وأما نوع الطلاق الواقع: فإن كان التفويض بصريح الطلاق، كان الطلاق رجعياً، فلو قال لها: طلقي نفسك، فقال: طلقت نفسي، وقع الطلاق رجعياً. وكذا لو قال: أمرك بيدك في تطليقة أو اختاري تطليقة، فاختارت نفسها، طلقت واحدة رجعية؛ لتفويضه إليها بالصريح، والمفيد للبينونة إذا قرن بالتصريح، صار رجعياً.
وإن كان التفويض بلفظة الاختيار أو الأمر باليد، كان الطلاق بائناً، فلو قال لها: اختاري أو أمرك بيدك، ناوياً الطلاق، ولم ينو الثلاث، فقالت: اخترت نفسي أو طلقت نفسي؛ وقع الطلاق بائناً، وكان طلاقاً واحداً؛ لأن المرأة لا يتم لها الاختيار أو الأمر باليد إلا بالطلاق البائن، فلا تصير مالكة نفسها إلا بالبائن، أما بالطلاق الرجعي فيتمكن الزوج من رجعتها بدون رضاها.
و يرى المالكية (١) كما تقدم أن الطلاق الواقع بالتفويض عند اختيار الزوجة أو تطليقها نفسها هو الطلاق الثلاث إذا كان التفويض بالتخيير. أما إذا كان التفويض بالتمليك فإن الواقع هو الطلاق الثلاث، ولكنه يحتمل الواحدة والاثنتين. والفرق أن حالة التخيير تقتضي ألا يكون للزوج سبيل على المرأة إذا اختارت نفسها، وهذا لا يتحقق إلا بوقوع الطلاق الثلاث. وأما في حالة التمليك فقد ملكها ما يملكه، فإذا أوقعت طلقة واحدة أو اثنتين أو الثلاث، كانت عاملة بمقتضى اللفظ.
ونظراً لهذا الفرق، قال المالكية: إذا كان التفويض تخييراً، فليس للزوج أن ينازع زوجته (أو يناكرها) إذا أوقعت الثلاث، وأما إذا كان التفويض تمليكاً، فللزوج أن ينازع زوجته، ويدعي أنه أراد واحدة، عندما تطلق نفسها ثلاثاً. ويكون القول قوله مع يمينه.
стр. 6722
بدء التفويض:
يصح التفويض عند الحنفية مقارناً لإنشاء عقد الزواج أو بعده أثناء الزوجية، واشترطوا لصحة التفويض المقارن للعقد: أن يكون الإيجاب صادراً من الزوجة أو وكيلها، كأن تقول للرجل: تزوجتك على أن الطلاق بيدي، أو متى شئت أو كلما شئت، ويقبل الرجل التفويض.
فإن بدأ الرجل بالإيجاب، فقال للمرأة: تزوجتك على أن أمرك بيدك أو تطلقين نفسك متى شئت، وقبلت المرأة الإيجاب، يصح الزواج، ولا يصح التفويض؛ لأن الزوج في هذه الحالة قد ملّكها تطليق نفسها قبل أن يتم عقد الزواج، ولا يملك الزوج الطلاق قبل تمام الزواج، وليس للشخص أن يملك غيره شيئاً لايملكه هو.
وإذا صح التفويض بإيجاب المرأة وقبول الرجل، حين العقد، وكان مطلقاً عن التقييد بزمن معين، كأن تقول له: «تزوجتكَ على أن طلاقي بيدي» فيقول: قبلت، تقيد ملكها الطلاق بمجلس إنشاء العقد، فإذا انتهى مجلس العقد، لم يكن لها الحق في طلاق نفسها بعدئذ.
حق الزوج في الطلاق مع التفويض:
التفويض بالرغم من أنه تمليك عند الحنفية، فهو يشبه التوكيل، فيبقى للزوج حق إيقاع الطلاق، بعد أن يفوض الطلاق إلى زوجته، كما يحق للموكل التصرف في الأمر الموكل فيه بعد التوكيل.
стр. 6723
الفرق بين التوكيل والتفويض:
التوكيل والتفويض وإن كان كل منهما عند الحنفية لا يسلب الزوج حقه في إيقاع الطلاق، إلا أنهم يفرقون بينهما من
وجوه (١):
١ - إن التفويض بعد صدوره لا يملك الزوج الرجوع عنه، أما التوكيل فيملك الموكل الرجوع عنه، ما دام الوكيل لم ينفذ ما وكل به.
٢ - يعمل المفوض إليه في التفويض العمل باختياره وبمشيئة نفسه؛ لأن الزوج ملكه هذا الحق، أما في التوكيل فيعمل الوكيل بمشيئة غيره وعلى وفق هذه المشيئة؛ لأن الوكيل يعد ممثلاً الموكل ونائباً عنه، لا مالكاً الحق الموكل فيه.
٣ - يتقيد التفويض المطلق بالمجلس، أما التوكيل فللوكيل بالطلاق أن يطلق في مجلس التوكيل وما بعده إذا كانت الوكالة مطلقة.
٤ - لا يبطل التفويض بجنون الزوج؛ لأنه في معنى التعليق. أما التوكيل فيبطل بجنون الزوج؛ لأن الجنون يخرجه عن الأهلية، وخروج الموكل أو الوكيل عن الأهلية يبطل الوكالة.
المبحث الخامس - أنواع الطلاق وحكم كل نوع:
ينقسم الطلاق عدة تقسيمات باعتبارات متنوعة:
فهو من حيث الصيغة ينقسم إلى صريح وكناية، وقد بينت ذلك.
ومن حيث الرجعة وعدمها ينقسم كل من الصريح والكناية إلى رجعي وبائن.
стр. 6724
ومن حيث الموافقة للسنة ومخالفتها ينقسم إلى سني وبدعي.
ومن حيث الزمن المرتبط به ينقسم إلى منجز أو معجل، ومعلق، ومضاف إلى المستقبل. ويلحق بهذا المطلب حكم طلاق المريض مرض الموت.
تقسيم الطلاق من حيث السنة والبدعة:
ينقسم الطلاق من حيث موافقته السنة ومعارضتها، أي البدعة: إلى سني وبدعي، والسنة: ما أذن الشارع فيه، والبدعة: ما نهى الشرع عنه. وأصل البدعة: الحدث في الشيء بعد الإكمال.
والأصل في التقسيم قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] قال ابن مسعود وابن عباس: طاهرات من غير جماع.
وحديث ابن عمر المتقدم لما طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ لعمر: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء طلقها طاهراً قبل أن يمسّ».
وللفقهاء - مع اتفاقهم على التقسيم - آراء في تحديد الطلاق السني والبدعي، ونوع الحكم في البدعي.
فذهب الحنفية (١) إلى أن التقسيم ثلاثي، أي أن الطلاق ثلاثة أنواع: أحسن الطلاق، والطلاق الحسن، والطلاق البدعي.
стр. 6725
أحسن الطلاق: أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة، في طهر لم يجامعها فيه، ويتركها حتى تنقضي عدتها؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يستحبون ألا يزيد الطلاق على واحدة حتى تنقضي العدة، فإن هذا أفضل عندهم من أن يطلقها الرجل ثلاثاً عند كل طهر واحدة، ولأنه أبعد من الندامة، لتمكنه من التدارك، وأقل ضرراً بالمرأة.
و الطلاق الحسن: هو طلاق السنة: وهوأن يطلق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، في كل طهر تطليقة، يستقبل الطهر استقبالاً، عملاً بأمره ﷺ في حديث ابن عمر المتقدم.
و طلاق البدعة: أن يطلقها ثلاثاً أواثنتين بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثاً في طهر واحد؛ لأن الأصل في الطلاق الحظر، لما فيه من قطع الزواج الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية، والإباحة إنما هي للحاجة إلى الخلاص، ولا حاجة إلى الجمع في الثلاث، أو في طهر واحد؛ لأن الحاجة تندفع بالواحدة، وتمام الخلاص في المفرق على الأطهار، والزيادة إسراف، فكان بدعة. فإذا فعل ذلك وقع الطلاق، وبانت المرأة منه، وكان آثماً عاصياً، والطلاق مكروه تحريماً؛ لأن الحظر أو النهي لمعنى في غير الطلاق وهو فوات مصالح الدين والدنيا، مثل البيع وقت النداء لصلاة الجمعة صحيح مكروه لمعنى في غيره، والصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مكروهة لمعنى في غيرها، وكذا إيقاع أكثر من طلقة، إذ لا حاجة إليه. لذا تجب رجعة المطلقة في الحيض أو النفاس، على الأصح رفعاً للمعصية وللأمر السابق: «مره فليراجعها» فإذا طهرت طلقها إن شاء، أوأمسكها.
وطلاق السنة: إما من ناحية الوقت أو من ناحية العدد. فالسنة في العدد يستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها. والسنة في الوقت: تثبت في المدخول
стр. 6726
بهاخاصة، وهو: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. وأما غير المدخول بها، فيطلقها في حال الطهر أو الحيض، على حد سواء.
وإذا كانت المرأة لا تحيض من صغر أو كبر، فأراد أن يطلقها طلاق السنة، طلقهاواحدة، فإذا مضى شهر طلقها أخرى، فإذا مضى شهر طلقها طلقة أخرى، فتصير ثلاث طلقات في ثلاثة أشهر؛ لأن الشهر في حقها قائم مقام الحيض. ويحسب الشهر بالأهلة إن كان الطلاق في أول الشهر، وبالأيام إن كان في وسط الشهر، كما هو المقرر في العدة.
ويجوز طلاق الحامل عقيب الجماع؛ لأنه لا يؤدي إلى اشتباه وجه العدة؛ لأن عدتها تنتهي حتماً بوضع الحمل. وطلاق السنة الثلاث للحامل كالتي لا تحيض، يكون في ثلاثة أشهر، يفصل بين كل تطليقتين بشهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الإباحة لعلة الحاجة، والشهر دليل الحاجة كالمقرر في حق الآيسة والصغيرة.
ألفاظ طلاق السنة والبدعة: إن من ألفاظ طلاق السنة التي هي نص فيه القول: أنت طالق للسنة، فلو قال رجل لامرأته المدخول بها التي تحيض: أنت طالق ثلاثاً أو ثنتين للسنة، وقع عند كل طهر طلقة، وتقع أولاها في طهر لا جماع فيه. أما لو كانت المرأة غير مدخول بها أو لا تحيض، فتقع طلقة واحدة في الحال، ثم إن غير المدخول بها تبين منه بلا عدة؛ لأنه طلاق قبل الدخول، ولا تقع طلقةغيرها ما لم يتزوجها، وأما التي لا تحيض فتقع طلقة أخرى عند مضي شهر.
وإن نوى أن تقع الثلاث في الحال، أو عند رأس كل شهر واحدة، صحت نيته؛ لأن ذلك يحتمله كلامه.
ومن ألفاظ طلاق البدعة: أن يقول الرجل: أنت طالق للبدعة أو طلاق
стр. 6727
الجور أو طلاق المعصية أو طلاق الشيطان، فإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث؛ لأن إيقاع الثلاث في طهر واحد لا جماع فيه بدعة، وإيقاع الطلقة الواحدة في طهر جامعها فيه بدعة، والطلاق في حال الحيض بدعة، فإذا نوى به الثلاث، فقد نوى ما يحتمله كلامه، فصحت نيته.
و ذهب المالكية (١): إلى أن الطلاق السني ما توافرت فيه أربعة شروط: وهي أن تكون المرأة طاهراً من الحيض والنفاس حين الطلاق، وأن يكون زوجها لم يمسها في ذلك الطهر، وأن تكون الطلقة واحدة، وألا يُتبعها الزوج طلاقاً آخر حتى تنقضي عدتها، فإن أتبعها كان بدعة؛ لأن الأصل في الطلاق هو الحظر.
والشرطان الأولان متفق عليهما، والثالث يخالف فيه الشافعية فيباح عندهم جمع الطلقات الثلاث، والرابع يخالف فيه الحنفية فيما يترتب عليه، فإنهم قالوا: يجوز تطليق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، كما تقدم.
والطلاق البدعي: ما نقص منه أحد هذه الشروط أو كلها. والطلاق البدعي إما حرام وإما مكروه، فيحرم الطلاق في الحيض أو النفاس، ويكره وقوعه بغير حيض ونفاس، لو أوقع ثلاثاً أو في طهرجامعها فيه. ويقع الطلاق في الحيض ونحوه، ويمنع وإن طلبته المرأة من زوجها في حيضها أو نفاسها.
ومن طلق زوجته وهي حائض أجبر على أن يراجعها إن كان الطلاق رجعياً، حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر منها، فإذا دخلت في الطهر الثاني، فإن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها. فإن أبى الرجعة هدد بالسجن، فإن أبى سجن فعلاً، فإن أبى هدد بالضرب، فإن أبى ضرب بالفعل، يفعل ذلك كله في مجلس واحد. فإن أبى الارتجاع، ارتجع الحاكم، بأن يقول: ارتجعتها لك.
стр. 6728
ولا يجبراتفاقاً على الرجعة فيما إذا طلق في طهر مسها فيه أو بعد الحيض قبل الاغتسال منه. والمرأة مصدقة في دعوى الحيض للتمكين من الرجعة.
وجاز طلاق الحامل في الحيض أي إن حاضت؛ لأن عدتها وضع حملها، فلا تطويل فيها.
وجاز طلاق غيرالمدخول بها في الحيض، لعدم العدة من أصلها.
و رأى الشافعية (١): أن الطلاق سني وبدعي، ولا سني ولا بدعي. أما القسم الثالث: فهو طلاق الصغيرة، والآيسة، والمختلعة، والتي استبان حملها من الزوج، وغير المدخول بها. فهذا لا سنة فيه ولا بدعة؛ لأنه لا يوجد تطويل العدة.
وأما الطلاق السني: فهوالمستحب شرعاً، وهو أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة، وإن أراد الثلاث فرقها في كل طهر طلقة، ليخرج من الخلاف، وإن جمع الطلقات الثلاث في طهر واحد جاز ولا يحرم، لأن عويمراً العجلاني، لما لاعن امرأته عند رسول الله ﷺ ، طلقها ثلاثاً قبل أن يخبره ﷺ أنها تبين باللعان (٢)، فلو كان إيقاع الثلاث حراماً، لنهاه عن ذلك ليعلمه هو ومن حضره؛ ولأن فاطمة بنت قيس شكت للنبي ﷺ أن زوجها طلقها البتة، قال الشافعي ﵁: يعني والله أعلم: ثلاثاً، ولم نعلم أن النبي ﷺ نهى عن ذلك؛ وقد فعله جمع من الصحابة، وأفتى به آخرون.
لكن يسن الاقتصار على طلقة في القُرْء لذات الأقراء، وفي ظهر لذات الأشهر ليتمكن من الرجعة أو التجديد إن ندم، فإن لم يقتصر على طلقة، فليفرق الطلقات على الأيام، ويفرق الطلاق على الحامل بطلقة في الحال ويراجع، وأخرى بعد النفاس، والثالثة بعد الطهر من الحيض.
стр. 6729
ولو قال الرجل لزوجته: أنت طالق ثلاثاً أو قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، وفسر الثلاث في الصورتين بتفريقها على أقراء، لم يقبل قوله ظاهراً على الصحيح المنصوص، والأصح أنه يقبل قوله ديانة بينه وبين الله تعالى.
والحاصل: أن طلاق الثلاث طلاق سني عند الشافعية والحنابلة، بدعي حرام عند المالكية والحنفية.
وأما الطلاق البدعي: فهو اثنان: أحدهما - طلاق المدخول بها في حال الحيض من غير حمل، لقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وزمن الحيض لا يحسب من العدة، وسبب الحرمة: تضررها بطول العدة، فإن بقية الحيض لا تحسب منها. والنفاس كالحيض. ويؤيده حديث أمر ابن عمر بمراجعة امرأته التي طلقها في الحيض.
والثاني - طلاق من يجوز أن تحبل في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يستبين الحمل؛ لأنه إذا طلقها في الطهر الذي جامعها فيه قبل أن يستبين الحمل، لم يأمن أن تكون حاملاً، فيندم على مفارقتها مع الولد، ولأنه لا يعلم هل علقت بالوطء، فتكون عدتها بالحمل، أو لم تعلق، فتكون عدتها بالأقراء (الأطهار).
ويسن خلافاً للمالكية والحنفية مراجعة المرأة المطلقة بدعياً، ثم إن شاء طلق بعد طهر.
ولو قال لحائض: أنت طالق للبدعة، وقع الطلاق في الحال. وإن قال لها: أنت طالق للسنة، فيقع الطلاق حين تطهر من الحيض أو النفاس، بأن تشرع في الطهر، ولا يتوقف على الاغتسال، لوجود الصفة قبله.
ولو قال لمن في طهر لم تجامع فيه وهي مدخول بها: أنت طالق للسنة، وقع
стр. 6730
في الحال لوجود الصفة. وإن جومعت فيه ولم يظهر حملها، فيقع الطلاق حين تطهر بعد حيض، لشروعها حينئذ في العدة.
ولو قال لمن في طهر: أنت طالق للبدعة، فيقع الطلاق في الحال إن جومعت فيه أو في حيض قبله ولم يظهر حملها، لوجود صفة البدعة، فإن لم تجامع على النحو المذكور فيقع الطلاق حين تحيض.
ولو قال: أنت طالق طلقة حسنة أو أحسن الطلاق أو أجمله أو نحوها، فهو كقوله: أنت طالق للسنة، فإن كانت في حيض لم يقع حتى تطهر، أو في طهر لم تجامع فيه، وقع في الحال، أو جومعت فيه، وقع حين تطهر بعد حيض.
وإن وصف الطلاق بصفة ذم، كأنت طالق طلقة قبيحة أو أقبح الطلاق أو أفظعه أو أشرّه أو أفحشه أو نحوها، فهو كقوله: أنت طالق للبدعة، فإن كانت في حيض أو في طهر جامعها فيه، وقع في الحال، وإلا فحين تحيض. ولو نوى بالطلاق طلاق السنة لحسن خلقها، وكانت في زمن البدعة، دُيِّن، ولم يقبل قوله ظاهراً، أي يقبل قوله ديانة لا قضاء.
وإن قال: أنت طالق ثلاثاً، في كل قرء طلقة، فإن كانت طاهراً طلقت طلقة؛ لأن ما بقي من الطهر قرء، وإن كانت حائضاً لم تطلق حتى تطهر، ثم يقع في كل طهر طلقة. وإن كانت من القسم الثالث ممن لا سنة لها ولا بدعة: فإن كانت حاملاً طلقت في الحال طلقة؛ لأن الحمل قرء يعتد به، وإن كانت تحيض على الحمل، لم تطلق في أطهارها؛ لأنها ليست بأقراء، فإن راجعها قبل الوضع، وطهرت في النفاس، وقعت طلقة أخرى، فإن حاضت وطهرت، وقعت الطلقة الثالثة.
стр. 6731
وإن كانت غير مدخول بها وقعت عليها طلقة وبانت، فإن كانت صغيرة مدخولاً بها طلقت في الحال طلقة، فإن لم يراجعها حتى مضت ثلاثة أشهر بانت، وإن راجعها لم تطلق في الطهر بعد الرجعة؛ لأنه هو الطهر الذي وقع فيه الطلاق.
ووافق الحنابلة (١) الشافعية في رأيهم بتحديد الطلاق السني والبدعي وألفاظهما وحكمهما، واستحباب مراجعة المطلقة في حيض، ووجوب إمساكها حتى تطهر، ثم استحباب إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، على ما أمر به النبي ﷺ في حديث عمر المتقدم.
تقسيم الطلاق إلى رجعي وبائن:
ينقسم كل من الطلاق الصريح والكناية من حيث إمكان الارتجاع وعدمه إلى رجعي وبائن.
أما الطلاق الرجعي: فهو الذي يملك الزوج بعده إعادة المطلقة إلى الزوجية من غير حاجة إلى عقد جديد ما دامت في العدة، ولو لم ترض. وذلك بعد الطلاق الأول والثاني غير البائن إذا تمت المراجعة قبل انقضاء العدة، فإذا انتهت العدة انقلب الطلاق الرجعي بائناً، فلا يملك الزوج إرجاع زوجته المطلقة إلا بعقد جديد.
وأما الطلاق البائن: فهونوعان: بائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى.
و البائن بينونة صغرى: هو الذي لا يستطيع الرجل بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية إلا بعقد جديد ومهر. وهو الطلاق قبل الدخول أوعلى مال أو بالكناية عند الحنفية أو الذي يوقعه القاضي لا لعدم الإنفاق أو بسبب الإيلاء.
стр. 6732
و البائن بينونة كبرى: هو الذي لا يستطيع الرجل بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية إلا بعد أن تتزوج بزوج آخر زواجاً صحيحاً، ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يفارقها أو يموت عنها، وتنقضي عدتها منه. وذلك بعد الطلاق الثلاث حيث لا يملك الزوج أن يعيد زوجته إليه إلا إذا تزوجت بزوج آخر.
ضابط الطلاق الرجعي والبائن:
للفقهاء آراء في تحديد حالات الطلاق الرجعي والبائن:
رأي الحنفية (١): كل طلاق رجعي إلا الطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، والطلاق بالكناية المقترن بلفظ ينبئ عن الشدة أو القوة أو البينونة أو الحرمة، والطلاق المكمل للثلاث.
وعليه، يكون الطلاق رجعياً فيما يأتي:
١ - الطلاق الصريح بعد الدخول الحقيقي: بلفظ من مادة الطلاق أو التطليق غير مقترن بعوض، ولا بعدد الثلاث، ولا موصوف بوصف الشدة أو القوة أو البينونة أو نحوها. فمن قال: أنت طالق، أو مطلقة، أو طلقتك، يقع به الطلاق الرجعي، ولا يقع به إلا واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك، ولا يفتقر إلى النية.
أما لو قال: أنت طالق، أوأنت طالق الطلاق، أو أنت طالق طلاقاً، فإن لم تكن له نية، فهي طلقة واحدة رجعية، وإن نوى به ثلاثاً كان ثلاثاً. ولو قال: أنت طالق على المذاهب الأربعة، أو أنت طالق لا يرد ك عالم ولا قاض، يقع به طلقة رجعية.
стр. 6733
ومن ألفاظ الطلاق التي هي في حكم الصريح عرفاً قول الرجل: علي الطلاق، وعلي الحرام، والطلاق يلزمني، والحرام يلزمني، فإنه يقع بلا نية للعرف، وبه أصبح لفظ: حرام وخالص، من قسم الصريح.
٢ - الطلاق الكنائي بعد الدخول الذي لايفيد معنى الشدة والبينونة مثل قوله: اعتدي، أو استبرئي رحمك، أو أنت واحدة، يقع بهذه الألفاظ طلقة واحدة رجعية، إذا نوى الزوج بها الطلاق.
٣ - الطلاق الذي يوقعه القاضي لعدم الإنفاق، أو بسبب الإيلاء، فإن الأول يكون رجعياً؛ لأن قدرة الزوج على الإنفاق متوقعة في أي وقت، والثاني يكون رجعياً أيضاً؛ لتمكين الزوج من العودة إلى معاشرة الزوجة.
والدليل على أن الأصل العام في كون الطلاق رجعياً آيتان: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ … ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً﴾ [البقرة:٢/ ٢٢٨] فكلتا الآيتين تدلان على إمكان الرجعة ما دامت المرأة في العدة، إلا ما دل الدليل على استثنائه: وهو الطلاق الثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، والطلاق لرفع الضرر عن الزوجة، والطلاق بلفظ ينبئ عن الشدة والانفصال التام.
ويكون الطلاق بائناً فيما يأتي:
أولاًـ البائن بينونة صغرى:
١ - الطلاق قبل الدخول الحقيقي أو بعد الخلوة الصحيحة المجردة، فالأول يكون بائناً، لأنه لا تجب به العدة ولا يقبل الرجعة، بدليل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا
стр. 6734
نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب:٤٩/ ٣٣] وإذا لم تجب العدة فلا تمكن المراجعة؛ لأن الرجعة لا تكون إلا في العدة، فيكون الطلاق بائناً غير رجعي.
وأما بعد الخلوة الصحيحة التي لم يحدث فيها اتصال جنسي، فيقع الطلاق بائناً، وإن وجبت العدة؛ لأن وجوب العدة إنما هو للاحتياط لثبوت النسب، والحكم بصحة الرجعة ليس فيه احتياط، بل الاحتياط يقتضي الحكم بعدم صحة الرجعة.
٢ - الطلاق الكنائي المقترن بما ينبئ عن الشدة أو القوة أو البينونة: أي أن كل طلاق بالكناية إذا نوى به الطلاق، ما عدا الألفاظ الثلاثة المتقدمة (اعتدي، استبرئي رحمك، أنت واحدة) يكون طلقة واحدة بائنة، وإن نوى به اثنتين، إذ لا دلالة للفظ على عدد الثنتين، فيثبت الأدنى وهو الواحدة، فإن نوى به الثلاث كان ثلاثاً؛ لأن البينونة نوعان: مغلظة وهي الثلاث، ومخففة وهي الواحدة، فأيهما نوى وقعت لاحتمال اللفظ.
وهذه الألفاظ مثل قوله: أنت طالق طلقة شديدة أو قوية أو طويلة أو عريضة؛ لأن المراد بالطول والعرض والشدة والقوة.
ومثل: أنت بائن، وبتة، وبتلة، وخلية، برية، حرة، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وسرحتك وفارقتك، وتقنعي، وتخمري واستتري، واعزُبي واغرُبي (١)، وابتغي الأزواج، ونحو ذلك.
وقد أصبح: أنت خالصة، وأنت حرام، أو علي الحرام من الطلاق الصريح عرفاً، ويقع به طلقة رجعية.
стр. 6735
والحقي بأهلك، وسرحتك وفارقتك، وتقنعيى، وتخمري واستتري، واعزُبي واغرُبي، وابتغي الأزواج، ونحو ذلك.
وقد أصبح: أنت خالصة، وأنت حرام، أو علي الحرام من الطلاق الصريح عرفاً، ويقع به طلقة رجعية.
٣ - الطلاق على مال: وذلك إذا خالع الرجل امرأته أو طلقها على مال؛ لأن الخلع بعوض طلاق على مال عندهم، وكان طلاقاً بائناً؛ لأن المقصود أن تملك المرأة أمرها، وتمنع الزوج من مراجعتها، ولا يتحقق هدفها إلا بالطلاق البائن.
٤ - الطلاق الذي يوقعه القاضي لا لعدم الإنفاق أو بسبب الإيلاء، وإنما بسبب عيب في الزوج أو للشقاق بين الزوجين، أو لتضرر الزوجة من غيبة الزوج أو حبسه؛ لأن التجاء الزوجة إلى القضاء لا يكون إلا لدفع الضرر عنها وحسم الزواج، ولا يتحقق المقصود إلا بالطلاق البائن.
ثانياً - البائن بينونة كبرى: أن يكون طلاقاً ثالثاً، سواء أكان مكملاً للثلاث تفريقاً، بأن يطلق الرجل زوجته كل مرة طلقة، أم مقترناً بالثلاث لفظاً أو إشارة، مثل أنت طالق ثلاثاً، أو أنت طالق ويشير بأصابعه الثلاث، أم مكرراً ثلاث مرات في مجلس واحد أو في مجالس متعددة، بأن يقول لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فيقع ثلاثاً إلا إذا قصد تأكيد الطلقة الأولى السابقة، فلا يقع إلا طلقة واحدة.
والإشارة لها حكم العبارة، فإن أشار بأصبع واحدة فهي واحدة رجعية، وإن أشار باثنتين فهي اثنتان، وإن أشار بثلاث فهي ثلاث؛ لأن الإشارة متى تعلقت بها
стр. 6736
العبارة نزِّلت منزلة الكلام، لحصول ما وضع له الكلام بها وهو الإعلام، بدليل العرف والشرع، أما العرف فواضح، وأما الشرع، فقول النبي ﷺ : «الشهر هكذا وهكذا، وأشار ﷺ بأصابع يده كلها، فكان بياناً أن الشهر يكون ثلاثين يوماً، ثم قال ﷺ : الشهر هكذا وهكذا، وحبس إبهامه في المرة الثالثة، فكان بياناً أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً (١).
رأي المالكية (٢): البائن يكون في أربعة مواضع:
وهي طلاق غير المدخول بها، وطلاق الخلع، والطلاق بالثلاث، والمبارأة: وهي التي يملِّك الناس بها أمر نفسها، ويجعلونها واحدة بائنة من غير خلع. والثلاثة الأولى متفق عليها.
والرجعي: هو ما عدا هذه المواضع.
رأي الشافعية والحنابلة (٣): يتفق مع رأي المالكية فيما عدا المبارأة. فيقولون: كل طلاق يقع رجعياً إلا إذا كان قبل الدخول، أو كان على مال كما في الخلع، أو كان مكملاً للثلاث أو مقترناً بعدد الثلاث.
وعلى هذا لا يقع عند الجمهور غير الحنفية بطلاق الكنايات إلا الطلاق الرجعي، ولو نوى بها البائن؛ لأن الصريح لا يقع به إلا الطلاق الرجعي، فالكناية التي هي أضعف من التصريح لاحتمالها الطلاق وغيره، يكون الطلاق الواقع بها رجعياً بالأولى، ولأن الطلاق وضع شرعي لا يتأثر بالنية، فقصد البينونة بالكناية يكون تغييراً للوضع الشرعي.
موقف القانون: أخذ القانون في مصر وسورية برأي الجمهور في بيان الطلاق الرجعي والبائن، فنصت المادة (٩٤) من القانون السوري على ما يلي «كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على بدل، وما نص على كونه بائناً في هذا القانون» والذي نص هذا القانون على كونه بائناً هو التفريق القضائي للعيب أو العلة، والتفريق للشقاق بين الزوجين. فالقول بأن كل
стр. 6737
طلاق يقع رجعياً مخالف لمذهب الحنفية؛ لأن كنايات الطلاق عندهم كما تقدم يقع بها الطلاق بائناً ما عدا ألفاظاً ثلاثة. ونصت المادة (٩٣) من القانون السوري كما ذ ُكر على أن النية هي مدار طلاق الكناية: «يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة فيه عرفاً دون الحاجة إلى نية، ويقع بالألفاظ الكنائية التي تحتمل معنى الطلاق وغيره بالنية» وهذا عمل برأي المالكية والشافعية الذين يوقعون طلاق الكناية بالنية لا بدلالةالحال، خلافاً للحنفية والحنابلة الذين يوقعون بالنية أو القرائن ودلالات الحال.
وهذا هو المعمول به نفسه في القانون المصري، فقد نصت المادة الرابعة من قانون رقم (٢٥) لسنة (١٩٢٩) على ما يلي: «كنايات الطلاق: وهي ما تحتمل الطلاق وغيره، لا يقع بها الطلاق إلا بالنية».
ونصت المادة الخامسة على ما يأتي: «كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، وما نص على كونه بائناً في هذا القانون والقانون رقم (٢٥) لسنة ١٩٢٠».
وما نص على كونه بائناً في قانون (١٩٢٩): هو التفريق الذي يكون من القاضي بسبب ضرر الزوجة، والشقاق بينها وبين زوجها، وبسبب غيبة الزوج أو حبسه مدة طويلة.
وما نص على كونه بائناً في قانون (١٩٢٠): هو تفريق القاضي أيضاً بسبب عيوب الرجل من مثل الجنون والجذام والبرص وغيرها من العيوب في الراجح عند الحنفية، وهي عيوب الجب والعنة والخصاء.
والقانون متفق مع الفقه، ولكن كل من القانون المصري والسوري قد خالف
стр. 6738
المذاهب الأربعة في الطلاق الثلاث المقترن بعدد الثلاث، يقع ثلاثاً في المذاهب، وواحدة في القانون، فنصت المادة الثالثة من قانون عام (١٩٢٩) في مصر، والمادة (٩٢) من القانون السوري على أن «الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحداً».
حكم الطلاق الرجعي والبائن:
يشترك الطلاق الرجعي والبائن في أحكام، منها:
وجوب نفقة العدة للمطلقة، وثبوت نسب ولدها الذي تلده للمطلق، ويهدم الزوج الثاني إذا تزوجت المطلقة بزوج آخر ما كان من الطلاق في الزواج الأول، سواء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أكان الطلاق ثلاثاً أم أقل، وقال باقي الفقهاء: إنه يهدم الثلاث لا غير، فتعود إلى الأول بزوجية جديدة يملك فيها ثلاث طلقات. وينفرد الطلاق الرجعي عن البائن بأحكام.
حكم الطلاق الرجعي:
اتفق الفقهاء على أن الطلاق الرجعي له آثار هي (١):
١ - نقص عدد الطلقات: يترتب على الطلاق أنه ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج، فإذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً بقي له طلقتان، وإذا طلق طلاقاً آخر بقي له طلقة واحدة.
٢ - انتهاء رابطة الزوجية بانتهاء العدة: إذا طلق الرجل طلاقاً رجعياً وانقضت العدة من غير مراجعة بانت منه بانقضاء العدة، وحينئذ يحل مؤخر الصداق.
стр. 6739
٣ - إمكان المراجعة في العدة: يملك المطلّق مراجعة مطلقته بالقول اتفاقاً، وكذا بالفعل عند الحنفية والحنابلة والمالكية، ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة بانت منه، فلم يملك رجعتها إلا بإذنها.
٤ - المرأة الرجعية زوجة يلحقها طلاق الرجل وظهاره وإيلاؤه ولعانه، ويرث أحدهما صاحبه بالاتفاق. وإن خالعها صح خلعه عند الحنابلة والحنفية؛ لأنها زوجة صح طلاقها، فصح خلعها كما قبل الطلاق، وليس مقصود الخلع التحريم، بل الخلاص من مضرة الزوج ونكاحه الذي هو سببها، والنكاح باق، ولا نأمن رجعته.
وقال الشافعي في الأظهر: يصح خلع المرأة الرجعية في أثناء العدة؛ لأنها في حكم الزوجات في كثير من الأحكام (١).
٥ - حرمة الاستمتاع عند الشافعية: قال الشافعية، والمالكية في المشهور: يحرم الاستمتاع بالمرأة المطلقة طلاقاً رجعياً بوطء وغيره حتى بالنظر ولو بلا شهوة؛ لأنها مفارقة كالبائن، ولأن النكاح يبيح الاستمتاع فيحرمه الطلاق؛ لأنه ضده، فإن وطئ الزوج المطلقة فلا حد، ولا يعزر إلا معتقد تحريمه. وهذا هو الحق عندي.
وقال الحنفية والحنابلة: الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء، فيجوز الاستمتاع بالرجعية ولو وطئها لاحد عليه؛ لأنه مباح، لكن تكره الخلوة بها تنزيهاً. ومن عبارات الحنفية فيه: الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل ما دامت في العدة. والمقصود بالملك: حل الاستمتاع وسائر حقوق الزواج، والمقصود بالحل: بقاء المطلقة حلالاً لمن طلقها ولا تحرم عليه بسبب من أسباب التحريم.
стр. 6740
حكم الطلاق البائن:
أولاً - البائن بينونة صغرى: يظهر أثر الطلاق البائن بينونة صغرى فيما يأتي بالاتفاق.
اً - زوال الملك لا الحل بمجرد الطلاق: يحرم الاستمتاع مطلقاً والخلوة بعده ساعة الطلاق، ولا يحق مراجعة المرأة إلا بعقد جديد، ولكن يبقى الحل، سواء في العدة أم بعدها بعقد جديد.
٢ - نقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج كالطلاق الرجعي.
٣ - يحل بمجرد الطلاق الصداق المؤجل إلى أحد الأجلين: الموت أو الطلاق.
٤ - منع التوارث بين الزوجين: إذا مات أحدهما أثناء العدة لا يرثه الآخر؛ لأن الطلاق البائن ينهي الزوجية بمجرد صدوره، إلا إذا كان الطلاق في مرض الموت وقامت قرينة على أن الزوج يقصد حرمان الزوجة من الميراث، فإنها عند الجمهور غير الشافعية ترثه إن مات في العدة، وكذا بعد العدة عند المالكية، معاملة له بنقيض مقصوده، وهذا هو طلاق الفرار.
٥ - يلحق الطلاق الصريح عند الحنفية الطلاق البائن في أثناء العدة، ويلحق البائن الصريح أيضاً بشرط العدة إلا إذا كان الطلاق الثاني بائناً بلفظ الكناية يحتمل الإخبار عن البينونة الأولى.
ثانياً - البائن بينونة كبرى:
هذا يزيل الملك والحل معاً، ولا يبقى للزوجية أثر سوى العدة وما يتبعها، فيحل به الصداق المؤجل إلى الطلاق أو الوفاة، ويمنع التوارث بين الزوجين إلا إذا
стр. 6741
كان طلاق فرار عند غير الشافعية كالبائن بينونة صغرى، فيعامل بنقيض مقصوده وتحرم به المطلقة على الزوج تحريماً مؤقتاً، ولا تحل له حتى تتزوج بزوج آخر، ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يطلقها أو يموت عنها، وتنقضي عدتها منه.
البينونة الكبرى كالصغرى إلا في أمرين:
الأول - أن البينونة الكبرى لا محل بعدها بالاتفاق لوقوع طلاق آخر.
الثانية - أن المرأة في البينونة الكبرى لا يمكن أن ترجع إلى زوجها الأول حتى تتزوج بزوج آخر غيره.
حكم الطلاق الرجعي والبائن في القانون السوري:
نصت المادة (١١٨) من هذا القانون على حكم الطلاق الرجعي، وانقلابه بائناً بانتهاء العدة وهي:
١ - الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع مطلقته أثناء العدة بالقول أو الفعل، ولا يسقط هذا الحق بالإسقاط.
٢ - تبين المرأة وتنقطع الرجعة بانقضاء عدة الطلاق الرجعي. ونص هذا القانون أيضاً على آثار الطلاق البائن، فنصت المادة (١١٩) على ما يلي:
الطلاق البائن دون الثلاث يزيل الزوجية حالاً، ولا يمنع من تجديد عقد الزواج.
ونصت المادة (١٢٠) على الطلاق البائن بينونة كبرى:
الطلاق المكمل للثلاث يزيل الزوجية حالاً، ويمنع من تجديد العقد ما لم تتوافر الشرائط المبينة في المادة (٣٦) من هذا القانون.
стр. 6742
ونص المادة (٣٦) هو ما يلي:
١ - لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة طلقها ثلاث مرات إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها فعلاً.
٢ - زواج المطلقة من آخر يهدم طلقات الزوج السابق، ولو كانت دون الثلاث، فإذا عادت إليه يملك عليها ثلاثاً جديدة.
تقسيم الطلاق إلى منجز ومعلق ومضاف للمستقبل:
ينقسم الطلاق بالنظر إلى الصيغة من حيث اشتمالها على التعليق على أمر مستقبل أو الإضافة إلى زمن في المستقبل وعدم اشتمالها على التعليق إلى ثلاثة أنواع: منجز، ومعلق، ومضاف (١).
أولاً - الطلاق المنجز أو المعجل: هو ما قصد به الحال، كأن يقول رجل لامرأته: أنت طالق، أو مطلقة، أو طلقتك. وحكمه: وقوعه في الحال وترتب آثاره عليه بمجرد صدوره، متى كان الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق، والزوجة محلاً لوقوعه.
ثانياً - الطلاق المضاف: هو ما أضيف حصوله إلى وقت في المستقبل، كأن يقول الرجل لزوجته: أنت طالق غداً، أو أول الشهر الفلاني أو أول سنة كذا.
وحكمه: وقوع الطلاق عند مجيء أول جزء من أجزاء الزمن الذي أضيف
стр. 6743
إليه، إذا كانت المرأة محلاً لوقوع الطلاق عليها عند ذلك الوقت، وكان الرجل أهلاً لإيقاعه؛ لأنه قصد إيقاعه بعد زمن، لا في الحال.
فقوله: أنت طالق غداً، يقع بأول جزء منه وهو عند طلوع الفجر، وقوله: أنت طالق ليلاً إذا مضى يوم، فيقع عند غروب شمس غده، إذ به يتحقق مضي اليوم. وإن قال: نهاراً، ففي مثل وقته من غده تطلق لأن اليوم حقيقة في جميعه، وإن قال لزوجته: أنت طالق في شهر كذا كرمضان، وقع الطلاق في أول جزء من الليلة الأولى منه، وهو حين تغرب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله وهو شهر شعبان.
وإن قال: أنت طالق أمس أو أنت طالق قبل أن أتزوجك، وقصد أن يقع في الحال مستنداً إلى الأمس، وقع في الحال عند الحنفية، والشافعية على الصحيح والحنابلة، ولغا قصد الاستناد إلى أمس لاستحالته؛ لأن الإنشاء في الماضي في الحال.
وظاهر كلام أحمد: أن الطلاق لا يقع إذا لم يكن له نية. وإن أراد الإخبار بأنه كان قد طلقها هو، أو زوجٌ قبله في الزمان المذكور، وكان قد وجد الطلاق، قبل منه. وإن لم يوجد وقع طلاقه.
وإن قال: أنت طالق قبل أن أخلق أو قبل أن تخلقي، أو طلقتك وأنا صبي أو نائم، أو مجنون، كان لغواً؛ لأن حاصله إنكار الطلاق.
كذلك رأى الحنفية والشافعية والحنابلة: إن قال: أنت طالق قبل موتي بشهرين أو أكثر، فمات قبل مضي شهرين، لم تطلق لانتفاء الشرط، ولأن الطلاق لا يقع في الماضي.
стр. 6744
وإن مضى شهران ثم مات بعدهما ولو بساعة طلقت مستنداً لأول المدة لا عند الموت، وفائدة الطلاق: أنه لا ميراث لها؛ لأن العدة قد تنتهي بشهرين، بثلاث حيضات عند الحنفية ومن وافقهم.
وإن قال: أنت طالق قبل موتي، ولم يزد شيئاً، طلقت في الحال؛ لأن ما قبل موته من عقد صفة الطلاق، محل للطلاق، فوقع في أوله.
وإن قال لزوجته: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فقدم بعد شهر وجزء يقع الطلاق فيه، وقع مستنداً (أي بأثر رجعي) قبل الشهر عند الشافعية والحنابلة؛ لأن قوله يراد به إيقاع الطلاق بعد عقده، لأنه أوقع الطلاق في زمن على صفة، فإذا حصلت الصفة وقع فيه، كما لو قال: أنت طالق قبل رمضان بشهر أو قبل موتك بشهر.
وقال الحنفية ما عدا زفر: يقع الطلاق مقتصراً (أي من غير أثر رجعي) عند قدوم زيد؛ لأنه جعل الشهر شرطاً لوقوع الطلاق، فلا يسبق الطلاق شرطه.
ثالثاً - الطلاق المعلق:
هو ما رتب وقوعه على حصول أمر في المستقبل، بأداة من أدوات الشرط أي التعليق، مثل إن، وإذا، ومتى، ولو ونحوها، كأن يقول الرجل لزوجته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق، أو إذا سافرت إلى بلدك فأنت طالق، أو إن خرجت من المنزل بغير إذني فأنتي طالق، أو متى كلمت فلاناً فأنت طالق.
ويسمى يميناً مجازاً؛ لأن التعليق في الحقيقة إنما هو شرط وجزاء، فإطلاق اليمين عليه مجاز، لما فيه من معنى السببية، ولمشاركته الحلف في المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر.
стр. 6745
والتعليق إما لفظي: وهو الذي تذكر فيه أداة الشرط صراحة، مثل إن وإذا.
وإما معنوي: وهو الذي لا تذكر فيه أداة الشرط صراحة، بل تكون موجودة من حيث المعنى، كقول الزوج: علي الطلاق لأفعلن كذا، أو لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا. فالمقصود منها بحسب العرف: لزوم الطلاق إن حصل المحلوف عليه، أم لم يحصل.
أنواع الشرط المعلق عليه:
الشرط الذي يعلق الطلاق عليه إما أن يكون أمراً اختيارياً يمكن فعله والامتناع عنه، أو أمراً غير اختياري.
فإن كان الشرط أمراً اختيارياً يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون: فإما أن يكون فعلاً من أفعال الزوج، مثل إن دخلت دار فلان أو كلمت فلاناً فامرأتي طالق، أو إن لم أدفع حق فلان غداً فزوجتي طالق، ففي المثال الأول يكون التعليق لحمل نفسه على الامتناع من الدخول، وفي المثال الثاني يكون التعليق لحمل نفسه على دفع الدين أو الحق في الغد.
أو يكون فعلاً من أفعال الزوجة، مثل إن سافرت أو دخلت دار فلان فأنت طالق. ومثل: أنت طالق إن شئت، لم تطلق حتى تسافر أو تدخل الدار أو تشاء. أو يكون فعلاً لغير الزوجين، مثل: إن سافر أخوك فأنت طالق. وإن كان الشرط أمراً غير اختياري للإنسان فهو كالتعليق بمشيئة الله تعالى، وطلوع الشمس وموت فلان، ودخول الشهر، وولادة فلانة ونحوها.
شروط التعليق:
يشترط لصحة التعليق ما يأتي:
стр. 6746
١ - أن يكون الشرط المعلق عليه الطلاق معدوماً على خطر الوجود، أي يحتمل أن يكون وألا يكون. فلو كان موجوداً كان طلاقها منجزاً، مثل إن خرجت أمس فأنت طالق، وقد خرجت فعلاً فتطلق في الحال. وإن كان المعلق عليه أمراً مستحيلاً عادة كالطيران وصعود السماء، مثل إن صعدت السماء فأنت طالق، ومنه التعليق بمشيئة الله تعالى، كأن يقول: أنت طالق إن شاء الله تعالى، فلا يقع عند الحنفية؛ لأن التعليق لا يصح، واليمين لغو، ووافقهم بقية المذاهب في التعليق بمستحيل عادة.
ووافقهم أيضاً المالكية والشافعية والظاهرية في التعليق بمشيئة الله، لا يقع الطلاق عندهم إن قصد التعليق، وقال الحنابلة: يقع الطلاق، لأن ما لا يمكن الاطلاع عليه يكون منجزاً ويقع في الحال، وسقط حكم تعليقه، قال ابن عباس: «إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فهي طالق» وقال ابن عمرو وأبو سعيد: «كنا معشر النبي ﷺ نرى الاستثناء جائزاً في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق» وذكر الشافعية: أنه لو قال: يا طالق إن شاء الله، وقع في الأصح نظراً لصورة النداء المشعر بحصول الطلاق حالته، والحاصل لا يعلق، بخلاف أنت طالق إن شاء الله وقصد التعليق فإنه لم يقع.
ورأي غير الحنابلة أصح لدي لحديث ابن عمر: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» (١) وحديث ابن عباس: «من قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، أو لغلامه: أنت حر، أو قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إن شاء الله، فلا شيء عليه» (٢).
стр. 6747
٢ - أن يحصل المعلق عليه والمرأة محل لوقوع الطلاق عليها: بأن تكون في حال الزوجية فعلاً، أو حكماً في أثناء العدة باتفاق الفقهاء، أو في أثناء العدة من الطلاق البائن بينونة صغرى عند الحنفية، خلافاً لباقي المذاهب، فلو قال الرجل لامرأة أجنبية: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، فكلمته، لم يقع الطلاق وكذا لو تزوجها ثم كلمت فلاناً، لا تطلق؛ لأنها وقت التعليق لم تكن محلاً لإيقاع الطلاق.
ولو قال لامرأته المطلقة طلاقاً رجعياً في أثناء العدة: إن كلمت فلاناً، فأنت طالق، فكلمته في العدة، وقع الطلاق عليها باتفاق الفقهاء، وكذا تطلق لو كانت عند الحنفية في عدة طلاق بائن بينونة صغرى، ولا تطلق حينئذ في المذاهب الأخرى.
ولا يشترط عند حصول المعلق عليه أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق، فلو طلق طلاقاً معلقاً ثم جن أو عته، ووجد المعلق عليه، وقع الطلاق؛ لأن الصيغة صدرت من أهلها مستوفية شروطها، فيترتب عليها أثرها.
حكم الطلاق المعلق أو اليمين بالطلاق:
اختلف الفقهاء في اليمين بالطلاق أو الطلاق المعلق على ثلاثة أقوال (١)، كأن يعلق طلاق زوجته على أمر المستقبل، ويوجد المعلق عليه، مثل: إن دخلت الدارفأنت طالق، أو كلمت زيداً، أو إن قدم فلان من سفره، فأنت طالق. أو
стр. 6748
يقول لها في العرف الشائع اليوم: علي الطلاق إن ذهبت لبيت أهلك، أو سافرت، أو ولدت أنثى، أو علي الطلاق إن لم أتزوج زوجة أخرى ونحوه.
١ - فقال أئمة المذاهب الأربعة: يقع الطلاق المعلق متى وجد المعلق عليه، سواء أكان فعلاً لأحد الزوجين، أم كان أمراً سماوياً، وسواء أكان التعليق قسمياً: وهو الحث على فعل شيء أو تركه أو تأكيد الخبر، أم شرطياً يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط.
٢ - وقال الظاهرية والشيعة الإمامية: اليمين بالطلاق أو الطلاق المعلق إذا وجد المعلق عليه لا يقع أصلاً، سواء أكان على وجه اليمين: وهو ما قصد به الحث على فعل شيء أو تركه أو تأكيد الخبر، أم لم يكن على وجه اليمين: وهو ما قصد به وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه.
٣ - وقال ابن تيمية وابن القيم بالتفصيل: إن كان التعليق قسمياً أو على وجه اليمين ووجد المعلق عليه، لا يقع، ويجزيه عند ابن تيمية كفارة يمين إن حنث في يمينه، ولا كفارة عليه عند ابن القيم، وأما إن كان التعليق شرطياً أو على غير وجه اليمين، فيقع الطلاق عند حصول الشرط.
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول: استدل أئمة المذاهب الأربعة بالكتاب والسنة والمعقول:
١ - الكتاب: استدلوا بإطلاق الآيات الدالة على مشروعية الطلاق وتفويض الأمر فيه إلى الزوج، مثل قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢]، فهي لم تفرق بين منجز ومعلق، ولم تقيد وقوعه بشيء، والمطلق يعمل به على إطلاقه، فيكون للزوج إيقاع الطلاق حسبما يشاء منجزاً أو مضافاً أو معلقاً على وجه اليمين أو غيره.
стр. 6749
٢ - السنة: استدلوا بقوله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» وبوقائع كثيرة حدثت في عصر النبي والصحابة، منها: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: «طلق رجل امرأته البتة إن خرجت» فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء.
ومنها: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلتْ كذا وكذا، فهي طالق، ففعلته: فقال: هي واحدة، وهو أحق بها.
ومنها: ما صح عن أبي ذر الغفاري أن امرأته لما ألحت عليه في السؤال عن الساعة التي يستجيب الله فيها الدعاء يوم الجمعة قال لها: «إن عدت سألتِني فأنت طالق».
ومنها: ما أسنده ابن عبد البر عن عائشة ﵂ قالت: «كل يمين وإن عظمت، ففيها الكفارة إلا العتق والطلاق».
ومنها: ما رواه البيهقي عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يستمتع بها إلى سنة. وهذا الأثر في التعليق الشرطي، وكل ما سبق قبله في التعليق القسمي.
وعن الحسن البصري فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أضرب غلامي فأبق الغلام (هرب)، قال: هي امرأه يستمتع بها، ويتوارثان، حتى يفعل ما قال. فإن مات الغلام قبل أن يفعل ما قاله، فقد ذهبت منه امرأته.
وروى البيهقي عن أبي الزناد عن فقهاء أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: أيما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت حتى الليل، فخرجت امرأته قبل الليل بغير علمه، طلقت امرأته.
стр. 6750
فكل هذه الآثار تدل على وقوع الطلاق المعلق عند حدوث الشرط المعلق عليه.
٣ - المعقول: قد تدعو الحاجة إلى تعليق الطلاق كما تدعو إلى تنجيزه، زجراً للمرأة، فإن خالفت كانت هي الجانية على نفسها. ويقاس الطلاق القسمي على المداينة إلى أجل والعتق إلى أجل.
أدلة القول الثاني:
استدل الظاهرية والإمامية على قولهم بأن تعليق الطلاق يمين، واليمين بغير الله تعالى لا تجوز، بقوله ﷺ : «من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله» (١) ثم قالوا: ولا طلاق إلا ما أمر الله ، ولا يمين إلا كما أمر الله على لسان رسول الله ﷺ ، واليمين بالطلاق ليس مما سماه الله تعالى يميناً، والله تعالى يقول: ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] ولم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق المعلق.
ورد هذا: بأن تسمية الطلاق المعلق يميناً إنما هو على سبيل المجاز، من حيث إنه يفيد ما يفيده اليمين بالله تعالى: وهو الحث على الفعل، أو المنع منه، أو تأكيد الخبر، فلا يكون الحديث المذكور متناولاً الطلاق المعلق. ثم إن السنة وردت بوقوع الطلاق المعلق.
واستدلوا أيضاً بما رواه ابن حزم وابن القيم عن علي وشريح أنهم كانوا يقولون: «الحلف بالطلاق ليس بشيء» ورد عليه بأن المروي عن علي في حال الاضطهاد، والمروي عن شريح في حالة عدم وقوع الأمر المعلق عليه، والمروي عن طاوس مؤوّل بأنه ليس شيئاً مستقيماً في السنة بمعنى لا ينبغي أن يحصل.
стр. 6751
واستدلوا كذلك بأن كل طلاق لا يقع حين إيقاعه دون تقييد بشرط أو صفة لا يقع بعدئذ. ورد هذا بأن المعلِّق ليس موقعاً للطلاق حين التلفظ، وإنما عند تحقق الشرط.
وقاسوا الطلاق على النكاح، فكما لا يصح تعليق النكاح لا يصح تعليق الطلاق. ورد عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن تعليق النكاح مناف للمقصود منه، أما الطلاق فإنه لا ينافيه.
أدلة القول الثالث:
استدل ابن تيمية وابن القيم على رأيهم التفصيلي:
١ - بأن الطلاق المعلق القسمي إذا كان المقصود منه الحث على الفعل أو المنع منه أو تأكيد الخبر، كان في معنى اليمين، فيكون داخلاً في أحكام اليمين في قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم:٢/ ٦٦] وقوله سبحانه: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]. وإن لم تكن يميناً شرعية كانت لغواً.
ورد عليهما بأن الطلاق المعلق لا يسمى يميناً لا شرعاً ولا لغة، وإنما هو يمين على سبيل المجاز، لمشابهة اليمين الشرعية في إفادة الحث على الفعل أو المنع منه أو تأكيد الخبر، فلا يكون له حكم اليمين الحقيقي: وهو الحلف بالله تعالى أو صفة من صفاته، بل له حكم آخر: وهو وقوع الطلاق عند حصول المعلق عليه.
٢ - وبأن عائشة وحفصة وأم سلمة وابن عباس أفتوا ليلى بنت العجماء بأن تكفِّر عن يمينها حينما حلفت بالعتق فقالت: كل مملوك لها محرر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية إن لم يطلق مولاها أبو رافع امرأته، أو يفرق بينه وبينها، فيكون الحلف بالطلاق مثله وهو أولى.
стр. 6752
ورد عليهما بأن الآثار المروية عن الصحابة في الاعتداد بالتعليق أقوى من هذا؛ لأن رواتها من رجال الصحيح.
٣ - وبما رواه البخاري عن ابن عباس ﵁: «الطلاق عن وَطَر والعتق: ما ابتغي به وجه الله» أي أن الطلاق إنما يقع ممن غرضه إيقاعه، لا ممن يكره وقوعه كالحالف المكره.
وأجيب بأن معنى الوطر ليس هو كما ذكرتم، بل معناه: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز.
وفي تقديري أن القول الأول هو الأصح دليلاً، لكن يلاحظ أن الشبان غالباً يستخدمون اليمين بالطلاق للتهديد لا بقصد الإيقاع، وهذا يجعلني أميل إلى القول الثالث، لا سيما وقد أخذ به القانون في مصر رقم (٢٥ لسنة ١٩٢٩)، وفي سورية، نصت المادة الثانية من القانون المصري والمادة (٩٠) من القانون السوري على الأخذ برأي ابن تيمية وابن القيم:
«لا يقع الطلاق غير المنجز إذا لم يقصد به إلا الحث على فعل شيء، أو المنع منه، أو استعمل استعمال القسم لتأكيد الإخبار لا غير».
ملحق - حكم طلاق المريض مرض الموت:
أبحث هنا حكم طلاق المريض مرض الموت ونحوه، وشروط ثبوت ميراث زوجته منه، وبعض الأحكام الفرعية في مرض الموت (١).
стр. 6753
المقصود بمريض الموت: كل من غالب حاله الهلاك بمرض أو غيهر له حكم مرض الموت، ويسمى طلاقه طلاق الفارّ أو الفرار، لفراره من إرث زوجته، فيرد عليه قصده إلى تمام عدتها عند الحنفية، ولو بعد انقضاء العدة عند المالكية، وما لم تتزوج في المشهور عند الحنابلة.
ومريض الموت كما قال الحنفية: هو من أضناه مرض عجز به عن إقامة مصالحه المعتادة خارج البيت، كعجز العالم الفقيه عن الإتيان إلى المسجد وعجز التاجر عن الإتيان إلى دكانه. وأما المرأة المريضة: فهي التي عجزت عن مصالحها المعتادة داخل البيت كطبخ ونحوه. واستمر المرض في حدود السنة دون تزايد، وأعقبه الموت، فالمراد من مرض الموت: هو الذي يتحقق فيه أمران:
الأول - أن يكون الغالب فيه الهلاك عادة، الثاني - أن يتصل به الموت. ويلحق به من يترقب الموت كالمحكوم عليه بالإعدام، والمشرف على الغرق في سفينة.
حكمه: له أحكام، منها: أنه لا يصح تبرعه إلا من ثلث التركة، ومنها نفاذ طلاقه وإرث امرأته منه إذا مات وهي في العدة عند الحنفية، وتفصيل حكم طلاقه ما يأتي:
اتفق الفقهاء على أن الرجل المريض إذا طلق امرأته، فطلاقه نافذ كالصحيح، فإن مات من ذلك المرض ورثته المطلقة ما دامت في العدة من طلاق رجعي، كما ترثه فيها في طلاقها في حال الصحة؛ لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاق الزوج وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة ولو بغير رضاها، ولا ولي ولا شهود ولاصداق جديد.
أما إن طلقها في حال الصحة طلاقاً بائناً أو رجعياً، فبانت منه بانقضاء عدتها، فلم يتوارثا إجماعاً.
стр. 6754
واتفق الفقهاء أيضاً على أن الرجل إذا طلق امرأته في مرض الموت ثم ماتت، لم يرثها وإن ماتت في العدة.
واختلفوا في إرث الزوجة المطلقة طلاقاً بائناً إذا مات الزوج في أثناء العدة من هذا الطلاق. وهذا محل البحث هنا، وهو حكم طلاق الفرار.
فقال الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة والإمامية): إنها ترثه، وقال الشافعي في الجديد: لا ترثه. وقال الظاهرية: طلاق المريض كطلاق الصحيح ولا فرق، فإذا مات أو ماتت فلا توارث بينهما بعد الطلاق الثلاث، ولا بعد تمام العدة في الطلاق الرجعي.
الأدلة:
استدل الشافعي على أن المرأة المطلقة في عدة طلاق بائن لا ترث من زوجها الذي طلقها: بانقطاع آثار الزوجية بالطلاق البائن، والميراث لا يثبت بعد زوال سببه، بخلاف المطلقة في عدة طلاق رجعي، فإنها ترث بالاتفاق لبقاء آثار الزوجية، كلحوق الطلاق لها والإيلاء منها ونحوهما.
واستدل الجمهور بالأثر والمعقول:
أما الأثر: فإن عثمان ﵁ ورَّث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، الذي كان قد طلقها في مرضه، فبتَّها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً منهم.
وأما المعقول: فهو أن تطليقها ضرار محض، وهو يدل على قصده حرمانها من الإرث، فيعاقب بنقيض قصده، كما يرد قصد القاتل إذا قتل مورثه بحرمانه من الإرث، فترث المرأة حينئذ بسبب الزوجية دفعاً للضرر عنها.
стр. 6755
وقت الإرث: لكن اختلف الجمهور في وقت الإرث، فقال الحنفية: إنها ترث إذا مات وهي في العدة من هذا الطلاق البائن، لبقاء بعض أحكام الزواج فيبقى حق إرثها منه، فإن مات بعد انقضاء العدة، فلا ميراث لها؛ لأنه لم يبق بينهما علاقة، وصارت كالأجنبية، ففي أثناء العدة: ترث بسبب الإمكان وهو بقاء بعض أحكام الزوجية، وبعد انقضاء العدة: لا ترث لعدم الإمكان وانقطاع آثار الزوجية السابقة.
وقال المالكية: إنها ترث وإن انقضت عدتها وتزوجت، لما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف «أن أباه طلق أمه، وهو مريض، فمات، فورثته بعد انقضاء العدة» ولأن سبب توريثها فراره من ميراثها، وهذا المعنى لا يزول بعد انقضاء العدة.
وعند الإمامية، والمشهور عند أحمد: أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج، لما روي عن الحسن البصري، ولأن هذه المطلقة وارثة من زوج، فلا ترث زوجاً سواه كسائر الزوجات، فلو ورثت بعد الزواج بغيره لأدى ذلك إلى توريثها من زوجين في بعض الأحوال، والمرأة لا تكون زوجة لاثنين شرعاً، والتوارث من حكم النكاح فلا يجوز اجتماعه مع نكاح آخر، ولأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الزوج الأول لها، فأشبه ما لو كان فسخ النكاح من قبلها.
شروط ثبوت الميراث: يشترط لثبوت ميراث المرأة في طلاق الفرار مايأتي:
١ - ألا يصح الزوج من ذلك المرض، وإن مات منه بعد مدة.
٢ - أن يكون المرض مخوفاً يحجر عليه فيه.
стр. 6756
٣ - أن يكون الطلاق البائن بعد الدخول الحقيقي: فلو كان الطلاق قبل الدخول ولو بعد الخلوة الصحيحةلا يعتبر المطلِّق فارّاً ولا تستحق الزوجة الميراث؛ لأن العدة لا تجب بهذا الطلاق. ووجوب العدة بعد الخلوة عندا لحنفية ومن وافقهم للاحتياط محافظة على الأنساب، والميراث حق مالي لا يثبت للاحتياط.
٤ - أن يكون الطلاق بدون رضا الزوجة: أي منه لا منها ولا بسببها، فلو كان برضاها لا يثبت لها الميراث، ولا يوصف المطلِّق بالفرار. وعليه لو كان الطلاق بالتمليك والتخيير بأن قال لها: اختاري، والخلع بأن اختلعت منه على مال دفعته له في سبيل تطليقها، والتفريق القضائي لعيب في الزوج، ثم مات وهي في العدة، لم ترثه، لتحقق رضاها بإبطال حقها في الميراث.
٥ - أن تكون الزوجة أهلاً للميراث من زوجها وقت الطلاق، وأن تستمر هذه الأهلية إلى وقت الموت. فإذا لم تكن أهلاً للميراث وقت الطلاق، بأن كانت كتابية وهو مسلم، فلا يثبت لها الميراث، لعدم تحقق صفة الفرار. ولو كانت مسلمة وقت الطلاق، ثم خرجت عن هذه الأهلية قبل الموت فارتدت، فإنها لا ترث؛ لأنها بالردة سقط حقها في الميراث، ولا يعود لها عند الجمهور غير المالكية هذا الحق بالإسلام؛ لأن الساقط لا يعود.
وقال مالك: لو عادت إلى الإسلام بعد أن ارتدت ثم مات الزوج في عدتها، فإنها ترثه؛ لأنها مطلَّقة في المرض، فأشبه ما لو لم ترتد.
الفرقة من جهة الزوجة المريضة مرض الموت: إذا حدثت الفرقة من جهة الزوجة وهي مريضة مرض الموت ونحوه مما يغلب فيه الهلاك، فإنها تعد فارَّة من ميراث زوجها، فتعامل بنقيض مقصودها، ويرثها الزوج إذا ماتت وهي في العدة، ولا ترث هي منه إذا مات ولو كانت في العدة.
стр. 6757
وإذا قصدت الزوجة بالفرقة إبطال حق الزوج، رد عليها قصدها وثبت له الميراث، كأن يكون لهاخيار الفسخ، أو ترتكب مع أحد أصول الزوج أو فروعه في مرض موتها ما يوجب حرمة المصاهرة، أو ترتد عن الإسلام وهي في مرض موتها، فإنها تعتبر فارَّة من الميراث، فيرثها زوجها إذا ماتت قبل انقضاء عدتها؛ لأن الفرقة جاءت بسبب من جهتها.
ومما يوجب حرمة المصاهرة عند الحنفية والحنابلة: أن يستكره الابن امرأة أبيه على ما ينفسخ به نكاحها من وطء أو غيره في مرض أبيه، فمات أبوه من مرضه المذكور، ورثته ولم يرثها إن ماتت. فإن طاوعته على الحرام، لم ترث؛ لأنها مشاركة فيما ينفسخ به نكاحها، فأشبه ما لو خالعته.
وكذلك الحكم فيما إذا وطئ المريض من ينفسخ نكاحه بوطئها، كأم امرأته أو ابنتها، فإن امرأته تبين منه وترثه إذا مات في مرضه، ولا يرثها، سواء طاوعته الموطوءة أو أكرهها، فإن مطاوعتها ليس للمرأة فيه فعل، فيسقط به ميراثها.
ولا يرى الشافعي فسخ النكاح بالوطء الحرام.
وإن فعلت المريضة ما ينفسخ نكاحها، كرضاع امرأة صغيرة لزوجها، أو رضاع زوجها الصغير، أو ارتدت أو نحوها، فماتت في مرضها، ورثها الزوج ولم ترثه عند الحنفية والحنابلة والمالكية، وقال الشافعي: لا يرثها.
زواج المريض المطلِّق بأخرى: إذا طلق المريض امرأته، ثم نكح أخرى ومات من مرضه في عدة المطلقة، ورثتاه عند الحنفية والحنابلة، وقال مالك: الميراث كله للمطلقة؛ لأن نكاح المريض عنده غير صحيح.
стр. 6758
المبحث السادس - الشك في الطلاق وإثبات الطلاق:
الشك في الطلاق: الشك لغة ضد اليقين، واصطلاحاً: تردد على السواء، والمراد هنا مطلق التردد، سواء أكان على السواء بين الاحتمالين أم ترجح أحد الاحتمالين. وحكمه باتفاق الفقهاء (١): أن اليقين لا يزول بالشك، وعدم الشك من الزوج في الطلاق هو شرط الحكم بوقوع الطلاق، فلو شك فيه لا يحكم بوقوعه، ولا يعتزل امرأته.
- فمن شك في طلاقه، هل طلق أو لا، لم تطلق امرأته؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، ووقع الشك في زواله بالطلاق، فلا يحكم بزواله بالشك، كحياة المفقود، إنها لما كانت ثابتة، ووقع الشك في زوالها، لا يحكم بزوالها بالشك، والحاصل: أن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بشك.
- ومن شك في صفة الطلاق: أنه طلقها رجعية أو بائنة، يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقناً بها.
- ومن شك في عدد الطلاق بنى على اليقين، وهو الأقل، فمن شك في طلاق ثلاث، فيحكم عند الجمهور غير المالكية بوقوع طلقة واحدة حتى يستيقن؛ لأن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه، فلم يلزمه، كما لو شك في أصل الطلاق، وتبقى أحكام المطلق دون الثلاث من إباحة الرجعة، وإذا راجع، وجبت النفقة وحقوق الزوجية.
وقال المالكية: إن تيقن الطلاق، وشك في العدد، لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأنها تحتمل طلاقاً ثلاثاً.
стр. 6759
ـ وإن حلف بالطلاق ثم شك: هل حنث أو لا، أمر عند المالكية بالفراق.
ـ وإن شك في وجود الشرط الذي علق عليه الطلاق، مثل: أنت طالق إن فعلت كذا، أو أنت طالق إن لم أفعل كذا اليوم، فمضى اليوم وشك في فعله، لم تطلق؛ لأن النكاح ثابت بيقين، فلا يزول بالشك.
ـ ومن طلق إحدى امرأتيه بذاتها، ثم نسيها أو خفيت عليه ذاتها، بأن طلقها في ظلمة أو من وراء حجاب، رجع إليه عند الشافعية في تعيينها، ولا تحل له واحدة منهما قبل أن يعين، والوطء ليس بياناً ولا تعييناً، ولو ماتت المرأتان أو إحداهما يطالب بالتعيين لبيان الإرث، ولو مات فالأظهر قبول بيان وارثه لا تعيينه، وقال الحنابلة: تعين إحداهما بقرعة.
وإن طلق إحدى امرأتيه، ولم ينو معينة، لزمه التعيين عند الشافعية. وأخرجت المطلقة بالقرعة عند الحنابلة، خلافاً لما ذهب إليه أكثر العلماء، عملاً بما روي عن علي وابن عباس، ولأنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية، فتدخله القرعة كالعتق، ولأن الحق لواحد غير معين، فوجب تعيينه بقرعة كإعتاق عبيده في مرضه، وكالسفر بإحدى نسائه، وكالمنسية، ولا يملك إخراج امرأة بتعيينه بغير القرعة، ويجوز له وطء الباقي من نسائه بعد القرعة لبقاء نكاحهن، ولا يجوز وطء إحداهن قبل القرعة إن كان الطلاق بائناً، لاحتمال أن تكون هي التي تقع عليها القرعة، وإن كان الطلاق رجعياً جاز وطء الكل، وبه تحصل الرجعة.
ـ ولو قال: إن كان الطائر غراباً فأنت طالق، وشك هل كان غراباً أو لا، فلا نحكم بوقوعه. ولو قال شخص آخر: إن لم يكن هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وجهل حال الطائر، لم يحكم بطلاق المرأة، لجواز أنه غير غراب، والأصل بقاء النكاح، فتعليق الطلاق لا يغير حكمه. وقال الحنابلة: من قال عن طائر: إن كان
стр. 6760
هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن لم يكن غراباً ففلانة طالق، وجهل أي المرأتين طلق، فالمطلقة منهما كالمنسية، يقرع بينهما؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عيناً أو بالذات، فهما سواء، والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول.
الورع التزام الطلاق: لكن يلاحظ أن الشافعية والحنابلة نبهوا على أن الورع في حال الشك هو التزام الطلاق والأخذ بالأسوأ لقوله ﷺ : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١) وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢). فمن شك في الطلاق، يراجع إن كان له الرجعة، وإلا فيجدد نكاحها إن كان له فيها رغبة، وإلا فلينجز طلاقها لتحل لغيره يقيناً. ومن شك في عدد الطلاق في أنه طلق ثلاثاً أم ثنتين، لم ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره. ولو شك: هل طلق ثلاثاً أو لم يطلق شيئاً، طلقها ثلاثاً لتحل لغيره يقيناً.
أدلة العمل بالمتيقن: والأصل في طرح الشك والعمل بالمتيقن حديث عبد الله ابن زيد عن النبي ﷺ : «أنه سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاًَ» (٣) فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك، ولأنه شك طرأ على يقين، فوجب اطراحه، كما لو شك المتطهر في الحدث، أو شك المحدث في الطهارة.
وبناء عليه قرر الفقهاء ما سبق وخلاصته: إن وقع الشك في أصل الطلاق: لا يحكم بوقوعه؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، إن وقع في قدر الطلاق أو عدده، يحكم بالأقل عند الجمهور غير المالكية؛ لأنه متيقن به، وفي الزيادة شك. وإن