← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

والتقبيل بشهوة عند الحنابلة كالدخول أيضاً. وعليه يكون الطلاق بعد الخلوة الصحيحة طلاقاً بائناً، تترتب عليه الأحكام التالية: ١ - ثبوت كامل المهر: فلو طلقها بعد الخلوة الصحيحة، استحقت كل المهر المسمى، ومهر المثل إن لم تكن التسمية صحيحة. ٢ - ثبوت النسب: فلو طلقها بعد الخلوة الصحيحة، وجاءت بولد ثبت نسبه منه إن جاءت به لأكثر من ستة أشهر بعد الخلوة. ٣ - وجوب العدة: فإن طلقها بعد الخلوة ولو كانت فاسدة عند الحنفية، وجب عليهاالعدة المقررة بعد الدخول والفرقة. ٤ - لزوم نفقة العدة على الزوج المطلق: وهي الطعام والسكنى والكسوة. ٥ - حرمة التزوج بامرأة محرم لها أو بأربع سواها ما دامت في العدة، أو التزوج بخامسة في عدتها إذا كانت رابعة، كما يحرم الزواج خلال العدة من طلاق بعد الدخول. ٦ - تطليقها في الطهر: إذا أراد الزوج طلاق الزوجة بعد الخلوة الصحيحة، لزمه مراعاة وقت الطلاق، وهو كونه في طهر، كالمقرر في الطلاق السني بعد الدخول. والخلاصة: أن ثبوت المهر والعدة من أحكام الخلوة المحضة، وأما ثبوت النسب فهو عند الحنفية من أحكام العقد مطلقاً، وأما بقية الأحكام فهي من آثار العدة. ولا تكون الخلوة كالوطء أو الدخول فيما يأتي:

стр. 6617

١ - الإحصان: فالخلوة الصحيحة لا تجعل الزوجين محصنين لإقامة حد الرجم، وإنما لا بد من الدخول. ٢ - الغسل: لا يجب الغسل على أحد الزوجين بمجرد الخلوة، بخلاف الوطء. ٣ - حرمة البنت: الخلوة لا تحرم البنت على الزوج، وله أن يتزوجها بعد طلاق أمها، وإنما لا بد من الدخول الحقيقي بالأم لتحريم ابنتها على الزوج. ٤ - التحليل: الخلوة الصحيحة مع الزوج الثاني لا تحل المرأة لزوجها الأول، وإنما لا بد من الدخول الحقيقي (ذوق العسيلة) ثم طلاقها. ٥ - حصول الرجعة: الخلوة بالمطلقة لا تكون رجعة، فمن طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم اختلى بها من غير أن يرجع بالقول، أو بالفعل كوطء وتقبيل، لا يكون بالخلوة مراجعاً لها، أما الدخول فإنه يحقق المراجعة. ٦ - العودة للزوجية بدون عقد جديد: الطلاق بعد الخلوة يكون بائناً، فلا تعاد إلى المطلق إلا بعقد ومهر جديدين. أما الطلاق بعد الدخول فيقع رجعياً إذا لم يكمل الثلاث، فيمكن للرجل مراجعة امرأته من غير عقد جديد. ٧ - الميراث: يقع الطلاق بائناً بعد الخلوة، فإذا مات أحد الزوجين في أثناء العدة من هذا الطلاق فلا يرثه الآخر، إذ لا ميراث في الموت في عدة الطلاق البائن. إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً غير مكمل للثلاث، ومات أحدهما في عدة هذا الطلاق، فإن الآخر يرثه؛ لأن الطلاق حينئذ رجعي، والموت في عدة الطلاق الرجعي كالموت حال قيام الزوجية.

стр. 6618

٨ - تزوجها كالأبكار على المختار عند الحنفية: فمن طلق امرأته بعد الخلوة، فحكمها في الزواج كحكم الأبكار؛ لأنها بكر في الحقيقة. أما المدخول بها حقيقة فيكون تزوجها بغير الزوج الأول بعد الفراق كتزوج الثيبات. ويلاحظ ما يأتي: أـ إن أحكام الخلوة المذكورة لا تثبت إلا إذا كان عقد الزواج صحيحاً، فإن كان فاسداً فلا يثبت للخلوة بعده شيء من تلك الأحكام. ب - والعدة في المعتمد في المذهب الحنفي قد تجب في بعض حالات الخلوة الفاسدة: وهي التي يكون فسادها لمانع طبيعي أو شرعي؛ لأن الوطء ممكن في ذاته، بخلاف حالة المانع الحسي. جـ - تجب العدة في الخلوة في القضاء فقط، لا في الديانة، أما العدة بعد الدخول الحقيقي فتجب قضاء وديانة. أدلة الحنفية والحنابلة: استدل هؤلاء على جعل الخلوة بمثابة الدخول بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ [النساء:٢٠/ ٤ - ٢١] نهى الشرع عن أخذ شيء من المهر بعد الإفضاء، والإفضاء - كما قال الفراء - هو الخلوة، سواء دخل بها أم لم يدخل.

стр. 6619

٢ - الحديث النبوي: «من كشف خمار امرأته، ونظر إليها فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل» (١) وهو ظاهر الدلالة على المطلوب. ٣ - الآثار: قال زرارة بن أبي أوفى: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور، وأغلق الباب، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة، دخل بها أو لم يدخل بها (٢). ٤ - المعقول: أن الزوجة بتمكينها من الخلوة مع عدم المانع من الجماع، قد سلمت المبدل وهو مقابل المهر، فيجب على زوجها تسليمها البدل وهو المهر، كما في البيع والإجارة، وتقصير الزوج في استيفاء حقه لا تؤاخذ هي به، كما أن تقصير المستأجر والمشتري في الاستلام بعد التخلية ورفع الموانع، لا يمنع من حصول التسليم.

стр. 6620

الفَصْلُ السّابع: حقوق الزّواج وواجباته عرفنا أن الزواج كغيره من العقود ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقاً وواجبات متبادلة، عملاً بمبدأ التوازن والتكافؤ وتساوي أطراف التعاقد الذي يقوم عليه كل عقد. وقد أشار القرآن الكريم لهذا المبدأ وثبوت هذه الحقوق والواجبات، فقال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال على النساء من واجبات، وأساس توزيع تلك الحقوق والواجبات هو العرف والفطرة، ومبدأ: كل حق يقابله واجب. وفي هذا الفصل مباحث ثلاثة: الأول - حقوق الزوجة. الثاني - حقوق الزوج. الثالث - الحقوق المشتركة بين الزوجين. المبحث الأول - حقوق الزوجة: للزوجة حقوق مالية وهي المهر والنفقة، وحقوق غير مالية: وهي إحسان العشرة والمعاملة الطيبة، والعدل.

стр. 6621

أما المهر: فقد تكلمت عنه تفصيلاً، وعُلم أنه حق خاص للمرأة بالقرآن والسنة، لقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدُقاتهن نحلة﴾ [النساء:٤/ ٤]، وثبت في السنة أنه ﷺ لم يخل زواجاً من مهر. وأما النفقة: فيخصص لها مبحث خاص بها، وهي أمر مقرر في القرآن والسنة أيضاً، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وعن معاوية القشيري: «أن النبي ﷺ سأله رجل: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: تُطعمها إذا طعِمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت» (١) أي لا تقل لامرأتك: قبحها الله، والهجر يكون في المضجع، لا أن يتحول الرجل عن المرأة إلى دار أخرى، أو يحولها إليها. والمراد من العشرة: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع، ويلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وألا يمطله حقه مع قدرته، ولا يظهر الكراهة فيما يبذله له، بل يعامله ببشر وطلاقة، ولا يتبع عمله مِنَّة ولا أذى (٢)؛ لأن هذا من المعروف، لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء:١٩/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] قال أبو زيد: «تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم» وقال ابن عباس: «إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي»؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢].

стр. 6622

وثبت في السنة الأمر بمعاملة النساء خيراً، وورد فيها بيان حقوق وواجبات كل من الزوجين، قال ﷺ : «استوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عندكم عوانٍ (١) ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنة، فإن فَعلْنَ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرِّح (٢)، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً». «إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً. فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (٣). وقال ﵊ أيضاً: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (٤). «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم» (٥). ومن أهم حقوق الزوجة بإيجاز لما سبق بيانه في هذا الشأن (٦): ١ - إعفاف الزوجة أو الاستمتاع: قال المالكية: الجماع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر. وقال الشافعي: لايجب إلا مرة؛ لأنه حق له، فجاز له تركه كسكنى الدار المستأجرة، ولأن الداعي إلى الاستمتاع الشهوة والمحبة، فلا يمكن إيجابه، والمستحب ألا يعطلها، ليأمن الفساد.

стр. 6623

وقال الحنابلة: يجب على الزوج أن يطأ الزوجة في كل أربعة أشهر مرة، إن لم يكن عذر؛ لأنه لو لم يكن واجباً لم يصر باليمين (الإيلاء) على تركه واجباً، كسائر ما لا يجب، ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين، ودفع الضرر عنهما، وهو مفض إلى دفع ضرر الشهوة من المرأة كإفضائه إلى دفعه عن الرجل، فيكون الوطء حقاً لهما جميعاً، فإن أبى الوطء بعد انقضاء الأربعة الأشهر، أو أبى البيتوتة في ليلة من أربع ليال للمرأة الحرة، بلا عذر لأحد الزوجين، فرِّق بينهما كما يفرق بسبب الإيلاء، وكما لو منع النفقة، ولو قبل الدخول، أي يفرق بينهما إن لم يطأ بعد الزفاف لمدة أربعة أشهر، وكما لو ظاهر من زوجته، ولم يكفر عن الظهار، بل إن الفسخ لتعذر الوطء أولى من الفسخ لتعذر النفقة. لكن إن سافر الزوج عن المرأة لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء وإن طال سفره للعذر. وإن لم يكن للمسافر عذر مانع من الرجوع وغاب أكثر من ستة أشهر، فطلبت قدومه، لزمه القدوم، لما روى أبو حفص بإسناده عن يزيد بن أسلم قال: بينا عمر بن الخطاب يحرس المدينة، فمرَّ بامرأة وهي تقول: تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه … وطال علي أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا خشية الله والحيا … لحرك من هذا السرير جوانبُه فسأل عنها، فقيل له: زوجها غائب في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة تكون معها، وبعث إلى زوجها، فأقفله، ثم دخل على حفصة فقال: بُنَيَّة، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله، مثلك يسأل مثلي عن هذا؟ فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين، ما سألتك، فقالت: خمسة أشهر، ستة أشهر، فوقَّت للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهراً، ويقيمون أربعة أشهر، ويرجعون في شهر.

стр. 6624

ولزوم قدوم الزوج: إن لم يكن له عذر في سفره كطلب علم أو كان في جهاد أو حج واجبين أو في طلب رزق يحتاج إليه، فإن وجد عذر لم يلزمه القدوم؛ لأن صاحب العذر يعذر من أجل عذره. ويكتب الحاكم للزوج الغائب ليقدم، فإن أبى أن يقدم من غير عذر، بعد مراسلة الحاكم إليه، فسخ الحاكم نكاحه؛ لأنه ترك حقاً عليه يتضرر به. ٢ - يحرم الوطء في الدبر، لقوله ﷺ : «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها» (١) وعن أبي هريرة مرفوعاً: «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو أتى عرافاً فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد» (٢) وفي حديث آخر: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» (٣). ويحرم وطء الحائض، ويسن لمن وطئ الحائض أن يتصدق بدينار إن وطئها في مقتبل الدم، وبنصف دينار في إدباره، لما روى أبو داود والحاكم وصححه: «إذا واقع الرجل أهله وهي حائض، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فليتصدق بنصف دينار». ويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين، لقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون:٥/ ٢٣ - ٦].

стр. 6625

ويجوز وطؤها في الفرج مدبرة، لما روى جابر قال: «كان اليهود يقولون: إذا جامع الرجل امرأته في فرجها من ورائها، جاء الولد أحول» فأنزل الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة:٢٢٣/ ٢] من بين يديها ومن خلفها، غير ألا يأتيها إلا في المأتى وفي لفظ: «يأتيها من حيث شاء مقبلة أو مدبرة إذا كان ذلك في الفرج» (١). فإن أتاها في الدبر عزر إن علم تحريمه، لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة. قال الحنابلة: وإن تطاوع الزوجان على الوطء في الدبر، فُرِّق بينهما. وكذا إن أكره الرجل زوجته على الوطء في الدبر، ونهي عنه فلم ينته، فرَّق بينهما، كما يفرق بين الرجل الفاجر وبين من يفجر به من رقيقه. ٣ - العزل (إلقاء مني الرجل خارج الفرج) قال الشافعية: يكره العزل، لما روت جُذَامة بنت وهب، قالت: «حضرت رسول الله ﷺ ، فسألوه عن العزل، فقال: ذلك الوأد الخفي، وهو: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ [التكوير:٨/ ٨١] (٢). وقال الغزالي: يجوز العزل، وهو المصحح عند المتأخرين لقول جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، والقرآن ينزل» (٣) والقول بجواز العزل متفق عليه بين المذاهب الأربعة، لحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً عند أحمد: «إنا نأتي النساء ونحب إتيانهن، فما ترى في العزل؟ فقال ﷺ : «اصنعوا ما بدا لكم، فما قضى الله تعالى فهو كائن، وليس من كل الماء يكون الولد».

стр. 6626

ويكره العزل عن المرأة الحرة إلا بإذنها، لما روي عن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها» (١). ٤ - المعاشرة بالمعروف: يجب على الزوج معاشرة الزوجة بالمعروف، لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء:١٩/ ٤]. ويجب عليه بذل ما يجب من حقها من غير مطل، للآية السابقة، ومن العشرة بالمعروف: بذل الحق من غير مطل، ولقوله ﷺ : «مَطل الغني ظلم» (٢). ٥ - العدل بين النسوة في المبيت والنفقة كما تقدم: فمن كان له امرأتان أو أكثر، فيجب عليه عند الجمهور غير الشافعية العدل بينهن، والقسم لهن، فيجعل لكل واحدة يوماً وليلة، سواء أكان الرجل صحيحاً أم مريضاً أم مجبوباً، وسواء أكانت المرأة صحيحة أم مريضة أم حائضاً أم نفساء أم محرمة بإحرام أم كتابية لقصد الأنس، ولأن النبي ﷺ قسم لنسائه، وكان يقسم في مرضه، مع أن القسم لم يكن واجباً عليه. قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقسم لكل امرأة يومها وليلتها (٣)، وقالت عائشة أيضاً: «كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل، ويقول: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» (٤). فإن شق على المريض القسم، استأذن أزواجه أن يكون عند إحداهن، لما روت عائشة: «أن رسول الله ﷺ بعث إلى

стр. 6627

نسائه فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذنَّ لي، فأكون عند عائشة، فعلت، فأذنَّ له» (١) فإن لم يأذنَّ له أن يقيم عند إحداهن أقام عند إحداهن بقرعة أو اعتزلهن جميعاً إن أحب ذلك تعديلاً بينهن. وقال الشافعية: لا يجب ابتداء القسم على الرجل؛ لأن القسم لحقه، فجاز له تركه، فإذا بات عند واحدة، لزمه المبيت للأخريات، ولو عنيناً أو مريضاً، اقتداءً بفعل النبي. والبدء بالقسم يكون بالقرعة، فلا يجوز للرجل أن يبدأ بواحدة من نسائه من غير رضا البواقي إلا بقرعة، لحديث أبي هريرة المتقدم عند أبي داود: «من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة، وأحد شقيه ساقط» ولأن البداءة بإحداهما من غير قرعة تدعو إلى النفور. وإذا قسم لواحدة، لزمه القضاء للبواقي؛ لأنه إذا لم يقض، مال، فدخل في الوعيد. والقسم مطلوب عند الشافعية والحنابلة حتى في السفر، فلا يسافر مع واحدة إلا بقرعة، كما ذكر سابقاً، ولم يوجب الحنفية والمالكية القسم في السفر، واستثنى المالكية سفر القربة، فيقرع الرجل بين نسائه. وإن سافرت المرأة بغير إذن الزوج، سقط حقها من القسْم والنفقة؛ لأن القسْم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد منعت المرأة ذلك بالسفر. وعماد القسم الليل؛ لأنه يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام على فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الليل لباساً، وجعلنا النهار معاشاً﴾ [النبأ:١٠/ ٧٨ - ١١].

стр. 6628

ولإحدى الزوجات أن تهب حقها لبعض ضرائرها مؤقتاً أو دائماً، لقول عائشة السابق: «غير أن سودة وهبت ليلتها لعائشة تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ ». وقد ذكرت أن الزوجة الجديدة لها عند الجمهور غير الحنفية سبع ليال إذا كانت بكراً، وثلاث ليال إذا كانت ثيباً. وسوى الحنفية بين الجديدة والقديمة، فلا تختص واحدة منهما بشيء. أما واجب الزوجة: فلا يجب عليها خدمة زوجها في الخبز والطحن والطبخ والغسل وغيرها من الخدمات، وعليه أن يأتيها بطعام مهيأ إن كانت ممن لا تخدم نفسها؛ لأن المعقود عليه من جهتها هو الاستمتاع فلا يلزمها ما سواه، لكن لا يجوز لمن تخدم نفسها وتقدر على الخدمة أخذ الأجرة على عمل البيت، لوجوبه عليها ديانة، حتى ولو كانت شريفة؛ لأنه ﵊ قسم الأعمال بين علي وفاطمة ﵄، فجعل أعمال الخارج على علي، والداخل على فاطمة مع أنها سيدة نساء العالمين. المبحث الثاني - حقوق الزوج: إن أهم حقوق الزوج ما يأتي (١): ١ - طاعة الزوجة لزوجها في الاستمتاع والخروج من المنزل: فإذا تزوج رجل امرأة، وكانت أهلاً للجماع وجب تسليمها نفسها بالعقد إذا طلب، ويجب عليه تسلمها إذا عرضت عليه؛ لأنه بالعقد يستحق الزوج تسليم العوض، وهو أن

стр. 6629

يسلمها مهرها المعجل. وقد نص الإمام أحمد على أن التي يمكن الاستمتاع بها هي بنت تسع سنين فأكثر؛ لأن النبي ﷺ «بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين». وتمهل الزوجة مدة بحسب العادة لإصلاح أمرها كاليومين والثلاثة؛ لأنه من حاجتها، فإذا منع الرجل منه كان تعسيراً، فوجب إمهالها طلباً لليسر والسهولة، والمرجع فيه إلى العرف بين الناس؛ لأنه لا تقدير فيه، فوجب الرجوع فيه إلى العرف. ولا تمهل لعمل جهاز ونحوه. وعلى الزوجة طاعة زوجها إذا دعاها إلى الفراش، ولو كانت على التنور أو على ظهر قتَب، كما رواه أحمد وغيره، ما لم يشغلها عن الفرائض، أو يضرها؛ لأن الضرر ونحوه ليس من المعاشرة بالمعروف. ووجوب طاعتها له لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢]، وقوله ﷺ : «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (١) وقوله «أيما امرأة ماتت، وزوجها راض عنها، دخلت الجنة» (٢) وقوله: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة، حتى تصبح» (٣). ومن الطاعة: القرار في البيت متى قبضت معجل مهرها وهو تفرغها لشؤون الزوجية والبيت ورعاية الأولاد في الصغر والكبر، فليس للزوجة الخروج من المنزل ولو إلى الحج إلا بإذن زوجها، فله منعها من الخروج إلى المساجد وغيرها، لما روى ابن عمر ﵁ قال: رأيت امرأة أتت إلى النبي ﷺ ، وقالت: «يارسول الله، ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها ألا تخرج من بيتها إلا

стр. 6630

بإذنه، فإن فعلت، لعنها الله وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب حتى تتوب أو ترجع، قالت: يا رسول الله، وإن كان لها ظالماً؟ قال: وإن كان لها ظالماً» (١) ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب. لكن يكره - كما ذكر الشافعية - منعها من عيادة أبيها إذا أثقل في مرضه، وحضور مواراته إذا مات؛ لأن منعها مما ذكر يؤدي إلى النفور ويغريها بالعقوق، وأجاز الحنفية للمرأة الخروج بغير إذن زوجها إذا مرض أحد أبويها. ويجب على المرأة في حال الخروج التزام الستر الشرعي، لا تظهر شيئاً من جسدها غير الوجه والكفين؛ لأن في كشف شيء مما أوجب الله ستره تعريضاً للفتنة والتطلع إليها، قال تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب:٣٣/ ٣٣]. ومن التبرج: المشي بتكسر وحركات مثيرة، ومن التبرج أيضاً أن تلبس المرأة ثوباً رقيقاً يصف ما تحته، قال ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات (٢)، على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت المائلة (٣)، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. ورجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس» (٤) وقال ﵊ أيضاً: «أيما امرأة استعطرت، فخرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية» (٥).

стр. 6631

والتزام المرأة البيت لا بمعنى حبسها فيه أو التضييق عليها هو خير شيء للمرأة، قال ﵊: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها، وهي في قعر بيتها» (١) وهو يدل على وجوب الستر وعدم إظهار المرأة شيئاً من بدنها، وأن في الخروج العمل على إغواء الشياطين لها وإغراء الرجال بها حتى تقع الفتنة. وليس للزوجة صوم نفل أو تطوع إلا بإذن الزوج، لقوله ﷺ : «لا يحل لامرأة أن تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» (٢) وروى البزار عن ابن عباس: «أن امرأة من خثعم أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، أخبرني ما حق الزوج على الزوجة، فإني امرأة أيّم، فإن استطعت وإلا جلست أيَّماًَ؟ قال: فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها، وهي على ظهر قتب ألا تمنعه، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولا تقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت: لا جرم، لا أتزوج أبداً» (٣). ومنشأ حق الطاعة بالمعروف: إثبات الله درجة القوامة للرجال على النساء في قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم﴾ [النساء:٣٤/ ٤] أي إنما استحقوا هذه المزية لتميزهم برجاحة العقل وقوة الجسد، وبما يلزمون به من الإنفاق على النساء من أموالهم بتقديم المهر والنفقة الزوجية الدائمة.

стр. 6632

٢ - الأمانة: على الزوجة أن تحفظ غيبة زوجها في نفسها وبيته وماله وولده، لحديث ابن الأحوص السابق: «أما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون» وقوله ﷺ : «نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» وفي لفظ: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش» (١) ويؤكده الحديث المعروف: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢) فعليها أن تحسن تربية أولادها على الدين والفضيلة والقيام بالواجب. ٣ - المعاشرة بالمعروف: يجب على المرأة معاشرة الزوج بالمعروف من كف الأذى وغيره، كما عليه معاشرتها بالمعروف، لقوله ﵊: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه، قاتلكِ الله، فإنما هو عندكِ دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا» (٣) وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» (٤). ٤ - حق التأديب (٥): للزوج الحق في تأديب زوجته عند نشوزها أو عصيانها أمره بالمعروف لا في المعصية؛ لأن الله أمر بتأديب النساء بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن، فإن تحققت الطاعة وجب الكف عن التأديب لقوله

стр. 6633

: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ [النساء:٣٤/ ٤] ولا تحتاج المرأة الصالحة لتأديب لقوله تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ [النساء:٣٤/ ٤] وأما غير الصالحة وهي التي تخل بحقوق الزوجية وتعصي الزوج فهي التي تكون بحاجة إلى التأديب. إن ولاية التأديب للزوج تكون إذا لم تطعه زوجته فيما يلزم طاعته، بأن كانت ناشزة، والنشوز: معصيتها إياه فيما يجب عليها، وكراهة كل من الزوجين صاحبه، والخروج من المنزل بغير إذن الزوج، لا إلى القاضي لطلب الحق منه. وأمارات النشوز: إما بالفعل كالإعراض والعبوس والتثاقل إذا دعاها بعد لطف وطلاقة وجه، وإما بالقول، كأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين. ويبدأ الزوج بالتأديب عند ظهور أمارات النشوز بالترتيب التالي: أولاً - الوعظ والإرشاد: بأن يتكلم معها بكلام رقيق لين، بأن يقول لها: كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا تكوني من كذا وكذا، أو: اتقي الله في الحق الواجب لي عليك، واحذري العقوبة، لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن﴾ [النساء:٣٤/ ٤] وذلك بلا هجر ولا ضرب، ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة والقسم مع ضرائرها، فلعلها تبدي عذراً، أو تتوب عما وقع منها بغير عذر. والخوف هنا بمعنى العلم، والأولى بقاؤه على ظاهره، فمن ظهر له أمارة نشوز أو تحققه، وعظها. ثانياً - الهجر في المضجع والإعراض: إن تحقق النشوز بأن عصيته وامتنعت من إطاعته، أو خرجت من بيته بغير إذنه ونحوه، هجرها في المضجع ما شاء، لقوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء:٣٤/ ٤] قال ابن عباس: «لا تضاجعها في فراشك» و «قد هجر النبي ﷺ نساءه، فلم يدخل عليهن شهراً» (١).

стр. 6634

وهجرها في الكلام ثلاثة أيام، لا فوقها، لحديث أبي هريرة: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» (١) والهجر: ضد الوصل، والتهاجر: التقاطع. ولا يضربها عند الجمهور، وقال النووي: الأظهر يضرب، لقوله تعالى: ﴿فاهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ [النساء:٣٤/ ٤] والمراد: واهجروهن إن نشزن، واضربوهن إن أصررن على النشوز، أي إن لم يتكرر نشوز الزوجة وعظها الزوج وهجرها في المضجع وضربها في رأي الشافعية. ثالثاً - الضرب غير المخوف: إن أصرت على النشوز ضربها عندئذ ضرباً غير مبرح - أي غير شديد - ولا شائن، للآية السابقة ﴿واضربوهن﴾ [النساء:٣٤/ ٤] فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو يحتمل ذلك. ويجتنب في أثناء الضرب: الوجه تكرمة له، ويجتنب البطن والمواضع المخوفة خوف القتل، ويجتنب المواضع المستحسنة لئلا يشوهها، ويكون الضرب - كما أبان الحنفية - عشرة أسواط فأقل، لقوله ﷺ : «لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٢) وقوله: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم» (٣). فإن تلفت من الجلد فلا ضمان عليه عند الحنابلة والمالكية؛ لأن الضرب مأذون فيه شرعاً. وقال أبو حنيفة والشافعي: إنه يضمن؛ لأن استيفاء الحق مقيد بشرط السلامة للآخرين. ويكون الضرب أيضاً بيد على الكتف مثلاً، أو بعصا خفيفة أو بسواك ونحوه

стр. 6635

إن رأى الزوج هذا. والأولى الاكتفاء بالتهديد وعدم الضرب، لما قالت عائشة: «ما ضرب رسول الله ﷺ امرأة له ولا خادماً، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك محارم الله، فينتقم لله» (١). رابعاً - طلب إرسال الحكمين: إن نفع الضرب لبعض النساء الشاذات، فبها ونعمت، وإن لم ينفع وادعى كل من الزوجين ظلم صاحبه ولا بينة لهما، رفع الأمر إلى القاضي لتوجيه حكمين إليهما، حكماً من أهله وحكماً من أهلها، للإصلاح أو التفريق، لقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حَكَماً من أهله، وحَكَماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ [النساء:٣٥/ ٤]. والحكمان: حران مسلمان ذكران عدلان مكلفان فقيهان عالمان بالجمع والتفريق؛ لأن التحكيم يفتقر إلى الرأي والنظر، ويجوز أن يكونا من غير أهلهما؛ والأولى أن يكونا من غير أهلهما؛ لأن القرابة ليست شرطاً في الحكم ولا الوكالة. وينبغي لهما أن ينويا الإصلاح لقوله تعالى: ﴿إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ [النساء:٣٥/ ٤]، وأن يلطفا القول، وأن ينصفا، ويرغبا ويخوفا، ولا يخصا بذلك أحد الزوجين دون الآخر، ليكون أقرب للتوفيق بينهما. وينفذ عند المالكية تصرف الحكمين في أمر الزوجين بما رأياه من تطليق أو خلع، من غيرإذن الزوج ولا موافقة الحاكم، بعد أن يعجز عن الإصلاح بينهما، وإذا حكما بالفراق فهي طلقة بائنة. وقال الشافعية والحنابلة: الحكمان وكيلان عن الزوجين، فلا يملكان تفريقاً إلا بإذن الزوجين، فيأذن الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق أوإصلاح، وتأذن المرأة لوكيلها في الخلع والصلح على ما يراه.

стр. 6636

وقال الحنفية: يرفع الحكمان ما يريدانه إلى القاضي، والقاضي هو الذي يوقع الطلاق، وهو طلاق بائن، بناء على تقريرهما، فليس للحكمين التفريق إلا أن يفوضا فيه. ٥ - الاغتسال من الحيض والنفاس والجنابة: قال الشافعية والحنابلة: للزوج إجبار الزوجة، ولو كانت ذمية على الغسل من الحيض والنفاس؛ لأنه يمنع الاستمتاع الذي هو حق له، فيملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقه. وله إجبار الزوجة المسلمة البالغة على غسل جنابة؛ لأن الصلاة واجبة عليها، ولا تتمكن منها إلا بالغسل؛ ولأن النفس تعاف من وطء الجنب، ولا يجبر الزوجة الذمية على غسل الجنابة كالمسلمة التي دون البلوغ؛ لأن الاستمتاع لا يتوقف عليه، لإباحته بدونه. وأضاف الحنابلة: أن للزوج إجبار الزوجة على غسل نجاسة؛ لأنه واجب عليها، وله أيضاً إجبارها على اجتناب محرَّم لوجوبه عليها، وله إجبارها عى أخذ شعر وظفر تعافه النفس، وإزالة وسخ؛ لأن المذكور يمنع كمال الاستمتاع. وذكر الشافعية في التنظيف والاستحداد (حلق العانة) وغسل الجنابة وجهين: وجه يملك إجبارها عليه؛ لأن كمال الاستمتاع يقف عليه. والثاني: لا يملك إجبارها عليه؛ لأن الوطء لا يقف عليه. ٦ - السفر بالزوجة: عرفنا أن للزوج بعد أداء كل المهر المعجل أن يسافر بزوجته إذا كان مأموناً عليها (١).

стр. 6637

المبحث الثالث - الحقوق المشتركة بين الزوجين: أغلب الحقوق السابقة خصوصاً حق الاستمتاع وما يتبعه هي حقوق مشتركة بين الزوجين، لكن حق الزوج على زوجته أعظم من حقها عليه، لقوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] وللحديث السابق عند أبي داود: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق». ويسن لكل من الزوجين تحسين الخُلُق لصاحبه والرفق به واحتمال أذاه وسوء طباعه، لقوله تعالى: ﴿والصاحب بالجنب﴾ [النساء:٣٦/ ٤] أي الإحسان له، وللحديث المتقدم: «استوصوا بالنساء خيراً» وحديث «خياركم خياركم لنسائه» (١). وليكن الزوج غيوراً من غير إفراط، لئلا ترمى بالشر من أجله. وينبغي إمساك المرأة مع الكراهة لها، لقوله تعالى: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراًَ﴾ [النساء:١٩/ ٤] قال ابن عباس: «ربما رزق منها ولداً، فجعل الله فيه خيراً كثيرا». وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضي منها خلقاً آخر» أي لايبغضها. ولا ينبغي للرجل أن يعلم امرأته قدر ماله، ولا يفشي إليها سراً يخاف إذاعته؛ لأنها تفشيه. ولا يكثر من الهبة لها، فإنه متى عودها شيئاً لم تصبر عنه (٢).

стр. 6638

البَابُ الثَّاني: انحلال الزَّواج وآثاره فيه أربعة فصول: الأول - في الطلاق. الثاني - في الخلع. الثالث - في التفريق القضائي. الرابع - في العِدَّة والاستبراء.

стр. 6639

الفَصْلُ الأوَّل: الطَّلاق ويشتمل على تمهيد وستة مباحث وملحق: الأول - معنى الطلاق ومشروعيته وحكمه وركنه وحكمته وسبب جعله بيد الرجل. الثاني - شروط الطلاق، أو مالك الطلاق وقدره ومحله (من يقع عليه) وما يقع به (صيغته). الثالث - قيود إيقاع الطلاق شرعاً. الرابع - التوكيل في الطلاق وتفويضه. الخامس - أنواع الطلاق وحكم كل نوع. السادس - الشك في الطلاق وإثباته. ملحق - عن زواج التحليل والرجعة. تمهيد - في معنى انحلال الزواج وأنواع الفُرَق الزوجية: انحلال الزواج: هو إنهاؤه باختيار الزوج، أو بحكم القاضي، والفُرْقة لغة بمعنى الافتراق، وجمعها فرق، واصطلاحاً: هي انحلال رابطة الزواج، وانقطاع العلاقة بين الزوجين بسبب من الأسباب.

стр. 6640

والفرقة نوعان: فرقة فسخ وفرقة طلاق. والفسخ إما أن يكون بتراضي الزوجين وهو المخالعة، أو بواسطة القاضي. وذكر المالكية (١) أن الفراق بين الزوجين يقع على خمسة عشر وجهاً: وهي الطلاق على اختلاف أنواعه، والإيلاء إن لم يفئ الزوج عن يمينه، واللعان، والردة، وملك أحد الزوجين الآخر، والإضرار بالزوجة، وتفريق الحَكَمين بين الزوجين، واختلاف الزوجين في الصداق قبل الدخول، وحدوث الجنون أو الجذام أو البرص في الزوج، ووجود العيوب في أحد الزوجين، والإعسار بالنفقة، أو الصداق، والتغرير، والفقد، وعتق الأمة زوجة العبد، وتزوج أمة على الحرة. الفرق بين الفسخ والطلاق: يفترق الفسخ عن الطلاق من ثلاثة أوجه: الأول - حقيقة كل منهما: الفسخ: نقض للعقد من أساسه وإزالة للحل الذي يترتب عليه، أما الطلاق: فهو إنهاء للعقد ولا يزول الحل إلا بعد البينونة الكبرى (الطلاق الثلاث). الثاني - أسباب كل منهما: الفسخ يكون إما بسبب حالات طارئة على العقد تنافي الزواج، أو حالات مقارنة للعقد تقتضي عدم لزومه من الأصل. فمن أمثلة الحالات الطارئة: ردة الزوجة أو إباؤها الإسلام، أو الاتصال الجنسي بين الزوج وأم زوجته أو بنتها، أو بين الزوجة وأبي زوجها أو ابنه مما يحرم المصاهرة، وذلك ينافي الزواج، ومن أمثلة الحالات المقارنة: أحوال خيار البلوغ لأحد الزوجين،

стр. 6641

وخيار أولياء المرأة التي تزوجت من غير كفء أو بأقل من مهر المثل عند الحنفية، ففيها كان العقد غير لازم. أما الطلاق: فلا يكون إلا بناء على عقد صحيح لازم، وهو من حقوق الزوج، فليس فيه ما يتنافى مع عقد الزواج أو يكون بسبب عدم لزومه. الثالث - أثر كل منهما: الفسخ لا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل، أما الطلاق فينقص به عدد الطلقات. وكذلك فرقة الفسخ لا يقع في عدتها طلاق، إلا إذا كانت بسبب الردة أو الإباء عن الإسلام، فيقع فيهما عند الحنفية طلاق زجراً وعقوبة. أما عدة الطلاق فيقع فيها طلاق آخر، ويستمر فيها كثير من أحكام الزواج. ثم إن الفسخ قبل الدخول لا يوجب للمرأة شيئاً من المهر، أما الطلاق قبل الدخول فيوجب نصف المهر المسمى، فإن لم يكن المهر مسمى استحقت المتعة. متى تكون الفرقة فسخاً ومتى تكون طلاقاً؟ للفقهاء آراء في بيان أحوال الفسخ وأحوال الطلاق. يرى الحنفية (١): أن الفرقة تكون فسخاً فيما يأتي: ١ - تفريق القاضي بين الزوجين بسبب إباء الزوجة الإسلام بعدما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي؛ لأن المشركة لا تصلح لنكاح المسلم، والفرقة جاءت من قبلها، والفرقة من قبل المرأة لا تصلح طلاقاً؛ لأنها لا تتولى الطلاق، فيجعل فسخاً.

стр. 6642

أما إن كان الإباء من الزوج، فتكون الفرقة طلاقاً في قول أبي حنيفة ومحمد، وفسخاً في قول أبي يوسف. ٢ - ردة أحد الزوجين. ٣ - تباين الدارين حقيقة وحكماً: بأن خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلماً أو ذمياً، وترك الآخر كافراً في دار الحرب قياساً على الردة لعدم التمكين من الانتفاع عادة. أما إن خرج أحدهما مستأمناً وبقي الآخر كافراً في دار الحرب فلا تقع الفرقة. وقال غير الحنفية: لا تقع الفرقة باختلاف الدارين. ٤ - خيار بلوغ الصغير أو الصغيرة. هذه الفرقة لا تقع إلا بتفريق القاضي. فإن كانت الفرقة بسبب اختيار المرأة نفسها لعيب الجب والعنة والخصاء والخنوثة، فهي فرقة بطلاق من طريق القاضي. ٥ - خيار العتق: بأن تعتق الأمة ويبقى زوجها عبداً، فلها الخيار بالبقاء أو إنهاء الزواج، وتثبت الفرقة بنفس الاختيار؛ لأن الفرقة وقعت بسبب وجد منها وهو اختيارها نفسها، واختيارها نفسها لا يجوز أن يكون طلاقاً؛ لأنها لا تملك الطلاق، إلا إذا مُلِّكت كالمخيَّرة. ٦ - التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر: تكون الفرقة فسخاً؛ لأنها فرقة حصلت لا من جهة الزوج، فلا يمكن أن يجعل ذلك طلاقاً؛ لأنه ليس لغير الزوج ولاية الطلاق، فيجعل فسخاً، ولا تكون هذه الفرقة إلا عند القاضي كالفسخ بخيار البلوغ. وما عداها من أنواع الفرق التي تكون من قبل الزوج أو بسبب منه يكون طلاقاً، ومنه المخالعة.

стр. 6643

وعليه فإن ضابط ما يتميز به الفسخ عن الطلاق عند أبي حنيفة ومحمد: هو أن كل فرقة بسبب من جانب المرأة تكون فسخاً، وكل فرقة من جانب الرجل أو بسبب منه مختص بالزواج فهي طلاق، إلا أن أبا حنيفة خلافاً لمحمد يعتبر الفرقة بسبب ردة الزوج فسخاً؛ لأنه يرى أن الردة كالموت من حيث إن صاحبها مهدر الدم، فتشبه الفرقة بالموت، والفرقة بالموت لا يمكن جعلها طلاقاً. وبه يظهر أن الغالب كون الفرقة طلاقاً. و قال المالكية (١): إما أن تكون الفرقة من زواج صحيح أو زواج فاسد. أولاً - إن كات الفرقة من زواج صحيح: فإنها تكون طلاقاً إلا إذا كانت بسبب أمر طارئ يوجب التحريم المؤبد، سواء من أحد الزوجين أو من القاضي. ثانياً - وإن كانت الفرقة من زواج فاسد: فإن كان مجمعاً على فساده: فإن الفرقة فيه تكون فسخاً، لا طلاقاً، كالفرقة من زواج المتعة، والزواج بإحدى المحارم، والزواج بالمعتدة، ونحوها. وإن كان مختلفاً في فساده: وهو ما يكون فاسداً عند المالكية صحيحاً عند غيرهم، كزواج المرأة بدون ولي فهو فاسد عندهم صحيح عند الحنفية، فإن الفرقة فيه تكون طلاقاً لا فسخاً. ومنه زواج السر (وهو الذي يوصي الزوج الشهود بكتمان العقد عن الناس أو عن بعضهم) فهو فاسد عندهم صحيح عند باقي الأئمة. وعلى هذا تكون الفرقة فسخاً فيما يأتي:

стр. 6644

١ - إذا وقع العقد غير صحيح، كالزواج بالأخت أو إحدى المحارم، والزواج بزوجة الغير أو معتدته. ٢ - إذا طرأ على الزواج ما يوجب الحرمة المؤبدة كالاتصال الجنسي بشبهة من أحد الزوجين بأصول الآخر أو فروعه، مما يوجب حرمة المصاهرة. ٣ - الفرقة بسبب اللعان: لأنه تترتب عليه الحرمة المؤبدة، لحديث «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً» (١). ٤ - الفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام بعد أن أسلمت زوجته، أو إباء الزوجة غير الكتابية الإسلام بعد إسلام زوجها؛ لأن ذلك في معنى طروء مفسد على الزواج. وتكون الفرقة طلاقاً فيما يأتي: ١ - إذا استعمل لفظ الطلاق في الزواج الصحيح، أوالمختلف في فساده. ٢ - إذا حدثت الفرقة بالخلع في الزواج أوالمختلف في فساده. ٣ - الفرقة بسبب الإيلاء: وهو أن يحلف الزوج ألا يقرب زوجته أكثر من أربعة أشهر. فإن لم يعد عن يمينه بعد أمر القاضي له عقب ادعاء الزوجة فرّق بينهما، وكانت الفرقة طلاقاً. ٤ - الفرقة لعدم كفاءة الزوج، سواء أكانت من الزوجة أم من وليها. ٥ - الفرقة لعدم الإنفاق أو للغيبة، أو للضرر وسوء العشرة. ٦ - الفرقة بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام: فإنها طلاق في مشهور

стр. 6645

المذهب؛ لأنها فرقة بسبب أمر طارئ يوجب التحريم غير المؤبد الذي ينتهي بالرجوع عن الإسلام. وبه يظهر أن أغلب الفُرق تكون طلاقاً. و مذهب الشافعية (١): هو أن فرقة النكاح طلاق وفسخ: والطلاق أنواع: الطلاق المعهود صراحة أو كناية، والخلع، وفرقة الإيلاء، والحَكَمين. والفسخ أنواع سبعة عشر: فرقة إعسار مهر، وإعسار نفقة أو كسوة أو مسكن بعد إمهال الزوج ثلاثة أيام، وفرقة لعان، وفرقة خيار عَتيقة (٢)، وفرقة عيوب (٣) بعد رفع الأمر إلى الحاكم، وثبوت العيب، والفسخ به فوري إلا العُنَّة فتؤجل سنة من يوم ثبوتها، وفرقة غرور (٤)، ووطء شبهة كوطء أم زوجته أو ابنتها، وسبْي للزوجين أو أحدهما قبل الدخول أو بعده؛ لأن الرق إذا حدث أزال الملك عن النفس، فيكون عن العصمة أولى، وفرقة إسلام أحد الزوجين، أو ردته، وإسلام الزوج على أختين أو أكثر من أربع، أو أمتين، وملك أحد الزوجين الآخر، وعدم الكفاءة بأن أطلقت المرأة الإذن فبان الرجل غير كفء، وانتقال من دين إلى آخر كالانتقال من اليهودية إلى النصرانية، وفرقة رضاع بشرط كونه خمس رضعات متفرقات قبل مضي حولين.

стр. 6646

و قال الحنابلة (١): يكون الفسخ في حالات، منها ما يأتي: ١ - الخلع إذا كان بغير لفظ الطلاق، أو بغير نيةا لطلاق. ٢ - ردة أحد الزوجين. ٣ - الفرقة لعيب مشترك وهو الجنون والصرع، أو مختص بالمرأة كالرتق والقرن والبخر والقروح السيالة، وانخراق ما بين السبيلين، أو مختص بالرجل كالجب والعنة. ولا يفسخ الزواج إلا حاكم. ٤ - إسلام أحد الزوجين. ٥ - الفرقة بسبب الإيلاء بواسطة القاضي، إن انقضت المدة وهي أربعة أشهر، ولم يطأ الزوج زوجته، ولم يطلق بعد أن يأمره الحاكم بالطلاق. ٦ - الفرقة بسبب اللعان: لأن اللعان يوجب التحريم بين الزوجين على التأبيد، ولو لم يحكم به القاضي. وأما الفرقة بسبب الطلاق: فهي ما كانت بألفاظ الطلاق صريحاً أو كناية. الفُرَق التي تتوقف على القضاء والتي لا تتوقف على القضاء: قد تحتاج الفرقة سواء أكانت طلاقاً أم فسخاً إلى قضاء القاضي، وقد لا تحتاج، ويظهر أثر التوقف على القضاء وعدمه في بعض الأحكام، كالإرث، فإن وجد سبب الفرقة، ثم مات أحد الزوجين قبل صدور حكم قضائي، فإن احتاجت الفرقة إلى القضاء، فإن الآخر يرثه، وإن لم تحتج إلى قضاء فلا يرثه الآخر، لانتهاء الزوجية بمجرد وجود سبب الفرقة.

стр. 6647

أما الفُرَق التي تتوقف على القضاء فهي نوعان: فرق الطلاق وفرق الفسخ. و فرق الطلاق المتوقفة على القضاء هي عند الحنفية ما يأتي: ١ - الفرقة بسبب اللعان. وقال المالكية في المشهور: لا تتوقف هذه الفرقة على القضاء. ٢ - الفرقة بسبب عيوب الزوج وهي الجب والعنة والخصاء، ويفسخ العقد عند الجمهور بسبب هذه العيوب أو عيب الرتق والقرن ونحوهما في الزوجة، بعد رفع الأمر للحاكم. ٣ - الفرقة بسبب إباء الزوج الإسلام في رأي أبي حنيفة ومحمد. وزيد في مصر وسورية التفريق لغيبة الزوج أو حبسه، ولعدم الإنفاق على زوجته، وللشقاق بين الزوجين أو الإضرار بالزوجة. و فُرَق الطلاق غير المتوقفة على القضاء هي: ١ - الفرقة بلفظ الطلاق، ومنه تفويض أمر الطلاق إلى الزوجة بالاتفاق. ٢ - الفرقة بسبب الإيلاء عند الحنفية والمالكية. ٣ - الفرقة بالخلع عند الجمهور غير الحنابلة. وأما فرق الفسخ المتوقفة على القضاء فهي: ١ - الفرقة بسبب عدم الكفاءة. ٢ - الفرقة بسبب نقصان المهر عن مهر المثل. ٣ - الفرقة بسبب إباء أحد الزوجين الإسلام إذا أسلم الآخر، لكن الفرقة بسبب إباء الزوجة متفق عليه، وبسبب إباء الزوج متفق عليه في غير رأي أبي حنيفة ومحمد. وأما في رأي أبي يوسف فهي فسخ.

стр. 6648

٤ - الفرقة بسبب خيار البلوغ لأحد الزوجين عند الحنفية إذا زوَّجهما في الصغر غير الأب والجد. ٥ - الفرقة بسبب خيار الإفاقة من الجنون عند الحنفية إذا زوَّج أحد الزوجين في الصغر غير الأب والجد والابن. وأما فُرَق الفسخ غير المتوقفة على القضاء فهي: ١ - الفسخ بسبب فساد العقد في أصله كالزواج بغير شهود، والزواج بالأخت. ٢ - الفسخ بسبب اتصال أحد الزوجين بأصول الآخر أوفروعه اتصالاً يوجب حرمة المصاهرة. ٣ - الفسخ بسبب ردة الزوج في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن ارتد الزوجان فلا يفرق بينهما بمجرد الردة في الراجح عند الحنفية. ٤ - الفسخ بسبب خيار العتق للزوجة. ٥ - الفسخ بسبب ملك أحد الزوجين للآخر. هذا ويلاحظ أمران: الأول - أن الفرقة بسبب الاتصال الذي يوجب حرمة المصاهرة توجب حرمة مؤبدة، والفرقة بسبب خيار البلوغ أو الردة أو الإباء عن الإسلام أو ملك أحد الزوجين الآخر توجب حرمة مؤقتة. وأما فرقة اللعان فتوجب حرمة مؤبدة عند الحنابلة وأبي يوسف والشافعية والمالكية، وتوجب حرمة مؤقتة عند أبي حنيفة ومحمد إذا خرج أحد الزوجين عن أهلية اللعان، أو كذب الرجل نفسه فيما قذف به المرأة.

стр. 6649

الثاني - كل فرقة من جهة الزوجة تسقط المهر عند الحنفية إلا إذا تأكد العقد بالدخول أو الخلوة، فإن كانت الفرقة من الزوج أو بسببه، فلا تسقط شيئاً للزوجة حالة الدخول وعدمه. المبحث الأول - معنى الطلاق ومشروعيته، وحكمه، وركنه، وحكمته، وسبب جعله بيد الرجل: معنى الطلاق: الطلاق لغة، حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق، أي مرسلة بلا قيد، وأسير مطلق، أي حل قيده وخلي عنه، لكن العرف خص الطلاق بحل القيد المعنوي، وهو في المرأة، والإطلاق في حل القيد الحسي في غير المرأة. وشرعاً: حل قيد النكاح، أو حل عقْد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه. أو رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص (١). فحل رابطة الزواج في الحال يكون بالطلاق البائن، وفي المآل أي بعد العدة يكون بالطلاق الرجعي. واللفظ المخصوص: هو الصريح كلفظ الطلاق، والكناية كلفظ البائن والحرام والإطلاق ونحوها. ويقوم مقام اللفظ: الكتابة والإشارة المفهمة، ويلحق بلفظ الطلاق لفظ «الخلع» وقول القاضي: «فرقت» في التفريق للغيبة أو الحبس، أو لعدم الإنفاق أو لسوء العشرة. وقد أخرج باللفظ المخصوص: الفسخ، فإنه يحل رابطة الزواج في الحال، لكن بغير لفظ الطلاق ونحوه، والفسخ كخيار البلوغ، وعدم الكفاءة، ونقصان المهر، والردة. ولا يصح الرجوع في الطلاق أو العدول عنه كسائر الأيمان، لقوله ﷺ : «لا قيلولة في الطلاق» (٢).

стр. 6650

مشروعيته: الطلاق مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلَّقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطَّلاق:١/ ٦٥]. وأما السنة: فقوله ﷺ : «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» (١) وقوله ﵊: «أبغض الحلال إلى الله: الطلاق» (٢). وقال عمر: «طلق النبي ﷺ حفصة، ثم راجعها» (٣). وأجمع الناس على جواز الطلاق، والمعقول يؤيده، فإنه ربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء الزواج مفسدة محضة، وضرراً مجرداً، بإلزام الزوج والنفقة والسكنى، وحبس المرأة مع سوء العشرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل الزواج، لتزول المفسدة الحاصلة منه. حكمة تشريع الطلاق: تظهر حكمة تشريع الطلاق من المعقول السابق، وهو الحاجة إلى الخلاص من تباين الأخلاق، وطروء البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، فكان تشريعه رحمة منه (٤). أي أن الطلاق علاج حاسم، وحل نهائي أخيراً لما استعصى حله على الزوجين وأهل الخير والحكمين، بسبب تباين الأخلاق، وتنافر الطباع، وتعقد مسيرة الحياة المشتركة بين

стр. 6651

الزوجين، أو بسبب الإصابة بمرض لا يحتمل، أو عُقْم لا علاج له، مما يؤدي إلى ذهاب المحبة والمودة، وتوليد الكراهية والبغضاء، فيكون الطلاق منفذاً متعيناً للخلاص من المفاسد والشرور الحادثة. الطلاق إذن ضرورة لحل مشكلات الأسرة، ومشروع للحاجة ويكره عند عدم الحاجة، للحديث السابق: «ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق» وحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (١). ومن أسبابه المبيحة له طاعة الوالدين فيه، قال ابن عمر: «كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلِّقها فأبيتُ، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عبد الله بن عمر: طلِّق امرأتك» (٢) وصرح الحنابلة (٣): أنه لا يجب على الرجل طاعة أبويه ولو عدلين في طلاق أو منع من تزويج. وما قد يترتب على الطلاق من أضرار، وبخاصة الأولاد، يحتمل في سبيل دفع ضرر أشد وأكبر، عملاً بالقاعدة: «يختار أهون الشرين». لكن رغب الشرع الأزواج في الصبر وتحمل خلق الزوجة، فقال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن، فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيرا﴾ [النساء:١٩/ ٤] وقوله ﷺ : «لا يفرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلُقاً، رضي منها آخر» (٤). وشرع الشرع طرقاً ودية لحل ما يثور من نزاع بين الزوجين، من وعظ

стр. 6652

وإرشاد، وهجر في المضجع وإعراض، وضرب، وإرسال حكمين من قبل القاضي إذا عجز الزوجان عن الإصلاح وإزالة الشقاق الذي بينها، وقد بينت ذلك في بحث حقوق الزوجين، وهي كلها مأخوذة من آيات ثلاث هي: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح، وإن تحسنوا وتتقوا، فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ [النساء:١٢٨/ ٤] ﴿وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله كان عليماً خبيراً﴾ [النساء:٣٥/ ٤] ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، إن الله كان علياً كبيراً﴾ [النساء:٣٤/ ٤]. ولا يلجأ إلى الطلاق لأول وهلة ولأهون الأسباب، كما يفعل بعض الجهلة الذين يقدمون عليه لطيش بيِّن، أو حماقة، أو غضب موقوت، أو شهوة جارفة أو هوى مستبد، فهو كله خروج عن تعاليم الإسلام وآدابه، وموجب للإثم والمعصية والتأديب والتعزير، وإنما الطلاق تشريع استثنائي للضرورة بعد أن يسلك الزوج المراحل الآتية: وهي المعاشرة بالمعروف والصبر وتحمل الأذى، ثم الوعظ والهجر والضرب اليسير، ثم إرسال الحكمين. فإن وقع الطلاق فيمكن العودة إلى الزواج بالرجعة بغير شهود ما دامت المرأة في العدة، أو بعقد جديد بعد انتهاء العدة، وذلك لمرتين بعد الطلقة الأولى، وبعد الطلقة الثانية، فتلك فترتان متكررتان لمراجعة الحساب، وتقدير الظروف، ومحاكمة الأمور، وتعقل النتائج والآثار، وهذا يحدث غالباً، فكل من الزوجين

стр. 6653

يندم ويتنازل عن أمور، ويقلع عن أخلاق، ويرضى بالعيش في ظل حياة زوجية لا توفر له كل ما يرغب بالمقارنة مع حياة العزلة والانفراد، والاتكال على الأهل الذين يضايقهم عادة تحمل أعباء جديدة من النفقة والخدمة وغيرها، هذا فضلاً عما في الفراق من تعريض سمعة المرأة للطعن والنقد، إذ لو كانت حسنة الأخلاق، لما طلقت، وبه يكون إحصاء عدد الرجعات بعد الطلاق مما ينقص كثيراً من إحصائيات الطلاق. السبب في جعل الطلاق بيد الرجل: جعل الطلاق بيد الزوج لا بيد الزوجة بالرغم من أنها شريكة في العقد حفاظاً على الزواج، وتقديراً لمخاطر إنهائه بنحو سريع غير متئد؛ لأن الرجل الذي دفع المهر وأنفق على الزوجة والبيت يكون عادة أكثر تقديراً لعواقب الأمور، وأبعد عن الطيش في تصرف يلحق به ضرراً كبيراً، فهو أولى من المرأة بإعطائه حق التطليق لأمرين: الأول - إن المرأة غالباً أشد تأثراً بالعاطفة من الرجل، فإذا ملكت التطليق، فربما أوقعت الطلاق لأسباب بسيطة لا تستحق هدم الحياة الزوجية. الثاني - يستتبع الطلاق أموراً مالية من دفع مؤجل المهر، ونفقة العدة، والمتعة، وهذه التكاليف المالية من شأنها حمل الرجل على التروي في إيقاع الطلاق، فيكون من الخير والمصلحة جعله في يد من هو أحرص على الزوجية. وأما المرأة فلا تتضرر مالياً بالطلاق، فلا تتروى في إيقاعه بسبب سرعة تأثرها وانفعالها. ثم إن المرأة قبلت الزواج على أن الطلاق بيد الرجل، وتستطيع أن تشرطه لنفسها إن رضي الرجل منذ بداية العقد، ولها أيضاً إن تضررت بالزوج أن تنهي

стр. 6654

الزواج بواسطة بذل شيء من مالها عن طريق الخلع، أو عن طريق فسخ القاضي الزواج بسبب مرض منفر، أو لسوء العشرة والإضرار، أو لغيبة الزوج أو حبسه، أو لعد م الإنفاق. وليست الدعوة المعاصرة إلى جعل الطلاق بيد القاضي ذات فائدة؛ لمصادمة المقرر شرعاً، ولأن الرجل يعتقد ديانة أن الحق له، فإذا أوقع الطلاق، حدثت الحرمة دون انتظار حكم القاضي. وليس ذلك في مصلحة المرأة نفسها؛ لأن الطلاق قد يكون لأسباب سرية ليس من الخير إعلانها، فإذا أصبح الطلاق بيد القاضي انكشفت أسرار الحياة الزوجية بنشر الحكم، وتسجيل أسبابه في سجلات القضاء، وقد يعسر إثبات الأسباب لنفور طبيعي وتباين أخلاقي. ركن الطلاق: قال الحنفية (١): ركن الطلاق: هو اللفظ الذي جعل دلالة على معنى الطلاق لغة: وهو التخلية والإرسال، ورفع القيد في الصريح، وقطع الوصلة ونحوه في الكناية، أو شرعاً: وهو إزالة الحل؛ أو ما يقوم مقام اللفظ من الإشارة. وقال غير الحنفية (٢): للطلاق أركان، علماً بأن كلمة «ركن الطلاق» مفرد مضاف، فيعم، فيصح الإخبار عنه بالمتعدد، فيقال: أركانه أربعة مثلاً. والمراد بالركن عند الجمهور: ما تتحقق به الماهية، ولو لم يكن داخلاً فيها. أما المالكية فقالوا: أركان الطلاق أربعة: أهل له: أي موقعه من زوج أو نائبه أو وليه إن كان صغيراً، وقصد: أي قصد النطق باللفظ الصريح والكناية الظاهرة،

стр. 6655

ولو لم يقصد حل العصمة بدليل صحة طلاق الهازل. ومحل: أي عصمة مملوكة، ولفظ صريح أو كناية. وعدها ابن جزي ثلاثة: هي المطلِّق، والمطلَّقة، والصيغة: وهي اللفظ وما في معناه. وأما الشافعية والحنابلة فقالوا: أركان الطلاق خمسة: مطلِّق، وصيغة، ومحل، وولاية، وقصد، فلا طلاق لفقيه يكرره، وحاكٍ ولو عن نفسه. ويلاحظ أن الولاية أدخلها المالكية في الركن الأول وهو الأهلية. وزاد الشافعية والحنابلة على المالكية ركن المحل. حكم الطلاق: ذهب الحنفية على المذهب (١): إلى أن إيقاع الطلاق مباح لإطلاق الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] ولأنه ﷺ طلق حفصة، لا لريبة (أي ظن الفاحشة) ولا كبر، وكذا فعله الصحابة، والحسن بن علي ﵄ استكثر النكاح والطلاق. وأما حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فالمراد بالحلال: ما ليس فعله بلازم، ويشمل المباح والمندوب والواجب والمكروه، وقال ابن عابدين: إن كونه مبغوضاً لا ينافي كونه حلالاً، فإن الحلال بهذا المعنى يشمل المكروه، وهو مبغوض. وقال الكمال بن الهمام: الأصح حظر الطلاق أي منعه، إلا لحاجة كريبة وكبر. ورجح ابن عابدين هذا الرأي، وليست الحاجة مختصة بالكبر والريبة، بل هي أعم. وذكر الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (٢): أن الطلاق من حيث هو
следующие страницы →