← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

وفي رأي الحنفية (١): يقع الطلاق عند عدم العدد بالصيغة، وقول الرجل: أنت طالق البتة، من كنايات الطلاق التي يقع بها الطلاق عندهم بائناًً؛ لأنه اقترن بوصف الشدة أو القوة أو بما يفيد البينونة. ٢ - تحديد المقصود بالإشارة: إن قال الرجل لامرأته: أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع، وقع الثلاث عند الشافعية والمالكية والحنابلة (٢)؛ لأن الإشارة بالأصابع مع قوله (هكذا) بمنزلة النية في بيان العدد. وإن قال: أردت بعدد الأصبعين المقبوضتين، قبل قوله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. ولوقال: أنت طالق وأشار بالأصابع، ولم يقل (هكذا) وقال: أردت واحدة ولم أرد العدد فهي واحدة، أي يقبل قوله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه. وكذلك يقع ثلاثاً بالإشارة عند الحنفية (٣)؛ لأن الطلاق الثلاث يقع عندهم إذا كان مقروناً بعدد الثلاثة نصاً أو إشارة، أو موصوفاً بصفة تنبئ عن البينونة أو ما يدل عليها. ٣ - واحدة في اثنتين: قرر الشافعية عملاً بمبدئهم في تحكيم النية (٤): إن قال الرجل: أنت طالق واحدة في اثنتين، فإن نوى طلقة واحدة مع اثنتين، وقعت ثلاث؛ لأن (في) تستعمل بمعنى (مع) لقوله : ﴿فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر:٢٩/ ٨٩ - ٣٠] أي مع عبادي. فإن لم يكن له نية: فإن لم يعرف الحساب ولا نوى مقتضاه في الحساب، طلقت طلقة واحدة بقوله: (أنت طالق) ولا يقع بقوله: (في اثنتين) شيء؛ لأنه لا يعرف مقتضاه، فلم يلزمه حكمه

стр. 6687

كالأعجمي إذا طلق بالعربية وهو لا يعرف معناه. وإن نوى مقتضاه في الحساب وهو غير عالم به، فالمذهب أنه لا يقع إلا طلقة واحدة؛ لأنه إذا لم يعلم مقتضاه، لم يلزمه حكمه كالأعجمي إذا طلق بالعربية، وهولا يعلم وقال: أردت مقتضاه في العربية. فإن كان عالماً بالحساب: فإن نوى موجبه في الحساب، طلقت طلقتين لأنه موجبه في الحساب طلقتان. وإن لم يكن له نية، فالمنصوص أنها تطلق طلقة؛ لأن هذا اللفظ غير متعارف عند الناس، ويحتمل طلقة في طلقتين واقعتين، ويحتمل طلقة في طلقتين باقيتين، فلا يجوز أن يوقع بالشك. ومذهب الحنفية (١): يقع بقوله: (واحدة في ثنتين) طلقة واحدة إن لم ينو أو نوى الضرب؛ لأنه يكثر الأجزاء لا الأفراد، وإن نوى واحدة وثنتين فيقع ثلاثاً في المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها. ٤ - طالق طلقة بل طلقتان: رأى الشافعية (٢): أنه إن قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتان، ففيه وجهان: أحدهما - يقع طلقتان، كما إذا قال: له علي درهم، بل درهمان، لزمه درهمان. والوجه الثاني - يقع الثلاث؛ لأن الطلاق إيقاع، فلا يجوز أن يوقع الطلاق الواحد مرتين، فحمل على طلاق مستأنف. ٥ - اقتران الطلاق بلفظ الثلاث، وتكراره: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية (٣) على أنه إذا قال الرجل لغير المدخول

стр. 6688

بها: «أنت طالق ثلاثا» وقع الثلاث؛ لأن الجميع صادف الزوجية، فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها. واتفقوا أيضاً على أنه إن قال الزوج لامرأته: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» وتخلل فصل (١) بينها، وقعت الثلاث، سواء أقصد التأكيد أم لا؛ لأنه خلاف الظاهر. وإن قال: قصدت التأكيد صدق ديانة، لا قضاء. وإن لم يتخلل فصل: فإن قصد تأكيد الطلقة الأولى بالأخيرتين، فتقع واحدة؛ لأن التأكيد في الكلام معهود لغة وشرعاً. وإن قصد استئنافاً أو أطلق (بأن لم يقصد تأكداً ولا استئنافاً) تقع الثلاث، عملاً بظاهر اللفظ. وكذا تطلق ثلاثاً إن قالت: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو عطف بالواو أو بالفاء. ٦ - تطليق الجماعة: لو قال الرجل لنسائه الأربع: أوقعت عليكن أو بينكن طلقة، فمذهب الحنفية والشافعية (٢): طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأنه يخص كل واحدة منهن ربع طلقة، وتكمل بالسراية. وكذا إن قال: بينكن تطليقتان أو ثلاث أو أربع، وقع على كل واحدة طلقة، إلا أن ينوي قسمة كل واحدة منهن، بأن قال: أردت أن يقع على كل واحدة من الطلقتين، وقع على كل واحدة طلقتان، وإن قال: أردت أن يقع على كل واحدة من الثلاث الطلقات، فتطلق كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه مقر على نفسه بما فيه تغليظ، واللفظ محتمل له. وإن قال: بينكن خمس طلقات، وقع على كل واحدة طلقتان، وهكذا إلى

стр. 6689

ثمان تطليقات. فإن زاد عليها، بأن قال: أوقعت عليكن تسعاً، طلقت كل واحدة ثلاثاً. وإن قال: أوقعت بينكن نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، طلقت كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه لما عطف وجب أن يقسم كل جزء من ذلك بينهن، ثم يكمل. أما إن قال الرجل لنسائه: إحداكن طالق أو قال لإحدى امرأتيه: إحداكما طالق، طلقت واحدة، ويرجع إلي تعيينه اتفاقاً (١). ٧ - الطلاق ملء الدنيا أوأشد الطلاق: مذهب الشافعية والحنابلة (٢): إن قال الرجل لامرأته: أنت طالق ملء الدنيا، أو أنت طالق أطول الطلاق أو أعرضه، وقعت طلقة؛ لأن شيئاً مما ذكر لا يقتضي العدد، وقد تنصف الطلقة الواحدة بالمذكور كله. وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق وأغلظه، وقعت طلقة؛ لأنه قد تكون الطلقة أشد وأغلظ عليه، لتعجلها أو لحبه لها أو لحبها له، فلم يقع ما زاد بالشك. ومذهب الحنفية: تقع طلقة واحدة بائنة. وإن قال: أنت طالق كل الطلاق أو أكثره، وقع الثلاث؛ لأنه كل الطلاق وأكثره، وهذا متفق عليه. وإن قال: أنت طالق على مذهب السنة والشيعة واليهود والنصارى، أو على سائر المذاهب، أو أنت طالق لا يردك عالم ولا قاض، وقعت واحدة رجعية. وهذا باتفاق المذاهب (٣).

стр. 6690

٨ - طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة: يرى الشافعية (١): أنه لو قال: (طلقة قبل طلقة) أو (بعدها طلقة) أو (طلقة بعد طلقة) أو (قبلها طلقة) فتقع طلقتان في المدخول بها، وطلقة في غير المدخول بها، إذ مقتضاه في المدخول بها إيقاع طلقتين: إحداهما في الحال، وتعقبها الأخرى، أما في غير المدخول بها فتبين في الطلقة الأولى، فلم تصادف الثانية محلاً وهوالنكاح. ولو قال: (طلقة في طلقة) وأراد (مع) فيقع طلقتان كما في قوله تعالى: ﴿ادخلوا في أمم﴾ [الأعراف:٣٨/ ٧]، وإن أراد الظرف أو الحساب، أو أطلق، فتقع طلقة واحدة في الجميع، إذ مقتضى الظرف والحساب واحدة. ولو قال: (أنت طالق نصف طلقة) فتقع طلقة بكل حال من إرادة المعية أو الظروف أو الحساب أو عدم إرادة شيء؛ لأن الطلاق لا يتجزأ. ولو قال: (أنت طالق طلقة في طلقتين) وقصد بـ (في) معية، فتقع ثلاث، وإن قصد ظرفاً فواحدة، أو حساباً وعرفه، فثنتان. وإن جهله وقصد معناه فطلقة. ويتفق الحنابلة (٢) مع الشافعية في قول الرجل: (أنت طالق طلقة قبلها طلقة) ونحوه، يقع طلقتان في المدخول بها، وطلقة في غير المدخول بها. وإن قالت: (أنت طالق طلقة بعدها طلقة) وقال: أردت أني أوقع بعضها طلقة، يصدق ديانة، وهل يصدق قضاءً؟ خلاف، الصحيح أنه إن وجد له طلاق في نكاح آخر، أو من زوج قبله، صدق، وإن لم يوجد لا يقبل قوله؛ لأنه لا يحتمل ما قاله.

стр. 6691

ووافق الحنفية (١) الشافعية أيضاً في قول الرجل: (أنت طالق واحدة قبلهاواحدة) أو قال: (واحدة بعد واحدة) أو (مع واحدة أو معها واحدة) تقع طلقتان؛ لأن في المثال الأول الملفوظ به أولاً موقع آخراً؛ لأنه أوقع واحدة، وأخبر أن قبلها واحدة سابقة، فوقعتا معاً؛ لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال. وفي المثال الثاني أوقع في الحالة الأولى طلقة واحدة وأخبر أنها بعد واحدة سابقة، وأما في الحالتين الأخيرتين؛ فلأن (مع) للمقارنة، فكأنه قرن بينهما، فوقعتا. أما لو قال: (أنت طالق واحدة قبل واحدة) فتقع واحدة؛ لأن الملفوظ به أولاً موقع أولاً، فتقع الأولى لا غير؛ لأنه أوقع واحدة، وأخبر أنها قبل أخرى ستقع، وقد بانت بهذه، فلغت الثانية. وكذا إن قال: (واحدة بعدها واحدة) وقعت واحدة أيضاً؛ لأن الملفوظ به أولاً موقع أولاً، فتقع الأولى لا غير، لأنه أوقع واحدة، وأخبر أن بعدها أخرى ستقع. وإن قال لها: (إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة) أو (فواحدة) فدخلت الدار، وقعت عليها واحدة عند أبي حنيفة؛ لأن المعلق بالدخول كالمنجز، في حالة تقديم الشرط. فإن أخر الشرط يقع ثنتان؛ لأن الشرط إذا تأخر بغير صدر الكلام، فيتوقف عليه، فيقعن جملة، أما إن تقدم الشرط فتقع طلقة واحدة، لتعلقها بالشرط دفعة واحدة. وإذا قال لها: أنت طالق بمكة، فهي طالق في الحال في كل البلاد، وكذلك إن قال: أنت طالق في الدار، تطلق في الحال؛ لأن الطلاق لا يتخصص بمكان دون مكان، كما أبان الحنفية. وإن عنى به (إذا أتيت مكة) يصدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى الإضمار، وهو خلاف الظاهر.

стр. 6692

وإن قال لها: أنت طالق إذا دخلت مكة، لم تطلق حتى تدخل مكة؛ لأنه علقه بالدخول. وإن قال لها: أنت طالق غداً، وقع الطلاق عليها بطلوع الفجر؛ لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد، فيقع في أول جزء منه. ولو نوى آخر النهار، صدق ديانة لا قضاء؛ لأنه نوى التخصيص في العموم، وهويحتمله مخالفاً لظاهر الكلام. ٩ - الطلاق غير المعين: قال الحنفية (١): لو قال: امرأتي طالق، وله امرأتان أو ثلاث، تطلق واحدة منهن، وله خيار التعيين. ولو قال: (نساء الدنيا طوالق) لم تطلق امرأته. أما لو قال: نساء المحلة والدار والبيت، فتطلق امرأته، ولو قال: نسائي طوالق، ولا نية له، طلقن كلهن بغير خلاف؛ لأن لفظه عام. ولو قالت امرأة لزوجها: طلقني، فقال: فعلت أي طلقت بقرينة الطلب، طلقت واحدة. فإن قالت: زدني، فقال: فعلت، طلقت أخرى. ولو قالت: طلقني، طلقني، طلقني، فتقع واحدة إن لم ينو الثلاث. ولو عطفت بالواو، فثلاث؛ لأنه قرينة التكرار، فيطابقه الجواب. ولو قالت: طلقت نفسي، فأجاز، طلقت؛ لأنه يملك إنشاء الطلاق عليها، فيملك الإجازة التي هي أضعف، بالأولى. وكذا لو قالت: أبنت نفسي، فأجاز، طلقت إن نوى ولو ثلاثاً. أما لو قالت المرأة: اخترت نفسي منك، فقال الزوج: أجزت، ونوى الطلاق، لا يقع شيء؛ لأن قولها (اخترت) لم يوضع للطلاق، لا صريحاً ولا كناية.

стр. 6693

١٠ - عدد الطلاق في ألفاظ الكناية عند المالكية: الكناية عند المالكية ظاهرة ومحتملة (١): أما الكناية المحتملة أو الخفية: فهي كقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، واذهبي، وابعدي عني وما أشبه ذلك. فهذا لا يلزمه الطلاق إلا إن نواه. فإن قال: إنه لم ينو الطلاق، قبل قوله فيه. وأما الكناية الظاهرة: فهي التي جرت العادة أن يطلق بها في الشرع أو في اللغة، كلفظ التسريح والفراق، وكقوله: أنت بائن، أو بتة، أو بتلة، وما أشبه ذلك. وحكمها حكم الصريح. وهي سبعة أنواع: الأول: ما يلزم فيه طلقة واحدة، إلا إن نوى أكثر في المرأة المدخول بها، وهو: (اعتدّي) وأما غير المدخول بها فلا عدة عليها، فإن قال لها: اعتدي، فهو من الكناية الخفية أو المحتملة، لا يقع إلا بنية. الثاني: ما يلزم فيه الثلاث مطلقاً وهو: بتة، و: حبلك على غاربك. الثالث: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها، وواحدة في غيرها إن لم ينو أكثر، فإن نوى ثلاثاً لزمه، أو أقل لزمه ما نواه، وهوأنت طالق واحدة بائنة. الرابع: مايلزم فيه الثلاث في المدخول بها، وغيرها إن لم ينو أقل، وهي وهبتك لأهلك، أو رددتُك أولا عصمة لي عليك، وأنت حرام، أو خلية لأهلك أي من الزوج، أو ميتة أو كالدم أو كلحم الخنزير، أو بريّة، أو خالصة، أي مني لا عصمة لي عليك، أوبائنة، أو أنا بائن منك، أو خلي أوبري أو خالص، فإن نوى الأقل لزمه ما نواه، وحلف إن أراد نكاحها أنه ما أراد إلا الأقل، لا إن لم يرده.

стр. 6694

الخامس: ما يلزم فيه الثلاث مطلقاً، ما لم ينو أقل، وهو: خليت سبيلك. السادس: ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها، وينوي في غيرها، وهو (وجهي من وجهك حرام) أو (وجهي على وجهك حرام) فلا فرق بين (من) و (على) ومثله: لا نكاح بيني وبينك، أولا ملك لي عليك، أولا سبيل لي عليك، فيلزمه الثلاث في المدخول بها فقط، إلا إن كان الكلام لعتاب، فلا شيء عليه. السابع: ما يلزم فيه واحدة مطلقاً سواء دخل أم لا إلا لنية أكثر، وهو: فارقتك، يقع بها طلقة رجعية في المدخول بها. وكل ذلك ما لم تدل القرائن على عدم إرادة الطلاق، فيصدق الرجل في نفي الطلاق إن دلت القرينة على النفي في جميع الكنايات الظاهرة. والحاصل: أن لفظي (اعتدي وفارقتك) يقع بهما طلقة واحدة، وبقية ألفاظ الكناية الظاهرة المذكورة يقع بها الثلاث. ١١ - الطلاق المقيد بالاستثناء: ذهب علماء المذاهب الأربعة (١): إلى أنه إذا استثنى المطلِّق بلسانه صح، ولم يقع ما استثناه. فإذا قال الرجل لامرأته: (أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة) تطلق طلقتين. وإذا قال: (أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين) طُلِّقت واحدة. وإذا قال: (أنت طالق البتة إلا ثنتين إلا واحدة) يلزمه اثنتان؛ لأن (البتة) ثلاث، والاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فأخرج من (البتة) اثنتين، ثم أخرج منهما واحدة، تضم للواحدة الأولى، واشترط الفقهاء لصحة الاستثناء الاتصال في الكلام، أي اتصال لفظ المستثنى بالمستثنى منه عرفاً بحيث يعد كلاماً واحداً، ولا يضر فصل يسير كتنفس ونحوه كسعال وعطاس.

стр. 6695

واشترطوا أيضاً عدم استغراق المستثنى منه، فلو قال: «أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً» لم يصح الاستثناء، وطلقت ثلاثاً بلا خلاف؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثُنيا، ومعناه أنه تكلم بالمستثنى منه. واشترط الشافعية في الأصح والحنابلة، أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين أي قبل تمام المستثنى منه؛ لأن اليمين إنما تعتبر بتمامها. واشترطوا أيضاً في التلفظ بالاستثناء إسماع نفسه عند اعتدال سمعه، فلا يكفي أن ينويه بقلبه من غير أن يسمع نفسه. وبناء عليه يكون للاستثناء أحوال ثلاثة: أـ استثناء القليل من الكثير: يصح بالاتفاق، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، وتقع ثنتان، ومن قال: أنت طالق أربعاً إلا اثنتين، لزمه اثنتان. ب - استثناء العدد بعينه: مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، أو أنت طالق اثنتين إلا اثنتين، طلقت ثلاثاً في الأول، واثنتين في الثاني، وكذا لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقة وطلقة وطلقة، يقع ثلاثاً؛ لأنه استثناء الكل من الكل. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين وواحدة، وقعت واحدة، ويلغو ما حصل به الاستغراق. ولو قال أنت طالق ثلاثاً إلا نصف طلقة، وقعت الثلاث. جـ - استثناء الأكثر من الأقل: مثل أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين، صح الاستثناء عند الجمهور وتقع طلقة واحدة. وقال أحمد في الأصح: الاستثناء لا يصح؛ لأن الاثنتين أكثر الثلاث. ويصح الاستثناء من الاستثناء مثل: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، ويقع به طلقتان؛ لأن الاستثناء في الأصح ينصرف إلى الملفوظ به؛ لأنه لفظ فيتبع به موجب اللفظ.

стр. 6696

المبحث الثالث - قيود إيقاع الطلاق شرعا ً: قيد الشرع الطلاق بقيود شرعية منعاً للشطط والتسرع، وحفظاً على الرابطة الزوجية؛ لأن هذا الرباط مقدس، يختلف عن كل العقود الأخرى، ولأن الطلاق يؤثر تأثيراً بالغاً في حياة المرأة، فإن جوهر ما تملكه أصبح هدراً، وربما عاشت أيِّما لا تتزوج أبداً، وفي التأيم غالباً مفاسد كثيرة أو تعريض للفساد والشر والمعصية. فإن توافرت هذه القيود كان الطلاق موافقاً للشرع لا إثم فيه، وإن فقد واحد منها، كان إيقاعه موجباً للإثم والسخط الإلهي. والقيود ثلاثة (١): ١ - أن يكون الطلاق لحاجة مقبولة. ٢ - أن يكون في طهر لم يجامعها فيه. ٣ - أن يكون مفرّقاً ليس بأكثر من واحدة. وأبحث هذه القيود وأثر مخالفتها عند فقهائنا: أولاً - أن يكون الطلاق لحاجة مقبولة شرعاً وعرفاً: يرى الحنفية في أصل المذهب (٢) كما تبين سابقاً: أن الأصل في الطلاق هو الإباحة، لإطلاق الآيات القرآنية الواردة فيه، مثل قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] وقوله:

стр. 6697

﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] ولأن الرسول ﷺ طلق حفصة، وفعله الصحابة، ولو كان الطلاق محظوراً لما أقدموا عليه. ونوقشت هذه الأدلة، أما الآية الأولى فهي لبيان إباحة الطلاق قبل الدخول وقبل تسمية المهر، وأما الآية الثانية فبيان وقت الطلاق المفضل شرعاً وهو وقت ابتداء أو استقبال العدة. وأما طلاق حفصة وطلاق بعض الصحابة، فلم يثبت أنه كان لغير حاجة أو سبب يدعو إليه. والظاهر هو أنه لحاجة؛ لأن الطلاق لغير حاجة كفر بنعمة الزواج، وإيذاء محض بالزوجة وأهلها وأولادها. ويرى الجمهور غير الحنفية منهم الكمال بن الهمام وابن عابدين (١): أن الأصل في الطلاق هو الحظر والمنع وخلاف الأولى، والأولى أن يكون لحاجة كسوء سلوك الزوجة أوإيذائها أحداً، لما فيه من قطع الألفة، وهدم سنة الاجتماع، والتعريض للفساد، ولقوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً﴾ [النساء:٣٤/ ٤] وللحديث السابق: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» (٢) ففيه دليل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها محرم عليها تحريماً شديداً؛ لأن من لم يرح رائحة الجنة غير داخل إليها أبداً، وكفى بذنب يبلغ بصاحبه إلى ذلك المبلغ مشيراً إلى خطورته وشدته، كما قال الشوكاني (٣). وهذا هو الراجح لاتفاقه مع مقاصد الشريعة، ولمخاطر الطلاق المتعددة، قال ابن عابدين: الأصل في الطلاق الحظر، بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه،

стр. 6698

والإباحة للحاجة إلى الخلاص، فإذا كان بلا سبب أصلاً لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقاً، وسفاهة رأي، ومجرد كفران النعمة، وإخلاص الإىذاء بها وبأهلها وأولاده. وإذا وجدت الحاجة المبيحة وهي أعم من الكبَر والريبة، أبيح الطلاق، وعليها يحمل ما وقع منه ﷺ ومن أصحابه وغيرهم من الأئمة، صوناً لهم من العبث والإيذاء بلا سبب. أثر مخالفة هذا القيد: إذا حدث الطلاق من غير حاجة أو سبب يدعو إليه، فإنه يقع بالاتفاق، ولكن المطلِّق يأثم؛ لأن الحاجة قد تكون تقديرية، أو نفسية خفية لا تخضع للإثبات الظاهر في القضاء، وقد تكون مما يجب ستره، حفظاً لسمعة المرأة ومنعاً من التشهير بها. لهذا كان الأصح ألا يحكم على الرجل بتعويض مادي للمطلقة، بسبب كون الطلاق تعسفاً، ويكتفى بما يقرره الشرع بدفع مؤخر الصداق، ونفقة العدة، والمتعة التي هي تعويض عن الضرر الناجم عن الطلاق. ثانياً - أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه: هذا القيد متفق عليه بين الفقهاء (١)، فإذا أوقع الزوج الطلاق في حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه، كان الطلاق عند الجمهور حراماَ شرعاً وعند الحنفية مكروهاً تحريمياً، وهو المسمى طلاقاً بدعياً، واقتصر المالكية على القول بتحريم الطلاق في الحيض أو النفاس، ويكره في غيرهما. ودليل هذا القيد: أن ابن عمر طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فقال: «مُرْه،

стр. 6699

فليراجعها أو ليطلّقْها طاهراً أو حاملاً» (١). وفي رواية عنه: «أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فتغيَّظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: ليراجعْها، ثم يمسكْها حتى تطهُر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها، فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله تعالى». وفي لفظ: «فتلك العدة التي أمر الله أن يُطلَّق لها النساء» فهو يدل على أن الطلاق جائز حال الطهر الذي لم يجامع فيه. وهذا متفق مع الآية القرآنية: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] أي مستقبلات عدتهن. والسبب هو عدم إطالة العدة على المرأة، ففي الطلاق في أثناء الحيض أو في طهر جامعها فيه ضرر بالمرأة بتطويل العدة عليها؛ لأن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحتسب من العدة، وزمان الحيض زمان النفرة، وبالجماع مرة في الطهر تفتر الرغبة. وبه يتبين أن الطلاق البدعي يكون للمرأة التي دخل بها زوجها، وكانت ممن تحيض، أما التي لم يدخل بها الزوج أو كانت حاملاً أو لا تحيض، فلا يكون طلاقها بدعياً قبيحاً شرعاً، قال ابن عباس: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام، فأما اللذان هما حلال: فأن يطلق الرجل امرأته طاهراً من غير جماع، أو يطلقها حاملاً مستبيناً حملها، وأما اللذان هما حرام: فأن يطلقها حائضاً أو يطلقها عند الجماع، لا يدري، اشتمل الرحم على ولد أم لا (٢). أثر مخالفة هذا القيد: يقع الطلاق باتفاق المذاهب الأربعة في حال الحيض أو في حال الطهر الذي جامع الرجل امرأته فيه؛ لأن النبي ﷺ أمر ابن عمر بمراجعة

стр. 6700

امرأته التي طلقها، وهي حائض، والمراجعة لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق، ويؤيده رواية: «وكان عبد الله طلَّق تطليقة، فحسبت من طلاقها». وقال الشيعة الإمامية والظاهرية وابن تيمية وابن القيم (١): يحرم الطلاق في أثناء الحيض أو النفاس أو في طهر وطئ الرجل زوجته فيه، ولا ينفذ هذا الطلاق البدعي، بدليل ما يأتي: ١ - ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عمر بلفظ: «طلق عبد الله ابن عمر امرأته وهي حائض، قال عبد الله: فردها علي رسول الله ﷺ ولم يرها شيئاً». وهذا الحديث صحيح كما صرح به ابن القيم وغيره. ونوقش بأنه قد أعل هذا الحديث بمخالفة أبي الزبير لسائر الحفاظ، وقال ابن عبد البر: قوله «ولم يرها شيئاً»: منكر لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه، ولو صح فمعناه عندي - والله أعلم - ولم يرها شيئاً مستقيماً، لكونها لم تكن على السنة. وقال الخطابي: وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئاً تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئاً جائزاً في السنة. ٢ - حديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) والطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الشارع، فيكون مردوداً لا أثر له. ونوقش بأن المردود هو بسبب مخالفة ركن أو شرط من أركان أو شروط العمل. وأما المخالفة بسبب تطويل العدة أو عدم وجود الحاجة إلى الطلاق، فليس أحدهما ركناً أو شرطاً للطلاق، فلا تستوجب الرد وعدم وقوع الطلاق.

стр. 6701

٣ - هذا الطلاق منهي عنه شرعاً غير مأذون فيه، فلا يكون مملوكاً للزوج كالوكيل بالطلاق إذا خالف أمر الموكل، فإن طلاقه لا يقع، والمنهي عنه لذاته أو لجزئه أو لوصفه اللازم يقتضي الفساد، والفاسد لا يثبت حكمه. وأجيب بأن النهي عن الطلاق في الحيض ونحوه ليس راجعاً إلى نفس الطلاق، ولا إلى صفة من صفاته، وإنما هو راجع إلى أمر خارج عن المنهي عنه، وهو عدم الحاجة إلى الطلاق، أو ما يترتب عليه من إيذاء الزوجة بإطالة العدة، والنهي لأمر خارج عن المنهي عنه لا يدل على فساده إذا وقع، كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة. والقياس على الوكيل قياس مع الفارق؛ لأن الوكيل في الطلاق مجرد سفير ومعبر عن الموكل، فلا يملك غير ما فوض إليه، أما الزوج فلا يوقع الطلاق نيابة عن غيره ولا عن الله ، وإنما يوقعه عن نفسه. ٤ - هناك مرجحات لهذا الرأي بعدم الوقوع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] والمطلق في حال الحيض أو الطهر الذي وطئ فيه، لم يطلق لتلك العدة التي أمر الله بتطليق النساء لها، وقد تقرر في الأصول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. ومنها قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] ولم يرد إلا المأذون، فدل على أن ما عداه ليس بطلاق، لما في هذا التركيب من الصيغة الصالحة للحصر أي تعريف المسند إليه باللام الجنسية. ومنها قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] ولا أقبح من التسريح الذي حرمه الله. وأقول: إن هذه إرشادات لما هو الأفضل، وليس فيها دلالة على عدم وقوع الطلاق، بل المقرر في السنة وقوع الطلاق، مع مخالفة هذه الإرشادات.

стр. 6702

وفي تقديري أن رأي الجمهور أرجح، لضعف أدلة الفريق الثاني، وقد اتفق الجمهور على أن الزوج يؤمر بمراجعة الزوجة إن طلق في الحيض أو في طهر جامعها فيه، وهذه المراجعة واجبة عند المالكية، وفي الأصح عند الحنفية، وإذا امتنع الزوج عن المراجعة أجبره الحاكم في رأي المالكية عليها بالحبس أو بالضرب حتى يراجع، فإن لم يراجعها ارتجعها الحاكم عليه. ولا يقول الحنفية بصحة الرجعة من الحاكم، وإنما للحاكم معاقبة الزوج إن لم يرتجع بما يراه زاجراً؛ لأن كل معصية لا حد ولا كفارة فيها، فالواجب فيها التعزير. وتستحب المراجعة عند الشافعية والحنابلة، ولا تجب؛ لأن الزوج بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق، ولأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة، فلم تجب عليه الرجعة فيه. ثالثاً - أن يكون الطلاق مفرقاً ليس بأكثر من واحدة: اتفق الفقهاء (١) على أن الطلاق السني المشروع هو الواقع بالترتيب مفرقاً، الواحد بعد الآخر، لا بإيقاع الثلاث دفعة واحدة، لظاهر قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] أي أن الطلاق المباح ما كان مرة بعد مرة، فإذا جمع الرجل الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، أو بألفاظ متفرقة في طهر واحد، يكون بدعياً محظوراً في قول الحنفية والمالكية وابن تيمية وابن القيم. ولا يحرم ولا يكره عند الشافعية والحنابلة في الراجح من الروايات، وكذا عند أبي ثور وداود الظاهري، وإنما يكون تاركاً للاختيار والفضيلة.

стр. 6703

ويؤيد الرأي الأول ما رواه النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: «أيلعب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم، حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، ألا أقتله» (١) ويؤكده ما سبق معرفته عند جمهور الفقهاء أن الأصل في الطلاق الحظر، ولكنه أبيح للحاجة الاستثنائية لتنافر الطباع وتباين الأخلاق أو لغيرها من الأسباب، وتتحقق الحاجة بالطلقة الواحدة، ويتمكن بعدها من مراجعة زوجته عند الندم، وهو الغالب. أثر مخالفة هذا القيد: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة أو بكلمات في طهر واحد، يكون آثماً مستحقاً لعقوبة يراها القاضي، لكن الطلاق يقع ثلاثاً في المذاهب الأربعة. أقوال الفقهاء في الطلاق الثلاث بلفظ واحد: للفقهاء آراء ثلاثة في جمع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة وهي (٢): الأول - قول الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة والظاهرية: يقع به ثلاث طلقات، وهو منقول عن أكثر الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون غير أبي بكر، والعبادلة الأربعة (ابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وابن مسعود) وأبو هريرة وغيرهم، ومنقول عن أكثر التابعين، لكن لا يسن أن يطلق الرجل أكثر من واحدة

стр. 6704

عند الحنفية والمالكية كما تقدم؛ لأن طلاق السنة: هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها. الثاني - قول الشيعة الإمامية: لا يقع به شيء. الثالث - قول الزيدية وبعض الظاهرية وابن إسحاق وابن تيمية وابن القيم: يقع به واحدة، ولا تأثير للفظ فيه. وأخذ القانون في مصر وسورية بهذ الرأي، نص القانون السوري على ما يلي: (م ٩١) - يملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات. (م ٩٢) - الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحداً. وقد عدلت لجنة الإفتاء بالرياض عن هذا القول واختارت بالأكثرية القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً (١). أدلة هذه الأقوال: أما أدلة الإمامية القائلين بأنه لا يقع شيء: فهي الأدلة نفسها التي استدلوا بها على عدم وقوع الطلاق في الحيض، لأن كلاً منهما غير مشروع. وكذلك قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] يدل على أن شرط وقوع الطلقة الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك. وإذا لم يصح الإمساك إلا بعد المراجعة، لم تصح الثالثة إلا بعدها لما ذكر، وإذا لزم في الثالثة لزم في الثانية.

стр. 6705

وأما أدلة الزيدية وابن تيمية وابن القيم القائلين بوقوع طلاق واحد، فهي ما يأتي: ١ - آية ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] إلى قوله تعالى في الطلقة الثالثة: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] أي أن المشروع تفريق الطلاق مرة بعد مرة، لأنه تعالى قال: ﴿مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] ولم يقل «طلقتان». وليس مشروعاً كون الطلاق كله دفعة واحدة، فإذا جمع الطلاق الثلاث في لفظ واحد، لا يقع إلا واحدة، والمطلّق بلفظ الثلاث مطلق بواحدة، لا مطلق ثلاث. ويرد عليه بأن الآية ترشد إلى الطلاق المشرو ع أو المباح، وليس فيها دلالة على وقوع الطلاق وعدم وقوعه إذا لم يكن مفرقاً، فيكون المرجع إلى السنة، والسنة بينت أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً. ومما جاء في السنة في قصة ابن عمر الذي طلق امرأته في أثناء الحيض: أنه قال: «يا رسول الله، أرأيت لو طلقتُها ثلاثاً، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية» (١). ٢ - حديث ابن عباس قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليه، فأمضاه عليهم» (٢) فهو واضح الدلالة على جعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وعلى أنه لم

стр. 6706

ينسخ لاستمرار العمل به في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ولأن عمر أمضاه من باب المصلحة والسياسة الشرعية. وأجيب عنه بأنه محمول على صورة تكرير لفظ الطلاق ثلاث مرات، بأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) فإنه يلزمه واحدة إذا قصد التوكيد، وثلاث إذا قصد تكرير الإيقاع، فكان الناس على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار، لم يظهر فيهم خب ولا خداع، وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد، فلما رأى عمر في زمانه أموراً ظهرت، وأحوالاً تغيرت، وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل، ألزمهم الثلاث في صورة التكرير، إذ صار الغالب عليهم قصدها، وقد أشار إليه بقوله: «إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة». ثم إن هذا الحكم إنما هو في القضاء، أما في الديانة فإن كل واحد يعامل فيها بنيته. ومخالفة عمر لما مضى لا شيء فيها؛ لأنها ترجع إلى تغير الحكم بسبب تغير العرف وحال الناس. والحق أن في هذا الحديث نظراً. ٣ - حديث ابن عباس عن رُكانة: «أنه طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله النبي ﷺ ، كيف طلقتها؟ فقال: ثلاثاً في مجلس واحد، فقال له ﷺ : إنما تلك واحدة فارتجعها» (١). وأجيب عنه بأجوبة: منها - أن في إسناده محمد بن إسحاق، ورد بأنهم قد احتجوا في غير واحد من الأحكام مثل هذا الإسناد.

стр. 6707

ومنها - معارضته لفتوى ابن عباس، فإنه كان يفتي من سأله عن حكم الطلاق بلفظ الثلاث بأنه يقع ثلاثاً. ورد بأن المعتبر روايته لا رأيه. ومنها - أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما تقدم لدينا. ويمكن أن يكون من روى «ثلاثاً» حمل «البتة» على معنى الثلاث، وفيه مخالفة للظاهر، والحديث نص في محل النزاع. أدلة الجمهور القائلين بوقوع ثلاث طلقات: استدل فقهاء المذاهب الأربعة وموافقوهم على وقوع ثلاث طلقات بما يأتي من الكتاب والسنة والإجماع والآثار والقياس: ١ - الكتاب: منه قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] فهو يدل على وقوع الثلاث معاً مع كونه منهياً عنه؛ لأن قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] تنبيه إلى الحكمة من التفريق، ليتمكن من المراجعة، فإذا خالف الرجل الحكمة، وطلق اثنتين معاً، صح وقوعهما إذ لا تفريق بينهما، ثم إن قوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعْدُ حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] يدل على تحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين، ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار. ومنه ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] إلى قوله تعالى: ﴿وتلك حدود الله، ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] والطلاق المشروع ما يعقبه عدة، وهو منتف في إيقاع الثلاث في العدة، وفيها دلالة على وقوع الطلاق لغير العدة، إذ لو لم يقع لم يكن ظالماً لنفسه بإيقاعه لغير العدة، ومن لم يطلق للعدة بأن طلق ثلاثاً مثلاً، فقد ظلم نفسه.

стр. 6708

ومنه آية ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ [البقرة:٢٤١/ ٢] وغيرها من آيات الطلاق. تدل ظواهر هذه الآيات على ألا فرق بين إيقاع الطلقة الواحدة والثنتين والثلاث. وأجيب: بأن هذه عمومات مخصصة، وإطلاقات مقيدة بما ثبت من الأدلة الدالة على المنع من وقوع ما فوق الطلقة الواحدة. ٢ - السنة: منها حديث سهل بن سعد في الصحيحين في قصة لعان عويمر العجلاني، وفيه: «فلما فرغا قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلَّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ » ولم ينقل إنكار النبي ﷺ . وأجيب: إنما لم ينكره عليه؛ لأنه لم يصادف محلاً مملوكاً له ولا نفوذاً. ومنها - حديث محمود بن لبيد عند النسائي السابق، وفيه أن النبي ﷺ غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: «أيلعب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟» هذا يدل على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يكون ثلاثاً، ويلزم المطلّق بها، وإن كان عاصياً في إيقاع الطلاق بدليل غضب النبي ﵊. وأجيب بأنه حديث مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله ﷺ ، وإن كانت ولادته في عهده ﵇. وهذا مردود؛ لأن مرسل الصحابي مقبول. ومنها - حديث ركانة بن عبد يزيد المتقدم أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي ﷺ ، وقال: والله ما أردتُ إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : «والله ما أردتَ إلا واحدة؟» قال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ (١).

стр. 6709

وهو من أصرح الأدلة وأوضحها على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، لقول ركانة واستحلاف النبي له على أنه لم يرد بلفظ (البتة) إلا واحدة، فهو يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعت. ونوقش الحديث بأنه حديث ضعَّف الإمام أحمد جميع طرقه، كما ذكر المنذري، وكذلك ضعفه البخاري، وأن قصة ركانة أنه طلقها البتة لا ثلاثاً. ومنها - ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث عبادة بن الصامت قال: «طلَّق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون، فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له» وأجيب بأن راويه ضعيف، وبأن والد عبادة بن الصامت لم يدرك الإسلام، فكيف بجدِّه؟ ٣ - الإجماع: أجمع السلف على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً. وممن حكى الإجماع على لزوم الثلاث في الطلاق بكلمة واحدة: أبو بكر الرازي والباجي وابن العربي وابن رجب. وأجيب بأنه لم يثبت الإجماع، فقد روى أبو داود عن ابن عباس أنه يجعل الثلاث واحدة، وبأن طاوساً وعطاء قالا: «إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فهي واحدة». ٤ - الآثار: نقل عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم أوقعوا الطلاق الثلاث ثلاثاً، منها ما روى أبو داود عن مجاهد، قال: «كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه ردها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، وإن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥]، وإنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك».

стр. 6710

ومنها - ما روى مالك في الموطأ أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت امرأتي ثماني تطليقات، فقال: ما قيل لك؟ فقال: قيل لي: بانت منك، قال: هو مثل ما يقولون. ومنها - ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: «أن رجلاً جاء إلى عثمان بن عفان، فقال: إني طلقت امرأتي مئة، فقال: ثلاث تحرمها عليك، وسبع وتسعون عدوان». وروى أيضاً: «أن رجلاً جاء إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً، فقال: بانت منك بثلاث». وثبت مثله عن صحابة آخرين، وعن التابعين ومن بعدهم. ٥ - القياس: قال ابن قدامة (١): إن النكاح ملك يصح إزالته متفرقاً، فصح مجتمعاً كسائر الأملاك. وناقشه ابن القيم بأن المُطلّق إذا جمع ما أمر بتفريقه، فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه. وقال القرطبي (٢): وحجة الجمهور من جهة اللزوم ظاهرة جداً: وهو أن المطلقة ثلاثاً لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجاً غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعاً. ونوقش بأن من قال: (أحلف بالله ثلاثاً) لا يعد حلفه إلا يميناً واحدة، فليكن المطلق مثله. ورد عليه باختلاف الصيغتين، فإن عدد الطلاق ثلاث، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه، فافترقا. والذي يظهر لي رجحان رأي الجمهور: وهو وقوع الطلاق ثلاثاً إذا طلق

стр. 6711

الرجل امرأته دفعة واحدة، لكن إذا رجح الحاكم رأياً ضعيفاً صار هو الحكم الأقوى، فإن صدر قانون، كما هو الشأن في بعض البلاد العربية بجعل هذا الطلاق واحدة، فلا مانع من اعتماده والإفتاء به، تيسيراً على الناس، وصوناً للرابطة الزوجية، وحماية لمصلحة الأولاد، خصوصاً ونحن في وقت قل فيه الورع والاحتياط، وتهاون الناس في التلفظ بهذه الصيغة من الطلاق، وهم يقصدون غالباً التهديد والزجر، ويعلمون أن في الفقه منفذاً للحل، ومراجعة الزوجة. المبحث الرابع - التوكيل في الطلاق وتفويضه: يرتبط هذا البحث بنوعي الطلاق: الصريح والكناية؛ لأن تفويض الطلاق للزوجة أو غيرها إما أن يكون صريحاً وهو قول الرجل: طلقي نفسك، أو كناية وهو قوله: اختاري نفسك أو أمرك بيدك (١). والرجل كما يملك الطلاق بنفسه يملك إنابة غيره فيه، ويجوز تفويض الطلاق للزوجة بالإجماع؛ لأنه ﷺ خيَّر نساءه بين المقام معه وبين مفارقته، لما نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً﴾ [الأحزاب:٢٨/ ٣٣] فلو لم يكن لاختيارهن الفرقة أثر، لم يكن لتخييرهن معنى. النيابة في الطلاق في المذاهب: لفقهاء المذاهب اصطلاحات في إنابة الزوج غيره في الطلاق وهي ما يأتي:

стр. 6712

مذهب الحنفية (١): إيقاع الطلاق من غير الزوج بإذنه: إما تفويض أو توكيل أو رسالة. و التوكيل: إنابة الزوج عنه غير الزوجة بتطليق امرأته، كأن يقول له: وكلتك في طلاق زوجتي، فإذا قبل الوكيل الوكالة ثم قال لزوجة موكله: أنت طالق، وقع الطلاق. و التفويض: جعل الأمر باليد أو تمليك الطلاق لزوجته بطلاق نفسها منه، أو تعليق الطلاق على مشيئة شخص أجنبي، كأن يقول له: طلق زوجتي إن شئت. و الرسالة: نقل كلام المرسل، كأن يقول الزوج لرجل: اذهب إلى فلانة، وقل لها: إن زوجك يقول لك: اختاري (٢). أو أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان، فيذهب الرسول إليها، ويبلغها الرسالة على وجهها، فيقع عليها الطلاق. فالرسول معبر وسفير وناقل كلام المرسل لا غير. وألفاظ التفويض ثلاثة: أمر بيد، وتخيير، ومشيئة، وكل منها يفيد تمليك الطلاق من المرأة وتخييرها بين أن تختار نفسها أو زوجها. والأمر باليد: أن يقول لها: أمرك بيدك، فيصير الأمر بيدها في الطلاق؛ لأنه جعل الأمر بيدها في الطلاق، وهو أهل لذاك، والمحل قابل للجعل. ويصير الأمر بيدها بشرطين: أحدهما - نية الزوج الطلاق؛ لأنه من كنايات الطلاق، فلا يصح من غير نية الطلاق.

стр. 6713

والثاني - علم المرأة بجعل الأمر بيدها، فلا يصير الأمر بيدها ما لم تسمع أو يبلغها الخبر؛ لأن معنى هذا التفويض ثبوت الخيار لها بين الطلاق أو الزوج. و التخيير: أن يقول الزوج لامرأته: اختاري، وهو لا يختلف عن الأمر باليد إلا في شيئين: أحدهما - أن الزوج إذا نوى الطلاق الثلاث في قوله (أمرك بيدك) يصح، وأما في قوله (اختاري) فلا يصح نية الثلاثة. والثاني - أن في قوله (اختاري) لا بد من ذكر النفس إما في كلام الزوج أو في جواب المرأة، بأن يقول لها: اختاري نفسك، فتقول: اخترت، أو يقول لها: اختاري، فتقول: اخترت نفسي. أو ذكر الطلاق في كلام الزوج أو في كلام المرأة، بأن يقول لها: اختاري، فتقول: اخترت الطلاق. أو ذكر ما يدل على الطلاق: وهو تكرار التخيير من الزوج، بأن يقول لها: اختاري اختاري. أو ذكر (الاختيارة) في كلام الزوج أو في كلام المرأة، بأن يقول لها الزوج: اختاري اختيارة، فتقول المرأة: اخترت اختيارة. و المشيئة: أن يقول الرجل: أنت طالق إن شئت، وهو مثل قول: اختاري؛ لأن كل واحد منهما تمليك الطلاق، إلا أن الطلاق ههنا رجعي، وهناك بائن؛ لأن المفوَّض ههنا صريح، وهناك كناية. وأما قوله (طلقي نفسك) فهو تمليك عندهم، سواء قيده بالمشيئة أم لا، ويقتصر أثره على المجلس، كقوله: أنت طالق إن شئت.

стр. 6714

و ذهب المالكية (١) إلى أن التفويض (وهو إنابة الزوج غيره في الطلاق) يتنوع إلى ثلاثة أنواع: توكيل وتخيير وتمليك. والتوكيل: هو جعل الزوج حق إنشاء الطلاق لغيره: زوجة أو غيرها، مع بقاء الحق له في منع الوكيل من إيقاع الطلاق. فإذا وكل الرجل المرأة على طلاقها، فلها أن تفعل ما وكلها عليه من طلقة واحدة، أو أكثر، وله أن يعزلها ما لم تفعل الموكل فيه إلا لتعلق حقها بالوكالة كما سأبين قريباً. وهو بخلاف التمليك والتخيير، ليس له عزلها؛ لأن فيهما قد جعل لها ما كان يملكه ملكاً لها، أما التوكيل فإنه جعلها نائبة عنه في إيقاع الطلاق. والتمليك: هو أن يملِّك الرجل المرأة أمر نفسها، كأن يقول لها: جعلت أمرك أو طلاقك بيدك، وليس له أن يعزلها عنه. ولها أن تفعل ما جعل بيدها من طلقة واحدة أو أكثر. ويظهر قبولها للتمليك بالقول أو بالفعل. أما القول: فهو أن توقع الطلاق بلفظها. وأما الفعل: فهو أن تفعل ما يدل على الفراق، مثل نقل أثاثها أو غيره. وكل من التمليك والتخيير لا يتقيد في المجلس الذي صدر فيه، وفي كل منها لا يملك الرجل الرجوع عما منح المرأة. والتخيير: هو أن يخيرها بين البقاء معه أو الفراق، بأن يقول لها: اختاريني أو اختاري نفسك. فلها أن تفعل من الأمرين ما أحبت. فإن اختارت الفراق، كان طلاقها بالثلاث. وإن أرادت طلقة أو اثنتين لم يكن لها، إلا أن يخيرها في طلقة واحدة أو طلقتين معاً، فتوقعها، وليس له عزلها. ويصح التفويض بأنواعه الثلاثة لغير الزوجة بشرط كونه حاضراً في البلد أو قريب الغيبة كاليومين وإلا انتقل

стр. 6715

التفويض للزوجة على الراجح، وإن فوض الزوج لأكثر من واحد، لم تطلق إلا باجتماعهما أي الاثنين أو باجتماعهم إن زادوا على اثنين. والفرق بين التمليك والتخيير: أن المرأة في التمليك يكون لها القضاء بما قضت إلا أن ينكر عليها الزوج، فيقول: لم أرد إلا طلقة واحدة، فيحلف على ذلك. وأما في التخيير فلا يكون الطلاق إلا ثلاثاً في المدخول بها؛ لأنه خيَّرها بين البقاء معه في العصمة أو الخروج عنها، فإن اختارت أقل من ذلك لم يقع شيء. أما غير المدخول بها فهي كالمملَّكة، لها أن تطلق نفسها بما دون الثلاث؛ لأنها تبين منه بذلك. و رأى الشافعية (١): أن تفويض الطلاق تمليك له في المذهب الجديد، فيشترط لوقوعه تطليقها نفسهاعلى الفور، وإذا ملكت المرأة نفسها، فلا رجعة عليها. والتفويض: إما صريح مثل طلقي نفسك، أو كناية مثل: أبيني نفسك، اختاري نفسك، ونوى، فقالت: طلقت، وقع الطلاق؛ لأنها فوضت الطلاق، وقد فعلته في الحالين. ولو قال لها: طلقي نفسك ونوى ثلاثاً، فقالت: طلقت ونوتهن، وقد علمت نيته أو وقع العلم بنيته صدفة، فتقع الثلاث؛ لأن اللفظ يحتمل العدد، فإن لم ينوياه فتقع واحدة في الأصح؛ لأن صريح الطلاق كناية في العدد. ولو قال: طلقي نفسك ثلاثاً، فوحدت أي طلقت نفسها واحدة، أو عكسه، كقوله: طلقي نفسك واحدة، فثلثت أي طلقت نفسها ثلاثاً، تقع واحدة.

стр. 6716

و قال الحنابلة (١): من صح طلاقه صح توكيله، فإن وكل الزوج المرأة في الطلاق، صح توكيلها، وطلاقها لنفسها؛ لأنه يصح توكيلها في طلاق غيرها، فكذا في طلاق نفسها. وللوكيل أن يطلق متى شاء، إلا أن يحد له الموكل حداً كاليوم أو نحوه، فلا يملك الطلاق في غيره. ولا يطلق الوكيل أكثر من واحدة؛ إلا أن يجعل الموكل إليه أن يطلق أكثر من واحدة بلفظة أو نية، فلو وكله في ثلاث، فطلق واحدة، وقعت. ولو وكله في طلقة واحدة، فطلق ثلاثاً، طلقت واحدة، عملاً بالمأذون فيه. وإن خير الموكل الوكيل بأن قال له: طلق ما شئت من ثلاث، ملك اثنتين فأقل؛ لأن لفظه يقتضي ذلك؛ لأن (من) للتبعيض، وكذا لو خيَّر زوجته، فقال لها: اختاري من ثلاث ما شئت، لم يكن لها أن تختار أكثر من اثنتين. وإن قال لامرأته: طلقي نفسك، فلها الطلاق كالوكيل. وإن قال لها: (أنت طالق إن شئت) ونحوها من أدوات الشرط، لم تطلق حتى تشاء، وتنطق بالمشيئة بلسانها، فتقول: قد شئت؛ لأن ما في القلب لا يعلم حتى يعبر عنه اللسان، فتعلق الحكم بما يتعلق به دون ما في القلب، فلو شاءت بقلبها دون نطقها، لم يقع طلاق. وكذلك إن علق الطلاق بمشيئة غيرها، فمتى وجدت المشيئة باللسان، وقع الطلاق، سواء أكان على الفور أم على التراخي. وذلك خلافاً للشافعية الذين اشترطوا إعلان المشيئة في الحال؛ لأن هذا تمليك للطلاق، فكان على الفور كقوله (اختاري)، كما تقدم. ورد الحنابلة بأن هذا تعليق للطلاق على شرط، فكان على التراخي كسائر التعليق، ولأنه إزالة ملك معلق على المشيئة، فكان على التراخي

стр. 6717

كالعتق. وهو بخلاف كلمة (اختاري) فإنه ليس بشرط، إنما هو تخيير، فتقيد بالمجلس كخيار المجلس. حكم الوكيل بالطلاق: قرر الحنفية أن الوكيل بالطلاق مقيد بالعمل برأي الموكل، فإذا تجاوزه لم ينفذ تصرفه إلا بإجازة الموكل. وللوكيل أن يطلق متى شاء ما لم يقيده الموكل بزمن معين، وللموكل أن يعزل الوكيل متى شاء. لكن الوكيل بالطلاق مجرد سفير ومعبر عن الموكل كالوكيل في الزواج، فلا يطالب بشيء من حقوق الطلاق، كدفع مؤخر المهر أو المتعة أو نفقة العدة، وإنما يطالب بها الزوج نفسه. ويرى المالكية (١): أن الموكل لا يملك عزل الوكيل بالطلاق إذا تعلق حق الزوجة بتلك الوكالة، كماإذا قال الرجل لزوجته: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك، فليس له عزلها عن الوكالة لتعلق حقها بالتوكيل؛ لأن رفع الضرر عنها قد تعلق بالتوكيل، فليس له عزلها عنه. صفة حكم التفويض بالطلاق للزوجة أو غيرها: يرى الحنفية (٢): أن التفويض لازم من جانب الزوج، فلا يملك الرجوع عنه ولا منع المرأة مما جعل إليها، ولا فسخه؛ لأنه ملَّكها الطلاق، ومن ملَّك غيره شيئاً، فقد زالت ولايته من الملك، فلا يملك إبطاله بالرجوع والمنع والفسخ، ولأن التفويض تعليق للطلاق من جانب الزوج على مشيئة الزوجة أو غيرها، والتعليق يمين، والأيمان بعد صدورها لا يمكن الرجوع فيها كما ذكرت سابقاً.

стр. 6718

وأما التفويض من جانب المرأة: فهو غير لازم في حق المرأة، فتملك رده صراحة أو دلالة؛ لأن جعل الأمر بيدها تخيير لها بين أن تختار نفسها وبين أن تختار زوجها، والتخيير ينافي اللزوم. لكن ليس لها أن تختار إلا مرة واحدة؛ لأن قول الرجل لها: (أمرك بيدك) لا يقتضي التكرار إلا إذا قرن به ما يقتضي التكرار، بأن قال: أمرك بيدك كلما شئت، فيصير الأمر بيدها فيما ذكر وغيره، ولها أن تطلق نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة، حتى تبين بثلاث؛ لأن كلمة (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، فيقتضي تكرار التمليك عند تكرار المشيئة، إلا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلا تطليقة واحدة؛ لأن تفويضه الطلاق لها يقتضي حصره في كل مجلس مرة. زمن التفويض بالنسبة للمرأة: أضاف الحنفية (١): إما أن يكون التفويض مطلقاً عن التقييد بزمن معين، مثل: اختاري نفسك أو طلقي نفسك، أو يكون مقيداً بزمن معين، مثل: اختاري نفسك أو أمرك بيدك مدة شهر أو يكون مفيداً التكرار في جميع الأزمان، مثل طلقي نفسك متى شئت. خيار المخيَّرة: أـ إن كان التفويض مطلقاً: فحق الطلاق مقيد في مجلس علم المرأة بالتفويض، فما دامت في مجلسها، فالأمر بيدها؛ لأن جعل الأمر بيدها تمليك الطلاق منها، وجواب التمليك مقيد بالمجلس، فإن تغير المجلس أو ظهر ما يدل على الإعراض عن مقتضى التفويض، سقط حقها. وقد اتفق الشافعية والحنابلة كما تقدم مع الحنفية في هذا؛ لأن الصحابة ﵃ جعلوا

стр. 6719

للمخيَّرة الخيار ما دامت في المجلس. ولا يتغير المجلس بالقيام أو القعود، والقعود في البيت والركوب في السفينة لا يغير حكم المجلس أثناء المشي، لكن السير على الدابة يغير حكم المجلس؛ لأن السفينة لا يستطيع الراكب إيقافها، أما الدابة فيستطيع إيقافها، فإن سارت بطل خيارها. و ذهب المالكية (١): إلى أنه يثبت الخيار للزوجة أبداً إلى أن يعلم أنها أسقطته، بتمكين الزوج من نفسها، فإن لم تجب بشيء رفع الزوج الأمر إلى القاضي ليأمرها بإيقاع الطلاق أو إسقاط التمليك، فإن أبت أسقطه القاضي، ولا يمهلها وإن رضي الزوج بالإمهال لحق الله تعالى، لما فيه من البقاء على عصمة مشكوكة. ب - وإن كان التفويض مقيداً بزمن معين كيوم أو شهر أو سنة: ثبت حق الطلاق للمفوض إليه في الوقت المخصص إلى نهايته؛ لأنه فوض الأمر إلى زوجته مثلاً في جميع الوقت المذكور، فيبقى ما بقي الوقت. ولو اختارت نفسها في الوقت المحدد مرة، ليس لها أن تختار مرة أخرى؛ لأن اللفظ يقتضي التحديد بالوقت، ولا يقتضي التكرار. وإن أضيف التفويض إلى وقت في المستقبل بأن قال: أمرك بيدك غداً، أو رأس شهر كذا، فلا يصير الأمر بيدها إلا بمجيء الوقت المخصص. وإن علَّق التفويض بشرط، بأن قال: إذا قدم فلان، فأمرك بيدك، فلا يصير الأمر بيدها إلا بقدومه، فإن قدم فالأمر بيدها إذا علمت في مجلسها الذي يقدم فيه فلان؛ لأن المعلق بشرط كالمنجز عند الشرط، فيصير قائلاً عند القدوم: أمرك بيدك، وتملك

стр. 6720

الطلاق في مجلس علمها بالقدوم. فلو لم تعلم بقدومه حتى مضى الوقت المخصص، ثم علمت، فلا خيار لها بهذا التفويض أبداً؛ لأنها مقيدة بمدة، وقد انتهت، فلا خيار لها بعد فوات زمنه. جـ - وإن كان التفويض بما يقتضي التكرار، بأن قال لها: أمرك بيدك كلما شئت، أو طلقي نفسك متى شئت، فلها أن تطلق نفسها في أي وقت تشاء، سواء في مجلس التخيير أو بعده، لكنها في قوله: (إذا، ومتى) لا تملك أن تختار إلا مرة واحدة، فإذا طلقت نفسهامرة انتهى التفويض؛ لأن (إذا ومتى) لا تفيد التكرار. أما إن قال (كلما) فلها أن تطلق نفسها أكثر من مرة إلى ثلاث؛ لأن (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، فيتكرر التفويض عند تكرار المشيئة. عدد الطلاق الواقع بألفاظ التفويض ونوعه: ذهب الحنفية (١): إلى أنه لا تملك المرأة إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة بقوله لها: طلقي نفسك، أو كلما شئت؛ لأنه فوض إليها الصريح حيث نص عليه، وكلمة (كلما) تقتضي تكرار الأفعال، وهي هنا المشيئة، وإيقاع الثلاث دفعة واحدة لا تكرار فيه، فلا يقع بها شيء في قوله (كلما) عند أبي حنيفة، وتقع طلقة واحدة عند الصاحبين. ولو قال الزوج للمرأة: أمرك بيدك، ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثاً، كان ثلاثاً؛ لأنه جعل أمرها بيدها مطلقاً، فيحتمل الواحد ويحتمل الثلاث، فإن نوى الثلاث، فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر، فصحت نيته. وإن نوى اثنتين، فهي واحدة عند أئمة الحنفية ما عدا زفر.

стр. 6721

وأما نوع الطلاق الواقع: فإن كان التفويض بصريح الطلاق، كان الطلاق رجعياً، فلو قال لها: طلقي نفسك، فقال: طلقت نفسي، وقع الطلاق رجعياً. وكذا لو قال: أمرك بيدك في تطليقة أو اختاري تطليقة، فاختارت نفسها، طلقت واحدة رجعية؛ لتفويضه إليها بالصريح، والمفيد للبينونة إذا قرن بالتصريح، صار رجعياً. وإن كان التفويض بلفظة الاختيار أو الأمر باليد، كان الطلاق بائناً، فلو قال لها: اختاري أو أمرك بيدك، ناوياً الطلاق، ولم ينو الثلاث، فقالت: اخترت نفسي أو طلقت نفسي؛ وقع الطلاق بائناً، وكان طلاقاً واحداً؛ لأن المرأة لا يتم لها الاختيار أو الأمر باليد إلا بالطلاق البائن، فلا تصير مالكة نفسها إلا بالبائن، أما بالطلاق الرجعي فيتمكن الزوج من رجعتها بدون رضاها. و يرى المالكية (١) كما تقدم أن الطلاق الواقع بالتفويض عند اختيار الزوجة أو تطليقها نفسها هو الطلاق الثلاث إذا كان التفويض بالتخيير. أما إذا كان التفويض بالتمليك فإن الواقع هو الطلاق الثلاث، ولكنه يحتمل الواحدة والاثنتين. والفرق أن حالة التخيير تقتضي ألا يكون للزوج سبيل على المرأة إذا اختارت نفسها، وهذا لا يتحقق إلا بوقوع الطلاق الثلاث. وأما في حالة التمليك فقد ملكها ما يملكه، فإذا أوقعت طلقة واحدة أو اثنتين أو الثلاث، كانت عاملة بمقتضى اللفظ. ونظراً لهذا الفرق، قال المالكية: إذا كان التفويض تخييراً، فليس للزوج أن ينازع زوجته (أو يناكرها) إذا أوقعت الثلاث، وأما إذا كان التفويض تمليكاً، فللزوج أن ينازع زوجته، ويدعي أنه أراد واحدة، عندما تطلق نفسها ثلاثاً. ويكون القول قوله مع يمينه.

стр. 6722

بدء التفويض: يصح التفويض عند الحنفية مقارناً لإنشاء عقد الزواج أو بعده أثناء الزوجية، واشترطوا لصحة التفويض المقارن للعقد: أن يكون الإيجاب صادراً من الزوجة أو وكيلها، كأن تقول للرجل: تزوجتك على أن الطلاق بيدي، أو متى شئت أو كلما شئت، ويقبل الرجل التفويض. فإن بدأ الرجل بالإيجاب، فقال للمرأة: تزوجتك على أن أمرك بيدك أو تطلقين نفسك متى شئت، وقبلت المرأة الإيجاب، يصح الزواج، ولا يصح التفويض؛ لأن الزوج في هذه الحالة قد ملّكها تطليق نفسها قبل أن يتم عقد الزواج، ولا يملك الزوج الطلاق قبل تمام الزواج، وليس للشخص أن يملك غيره شيئاً لايملكه هو. وإذا صح التفويض بإيجاب المرأة وقبول الرجل، حين العقد، وكان مطلقاً عن التقييد بزمن معين، كأن تقول له: «تزوجتكَ على أن طلاقي بيدي» فيقول: قبلت، تقيد ملكها الطلاق بمجلس إنشاء العقد، فإذا انتهى مجلس العقد، لم يكن لها الحق في طلاق نفسها بعدئذ. حق الزوج في الطلاق مع التفويض: التفويض بالرغم من أنه تمليك عند الحنفية، فهو يشبه التوكيل، فيبقى للزوج حق إيقاع الطلاق، بعد أن يفوض الطلاق إلى زوجته، كما يحق للموكل التصرف في الأمر الموكل فيه بعد التوكيل.

стр. 6723

الفرق بين التوكيل والتفويض: التوكيل والتفويض وإن كان كل منهما عند الحنفية لا يسلب الزوج حقه في إيقاع الطلاق، إلا أنهم يفرقون بينهما من وجوه (١): ١ - إن التفويض بعد صدوره لا يملك الزوج الرجوع عنه، أما التوكيل فيملك الموكل الرجوع عنه، ما دام الوكيل لم ينفذ ما وكل به. ٢ - يعمل المفوض إليه في التفويض العمل باختياره وبمشيئة نفسه؛ لأن الزوج ملكه هذا الحق، أما في التوكيل فيعمل الوكيل بمشيئة غيره وعلى وفق هذه المشيئة؛ لأن الوكيل يعد ممثلاً الموكل ونائباً عنه، لا مالكاً الحق الموكل فيه. ٣ - يتقيد التفويض المطلق بالمجلس، أما التوكيل فللوكيل بالطلاق أن يطلق في مجلس التوكيل وما بعده إذا كانت الوكالة مطلقة. ٤ - لا يبطل التفويض بجنون الزوج؛ لأنه في معنى التعليق. أما التوكيل فيبطل بجنون الزوج؛ لأن الجنون يخرجه عن الأهلية، وخروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية يبطل الوكالة. المبحث الخامس - أنواع الطلاق وحكم كل نوع: ينقسم الطلاق عدة تقسيمات باعتبارات متنوعة: فهو من حيث الصيغة ينقسم إلى صريح وكناية، وقد بينت ذلك. ومن حيث الرجعة وعدمها ينقسم كل من الصريح والكناية إلى رجعي وبائن.

стр. 6724

ومن حيث الموافقة للسنة ومخالفتها ينقسم إلى سني وبدعي. ومن حيث الزمن المرتبط به ينقسم إلى منجز أو معجل، ومعلق، ومضاف إلى المستقبل. ويلحق بهذا المطلب حكم طلاق المريض مرض الموت. تقسيم الطلاق من حيث السنة والبدعة: ينقسم الطلاق من حيث موافقته السنة ومعارضتها، أي البدعة: إلى سني وبدعي، والسنة: ما أذن الشارع فيه، والبدعة: ما نهى الشرع عنه. وأصل البدعة: الحدث في الشيء بعد الإكمال. والأصل في التقسيم قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] قال ابن مسعود وابن عباس: طاهرات من غير جماع. وحديث ابن عمر المتقدم لما طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ لعمر: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء طلقها طاهراً قبل أن يمسّ». وللفقهاء - مع اتفاقهم على التقسيم - آراء في تحديد الطلاق السني والبدعي، ونوع الحكم في البدعي. فذهب الحنفية (١) إلى أن التقسيم ثلاثي، أي أن الطلاق ثلاثة أنواع: أحسن الطلاق، والطلاق الحسن، والطلاق البدعي.

стр. 6725

أحسن الطلاق: أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة، في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي عدتها؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يستحبون ألا يزيد الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة، فإن هذا أفضل عندهم من أن يطلقها الرجل ثلاثاً عند كل طهر واحدة، ولأنه أبعد من الندامة، لتمكنه من التدارك، وأقل ضرراً بالمرأة. و الطلاق الحسن: هو طلاق السنة: وهوأن يطلق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، في كل طهر تطليقة، يستقبل الطهر استقبالاً، عملاً بأمره ﷺ في حديث ابن عمر المتقدم. و طلاق البدعة: أن يطلقها ثلاثاً أواثنتين بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثاً في طهر واحد؛ لأن الأصل في الطلاق الحظر، لما فيه من قطع الزواج الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية، والإباحة إنما هي للحاجة إلى الخلاص، ولا حاجة إلى الجمع في الثلاث، أو في طهر واحد؛ لأن الحاجة تندفع بالواحدة، وتمام الخلاص في المفرق على الأطهار، والزيادة إسراف، فكان بدعة. فإذا فعل ذلك وقع الطلاق، وبانت المرأة منه، وكان آثماً عاصياً، والطلاق مكروه تحريماً؛ لأن الحظر أو النهي لمعنى في غير الطلاق وهو فوات مصالح الدين والدنيا، مثل البيع وقت النداء لصلاة الجمعة صحيح مكروه لمعنى في غيره، والصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مكروهة لمعنى في غيرها، وكذا إيقاع أكثر من طلقة، إذ لا حاجة إليه. لذا تجب رجعة المطلقة في الحيض أو النفاس، على الأصح رفعاً للمعصية وللأمر السابق: «مره فليراجعها» فإذا طهرت طلقها إن شاء، أوأمسكها. وطلاق السنة: إما من ناحية الوقت أو من ناحية العدد. فالسنة في العدد يستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها. والسنة في الوقت: تثبت في المدخول
следующие страницы →