأحاديث السابقة، ومنها ما رواه البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صًعْصعة: «أن أبا سعيد الخدري قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد لك يوم القيامة، سمعته من رسول الله ﷺ » (١). وإن اجتمع على المصلي فوائت، أو جمَع تقديماً

стр. 676

أو تأخيراً أذن للأولى وحدها، لما روى البخاري ومسلم عن جابر ﵁: «أنه ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين» والمستحب عند الشافعي أن يكون للجمعة أذان واحد بين يدي الإمام عند المنبر؛ لأنه لم يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي ﷺ إلا بلال. هذا مذهب الشافعية في الفوائت. وقال الحنفية: يؤذن المصلي للفائتة ويقيم؛ لأنها بمنزلة الحاضرة، فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية بعدها: إن شاء أذن وأقام لكل واحدة، وهو أولى؛ لأن ما سن للصلاة في أذانها، سن في قضائها كسائر المسنونات. وإن شاء اقتصر فيما بعد الأولى على الإقامة؛ لأن الأذان للاستحضار، وهم حضور، والأولى الأذان والإقامة لكل فريضة، بدليل حديث ابن مسعود عند أبي يعلى حينما شغل المشركون رسول الله ﷺ يوم الأحزاب عن الصلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر النبي بلالاً بالأذان والإقامة لكل صلاة (١). وقال مالك: إنه يقيم ولا يؤذن، لما روى أبو سعيد قال: «حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل، قال: فدعا رسول الله ﷺ بلالاً، فأمره فأقام الظهر فصلاها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها» ولأن الأذان للإعلام بالوقت، وقد فات. وعلى هذا قال المالكية: يكره الأذان لفائتة، ولصلاة ذات وقت ضروري (أي المجموعة مع غيرها جمع تقديم أو تأخير) ولصلاة جنازة ونافلة كعيد وكسوف. وقيد المالكية سنية الأذان في كل مسجد ولو تلاصقت المساجد: بجماعة

стр. 677

طلبت غيرها، سواء في حضر أو سفر، ولا يسن لمنفرد أو جماعة لم تطلب غيرها، بل يكره لهم إن كانوا في حضر. ويندب لمنفرد أو لجماعة لا تطلب غيرها في أثناء السفر، ولو لمسافة دون مسافة القصر (٨٩ كم). أما أكثر الحنابلة (١) فقالوا: الأذان والإقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس المؤداة والجمعة دون غيرها، للحديث السابق: «إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» والأمر يقتضي الوجوب على أحدهم، وعن أبي الدرداء مرفوعاً: «ما من ثلاثة لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان» (٢)، ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانا فرضي كفاية كالجهاد، فإذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وبناء عليه يقاتل أهل بلد تركوهما. ويكره ترك الأذان والإقامة للصلوات الخمس، ولا يعيد المصلي. ويكفي أذان واحد في المصر، ويكتفي بقية المصلين بالإقامة. وهو رأي الحنفية والمالكية أيضاً، خلافاً للشافعية كما بينت، ودليلهم أن ابن مسعود وعلقمة والأسود صلوا بغير أذان، قال سفيان: كفتهم إقامة المصر، لكن قال الحنفية: من صلى في بيته في المصر يصلي بأذان وإقامة ليكون الأداء على هيئة الجماعة، وإن تركهما جاز، لقول ابن مسعود: «أذان الحي يكفينا» لكنه غريب كما قال الزيلعي. ومن فاتته صلوات، أو جمع بين صلاتين في وقت أولاهما: استحب له أن يؤذن للأولى، ثم يقيم لكل صلاة إقامة، وهو موافق لقول الشافعية. ودليلهم على

стр. 678

ذلك حديث أبي سعيد المتقدم: «إذا كنت في غنمك .. » وحديث أبي قتادة «أنهم كانوا مع النبي ﷺ ، فناموا حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : يا بلال، قم فأذن الناس بالصلاة» (١). ومن دخل مسجداً قد صلي فيه، فإن شاء أذن وأقام، لما روى الأثرم وسعيد ابن منصور عن أنس: «أنه دخل مسجداً قد صلوا فيه، فأمر رجلاً فأذن وأقام، فصلى بهم في جماعة» وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة. وليس على النساء أذان ولا إقامة، خلافاً للشافعية والمالكية في الإقامة، لما روى النجاد بإسناده عن أسماء بنت بريد، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة». والخلاصة: أنه يؤذن للفائتة عند الجمهور، ويكره ذلك عند المالكية، ويسن الأذان للرجال دون النساء، بالاتفاق، وتسن الإقامة للمرأة سراً عند الشافعية والمالكية، وتكره عند الحنفية، ولا تشرع عند الحنابلة. ويكفي عند الجمهور أذان الحي، ولا يكفي عند الشافعية. شروط الأذان: يشترط في الأذان والإقامة ما يأتي (٢):

стр. 679

١ - دخول الوقت: فلا يصح الأذان ويحرم باتفاق الفقهاء قبل دخول وقت الصلاة، فإن فعل أعاد في الوقت؛ لأن الأذان للإعلام، وهو قبل دخول الوقت تجهيل. ولذا يحرم الأذان قبل الوقت لما فيه من التلبيس والكذب بالإعلام بدخول الوقت، كما يحرم تكرير الأذان عند الشافعية، وليس منه أذان المؤذنين المعروف في كل مسجد. لكن أجاز الجمهور غير الحنفية، وأبو يوسف: الأذان للصبح بعد نصف الليل، ويندب بالسَّحَر وهو سدس الليل الأخير، ثم يعاد استناناً عند طلوع الفجرالصادق (١)، لخبر الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» زاد البخاري: «وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت» لكن ينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يؤذن في وقت واحد في الليالي كلها، منعاً للالتباس على الناس. ويشترط في المرتب (الموظف) للأذان علمه بالمواقيت، أما غير الموظف فلا يشترط علمه بالمواقيت، فمن أذن لنفسه أو لجماعة مرة، أو كان أعمى، صح أذانه إذا علم من غيره دخول الوقت. ٢ - أن يكون باللغة العربية، فلا يصح بغيرها إن أذن لجماعة، فإن أذن غير العربي لنفسه وهو لا يحسن العربية، جاز عند الشافعية، ولم يجز مطلقاً عند الحنابلة والحنفية لوروده بلسان عربي كالقرآن.

стр. 680

٣ - يشترط في الأذان والإقامة إسماع بعض الجماعة، وإسماع نفسه إن كان منفرداً. ٤ - الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان والإقامة: اتباعاً للسنة كما روى مسلم وغيره، ولأن ترك الموالاة بين كلمات الأذان يخل بالإعلام، فلا يصح الأذان إلا مرتباً، كما لا يصح بغير المتوالي ويعاد غير المرتب وغير المتوالي، ولا يضر فاصل يسير بنوم أو إغماء أو سكوت أو كلام، ويبطل بالردة عند الفقهاء، فإن ارتد بعد انتهاء الأذان لم يبطل. وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة. وقال الحنفية والمالكية: يسن ترتيب كلمات الأذان والإقامة، والموالاة بينها، ويصح بغير الترتيب والموالاة، مع الكراهة، والأفضل أن يعيد الأذان والإقامة. ويرى بعض الحنابلة أن الأذان يبطل بالكلام المحرم ولو يسيراً كالسب ونحوه، وفي وجه آخر لا يبطل كالكلام المباح. ٥ - كونه من شخص واحد: فلو أذن مؤذن ببعضه، ثم أتمه غيره لم يصح، كما لايصح إذا تناوبه اثنان بحيث يأتي كل واحد بجملة غير التي يأتي بها الآخر؛ لأن الأذان عبادة بدنية، فلا يصح من شخصين يبني أحدهما على الآخر. أما اجتماع جماعة على الأذان، بحيث يأتي كل واحد بأذان كامل، فهو صحيح. وأضاف المالكية: أنه يكره اجتماع مؤذنين بحيث يبني بعضهم على ما يقول الآخر. ويكره تعدد الأذان لصلاة واحدة. ويلاحظ أن أول من أحدث أذانين اثنين معاً هم بنو أمية، والأذان الجماعي غير مكروه كما حقق ابن عابدين. ٦ - أن يكون المؤذن مسلماً عاقلاً (مميزاً)، رجلاً، فلا يصح أذان الكافر،

стр. 681

والمجنون والصبي غير المميز والمغمى عليه والسكران؛ لأنهم ليسوا أهلاً للعبادة، ولا يصح أذان المرأة؛ لحرمة أذانها ولأنه لا يشرع لها الأذان، فلا تصح إمامتها للرجال، ولأنه يفتتن بصوتها؛ ولا يصح أذان الخنثى، لأنه لا يعلم كونه رجلاً. وهذا شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة. ويقرب منهم مذهب الحنفية، لأنهم قالوا: يكره تحريماً أذان هؤلاء الذين لم تتوافر فيهم هذه الشروط، ويستحب إعادته. وعلى هذا: يسن عند الحنفية: أن يكون المؤذن رجلاً عاقلاً تقياً عالماً بالسنة وبأوقات الصلاة. ولا يشترط عند الجمهور (غير المالكية) البلوغ والعدالة، فيصح أذان الصبي المميز، والفاسق، لكن يستحب أن يكون المؤذن بالغاً أميناً، لأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة والصيام، فلا يؤمن أن يغرهم أذانه إذا لم يكن كذلك. وقال الحنفية: يكره أذان الفاسق ويستحب إعادته. وقال المالكية: يشترط العدالة والبلوغ في المؤذن، فلا يصح أذان الفاسق، والصبي المميز إلا إذا اعتمد في دخول الوقت على بالغ. واشتراطهم العدالة لحديث ابن عباس: «ليؤذن لكم خياركم، ويؤمكم قراؤكم» (١). ولا يشترط النية عند الحنفية، والشافعية في الأصح، لكن يشترط الصرف (أي عدم قصد غير الأذان) فلو قصد به تعليم غيره، لم يعتد به. وتشترط النية عند الفقهاء الآخرين، فإن أتى بالألفاظ المخصوصة بدون قصد الأذان لم يصح.

стр. 682

ولا يشترط في الأذان والإقامة عند جمهور الفقهاء: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، وعدم الكلام في أثنائه، وإنما يندب ذلك، ويكره الأذان عند الجمهور للمحدث، وللجنب أشد كراهة، والإقامة أغلظ، والكراهة تحريمية عند الحنفية بالنسبة للجنب، ويعاد أذانه عندهم وعند الحنابلة، ولا يكره عند الحنفية أذان المحدث على المذهب. ودليل ندب الطهارة حديث: «لا يؤذن إلا متوضئ» (١). ويكره الأذان قاعداً، مستدبراً القبلة، كما يكره الكلام فيه. ويسن عند المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، اتباعاً للسنة (٢)، فإن أقام غير المؤذن جاز؛ لأن بلالاً أذن، وعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام أقام، بأمر النبي ﷺ (٣). وبناء على هذه الشروط: يبطل الأذان والإقامة بردة وسكر وإغماء ونوم طويل وجنون وترك كلمة منهما، ووجود فاصل طويل من سكوت أو كلام. والمذهب عند الشافعية أنه إن ارتد في الأذان، ثم رجع إلى الإسلام في الحال، فله أن يبني على أذانه السابق. كيفية الأذان أو صيغته: اتفق الفقهاء على الصيغة الأصلية للأذان المعروف الوارد بكيفية متواترة من غير زيادة ولا نقصان وهو مثنى مثنى، كما اتفقوا على التثويب، أي الزيادة في أذان الفجر بعد الفلاح وهي (الصلاة خير من النوم) مرتين، عملاً بما ثبت في السنة عن بلال (٤)، ولقوله ﷺ لأبي محذورة - فيما رواه أحمد وأبو داود - «فإذا كان أذان

стр. 683

الفجر، فقل: الصلاة خير من النوم مرتين» و اختلفوا في الترجيع: وهو أن يأتي بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بهما جهراً، فأثبته المالكية والشافعية، وأنكره الحنفية والحنابلة، لكن قال الحنابل: لو أتى بالترجيع لم يكره. قال الحنفية والحنابلة على المختار (١): الأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه، كما جاء في خبرعبد الله بن زيد (٢) السبق، وهي: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله». وذلك - كما جاء في البدائع ومراقي الفلاح - بجزم الراء في التكبير، وتسكين كلمات الأذان، والإقامة كما قال المالكية. وجاء في الدر المختار: بفتح راء «أكبر» (٣) كما قال الشافعية، أي أنه يجمع كل تكبيرتين بنَفَس ويفتح الراء في الأولى في قوله (الله أكبر الله أكبر) ويسكِّن في الثانية. وقال بعض الشافعية: يسن الوقف على أواخر الكلمات في الأذان؛ لأنه روي موقوفاً. وقال المالكية والشافعية (٤): إن كلمات الأذان مشهورة، وعدتها بالترجيع

стр. 684

تسع عشرة كلمة، عملاً بالأذان المسنون وهو أذان أبي محذورة (١)، وفيه الترجيع: أي أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين. معاني كلمات الأذان: معنى ألفاظ الأذان: هو أن قوله (الله أكبر) أي من كل شي، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير. وقوله: (أشهد) أي أعلم. وقوله (حي على الصلاة) أي أقبلوا إليها، أو أسرعوا. والفلاح: الفوز والبقاء؛ لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله، فيبقى فيها ويخلَّد. والدعوة إلى الفلاح معناها: هلموا إلى سبب ذلك. وختم بـ (لا إله إلا الله) ليختم بالتوحيد وباسم الله تعالى، كما ابتدأ به (٢). سنن الأذان: يسن في الأذان ما يأتي (٣): ١ - أن يكون المؤذن صيِّتاً (عالي الصوت)، حسن الصوت، يرفع صوته بالأذان، على مكان مرتفع وبقرب المسجد، لقوله ﷺ في خبر عبد الله بن زيد

стр. 685

المتقدم: «ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً» أي أبعد، ولزيادة الإبلاغ، وليرقّ قلب السامع، ويميل إلى الإجابة، ولأن الداعي ينبغي أن يكون حلو المقال، وروى الدارمي وابن خزيمة: أن النبي ﷺ أمر عشرين رجلاً، فأذنوا، فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلّمه الأذان. أما رفع الصوت: فليكون أبلغ في إعلامه، وأعظم لثوابه، كما ذكر حديث أبي سعيد: «إذا كنت في غنمك .. » ولما رواه الخمسة إلا الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «المؤذن يغفر له مدَّ صوته، ويشهد له كل رطب ويابس»، ولكن لا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على طاقته، لئلا يضر بنفسه، وينقطع صوته. ويسن رفع الصوت بالأذان لمنفرد فوق ما يسمع نفسه، ولمن يؤذن لجماعة فوق ما يسمع واحداً منهم، ويخفض صوته في مصلى أقيمت فيه جماعة. وكونه على مرتفع، ليكون أيضاً أبلغ لتأدية صوته، روى أبو داود عن عروة ابن الزبير عن امرأته من بني النجار، قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحَر (وهو السدس الأخير من الليل)، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا صلى رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أستعينك وأستعديك على قريش: أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن» (١) وكونه بقرب المسجد؛ لأنه دعاء إلى الجماعة وهي فيه أفضل (٢)

стр. 686

٢ - أن يؤذن قائماً على حائط أو منارة للإسماع: قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن السنة أن يؤذن قائماً. وجاء في حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لبلال: «قم فأذن» (١)، وكان مؤذنو رسول الله ﷺ يؤذنون قياماً. فإن كان له عذر كمرض، أذن قاعداً. كذلك يسن أن يقيم قائماً. ٣ - أن يكون المؤذن حراً بالغاً أميناً صالحاً عالماً بأوقات الصلاة، لحديث ابن عباس السابق: «ليؤذن لكم خياركم ويؤمكم قراؤكم». وهذا سنة عند الجمهور غير المالكية، أما المالكية فيشترطون العدالة، كما أن الشافعية يشترطون في موظف الأذان العلم بالوقت. ٤ - أن يكون متوضئاً طاهراً، للحديث السابق: «لا يؤذن إلا متوضئ، وفي حديث ابن عباس: «إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر» (٢). ٥ - أن يكون المؤذن بصيراً؛ لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، فإن أذن الأعمى صح أذانه، فإن ابن مكتوم كان يؤذن للنبي ﷺ ، قال ابن عمرو فيما روى البخاري: «كان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت» وقال المالكية: يجوز أذان الأعمى إن كان تبعاً لغيره أو قلد ثقة في دخول الوقت. ٦ - أن يجعل أصبعيه في أذنيه، لأنه أرفع للصوت، ولما روى أبو حنيفة «أن بلالاً أذن، ووضع إصبعيه في أذنيه» (٣)، وعن سعد مؤذن رسول الله ﷺ «أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: إنه أرفع لصوتك» (٤).

стр. 687

٧ - أن يترسَّل (يتمهل أو يتأنى) في الأذان بسكتة بين كل كلمتين، ويحدُر (يسرع) في الإقامة، بأن يجمع بين كل كلمتين، لقول النبي ﷺ لبلال ﵁: «إذا أذنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدر» (١)، ولأن الأذان لإعلام الغائبين بدخول الوقت، والإعلام بالترسل أبلغ، أما الإقامة فلإعلام الحاضرين بالشروع في الصلاة، ويتحقق المقصود بالحدر. ٨ - أن يستقبل القبلة في الأذان والإقامة: لأن مؤذني النبي ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة ولأن فيه مناجاة فيتوجهه بها إلى القبلة. ويستحب في الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح): أن يدير أو يحول وجهه يميناً في الأولى، وشمالاً في الثانية، من غير أن يحول قدميه؛ لأن فيه مناداة فيتوجه به إلى من على يمينه وشماله، ولما روى أبو جحيفة قال: «رأيت بلالاً يؤذن، فجعلت أتَتبَّع فاه ههنا وههنا يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأصبعاه في أذنيه» (٢) وفي لفظ قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو في قبة حمراء من أَدَم (جلد) فخرج بلال، فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، التفت يميناً وشمالاً، ولم يستدر» (٣) ويصح عند الشافعية الإدارة في المنارة واستدبار القبلة إن احتيج إليه، وعند الحنابلة في ذلك روايتان عن أحمد: إحداهما - لا يدور للخبر السابق في استقبال القبلة، والثانية - يدور في مجالها، لأنه لا يحصل الإعلام بدونه. والرواية الثانية هي الصواب.

стр. 688

ويستحب بعد انتهاء الأذان: أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر المصلون، مع مراعاة الوقت المستحب، وفي المغرب بقدر قراءة ثلاث آيات قصار. ودليل هذا الاستحباب قوله ﵇: «يا بلال، اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مهل، ويقضي حاجته في مهل» (١). ولأن الذي رآه عبد الله بن زيد في المنام أذن، وقعد قعدة أي لانتظار الجماعة، حتى يتحقق المقصود من النداء. وقال الحنفية: يستحب بعد الأذان في الأصح أن يثوِّب في جميع الأوقات، كأن يقول: الصلاة الصلاة يامصلين، لظهور التواني في الأمور الدينية. وقال الشافعية: يسن أن يقول المؤذن بعد الأذان أو الحيعلتين في الليلة الممطرة أو ذات الريح أو الظلمة: (ألا صلوا في الرحال). ٩ - أن يؤذن محتسباً، ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجراً باتفاق العلماء. ولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية، والحنابلة في ظاهر المذهب؛ لأنه استئجار على الطاعة، وقربة لفاعله، والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه، فلا تجوز الإجار ة عليه كالإمامة غيرها، ولأن النبي ﷺ قال لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (٢). وأجاز المالكية والشافعية في الأصح الاستئجار على الأذان؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه كسائر الأعمال. وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم - كما سيأتي

стр. 689

في بحث الإجارة - بجواز أخذ الأجرة على القربات الدينية، ضماناً لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من بيت المال. كما أن الحنابلة قالوا: إن لم يوجد متطوع بالأذان والإقامة، أعطي من يقوم بهما من مال الفيء المعد للمصالح العامة. ١٠ - يستحب عند الجمهور غير الحنفية أن يكون للجماعة مؤذنان، لا أكثر؛ لأن النبي ﷺ «كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم» (١)، ويجوز الاقتصار على مؤذن واحد للمسجد، والأفضل أن يكون مؤذنان لهذا الحديث، فإن احتاج إلى الزيادة عليهما، جاز إلى أربعة؛ لأنه كان لعثمان ﵁ أربعة مؤذنين، ويجوز إلى أكثر من أربعة بقدر الحاجة والمصلحة عند الحنابلة والشافعية. وإذا تعدد المؤذنون فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد؛ كما فعل بلال وابن أم مكتوم، كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام. ويصح في حالة تعدد المؤذنين: إما أن يؤذن كل واحد في منارة، أو ناحية، أو يؤذنوا دفعة واحدة في موضع واحد. ١١ - يستحب أن يؤذن المؤذن في أول الوقت ليعلم الناس، فيستعدوا للصلاة، وروى جابر بن سمرة قال: «كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخر الإقامة شيئاً» (٢) وفي رواية قال: «كان بلال يؤذن إذا مالت الشمس لا يؤخر، ثم لا يقيم، حتى يخرج النبي ﷺ ، فإذا خرج أقام حين يراه» (٣).

стр. 690

١٢ - يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة، لما روت عائشة ﵄ أن بلالاً جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي ﷺ : مروا أبا بكر فليصل بالناس. وكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر ﵄، كما كان يسلم على رسول الله ﷺ . ١٣ - يستحب ألا يقوم الإنسان قبل فراغ المؤذن من أذانه، بل يصبر قليلاً إلى أن يفرغ أو يقارب الفراغ؛ لأن في التحرك عند سماع الأذان تشبهاً بالشيطان. مكروهات الأذان: للأذان مكروهات هي ما يأتي (١): ١ - يكره الأذان إذا لم تتوافر السنن السابقة، وقد عدد الحنفية أحوال الكراهة إذا لم تتحقق السنن، فقالوا: يكره تحريماً أذان جنب وإقامته، ويعاد أذانه، وإقامة المحدث على المذهب، وأذان مجنون ومعتوه وصبي لا يعقل، وامرأة وخنثى، وفاسق، وسكران، وقاعد إلا إذا أذن لنفسه، وراكب إلا المسافر. ٢ - يكره التلحين وهو التطريب أو التغني أو التمديد الذي يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان، أو الزيادة والنقص فيها، أما تحسين الصوت بدون التلحين فهو مطلوب. ويصح أذان ملحَّن على الراجح عند الحنابلة، لحصول المقصود منه كغير الملحن. ويكره أيضاً اللحن أو الخطأ في النحو أو الإعراب.

стр. 691

٣ - يكره المشي فيه؛ لأنه قد يخل بالإعلام، والكلام في أثنائه، حتى ولو بردّ السلام، ويكره السلام على المؤذن (١) ويجب عليه أن يرد عليه بعد فراغه من الأذان. ولا يبطله الكلام اليسير، ويبطله الكلام الطويل، لأنه يقطع الموالاة المشروطة في الأذان عند الجمهور غير الحنفية. وأشار الحنابلة: أنه يجوز رد السلام في أثناء الأذان والإقامة. ٤ - يكره التثويب في غير الفجر، سواء ثوب في الأذان أو بعده، لما روي عن بلال أنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء» (٢)، ولأن التثويب مناسب لصلاة الفجر حيث يكون الناس نياماً، فاحتيج إلى قيامهم إلى الصلاة عن نوم. ٥ - قال الحنابلة: يحرم ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، لعمل أصحاب النبي ﷺ ، قال أبو الشعثاء: «كنا قعوداً مع أبي هريرة في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣)، وقال عثمان بن عفان: قال رسول الله ﷺ : «من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق» (٤). أما الخروج لعذر فمباح، بدليل أن ابن عمر خرج من أجل التثويب في غير حينه.

стр. 692

وقال الشافعية: يكره الخروج من المسجد بعد الأذان من غير صلاة إلا لعذر. ٦ - قال الحنابلة: يكره الأذان قبل الفجر في شهر رمضان مقتصراً عليه، لئلا يغتر الناس به، فيتركوا السحور. ويحتمل ألا يكره في حق من عرف عادته بالأذان في الليل؛ لأن بلالاً كان يفعل ذلك، بدليل قوله ﷺ : «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» وقوله ﵇: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل لينبه نائمكم، ويرجع قائمكم». ويكره عندهم القول قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ولا بأس بنحنحة قبلها، كما يكره عندهم النداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق وغيرها، مثل أن يقول: الصلاة، أو الإقامة، أو الصلاة رحمكم الله. وقال النووي: تسن الصلاة على النبي ﷺ قبل الإقامة. إجابة المؤذن والمقيم: يجب في الراجح عند الحنفية لمن سمع الأذان وندباً لمن سمع الإقامة، ويسن عند غيرهم لمن سمع المؤذن أو المقيم: أن يقول مثلما يقول مثنى مثنى عقب كل جملة، إلا في الحيعلتين، فيحوقل فيقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ومعنى ذلك: أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته، كما قال ابن مسعود. وإلا في التثويب، فيقول: (صدقتَ وبررت) فالإجابة إنما هي باللسان وهو الظاهر عند الحنفية (١).

стр. 693

وقال بعض الحنفية: بالقدم أي بالمشي إلى الصلاة، وهو مشكل لأنه يلزم عليه وجوب الأداء في أول الوقت في المسجد. واكتفى المالكية بأن يقول السامع لمنتهى الشهادتين، ولو كان في صلاة نفل، ويكره ولا يحاكي المؤذن في بقية الأذان (على الراجح المشهور المعتمد)، ولا في قوله (الصلاة خير من النوم) قطعاً، ولا في قوله (صدقت وبررت) أي صرت ذا بر أي خير كثير، إلا في الإقامة، فيقول بعدها: (أقامها الله وأدامها). والدليل على الإجابة: ما روى أبو سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (١) لكن قال المالكية: المتبادر من قوله «سمعتم»: ولو البعض، خصوصاً وقد قال: فقولوا مثل ما يقول، ولم يقل: مثل ما قال. وهذا في تقديري تعسف واضح في التأويل، والظاهر كما قال بعض المالكية: أن يحكي الأذان كله. والأمر في الحديث عند الحنفية للوجوب وعند غيرهم للندب كالأمر بالدعاء عقب الصلاة. وروى مسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢) وروى ابن خزيمة: عن أنس ﵁ قال: «من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» (٣). وأخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي ﷺ «أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت

стр. 694

الصلاة، قال النبي ﷺ : أقامها الله وأدامها» (١) وفي التثويب ورد خبر أيضاً كما قال ابن الرفعة، ولكن لا يعرف من قاله. ويستحب لمن كان يقرأ ولو قرآناً أن يقطع القراءة، ليقول مثلما يقول المؤذن أو المقيم، لأنه يفوت، والقراءة لا تفوت، لكن إن سمعه في الصلاة، لم يقل مثل قوله، لئلا يشتغل عن الصلاة بما ليس منها، وقد روي «إن في الصلاة لشغلاً» وعلى هذا ينبغي عند الحنفية ألا يتكلم ولا يشتغل بشيء حال الأذان أو الإقامة. وتشمل الإجابة عند الجمهور كل سامع، ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، أو كان في طواف فرضاً أو نفلاً، ويجيب بعد الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل بينه وبين الأذان. وقال الحنفية: تشمل الإجابة من سمع الأذان ولو كان جنباً، لا حائضاً ونفساء وسامع خطبة وفي صلاة جنازة، وجماع، ومستراح في بيت الخلاء، وأكل، وتعليم علم وتعلمه، لكن في أثناء قراءة القرآن يجيب لأنه لا يفوت، وتكرار القراءة للأجر. ويندب عند الحنفية القيام عند سماع الأذان، والأفضل أن يقف الماشي للإجابة ليكون في مكان واحد. ويجيب المؤذن سواء سمع الآذان كله أم بعضه. فإن لم يسمعه لبعد أو صمم لا تسن له الإجابة.

стр. 695

وينبغي تدارك إجابة المؤذن إن لم يطل الفصل، وإن طال فلا (١). وإذا تكرر الأذان أجاب - كما ذكر في الدر المختار - الأول، سواء أكان مؤذن مسجده أم غيره، لكن قال ابن عابدين: ويظهر لي إجابة الكل بالقول، لتعدد السبب وهو السماع، كما اعتمده بعض الشافعية. وقال النووي في المجموع: وإذا سمع مؤذناً بعد مؤذن، فالمختار أن أصل الفضيلة في الإجابة شامل للجميع، إلا أن الأول متأكد يكره تركه (٢). قال الشافعية والحنابلة: وإذا دخل المسجد، والمؤذن قد شرع في الأذان، لم يأت بتحية ولا بغيرها، بل يجيب المؤذن واقفاً حتى يفرغ من أذانه ليجمع بين أجر الإجابة والتحية. وقال الحنفية: إذا دخل المسجد، والمؤذن يؤذن أو يقيم، قعد حتى ينتهي الأذان أو الإقامة، ويقوم الإمام إلى مصلاه. ما يستحب بعد الأذان: يستحب بعد الأذان وبعد الإقامة ما يأتي (٣): ١ - أن يصلي على النبي ﷺ ، وذلك عند الشافعية والحنابلة مسنون بعد الفراغ من الأذان لكل من المؤذن والسامع، للحديث الآتي. وقد استحدث الصلاة على النبي بعد الأذان في أيام صلاح الدين الأيوبي سنة (٧٨١ هـ) في عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة، ثم بعد عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب، ثم فيها مرتين، قال الفقهاء: وهو بدعة حسنة.

стр. 696

٢ - أن يدعو بالدعاء المأثور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) لقوله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت عليه الشفاعة» (١). وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، غفر له ذنبه» (٢). وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٣). وإذا كان الأذان للمغرب قال: «اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك،

стр. 697

وأصوات دعاتك، وحضور صلواتك، فاغفر لي»؛ لأن النبي ﷺ أمر أم سلمة أن تقول ذلك (١) ويقول بعد الصبح: (اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك فاغفر لي). ٣ - يدعو عند فراغ الأذان بينه وبين الإقامة، وسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة لقوله ﷺ : «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة (٢). والمستحب أن يقعد المؤذن بين الأذان والإقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة، كما أبنت في سنن الأذان. ثانياً - الإقامة: صفة الإقامة أو كيفيتها: الإقامة سنة مؤكدة في الفرائض الوقتية والفائتة، على المنفرد والجماعة، للرجال والنساء عند المالكية والشافعية. أما الحنابلة والحنفية فقالوا: ليس على النساء أذان وإقامة. واختلف العلماء في صفة الإقامة على آراء ثلاثة (٣): فقال الحنفية: الإقامة مثنى مثنى مع تربيع التكبير مثل الأذان، إلا أنه يزيد

стр. 698

فيها بعد الفلاح: (قد قامت الصلاة مرتين) فتكون كلماتها عندهم سبع عشرة كلمة، بدليل ما روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد الله ابن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: «يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رجلاً قام وعليه بُردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى» (١). وروى الترمذي عن عبد الله بن زيد، قال: «كان أذان رسول الله ﷺ شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة» (٢). وعن أبي محذورة قال: «علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة» (٣). وقال المالكية: الإقامة عشر كلمات، تقول: «قد قامت الصلاة» مرة واحدة، لما روى أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» (٤). وقال الشافعية والحنابلة: الإقامة فرادى، إحدى عشرة كلمة، إلا لفظ الإقامة: «قد قامت الصلاة» فإنها تكرر مرتين، لما روى عبد الله بن عمر أنه قال: «إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» (٥). ويظهر لي أن هذا أصح الآراء،

стр. 699

أو أن الأمر على التخيير بين هذا الرأ ي ورأي الحنفية. وأما حديث أنس فمقيد بحديث ابن عمر. أحكام الإقامة: أحكام الإقامة كأحكام الأذان السابقة، ويزاد عليها ما يأتي (١): ١ - يسن إدراج الإقامة أو حدرها: أي الإسراع بها مع بيان حروفها، فيجمع بين كل كلمتين منها بصوت، والكلمة الأخيرة بصوت، عملاً بالحديث السابق عن جابر: «إذا أذَّنت فترسّل - أي تمهل - وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرُغ الآكل من أكله». ٢ - الأفضل في المذاهب الأربعة أن يتولى الإقامة من أذَّن، اتباعاً للسنة: (من أذن فهو يقيم)، كما تقدم في شروط الأذان، فإذا أذن واحد وأقام غيره جاز. لكن قال الحنفية: يكره أن يقيم غير من أذن إن تأذى بذلك؛ لأن اكتساب أذى المسلم مكروه، ولا يكره إن كان لا يتأذى به. ٣ - يستحب عند الحنابلة أن يقيم في موضع أذانه؛ لأن الإقامة شرعت للإعلام، فشرعت في موضعه، ليكون أبلغ في الإعلام، إلا أن يؤذن في المنارة أو مكان بعيد من المسجد، فيقيم في غير موضعه، لئلا يفوته بعض الصلاة. وقال الشافعية: يستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من الأذان.

стр. 700

ولا يقيم حتى يأذن له الإمام، فإن بلالاً كان يستأذن النبي ﷺ ، وفي حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: «فجعلت أقول للنبي ﷺ أقيم أقيم؟» وقال ﷺ : «المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة» (١). ٤ - لا يقوم المصلون للصلاة عند الإقامة حتى يقوم الإمام أو يقبل؛ لقوله ﵊: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٢). وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة: فقال المالكية: يجوز للمصلي القيام حال الإقامة أو أولها أو بعدها، فلا يطلب له تعيين حال، بل بقدر الطاقة للناس، فمنهم الثقيل والخفيف. وقال الحنفية: يقوم عند «حي على الفلاح» وبعد قيام الإمام. وقال الحنابلة: يستحب أن يقوم عند قول المؤذن (قد قامت الصلاة) لما روي عن أنس «أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة». وقال الشافعية: يستحب أن يقوم المصلي بعد انتهاء الإقامة إذا كان الإمام مع المصلين في المسجد (٣)، وكان يقدر على القيام بسرعة، بحيث يدرك فضيلة تكبيرة الإحرام، وإلا قام قبل ذلك بحيث يدركها. ٥ - يسن كما في الأذان أن يقيم قائماً متطهراً، مستقبل القبلة، ولا يمشي في أثناء إقامته، ولا يتكلم، ويشترط ألا يفصل بين الإقامة والصلاة بفاصل طويل،

стр. 701

وينبغي إن طال الفصل أو وجد ما يعد قاطعاً كأكل أن تعاد الإقامة. ويسن أن يحرم الإمام عقب فراغ الإقامة، ولا يفصل إلا بمندوب كأمر الإمام بتسوية الصفوف. ولا تجزئ إقامة المرأة للرجال. ويسن عند الشافعية لمن كان أهلاً أن يجمع بين الأذان والإقامة. وكذلك قال الحنفية: الأفضل كون الإمام هو المؤذن، لأنه ﵇ كما في الضياء - أذن في سفر بنفسه وأقام وصلى الظهر. ولا يسن في الإقامة كونها في مكان مرتفع، ولا وضع الأصبع في الأذن، ولا الترجيع فيها والترتيل. ٦ - إذا أذن المؤذن وأقام، لم يستحب لسائر الناس أن يؤذن كل منهم أو يقيم، وإنما يقول مثل ما يقول المؤذن،؛ لأن السنة وردت بهذا. ٧ - يستحب للإمام تسوية الصفوف، يلتفت عن يمينه وشماله، فيقول: استووا رحمكم الله، قال رسول الله ﷺ : «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» (١). ملحق - الأذان لغير الصلاة. هذا ويندب الأذان لأمور غير الصلاة: منها الأذان في أذُن المولود اليمنى عند ولادته، كما تندب الإقامة في اليسرى لأنه ﷺ ْذَّن في أذ ُن الحسن حين ولدته فاطمة (٢). ومنها الأذان وقت الحريق ووقت الحرب، وخلف المسافر.

стр. 702

ومنها الأذان في أذن المهموم المصروع وللغضبان ولمن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وإذا تغولت الغيلان (١) أي سحرة الجن والشياطين، وذلك لدفع شرها بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر. ولا يسن عند إدخال الميت القبر على المعتمد عند الشافعية.

стр. 703

الفَصْلُ الرَّابع: شروطُ الصَّلاة تتوقف صحة الصلاة على توافر شروط وأركان معينة لها. أما الشرط في اللغة: فهو العلامة، وفي الشريعة: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان خارجاً عن حقيقته أو ماهيته. وأما الركن في اللغة: فهو الجانب الأقوى، وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً ذاتياً تتركب منه الحقيقة أو الماهية. ويطلق على كل من الشرط والركن وصف الفرضية، فكل منهما فرض، لذا عنون بعض الفقهاء لهذا البحث بفروض الصلاة. والشرطان نوعان: شروط تكليف أو وجوب، وشروط صحة أو أداء، وشروط الوجوب: هي ما يتوقف عليها وجوب الصلاة كالبلوغ عاقلاً، وشروط الصحة: هي ما يتوقف عليها صحة الصلاة كالطهارة. شروط وجوب الصلاة: تجب الصلاة على كل مسلم بالغ عاقل، لا مانع عنده كالحيض والنفاس، فتكون شروط وجوب الصلاة ثلاثة (١):

стр. 704

١ - الإسلام: تجب الصلاة على كل مسلم ذكر أو أنثى، فلا تجب على كافر عند الجمهور وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها باعتناق الإسلام؛ لأن الكافر عند الجمهور مخاطب بفروع الشريعة أو الإسلام في حال كفره. ولا تجب عند الحنفية على الكافر، بناء على مبدئهم في أن الكافر غير مطالب بفروع الشريعة، لا في حكم الدنيا ولا في حكم الآخرة. ولا قضاء بالاتفاق على الكافر إذا أسلم، لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفَر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال:٣٨/ ٨] ولقوله ﷺ : «الإسلام يجبُّ ما قبله» (١) أي يقطعه، والمراد أنه يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره. أما المرتد فيلزمه عند غير الحنفية قضاء الصلاة بعد إسلامه تغليظاً عليه، ولأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالجحود كحقوق الآدميين المالية. ولا قضاء عليه عند الحنفية كالكافر الأصلي. وأما الطاعات وأفعال الخير التي يفعلها الكافر: فلا تنفعه في الآخرة إن مات كافراً لقوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، فجعلناه هباء منثوراً﴾ [الفرقان:٢٣/ ٢٥]. وأما في الدنيا فتنفعه في سعة رزقه ومعيشته. وإن أسلم يثاب عليها ولا يجُبُّها (يقطعها) الإسلام، لحديث حكيم بن حزام عند مسلم وغيره: أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في

стр. 705

الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ : أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» وقال ﵇: «إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زَلِفها - أي قدمها - وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها» (١). وقال النووي: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم الإجماع فيه أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يكتب له (٢). ٢ - البلوغ: لا تجب الصلاة على الصبي، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٣). ولكن يؤمر الصغير ذكراً أو أنثى بالصلاة، تعويداً له، إذا بلغ سبع سنين أي صار مميزاً، ويضرب - باليد لا بخشبة بما لا يزيد عن ثلاث ضربات إن أفاد وإلا فلا - على تركها لعشر سنين زجراً له، لقوله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» (٤) أي بحيث لا يشملهم ساتر واحد مع التجرد، فإن استقل كل منهم بساتر فلا يمنع والتفريق لعشر أمر مندوب، ويحرم تلاصق البالغين بعورتيهما بقصد اللذة، ويكره من غير لذة كتلاصقهم بالصدر.
следующие страницы →