← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

الزوجين، أو بسبب الإصابة بمرض لا يحتمل، أو عُقْم لا علاج له، مما يؤدي إلى ذهاب المحبة والمودة، وتوليد الكراهية والبغضاء، فيكون الطلاق منفذاً متعيناً للخلاص من المفاسد والشرور الحادثة. الطلاق إذن ضرورة لحل مشكلات الأسرة، ومشروع للحاجة ويكره عند عدم الحاجة، للحديث السابق: «ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق» وحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (١). ومن أسبابه المبيحة له طاعة الوالدين فيه، قال ابن عمر: «كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلِّقها فأبيتُ، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عبد الله بن عمر: طلِّق امرأتك» (٢) وصرح الحنابلة (٣): أنه لا يجب على الرجل طاعة أبويه ولو عدلين في طلاق أو منع من تزويج. وما قد يترتب على الطلاق من أضرار، وبخاصة الأولاد، يحتمل في سبيل دفع ضرر أشد وأكبر، عملاً بالقاعدة: «يختار أهون الشرين». لكن رغب الشرع الأزواج في الصبر وتحمل خلق الزوجة، فقال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن، فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيرا﴾ [النساء:١٩/ ٤] وقوله ﷺ : «لا يفرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلُقاً، رضي منها آخر» (٤). وشرع الشرع طرقاً ودية لحل ما يثور من نزاع بين الزوجين، من وعظ

стр. 6652

وإرشاد، وهجر في المضجع وإعراض، وضرب، وإرسال حكمين من قبل القاضي إذا عجز الزوجان عن الإصلاح وإزالة الشقاق الذي بينها، وقد بينت ذلك في بحث حقوق الزوجين، وهي كلها مأخوذة من آيات ثلاث هي: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير، وأحضرت الأنفس الشح، وإن تحسنوا وتتقوا، فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ [النساء:١٢٨/ ٤] ﴿وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله كان عليماً خبيراً﴾ [النساء:٣٥/ ٤] ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، إن الله كان علياً كبيراً﴾ [النساء:٣٤/ ٤]. ولا يلجأ إلى الطلاق لأول وهلة ولأهون الأسباب، كما يفعل بعض الجهلة الذين يقدمون عليه لطيش بيِّن، أو حماقة، أو غضب موقوت، أو شهوة جارفة أو هوى مستبد، فهو كله خروج عن تعاليم الإسلام وآدابه، وموجب للإثم والمعصية والتأديب والتعزير، وإنما الطلاق تشريع استثنائي للضرورة بعد أن يسلك الزوج المراحل الآتية: وهي المعاشرة بالمعروف والصبر وتحمل الأذى، ثم الوعظ والهجر والضرب اليسير، ثم إرسال الحكمين. فإن وقع الطلاق فيمكن العودة إلى الزواج بالرجعة بغير شهود ما دامت المرأة في العدة، أو بعقد جديد بعد انتهاء العدة، وذلك لمرتين بعد الطلقة الأولى، وبعد الطلقة الثانية، فتلك فترتان متكررتان لمراجعة الحساب، وتقدير الظروف، ومحاكمة الأمور، وتعقل النتائج والآثار، وهذا يحدث غالباً، فكل من الزوجين

стр. 6653

يندم ويتنازل عن أمور، ويقلع عن أخلاق، ويرضى بالعيش في ظل حياة زوجية لا توفر له كل ما يرغب بالمقارنة مع حياة العزلة والانفراد، والاتكال على الأهل الذين يضايقهم عادة تحمل أعباء جديدة من النفقة والخدمة وغيرها، هذا فضلاً عما في الفراق من تعريض سمعة المرأة للطعن والنقد، إذ لو كانت حسنة الأخلاق، لما طلقت، وبه يكون إحصاء عدد الرجعات بعد الطلاق مما ينقص كثيراً من إحصائيات الطلاق. السبب في جعل الطلاق بيد الرجل: جعل الطلاق بيد الزوج لا بيد الزوجة بالرغم من أنها شريكة في العقد حفاظاً على الزواج، وتقديراً لمخاطر إنهائه بنحو سريع غير متئد؛ لأن الرجل الذي دفع المهر وأنفق على الزوجة والبيت يكون عادة أكثر تقديراً لعواقب الأمور، وأبعد عن الطيش في تصرف يلحق به ضرراً كبيراً، فهو أولى من المرأة بإعطائه حق التطليق لأمرين: الأول - إن المرأة غالباً أشد تأثراً بالعاطفة من الرجل، فإذا ملكت التطليق، فربما أوقعت الطلاق لأسباب بسيطة لا تستحق هدم الحياة الزوجية. الثاني - يستتبع الطلاق أموراً مالية من دفع مؤجل المهر، ونفقة العدة، والمتعة، وهذه التكاليف المالية من شأنها حمل الرجل على التروي في إيقاع الطلاق، فيكون من الخير والمصلحة جعله في يد من هو أحرص على الزوجية. وأما المرأة فلا تتضرر مالياً بالطلاق، فلا تتروى في إيقاعه بسبب سرعة تأثرها وانفعالها. ثم إن المرأة قبلت الزواج على أن الطلاق بيد الرجل، وتستطيع أن تشرطه لنفسها إن رضي الرجل منذ بداية العقد، ولها أيضاً إن تضررت بالزوج أن تنهي

стр. 6654

الزواج بواسطة بذل شيء من مالها عن طريق الخلع، أو عن طريق فسخ القاضي الزواج بسبب مرض منفر، أو لسوء العشرة والإضرار، أو لغيبة الزوج أو حبسه، أو لعد م الإنفاق. وليست الدعوة المعاصرة إلى جعل الطلاق بيد القاضي ذات فائدة؛ لمصادمة المقرر شرعاً، ولأن الرجل يعتقد ديانة أن الحق له، فإذا أوقع الطلاق، حدثت الحرمة دون انتظار حكم القاضي. وليس ذلك في مصلحة المرأة نفسها؛ لأن الطلاق قد يكون لأسباب سرية ليس من الخير إعلانها، فإذا أصبح الطلاق بيد القاضي انكشفت أسرار الحياة الزوجية بنشر الحكم، وتسجيل أسبابه في سجلات القضاء، وقد يعسر إثبات الأسباب لنفور طبيعي وتباين أخلاقي. ركن الطلاق: قال الحنفية (١): ركن الطلاق: هو اللفظ الذي جعل دلالة على معنى الطلاق لغة: وهو التخلية والإرسال، ورفع القيد في الصريح، وقطع الوصلة ونحوه في الكناية، أو شرعاً: وهو إزالة الحل؛ أو ما يقوم مقام اللفظ من الإشارة. وقال غير الحنفية (٢): للطلاق أركان، علماً بأن كلمة «ركن الطلاق» مفرد مضاف، فيعم، فيصح الإخبار عنه بالمتعدد، فيقال: أركانه أربعة مثلاً. والمراد بالركن عند الجمهور: ما تتحقق به الماهية، ولو لم يكن داخلاً فيها. أما المالكية فقالوا: أركان الطلاق أربعة: أهل له: أي موقعه من زوج أو نائبه أو وليه إن كان صغيراً، وقصد: أي قصد النطق باللفظ الصريح والكناية الظاهرة،

стр. 6655

ولو لم يقصد حل العصمة بدليل صحة طلاق الهازل. ومحل: أي عصمة مملوكة، ولفظ صريح أو كناية. وعدها ابن جزي ثلاثة: هي المطلِّق، والمطلَّقة، والصيغة: وهي اللفظ وما في معناه. وأما الشافعية والحنابلة فقالوا: أركان الطلاق خمسة: مطلِّق، وصيغة، ومحل، وولاية، وقصد، فلا طلاق لفقيه يكرره، وحاكٍ ولو عن نفسه. ويلاحظ أن الولاية أدخلها المالكية في الركن الأول وهو الأهلية. وزاد الشافعية والحنابلة على المالكية ركن المحل. حكم الطلاق: ذهب الحنفية على المذهب (١): إلى أن إيقاع الطلاق مباح لإطلاق الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] ولأنه ﷺ طلق حفصة، لا لريبة (أي ظن الفاحشة) ولا كبر، وكذا فعله الصحابة، والحسن بن علي ﵄ استكثر النكاح والطلاق. وأما حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فالمراد بالحلال: ما ليس فعله بلازم، ويشمل المباح والمندوب والواجب والمكروه، وقال ابن عابدين: إن كونه مبغوضاً لا ينافي كونه حلالاً، فإن الحلال بهذا المعنى يشمل المكروه، وهو مبغوض. وقال الكمال بن الهمام: الأصح حظر الطلاق أي منعه، إلا لحاجة كريبة وكبر. ورجح ابن عابدين هذا الرأي، وليست الحاجة مختصة بالكبر والريبة، بل هي أعم. وذكر الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (٢): أن الطلاق من حيث هو

стр. 6656

جائز، والأولى عدم ارتكابه، لما فيه من قطع الأ لُفة إلا لعارض، وتعتريه الأحكام الأربعة من حرمة، وكراهة، ووجوب، وندب، والأصل أنه خلاف الأولى. فيكون حراماً: كما لو علم أنه إن طلق زوجته وقع في الزنا لتعلقه بها، أو لعدم قدرته على زواج غيرها، ويحرم الطلاق البدعي وهو الواقع في الحيض ونحوه كالنفاس وطهر وطئ فيه. ويكون مكروهاً: كما لو كان له رغبة في الزواج، أو يرجو به نسلاً ولم يقطعه بقاء الزوجة عن عبادة واجبة، ولم يخش زناً إذا فارقها. ويكره الطلاق من غير حاجة إليه، للحديث السابق عن ابن عمر: «أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق». ويكون واجباً: كما لو علم أن بقاء الزوجة يوقعه في محرم من نفقة أو غيرها. ويجب طلاق المولي (حالف يمين الإيلاء) بعد انتظار أربعة أشهر من حلفه إذا لم يفئ، أي يطأ. ويكون مندوباً أو مستحباً: إذا كانت المرأة بذيِّة اللسان يخاف منها الوقوع في الحرام لو استمرت عنده. ويستحب الطلاق في الجملة لتفريط الزوجة في حقوق الله الواجبة، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها على تلك الحقوق، ويستحب الطلاق أيضاً في حال مخالفة المرأة من شقاق وغيره ليزيل الضرر، أوإذا كانت غير عفيفة، فلا ينبغي له إمساكها؛ لأن فيه نقصاً لدينه، ولا يأمن إفسادها فراشه، وإلحاقها به ولداً من غيره. ويستحب الطلاق أيضاً لتضرر الزوجة ببقاء النكاح لبغض أو غيره، ويستحب كون الطلاق طلقة واحدة؛ لأنه يمكنه تلافيها، وإن أراد الطلاق الثلاث، فَّرق الطلقات في كل طهر طلقة ليخرج من الخلاف، فإن عند أبي حنيفة لا يجوز جمعها، ولأنه يسلم من الندم.

стр. 6657

والخلاصة: أن الطلاق البدعي إما حرام أو مكروه، والطلاق السني إما واجب أو مندوب أو خلاف الأولى. وسيأتي بيان البدعي والسني. لزوم الطلاق: الطلاق كاليمين متى توافر ركنه وشروطه، لزم المطلِّق في زوجته، ولا رجوع عنه بوقوعه، ويحسب عليه إن طلقها ثم تزوجها ثانية، وكذلك في المرة الثالثة حتى تكون ثلاث تطليقات (١). المبحث الثاني - شروط الطلاق وقدره ومحله وصيغته: يشترط في كل ركن من أركان الطلاق - في اصطلاح غيرا لحنفية - شروط: شروط الركن الأول وهو المطلِّق: يشترط أن يكون زوجاً مكلفاً (بالغاً عاقلاً) مختاراً بالاتفاق، وأن يكون عند المالكية مسلماً، وأن يعقل الطلاق عند الحنابلة (٢). فلا يصح الطلاق من غير زوج، ولا من صبي مميز أو غير مميز، وأجاز الحنابلة طلاق مميز يعقل الطلاق ولو كان دون عشر سنين، بأن يعلم أن زوجته تبين منه وتحرم عليه إذا طلقها، ويصح توكيل المميز في الطلاق وتوكله فيه؛ لأن من صح منه مباشرة شيء، صح أن يوكل وأن يتوكل فيه. ولا يصح عند الفقهاء أن يطلِّق الولي على الصبي أو المجنون بلا عوض، لأن الطلاق ضرر.

стр. 6658

طلاق المجنون والمدهوش: ولا يصح طلاق المجنون، ومثله المغمى عليه، والمدهوش: وهو الذي اعترته حال انفعال لا يدري فيها ما يقول أو يفعل، أو يصل به الانفعال إلى درجة يغلب معها الخلل في أقواله وأفعاله، بسبب فرط الخوف أو الحزن أو الغضب، لقوله ﷺ : «لا طلاق في إغلاق» (١) والإغلاق: كل ما يسد باب الإدراك والقصد والوعي، لجنون أو شدة غضب أو شدة حزن ونحوها. ودليل اشتراط البلوغ والعقل: حديث «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمجنون» (٢) وحديث «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق» (٣)، ولأن الطلاق تصرف يحتاج إلى إدراك كامل وعقل وافر، وهذا لا يتوافر في الصبي والمجنون، ولأن الطلاق تصرف ضار، فلا يملكه الصبي ولو كان مميزاً أو أجازه الولي. لكن الحنابلة أنفذوا طلاق المميز ولو دون عشر، لعموم الحديث المتقدم: «إن الطلاق لمن أخذ بالساق» وحديث «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه، والمغلوب على عقله» وعن علي: «اكتموا الصبيان النكاح» فيفهم منه أن فائدته ألا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق، فوقع كطلاق البالغ. طلاق الغضبان: يفهم مما ذكر أن طلاق الغضبان لا يقع إذا اشتد الغضب، بأن وصل إلى درجة لا يدري فيها ما يقول ويفعل ولا يقصده. أو وصل به الغضب

стр. 6659

إلى درجة يغلب عليه فيها الخلل والاضطراب في أقواله وأفعاله، وهذه حالة نادرة. فإن ظل الشخص في حالة وعي وإدراك لما يقول فيقع طلاقه، وهذا هو الغالب في كل طلاق يصدر عن الرجل؛ لأن الغضبان مكلف في حال غضبه بما يصدر منه من كفر وقتل نفس وأخذ مال بغير حق وطلاق وغيرها. طلاق غير الزوج: لا يصح طلاق غير الزوج، لحديث «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك» (١). طلاق السكران: السكران الذي وصل إلى درجة الهذيان وخلط الكلام، ولا يعي بعد إفاقته ما صدر منه حال سكره، لا يقع طلاقه باتفاق المذاهب إن سكر سكراً غير حرام - وهو نادر - كشرب مسكر للضرورة، أو للإكراه، أو لأكل بنج ونحوه ولو لغير حاجة عند الحنابلة؛ لأنه لا لذة فيه، فيعذر لعدم الإدراك والوعي لديه، فهو كالنائم. أما السكران بطريق محرَّم - وهو الغالب - بأن شرب الخمر عالماً به، مختاراً لشربه، أو تناول المخدر من غير حاجة أو ضرورة عند الجمهور غيرا لحنابلة، فيقع طلاقه في الراجح في المذاهب الأربعة، عقوبة وزجراً عن ارتكاب المعصية، ولأنه تناوله باختياره من غير ضرورة. وقال زفر والطحاوي من الحنفية، وأحمد في رواية عنه، والمزني من الشافعية وعثمان وعمر بن عبد العزيز (٢): لا يقع طلاق السكران، لعدم توافر

стр. 6660

القصد والوعي والإرادة الصحيحة لديه، فهوزائل العقل كالمجنون، والنائم فاقد الإرادة كالمكره، فتصبح عبارته ملغاة لا قيمة لها، وللسكر عقوبة أخرى هي الحد، فلا مسوغ لضم عقوبة أخرى عليه، قال عثمان ﵁: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق، وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز، وقال علي: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه (١). وأخذ القانون في سورية ومصر بهذا الرأي، نص قانون رقم (٢٥) لسنة (١٩٢٩) في مصر على أنه «لا يقع طلاق السكران» ونص القانون السوري م (٨٩) على ما يلي: «١ - لا يقع طلاق السكران ولا المدهوش ولا المكره. ٢ - المدهوش: هو الذي فقد تمييزه من غضب أو غيره، فلا يدري ما يقول». طلاق غير المسلم: يقع طلاق غير المسلم كالمسلم عند الجمهور؛ لأنه عند غير الحنفية مكلف بفروع الشريعة. وقال المالكية: لا يصح الطلاق من كافر، ويشترط الإسلام لنفاذ طلاق المطلِّق. طلاق المرتد: طلاق المرتد بعد الدخول موقوف، فإن أسلم في العدة تبينا وقوعه، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة أو ارتد قبل الدخول فطلاقه باطل؛ لانفساخ النكاح قبله، باختلاف الدين. طلاق السفيه: ينفذ طلاق السفيه المحجور إذا كان بالغاً باتفاق المذاهب ولو بغير إذن وليه؛ لأن موضع الحجر هو التصرفات المالية، والطلاق وأثره ليس من التصرفات المالية، والرشد ليس شرطاً لوقوع الطلاق.

стр. 6661

والسفيه: هو خفيف العقل الذي يتصرف في ماله على خلاف مقتضى العقل السليم. وقال الشيعة الإمامية وعطاء: يتوقف طلاق السفيه على إذن الولي؛ لأنه تصرف ضار ضرراً محضاً. طلاق المكره: لا يقع عند الجمهور طلاق المكره؛ لأنه غير قاصد للطلاق، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، ولقوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١) وقوله ﵊: «لا طلاق في إغلاق» (٢) معناه في إكراه. وهذا هو الراجح لقوة دليله. ورأى الحنفية: أن طلاق المكره واقع؛ لأنه قصد إيقاع الطلاق وإن لم يرض بالأثر المترتب عليه، كالهازل، فإن طلاقه يقع لحديث: «ثلاث جِدّهن جِدّ، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (٣). مالك الطلاق: يتبين مما سبق أن الذي يملك الطلاق إنما هو الزوج متى كان بالغاً عاقلاً، ولا تملكه الزوجة إلا بتوكيل من الزوج أو تفويض منه. ولا يملكه القاضي إلا في أحوال خاصة للضرورة. ويلاحظ أن القانون المصري جعل الأهلية في سنة الحادية والعشرين، والقانون السوري في سن الثامنة عشرة، وبناء عليه تكون أهلية الطلاق قانوناً في تلك السن المقررة، إلا إذا سمح القاضي لمن هودون هذه السن إذا كان بالغاً بإيقاع الطلاق. ونص القانون السوري (م ٨٥) على الأهلية:

стр. 6662

«١ - يكون الرجل متمتعاً بالأهلية الكاملة للطلاق في تمام الثامنة عشرة من عمره. ٢ - يجوز للقاضي أن يأذن بالتطليق، أو يجيز الطلاق الواقع من البالغ المتزوج قبل الثامنة عشرة إذا وجدت المصلحة في ذلك». ما يشترط في الركن الثاني للطلاق وهو القصد: يشترط بالاتفاق القصد في الطلاق (١): وهو إرادة التلفظ به، ولو لم ينوه، أي إرادة لفظ الطلاق لمعناه، بألا يقصد بلفظ الطلاق غير المعنى الذي وضع له، ولايشترط في هذا الركن إلا تحقيق المراد به، فلا يقع طلاق فقيه يكرره، ولا طلاق حاكٍ عن نفسه أو غيره؛ لأنه لم يقصد معناه، بل قصد التعليم والحكاية، ولا طلاق أعجمي لُقِّن لفظ الطلاق بلا فهم منه لمعناه. ولا يقع طلاق مرَّ بلسان نائم أو من زال عقله بسبب لم يعص به، ويلغو، وإن قال بعد إفاقته أو استيقاظه: أجزته أو أوقعته للحديث المتقدم: «رفع القلم عن ثلاث، ومنها: النائم حتى يستيقظ» ولانتفاء القصد. ولا تشترط عند الحنابلة النية للطلاق في حال الخصومة أو في حال الغضب. طلاق الهازل: الهازل هو من قصد اللفظ دون معناه، واللاعب: هو من لم يقصد شيئاً (٢)، كأن تقول الزوجة في معرض دلال أو ملاعبة أواستهزاء: طلقني،

стр. 6663

فيقول لها لاعباً أو مستهزئاً: طلقتك، ومثله من خاطبها بطلاق وهو يظنها أجنبية عنه وليست زوجته، بسبب ظلمة أو من وراء حجاب. والحكم أن يقع طلاق هؤلاء جميعاً؛ لأن كلاً من الهازل واللاعب أتى باللفظ عن قصد واختيار، وإن لم يرض بوقوعه، فعدم رضاه بوقوعه، لظنه أنه لا يقع: لا أثر له لخطأ ظنه. والدليل كما ذكر الحنابلة وغيرهم هو الحديث المتقدم: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» وفي رواية «والعتاق» وفي رواية: «واليمين»، وقال علي كرم الله وجهه: «ثلاثة لا لعب فيهن: الطلاق والعتاق والنكاح» ولأن الهازل أتى بالسبب، وهو لفظ الطلاق، وترتيب الأحكام على أسبابها إنما هو للشارع لا للعاقد. طلاق المخطئ أو من سبق لسانه: وهو الذي يريد أن يتكلم بغير الطلاق، فزلَّ لسانه، ونطق بالطلاق من غير قصد أصلاً، بأن أراد أن يقول: طاهر أو أنت طالبة، فقال خطأ: أنت طالق. وحكمه: لا يقع طلاقه عند الشافعية، لعدم القصد. وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا يقع طلاقه في الفتوى والديانة، أي فيما بينه وبين الله تعالى، ويقع في القضاء. لكن قيد المالكية وقوعه قضاء بأن لم يثبت سبق لسانه بالبينة، وإلا فلا يلزمه في فتوى ولا في قضاء. وسبب التفرقة بين الهازل والمخطئ: أن الهازل قصد اللفظ، فاستحق العقوبة والزجر عن اللعب بأحكام الدين، وأما المخطئ فلا قصد له أصلاً، فلم يستحق العقوبة والزجر، حتى يحكم بوقوع طلاقه.

стр. 6664

ما يشترطه في الركن الثالث - محل الطلاق أو من يقع عليه الطلاق: المرأة هي التي يقع عليها الطلاق، إذا كانت في حال زواج صحيح قائم فعلاً، ولو قبل الدخول، أو في أثناء العدة من طلاق رجعي؛ لأن الطلاق الرجعي لا تزول به رابطة الزوجية إلا بعد انتهاء العدة. فإن كانت المرأة معتدة من طلاق بائن بينونة كبرى، فلا يلحقها طلاق آخر في أثناء العدة، لاستنفاد حق الزوج في الطلاق. لأنه لا يملك أكثر من ثلاث طلقات، فلا تكون هناك فائدة من الطلاق. وإن كانت معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى. فلا يلحقها أيضاً طلاق آخر عند الجمهور غير الحنفية، لانتهاء رابطة الزوجية بالطلاق البائن، فلا تكون محلاً للطلاق. ويلحقها طلاق آخر في رأي الحنفية في أثناء العدة، لبقاء بعض أحكام الزواج من وجوب النفقة، والسكنى في بيت الزوجية، وعدم حل زواجها برجل آخر في العدة، فتكون محلاً للطلاق إذ هي زوجة حكماً. وعبارة الحنفية فيه: «الصريح يلحق الصريح، ويلحق البائن بشرط العدة، والبائن يلحق الصريح». فإن كان الزواج فاسداً، أو انتهت عدة المرأة مطلقاً، فلا يقع عليها طلاق آخر، حتى ولو كان معلقاً بانتهاء العدة، كأن يقول لها: إذا انتهيت من عدتك، فأنت طالق، فلا يقع به طلاق. ونص القانون السوري (م ٨٦) على محل الطلاق فيما يأتي: «محل الطلاق: المرأة التي في نكاح صحيح، أو المعتدة من طلاق رجعي، ولا يصح على غيرهما الطلاق، ولو كان معلقاً». وإذا طلقت المرأة قبل الدخول والخلوة، فلا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿إذا

стр. 6665

نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب:٤٩/ ٣٣] ويكون الطلاق بائناً. ويرى الحنفية (١): أنه لا يلحقها طلاق آخر، فلو قال الرجل لزوجته التي لم يدخل ولم يختل بها: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» لا تقع إلا طلقة واحدة؛ لأنها بالطلاق الأول، صارت بائنة من زوجها، وأصبحت أجنبية، فلا يلحقها آخر. وهذا رأي الشافعية أيضاً، فإنهم قالوا: إذا قال ذلك لغير المدخول بها فتقع طلقة واحدة بكل حال؛ لأنها تبين بالأولى فلا يقع ما بعدها (٢). وقال المالكية والحنابلة (٣): يقع بهذه الألفاظ المتتابعة ثلاث طلقات؛ لأنه نسق أي غير مفترق؛ لأن الواو تقتضي الجمع ولا ترتيب فيها، فيكون الرجل موقعاً للثلاث جميعاً، فيقعن عليها، كقوله: أنت طالق ثلاثاً، أو طلقة معها طلقتان، إلا أنه إذا قصد بالثانية والثالثة تأكيد ما قبلها، فيصدق عند المالكية قضاءً بيمين، وديانةً بغير يمين. إضافة الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة أو جزء الطلقة: إذا أضاف الرجل الطلاق للزوجة بأن قال: أنت طالق، أو طلقتك، وقع الطلاق اتفاقاً. ويقع الطلاق أيضاً في الجملة إذا أضاف الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة على التفصيل التالي:

стр. 6666

قال الحنفية (١): يقع الطلاق أيضاً إذا أضافه الرجل إلى ما يعبر به عن كل المرأة أو ذاتها، كالرقبة والعنق والروح والبدن والجسد، والأطراف جميعاً (وهي اليدان والرجلان) والفرج (القُبُل) والوجه والرأس والأست (العجز)، أو أضافه إلى جزء شائع من المرأة كنصفها وثلثها إلى عشرها؛ لأن الطلاق لا يتجزأ. ولا يقع الطلاق إذا أضافه إلى البُضْع (الفرج) والدبر، إذ لا يعبر بهما عن الكل، بخلاف الأست والفرج، فإنه يعبر بهما عن الكل. ولا يقع لو أضافه إلى اليد إلا بنية المجاز، أي إطلاق البعض على الكل إذا لم يكن مشتهراً، فلو اشتهر لا حاجة إلى نية المجاز، وكاليد: الرجل والشعر والأنف والساق والفخذ والظهر والبطن واللسان والأذن والفم والصدر والذقن والسن والريق والعرق والثدي والدم؛ لأنه لا يعبر به عن الجملة. فلا يقع الطلاق لو قال: يدك طالق أو رجلك طالق، ونحوهما. ويقع الطلاق بإضافته إلى جزء الطلقة كالسدس والربع والنصف، ولو من ألف جزء، بأن يقول: أنت طالق جزءاً من ألف طلقة؛ لأن الطلاق لا يتجزأ. ومذهب المالكية (٢): لو أضاف الطلاق إلى نصف المرأة أو سدسها، أو ثلثها، أو عضو من أعضائها، نفذ، ولو قال: نصف طلقة أو ربع طلقة كملت عليه، فهم كالحنفية. واختلف المالكية على رأيين في إضافته إلى شعر المرأة وكلامها وروحها وحياتها، والراجح أنه يلزم الطلاق إذا أضيف لما يعد من محاسن المرأة، مثل شعرك أو كلامك أو ريقك طالق، ولا يلزم بما لا يعد من المحاسن، نحو بُصاق ودمع وسعال.

стр. 6667

ورأى الشافعية (١) أنه يقع الطلاق إن طلق جزءاً من المرأة، كقوله: يدك أو رجلك طالق أو نحو ذلك من أعضائها المتصلة بها، ولو من غير نية المجاز خلافاً للحنفية، وكقوله: ربعُك أو بعضُك أو جزؤك أو شعرك أو ظفرك طالق، وكذا دمُك على المذهب؛ لأن الطلاق لا يتبعض، ولا يقع إن أضافه إلى فضلة كريق وعَرَق وبول، وكذا لا يقع إن أضافه إلى مني ولبن في الأصح؛ لأنها غير متصلة بها اتصال خلقة. ولو قال لمقطوعة يمين: يمينك طالق، لم يقع على المذهب، لفقدان الذي يسري منه الطلاق إلى الباقي. ولو قال: أنت طالق بعض طلقة، وقعت طلقة؛ لأن الطلاق لا يتبعض. وأضاف الشافعية أن الرجل في خطاب المرأة لو حذف المفعول كأن قال: «طلقت» أو حذف المبتدأ: «أنتِ» أو حذف حرف النداء «يا» فلم يقل: «يا طالق» لم يقع الطلاق، كما هو ظاهر كلامهم. والحنابلة قالوا (٢): تطلق إن أضاف الطلاق إلى جزء من المرأة مثل قوله: يدك أو دمك أو أصبعك أو رأسك طالق؛ لأنه أضافه إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح، فأشبه الإضافة إلى الجزء الشائع مثل نصفك وثلثك. أما لو قال: لعديمة الإصبع أو اليد: أصبعك طالق، أو يدك طالق، لم تطلق. ولا تطلق لو قال لها: شعرك أو ظفرك أو سنك أو لبنك أو منيك طالق؛ لأن تلك الأجزاء تنفصل عنها مع السلامة، فلا تطلق بإضافة الطلاق إليها كالحمل، فهم خالفوا الشافعية في غير اللبن والمني.

стр. 6668

ولا تطلق أيضاً إن قال: سوادك أو بياضك طالق؛ لأنه أمر عارض. ولا إن قال: ريقك أو دمعك أو عرقك طالق؛ لأن المذكور ليس جزءاً منها، ولا إن قال: روحك طالق؛ لأن الروح ليست عضواً ولا شيئاً يستمتع به، فأشبهت السواد والبياض. ولا إن قال: حملك طالق؛ لأنه عرض كالبياض والسواد. وأما لو قال: حياتك طالق، فتطلق؛ لأنه لا بقاء لها بدونها، فأشبه ما لو قال: رأسك طالق. وجزء الطلقة كالطلقة، فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة أو ثلثها ونحوه، طلقت طلقة؛ لأن الطلاق لا يتبعض. والخلاصة: اتفق الفقهاء على أن جزء الطلقة طلقة، واختلفوا في إضافة الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة. ولا يقع الطلاق عند جمهور الحنفية فيما لا يعبر به عن جملة المرأة كاليد والرجل والإصبع والدبر، ويقع بها عند زفر ومالك والشافعي وأحمد. إضافة الطلاق إلى نفس الزوج: قال الحنفية والحنابلة (١): من قال لامرأته: «أنا منك طالق» فليس بشيء، وإن نوى طلاقاً. ولو قال: أنا منك بائن، أو أنا عليك حرام، ناوياً الطلاق فهي طالق عند الحنفية وفي أحد الوجهين عند الحنابلة؛ لأن الطلاق لإزالة القيد، والقيد في المرأة دون الزوج، فلا تطلق في الحالة الأولى، لأنه أضاف الطلاق إلى غير محله، فيلغو. أما الإبانة فهي لإزالة الوصلة، والتحريم لإزالة الحل، وهما مشتركان بين الزوجين، فصح إضافتهما إلى الزوجين، ولايصح إضافة الطلاق إلا إليها.

стр. 6669

وقال المالكية والشافعية (١): لو قال الرجل: أنا منك طالق، تطلق إن نوى تطليقها؛ لأن المرأة مقيدة والزوج كالقيد عليها، والحَلّ يضاف إلى القيد، كما يضاف إلى المقيد، فيقال: حلّ فلان المقيّد، وحل القيد عنه. وإن لم ينو طلاقاً فلا تطلق؛ لأن اللفظ خرج عن الصراحة بإضافته إلى غير محله، فشرط فيه ما شرط في الكناية من قصد الإيقاع. وكذا لو قال: أنا منك بائن، اشترط نية الطلاق، كسائر الكنايات. وعليه، فإن الطلاق المنسوب إلى الزوج يقع - على هذا الرأي - بالنية، سواء بلفظ الطلاق أم بالإبانة. ما يشترط في الركن الرابع عند الشافعية والحنابلة - الولاية على محل الطلاق: محل الطلاق كما عرفنا هو الزوجة، وكأن هذا الركن الذي ذكره الشافعية فرع عن الركن السابق وهو محل الطلاق، والمقصود منه بيان حكم طلاق الأجنبية. فإن طلاقها قبل زواجها مختلف في وقوعه بعد تزوجها، كما يتبين من عبارات الفقهاء وهو موضوع تعليق الطلاق على الملك. تعليق الطلاق على الملك أو على النكاح. فيه ثلاثة آراء للفقهاء: قال الحنفية (٢): إذا أضاف رجل الطلاق إلى النكاح، وقع عقيب النكاح، مثل أن يقول لامرأة: «إن تزوجتك فأنت طالق» أو «كل امرأة أتزوجها فهي طالق»؛ لأن هذا الطلاق معلق على شرط، فلا يشترط لصحته وجود الملك في حال الطلاق، وإنما يكفي وجوده عند تحقق الشرط، والملك متيقن حينئذ أي عند

стр. 6670

وجود الشرط، وإذا كان الملك متيقناً عنده، وقع الطلاق؛ لأن المعلق بالشرط كالملفوظ لدى الشرط، فهو كما لو أضاف الطلاق في حال الزواج إلى شرط، فإنه يقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ لأن الملك قائم في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت الشرط؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان، وهو استصحاب الحال. وأما حديث: «لا طلاق قبل النكاح» (١) الذي رواه الشافعي، فمحمول على نفي التنجيز في الحال، لا نفي الطلاق المعلق. وعلى هذا، فلا تصح إضافة الطلاق إلى امرأة إلا أن يكون الحالف مالكاً، أويضيفه إلى ملك، فإن قال لامرأة أجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها، فدخلت الدار، لم تطلق؛ لأن الحالف ليس مالكاً، ولم يضف الطلاق إلى الملك أو سبب الملك وهو التزوج، ولا بد من واحد منها. والحاصل: أن الطلاق عند الحنفية يتعلق بشرط التزويج، سواء عمم المطلِّق جميع النساء أو خصص. و قال المالكية (٢): إن عمَّ المطلق جميع النساء لم يلزمه، وإن خصص لزمه، فمن قال: (كل امرأة أتزوجها من بني فلان، أو من بلد كذا، فهي طالق) أو قال (في وقت كذا)، فإن هؤلاء يطلقن عند مالك إذا تزوجهن الرجل المطلق. أما لو قال: (كل امرأة أتزوجها، فهي طالق) فلا تطلق امرأة تزوَّجها. وسبب الفرق بين التعميم والتخصيص: استحسان مبني على المصلحة؛ لأنه إذا عمم فأوجبنا عليه

стр. 6671

التعميم، لم يجد سبيلاً إلى النكاح الحلال، فكان ذلك عنتاً به وحرجاً، وكأنه من باب نذر المعصية. وأما إذا خصص فليس الأمر كذلك إذا ألزمناه الطلاق، وليس من شرط الطلاق إلا وجود الملك فقط، ولا يشترط وجود الملك المتقدم بالزمان على الطلاق. و قال الشافعية والحنابلة والظاهرية (١): خطاب الأجنبية بطلاق مثل «أنت طالق» ومثل «كل امرأة أتزوجها فهي طالق» وتعليق الطلاق بنكاح، مثل (إن تزوجتك فأنت طالق)، أو بغير نكاح، مثل (إن دخلت الدار فأنت طالق) لغو، ويحكم بإبطال اليمين، فلا تطلق على من يتزوجها، أما الطلاق المنجز على الأجنبية فلا يقع بالاتفاق، وأما المعلق على الزواج فلانتفاء الولاية من القائل على محل الطلاق، وقد قال ﷺ : «لا طلاق إلا بعد نكاح». وعليه، فإن الطلاق لا يتعلق بأجنبية أصلاً، سواء عم المطلِّق أو خص. وهو قول علي ومعاذ وجابر بن عبد الله وابن عباس وعائشة، وهو الراجح لدي عملاً بهذا الحديث الصحيح، ولا عبرة بما طعن به بعضهم بعد تحسين الترمذي. وبناء عليه إن قال رجل لزوجته ولأجنبية: إحداكما طالق، أو كانت له زوجة اسمها زينب، وجارة اسمها زينب، فقال: زينب طالق، وقال: أردت الأجنبية، لم يقبل قوله، وتطلق زوجته في الحالتين؛ لأنه لا يمكن طلاق غيرها. الأدلة إجمالا ً (٢): استدل الحنفية بما يأتي:

стр. 6672

١ - الإجماع على صحة تعليق الظهار بالملك، والطلاق مثله، إذ لا قائل بالفرق. ٢ - آثار عن التابعين: أخرج ابن أبي شيبة عن سالم والقاسم بن محمد والنخعي والزهري ومكحول الشامي وغيرهم أنهم قالوا في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق: هو كما قال. ٣ - تعليق الطلاق لازم كتعليق العتق والوكالة والإبراء، فلا يشترط لصحته قيام الملك في الحال. واستدل المالكية على التفصيل بالاستحسان وبناء الحكم على المصلحة، فقالوا: إذاعمم فأوجبنا عليه التعميم، لم يجد سبيلاً إلى النكاح الحلال، فكان ذلك عنتاً وحرجاً، فكأنه نذر المعصية، وقد عرف من الشرع: «إذا ضاق الأمر اتسع». أما إذا خص فهو بسبيل من زواج غير من خصها بالتعليق، فلا موجب لإلغاء كلامه. واستدل الشافعية والحنابلة بما يأتي: ١ - حديث «لا طلاق قبل نكاح» المروي من طرق مختلفة، وقال عنه الترمذي: حديث حسن. وبلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، فقال ابن عباس: أخطأ في هذا، فإن الله يقول: نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. ٢ - المعقول: وهو أن التعليق طلاق، والطلاق حل القيد وإبطال الملك، ولا قيد ولا ملك في الأجنبية حتى يصح حله وإبطاله، فكان لغواً. أما أن التعليق طلاق، فلأن الطلاق عند وجود الشرط يقع به إذا لم يوجد كلام آخر سواه، فلو لم

стр. 6673

يكن التعليق تطليقاً، لم يقع الطلاق عند الشرط. ثم إن هذا التعليق إنشاء تصرف في محل في حال لا ولاية له عليه فيلغو، كتعليق الصبي، وتعليق البالغ طلاق الأجنبية حاصل بغير الملك. وقد رجحت هذا الرأي عملاً بالحديث الثابت. شرط الركن الخامس - الصيغة أو ما يقع به الطلاق: اتفق الفقهاء على أن الزواج ينتهي بالطلاق بالعربية أو بغيرها، سواء باللفظ أم بالكتابة أم بالإشارة (١). واللفظ إما صريح أو كناية: الطلاق الصريح: هو اللفظ الذي ظهر المراد منه وغلب استعماله عرفاً في الطلاق، كالألفاظ المشتقة من كلمة (الطلاق) مثل: أنت طالق، ومطلقة، وطلقتك وعلي الطلاق. ومنه قول الرجل: «أنت علي حرام أو حرمتك أو محرمة»؛ لأنه وإن كان في الأصل كناية، فقد غلب استعماله بين الناس في الطلاق، فصار من الألفاظ الصريحة فيه. هذا مذهب الحنفية. وصريح الطلاق عند الحنابلة: لفظ الطلاق وماتصرف منه، لاغير، أما لفظ الفراق والسراح فهو كناية. وقال المالكية: الكناية الظاهرة لها حكم الصريح، وهي التي جرت العادة أن يطلق بها في الشرع أو في اللغة كلفظ التسريح والفراق، وكقوله: أنت بائن أو بتة أو بتلة وما أشبه ذلك. وقال الشافعية والظاهرية: إن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ: الطلاق والفراق والسرح، لورودها في القرآن، قال تعالى: ﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] وقال: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾

стр. 6674

[البقرة:٢٣١/ ٢] وقال: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته﴾ [النساء:١٣٠/ ٤] وقال سبحانه: ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً﴾ [الأحزاب:٢٨/ ٣٣] ولو اشتهر لفظ للطلاق مثل الحلال أو حلال الله علي حرام، فالأصح كما قال النووي أنه كناية، ثم أصبح قول الرجل (علي حرام) من باب الطلاق الصريح كما أفتى به ابن حجر وغيره. وقال الحنابلة: لو قال: عليَّ الحرام، أو يلزمني الحرام، أو الحرام يلزمني، فهو لغو، لا شيء فيه: لأنه يقتضي تحريم شيء مباح بعينه، فإن اقترن معه نية تحريم الزوجة أو دلت قرينة على إرادة ذلك، فهو ظهار؛ لأنه يحتمله. أما لفظة الإطلاق مثل أطلقتك وأنت مُطْلَقة، فليست صريحة في الطلاق باتفاق المذاهب الأربعة وإنما هي كناية تحتاج إلى نية؛ لأنها لم يثبت لها عرف الشرع ولا الاستعمال، فأشبهت سائر كناياته. يفهم مما ذكر أنه يشترط لإيقاع الطلاق ما يأتي: ١ - استعمال لفظ يفيد معنى الطلاق لغة أو عرفاً، أو بالكتابة أو الإشارة المفهمة. ٢ - أن يكون المطِّلق فاهماً معناه، ولو بلغة أعجمية، فإذا استعمل الأعجمي صريح الطلاق، وقع الطلاق منه بغير نية، وإن كانت كناية احتاج إلى نية. ولو لُقِّن رجل صيغة الطلاق بلغة لا يعرفها، فتلفظ بها، وهو لا يدري معناها، فلا يقع عليه شيء. ٣ - إضافة الطلاق إلى الزوجة، أي إسناده إليها لغة، بأن يعينها بأحد طرق التعيين، كالوصف، أو الاسم المسماة به، أو الإشارة والضمير، فيقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، أو يشير إليها بقوله: هذه طالق، أو أنت طالق، أو يقول:

стр. 6675

هي طالق، في أثناء حديث عنها؛ أو إسناده إليها عرفاً مثل: علي الطلاق أو الحرام إن أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني إن لم أفعل كذا، فالطلاق هنا مضاف إلى المرأة في المعنى، وإن لم يضف إليها في اللفظ، وذلك خلافاً للحنابلة. ٤ - ألا يكون مشكوكاً في عدد الطلاق أو في لفظه. ويقع الطلاق الصريح ولو بالألفاظ المصحفة، نحو طلاغ، وتلاغ، وطلاك، وتلاك، أو بأحرف الهجاء: ط، ا، ل، ق. حكم الطلاق الصريح: يقع الطلاق باللفظ الصريح بدون حاجة إلى نية أو دالة حال، فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق، وقع الطلاق، ولا يلتفت لادعائه أنه لا يريد الطلاق. طلاق الكناية: هو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، ولم يتعارفه الناس في إرادة الطلاق. مثل قول الرجل لزوجته: الحقي بأهلك، اذهبي، اخرجي، أنت بائن، أنت بتّة، أنت خلية، برية، اعتدي، استبرئي رحمك، أمرك بيدك، حبلك على غاربك (١) أي خليت سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء، وزمامه على غاربه، ونحوها من الألفاظ التي لم توضع للطلاق، وإنما يفهم الطلاق منها بالقرينة أو دلالة الحال: وهي حالة مذاكرة الطلاق، أو الغضب. ومن الكناية في أصل المذهب عند الشافعية والحنابلة: أنت علي حرام أو حرَّمتك، فإن نوى طلاقاً أو ظهاراً حصل، وإن نواهما تخير وثبت ما اختاره. لكن

стр. 6676

-كما أفتى ابن حجر - أصبح لفظ (علي الحرام) من الطلاق الصريح في العرف والعادة الجارية. وقد حصر المالكية الكناية بالكناية المحتملة مثل: الحقي بأهلك واذهبي وابعدي عني وما أشبه ذلك، أما الكناية الظاهرة فلها حكم الصريح، كما بينا مثل لفظ التسريح والفراق، وأنت بائن أو بتة أو بتلة وما أشبهها. حكم الطلاق بالكناية: قال الحنفية والحنابلة: لا يقع قضاء الطلاق بالكناية إلا بالنية، أو دلالة الحال على إرادة الطلاق، كأن يكون الطلاق في حالة الغضب، أو في حالة المذاكرة بالطلاق. وفصَّل الحنفية في وقوع الطلاق قضاء بألفاظ الكنايات، فقالوا: في حالة الرضا المجرد عن مذاكرة الطلاق وطلبه لا يحكم بوقوع الطلاق بأي لفظ كنائي إلا بالنية، وفي حالة الرضا ومذاكرة الطلاق وطلبه: يقع الطلاق من غير توقف على نية في لفظ (اعتدي) وألفاظ (بائن، بتة، خلية، برية) وأما ألفاظ (اذهبي، اخرجي، قومي، اغربي، تقنعي) فتحتاج إلى نية. وأما في حالة الغضب فيقع الطلاق بلفظ (اعتدي) من غير نية، وأما الألفاظ الأخرى فتحتاج إلى نية. ورأى المالكية والشافعية: أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بالنية، ولا عبرة بدلالة الحال، فلا يلزمه الطلاق إلا إن نواه، فإن قال: إنه لم ينو الطلاق، قبل قوله في ذلك بيمينه، فإن حلف أنه ما أراد باللفظ الطلاق، لم يقع، وإن امتنع عن اليمين حكم عليه بالطلاق. واشترط الشافعية في نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، فلو قارنت أوله، وغابت عنه قبل آخره، لم يقع طلاق.

стр. 6677

وقسم المالكية والحنابلة (١) الكناية إلى نوعين: كناية ظاهرة: وهي ما شأنها أن تستعمل في الطلاق وحل العصمة، مثل قوله: أنت بتة، وحبلك على غاربك، ويقع بهما ثلاث طلقات، دخل بها أم لا، ولها حكم الصريح. وكناية خفية: وهي ما شأنها أن تستعمل في غير الطلاق وحل العصمة، مثل اعتدي، ويقع بها طلقة واحدة إلا إذا نوى أكثر من ذلك في المدخول بها، بل لايقع بها طلاق إلا إذا نواه. ومن الكناية الظاهرة التي يقع بها ثلاث طلقات في المدخول بها إن لم ينو أقل: ألفاظ: بائنة، وميتة، وخلية، وبرية، ووهبتك لأهلك، وأنت حرام، وخليت سبيلك، ووجهي من وجهك حرام أو على وجهك حرام. ولو قال الزوج: «أنت طلاق» أو «أنت الطلاق» أو «أنت طالق طلاقاً» فيقع بها عند الحنفية والمالكية والحنابلة (٢) طلقة واحدة رجعية إن لم ينو شيئاً، فإن نوى ثلاثاً فهي ثلاث، وهذه عندهم من الألفاظ الصريحة، لأنه صرح بالمصدر، والمصدر يقع على القليل والكثير، وإنه نوى بلفظه ما يحتمله. وعند الشافعية (٣) في الأصح: ليس قوله: أنت طلاق أو الطلاق، من الألفاظ الصريحة، بل هما كنايتان؛ لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعاً. ما عدا الصريح والكناية: ذكر المالكية (٤) أن ما عدا التصريح والكناية من

стр. 6678

الألفاظ التي لا تدل على الطلاق، كقوله: اسقني ماء أو ما أشبه ذلك: فإن أراد به الطلاق، لزمه على المشهور، وإن لم يرده لم يلزمه. الطلاق بالكتابة إلى الغائب: اتفق الفقهاء على وقوع الطلاق بالكتابة على التفصيل التالي: عبارة الحنفية (١): الكتابة إما مستبينة أو غير مستبينة، و الكتابة المستبينة: هي الكتابة الظاهرة التي يبقى لها أثر كالكتابة على الورق والحائط والأرض. و الكتابة غير المستبينة: هي التي لا يبقى لها أثر، كالكتابة على الهواء أو على الماء، وكل شيء لا يمكن فهمه وقراءته، وحكمها: أنه لا يقع بها طلاق وإن نوى. أما الكتابة المستبينة فهي نوعان: كتابة مرسومة: وهي التي تكتب مصدَّرة ومعنونة باسم الزوجة وتوجه إليها كالرسائل المعهودة، كأن يكتب الرجل إلى زوجته قائلاً: إلى زوجتي فلانة، أما بعد فأنت طالق، وحكمها: حكم الصريح إذا كان اللفظ صريحاً، فيقع الطلاق ولو من غير نية. وأما الكتابة غير المرسومة: فهي التي لا تكتب إلى عنوان الزوجة أو باسمها ولا توجه إليها كالرسائل المعروفة، كأن يكتب الرجل في ورقة: «زوجتي فلانة طالق». وحكمها حكم الكناية ولو كان اللفظ صريحاً، لا يقع بها الطلاق إلا بالنية. و الطلاق بالرسالة، أي بإرسال رسول: هي أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان، فيذهب الرسول إليها ويبلغها الرسالة على النحو المكلف

стр. 6679

به، وحكمها: حكم الطلاق الصريح باللفظ، يقع عليها الطلاق؛ لأن الرسول ينقل كلام المرسل، فكان كلامه ككلامه (١). وعبارة المالكية (٢): من كتب الطلاق عازماً عليه، لزمه إذا لم يكن متردداً فيه، فإن كتب الطلاق عازماً عليه أو لم يكن له نية، لزمه بمجرد كتابة (طالق) وإن لم يكن عازماً الطلاق حال الكتابة، بل كان متردداً أو مستشيراً، فلا يقع ما لم يخرج الكتاب من يده، ويعطيه لمن يوصله، فيصل إليها أو لوليها، فإن أخرجه من يده عازماً الطلاق، فيقع بمجرد إنفاذه، ولو لم يصل. وإن أخرجه غير عازم ولم يصل، فالأرجح عدم اللزوم. ويلزم الطلاق بمجرد إرساله مع رسول ولو لم يصل، فمتى قال للرسول: أخبرها بأني طلقتها، لزمه الطلاق. والخلاصة: أن العبرة عندهم في كتاب الطلاق النية. وقال الشافعية (٣) مثل المالكية: إذا كتب رجل طلاق امرأته بلفظ صريح ولم ينوه، فهو لغو لم يقع به الطلاق؛ لأنه الكتابة تحتمل إيقاع الطلاق وتحتمل امتحان الخط، فلم يقع الطلاق بمجردها. وإن نوى الطلاق فالأظهر وقوعه، ولا يقع الطلاق بالكتابة إلا في حق الغائب. وإن كتب شخص في كتاب طلاق زوجته صريحاً أو كناية، ونوى الطلاق، ولكنه علق الطلاق ببلوغ الكتاب، كقوله: (إذا بلغك كتابي، فأنت طالق). فإنما تطلق ببلوغه لها، مكتوباً كله، مراعاة للشرط. فإن انمحى كله قبل وصوله، لم تطلق، كما لوضاع.

стр. 6680

وإن كتب الرجل: إذا قرأت كتابي فأنت طالق، وكانت تقرأ، فقرأته طلقت، لوجود المعلَّق عليه. وإن قرئ عليها فلا تطلق في الأصح، لعدم قراءتها مع إمكان القراءة. وإن لم تكن قارئة، فقرئ عليها، طلقت؛ لأن القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع على ما في الكتاب، وقد وجد، بخلاف القارئة. وكذلك قال الحنابلة (١) مثل الشافعية والمالكية: إذا كتب الرجل الطلاق، فإن نواه طلقت زوجته؛ لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، فإذا أتى فيها بالطلاق، وفهم منها المراد، ونواه، وقع كالطلاق باللفظ، ولأن الكتابة تقوم مقام الكاتب، بدليل أن النبي ﷺ كان مأموراً بتبليغ رسالته، فحصل المقصود في حق البعض بالقول، وفي حق آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف، ولأن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون والحقوق. وإن كتب الطلاق من غير نية، قيل: يقع، وقيل: لا يقع إلا بنية، وهو الظاهر. وإن كتب بشيء لا يبين مثل: أن يكتب الطلاق بأصبعه على وسادة أو في الهواء، فظاهر كلام أحمد أنه لا يقع. ورأيهم كالشافعية تماماً في اشتراط وصول الكتاب دون أن ينمحي ذكر الطلاق، إذا علق الطلاق ببلوغه، وفي تعليقه بالقراءة. والخلاصة: يقع الطلاق عند الجمهور بالكتابة مع النية، ويقع عند الحنفية في الكتابة المرسومة كالصريح، وفي غير المرسومة كالكناية تحتاج إلى نية. ولا يقع الطلاق بالكتابة على الماء أو الهواء ونحوه بالاتفاق.

стр. 6681

ومن طلق في قلبه لم يقع، وإن تلفظ به أو حرك لسانه، وقع ولو لم يسمعه. الطلاق بالإشارة: اتفق الفقهاء (١) على وقوع الطلاق بالإشارة المفهمة بيد أو رأس، المعهودة عند العجز عن النطق، كالأخرس ونحوه، دفعاً للحاجة، فإذا طلق الأخرس بالإشارة طلقت زوجته. لكن قال الحنفية: إذا كان الأخرس يحسن الكتابة، لا تجوز إشارته. أما الناطق القادر على الكلام، فلا يصح عند الجمهور طلاقه بالإشارة، كما لا يصح نكاحه بها، فلا يقع الطلاق بالإشارة إلا في حق الأخرس، وقال المالكية: إشارة القادر على الكلام كالكناية تحتاج إلى نية، ويصح بها حينئذ الطلاق. صيغة الطلاق في القانون السوري: نصت المادة (٨٧/ ١) من هذا القانون على ما يلي: يقع الطلاق باللفظ وبالكتابة ويقع من العاجز عنها بإشارته المعلومة. ومعناها: أن الطلاق يقع بنفس الأسلوب الذي ينعقد به الزواج: ١ - يقع بالألفاظ الصريحة بوضع اللغة أو الموضوعة عرفاً للدلالة على الطلاق. ٢ - ويقع بالكتابة، كأن يكتب لزوجته كتاباً يخبرها فيه بطلاقه لها.

стр. 6682

٣ - ويقع من الأخرس أو معتقل اللسان بالإشارة الواضحة التي تدل على إيقاع الطلاق في إشارات الخرس، إذا كان عاجزاً عن الكتابة. وأخذ القانون السوري برأي الحنفية في أن الطلاق يقع بلفظ صريح يدل عليه لغة، كقوله: أنت طالق، أو عرفاً كقوله: أنت علي حرام، وبألفاظ الكناية مع النية، ونصت المادة (٩٣) على ذلك: «يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة فيه عرفاً دون حاجة إلى نية، ويقع بالألفاظ الكنائية التي تحتمل معنى الطلاق وغيره بالنية». قدر الطلاق: عدد الطلاق (١): هو طلقة واحدة واثنتان وثلاث، فإن صدر الطلاق مطلقاً، أي بالصيغة فقط، كأن قال الرجل: طلقتك أو أنت طالق، وقعت طلقة واحدة، عملاً بمقتضى الصيغة عند الحنفية، ويقع ما نواه عند الجمهور. وإن نوى بكلامه عدداً معيناً كواحدة أو اثنتين، أو صرح بعدد قرن بالطلاق، وقع ما نواه أو ما صرح به من العدد، فلو ماتت المرأة قبل تمام العدد، لغا الطلاق عند الحنفية؛ لأن الوقوع بالعدد، ولو مات الزوج أو أخذ أحد فمه قبل ذكر العدد، وقع الطلاق واحدة عملاً بالصيغة؛ لأن الوقوع بلفظه لا بقصده. وقال الشافعية أيضاً: لو ماتت المرأة قبل تمام كلمة (طالق) لم يقع شيء. وتنفذ الطلقات الثلاث بالاتفاق، سواء طلق الرجل المرأة واحدة بعد واحدة، أم جمع الثلاث في كلمة واحدة بأن قال: أنت طالق ثلاثاً، عند الجمهور خلافاً للظاهرية.

стр. 6683

والمعول عليه عند الحنفية اعتبار عدد الطلاق بالنساء، فطلاق الحرة ثلاث، وطلاق الأمة ثنتان، لقوله ﷺ : «طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان» (١). وعند الجمهور: المعتبر هو الرجال، فللعبد طلقتان، وللحر ثلاث طلقات، لما روى الدارقطني مرفوعاً: «طلاق العبد اثنتان» وروي عن عثمان وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهما من الصحابة، كما روى الشافعي. والإسلام في أمر الزواج والطلاق التزم الحق والاعتدال، وصحح أخطاء الجاهلية، فقد كان النكاح في الجاهلية أربعة أنحاء (٢): النكاح المعروف بعقد بعد خطبة، ونكاح الاستبضاع أي طلب الزوجة المباضعة وهو الجماع من رجل آخر بطلب زوجها، ونكاح الرهط دون العشرة، ثم تلحق المرأة الولد بمن أحبت منهم، ونكاح البغايا، ثم إلحاق الولد بواحد من الزناة بالقافة (٣). وأما الطلاق، فلم يكن مقيداً بعدد في الجاهلية، قالت عائشة ﵂: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلق، وهي امرأته، إذا راجعها، وهي في العدة، وإن طلقها مئة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك، فتبينين مني، ولا آويك أبداً، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك، راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فأنزل الله : ﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان﴾ (٤) [البقرة:٢٢٩/ ٢]. دلّت الآية على أن عدد الطلقات ثلاث، وجعلت للزوج حق مراجعة زوجته بعد الطلقة

стр. 6684

الأولى والثانية، وبه حمى الإسلام المرأة من الضرر الذي كان يلحق بها، وراعى مصلحة الرجل حيث جعل للزوج حق الطلاق ثلاث مرات، وحرص الشرع على إبقاء العشرة بين الزوجين من طريق المراجعة مرتين فقط، لتحقق الكفاية فيهما لتدارك ما فرط، فقد يطلق الرجل لغضب سريع ثم يندم، وقد يطلق لسبب ثم يزول السبب، وقد يطلق لسوء عشرة المرأة، فتتألم من الفراق، وقد يكون لها أولاد، فتحرم من رؤيتهم، أو تتضايق من تربيتهم. واشتراط التحليل، أي الزواج برجل آخر، لحل رجوع المرأة إلى المطلِّق بعد الطلقة الثالثة، يحمل الزوج على الإمساك عن إيقاع الطلقة الثالثة، ويدفعه إلى الحرص على إبقاء الزوجية؛ لأن الرجل بحكم الغَيرة والحمية يأنف من مثل هذا الفعل، فكأنه في حكم الباب المسدود، وكأنه إحالة على شيء عسير الحصول بعيد التحقق. ماالذي تعود به المرأة بعد التحليل؟ من طلق طلقة واحدة أو اثنتين، فنكحها زوج غيره، ودخل بها، ثم نكحها الأول، بنى الأول عند المالكية والشافعية والحنابلة (١) على ما كان من عدد الطلقات، أي فتعود إليه بما بقي له من الطلاق، فلو طلقها ثلاثاً ثم نكحها بعد زوج غيره، استأنف عدد الطلقات كنكاح جديد، أي فتعود له بطلقات ثلاث: لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، ويهدم الثلاث؛ لأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول فيما دون الثلاث، فلا يغير حكم الطلاق، ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث، فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني. وهذا رأي محمد أيضاً؛ لأنه لا إنهاء للحرمة قبل الثبوت.

стр. 6685

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف (١): الزواج الثاني يهدم مطلقاً، فتعود بطلقات ثلاث للزوج الأول، سواء أكان زواجها بزوج ثان بعد الطلقتين أم بعد الثلاث؛ لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلاً يتسع لثلاث تطليقات كما يتسع لما دون الثلاث؛ لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها، وقد سمى النبي ﷺ الزوج الثاني محلِّلاً، وهو المثبت للحل، في حديث: «لعن الله المحلل والمحلل له» (٢). عدد الطلاق في بعض الألفاظ: اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع بالنية من غير لفظ، واللفظ الصادر عن المطلِّق متنوع، يتحدد عدد الطلاق فيه إما بالنية أو بالصيغة أو بالعدد المقترن به صراحة. وهذه نماذج يعرف بها عدد الطلاق بالإضافة لما سبق بيانه. ١ - اللفظ المُطْلَق: إذا خاطب الرجل امرأته بقوله: أنت طالق أو بائن أو بتة: ففي رأي المالكية والشافعية والحنابلة (٣): يقع ما نواه، فإن نوى طلقتين أو ثلاثاً، وقع، لما روي أنه رُكانَة بن عبد يزيد طلق امرأته سُهَيْمة البتة، فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً، فقال رسول الله ﷺ : والله ما أردتَ إلا واحدة؟ قال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ ، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان (٤).

стр. 6686

وفي رأي الحنفية (١): يقع الطلاق عند عدم العدد بالصيغة، وقول الرجل: أنت طالق البتة، من كنايات الطلاق التي يقع بها الطلاق عندهم بائناًً؛ لأنه اقترن بوصف الشدة أو القوة أو بما يفيد البينونة. ٢ - تحديد المقصود بالإشارة: إن قال الرجل لامرأته: أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع، وقع الثلاث عند الشافعية والمالكية والحنابلة (٢)؛ لأن الإشارة بالأصابع مع قوله (هكذا) بمنزلة النية في بيان العدد. وإن قال: أردت بعدد الأصبعين المقبوضتين، قبل قوله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. ولوقال: أنت طالق وأشار بالأصابع، ولم يقل (هكذا) وقال: أردت واحدة ولم أرد العدد فهي واحدة، أي يقبل قوله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. وكذلك يقع ثلاثاً بالإشارة عند الحنفية (٣)؛ لأن الطلاق الثلاث يقع عندهم إذا كان مقروناً بعدد الثلاثة نصاً أو إشارة، أو موصوفاً بصفة تنبئ عن البينونة أو ما يدل عليها. ٣ - واحدة في اثنتين: قرر الشافعية عملاً بمبدئهم في تحكيم النية (٤): إن قال الرجل: أنت طالق واحدة في اثنتين، فإن نوى طلقة واحدة مع اثنتين، وقعت ثلاث؛ لأن (في) تستعمل بمعنى (مع) لقوله : ﴿فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر:٢٩/ ٨٩ - ٣٠] أي مع عبادي. فإن لم يكن له نية: فإن لم يعرف الحساب ولا نوى مقتضاه في الحساب، طلقت طلقة واحدة بقوله: (أنت طالق) ولا يقع بقوله: (في اثنتين) شيء؛ لأنه لا يعرف مقتضاه، فلم يلزمه حكمه

стр. 6687

كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعرف معناه. وإن نوى مقتضاه في الحساب وهو غير عالم به، فالمذهب أنه لا يقع إلا طلقة واحدة؛ لأنه إذا لم يعلم مقتضاه، لم يلزمه حكمه كالأعجمي إذا طلق بالعربية، وهولا يعلم وقال: أردت مقتضاه في العربية. فإن كان عالماً بالحساب: فإن نوى موجبه في الحساب، طلقت طلقتين لأنه موجبه في الحساب طلقتان. وإن لم يكن له نية، فالمنصوص أنها تطلق طلقة؛ لأن هذا اللفظ غير متعارف عند الناس، ويحتمل طلقة في طلقتين واقعتين، ويحتمل طلقة في طلقتين باقيتين، فلا يجوز أن يوقع بالشك. ومذهب الحنفية (١): يقع بقوله: (واحدة في ثنتين) طلقة واحدة إن لم ينو أو نوى الضرب؛ لأنه يكثر الأجزاء لا الأفراد، وإن نوى واحدة وثنتين فيقع ثلاثاً في المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها. ٤ - طالق طلقة بل طلقتان: رأى الشافعية (٢): أنه إن قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتان، ففيه وجهان: أحدهما - يقع طلقتان، كما إذا قال: له علي درهم، بل درهمان، لزمه درهمان. والوجه الثاني - يقع الثلاث؛ لأن الطلاق إيقاع، فلا يجوز أن يوقع الطلاق الواحد مرتين، فحمل على طلاق مستأنف. ٥ - اقتران الطلاق بلفظ الثلاث، وتكراره: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية (٣) على أنه إذا قال الرجل لغير المدخول

стр. 6688

بها: «أنت طالق ثلاثا» وقع الثلاث؛ لأن الجميع صادف الزوجية، فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها. واتفقوا أيضاً على أنه إن قال الزوج لامرأته: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» وتخلل فصل (١) بينها، وقعت الثلاث، سواء أقصد التأكيد أم لا؛ لأنه خلاف الظاهر. وإن قال: قصدت التأكيد صدق ديانة، لا قضاء. وإن لم يتخلل فصل: فإن قصد تأكيد الطلقة الأولى بالأخيرتين، فتقع واحدة؛ لأن التأكيد في الكلام معهود لغة وشرعاً. وإن قصد استئنافاً أو أطلق (بأن لم يقصد تأكداً ولا استئنافاً) تقع الثلاث، عملاً بظاهر اللفظ. وكذا تطلق ثلاثاً إن قالت: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو عطف بالواو أو بالفاء. ٦ - تطليق الجماعة: لو قال الرجل لنسائه الأربع: أوقعت عليكن أو بينكن طلقة، فمذهب الحنفية والشافعية (٢): طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأنه يخص كل واحدة منهن ربع طلقة، وتكمل بالسراية. وكذا إن قال: بينكن تطليقتان أو ثلاث أو أربع، وقع على كل واحدة طلقة، إلا أن ينوي قسمة كل واحدة منهن، بأن قال: أردت أن يقع على كل واحدة من الطلقتين، وقع على كل واحدة طلقتان، وإن قال: أردت أن يقع على كل واحدة من الثلاث الطلقات، فتطلق كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه مقر على نفسه بما فيه تغليظ، واللفظ محتمل له. وإن قال: بينكن خمس طلقات، وقع على كل واحدة طلقتان، وهكذا إلى

стр. 6689

ثمان تطليقات. فإن زاد عليها، بأن قال: أوقعت عليكن تسعاً، طلقت كل واحدة ثلاثاً. وإن قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه لما عطف وجب أن يقسم كل جزء من ذلك بينهن، ثم يكمل. أما إن قال الرجل لنسائه: إحداكن طالق أو قال لإحدى امرأتيه: إحداكما طالق، طلقت واحدة، ويرجع إلي تعيينه اتفاقاً (١). ٧ - الطلاق ملء الدنيا أوأشد الطلاق: مذهب الشافعية والحنابلة (٢): إن قال الرجل لامرأته: أنت طالق ملء الدنيا، أو أنت طالق أطول الطلاق أو أعرضه، وقعت طلقة؛ لأن شيئاً مما ذكر لا يقتضي العدد، وقد تنصف الطلقة الواحدة بالمذكور كله. وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق وأغلظه، وقعت طلقة؛ لأنه قد تكون الطلقة أشد وأغلظ عليه، لتعجلها أو لحبه لها أو لحبها له، فلم يقع ما زاد بالشك. ومذهب الحنفية: تقع طلقة واحدة بائنة. وإن قال: أنت طالق كل الطلاق أو أكثره، وقع الثلاث؛ لأنه كل الطلاق وأكثره، وهذا متفق عليه. وإن قال: أنت طالق على مذهب السنة والشيعة واليهود والنصارى، أو على سائر المذاهب، أو أنت طالق لا يردك عالم ولا قاض، وقعت واحدة رجعية. وهذا باتفاق المذاهب (٣).

стр. 6690

٨ - طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة: يرى الشافعية (١): أنه لو قال: (طلقة قبل طلقة) أو (بعدها طلقة) أو (طلقة بعد طلقة) أو (قبلها طلقة) فتقع طلقتان في المدخول بها، وطلقة في غير المدخول بها، إذ مقتضاه في المدخول بها إيقاع طلقتين: إحداهما في الحال، وتعقبها الأخرى، أما في غير المدخول بها فتبين في الطلقة الأولى، فلم تصادف الثانية محلاً وهوالنكاح. ولو قال: (طلقة في طلقة) وأراد (مع) فيقع طلقتان كما في قوله تعالى: ﴿ادخلوا في أمم﴾ [الأعراف:٣٨/ ٧]، وإن أراد الظرف أو الحساب، أو أطلق، فتقع طلقة واحدة في الجميع، إذ مقتضى الظرف والحساب واحدة. ولو قال: (أنت طالق نصف طلقة) فتقع طلقة بكل حال من إرادة المعية أو الظروف أو الحساب أو عدم إرادة شيء؛ لأن الطلاق لا يتجزأ. ولو قال: (أنت طالق طلقة في طلقتين) وقصد بـ (في) معية، فتقع ثلاث، وإن قصد ظرفاً فواحدة، أو حساباً وعرفه، فثنتان. وإن جهله وقصد معناه فطلقة. ويتفق الحنابلة (٢) مع الشافعية في قول الرجل: (أنت طالق طلقة قبلها طلقة) ونحوه، يقع طلقتان في المدخول بها، وطلقة في غير المدخول بها. وإن قالت: (أنت طالق طلقة بعدها طلقة) وقال: أردت أني أوقع بعضها طلقة، يصدق ديانة، وهل يصدق قضاءً؟ خلاف، الصحيح أنه إن وجد له طلاق في نكاح آخر، أو من زوج قبله، صدق، وإن لم يوجد لا يقبل قوله؛ لأنه لا يحتمل ما قاله.
следующие страницы →