٣ - أن يكون الطلاق البائن بعد الدخول الحقيقي: فلو كان الطلاق قبل الدخول ولو بعد الخلوة الصحيحةلا يعتبر المطلِّق فارّاً ولا تستحق الزوجة الميراث؛ لأن العدة لا تجب بهذا الطلاق. ووجوب العدة بعد الخلوة عندا لحنفية ومن وافقهم للاحتياط محافظة على الأنساب، والميراث حق مالي لا يثبت للاحتياط.
٤ - أن يكون الطلاق بدون رضا الزوجة: أي منه لا منها ولا بسببها، فلو كان برضاها لا يثبت لها الميراث، ولا يوصف المطلِّق بالفرار. وعليه لو كان الطلاق بالتمليك والتخيير بأن قال لها: اختاري، والخلع بأن اختلعت منه على مال دفعته له في سبيل تطليقها، والتفريق القضائي لعيب في الزوج، ثم مات وهي في العدة، لم ترثه، لتحقق رضاها بإبطال حقها في الميراث.
٥ - أن تكون الزوجة أهلاً للميراث من زوجها وقت الطلاق، وأن تستمر هذه الأهلية إلى وقت الموت. فإذا لم تكن أهلاً للميراث وقت الطلاق، بأن كانت كتابية وهو مسلم، فلا يثبت لها الميراث، لعدم تحقق صفة الفرار. ولو كانت مسلمة وقت الطلاق، ثم خرجت عن هذه الأهلية قبل الموت فارتدت، فإنها لا ترث؛ لأنها بالردة سقط حقها في الميراث، ولا يعود لها عند الجمهور غير المالكية هذا الحق بالإسلام؛ لأن الساقط لا يعود.
وقال مالك: لو عادت إلى الإسلام بعد أن ارتدت ثم مات الزوج في عدتها، فإنها ترثه؛ لأنها مطلَّقة في المرض، فأشبه ما لو لم ترتد.
الفرقة من جهة الزوجة المريضة مرض الموت: إذا حدثت الفرقة من جهة الزوجة وهي مريضة مرض الموت ونحوه مما يغلب فيه الهلاك، فإنها تعد فارَّة من ميراث زوجها، فتعامل بنقيض مقصودها، ويرثها الزوج إذا ماتت وهي في العدة، ولا ترث هي منه إذا مات ولو كانت في العدة.
стр. 6757
وإذا قصدت الزوجة بالفرقة إبطال حق الزوج، رد عليها قصدها وثبت له الميراث، كأن يكون لهاخيار الفسخ، أو ترتكب مع أحد أصول الزوج أو فروعه في مرض موتها ما يوجب حرمة المصاهرة، أو ترتد عن الإسلام وهي في مرض موتها، فإنها تعتبر فارَّة من الميراث، فيرثها زوجها إذا ماتت قبل انقضاء عدتها؛ لأن الفرقة جاءت بسبب من جهتها.
ومما يوجب حرمة المصاهرة عند الحنفية والحنابلة: أن يستكره الابن امرأة أبيه على ما ينفسخ به نكاحها من وطء أو غيره في مرض أبيه، فمات أبوه من مرضه المذكور، ورثته ولم يرثها إن ماتت. فإن طاوعته على الحرام، لم ترث؛ لأنها مشاركة فيما ينفسخ به نكاحها، فأشبه ما لو خالعته.
وكذلك الحكم فيما إذا وطئ المريض من ينفسخ نكاحه بوطئها، كأم امرأته أو ابنتها، فإن امرأته تبين منه وترثه إذا مات في مرضه، ولا يرثها، سواء طاوعته الموطوءة أو أكرهها، فإن مطاوعتها ليس للمرأة فيه فعل، فيسقط به ميراثها.
ولا يرى الشافعي فسخ النكاح بالوطء الحرام.
وإن فعلت المريضة ما ينفسخ نكاحها، كرضاع امرأة صغيرة لزوجها، أو رضاع زوجها الصغير، أو ارتدت أو نحوها، فماتت في مرضها، ورثها الزوج ولم ترثه عند الحنفية والحنابلة والمالكية، وقال الشافعي: لا يرثها.
زواج المريض المطلِّق بأخرى: إذا طلق المريض امرأته، ثم نكح أخرى ومات من مرضه في عدة المطلقة، ورثتاه عند الحنفية والحنابلة، وقال مالك: الميراث كله للمطلقة؛ لأن نكاح المريض عنده غير صحيح.
стр. 6758
المبحث السادس - الشك في الطلاق وإثبات الطلاق:
الشك في الطلاق: الشك لغة ضد اليقين، واصطلاحاً: تردد على السواء، والمراد هنا مطلق التردد، سواء أكان على السواء بين الاحتمالين أم ترجح أحد الاحتمالين. وحكمه باتفاق الفقهاء (١): أن اليقين لا يزول بالشك، وعدم الشك من الزوج في الطلاق هو شرط الحكم بوقوع الطلاق، فلو شك فيه لا يحكم بوقوعه، ولا يعتزل امرأته.
- فمن شك في طلاقه، هل طلق أو لا، لم تطلق امرأته؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، ووقع الشك في زواله بالطلاق، فلا يحكم بزواله بالشك، كحياة المفقود، إنها لما كانت ثابتة، ووقع الشك في زوالها، لا يحكم بزوالها بالشك، والحاصل: أن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بشك.
- ومن شك في صفة الطلاق: أنه طلقها رجعية أو بائنة، يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقناً بها.
- ومن شك في عدد الطلاق بنى على اليقين، وهو الأقل، فمن شك في طلاق ثلاث، فيحكم عند الجمهور غير المالكية بوقوع طلقة واحدة حتى يستيقن؛ لأن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه، فلم يلزمه، كما لو شك في أصل الطلاق، وتبقى أحكام المطلق دون الثلاث من إباحة الرجعة، وإذا راجع، وجبت النفقة وحقوق الزوجية.
وقال المالكية: إن تيقن الطلاق، وشك في العدد، لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ لأنها تحتمل طلاقاً ثلاثاً.
стр. 6759
ـ وإن حلف بالطلاق ثم شك: هل حنث أو لا، أمر عند المالكية بالفراق.
ـ وإن شك في وجود الشرط الذي علق عليه الطلاق، مثل: أنت طالق إن فعلت كذا، أو أنت طالق إن لم أفعل كذا اليوم، فمضى اليوم وشك في فعله، لم تطلق؛ لأن النكاح ثابت بيقين، فلا يزول بالشك.
ـ ومن طلق إحدى امرأتيه بذاتها، ثم نسيها أو خفيت عليه ذاتها، بأن طلقها في ظلمة أو من وراء حجاب، رجع إليه عند الشافعية في تعيينها، ولا تحل له واحدة منهما قبل أن يعين، والوطء ليس بياناً ولا تعييناً، ولو ماتت المرأتان أو إحداهما يطالب بالتعيين لبيان الإرث، ولو مات فالأظهر قبول بيان وارثه لا تعيينه، وقال الحنابلة: تعين إحداهما بقرعة.
وإن طلق إحدى امرأتيه، ولم ينو معينة، لزمه التعيين عند الشافعية. وأخرجت المطلقة بالقرعة عند الحنابلة، خلافاً لما ذهب إليه أكثر العلماء، عملاً بما روي عن علي وابن عباس، ولأنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية، فتدخله القرعة كالعتق، ولأن الحق لواحد غير معين، فوجب تعيينه بقرعة كإعتاق عبيده في مرضه، وكالسفر بإحدى نسائه، وكالمنسية، ولا يملك إخراج امرأة بتعيينه بغير القرعة، ويجوز له وطء الباقي من نسائه بعد القرعة لبقاء نكاحهن، ولا يجوز وطء إحداهن قبل القرعة إن كان الطلاق بائناً، لاحتمال أن تكون هي التي تقع عليها القرعة، وإن كان الطلاق رجعياً جاز وطء الكل، وبه تحصل الرجعة.
ـ ولو قال: إن كان الطائر غراباً فأنت طالق، وشك هل كان غراباً أو لا، فلا نحكم بوقوعه. ولو قال شخص آخر: إن لم يكن هذا الطائر غراباً فامرأتي طالق، وجهل حال الطائر، لم يحكم بطلاق المرأة، لجواز أنه غير غراب، والأصل بقاء النكاح، فتعليق الطلاق لا يغير حكمه. وقال الحنابلة: من قال عن طائر: إن كان
стр. 6760
هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن لم يكن غراباً ففلانة طالق، وجهل أي المرأتين طلق، فالمطلقة منهما كالمنسية، يقرع بينهما؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عيناً أو بالذات، فهما سواء، والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول.
الورع التزام الطلاق: لكن يلاحظ أن الشافعية والحنابلة نبهوا على أن الورع في حال الشك هو التزام الطلاق والأخذ بالأسوأ لقوله ﷺ : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١) وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢). فمن شك في الطلاق، يراجع إن كان له الرجعة، وإلا فيجدد نكاحها إن كان له فيها رغبة، وإلا فلينجز طلاقها لتحل لغيره يقيناً. ومن شك في عدد الطلاق في أنه طلق ثلاثاً أم ثنتين، لم ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره. ولو شك: هل طلق ثلاثاً أو لم يطلق شيئاً، طلقها ثلاثاً لتحل لغيره يقيناً.
أدلة العمل بالمتيقن: والأصل في طرح الشك والعمل بالمتيقن حديث عبد الله ابن زيد عن النبي ﷺ : «أنه سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاًَ» (٣) فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك، ولأنه شك طرأ على يقين، فوجب اطراحه، كما لو شك المتطهر في الحدث، أو شك المحدث في الطهارة.
وبناء عليه قرر الفقهاء ما سبق وخلاصته: إن وقع الشك في أصل الطلاق: لا يحكم بوقوعه؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، إن وقع في قدر الطلاق أو عدده، يحكم بالأقل عند الجمهور غير المالكية؛ لأنه متيقن به، وفي الزيادة شك. وإن
стр. 6761
وقع الشك في وصف الطلاق أنه طلقها رجعية أو بائنة، يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقناً بها.
إثبات الطلاق:
إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها، وأنكر هو، فمذهب المالكية (١): أنه إن أتت بشاهدين عدلين نفذ الطلاق، وإن أتت بشاهد واحد، حلّف الزوج وبرئ، وإن لم يحلف سجن حتى يقر ويحلف.
وإن لم تأت بشاهد فلا شيء على الزوج، وعليها منع نفسها منه بقدر جهدها.
وإن حلف بالطلاق وادعت أنه حنث، فالقول قول الزوج بيمينه.
وذكر الحنابلة (٢): إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها، فالقول قول الزوج بيمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، إلا أن يكون لها بما ادعته بينة، ولا يقبل فيه إلا عدلان؛ لأن الطلاق ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال كالحدود والقصاص. فإن لم تكن بينة يستحلف الرجل على الصحيح لحديث: «اليمين على من أنكر».
стр. 6762
ملحق ببحث الطلاق - الرجعة وزواج التحليل:
الرجعة:
أولاً - تعريف الرجعة و مشروعيتها وحكمها وركنها ونوعاها وأحكام الرجعية (١):
تعريفها: الرجعة لغة: المرة من الرجوع، واصطلاحاً عند الحنفية: هي استدامة الملك القائم بلا عوض ما دامت في العدة، أي استدامة الزواج في أثناء عدة الطلاق الرجعي. والطلاق الرجعي كما تقدم: تطليق المدخول بها ما دون الثلاث بلا مال، بصريح الطلاق غير المقترن بعدد الثلاث، أو بعض الكنايات المخصوصة (وهي اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة). وهذا يعني أن الرجعة تدل على بقاء الزواج بعد الطلاق الرجعي وأنها استدامة له، وليست إنشاء لعقد جديد، ولا إعادة للزواج السابق بعد زواله، وهذا يتفق مع مبدأ بقاء أحكام الزواج بعد الطلاق الرجعي، بدليل قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] سماه بعلاً، وهذا يقتضي بقاء الزوجية بينهما.
وعرفها الجمهور غير الحنفية بأنها: إعادة المطلَّقة طلاقاً غير بائن إلى الزواج في العدة بغير عقد. وهذا يعني أن الزواج ينتهي بالطلاق الرجعي، وأن الرجعة تعيده بعد زواله. وهو الراجح لدي، لاتفاقه مع مقتضى الطلاق الذي يحرم المرأة لغة وعرفاً.
стр. 6763
مشروعيتها: الرجعة مشروعة لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] أي في العدة، ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] أي رجعة، كما قال الشافعي والعلماء. ولقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] والرد والإمساك مفسران بالرجعة.
ولقوله ﷺ : «أتاني جبريل فقال: راجع حفصة، فإنها صوامة قوَّامة، وإنها زوجتك في الجنة» (١) وقوله ﷺ لعمر: «مره فليراجعها» كما سبق.
وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق دون الثلاث له الرجعة في العدة.
وبناء عليه: إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها تطليقة رجعية أو تطليقتين، فله أن يراجعها في عدتها، سواء رضيت بذلك أم لم ترض؛ لأنها عند الحنفية باقية على الزوجية، بدليل جواز الظهار عليها، والإيلاء واللعان والتوارث، وإيقاع الطلاق الآخر ما دامت في العدة بالإجماع.
حكمتها: حكمة العدة تمكين النادم على الطلاق من إعادة الزوجة، وإصلاح سبب الخلاف، في فترة قريبة وهي العدة، فتكون العدة لإعطاء فرصة للزوج للنظر في أمر الزوجة، والتفكير في مصيرها، فهل من الخير والمصلحة عودة الحياة الزوجية، فيراجعها قبل انقضاء عدتها، أم أن الخير في الطلاق، فيتركها حتى تنتهي عدتها وتبين منه.
وركن الرجعة عند الحنفية: الصيغة أو الفعل فقط، وعند الجمهور: أركانها ثلاثة: مرتجع، وزوجة، وصيغة فقط عند الشافعية وكذا وطء عند الحنابلة، أو فعل أو نية عند المالكية.
стр. 6764
نوعاها: الرجعة نوعان: رجعة من طلاق رجعي، ورجعة من طلاق بائن. أما الرجعة من الطلاق الرجعي فتكون بالقول اتفاقاً، وتكون بالفعل: وهوأن يستمتع بها بالوطء فما دونه. ولا يجب في الارتجاع من الطلاق الرجعي صداق ولا ولي ولا يتوقف على إذن المرأة ولا غيرها.
فإذا انقضت عدتها، صارت رجعتها كالرجعة من الطلاق البائن، ويحتاج في ذلك مايحتاج في إنشاء الزواج من إذن المرأة وبذل صداق لها وعقد وليها عند الجمهور المشترطين وجود الولي خلافاً للحنفية. ويجوز بالاتفاق عقد زواج جديد على المطلقة طلاقاً بائناً سواء في العدة أم بعدها.
أحكام المرأة الرجعية: تعود المرأة الرجعية بالرجعة إلى الزواج بكل ماله وما عليه، ويكون لها حكم الزوجات، وتخالفها في أشياء، ومما تخالف الزوجة مايأتي:
تحريم الاستمتاع بها عند الشافعية والمالكية: فيحرم الاستمتاع بالرجعية قبل المراجعة بوطء أم غيره حتى بالنظر ولو بلا شهوة؛ لأنها مفارقة كالبائن، ولأن النكاح يبيح الاستمتاع، فيحرمه الطلاق، لأنه ضده. وهذا هو الحق، وإلا لم يكن للطلاق أثر في التحريم.
فإن وطئ الزوج الرجعية فلا حد عليه، وإن كان عالماً بالتحريم، لاختلاف العلماء في إباحته. ولا يعزر إلا معتقد تحريمه إذا كان عالماً بالتحريم، لإقدامه على معصية عنده، بخلاف معتقد حله، والجاهل بتحريمه لعذر. ومثله المرأة. ويعد كالوطء في استحقاق التعزير سائر التمتعات.
ويجب عند الشافعية بوطء الرجعية مهر المثل إن لم يراجع، وكذا إن راجع على المذهب.
стр. 6765
ورأى المالكية: أنه - بالرغم من تحريم وطء الرجعية على المشهور - لا صداق ولا حد في الوطء الخالي عن نية الرجعة؛ لأنها زوجة ما دامت في العدة.
وذهب الحنفية، والحنابلة في ظاهر المذهب إلى أنه لا يحرم الاستمتاع بالرجعية، فيباح لزوجها وطؤها، ويباح له عند الحنابلة الخلوة بها والسفر بها، ولها أن تتزين له، وتسرف في الزينة؛ لأنها في حكم الزوجات، كما قبل الطلاق، لكن لا قسم لها عندهم، والسبب في إباحة الاستمتاع بها تسمية الزوج بعلاً في آية: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] وأن له أن يطلِّق.
وأثبت الحنفية للرجعية القسم إن كان من قصده المراجعة، وإن لم يقصدها فلا قسم لها، لكن يندب عدم دخول الزوج عليها بلا إعلامها لتتأهب وإن قصد مراجعتها، وتكره الخلوة بها كراهة تنزيهية إن لم يكن من قصده الرجعة، وإلا فلا تكره.
والمرأة الرجعية مثل الزوجة اتفاقاً في لزوم النفقة والكسوة والسكنى، وفي صحة الإيلاء منها والظهار والطلاق واللعان والتوارث، فيرث كل منهما الآخر.
ومرض الموت والإحرام بحج أو عمرة لا يمنعان من الرجعة للمطلقة الرجعية، ويمنعان من رجعة البائن، كما يمنعان من إنشاء النكاح في رأي الجمهور غير الحنفية، الذين لايجيزون الزواج في أثناء الإحرام.
ثانياً - من له حق الرجعة وعدم قبول إسقاطه:
الرجعة حق الزوج ما دامت المطلقة في العدة، سواء رضيت بذلك أم لم ترض، لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] وهذا الحق للمرتجع أثبته الشرع له، فلا يقبل الإسقاط ولا التنازل عنه،
стр. 6766
فلو قال الزوج: طلقتك ولا رجعة لي عليك، أو أسقطت حقي في الرجعة، فإن حقه في الرجعة لا يسقط؛ لأن إسقاطه يعد تغييراً لما شرعه الله، ولا يملك أحد أن يغير ما شرعه الله، والله سبحانه رتب حق الرجعة على الطلاق الرجعي في آية: ﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢].
ثالثاً - شروط صحة الرجعة: يشترط في الرجعة ما يأتي (١):
شرط المرتجع: يشترط في المرتجع أهلية الزواج بنفسه، بأن يكون عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالغاً عاقلاً مختاراً غير مرتد؛ لأن الرجعة كإنشاء النكاح، فلا تصح الرجعة في الردة والصبا والجنون والسكر، ولا من مكرَه، كما لا يصح الزواج فيها، ولأن طلاق الصبي غير لازم أو غير واقع. وأجاز الحنفية الرجعة للصبي لأن نكاحه صحيح يتوقف على إجازة وليه. وأجاز الحنابلة والشافعية الرجعة لولي المجنون؛ لأنها حق للمجنون يخشى فواته بانقضاء العدة، وأجاز الحنفية للمجنون والمعتوه والمكره الرجعة.
ولا يشترط في المرتجع بالاتفاق عدم الإحرام بحج أو عمرة، وعدم المرض؛ لأن كلاً من المحرم والمريض فيه أهلية النكاح، غير أنه طرأ عليهما ما يمنع من صحته، فيجوز لخمسة الرجعة ولا يجوز نكاحهم: وهم المحرم والمريض والسفيه والمفلس والعبد.
стр. 6767
شرط ما تحصل به الرجعة: تحصل الرجعة من ناطق عند الشافعية بالقول فقط سواء أكان صريحاً أم كناية، أما الصريح فمثل: راجعتك ورجعتك وارتجعتك ورددتك وأمسكتك، وبمعنى هذه الألفاظ ونحوها من سائر اللغات، سواء أعرف العربية أم لا، وسواء أضاف الرجعة إليه أو إلى نكاحه، كقوله: إليّ أو إلى نكاحي أم لا، لكن يستحب ذلك. ولا بد من إضافة الرجعة إلى ظاهر كراجعت فلانة، أو مضمر كراجعتك، أو مشار إليه كراجعت هذه.
وأما الكناية في الأصح: فمثل قول المرتجع: تزوجتك أو نكحتك، ولا بد من أن يقول المرتجع في الكناية: رددتها إليّ أو إلى نكاحي، حتى يكون صريحاً، وهذا القول شرط.
وأما الفعل كوطء وغيره فلا تحصل به الرجعة عندهم؛ لأنه حرام، والحرام لاتصح الرجعة به، فلو وطئ الزوج رجعيته واستأنفت الأقراء من وقت الوطء، راجع فيما كان بقي من عدة الطلاق.
وتحصل الرجعة عند الجمهور بالقول أو بالفعل ومنه الخلوة، أما القول عند الحنفية: فهو إما صريح ولو من غير نية: وهو اللفظ الذي لا يحتمل معنى آخر غير الرجعة وإبقاء الزوجية، مثل راجعت زوجتي، أو رجعتك أو رددتك أو أمسكتك. وإما كناية بالنية أو دلالة الحال: وهو ما يحتمل الرجعة وغيرها، كقوله: أنت امرأتي أو أنت عندي الآن كما كنت. فالصريح لا حاجة فيه إلى النية، ولفظ الكناية يحتاج إلى النية أو دلالة الحال. ويشترط في (رددتك) الإضافة إليه أو إلى نكاحه فيقول: إلي أوإلى نكاحي، أو إلى عصمتي.
وأما الفعل، ولكن مع الكراهة التنزيهية: فهو كل ما يوجب حرمة المصاهرة كمس بشهوة ووطء ولو في الدبر على المعتمد، مع أنه حرام، وتقبيل بشهوة على
стр. 6768
أي موضع، ولو اختلاساً أو نائماً أو مكرهاً أو مجنوناً أو معتوهاً، سواء نوى المطلق الرجعة أم لا؛ لأن حصول هذا الفعل يدل بوضوح على رغبته في إمساك زوجته، ولأن الزوجية عند الحنفية باقية؛ لأن الله سمى المطلِّق بعلاً، والبعل هو الزوج.
وتحصل الرجعة بصدور أحد هذه الأفعال من الزوجة كالتقبيل بشهوة إن صدقها الزوج، أو ورثته بعد موته في وجود الشهوة، فإن أنكر لا تثبت الرجعة.
وتحصل الرجعة عند المالكية بالقول أو الفعل أو النية، وأما القول فهو إما صريح، كرجعت وارتجعت زوجتي، وراجعت، ورددتها لعصمتي أو نكاحي، أو غير صريح مثل مسَّكتها أو أمسكتها، إذ يحتمل: أمسكتها تعذيباً.
وأما الفعل فهو كوطء ومقدماته.
وأما النية: فهي حديث النفس بأن يقول في نفسه: راجعتها، لكن إذا حدث مجرد قصد أن يراجعها، فلا يكون رجعة اتفاقاً.
ولا بد من أن ينوي الارتجاع مع القول، أو مع الفعل، خلافاً للحنفية كما تقدم؛ لأن تصرف الزوج يحتاج إلى دلالة قوية على رغبته في إعادة المطلقة، وهو يكون بالنية. وتحصل الرجعة بالقول الصريح ولو هزلاً؛ لأن الرجعة هزلها جد، لكن الرجعة في الهزل رجعة في الظاهر لعدم النية، فيلزمه الحاكم بالنفقة وسائر الحقوق، فلا يحل الاستمتاع بها، حتى ينوي الرجعة.
ولا صداق ولا حد في الوطء الخالي عن نية الرجعة، وإن كان الوطء حراماً؛ لأنها في حكم الزوجة ما دامت في العدة.
وتحصل الرجعة عند الحنابلة والأوزاعي بالقول الصريح، وبالوطء، سواء
стр. 6769
نوى به الرجعة أم لم ينو به الرجعة؛ لأن الطلاق سبب زوال الملك، والوطء من المالك يمنع زواله، كوطء البائع أمته المبيعة في مدة الخيار. ولا تحصل الرجعة بتقبيل المرأة، أو لمسها بشهوة، أو كشف فرجها والنظر إليه بشهوة أو غير شهوة، ولا بالخلوة بها والحديث معها؛ لأن المذكور كله ليس باستمتاع، أي ليس في معنى الوطء؛ إذ الوطء يدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة؛ بخلاف ما ذكر، وهذا هو الراجح عندهم، ولا تحصل الرجعة أيضاً بإنكار الطلاق إذ لا يدل على الرجعة، ولا تحصل الرجعة بالكناية مثل تزوجتك أو نكحتك؛ لأن الرجعة استباحة بُضع (فرج) مقصود، فلا تحل بالكناية. وقال بعض الحنابلة: الخلوة في إثبات الرجعة كالوطء؛ لأن حكمها حكم الدخول في جميع أمورها عندهم.
والخلاصة: تحصل الرجعة بالقول الصريح اتفاقاً، أو بالكناية بشرط النية عند غير الحنابلة، واشترط المالكية النية في القول والفعل، وتحصل أيضاً عند غير الشافعية بالوطء، وكذا بكل ما يوجب حرمة المصاهرة عند الحنفية والمالكية، ولا تحصل بغير الوطء ولا بالكناية عند الحنابلة، ولا بأي فعل عند الشافعية. والراجح لدي قول المالكية لتوسطه وقوة حجته.
شرط الزوجة المرتجعة (محل الرجعة) والطلاق الحاصل والعدة:
يشترط في الرجعة كون المرأة مدخولاً بها، لا بمجرد الخلوة، وأن تكون مطلَّقة طلاقاً رجعياً من نكاح صحيح؛ لأن النكاح الفاسد يفسخ سواء بعد الدخول أم قبله، ولأن المفسوخ نكاحها لا رجعة فيها؛ لأن الله تعالى أناطها بالطلاق فاختصت به، ولأن الطلاق البائن يزيل الزوجية في الحال بمجرد صدوره، فتملك المطلقة أمرها، وأن يكون الطلاق بلا عوض؛ لأن المطلقة بعوض قد ملكت نفسها، وأن تكون ممن لم يستوف عدد طلاقها؛ لأنه إذا استوفى عدد الطلاق وهو
стр. 6770
ثلاث، فلا سلطنة له عليها، وأن تكون قابلة للحل للمراجع، لا مرتدة، فلا تصح مراجعة المرتدة؛ لعدم حلها، ولا يصح مراجعة الكافرة التي أسلمت، واستمر زوجها في الكفر لعدم الحل. ويشترط أيضاً أن تكون باقية في العدة: فلا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة؛ لأن العدة إذا انقضت أصبح الطلاق بائناً، فتمتنع الرجعة.
شرط زمن الرجعة: يشترط أن تكون الرجعة منجزة، فلا يصح تعليقها بشرط مستقبل، مثل: راجعتك إن شئت، فقالت: شئت، أو راجعتك إن قدم أبوك، أو راجعتك إن عاد أبي من السفر، ولا يصح أيضاً إضافتها إلى زمن مستقبل، مثل: راجعتك غداً أو أول الشهر القادم؛ لأن الرجعة عند الحنفية شبيهة بالزواج من حيث إنها استدامة له، فيشترط فيها التنجيز كالزواج، ولأنها عند الجمهور استباحة بضع مقصود، فلم يصح تعليقه على شرط كالنكاح. ويشترط ألا تكون مؤقتة بوقت، فإذا قال لها: راجعتك شهراً، لم تحصل الرجعة. ويصح تعليق الرجعة على أمر قد مضى، مثل: إن كنت فعلت كذا فإني أراجعك، وكان الفعل قد وقع فعلاً، أو على أمر متحقق الوجود في الحال، مثل: إن رضي أبي فقد راجعتك، وكان أبوه حاضراً في المجلس، فقال: رضيت. وإنما جاز التعليق في هاتين الحالتين؛ لأنه تنجيز في صورة التعليق.
والخلاصة: يشترط في الرجعة ما يلي:
١ - أهلية المرتجع عند المالكية والشافعية والحنابلة، أي بالبلوغ والعقل.
٢ - أن يكون الطلاق رجعياً لا بائناً ولا بعوض.
٣ - أن تقع الرجعة في العدة، لا بعد انقضائها.
стр. 6771
٤ - أن تكون المرأة زوجة مطلقة معينة غير مبهمة، مدخولاً بها في نكاح صحيح قابلة للحل، فلا تصح رجعة غير مدخول بها ولا مفسوخ نكاحها ولا مرتدة ونحوها.
٥ - أن تكون الرجعة منجزة غير مؤقتة بوقت، وغير معلقة بشرط ولا مضافة لزمن مستقبل.
ما لا يشترط في الرجعة: لا يشترط في الرجعة أمور أهمها ما يأتي (١):
١ - رضا المرأة ونحوه من الشروط: لا يشترط بالاتفاق رضا المرأة في الرجعة، لقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] فجعل الحق لهم، وقال سبحانه: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] فخاطب الأزواج بالأمر، ولم يجعل لهن اختياراً، ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية، فلم يعتبر رضاها في الرجعة، كالتي في عصمته تماماً.
ولا يشترط في الرجعة ولي ولا صداق؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، والرجعة إمساك لها، واستبقاء لزواجها.
٢ - إعلام المرأة بالرجعة: ولا يشترط أيضاً إعلام المرأة بالرجعة، فتصح الرجعة ولو لم تعلم بها الزوجة؛ لأن الرجعة حق خالص للزوج لا يتوقف على رضا المرأة كالطلاق، لكن يندب إعلام الزوجة بها، حتى لا تتزوج غيره بعد
стр. 6772
انقضاء العدة، وحتى لا تقع المنازعة بين الزوجين، إذا أثبت الزوج الرجعة بالبينة، حتى إنه إذا تزوجت بزوج آخر وأثبت زوجها الأول مراجعتها صحت الرجعة، وفسخ الزواج الثاني.
٣ - الإشهاد على الرجعة: ليس الإشهاد على الرجعة شرطاً لصحتها عند الجمهور وهم الحنفية، والمالكية في مشهور المذهب، والشافعية في الجديد، والحنابلة في أصح الروايتين عن أحمد، ولكن الإشهاد عليها مستحب احتياطاً، خوفاً من إنكار الزوجة لها بعد انقضاء العدة، وقطعاً للشك في حصولها، وابتعاداً عن الاتهام في العودة إلى معاشرة الزوجة، فيقول الزوج للشاهدين: اشهدا على أني راجعت امرأتي إلى نكاحي أو زوجيتي، أوراجعتها لما وقع عليها من طلاقي ونحوه. فإن لم يُشهد على رجعتها، صحت الرجعة.
وقال الظاهرية: يجب الإشهاد على الرجعة وإلا لم تصح، لقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] والأمر للوجوب، ولأن الشهادة شرط في إنشاء الزواج بالاتفاق، فتكون شرطاً في استدامته بالرجعة.
وحمل الجمهور الأمر في هذه الآية على الندب والاستحباب، لأن قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] وارد عقب قوله: ﴿فأمسكوهن بمعروف﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] وأجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق، فتكون الرجعة مثله، ولأن النصوص القرآنية مطْلَقة كقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢].
وروي أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ بمراجعتها، ولم يأمره بالإشهاد على الرجعة، ولو كان شرطاً لأمره به.
стр. 6773
وسئل عمران بن حصين عن الرجل يطلِّق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلَّقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعُدْ (١).
ولم يؤثر عن الصحابة اشتراط الشهادة لصحة الرجعة مع كثرة وقوعها منهم.
ولأن الرجعة حق للزوج لا يتوقف على رضا المرأة، فلا يحتاج إلى الإشهاد عليه كسائر حقوق الزوج.
ولأن الشهادة شرط لابتداء الزواج لخطورته، وليست شرطاً لبقائه، والرجعة إبقاء للزواج واستدامة له، فلا تكون شرطاً لصحتها.
رابعاً - اختلاف الزوجين في الرجعة: إذا توافق الزوجان على الرجعة في أثناء العدة، ثبتت وترتب عليها أثرها، وإن اختلف الزوجان: فإما أن يكون الخلاف في حصول الرجعة أو في صحتها (٢):
١ - إن اختلف الزوجان في حصول الرجعة: بأن ادعاها الزوج فقال: راجعتك وأنكرت المرأة، فإن كان ذلك قبل انقضاء العدة، فالقول قول الزوج اتفاقاً؛ لأنه يملك الرجعة، فقبل إقراره فيها كما يقبل قوله في طلاقها حين ملك الطلاق.
стр. 6774
وإن كان بعد انقضاء العدة: فإن أثبت الرجل دعواه بالبينة، أو صدقته المرأة في قوله: «قد كنت راجعتك في العدة» ثبتت الرجعة.
وإن عجز الرجل عن الإثبات، أو كذبته المرأة، فالقول قولها بيمينها، في رأي الأكثرين، على المفتى به عند الحنفية من قول الصاحبين، فإذا نكل المنكر حبس عندهما حتى يُقرّ أو يحلف؛ لأن النكول عن اليمين يعتبر عندهما إقراراً بالحق المدعى، والرجعة يصح الإقرار بها عندهما.
وفي رأي أبي حنيفة: لا يمين عليها.
ويقبل قولها لأن الأصل عدم الرجعة ووقوع البينونة.
وإن اختلفا في الإصابة (الوطء) فقال الزوج: أصبتك، وأنكرت المرأة، فالقول أيضاً قولها بيمينها؛ لأن الأصل عدم الإصابة ووقوع الفرقة، فهي منكرة واليمين على من أنكر.
٢ - وإن اختلف الزوجان في صحة الرجعة: بأن قال الزوج: (قد راجعتك في العدة) فالرجعة صحيحة، فقالت الزوجة: الرجعة باطلة، لوقوعها بعد انقضاء العدة، أو قالت مجيبة له: (قد انقضت عدتي) وكانت العدة بالأقراء، فالقول قولها ما ادعت من ذلك ممكناً.
فإن كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعي المرأة انقضاء العدة عنده كافية لانقضاء العدة، قبل قولها بيمينها حتى عند أبي حنيفة؛ لأن انقضاء العدة بالحيض لا يعرف إلا من جهتها.
وإن كانت المدة التي مضت لا تكفي لانقضاء العدة، بأن كانت أقل من أقل مدة تنتهي فيها العدة شرعاً، فلا يعتبر قولها، وتصح الرجعة، لظهور قرينة تكذب دعواها.
стр. 6775
وأقل مدة تنقضي بها العدة بالحيضات وهي الأقراء عند الحنفية: ستون يوماً عند أبي حنيفة؛ لأن كل حيضة عشرة أيام في الأكثر، والحيضات ثلاث، فهي ثلاثون يوماً، يتخللها طهران وهما ثلاثون يوماً أيضاً؛ لأن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، فيكون مجموع ذلك ستين يوماً، وهذا هو الراجح وهو الغالب بين النساء. وأقل مدة عند الحنابلة على أن الأقراء هي الحيضات: تسعة وعشرون يوماً ولحظة، وذلك بأن يطلقها مع آخر الطهر، ثم تحيض بعده يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر لحظة ليعرف بها انقطاع الحيض.
وأقل مدة عند المالكية تنقضي بها العدة بالأقراء، أي الأطهار عندهم: شهر: ثلاثون يوماً، بأن يطلقها زوجها في أول ليلة من الشهر، وهي طاهرة، ثم تحيض وينقطع عنها الحيض قبل الفجر؛ لأن أقل الحيض عندهم يوم، أو بعض يوم بشرط أن يقول النساء: إنه حيض، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، ثم تحيض في ليلة السادس عشر، وينقطع قبل الفجر أيضاً، ثم تحيض عقيب غروب آخر يوم من الشهر، فتكون قد طهرت ثلاثة أطهار: الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الثاني في النصف الأول من الشهر، ثم الثالث في النصف الثاني من الشهر، فيحدث تمام الشهر ثلاثين يوماً.
وأقل مدة تنقضي بها العدة عند الشافعية: اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان، ولا يقبل أقل من ذلك بحال؛ لأنه لا يتصور عندهم أقل من ذلك، بأن تطلق وقد بقي لحظة من الطهر، وهي قرء عندهم، ثم تحيض يوماً وليلة أقل الحيض عندهم، ثم تطهر خمسة عشر يوماً أقل الطهر، وذلك قرء ثان، ثم تحيض يوماً وليلة ثم تطهر خمسة عشر، وذلك قرء ثالث، ثم تحيض، وهذه الحيضة ليست من العدة، بل لاستيقان انقضائها، فذلك اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان.
стр. 6776
مدة الاغتسال: ينتهي وقت الرجعة عند الحنفية إذا طهرت المرأة من الحيض الأخير لعشرة أيام، وإن لم تغتسل؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة. أما إن كان الحيض أقل من عشرة أيام، فلا تنقطع الرجعة حتى تغتسل؛ لأن عود الدم محتمل، أو يمضي عليها وقت صلاة فتصير ديناً في ذمتها، أو تتيمم للعذر وتصلي في الوقت ولو نفلاً استحساناً عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
ويرى أكثر الحنابلة أنه لا بد من وقت يمكن الغسل فيه بعد انقطاع الحيض، للقول بانقضاء العدة.
هذا هو القسم الأول وهو أن تدعي المرأة انقضاء عدتها بالقروء.
القسم الثاني - أن تدعي انقضاء عدتها بوضع الحمل:
إذا ادعت المرأة المطلَّقة انقضاء عدتها بوضع الحمل، فلا يقبل قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان الوطء بعد عقد الزوج؛ لأن أقل مدة الحمل هي ست أشهر، وأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق.
القسم الثالث - أن تدعي انقضاء عدتها بالشهور:
إذا كانت المرأة صغيرة آيسة فعدتها بالأشهر الثلاثة، إذا ادعت انقضاء عدتها بالشهور، فلا يقبل قولها فيه، وإنما القول قول الزوج؛ لأن المعول على قوله في وقت الطلاق، فيكون القول قوله فيما ينبني عليه، إلا أن يدعي انقضاء عدتها ليسقط عن نفسه نفقتها، فيكون القول حينئذ قولها؛ لأنه يدعي ما يسقط النفقة، والأصل وجوبها، فلا يقبل قوله إلا ببينة.
стр. 6777
الرجعة في القانون: أخذ القانون السوري بمذهب الحنفية في أن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وبجواز الرجعة بالقول أو الفعل، وانقطاع الرجعة بانقضاء عدة الطلاق، فنصت المادة (١١٨) على ما يلي:
١ - الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، وللزوج أن يراجع مطلقته أثناء العدة بالقول أو الفعل، ولا يسقط هذا الحق بالإسقاط.
٢ - تبين المرأة وتنقطع الرجعة بانقضاء عدة الطلاق الرجعي.
زواج التحليل:
بينا أن حكم الطلاق الثلاث هو زوال الملك والحل زوالاً مؤقتاً، فتحرم المرأة على من طلقها تحريماً مؤقتاً، ولا يجوز له زواجها قبل التزوج بزوج آخر لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] سواء طلقها ثلاثاً متفرقات، أو جملة واحدة.
التحليل بزواج دائم: تنتهي الحرمة باتفاق الفقهاء إذا كان الزواج الثاني مؤبداً طبيعياً، قصد به دوام الزوجية والعشرة، وهو المقصود في القرآن الكريم: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] وذلك بشروط ثلاثة هي (١):
الشرط الأول - أن تنكح زوجاً غيره، لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] نفى الحل إلى غاية التزوج بزوج آخر. فلو وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة، لم تبح؛ لأنه ليس بزوج.
стр. 6778
الشرط الثاني - أن يكون النكاح الثاني صحيحا ً: فإن كان فاسداً ودخل بها، لا تحل للأول؛ لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، ولقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح.
الشرط الثالث - أن يطأها الزوج الثاني في الفرج، فلو وطئها دونه أو في الدبر، لم يحلها لزوجها الأول؛ لأن النبي ﷺ علَّق الحل على ذوق العسيلة منهما، فقال لامرأة رفاعة القرظي: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (١). ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج، وأدناه تغييب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به، وذلك بشرط الانتشار؛ لأن الحكم يتعلق بذوق العسيلة، ولا تحصل من غير انتشار، وبشرط أن يكون الزوج الثاني ممن يمكن جماعه، لا طفلاً لا يتأتى منه الجماع.
فشرط الوطء: التقاء الختانين ولو من غير إنزال في رأي جماهير العلماء إلا الحسن البصري، فقال: لا تحل إلا بوطء بإنزال.
وجمهور العلماء على أن الوطء الذي يوجب الحد، ويفسد الصوم، والحج، ويحل المطلقة، ويحصن الزوجة، ويوجب الصداق: هو التقاء الختانين.
وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، يُحل الوطء المرأة، وإن وقع في وقت غير مباح كحيض أو نفاس، سواء أكان الواطئ بالغاً عاقلاً أم صبياً مراهقاً (٢) أم مجنوناً؛ لأن وطء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام النكاح من المهر والتحريم كوطء البالغ العاقل. وكذلك الصغيرة التي يجامع مثلها إذا طلقها زوجها ثلاثاً، ودخل بها الزوج الثاني، حلت للأول، لإطلاق قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا
стр. 6779
تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] ولأن وطأها يتعلق به أحكام الوطء من المهر والتحريم، فصار كوطء البالغة.
واشترط المالكية والحنابلة شرطاً رابعاً: هوأن يكون الوطء حلالاً (مباحاً) وأن يكون الواطئ عند المالكية بالغاً، وعند الحنابلة: أون له اثنا عشر سنة؛ لأن الوطء غير المباح حرام لحق الله تعالى، فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدة، ولأن من دون البلوغ أو من دون سن الثانية عشرة لا يمكنه المجامعة.
فلا يحل المطلقة إلا الوطء المباح الذي يكون في العقد الصحيح في غير صوم أو حج أو حيض أو اعتكاف، ولا يحل الذمية عند مالك وابن القاسم وطء زوج ذمي لمسلم. ونص أحمد على أنه إذا كانت الزوجة ذمية، فوطئها زوجها الذمي، أحلها لمطلِّقها المسلم لأنه وطء من زوج في نكاح صحيح تام، فأشبه وطء المسلم. وهذا رأي الشافعية والمالكية أيضاً. وأجاز الحنابلة للمجنون إحلال المطلقة ثلاثاً كما قال الحنفية؛ لظاهر الآية: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] ولأنه وطء مباح من زوج في نكاح صحيح تام، فأشبه وطء العاقل.
الزواج بشرط التحليل (نكاح المحلِّل): اتفق الفقهاء (١) أيضاً على أن الزواج بالمطلقة ثلاثاً بشرط صريح لعقد على أن يحلها الزوج الثاني لزوجها الأول لا يجوز، وهو حرام عند الجمهور، مكروه تحريماً عند الحنفية، لقول ابن مسعود: «لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له» (٢) ولقوله ﷺ : «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل
стр. 6780
له» (١) والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولا يطلق الزواج الشرعي على الزواج المنهي عنه.
وهذا هو نكاح المحلل: وهو أن يتزوج الرجل امرأة على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، وأن يتزوجها ليحلها للزوج الأول.
هذا النكاح فاسد عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأبي يوسف)؛ للحديث السابق، ولأن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت، وشرط التوقيت في النكاح يفسده، والنكاح الفاسد لا يقع به التحليل، فهو نكاح إلى مدة أو فيه شرط يمنع بقاءه فأشبه نكاح المتعة. قال في المهذب: «لأنه نكاح شرط انقطاعه دون غايته، فشابه نكاح المتعة» ويؤيده قول عمر: والله لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما (٢).
وقال أبو حنيفة وزفر: هذا النكاح صحيح مكروه تحريماً، فإن وطئها الزوج الثاني حلت للأول بعد أن يطلقها وتنقضي عدتها، لأن شرط التحليل شرط فاسد، والزواج لا يفسد بالشروط الفاسدة، فيلغو الشرط، ويصح العقد؛ لإطلاق آية: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] دون تفرقة بين ما إذا شرط الإحلال أم لا، إلا أنه مكروه تحريماً؛ لأنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو السكن والتوالد والتعفف، وهو يتوقف على البقاء والدوام في الزوجية.
وقال محمد: النكاح الثاني صحيح، ولا تحل المطلقة للأول؛ لأن النكاح عقد مؤبد، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى لغرض الحل، فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحاً، لكن لا يحصل به الغرض، كمن قتل مورثه فإنه يحرم الميراث. وهذا قول للشافعية فيمن تزوج امرأة على أنه إذا وطئها طلقها.
стр. 6781
وأجاز الإمامية نكاح المحلل مطلقاً بشرط الوطء، وكون الزوج بالغاً، وكون العقد صحيحاً دائماً.
الزواج بقصد التحليل دون شرط:
ذهب المالكية والحنابلة (١) إلى أن الزواج بقصد التحليل بدون شرط في العقد باطل، بأن تواطأ العاقدان على شيء مما ذكر قبل العقد، ثم عقد الزواج بذلك القصد، بأن نواه الزوج في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فيبطل العقد، ولا تحل به المرأة لزوجها الأول، عملاً بمبدأ سد الذرائع إلى الحرام، وبالحديث السابق: «لعن الله المحلل والمحلل له».
وذهب الحنفية والشافعية والظاهرية والإمامية (٢): إلى أن الزواج بقصد التحليل من غير شرط في العقد صحيح، وتحل المرأة بوطء الزوج الثاني للزوج الأول؛ لأن مجرد النية في المعاملات غير معتبر، فوقع الزواج صحيحاً، لتوافر شرائط الصحة في العقد، وتحل للأول، كما لو نويا التوقيت وسائر المعاني الفاسدة.
وأرجح الرأي الأول، لقوة أدلة قائليه، ولأن هذا الفعل أشبه بالسفاح، بدليل ما روى الحاكم والطبراني في الأوسط عن عمر: «أنه جاء إليه رجل، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة، ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا بنكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ » (٣) لكن خصص ابن حزم هذا في نكاح التحليل بشرط (٤).
стр. 6782
هدم الزواج الثاني طلاق الزوج السابق:
سبق الكلام في هذا الموضوع وأعيده هنا بتفصيل آخر (١):
أـ اتفق الفقهاء على أن المطلقة الرجعية إذا راجعها زوجها، والبائن بينونة صغرى إذا عقد عليها زوجها عقداً جديداً قبل أن تتزوج بزوج آخر، تعود إليه بما بقي له من الطلقات الثلاث، واحدة أو اثنتين.
ب - واتفقوا أيضاً على أن الزواج الثاني بعد الطلاق الثلاث، يهدم طلاق الزوج السابق، وتعود إليه بعد العقد الجديد بطلقات ثلاث؛ لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث؛ لأنه مثبت لحل جديد كامل، ويزول الحل الأول بالطلاق الثلاث.
جـ - واختلف الفقهاء في أنه: هل يهدم الزواج الثاني ما دون الثلاث على رأيين:
قال المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد وزفر من الحنفية: لا يهدم، يعني إذا تزوجت المطلقة قبل الطلقة الثالثة غير الزوج الأول، ثم أعادها الزوج الأول بنكاح جديد، فتعود ببقية الثلاث، لما روي عن كبار الصحابة: عمر وعلي ومعاذ وعمران بن حصين وأبي هريرة، ولأن الوطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق، ولأنه تزويج قبل استيفاء الطلقات الثلاث، فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والإمامية في أشهر الروايتين: إنه يهدم، فتعود إلى الزوج الأول بطلاق ثلاث، كما يهدم ما دون الثلاث؛ لأنه إذا هدم الطلقة الثالثة، فهو أحرى أن يهدم ما دونها؛ لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلاً يتسع لثلاث تطليقات، فيتسع لما دونها بالأولى.
стр. 6783
الفَصْلُ الثَّاني: الخُلْع فيه خمسة مباحث:
المبحث الأول - معنى الخلع ومشروعيته وألفاظه وحكمه ووقته وأركانه:
الخُلْع لغة: النزع والإزالة، وعرفاً بضم الخاء: إزالة الزوجية. وفقهاً له تعاريف في اصطلاح كل مذهب، فعند الحنفية (١): هو إزالة ملك النكاح المتوقفةُ على قبولها، بلفظ الخلع أو ما في معناه. فخرج بكلمة (ملك النكاح): الخلع في النكاح الفاسد وبعد البينونة والردة، فإنه لغو، وخرج بكلمة (المتوقفة على قبولها) أي المرأة: ما إذا قال: خلعتك ولم يذكر المال، ناوياً به الطلاق، فإنه يقع بائناً غير مسقط للحق، لعدم توقفه على قبول المرأة، فدل القبول على أن الخلع يكون ببدل، ومتى كان على بدل مالي لزم قبولها. وخرج بقوله (بلفظ الخلع) الطلاق على مال، فإنه غير مسقط للحقوق. وأما قوله (أو ما في معناه) فيدخل فيه لفظ (المبارأة) ولفظ (البيع والشراء) فإنه مسقط للحقوق ومنها المهر. والخلاصة: أن التعريف خاص بالخلع المسقط للحقوق، والواقع عادة في مقابل مال تفتدي به المرأة نفسها، فإن خالعها وقع الطلاق تطليقة بائنة، ولزمها المال.
стр. 6784
والخلع عند المالكية (١): الطلاق بعوض، سواء أكان من الزوجة أم من غيرها من ولي أو غيره، أو هو بلفظ الخلع. وهو يدل على أن الخلع نوعان:
الأول - وهو الغالب ما كان في نظير عوض.
الثاني - ما وقع بلفظ الخلع، ولو لم يكن في نظير شيء، كأن يقول لها: خالعتك أو أنت مخالعة.
وبعبارة أخرى هو: أن تبذل المرأة أو غيرها للرجل مالاً على أن يطلقها، أو تسقط عنه حقاً لها عليه، فتقع به طلقة بائنة.
أي أنه عند المالكية يشمل الفرقة بعوض أو بدون عوض.
والخلع عند الشافعية (٢): هو فُرْقة بين الزوجين بعوض بلفظ طلاق أو خلع، كقول الرجل للمرأة: طلقتك أو خالعتك على كذا، فتقبل.
وهذا أنسب التعاريف لاتفاقه مع المقصود بالخلع هنا وفي مفاهيم الناس ومع القانون النافذ في مصر وسورية.
والحنابلة (٣) قالوا: الخلع: فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه منها أو من غيرها، بألفاظ مخصوصة. وفائدته: تخليصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها. ويصح الخلع عندهم في رواية على غير عوض، ولا شيء للزوج، كما قال المالكية، والراجح عند الحنابلة أن العوض ركن في الخلع فلا يصح تركه كالثمن في البيع، فإن خالعها بغير عوض لم يقع خلع ولا طلاق إلا إذا كان بلفظ الطلاق أو نيته، فيقع طلاقاً رجعياً.
стр. 6785
مشروعيته: الخلع جائز لا بأس به عند أكثر العلماء (١)، لحاجة الناس إليه بوقوع الشقاق والنزاع وعدم الوفاق بين الزوجين، فقد تبغض المرأة زوجها وتكره العيش معه لأسباب جسدية خَلْقية، أو خلُقية أو دينية، أو صحية لكبر أو ضعف أو نحو ذلك، وتخشى ألا تؤدي حق الله في طاعته، فشرع لها الإسلام في موازاة الطلاق الخاص بالرجل طريقاً للخلاص من الزوجية، لدفع الحرج عنها ورفع الضرر عنها، ببذل شيء من المال تفتدي به نفسها وتتخلص من الزواج، وتعوض الزوج ما أنفقه في سبيل الزواج بها. وقد حصر جمهور العلماء أخذ الفدية من مال الزوجة مقابل الطلاق في حال النشوز وفساد العشرة من قبل الزوجة.
ودل الكتاب والسنة على مشروعيته، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:٤/ ٤] وقوله: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً﴾ [النساء:١٢٨/ ٤].
وأما السنة: فحديث ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني ما أعيب عليه في خلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : أتردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة» (٢) فهي لا تريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، وإنما كرهت كفران العشير، والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، فأمرها النبي ﷺ أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب برد بستانه الذي أمهرها إياه، وهو أول خلع وقع في الإسلام، وفيه معنى المعاوضة.
стр. 6786
وشذ أبو بكر بن عبد الله المزيني عن الجمهور، فقال: لا يحل للزوج أن يأخذ من زوجته شيئاً، زاعماً أن قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] منسوخ بقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ [النساء:٢٠/ ٤] وهذا معناه عند الجمهور الأخذ بغير رضاها، وأما برضاها فجائز.
ألفاظ الخلع: للخلع عند الحنفية (١) ألفاظ خمسة: الخلع، والمبارأة، والطلاق، والمفارقة، والبيع والشراء، كأن يقول الرجل: خالعتك بكذا، أو بارأتك، أو فارقتك، أو طلقي نفسك على ألف، أو بعت نفسك أو طلاقك على كذا، وتقبل المرأة.
وذكر المالكية (٢) له ألفاظاً أربعة: الخلع والمبارأة والصلح والفدية أو المفاداة، وكلها تؤول إلى معنى واحد وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن اسم الخلع يختص عادة ببذلها له جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه حقاً لها عليه.
وذكر الشافعية والحنابلة (٣) أن الخلع يصح بلفظ الطلاق الصريح أو الكناية مع النية، وباللغة
غير العربية، ومن الكناية قوله: بعتك نفسك بكذا، فقالت: اشتريت، والصريح عند الشافعية لفظ الخلع والمفاداة، وعند الحنابلة لفظ الخلع والمفاداة والفسخ، والكناية عند الشافعية مثل لفظ الفسخ في الأصح، وكل كنايات الطلاق، والكناية عند الحنابلة: مثل بارأتك وأبرأتك وأبنتك.
стр. 6787
حكمه الشرعي: يسن عند الحنابلة للرجل إجابة المرأة للخلع إن طلبته (١)، لقصة امرأة ثابت ابن قيس المتقدمة، إلا أن يكون للزوج ميل ومحبة لها، فيستحب صبرها، وعدم افتدائها. ويكره الخلع للمرأة مع استقامة الحال، لحديث ثوبان: أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة (٢)» ولأنه عبث، فيكون مكروهاً. لكن يقع الخلع مع الكراهة للآية السابقة: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء:٤/ ٤].
وذكر الحنفية: أنه إن كان النشوز (النفرة والجفاء) من قبل الزوج، كره له أن يأخذ منها عوضاً؛ لأنه أوحشها بالاستبدال، فلا يزيد في وحشتها بأخذ المال. وإن كان النشوز من قبل الزوجة، كره له أن يأخذ منها عوضاً أكثر مما أعطاها من المهر، فإن فعل ذلك بأن أخذ أكثر مما أعطاها، جاز في القضاء؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢].
وذكر الحنابلة (٣) أن الخلع باطل والعوض مردود والزوجية بحالها في حالة العضل أو الإكراه
على الخلع، بأن ضارَّها بالضرب والتضييق عليها، أو منعها حقوقها من الق والنفقة ونحو ذلك، كما لو نقصها شيئاً من حقوقها ظلماً، لتفتدي نفسها، لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:٤/ ١٩]، ولأن ما أكرهت على بذله من العوض مأخوذ بغير حق، فلم يستحق أخذه منها للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وذلك باسء لفظ الطلاق أونيته، فيقع رجعياً، ولم تبِن المرأة من زوجها لفساد العوض.
стр. 6788
وكذلك قال الشافعية (١): يجوز الخلع لما فيه من دفع الضرر عن المرأة غالباً، ولكنه مكروه لما فيه من قطع النكاح الذي هو مطلوب الشرع، لقوله ﷺ : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وذلك إلا في حالتين:
الأولى - أن يخافا أو يخاف أحدهما ألا يقيما حدود الله، أي ما افترض الله في النكاح.
والثانية - أن يحلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء لا بد له منه، أي كالأكل والشرب وقضاء الحاجة، فيخلعها، ثم يفعل الأمر المحلوف عليه، ثم يتزوجها فلا يحنث لانحلال اليمين بالفعلة الأولى، إذ لا يتناول إلا الفعلة الأولى، وقد حصلت.
والخلع عند المالكية على المشهور جائز مستوي الطرفين، وقيل: يكره، وهو قول ابن القصَّار، واشترطوا أن يكون خلع المرأة اختياراً منها وحباً في فراق الزوج من غير إكراه ولا ضرر منه، فإن انخرم أحد هذين الشرطين، نفذ الطلاق، ولم ينفذ الخلع (٢).
ومنع قوم الخلع مطلقاً. وقال الحسن البصري: لا يجوز حتى يراها تزني.
وقال داود الظاهري: لا يجوز إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله.
هل يحتاج الخلع إلى قاضٍ؟ لا يفتقر الخلع إلى حاكم، كما أبان الحنابلة (٣)، وهو رأي باقي الفقهاء، لقول عمر وعثمان ﵄، ولأنه معاوضة، فلم يفتقر إلى القاضي كالبيع والنكاح، ولأنه قطع عقد بالتراضي، فأشبه الإقالة.
стр. 6789
وقت الخلع: لا بأس بالخلع في الحيض، والطهر الذي أصابها فيه (١)؛ لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل دفع الضرر الذي يلحق المرأة بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وهو أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، وهي قد رضيت به، مما يدل على رجحان مصلحتها، ولذا لم يسأل النبي ﷺ المختلعة عن حالها.
أركان الخلع: أركانه عند الجمهور غير الحنفية خمسة (٢): القابل، والموجب، والعوض، والمعوض، والصيغة. فالقابل: الملتزم بالعوض، والموجب: الزوج أو وليه أو وكيله، والعوض: الشيء المخالع به، والمعوض: بُضْع الزوجة، أي الاستمتاع بها، والصيغة: مثل خالعتك أو خلعتك على كذا.
وحقيقة الخلع أو تحقق معناه هو المتضمن لتلك الأركان، فلا بد له من هذه الأمور الخمسة (٣):
الأول - أن يصدر الإيجاب من الزوج أو وكيله أو وليه إن كان صغيراً أو سفيهاً غير رشيد.
الثاني - أن يكون ملك المتعة قائماً حتى يمكن إزالته، وذلك بقيام الزوجية حقيقة، أو حكماً كما هو حال المطلقة رجعياً ولا تزال في العدة. فإن لم تكن الزوجية قائمة حقيقة أو حكماً، لم يتحقق الخلع، فلا خلع في النكاح الفاسد؛ لأن الفاسد لا يفيد ملك المتعة، ولا خلع بعد الطلاق البائن أو انتهاء عدة الطلاق الرجعي.
стр. 6790
الثالث - البدل من جانب الزوجة أو غيرها: وهو كل ما يصلح أن يكون مهراً من مال أو منفعة تقوم بالمال، غير أنه ليس لبدل الخلع حد أدنى بخلاف المهر، فيتحقق الخلع بأي بدل كثير أو قليل. ويستحب ألا يأخذ الرجل أكثر مما أعطى المرأة من الصداق عند أكثر العلماء (١).
ولا يلزم التصريح بالبدل، كما لا يلزم ذكر المهر في عقد الزواج، فالبدل في ذاته كالمهر لازم في الخلع على كل حال عند الحنفية والشافعية، فإذا قال الرجل: خالعتك، أو قال للمرأة: اختلعي مني، فقال: خالعتك، ولم يذكر أحدهما بدلاً، صح الخلع ولزم العوض. وقال المالكية وفي رواية عند الحنابلة: يقع الخلع بغير عوض. والراجح عند الحنابلة: أن العوض ركن في الخلع، فإن خالعها بغير عوض لم يقع خلع ولا طلاق إلا إذا كان بلفظ طلاق، فيكون طلاقاً رجعياً.
فإن استعمل الرجل أو المرأة لفظ المخالعة من غير قصد إلى الخلع بعوض، بل بقصد الطلاق المجرد، فيقع طلاق بائن، ولا يجب فيه مال على المرأة.
الرابع - الصيغة: وهي لفظ الخلع أو ما في معناه مما ذكر كالإبراء والمبارأة والفداء والافتداء، سواء أكان صريحاً أم كناية، فلا بد من صيغة معينة ومن لفظ الزوج، ولا يحصل بمجرد بذل المال؛ لأن الخلع الشرعي له آثار تختلف عن آثار الطلاق على مال. ولأنه تصرف في البضع (الاستمتاع بالمرأة) بعوض، فلم يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق.
الخامس - قبول الزوجة: لأن الخلع من جانبها معاوضة، وكل معاوضة يلزم فيها قبول دافع العوض، ويلزم تحقق القبول في مجلس الإيجاب أو مجلس العلم به، فإذا قامت الزوجة من المجلس بعد سماع كلمةالمخالعة، أو بعد ما علمت بها من طريق الكتابة، فلا يصح قبولها بعدئذ.
стр. 6791
ويشترط توافق القبول والإيجاب، فإن قال الزوج: طلقتك بألف، فقالت: بثمانمائة، أو قال: طلقتك ثلاثاً بألف، فقبلت طلقة واحدة بثلت ألف، لم ينعقد الخلع ويعد لغواً، وكذا يعد لغواً عند الشافعية (١): إن قال: طلقتك بألف، فقالت: قبلت بألفين؛ لأنه يشترط عنده التطابق أو التوافق التام بين الإيجاب والقبول.
وهذا وقد اعتبر الحنفية ركن الخلع هو الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول (٢).
المبحث الثاني - صفة الخلع وما يترتب عليها:
الخلع في رأي المالكية والشافعية والحنابلة (٣) معاوضة، فلا يحتاج لصحته قبض العوض، فلو تم من قبل الزوج، فماتت المرأة أو فلَّست، أخذ العوض من تركتها وأتبعت به، ويجوز رد العوض فيه بالعيب؛ لأن إطلاق العقد يقتضي السلامة من العيب، فثبت فيه الرد بالعيب كالمبيع والمهر، ويصح الخلع منجزاً بلفظ المعاوضة، لما فيه من معنى المعاوضة، ويصح معلقاً على شرط لما فيه من معنى الطلاق، ويملك العوض بالعقد، ويضمن بالقبض، لكن فصل الحنابلة في الضمان، فقالوا: العوض في الخلع كالعوض في الصداق والبيع: إن كان مكيلاً أو موزوناً، لم يدخل في ضمان الزوج، ولم يملك التصرف فيه إلا بقبضه، وإن كان غيرهما دخل في ضمانه بمجرد الخلع وصح تصرفه فيه.
стр. 6792
إلا أن الشافعية قالوا: الخلع معاوضة فيها شَوْب تعليق، لتوقف وقوع الطلاق فيه على قبول دفع المال من الزوجة.
وذهب أبو حنيفة (١) إلى أن الخلع قبل قبول المرأة يمين من جانب الزوج فلا يصح الرجوع عنه؛ لأنه علق طلاقه على قبول المال، والتعليق يمين اصطلاحاً. ويعتبر معاوضة بمال من جانب الزوجة؛ لأنها التزمت بالمال في مقابل افتداء نفسها وخلاصها من الزوج، لكنها عند أبي حنيفة ليست معاوضة محضة، بل فيها شبه بالتبرعات؛ لأن بديل العوض ليس مالاً شرعاً، وإنما هو افتداء المرأة نفسها، فلا يكون الخلع معاوضة محضة. وقال الصاحبان: الخلع يمين بالنظر إلى الزوجين جميعاً.
و يترتب على اعتبار الخلع يميناً من جانب الزوج الآثار التالية: ١ - لا يصح رجوع الزوج عنه قبل قبول المرأة.
٢ - لا يقتصر إيجاب الزوج على مجلسه، فلو قام من المجلس قبل قبول الزوجة لا يبطل إيجابه بهذا القيام.
٣ - لا يصح للزوج أن يشترط الخيار لنفسه في مدة معلومة؛ لأنه لا يملك الرجوع عن الخلع، لأنه يمين من جانبه، فإذا اشترط الخيار كان الشرط باطلاً، ولكن لا يبطل الخلع به.
٤ - يجوز للزوج أن يعلق الخلع بشرط، وأن يضيفه إلى زمن مستقبل، مثل: إذا قدم فلان فقد خالعتك على كذا، أو خالعتك على كذا غداً أورأس الشهر القادم، والقبول للزوجة عند تحقق الشرط، أو حلول الوقت المضاف إليه.
стр. 6793
ومذهب الحنابلة (١): لا يصح تعليق الخلع على شرط، ومذهب المالكية والشافعية: يجوز تعليق الخلع كأن يقول: متى ما أعطيتني فأنت طالق.
و يترتب على اعتبار الخلع معاوضة لها شبه بالتبرعات من جانب الزوجة ما يأتي:
١ - يصح للزوجة رجوعها عن الإيجاب إذا ابتدأت الخلع قبل قبول الزوج.
٢ - يقتصر قبول الزوجة في المجلس إن كانت حاضرة فيه، وفي مجلس علمها بالخلع إن كانت غائبة عن مجلس الإيجاب كالبيع. ولا يشترط حضور المرأة في المجلس، بل يتوقف الإيجاب على ما وراء المجلس بعكس عقد الزواج، فلو كانت غائبة فبلغها الخبر، فلها القبول في مجلس علمها به؛ لأنه في جانبها معاوضة.
٣ - يجوز للزوجة أن تشترط الخيار لنفسها في مدة معلومة يكون لها فيها الحق في القبول أو الرد، إذا ابتدأت الخلع، كأن تقول لزوجها: خالعتك على ألف على أن لي الخيار ثلاثة أيام، فإذا قبل الزوج صح الشرط، ولها أن تقبل أو ترفض؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة، والمعاوضات يصح فيها اشتراط الخيار.
وقال الصاحبان والحنابلة (٢): لا يصح اشتراط الخيار للزوجة؛ لأن الفرقة عند الحنابلة وقعت بالتلفظ بالخلع، وما وقع لا سبيل إلى رفعه، ولأن الخلع يمين الصاحبين بالنظر إلى الزوجين جميعاً، وليس معاوضة من جانب الزوجة، وإذا اشترط صح الخلع وبطل الشرط؛ لأنه لا يفسد بالعوض الفاسد، فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح.
стр. 6794
٤ - لا يصح للزوجة تعليق الخلع ولا إضافته إلى زمن مستقبل؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة وتمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق ولا الإضافة.
٥ - لا تلزم الزوجة ببدل الخلع إلاإذا كانت أهلاً للتبرع، بأن كانت بالغة عاقلة رشيدة؛ لأن الخلع وإن اعتبر معاوضة من جانب الزوجة، ففيه شبه بالتبرعات.
وأخذ القانون السوري برأي المالكية والشافعية، فأجاز لكل من الزوجين الرجوع عن الإيجاب في المخالعة قبل قبول الآخر، نصت المادة (٩٦) على أنه: «لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الآخر».
المبحث الثالث - شروط الخلع:
يشترط في الخلع ما يأتي (١):
١ - أهلية الزوج لإيقاع الطلاق: بأن يكون بالغاً عاقلاً في رأي الجمهور، وأجاز الحنابلة أن يكون مميزاً يعقله، فكل من لا يصح طلاقه لا يصح خلعه كالصبي والمجنون والمعتوه ومن اختل عقله لمرض أو كبر سن.
خلع السفيه: يصح الطلاق من كل مكلف (بالغ عاقل)، رشيد (٢) أو سفيه،
стр. 6795
حر أو عبد؛ لأن كل واحد منهم يصح طلاقه، فيصح خلعه، ولأنه إذا ملك الطلاق بغير عوض، فبالعوض أولى. ولا يصح من غير الزوج أو وكيله.
خلع الولي: يصح الخلع من الحاكم ولي غير المكلف من صبي أو مجنون إذا كان في الخلع مصلحة.
ولم يجز أبو حنيفة والشافعي وأحمد للأب خلع زوجة ابنه الصغير والمجنون ولا طلاقها، وهكذا كل من لا يجوز له أن يطلِّق على الصغير والمجنون لا يجوز أن يخالع عليهما، لقوله ﷺ : «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» والخلع في معنى الطلاق.
وقال مالك: يخالع الأب على ابنه الصغير وابنته الصغيرة؛ لأنه عنده يطلِّق على الابن، ويزوج الصغيرة.
خلع المريض: يصح خلع المريض مرض الموت؛ لأنه لو طلق بغير عوض لصح، فلأن يصح بعوض أولى، ولأن الورثة لا يفوتهم بخلعه شيء. وعبر المالكية عن ذلك بقولهم: ونفذ خلع المريض مرضاً مخوفاً، إشارة إلى أنه لا يحرم ابتداء لما فيه من إخراج وارث. وترثه على المشهور زوجته المخالعة في مرضه إن مات منه ككل مطلَّقة بمرض موت مخوف، حتى ولو انتهت عدتها وتزوجت بغيره، ولا يرثها هو إن ماتت في مرضه قبله، ولو كانت مريضة حال الخلع أيضاً؛ لأنه هو الذي أسقط ما كان يستحقه.
التوكيل في الخلع: يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع، وكل من صح خلعه لنفسه جاز توكيله ووكالته، حراً كان أو عبداً، ذكراً أو أنثى، مسلما ًأو كافراً، محجوراً عليه لسفه أو رشيداً؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يوجب الخلع، فصح أن يكون وكيلاً وموكِّلاً فيه كالحر الرشيد، ولأن الخلع عقد معاوضة كالبيع.