ويتأكد المهر كله للزوجة عند الحنفية والحنابلة: بالخلوة الصحيحة بشروطها المذكورة، فلو طلق الرجل زوجته، وجب لها بالخلوة ولو لم يحصل وطء المسمى كاملاً إن كانت التسمية صحيحة، ومهر المثل كاملاً إن لم تكن هناك تسمية أو كانت التسمية فاسدة.
وقال المالكية، والشافعية في الجديد: لا يتأكد وجوب المهر بالخلوة وحدها، بدون وطء، فلو خلا الزوج بزوجته خلوة صحيحة، ثم طلقها قبل الدخول بها، وجب نصف المسمى، والمتعة إن لم يكن المهر مسمى.
وسأذكر في المطلب التالي أدلة الرأيين بمشيئة الله تعالى.
٤ - إقامة الزوجة سنة في بيت الزوج بعد الزفاف بلا وطء: يتقرر المهر أيضاً عند المالكية إذا تزوج رجل امرأة، وزفت إليه، وأقامت عنده سنة، بلا وطء، بشرط إطاقتها، وبلوغه، واتفاقهما على عدم الوطء؛ لأن الإقامة المذكورة تقوم مقام الوقاع أو الوطء.
ولا يتأكد المهر بها عند الشافعية. ويتقرر المهر بمجرد الخلوة الصحيحة كما تقدم عند الحنفية والحنابلة.
٥ - طلاق الفرار في مرض الموت قبل الدخول: يتقرر المهر كاملاً أيضاً عند الحنابلة بطلاق المرأة في مرض موت الزوج المخوف قبل دخوله بها إذا طلقها فراراً من ميراثها، ثم مات، فيتقرر عليه الصداق كاملاً بالموت، لوجوب عدة الوفاة عليها في هذه الحالة، ما لم تتزوج أو ترتد.
والخلاصة: يتأكد المهر عند الحنفية بأحد أسباب ثلاثة: الدخول والخلوة الصحيحة، وموت أحد الزوجين. وعند المالكية بأحد أسباب ثلاثة: هي
стр. 6582
الدخول، أي الوطء لمطيقة من بالغ وإن حرم، وموت أحد الزوجين، وإقامة سنة بعد الدخول بلا وطء بشرط بلوغه وإطاقتها. وعند الشافعية: يستقر المهر بأحد أمرين: الوطء وإن حرم، وموت أحد الزوجين،، لا بخلوة في الجديد. وعند الحنابلة: يتقرر المهر بأحد أمور أربعة: الدخول، والخلوة والموت أو القتل، والطلاق في مرض موت الزوج قبل الدخول بالزوجة.
تنصيف المهر:
اتفق الفقهاء (١) على وجوب نصف المهر للزوجة بالفرقة قبل الدخول، سواء عند الشافعية والحنابلة أكانت الفرقة طلاقاً أم فسخاً، إذا كان المهر مسمى حين العقد، وكانت التسمية صحيحة والفرقة جاءت من قبل الزوج. من أمثلة الفسخ: الفرقة بسبب الإيلاء أو اللعان، أو بسبب ردة الزوج، أو إباء الزوج اعتناق الإسلام بعد إسلام زوجته.
ودليلهم قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] وهذا في الطلاق، وباقي أنواع الفرق مقيس عليه؛ لأنه في معناه.
فإن لم يسم المهر في العقد أصلاً كالمفوضة، أو اتفق الزوجان على الزواج بدون مهر، أو كانت التسمية غير صحيحة، وحصلت الفرقة بتراضي الزوجين أو بحكم القاضي وكانت الفرقة قبل الدخول، وقبل الخلوة عند الحنفية والحنابلة، لم يجب للزوجة شيء من المهر، وإنما تجب لها المتعة؛ لأن النص القرآني السابق إنما
стр. 6583
ورد بتنصيف أو تشطير المسمى، ووجوب المتعة لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء، ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] وباقي الفرق مقيس على الطلاق؛ لأنه في معناه.
وقال المالكية: إن فسخ النكاح أو رده الزوج بعيب في الزوجة قبل الدخول، لم يجب لها شيء. واختلف هل يجب إذا ردته هي بعيب في الزوج. وقال الحنفية: الفرقة بغير طلاق قبل الدخول والخلوة تسقط المهر كما سأبين.
و اختلف الفقهاء في مسألتين حول التنصيف قبل الدخول: مسألة تنصيف المفروض بعد العقد، ومسألة الزيادة في المهر بعد العقد.
أما المسألة الأولى - وهي إذا لم يذكر المهر حين العقد، وإنما فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي.
فقال الحنفية: لا يتنصف المفروض من المهر بعد العقد، لاختصاص التنصيف بالمفروض في العقد بالنص القرآني المتقدم، بل تجب المتعة فقط للمرأة، فلو حدثت الفرقة قبل الدخول والخلوة، وجب لها المتعة فقط.
وقال الجمهور: يتنصف المفروض بعد العقد كالمسمى في العقد، فلو حصلت الفرقة قبل الدخول. وقبل الخلوة عند الحنابلة، كان للمرأة نصف المفروض لا المتعة.
وأما المسألة الثانية - وهي الزيادة الحادثة من الزوج بعد العقد على المهر المسمى.
فقال الحنفية: تسقط هذه الزيادة عن الزوج، ولا تتنصف قبل الدخول والخلوة.
стр. 6584
وقال الجمهور: لا تسقط هذه الزيادة عن الزوج وتتنصف كالمسمى في العقد. والحاصل: أن الذي يتنصف عند الحنفية هوالمسمى في العقد، لا المفروض بعده ولا مازيد على المفروض بعد العقد، والجمهور على خلافهم في المسألتين. ومنشأ الاختلاف: تفسير المراد من قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢]: فرأى الحنفية: أن المقصود منه المفروض وقت العقد، لا غير، عملاً بالمتعارف بين الناس: وهو إطلاق المفروض على المسمى وقت العقد. ورأى الجمهور: أن المقصود منه المفروض مطلقاً، عملاً بمقتضى اللغة؛ لأن الفرض هو التقدير، وهو يشمل كل ما قدر، سواء أكان وقت العقد أم بعده. وهذا هو الراجح؛ لأن كلاً من المفروض وقت العقد أو بعده يسمى مفروضاً في العرف، كما هو مقتضى اللغة.
سقوط المهر كله:
ذكر الحنفية أنه يسقط المهر كله عن الزوج بأحد أربعة أسباب (١):
١ - الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها: كل فرقة حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة: تسقط جميع المهر، سواء أكان من قبل المرأة أم من قبل الزوج، كأن ارتدت المرأة عن الإسلام، أو أبت الإسلام وأسلم زوجها، أو اختارت فسخ الزواج لعيب في الزوج. ومثله إذا فسخ ولي المرأة الزواج لعدم كفاءة الزوج، ففي هذه الأحوال التي يتم بها فسخ الزواج قبل الدخول يسقط جميع المهر؛ لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخاً للعقد، وفسخ
стр. 6585
العقد قبل الدخول يوجب سقوط كل المهر؛ لأن فسخ العقد رفعه من الأصل، وجعله كأنه يكن.
وقال المالكية (١): إن فسخ الزوج النكاح أو رده بعيب في الزوجة قبل الدخول، لم يجب لها شيء، فهم يوافقون الحنفية به، ولا شيء لها أيضاً في نكاح التفويض عنده إذا مات الزوج أو طلق قبل الدخول.
وفصَّل الشافعية والحنابلة (٢) بين ما إذا كانت الفرقة بسبب من الزوجة، وبين ما إذا كانت بسبب من غيرها، فقالوا: الفرقة الحاصلة من جهة الزوجة قبل الدخول بها تسقط المهر المسمى والمفروض ومهر المثل، كإسلامها بنفسها، أو بالتبعية كإسلام أحد أبويها، أو فسخ الزوج بعيب في الزوجة، أوردتها أوإرضاعها زوجة للزوج صغيرة.
وأما الفرقة الحاصلة قبل الدخول لا بسبب الزوجة كطلاق وخلع ولو باختيارها كأن فوض الطلاق إليها فطلقت نفسها، أو علق الطلاق بفعلها ففعلت، أو أسلم الزوج أو ارتد أو لاعن أو أرضعت أمه زوجته أو أرضعت أمها له وهو صغير، فلا تسقط المهر، وإنما تشطره، فيثبت لها نصف المهر. أما في حالة الطلاق فلآية: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] وأما الباقي فبالقياس عليه.
٢ - الخلع على المهر قبل الدخول أو بعده: إذا خالع الرجل امرأته على مهرها، سقط المهر كله، فإن كان المهر غير مقبوض، سقط عن الزوج، وإن كان مقبوضاً ردته على الزوج. وإن خالعها على مال سوى المهر يلزمها المال، ويبرأ
стр. 6586
الزوج عن كل حق وجب لها عليه بالعقد كالمهر والنفقة الماضية في قول أبي حنيفة؛ لأن في الخلع - وإن كان طلاقاً بعوض - معنى البراءة.
٣ - الإبراء عن كل المهر قبل الدخول أو بعده: يسقط به المهر إذا كانت المرأة من أهل التبرع، وكان المهر ديناً في الذمة: وهو النقود وجميع المكيلات والموزونات إذا لم تكن متعينة مقصودة لذاتها؛ لأن الإبراء إسقاط، والإسقاط ممن هو أهل له في محل قابل له يوجب السقوط.
٤ - هبة الزوجة كل المهر للزوج: متى كانت أهلاً للتبرع، وقبل الزوج الهبة في المجلس، سواء أكانت الهبة قبل القبض أم بعده.
وتختلف الهبة عن الإبراء: في أنها ترد على الدين والعين، أي الثابت في الذمة كالنقود، أو الذي يتعين بالتعيين كثوب أو حيوان معين. أما الإبراء فلا يرد إلا على الدين.
وكذلك يسقط المهر بالهبة عند المالكية، لكنهم قالوا: إذا وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها، ثم طلقها قبل الدخول، لم يرجع عليها بشيء. فإن أراد الدخول بها، وجب لها أقل المهر وهو ربع دينار أو قيمته، أما إن وهبته بعد الدخول فلا يلزمه شيء؛ لأن حقها في المهر قد تقرر بالدخول ثم أسقطته بالهبة (١).
وقال الشافعية على الصحيح: إن كان المهر عيناً كفرس معينة، ثم وهبته من الزوج، ثم طلقها قبل الدخول، فيرجع عليها بالنصف؛ لأنه عاد إليه بغير الطلاق، فلم يسقط حقه من النصف بالطلاق، كما لو وهبته لأجنبي، ثم وهبه الأجنبي منه (٢).
стр. 6587
وقال الحنابلة (١): إذا أبرأت المرأة الزوج من صداقها، أو وهبته له، ثم طلقها قبل الدخول، رجع الزوج عليها بنصفه؛ لأن عود نصف الصداق إلى الزوج بالطلاق، وهو غير الجهة المستحق بها الصداق أولاً، فهو كما لو أبرأ إنساناً من دين عليه، ثم استحق عليه مثل ما أبرأه منه بوجه آخر، فلا يتساقطان بذلك.
وإن أبرأته من نصف الصداق، أو وهبته نصف الصداق، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع في النصف الباقي؛ لأنه وجد نصف ما أصدقها بعينه، فأشبه ما لو لم تهبه له.
وإن قبضت المرأة صداقها، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، رجع بنصف عينه إن كان باقياً بحاله، لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢].
ولو جعل الزوج الخيار لامرأته منه، فاختارت نفسها قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأن الفرقة تمت بفعلها، وإن جعل لها بغير سؤالها وطلبها، لم يسقط الصداق باختيارها نفسها قبل الدخول، بل يتنصف؛ لأنها نائبة عنه، ففعلها كفعله.
سقوط نصف المهر:
قال الحنفية (٢): ما يسقط به نصف المهر نوعان:
النوع الأول - الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر، والمهر دين لم يقبض بعد، للآية المتقدمة: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] أوجب نصف المفروض.
стр. 6588
النوع الثاني - ما يسقط به نصف المهر معنى، والكل صورة: وهو كل طلاق تجب فيه المتعة: وهو كل فرقة جاءت من جهة الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه. كما سأبين في بحث المتعة.
عاشراً - تبعة ضمان المهر وحكم هلاكه واستهلاكه واستحقاقه وتعييبه وزيادته: اتفق الفقهاء على أن تبعة ضمان المهر إذا هلك تكون على من بيده المهر، فإذا هلك قبل القبض ضمنه الزوج، وإذا هلك بعد القبض أو استهلكته المرأة، ضمنته هي:
فإن هلك المهر في يد الزوج، بآفة سماوية، ضمن الزوج عند الحنفية والمالكية مثله أو قيمته.
وإن هلك بفعل الزوجة وهو في يد زوجها، أو بآفة سماوية بعد القبض، أصبحت مستوفية له بهذا الهلاك.
وإذا هلك بفعل أجنبي، فالمرأة بالخيار بين تضمين الأجنبي وبين تضمين الزوج، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بما ضمن.
وإن استحق المهر بأن تبين أنه ليس ملكاً للزوج، فالزوج ضامن له؛ لأنه بالاستحقاق تبين أنه ملك غيره، فترجع بمثله إن كان مثلياً، وبقيمته إن كان قيمياً يوم عقد النكاح.
وإن اطلعت الزوجة على عيب قديم فيه، كان لها الخيار بين إمساكه أو رده والرجوع بمثله في المثلي، وبقيمته في القيمي يوم الزواج.
стр. 6589
و ذكر الحنفية (١): أن المرأة إذا قبضت المهر، فإن كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة، أو كان مكيلاً أو موزوناً في الذمة، ثم طلقها قبل الدخول بها، فعليها رد نصف المقبوض، وليس عليها رد عين ما قبضت؛ لأن عين المقبوض لم يكن واجباً بالعقد، فلا يكون واجباً بالفسخ.
وإن حدث تعيب أو نقصان فاحش في المهر:
أـ فإن كان بفعل أجنبي قبل القبض، فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذت الشيء الناقص، واتبعت الجاني بالأرش (التعويض عنه) وإن شاءت تركت وأخذت من الزوج قيمة الشيء يوم العقد، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بضمان النقصان وهو الأرش.
ب - وإن كان النقصان بآفة سماوية: فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذته ناقصاً ولا شيء لها غيره، وإن شاءت تركته وأخذت قيمته يوم العقد؛ لأن المهر مضمون على الزوج بالعقد، والأوصاف لا تضمن بالعقد لعدم ورود العقد عليها موصوفاً، فلا تضمن في حقها، وإنما يضمن الأصل لورود العقد عليه.
وإنما ثبت لها الخيار لتغير المعقود عليه وهو المهر عما كان عليه.
جـ - وإن كان النقصان بفعل الزوج: ففي ظاهر الرواية إن شاءت أخذته ناقصاً، وأخذت معه أرش النقصان، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد.
د - وإن كان النقصان بفعل المرأة: فقد صارت قابضة بالجناية على الشيء، فجعل كأن النقصان حصل في يدها، كالمشتري إذا جنى على المبيع في يد البائع، إنه يصير قابضاً له.
стр. 6590
هذا في النقصان الفاحش، وأما في النقصان اليسير فلا خيار لها.
و ذكر المالكية (١): أنه إن تلف الصداق، وكان مما يُغَاب عليه (أي يمكن إخفاؤه ويتطلب الحراسة) ولم تقم على هلاكه بينة، فيضمنه الذي بيده، فيغرم نصفه لصاحبه إن حدث طلاق قبل الدخول.
وإن لم تقم بينة على هلاكه، فتلف وكان مما لا يُغاب عليه (لا يمكن إخفاؤه) كالبساتين والزرع والحيوان، وطلق الرجل قبل الدخول، فلا رجوع لكل منهما على الآخر، ويحلف من هو بيده أنه ما فرط إن اتهم.
وكذا إن هلك الصداق بعد العقد، كأن مات أو حرق أو سرق أو تلف من غير تفريط أحد من الزوجين، وثبت هلاكه ببينة أو بإقرارهما عليه، سواء أكان مما يغاب عليه أم لا، وسواء أكان بيد الزوج أم الزوجة أم غيرهما، لا رجوع لأحدهما على الآخر.
والحاصل: أن الصداق إن تلف في يد أحد الزوجين: فإن كان مما لا يغاب عليه فخسارته على الزوجين، وأما ما يغاب عليه فخسارته على من هو في يده إن لم تقم بينة على هلاكه. فإن قامت بينة على هلاكه، فخسارته عليهما.
وإن استحق المهر من يد الزوجة: فترجع بمثل المثلي، وقيمة القيمي، يوم عقد النكاح.
وإن اطلعت على عيب قديم في المهر، فلها الخيار بين إمساكه أو رده والرجوع بمثله أو قيمته.
стр. 6591
وإن استحق بعض المهر أو تعيب بعضه: فإن كان فيه ضرر بأن كان أزيد من الثلث، كان لها أن ترد الباقي وتأخذ من الزوج قيمته، أو تحسب ما بقي، وترجع بقيمة ما استحق. وأما إن كان المستحق منه الثلث أو الشيء التافه الذي لا ضرر فهي، فترجع بقيمة ما استحق فقط.
و فصّل الشافعية القول (١): إن كان الصداق عيناً كدار معينة أو ثوب أو حيوان معين فتلف في يد الزوج قبل القبض، ضمنه ضمان عقد لا ضمان يد؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة، فأشبه المبيع في يد البائع، والفرق بين ضماني العقد واليد في الصداق: أنه على الأول يضمن بمهر المثل، وعلى الثاني يضمن بالبدل الشرعي: وهو المثل إن كان مثلياً، والقيمة إن كان قيمياً.
وعلى الأول: ليس للمرأة بيعه قبل قبضه كالمبيع، وعلى الثاني يجوز بيعه. وتصح الإقالة على الأول دون الثاني.
لهذا .. لو تلف الشيء المعين في يد الزوج بآفة سماوية، وجب مهر المثل على الأول لانفساخ عقد الصداق، ولا ينفسخ على الثاني.
وإن أتلفت الزوجة المهر، فتعد قابضة إذا كانت أهلاً؛ لأنه أتلفت حقها، وإن كانت غير رشيدة فلا تعد قابضة؛ لأن قبضها غير معتدّ به.
وإن أتلفه أجنبي، تخيرت الزوجة على المذهب بين فسخ الصداق وإبقائه، فإن فسخت الصداق أخذت من الزوج مهر المثل، وإن لم تفسخه غَرَّمت المتلف المثل أوا لقيمة.
وإن أتلفه الزوج فهو كتلفه بآفة سماوية، يوجب مهر المثل.
стр. 6592
وإن تعيَّب الصداق المعين قبل قبضه بآفة سماوية كالعمى أو قطع يد، تخيرت الزوجة على المذهب بين فسخ الصداق وإبقائه، كما تقدم.
وإن قبضت المرأة الصداق، فوجدت به عيباً، فردته، أو خرج مستحقاً، رجعت على الزوج في المذهب الجديد بمهر المثل.
وإن كان الصداق تعليم الزوج لها سورة من القرآن، فتعلمت من غيره، أو لم تتعلم لسوء حفظها، فهو كالصداق المعين إذا تلف، فترجع إلى مهر المثل على الجديد.
والمنافع الفائتة في يد الزوج لا يضمنها، وكذا المنافع التي استوفاها بركوب الدابة التي أصدقها، ولبس الثوب الذي أصدقه، لا يضمنها على المذهب.
وإن طلبت الزوجة من الزوج تسليم المهر، فامتنع منه، ضمن ضمان العقد.
وإن طلق الرجل والمهر تالف بعد قبضه، فعليها نصف بدله له من مثل أو قيمة. وإن تعيب في يدها، فإن قنِع بالنصف معيباً، فلا أرش له، كما لو تعيب المبيع في يد البائع، وإن لم يقنع به: فإن كان قيمياً فعليها نصف قيمته، وإن كان مثلياً فعليها مثل نصفه؛ لأنه لا يلزمه الرضا بالمعيب، فله العدول إلى بدله. وإن تعيب بآفة سماوية قبل قبضها له، وقنعت به، فله نصفه ناقصاً بلا أرش ولا خيار. وإن تعيب بفعل أجنبي ضمنت جنايته وأخذت أرشها، والأصح أن له نصف الأرش مع نصف عين المهر.
و قرر الحنابلة (١): أنه إن أخذت المرأة الصداق، فوجدته معيباً، فلها منع نفسها من الزفاف حتى يبدله، أو يعطيها أرشه؛ لأن صداقها صحيح.
стр. 6593
وإن سلمت نفسه ثم بان الصداق معيباً، كان لها أيضاً منع نفسها عن الاستمتاع حتى تقبض بدله أو أرشه؛ لأنها إنما سلمت نفسها ظناً منها أنها قبضت صداقها، فتبين عدمه.
وإن كان الصداق مكيلاً أو موزوناً، فنقص في يد الزوج قبل تسليمه إليها، أو كان غير المكيل والموزون، فمنعها أن تتسلمه فالنقص عليه؛ لأنه من ضمانه.
وأما زيادة المهر:
ففيها تفصيل عند الفقهاء، أما رأي الحنفية (١) فهو ما يأتي:
١ - إن كانت الزيادة متولدة من الأصل كالولد والصوف والثمر والزرع، أو في حكم المتولد كالأرش (عوض الجراحة) فهي مهر، سواء أكانت متصلة بالأصل كالسمن والكبر والجمال، أم منفصلة عنه كالولد ونحوه.
فلو طلقها قبل الدخول بها يتنصف الأصل والزيادة جميعاً بالاتفاق؛ لأن الزيادة تابعة للأصل، لكونها نماء الأصل، والأرش بدل جزء هو مهر، فيقوم مقامه.
٢ - وأما إن كانت الزيادة غير متولدة من الأصل: فإن كانت متصلة بالأصل كالثوب إذا صبغ، والأرض إذا بني فيها بناء، فإنها تمنع التنصيف، وعليها نصف قيمة الأصل؛ لأن هذه الزيادة ليست بمهر؛ لأنها لم تتولد من المهر، فلا تكون مهراً، فلا تتنصف، ولا يمكن تنصيف الأصل بدون تنصيف الزيادة.
وإن كانت منفصلة عن الأصل كالهبة والكسب، فالزيادة ليست بمهر وهي
стр. 6594
كلها للمرأة في قول أبي حنيفة ولا تتنصف، ويتنصف الأصل؛ لأن هذه الزيادة ليست بمهر، وإنما هي مال المرأة، فأشبهت سائر أموالها.
وعند الصاحبين: هي مهر، فتتنصف مع الأصل؛ لأن هذه الزيادة تملك بملك الأصل، فكانت تابعة للأصل، فتتنصف مع الأصل، كالزيادة المتولدة من الأصل كالسمن والولد.
هذا إذا كان المهر في يد الزوج، فحدثت فيه الزيادة.
أما إذا كان المهر في يد المرأة قبل الفرقة: فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل، فإنها تمنع التنصيف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وللزوج عليها نصف القيمة يوم سلمه إليها؛ لأن هذه الزيادة لم تكن موجودة عند العقد، ولا عند القبض؛ فلا يكون لها حكم المهر، فلا يمكن فسخ العقد عليها بالطلاق قبل الدخول؛ لأن الفسخ إنما يرد على ما ورد عليه العقد. وقال محمد: لا تمنع التنصيف، ويتنصف الأصل مع الزيادة، لظاهر آية ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] وليس نصف قيمة المفروض.
وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل، فإنها تمنع التنصيف باتفاق أئمة الحنفية الثلاثة، وعليها نصف قيمة الأصل إلى الزوج.
وإن كانت الزيادة منفصلة غير متولدة من الأصل، فهي للمرأة خاصة، والأصل بينهما نصفان اتفاقاً.
وإن حدثت الزيادة بعد الطلاق قبل القبض: فالأصل والزيادة بينهما نصفان.
стр. 6595
وإن حدثت بعد القبض وبعد القضاء بالنصف للزوج: فكالحالة السابقة هما بينهما نصفان. وإن كانت الزيادة قبل القضاء بالنصف للزوج: فالمهر في يدها كالمقبوض بعقد فاسد، تكون الزيادة لها؛ لأن الملك كان لها، وقد فسخ ملكها في النصف بالطلاق.
و قال المالكية (١): ما حدث في الصداق من زيادة ونقصان قبل الدخول: فالزيادة للزوجين، والنقصان عليهما، وهما شريكان في ذلك. ومعنى هذا أن الزيادة بعد الدخول للمرأة.
و رأى الشافعية (٢): أن للمرأة زيادة منفصلة حدثت بعد الإصداق، كثمرة وولد وأجرة؛ لأنها حدثت في ملكها.
ولها الخيار في زيادة متصلة، كسِمَن وتعلم حرفة، فإن لم تسمح بها، فعليها نصف قيمة المهر، بأن يقوَّم بغير زيادة، ويعطى الزوج نصفه، وإن سمحت بها لزمه قبول الزيادة، وليس له طلب بدل النصف؛ لأن حقه مع زيادة لا تتميز، ولا تفرد بالتصرف، بل هي تابعة، فلا تعظم فيها المنة.
وإن زاد المهر ونقص: كطول نخلة بحيث يؤدّي إلى هرمها وقلة ثمرها: فإن اتفق الزوجان على الرجوع بنصف العين، فذاك؛ لأن الحق لا يعدوهما، وإلا فنصف قيمة العين خالية عن الزيادة والنقص؛ لأنه العدل، ولا تجبر هي على دفع نصف العين، للزيادة، ولا هو على قبوله للنقص.
و ذهب الحنابلة (٣): إلى أنه يدخل المهر في ملك المرأة بمجرد العقد، فإن زاد فالزيادة لها، وإن نقص فعليها. وإذا كان المهر غنماً فولدت، فالأولاد زيادة
стр. 6596
منفصلة، تكون لها؛ لأنه نماء ملكها، ويرجع قبل الدخول في نصف الأمهات، إن لم تكن نقصت ولا زادت زيادة متصلة؛ لأنه نصف ما فرض لها، وقد قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢].
وإن نقصت الأغنام بالولادة أوبغيرها، فله الخيار بين أخذ نصفها ناقصاً؛ لأنه راض بدون حقه، وبين أخذ نصف قيمتها وقت ما أصدقها؛ لأن ضمان النقص عليها. وهذا موافق للشافعي.
وقال أبو حنيفة كما تقدم: لا يرجع في نصف الأصل، وإنما يرجع في نصف القيمة؛ لأنه لا يجوز فسخ العقد في الأصل دون النماء؛ لأنه موجب العقد، فلم يجز رجوعه في الأصل بدونه.
واستدل الحنابلة: بأن هذا نماء منفصل عن الصداق، فلم يمنع رجوع الزوج، كما لو انفصل قبل القبض. وردوا على دليل أبي حنيفة بأن الطلاق ليس برفع للعقد، ولا النماء من موجبات العقد، إنما هو من موجبات الملك، فلا فرق بين كون الولادة قبل تسليم المهر إلى الزوجة أو بعده، إلا أن يكون قد منعها قبضه، فيكون النقص من ضمانه، والزيادة لها، فتنفرد بالأولاد.
وإن نقصت الأمهات خيِّرت المرأة بين أخذ نصفها ناقصة، وبين أخذ نصف قيمتها أكثر ما كانت من يوم أصدقها إلى يوم طلقها. وإن أراد الزوج أخذ نصف قيمة الأمهات من المرأة، لم يكن له الأخذ.
وإن كان الصداق بهيمة غير حامل (حائلاً)، فحملت، فالحمل فيها زيادة متصلة، إن بذلتها له بزيادتها لزمه قبولها، وليس الحمل معدوداً نقصاً، فلا يرد به المبيع. وإن اتفقا على تنصيفها جاز.
стр. 6597
وإن أصدقها حاملاً، فولدت فقد أصدقها شيئين: الأم وولدها، وزاد الولد في ملكها، فإن طلقها فرضيت ببذل النصف من الأم والولد جميعاً، أجبر على قبولهما؛ لأنها زيادة غير متميزة، وإن لم تبذله، لم يجز له الرجوع في نصف الولد لزيادته، ولا في نصف الأم لما فيه من التفرقة بين الأم وبين ولدها، ويرجع بنصف قيمة الأم. وفي نصف الولد وجهان: أحدهما - لا يستحق نصف قيمته، والثاني - له نصف قيمته.
وإذا أصدقها أرضاً، فبنتها داراً، أو ثوباً فصبغته، ثم طلقها قبل الدخول، رجع بنصف قيمته وقت ما أصدقها إلا أن يشاء أن يعطيها نصف قيمة البناء أو الصبغ، فيكون له النصف، أو تشاء هي أن تعطيه زائداً فلا يكون له غيره.
وإذا أصدقها نخلاً غير مثمر، فأثمرت في يده، فالثمرة لها؛ لأنها نماء ملكها.
حادي عشر - الاختلاف في المهر:
الاختلاف في المهر له أحوال ثلاثة: اختلاف في تسمية المهر، واختلاف في مقدار المهر أو جنسه أو نوعه أو صفته، واختلاف في قبض المهر (١).
الحالة الأولى - الاختلاف في تسمية المهر وعدم تسميته:
اختلفت آراء الفقهاء في كيفية فصل النزاع في هذا الموضوع، بأن ادعى أحد
стр. 6598
الزوجين أو الورثة تسمية المهر، وأنكر الآخر، فقال الأول: سُمي المهر، وقال الآخر: لم نسم مهراً.
قال الحنفية: إذا كان الاختلاف في حال حياة الزوجين، حلف منكر التسمية، عملاً بالقاعدة المقررة: (البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر). فإن نكل عن اليمين ثبتت التسمية، وإن حلف يجب مهر المثل باتفاق أئمة الحنفية، فإن كان الاختلاف بعد الطلاق قبل الدخول تجب المتعة باتفاقهم أيضاً.
وكذلك إن وقع الاختلاف بعد موت أحد الزوجين، فهو كالاختلاف في حال حياة الزوجين، فمن كان القول له لو كان حياً يكون القول لورثته، فيحكم بالمسمى إن ثبت، وبمهر المثل إن لم يثبت.
وقال المالكية: إن أقام المدعي البينة على ما يدعيه قضي له بما ادعى، وإن لم يقم البينة، كان القول قول من يشهد له العرف في التسمية وعدمها مع يمينه، فإن ادعى الزوج أنه تزوج المرأة تفويضاً بدون تسمية عند معتادي التفويض، وادعت هي التسمية، فالقول له بيمينه، ولو بعد الدخول أو الموت أو الطلاق، فيلزمه أن يفرض لها صداق المثل بعد الدخول، ولا شيء عليه في الطلاق أو الموت قبل الدخول. فإن كان المعتاد هو التسمية فالقول قول المرأة بيمينها، وثبت النكاح.
وقال الحنابلة: إن اختلف الزوجان أو ورثتهما أو أحدهما وولي الآخر أو وارثه في تسمية المهر فقال: لم نسم مهراً، وقالت: سمي لي مهر المثل، فالقول قول الزوج بيمينه في أصوب الروايتين؛ لأنه يدعي ما يوافق الأصل، ولها مهر المثل بالدخول أوالموت، فإن طلق ولم يدخل بها، فلها المتعة؛ لأن القول قوله في عدم التسمية، فهي مفوضة.
أما الشافعية فقالوا: لو ادعت المرأة تسميته، فأنكر زوجها قائلاً: لم تقع
стр. 6599
تسمية، ولم يدّع تفويضاً، تحالفا في الأصح؛ لأن حاصله الاختلاف في قدر المهر؛ لأن الزوج يقول: الواجب مهر المثل، وهي تدعي زيادة عليه. وبالتحالف: ينتفي بيمين كل واحد منهما دعوى صاحبه، فيبقى العقد بلا تسمية، فيجب حينئذ مهر المثل.
الحالة الثانية - الاختلاف في مقدار المهر المسمى:
إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر المسمى، فقال الزوج: ألف، وقالت الزوجة: ألفان، والخلاف في حال قيام النكاح:
ف قال أبو حنيفة ومحمد: القول لمن شهد له مهر المثل بيمينه، وأيهما أقام البينة تقبل، فإن أقام الاثنان البينة، قدمت بينتها إن كان مهر المثل شاهداً للزوج؛ لأنها تثبت الزيادة، وتقدم بينته إن كان مهر المثل شاهداً للمرأة؛ لأنها تثبت الحط، والأصل في هذا أن البينة تثبت خلاف الظاهر أي ما ليس بثابت ظاهر. وإن كان مهر المثل بينهما تحالفا، فإن حلفا أو برهنا قضي به، وإن برهن أحدهما قبل برهانه، لأنه أوضح دعواه بإقامة برهانه. والحاصل: أن أبا حنيفة ومحمداً يحكّمان مهر المثل. لكن إذا كان الاختلاف في جنس المهر أو نوعه أو صفته من الجودة والرداءة، فيقضى بقدر قيمته.
و قال أبو يوسف - والعمل جار على رأيه في مصر -: تعتبر الزوجة مدعية؛ لأنها تدعي الزيادة على الزوج، والزوج منكر، فتطبق القاعدة: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فتطالب الزوجة بإقامة البينة على ما تدعيه، فإن أقامت البينة على ما ادعت قضي لها به، وإن عجزت عن إقامة البينة وطلبت تحليف الزوج اليمين، وجهت إليه اليمين. فإن امتنع عن الحلف قضي لها بما ادعت، وإن حلف قضي بقدر ما ذكره، إلا أن يأتي بشيء قليل أي ما لا يتعارف
стр. 6600
مهراً لها، فيقضى حينئذ بمهر المثل. والحاصل: أن أبا يوسف لا يحكِّم مهر المثل، بل يجعل القول قول الزوج مع يمينه إلا أن يأتي بشيء مستنكر، أي غير متعارف.
و قال المالكية: إذا تنازع الزوجان في مقدار الصداق: فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وبدئت هي باليمين، ويقضى لمن كان قوله أشبه بالمتعارف المعتاد بين أهل بلديهما، ومن نكل منهما عن اليمين قضي عليه مع يمين صاحبه أي حلف الآخر، وقضي له بما ادعاه، ولا يفرق بينهما. وإن لم يكن قول أحدهما يشبه المتعارف تحالفا، فيحلف كل منهما على ما ادعى، ونفي ما ادعاه الآخر؛ لأن كلاً منهما يعتبر مدعى ومدعى عليه، فإن حلفا أو امتنعا عن اليمين، فرّق القاضي بينهما بطلقة.
وإن كان الخلاف بعد الدخول، فالقول قول الزوج مع يمينه.
و قرر الشافعية: أنه إن اختلف الزوجان في قدرالمهر أو صفته أو أجله، تحالفا، ويتحالف وارثاهما، أو وارث أحدهما والآخر، ثم يفسخ المهر، ويجب مهر المثل، ولم ينفسخ النكاح.
و رأى الحنابلة: أنه إن اختلف الزوجان في قدر المهر بعد العقد، ولا بيِّنة لأحدهما على مقداره، فالقول قول من يدعي مهر المثل منهما، فإن ادعت المرأة مهر مثلها أو أقل، فالقول قولها، وإن ادعى الزوج مهر المثل أو أكثر، فالقول قوله. وهذا موافق لرأي أبي حنيفة ومحمد.
الحالة الثالثة - الاختلاف في قبض المهر المعجل:
إذا اختلف الزوجان في قبض المعجل من المهر، بأن ادعى الزوج أنه وافاها كل المعجل، وقالت الزوجة: لم تقبض شيئاً منه، أو قبضت بعضه.
стр. 6601
فقال الحنفية: إن كان الخلاف بينهما قبل الدخول، كان القول للزوجة بيمينها، وعلى الزوج أن يثبت ما يدعيه بالبينة. وإن كان الخلاف بينهما بعد الدخول؛ فإن لم يكن هناك عرف بتقديم شيء، فالقول قول الزوجة بيمينها، وإن كان هناك عرف فيحكم العرف في النزاع على أصل القبض، بأن قالت الزوجة: لم تقبض شيئاً، فإن جرى العرف بتقديم النصف أو الثلثين، قضي عليها به، ويكون العرف مكذباً للزوجة في ادعائها عدم قبض شيء من المهر قبل الزفاف. وقد أفتى متأخرو الحنفية (١) بعدم تصديق المرأة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع أنها منكرة للقبض؛ لأن العرف جرى بأن المرأة تقبض المعجل قبل الزفاف. وإن كان النزاع في قبض بعض المعجل، بأن قالت الزوجة: إنها قبضت بعض مهرها، وادعى الزوج أنه سلمها كامل المهر، فالقول قول الزوجة بيمينها؛ لأن الناس يتساهلون عادة في المطالبة بتسليم كل المهر بعد قبض بعضه، ويتم الزفاف قبل قبضه.
ووافق المالكية الحنفية في حالة الخلاف في قبض المعجل قبل الدخول أي القول قولها، وأما بعد الدخول: فالقول قوله بعد الدخول بيمينه، إلا إذا كان هناك عرف فيرجع إليه.
ووافق الشافعية والحنابلة الحنفية بدون تفرقة بين ما قبل الدخول وبعده، فقالوا: إن اختلف الزوجان في قبض المهر، فادعاه الزوج، وأنكرت المرأة، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم القبض، وبقاء المهر.
стр. 6602
وإن كان الصداق تعليم سورة، فادعاه الزوج، وأنكرت المرأة، فإن كانت لا تحفظ السورة، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم التعليم. وإن كانت تحفظها ففيه وجهان: أحدهما - أن القول قولها؛ لأن الأصل أنه لم يعلمها. والثاني - أن القول قوله؛ لأن الظاهر أنه لم يعلمها غيره.
والخلاصة: إن اختلف الزوجان في القبض، فقالت الزوجة: لم أقبض، وقال الزوج: قد قبضت، فقال الجمهور (الشافعي وأحمد والثوري وأبو ثور) القول قول المرأة. وقال مالك: القول قولها قبل الدخول، والقول قوله بعد الدخول. وقال بعض أصحابه: إنما قال ذلك مالك؛ لأن العرف بالمدينة كان عندهم ألا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق. فإن كان بلد ليس فيه هذا العرف، كان القول قولها أبداً، والقول بأن القول قولها أبداً أحسن؛ لأنها مدعى عليها. ولكن مالك راعى قوة الشبهة التي له إذا دخل بها الزوج.
وإن اختلف الزوجان فيما يرسله الرجل إلى زوجته، فادعى أنه المهر، وادعت المرأة أنه هدية، فالقول قوله بيمينه، والبينة لها عند الحنفية والشافعية.
ثاني عشر - الملزم ب الجهاز والاختلاف فيه:
الجهاز: هو أثاث المنزل وفراشه وأدوات بيت الزوجية، وهناك رأيان للفقهاء في الملزم بالجهاز:
قال المالكية (١): الجهاز واجب على الزوجة بمقدار ما تقبضه من المهر، فإن لم تقبض شيئاً فلا تلزم بشيء إلا إذا اشترط الزوج التجهيز عليها، أو كان العرف يلزمها به. ودليلهم أن العرف جرى على أن الزوجة هي التي تعد بيت الزوجية
стр. 6603
وتجهزه بما يحتاج إليه، وإن الزوج إنما يدفع المهر لهذا الغرض. ويلزمها أن تتجهز بالمهر على العادة من حضر أو بدو، ولا يلزمها أن تتجهز بأزيد منه إلا لشرط أو عرف.
وخالفهم الحنفية (١): فرأوا أن الجهاز واجب على الزوج، كما يجب عليه النفقة وكسوة المرأة، والمهر المدفوع ليس في مقابلة الجهاز، وإنما هو عطاء ونحلة كما سماه الله في كتابه، أو هو في مقابلة حل التمتع بها، فهو حق على الزوج لزوجته.
لكن إن دفع الزوج مقداراً من المال في مقابلة الجهاز:
فإن كان المال زائداً على المهر مستقلاً عنه، فتلزم الزوجة بإعداد الجهاز لأنه كالهبة بشرط العوض.
وأما إن كان المال غير مستقل عن المهر، بأن سمى مهراً زائداً على مهر المثل، فالصحيح كما قال ابن عابدين أن الزوجة لا يلزمها شيء من الجهاز؛ لأن الزيادة متى جعلت من ضمن المهر، التحقت به، وصار كله حقاً خالصاً للزوجة، فلا تطالب بإنفاق شيء منه في الجهاز جبراً عنها.
وأما الاختلاف في الجهاز أو متاع البيت: وهو المفروشات والأواني وغيرها، فالمقرر فيه لدى المالكية (٢):
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت، فادعى كل واحد منهما أنه له، ولا بينة لهما ولا لأحدهما، فما كان من متاع النساء كالحلي والغزل وثياب النساء
стр. 6604
وخمرهن، حكم به للمرأة مع يمينها. وما كان من متاع الرجال كالسلاح والكتب وثياب الرجال، حكم به للرجل مع يمينه، وما كان يصلح لهما جميعاً كالدنانير والدراهم، فهو للرجل مع يمينه. وقال سحنون: مايعرف لأحدهما فهوله بغير يمين.
ووافق أبو حنيفة ومحمد (١) المالكية فقالا: ما كان يصلح للرجال كالعمامة والقلنسوة والسلاح وغيرها، فالقول فيه قول الزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر شاهد له؛ وما يصلح للنساء مثل الخمار والملحفة والمغزل ونحوها، فالقول فيه قول الزوجة مع يمينها؛ لأن الظاهر شاهد لها. وما يصلح لهما جميعاً كالدراهم والدنانير والعروض والبسط والحبوب ونحوها، فالقول فيه قول الزوج مع يمينه؛ لأن يد الزوج على ما في البيت أقوى من يد المرأة؛ لأن يده يد تصرف في المتاع، وأما يد المرأة فهي للحفظ فقط، ويد التصرف أقوى من يد الحفظ.
وقال أبو يوسف: يكون القول قول الزوجة مع يمينها في مقدار ما يجهز به مثلها عادة، والقول قول الزوج في الباقي؛ لأن الغالب ألا تزف الزوجة إلى زوجها إلا بجهاز يليق بمثلها، فيكون الظاهر شاهداً للمرأة في مقدار جهاز مثلها، فيكون القول قولها في هذا المقدار، وما زاد عنه، يكون القول فيه للزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر يشهد له فيه.
وهذا الرأي يتفق مع عرف البلاد التي تجهز فيه الزوجة بيت الزوجية.
ونقل الكاساني عن مالك والشافعي: أن كل المتاع بين الزوجين نصفان.
وإذا مات الزوجان، فاختلف ورثتهما، فالحكم حينئذ كالحكم عند اختلاف الزوجين، ففي قول أبي حنيفة ومحمد: القول قول ورثة الزوج. وفي قول
стр. 6605
أبي يوسف: القول قول ورثة المرأة في مقدار جهاز مثلها، وقول ورثة الزوج في الباقي؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث، فصار كأن المورثين اختلفا بأنفسهما وهم حيان.
وإن مات أحد الزوجين، واختلف الآخر الحي وورثة الميت، فالحكم لا يختلف في رأي أبي يوسف ومحمد ومالك، ففي رأي أبي يوسف: القول للزوجة إن كانت موجودة، ولورثتها إن كانت ميتة، بقدر جهاز مثلها، والزائد عنه يكون القول فيه للزوج أو لورثته. وفي رأي مالك ومحمد: يكون القول للزوج بيمينه إن كان موجوداً، ولورثته بعد موته.
وأما رأي أبي حنيفة: فهو أن القول يكون للحي من الزوجين مع يمينه، فإن كان الزوج كان القول قوله مع يمينه؛ لأن يده على ما في البيت أقوى من يد المرأة. وإن كانت الزوجة فالقول لها مع يمينها؛ لأن يدها كانت ضعيفة حال حياة الزوج، وصارت قوية بعد موت الزوج، فكان الظاهر شاهداً لها.
ثالث عشر - ميراث الصداق وهبته:
قال المالكية (١): المهر حق خالص للمرأة، فلها أن تهبه لزوجها أو لأجنبي، ويرثه عنها ورثتها. وتفصيله ما يأتي:
إن طلقت المرأة قبل الدخول بها حسب ما أنفقته على نفسها من المهر مما يخصها من النصف.
ولو ادعى الأب أو غيره أن بعض الجهاز له، وخالفته البنت أو الزوج، قُبلت
стр. 6606
دعوى الأب أو وصيه فقط في إعارته لها إن كانت دعواه في السنة التي حدث فيها الدخول من يوم الدخول، وكانت البنت بكراً، أو ثيباً هي في ولايته، أما الثيب التي ليست في ولايته، فلا تقبل دعواه في إعارته بعض الجهاز لها.
وأما إن ادعى الأب ذلك بعد مضي سنة من الدخول، فلا تقبل دعواه إلا أن يشهد على أن الشيء عارية عند ابنته عند الدخول أو في وقت قريب منه.
ولو جهز رجل ابنته بشيء زائد عن صداقها، ومات قبل الدخول أو بعده، اختصت به البنت عن بقية الورثة إن نقل الجهاز لبيتها أو أشهد لها الأب بذلك قبل موته، أو اشتراه الأب لها ووضعه عند غيره كأمها أو عندها هي.
وإن وهبت امرأة رشيدة صداقها للزوج قبل قبضه منه، جبر الزوج على دفع أقل المهر لها وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو بقدر قيمتها، لئلا يخلو النكاح من صداق.
ويجوز للمرأة الرشيدة أن تهب للزوج جميع الصداق الذي تقرر به النكاح؛ لأنها ملكته، وتقرر بالوطء، سواء قبضته منه أم لم تقبضه، لقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:٤/ ٤].
وإن وهبت المرأة الرشيدة الصداق لزوجها، أو أعطته مالاً من عندها بقصد دوام العِشْرة واستمرارها معه، ففسخ النكاح لفساده، أو طلقها قبل تمام سنتين، رجعت عليه بما وهبته من الصداق، وبما أعطته من مالها، لعدم تمام غرضها.
وإن أعطت سفيهة غير رشيدة مالاً لرجل ليتزوجها به، صح الزواج ولم يفسخ، وعليه أن يعطيها من ماله مثل ما أعطته، إن كان مثل مهرها فأكثر، فإن كان أقل من مهر مثلها، أعطاها من ماله قدر مهر مثلها.
стр. 6607
المبحث الثاني - المتعة:
معناها، حكمها، مقدارها (١).
معنى المتعة: المتعة مشتقة من المتاع: وهو ما يستمتع به، وتطلق على أربعة معان:
أحدهما - متعة الحج، وقد ذكرت في الحج.
الثاني - النكاح إلى أجل.
الثالث - متعة المطلقات، وهي محل البحث هنا.
الرابع - إمتاع المرأة زوجها في مالها على ما جرت به العادة في بعض البلاد، قال المالكية: فإن كان شرطاً في العقد لم يجز، وإن كان تطوعاً بعد تمام العقد جاز.
والمتعة المرادة هنا: هي الكسوة أو المال الذي يعطيه الزوج للمطلقة زيادة على الصداق أو بدلاً عنه كما في المفوضة، لتطيب نفسها، ويعوضها عن ألم الفراق. وعرفها الشافعية: بأنها مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة في الحياة بطلاق وما في معناه، بشروط تأتي.
وعرفها المالكية: بأنها الإحسان إلى المطلقات حين الطلاق بما يقدر عليه المطلق بحسب ماله في القلة والكثرة.
стр. 6608
حكم المتعة:
للفقهاء آراء في حكم المتعة.
أما الحنفية فقالوا: قد تكون المتعة واجبة، وقد تكون مستحبة. فتجب المتعة في نوعين من الطلاق.
١ - طلاق المفوضة قبل الدخول، أو المسمى لها مهراً تسمية فاسدة: أي الطلاق الذي يكون قبل الدخول والخلوة في نكاح لا تسمية فيه، ولا فرض بعده، أو كانت التسمية فيه فاسدة، وهذا متفق عليه عند الجمهور غيرا لمالكية، لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن، أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] أمر بالمتعة، والأمر يقتضي الوجوب، وتأكد في آخر الآية بقوله: ﴿حقاً على المحسنين﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] ولأن المتعة في هذه الحالة بدلاً عن نصف المهر، ونصف المهر واجب، وبدل الواجب واجب؛ لأنه يقوم مقامه، كالتيمم بدلاً عن الوضوء.
٢ - الطلاق الذي يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر، وإنما فرض بعده، في رأي أبي حنيفة ومحمد، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن﴾ [الأحزاب:٤٩/ ٣٣] والآية السابقة ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] فالآية الأولى أوجبت المتعة في كل المطلقات قبل الدخول، ثم خص منها من سمي لها مهر، فبقيت المطلقة التي لم يسم لها مهر، والآية الثانية أوجبت المتعة لمن لم يفرض لها فريضة، وهو منصرف إلى الفرض في العقد.
و رأى أبو يوسف والشافعي وأحمد: أنه يجب للمطلقة قبل الدخول التي
стр. 6609
فرض لهامهر نصف مهر، سواء أكان الفرض في العقد أم بعده؛ لأن الفرض بعد العقد كالفرض في العقد، وبما أن المفروض في العقد يتنصف فكذا المفروض بعده.
وتستحب المتعة عند الحنفية في حالة الطلاق بعد الدخول، والطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية؛ لأن المتعة إنما وجبت بدلاً عن نصف المهر، فإذا استحقت المسمى أو مهر المثل بعد الدخول، فلا داعي للمتعة.
وأوجب الشافعية المتعة في الطلاق بعد الدخول، لقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾ [البقرة:٢/ ٢٤١].
والخلاصة: تستحب المتعة عند الحنفية لكل مطلقة إلا لمفوضة فتجب: وهي من زوجت بلا مهر، وطلقت قبل الدخول، أو من سمي لها مهر تسمية فاسدة أو سمي بعد العقد.
ومذهب المالكية: أن المتعة مستحبة لكل مطلقة، لقوله تعالى: ﴿حقاً على المتقين﴾ [البقرة:٢/ ٢٤١] وقوله: ﴿حقاً على المحسنين﴾ [البقرة:٢/ ٢٣٦] فإنه سبحانه قيد الأمر بها بالتقوى والإحسان، والواجبات لا تتقيد بهما.
وقالوا: المطلقات ثلاثة أقسام: مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية (المفوضة) فلها المتعة وليس لها شيء من الصداق. ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، فلا متعة لها. ومطلَّقة بعد الدخول، سواء أكانت قبل التسمية أم بعدها، فلها المتعة. ولا متعة في كل فراق تختاره المرأة، كامرأة المجنون والمجذوم والعنين. ولا في الفراق بالفسخ، ولا المختلعة، ولا الملاعنة.
ومذهب الشافعية عكس المالكية تماماً: المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء أكان الطلاق قبل الدخول أم بعده، إلا لمطلقة قبل الدخول سمي لها مهر فإنه يكتفى لها
стр. 6610
بنصف المهر، فتجب لمطلقة قبل دخول إن لم يجب شطر مهر، وتجب أيضاً في الأظهر لمدخول بها، ولكل فُرْقة لا بسبب الزوجة كطلاق، بأن كانت الفرقة بسبب الزوج كردته ولعانه وإسلامه. أما من وجب لها شطر مهر فلها ذلك، وأما المفوضة ولم يفرض لها شيء فلها المتعة. وعبارتهم
بإيجاز (١): لكل مفارقة متعة إلا التي فرض لها مهر، وفورقت قبل الدخول، أو كانت الفرقة بسببها، أو بملكه لها، أو بموت، وفرقة اللعان بسببه، والعنة بسببها.
ودليلهم قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] وقوله ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [البقرة:٢٤١/ ٢] فإنه أوجب المتعة لكل مطلقة، سواء أكانت مدخولاً بها أم لا، سمي لها مهر أم لا. ويؤكده تمتيع زوجات النبي ﷺ وكن مدخولاً بهن، في قوله تعالى: ﴿قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً﴾ [الأحزاب:٢٨/ ٣٣]. أما إذا فرض للمرأة في التفويض شيء فلا متعة لها؛ لأن الزوج لم يستوف منفعة بُضعها، فيكفي شطر مهرها لما لحقها بالطلاق من الاستيحاش والابتذال.
ومذهب الحنابلة موافق لمذهب الحنفية في الجملة: المتعة تجب على كل زوج حر وعبد، مسلم وذمي، لكل زوجة مفوضة، طلقت قبل الدخول، وقبل أن يفرض لها مهر، للآية المتقدمة ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] ولا يعارضه قوله ﴿حقاً على المحسنين﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] لأن أداء الواجب من الإحسان، فليس للمفوضة إلا المتعة.
وتستحب المتعة عندهم لكل مطلقة غير المفوضة التي لم يفرض لها مهر، لقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [البقرة:٢٤١/ ٢] ولم تجب؛ لأنه
стр. 6611
تعالى قسم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن، وهو يدل على اختصاص كل قسم بحكمه.
ولا متعة للمتوفى عنها؛ لأن النص لم يتناولها، وإنما تناول المطلقات.
و تسقط المتعة في كل موضع يسقط فيه كل المهر، كردتها وإرضاعها من ينفسخ به نكاحها ونحوه؛ لأنها أقيمت مقام نصف المسمى، فسقطت في كل موضع يسقط فيه.
وتجب المتعة للمفوضة في كل موضع يتنصف فيه المسمى، كردته قياساً على الطلاق، ولا تجب المتعة فيما يسقط به المسمى من الفرق كاختلاف الدين والفسخ بالرضاع ونحوه إذا جاء من قبل المرأة؛ لأن المتعة أقيمت مقام نصف المسمى، فسقطت في موضع يسقط.
ومن وجب لها نصف المهر، لم تجب لها متعة، سواء أكانت ممن سمي لها صداق، أم لم يسم لها، لكن فرض بعد العقد. وهذا موافق للجمهور غير أبي حنيفة ومحمد، كما تقدم.
ولا متعة للمسمى لها مهراً بعد الدخول أو المفوضة أو المفوض لها بعد الدخول، لكن يستحب لها المتعة، وتستحب أيضاً لمن سمي لها صداق فاسد كالخمر والمجهول وطلقت قبل الدخول.
والخلاصة: أوجب الشافعية المتعة إلا للمطلقة قبل الدخول، التي سُمي لها المهر، والجمهور استحبوا المتعة، لكن المالكية استحبوها لكل مطلقة، والحنفية والحنابلة استحبوها لكل مطلقة إلا المفوضة التي زوجت بلا مهر فتجب لها المتعة. والظاهر رجحان مذهب الشافعية لقوة أدلتهم، ولتطييب خاطر المرأة، وتخفيف ألم الفراق، ولإيجاد باعث على العودة إلى الزوجية إن لم تكن البينونة كبرى.
стр. 6612
مقدار المتعة ونوعها:
لم يرد نص في تقدير المتعة ونوعها، فاجتهد الفقهاء في مقدارها.
قرر الحنفية: أنها ثلاثة أثواب: دِرْع (ما تلسبه المرأة فوق القميص) وخمار (ما تغطي به المرأة رأسها) ومِلْحفة (ما تلتحف به المرأة من رأسها إلى قدمها) لقوله تعالى: ﴿متاعاًبالمعروف حقاً على المحسنين﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] والمتاع: اسم للعروض في العرف، ولأن لإيجاب الأثواب نظيراً في أصول الشرع وهو الكسوة التي تجب لها حال قيام الزوجية وأثناء العدة، وأدنى ما تكتسي به المرأة وتستتر به عند الخروج: ثلاثة أثواب.
ولا تزيد هذه الأثواب عن نصف مهر المثل لو كان الزوج غنياً، لأنها بدل عنه، ولا تنقص عن خمسة دراهم لو كان الزوج فقيراً. والمفتى به أن المتعة تعتبر بحال الزوجين كالنفقة، فإن كانا غنيين فلها الأعلى من الثياب، وإن كانا فقيرين فالأدنى، وإن كانا مختلفين فالوسط.
وقال الشافعية: يستحب ألا تنقص المتعة عن ثلاثين درهماً أو ما قيمته ذلك، وهذا أدنى المستحب، وأعلاه خادم، وأوسطه ثوب. ويسن ألا تبلغ نصف مهر المثل، فإن بلغته أو جاوزته جاز لإطلاق الآية: ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢].
فإن تنازع الزوجان في قدرها، قدَّرها القاضي باجتهاده بحسب ما يليق بالحال، معتبراً حال الزوجين كما قال الحنفية، من يسار وإعسار ونسب وصفات، لقوله تعالى: ﴿ومتعوهن، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [البقرة:٢٤١/ ٢].
وذهب المالكية والحنابلة: إلى أن المتعة معتبرة بحال الزوج يساراً أوإعساراً،
стр. 6613
على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، للآية السابقة المصرحة بكون المتعة على حسب حال الزوج، فأعلاها خادم أي قيمة خادم في زمنهم إذا كان موسراً، وأدناها إذا كان فقيراً: كسوة كاملة تجزيها في صلاتها أي أقل الكسوة، وهي درع وخمار، أو نحو ذلك، أقلها ثلاثة أثواب عند الحنفية: درع (قميص) وخمار يستر رأسها، وملاءة. لقول ابن عباس: «أعلى المتعة خادم، ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة». والظاهر رجحان هذا القول.
ونص القانون السوري على بعض أحكام المتعة في المادة (٦١/ ٢): «إذا وقع الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة، فعندئذ تجب المتعة» وفي المادة (٦٢): «المتعة: هي كسوة مثل كسوة المرأة عند الخروج من بيتها، ويعتبر فيها حال الزوج على ألا تزيد على نصف مهر المثل».
المبحث الثالث - الخلوة الصحيحة وأحكامها:
معناها، آراء الفقهاء فيها، أحكامها (١):
معنى الخلوة: الخلوة الصحيحة: هي أن يجتمع الزوجان بعد عقد الزواج الصحيح في مكان يأمنان فيه من اطلاع الناس عليهما كدار أو بيت مغلق الباب. فإن كان الاجتماع في شارع أو طريق أو مسجد أو حمام عام أو سطح لا ساتر له أو في بيت مفتوح الباب والنوافذ أو في بستان لا باب له، فلا تتحقق الخلوة الصحيحة. ويشترط فيها ألا يكون بأحد الزوجين مانع طبعي أو حسي أو شرعي يمنع من الوطء أو الاتصال الجنسي.
стр. 6614
و المانع الحسي: مثل مرض بأحد الزوجين يمنع الوطء من رتَق (تلاحم)، وقرَن (عظم)، وعفَل (غدة)، أما خلوة الخصي (مسلوب الخصية) والعنين (العاجز عن الجماع) فهي صحيحة، وأما خلوة المجبوب فهي صحيحة عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين.
و المانع الطبيعي: ما يمنع النفس بطبيعتها عن الجماع، مثل وجود شخص ثالث عاقل، ولو كان أعمى أو نائماً أو صبياً مميزاً أو زوجة أخرى. فإن كان هناك غير مميز أو مجنون أو مغمى عليه، فالخلوة صحيحة.
و المانع الشرعي: أن يكون هناك ما يحرم الوطء شرعاً كالصوم في رمضان، والإحرام بحج أو عمرة، والاعتكاف، والحيض والنفاس، والدخول في صلاة الفريضة، والخلوة في المسجد؛ لأن الجماع في المسجد حرام.
وأما عدم معرفة الرجل للمرأة فقال فيه ابن عابدين: إن هذا المانع بيده إزالته، بأن يخبرها أنه زوجها، فلما جاء التقصير من جهته، يحكم بصحة الخلوة، فيلزم المهر.
فإن لم تتوافر هذه الشروط فالخلوة فاسدة، بأن يكون الزواج فاسداً، أو الخلوة في مكان يمكن لأحد الناس الدخول عليهما (عدم صلاحية المكان) أو وجود مانع من الجماع. وبه يكون معنى الخلوة الفاسدة: هي كل خلوة وجد فيها مانع من الموانع الثلاثة السابقة، أو وجود شخص ثالث عاقل مع الزوجين، أو عدم صلاحية المكان، أو فساد الزواج.
آراء الفقهاء في أحكام الخلوة:
للفقهاء رأيان في الخلوة، ف مذهب المالكية والشافعية في الجديد: الخلوة
стр. 6615
وحدها بدون جماع وإرخاء الستور لا تؤكد المهر للزوجة، فلو خلا الزوج بزوجته خلوة صحيحة، ثم طلقها قبل الدخول بها، وجب فقط نصف المهر المسمى، أوالمتعة إن لم يكن المهر مسمى، علماً بأن المتعة عند المالكية مستحبة لا واجبة.
ودليلهم قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] والمس: كناية عن الاتصال الجنسي، وفسروا آية ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء:٢١/ ٤] بأن الإفضاء معناه الجماع.
ولأن النبي ﷺ جعل المهر للمرأة بما استحل من فرجها أي أصابها.
لكن قال المالكية: للخلوة الصحيحة حكمان:
الأول - وجوب العدة على المرأة، حتى ولو اتفق الزوجان على عدم وقوع الوطء فيها؛ لأن العدة حق الله تعالى، فلا تسقط باتفاق الزوجين على نفي الوطء، مع اعترافهما بالخلوة.
الثاني - صيرورتها قرينة على الوطء عند اختلاف الزوجين في حدوثه: فإذا اختلى الرجل بزوجته خلوة اهتداء، وهي المعروفة عندهم بإرخاء الستور: وهي أن يسكن كل واحد من الزوجين للآخر، ويطمئن إليه. ثم يطلقها، ويختلفان في حصول الوطء، صدقت الزوجة بيمينها فيما تدعيه. فإن امتنعت عن اليمين حلف الزوج، ولزمه نصف الصداق. وإن نكل عن اليمين، لزمه جميع الصداق؛ لأن الخلوة بمنزلة شاهد، والنكول عن اليمين بمنزلة شاهد آخر.
و مذهب الحنفية والحنابلة: الخلوة كالوطء في تكميل مهر، ولزوم عدة، وثبوت نسب، وتحريم أخت، وأربع سواها حتى تنقضي عدتها. ويعد اللمس
стр. 6616
والتقبيل بشهوة عند الحنابلة كالدخول أيضاً. وعليه يكون الطلاق بعد الخلوة الصحيحة طلاقاً بائناً، تترتب عليه الأحكام التالية:
١ - ثبوت كامل المهر: فلو طلقها بعد الخلوة الصحيحة، استحقت كل المهر المسمى، ومهر المثل إن لم تكن التسمية صحيحة.
٢ - ثبوت النسب: فلو طلقها بعد الخلوة الصحيحة، وجاءت بولد ثبت نسبه منه إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر بعد الخلوة.
٣ - وجوب العدة: فإن طلقها بعد الخلوة ولو كانت فاسدة عند الحنفية، وجب عليهاالعدة المقررة بعد الدخول والفرقة.
٤ - لزوم نفقة العدة على الزوج المطلق: وهي الطعام والسكنى والكسوة.
٥ - حرمة التزوج بامرأة محرم لها أو بأربع سواها ما دامت في العدة، أو التزوج بخامسة في عدتها إذا كانت رابعة، كما يحرم الزواج خلال العدة من طلاق بعد الدخول.
٦ - تطليقها في الطهر: إذا أراد الزوج طلاق الزوجة بعد الخلوة الصحيحة، لزمه مراعاة وقت الطلاق، وهو كونه في طهر، كالمقرر في الطلاق السني بعد الدخول.
والخلاصة: أن ثبوت المهر والعدة من أحكام الخلوة المحضة، وأما ثبوت النسب فهو عند الحنفية من أحكام العقد مطلقاً، وأما بقية الأحكام فهي من آثار العدة.
ولا تكون الخلوة كالوطء أو الدخول فيما يأتي:
стр. 6617
١ - الإحصان: فالخلوة الصحيحة لا تجعل الزوجين محصنين لإقامة حد الرجم، وإنما لا بد من الدخول.
٢ - الغسل: لا يجب الغسل على أحد الزوجين بمجرد الخلوة، بخلاف الوطء.
٣ - حرمة البنت: الخلوة لا تحرم البنت على الزوج، وله أن يتزوجها بعد طلاق أمها، وإنما لا بد من الدخول الحقيقي بالأم لتحريم ابنتها على الزوج.
٤ - التحليل: الخلوة الصحيحة مع الزوج الثاني لا تحل المرأة لزوجها الأول، وإنما لا بد من الدخول الحقيقي (ذوق العسيلة) ثم طلاقها.
٥ - حصول الرجعة: الخلوة بالمطلقة لا تكون رجعة، فمن طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم اختلى بها من غير أن يرجع بالقول، أو بالفعل كوطء وتقبيل، لا يكون بالخلوة مراجعاً لها، أما الدخول فإنه يحقق المراجعة.
٦ - العودة للزوجية بدون عقد جديد: الطلاق بعد الخلوة يكون بائناً، فلا تعاد إلى المطلق إلا بعقد ومهر جديدين. أما الطلاق بعد الدخول فيقع رجعياً إذا لم يكمل الثلاث، فيمكن للرجل مراجعة امرأته من غير عقد جديد.
٧ - الميراث: يقع الطلاق بائناً بعد الخلوة، فإذا مات أحد الزوجين في أثناء العدة من هذا الطلاق فلا يرثه الآخر، إذ لا ميراث في الموت في عدة الطلاق البائن. إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً غير مكمل للثلاث، ومات أحدهما في عدة هذا الطلاق، فإن الآخر يرثه؛ لأن الطلاق حينئذ رجعي، والموت في عدة الطلاق الرجعي كالموت حال قيام الزوجية.
стр. 6618
٨ - تزوجها كالأبكار على المختار عند الحنفية: فمن طلق امرأته بعد الخلوة، فحكمها في الزواج كحكم الأبكار؛ لأنها بكر في الحقيقة. أما المدخول بها حقيقة فيكون تزوجها بغير الزوج الأول بعد الفراق كتزوج الثيبات. ويلاحظ ما يأتي:
أـ إن أحكام الخلوة المذكورة لا تثبت إلا إذا كان عقد الزواج صحيحاً، فإن كان فاسداً فلا يثبت للخلوة بعده شيء من تلك الأحكام.
ب - والعدة في المعتمد في المذهب الحنفي قد تجب في بعض حالات الخلوة الفاسدة: وهي التي يكون فسادها لمانع طبيعي أو شرعي؛ لأن الوطء ممكن في ذاته، بخلاف حالة المانع الحسي.
جـ - تجب العدة في الخلوة في القضاء فقط، لا في الديانة، أما العدة بعد الدخول الحقيقي فتجب قضاء وديانة.
أدلة الحنفية والحنابلة:
استدل هؤلاء على جعل الخلوة بمثابة الدخول بما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ [النساء:٢٠/ ٤ - ٢١] نهى الشرع عن أخذ شيء من المهر بعد الإفضاء، والإفضاء - كما قال الفراء - هو الخلوة، سواء دخل بها أم لم يدخل.
стр. 6619
٢ - الحديث النبوي: «من كشف خمار امرأته، ونظر إليها فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل» (١) وهو ظاهر الدلالة على المطلوب.
٣ - الآثار: قال زرارة بن أبي أوفى: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة، دخل بها أو لم يدخل بها (٢).
٤ - المعقول: أن الزوجة بتمكينها من الخلوة مع عدم المانع من الجماع، قد سلمت المبدل وهو مقابل المهر، فيجب على زوجها تسليمها البدل وهو المهر، كما في البيع والإجارة، وتقصير الزوج في استيفاء حقه لا تؤاخذ هي به، كما أن تقصير المستأجر والمشتري في الاستلام بعد التخلية ورفع الموانع، لا يمنع من حصول التسليم.
стр. 6620
الفَصْلُ السّابع: حقوق الزّواج وواجباته عرفنا أن الزواج كغيره من العقود ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقاً وواجبات متبادلة، عملاً بمبدأ التوازن والتكافؤ وتساوي أطراف التعاقد الذي يقوم عليه كل عقد. وقد أشار القرآن الكريم لهذا المبدأ وثبوت هذه الحقوق والواجبات، فقال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال على النساء من واجبات، وأساس توزيع تلك الحقوق والواجبات هو العرف والفطرة، ومبدأ: كل حق يقابله واجب.
وفي هذا الفصل مباحث ثلاثة:
الأول - حقوق الزوجة.
الثاني - حقوق الزوج.
الثالث - الحقوق المشتركة بين الزوجين.
المبحث الأول - حقوق الزوجة:
للزوجة حقوق مالية وهي المهر والنفقة، وحقوق غير مالية: وهي إحسان العشرة والمعاملة الطيبة، والعدل.