ويشترط توافق القبول والإيجاب، فإن قال الزوج: طلقتك بألف، فقالت: بثمانمائة، أو قال: طلقتك ثلاثاً بألف، فقبلت طلقة واحدة بثلت ألف، لم ينعقد الخلع ويعد لغواً، وكذا يعد لغواً عند الشافعية (١): إن قال: طلقتك بألف، فقالت: قبلت بألفين؛ لأنه يشترط عنده التطابق أو التوافق التام بين الإيجاب والقبول.
وهذا وقد اعتبر الحنفية ركن الخلع هو الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول (٢).
المبحث الثاني - صفة الخلع وما يترتب عليها:
الخلع في رأي المالكية والشافعية والحنابلة (٣) معاوضة، فلا يحتاج لصحته قبض العوض، فلو تم من قبل الزوج، فماتت المرأة أو فلَّست، أخذ العوض من تركتها وأتبعت به، ويجوز رد العوض فيه بالعيب؛ لأن إطلاق العقد يقتضي السلامة من العيب، فثبت فيه الرد بالعيب كالمبيع والمهر، ويصح الخلع منجزاً بلفظ المعاوضة، لما فيه من معنى المعاوضة، ويصح معلقاً على شرط لما فيه من معنى الطلاق، ويملك العوض بالعقد، ويضمن بالقبض، لكن فصل الحنابلة في الضمان، فقالوا: العوض في الخلع كالعوض في الصداق والبيع: إن كان مكيلاً أو موزوناً، لم يدخل في ضمان الزوج، ولم يملك التصرف فيه إلا بقبضه، وإن كان غيرهما دخل في ضمانه بمجرد الخلع وصح تصرفه فيه.
стр. 6792
إلا أن الشافعية قالوا: الخلع معاوضة فيها شَوْب تعليق، لتوقف وقوع الطلاق فيه على قبول دفع المال من الزوجة.
وذهب أبو حنيفة (١) إلى أن الخلع قبل قبول المرأة يمين من جانب الزوج فلا يصح الرجوع عنه؛ لأنه علق طلاقه على قبول المال، والتعليق يمين اصطلاحاً. ويعتبر معاوضة بمال من جانب الزوجة؛ لأنها التزمت بالمال في مقابل افتداء نفسها وخلاصها من الزوج، لكنها عند أبي حنيفة ليست معاوضة محضة، بل فيها شبه بالتبرعات؛ لأن بديل العوض ليس مالاً شرعاً، وإنما هو افتداء المرأة نفسها، فلا يكون الخلع معاوضة محضة. وقال الصاحبان: الخلع يمين بالنظر إلى الزوجين جميعاً.
و يترتب على اعتبار الخلع يميناً من جانب الزوج الآثار التالية: ١ - لا يصح رجوع الزوج عنه قبل قبول المرأة.
٢ - لا يقتصر إيجاب الزوج على مجلسه، فلو قام من المجلس قبل قبول الزوجة لا يبطل إيجابه بهذا القيام.
٣ - لا يصح للزوج أن يشترط الخيار لنفسه في مدة معلومة؛ لأنه لا يملك الرجوع عن الخلع، لأنه يمين من جانبه، فإذا اشترط الخيار كان الشرط باطلاً، ولكن لا يبطل الخلع به.
٤ - يجوز للزوج أن يعلق الخلع بشرط، وأن يضيفه إلى زمن مستقبل، مثل: إذا قدم فلان فقد خالعتك على كذا، أو خالعتك على كذا غداً أورأس الشهر القادم، والقبول للزوجة عند تحقق الشرط، أو حلول الوقت المضاف إليه.
стр. 6793
ومذهب الحنابلة (١): لا يصح تعليق الخلع على شرط، ومذهب المالكية والشافعية: يجوز تعليق الخلع كأن يقول: متى ما أعطيتني فأنت طالق.
و يترتب على اعتبار الخلع معاوضة لها شبه بالتبرعات من جانب الزوجة ما يأتي:
١ - يصح للزوجة رجوعها عن الإيجاب إذا ابتدأت الخلع قبل قبول الزوج.
٢ - يقتصر قبول الزوجة في المجلس إن كانت حاضرة فيه، وفي مجلس علمها بالخلع إن كانت غائبة عن مجلس الإيجاب كالبيع. ولا يشترط حضور المرأة في المجلس، بل يتوقف الإيجاب على ما وراء المجلس بعكس عقد الزواج، فلو كانت غائبة فبلغها الخبر، فلها القبول في مجلس علمها به؛ لأنه في جانبها معاوضة.
٣ - يجوز للزوجة أن تشترط الخيار لنفسها في مدة معلومة يكون لها فيها الحق في القبول أو الرد، إذا ابتدأت الخلع، كأن تقول لزوجها: خالعتك على ألف على أن لي الخيار ثلاثة أيام، فإذا قبل الزوج صح الشرط، ولها أن تقبل أو ترفض؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة، والمعاوضات يصح فيها اشتراط الخيار.
وقال الصاحبان والحنابلة (٢): لا يصح اشتراط الخيار للزوجة؛ لأن الفرقة عند الحنابلة وقعت بالتلفظ بالخلع، وما وقع لا سبيل إلى رفعه، ولأن الخلع يمين الصاحبين بالنظر إلى الزوجين جميعاً، وليس معاوضة من جانب الزوجة، وإذا اشترط صح الخلع وبطل الشرط؛ لأنه لا يفسد بالعوض الفاسد، فلا يفسد بالشرط الفاسد كالنكاح.
стр. 6794
٤ - لا يصح للزوجة تعليق الخلع ولا إضافته إلى زمن مستقبل؛ لأن الخلع من جانبها معاوضة وتمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق ولا الإضافة.
٥ - لا تلزم الزوجة ببدل الخلع إلاإذا كانت أهلاً للتبرع، بأن كانت بالغة عاقلة رشيدة؛ لأن الخلع وإن اعتبر معاوضة من جانب الزوجة، ففيه شبه بالتبرعات.
وأخذ القانون السوري برأي المالكية والشافعية، فأجاز لكل من الزوجين الرجوع عن الإيجاب في المخالعة قبل قبول الآخر، نصت المادة (٩٦) على أنه: «لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الآخر».
المبحث الثالث - شروط الخلع:
يشترط في الخلع ما يأتي (١):
١ - أهلية الزوج لإيقاع الطلاق: بأن يكون بالغاً عاقلاً في رأي الجمهور، وأجاز الحنابلة أن يكون مميزاً يعقله، فكل من لا يصح طلاقه لا يصح خلعه كالصبي والمجنون والمعتوه ومن اختل عقله لمرض أو كبر سن.
خلع السفيه: يصح الطلاق من كل مكلف (بالغ عاقل)، رشيد (٢) أو سفيه،
стр. 6795
حر أو عبد؛ لأن كل واحد منهم يصح طلاقه، فيصح خلعه، ولأنه إذا ملك الطلاق بغير عوض، فبالعوض أولى. ولا يصح من غير الزوج أو وكيله.
خلع الولي: يصح الخلع من الحاكم ولي غير المكلف من صبي أو مجنون إذا كان في الخلع مصلحة.
ولم يجز أبو حنيفة والشافعي وأحمد للأب خلع زوجة ابنه الصغير والمجنون ولا طلاقها، وهكذا كل من لا يجوز له أن يطلِّق على الصغير والمجنون لا يجوز أن يخالع عليهما، لقوله ﷺ : «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» والخلع في معنى الطلاق.
وقال مالك: يخالع الأب على ابنه الصغير وابنته الصغيرة؛ لأنه عنده يطلِّق على الابن، ويزوج الصغيرة.
خلع المريض: يصح خلع المريض مرض الموت؛ لأنه لو طلق بغير عوض لصح، فلأن يصح بعوض أولى، ولأن الورثة لا يفوتهم بخلعه شيء. وعبر المالكية عن ذلك بقولهم: ونفذ خلع المريض مرضاً مخوفاً، إشارة إلى أنه لا يحرم ابتداء لما فيه من إخراج وارث. وترثه على المشهور زوجته المخالعة في مرضه إن مات منه ككل مطلَّقة بمرض موت مخوف، حتى ولو انتهت عدتها وتزوجت بغيره، ولا يرثها هو إن ماتت في مرضه قبله، ولو كانت مريضة حال الخلع أيضاً؛ لأنه هو الذي أسقط ما كان يستحقه.
التوكيل في الخلع: يصح لكل من الزوجين أو من أحدهما التوكيل في الخلع، وكل من صح خلعه لنفسه جاز توكيله ووكالته، حراً كان أو عبداً، ذكراً أو أنثى، مسلما ًأو كافراً، محجوراً عليه لسفه أو رشيداً؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يوجب الخلع، فصح أن يكون وكيلاً وموكِّلاً فيه كالحر الرشيد، ولأن الخلع عقد معاوضة كالبيع.
стр. 6796
وإذا نقص الوكيل عما عينه له الموكل، كأن قال له: وكلتك على أن تخالعها بعشرة، فخالعها بخمسة، أو نقص الوكيل عن خلع المثل إن أطلق الموكل ولم يعين له شيئاً، لم يلزم الموكل بالخلع.
وإذا وكلت الزوجة وكيلاً ليخالعها، وعينت له شيئاً، أو أطلقت العبارة، وزاد وكيلها على ما عينت، أو على خلع المثل أن أطلقت، فعليه الزيادة. ولا يطالب الوكيل بالخلع بالبدل إلا إذا ضمنه، ويرجع به على المرأة.
خلع الفضولي: أجاز الحنفية والحنابلة الخلع من الفضولي، فإذا خاطب الفضولي الزوج بالخلع، فإن أضاف البدل إلى نفسه على وجه يفيد ضمانه له أو ملكه إياه، كاخلعها بألف علي، أو على أني ضامن، أو على ألفي هذه، ففعل، صح، والبدل عليه، فإن استحق البدل لزم الفضولي قيمته، ولا يتوقف الخلع حينئذ علي قبول المرأة.
وإن لم يضمن الفضولي البدل وأرسل الكلام، فقال: على ألف، فإن قبلت المرأة، لزمها تسليمه، أو قيمته إن عجزت.
وإن أضاف الفضولي البدل إلى غيره كفرس فلان، اعتبر قبول فلان هذا.
٢ - كون الزوجة محل الخلع وقابلته ممن عقد عليها عقد زواج صحيح، سواء أكانت مدخولاً بها، أم لا، ولو كانت مطلقة رجعياً ما دامت في العدة، وأن تكون ممن يصح تبرعها أو يطلق تصرفها في المال، بكونها مكلفة (بالغة عاقلة) غير محجور عليها، وأسباب الحجر خمسة: الرق والسفه والمرض والصبا والجنون، فلا يصح خلع الأمة إلا بإذن سيدها، ولا السفيهة اتفاقاً، ولا المريضة عند الشافعية والحنابلة لعدم صحة تصرفهما بالمال، ولا الصغيرة والمجنونة لانتفاء أهلية القبول.
стр. 6797
ولو اختلعت الأمة من زوجها على عوض بغير إذن سيدها، وقع الطلاق بائناً، ولا شيء عليها عند الحنفية والحنابلة والمالكية حتى تعتق.
وكذا عند الشافعية يطالبها بالعوض بعد العتق، لكن يستقر للزوج في ذمتها مهر المثل. وإذا كان الخلع بإذن السيد تعلق العوض في ذمته، كما لو أذن لعبده في الاستدانة.
وليس للأب وغيره من الأولياء خلع ابنته الصغيرة أو المجنونة أو السفيهة بشيء من مالها، ولا طلاقها بشيء من مالها؛ لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه حظ ومصلحة، وليس في هذا مصلحة، بل فيه إسقاط حقها الواجب لها.
وعلى هذا لا يصح خلع المحجور عليه لسفه أو صغر أو جنون لا بنفسها ولا بوليها ولا بإذنه، لأن الخلع تصرف في المال، وليست هي من أّهله، ولأنه ليس للولي الإذن في التبرعات، وهذا كالتبرع.
فإن خالع الزوج المحجور عليها بلفظ يكون طلاقاً، فهو طلاق رجعي، ولا يستحق عوضاً.
وقال الحنفية: يصح خلع المريضة، ولو اختلعت في مرضها فهو من الثلث؛ لأنها متبرعة في قبول المال، فيعتبر من الثلث، فإن ماتت في العدة، فله الأقل من بدل الخلع ومن ميراثه منها.
وقال المالكية: يحرم اختلاع المريضة مرض الموت، فيحرم عليها أن تخالع، كما يحرم الخلع على الزوج لإعانته لها على الحرام. لكن ينفذ الطلاق، ولا توارث بينهما إن كان الزوج صحيحاً، ولو ماتت في عدتها. أما لو كان الزوج مريضاً وخالع زوجته، ومات في مرضه، فترثه زوجته المخالعة، حتى ولو انقضت عدتها وتزوجت بغيره. ولا يرثها هو إن ماتت في مرضه قبله، حتى ولو كانت
стр. 6798
مريضة حال الخلع؛ لأنه هو الذي أسقط ما كان يستحقه، ككل مطلقة بمرض موت مخوف، فإنها ترثه إن مات من ذلك المرض، دون أن يرثها.
وقال الشافعية: إن خالعت الزوجة في مرض موتها وماتت: فإن لم يزد العوض على مهر المثل اعتبر من رأس المال، أي من جميع التركة، وإن زاد على مهر المثل، اعتبرت الزيادة من الثلث.
ويصح بالاتفاق خلع المحجور عليها لفلس، وبذلها للعوض صحيح؛ لأن لها ذمة يصح تصرفها، ويرجع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها، وليس للزوج مطالبتها في حال حجرها، كما لو استدانت منه أو باعها شيئاً في ذمتها.
٣ - أن يكون بدل الخلع مما يصلح أن يكون مهراً.
وهو عند الحنفية: أن يكون مالاً متقوماً موجوداً وقت الخلع معلوماً أو مجهولاً أو منفعة تقوم بالمال، فلا يصح خلع المسلمة على خمر أو خنزير أو ميتة أو دم، ويبطل العوض، ولا شيء للزوج، وتكون الفرقة طلاقاً بائناً؛ لأنه لما بطل العوض بقي لفظ الخلع، وهو كناية، وتقع الفرقة بالكنايات بينونة، أما لو كان الطلاق على مال، وبطل العوض كان طلاقاً رجعياً، لأنه بقي لفظ الطلاق، وهو صريح، والصريح طلاق رجعي.
والبدل عند الجمهور: كل ما يصح تملكه، سواء أكان مالاً عيناً، أم ديناً، أم منفعة، تحرزاً من الخمر والخنزير وما أشبه ذلك. فإن خالعها بمحرم كخمر أو خنزير أو مغصوب أو مسروق، فلا شيء له عليها وبانت منه عند المالكية والحنابلة كما قرر الحنفية، ويكون كالخلع بلا عوض، لأنه قد رضي بالإسقاط بغير عوض، فلا يستحق عليها شيئاً.
стр. 6799
وذكر الشافعية: أنه لو خالع بمجهول أو حرام، بانت منه بمهر المثل؛ لأنه المراد عند فساد العوض. ولو خالع بما ليس بمال كالدم، وقع الطلاق رجعياً؛ لأنه لم يطمع في شيء. وأما خلع الكفار بعوض غير مال فهو صحيح كما في أنكحتهم.
الخلع بمعدوم أو بمجهول: يصح الخلع عند الجمهور غير الشافعية إذا كان عوض الخلع مشتملاً على غرر أو معدوم ينتظر وجوده كجنين في بطن حيوان تملكه الزوجة، أو كان مجهولاً كأحد فرسين، أو غيرموصوف من عرض أو حيوان وثمرة لم يبد صلاحها، وعبد آبق، وبعير شارد، أو مضافاً لأجل مجهول، خلافاً لمهر النكاح، فليس كل ما يصلح عوضاً في الخلع، يصلح عوضاً في النكاح؛ لأن الخلع مبني على التوسع والتسامح، فيتحمل جهالة ونحوها لا يتحملها النكاح، ويصح الخلع على ما لا يصح مهراً بجهالة أو غرر.
وفرَّع الحنفية على قولهم بجواز جهالة عوض الخلع ولو جهالة فاحشة ما يأتي:
أـ إن قالت الزوجة لزوجها: (خالعني على ما في يدي) ولم يكن في يدها شيء، فخالعها، فلا شيء له عليها؛ لأنها لم تغرَّه بتسمية المال.
ب - وإن قالت له: (خالعني على ما في يدي من مال) ولم يكن في يدها شيء، فخالعها، ردت عليه مهرها؛ لأنها سمت مالاً لم يكن الزوج راضياً بالزوال إلا بالعوض، ولا وجه لإيجاب ما سمته المرأة من المال في يدها لجهالته، ولا لإيجاب مهر المثل؛ لأن البضع الذي يجب مهر المثل من أجله غير متقوم حالة الخروج من الملك بالخلع ونحوه، أما في حالة الدخول بعقد النكاح فهو متقوم، فتعين إيجاب ماقام به البضع على الزوج وهو المهر دفعاً للضرر عنه.
стр. 6800
جـ - وإن قالت له (خالعني على ما في يدي من دراهم) ولم يكن في يدها شيء، فخالعها، فعليها ثلاثة دراهم؛ لأنها سمت جمعاً من الدراهم، وأقل الجمع ثلاثة، ووافقهم الحنابلة (١) فيه.
د - وإن قالت له: (طلقني ثلاثاً بألف) فطلقها واحدة، فعليها ثلث الألف؛ لأن حرف الباء يَصْحَب الأعواض، والعوض ينقسم على المعوض، فهي لما طلبت الثلاث بألف، فقد طلبت كل واحدة بثلث الألف. والطلاق بائن لوجوب المال.
أما لو قالت: (طلقني ثلاثاً على ألف) فطلقها واحدة، فلا شيء عليها عند أبي حنيفة، وتقع طلقة رجعية؛ لأن كلمة (على) للشرط، والمشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط، بخلاف الباء، لأنه للعوض، وهذا هو الصحيح عند الحنفية. وقال الصاحبان والشافعية (٢): عليها ثلث الألف، وتقع طلقة بائنة؛ لأن كلمة (على) بمنزلة الباء في المعاوضات.
ولو قال الزوج لزوجته: (طلقي نفسك ثلاثاً بألف، أو على ألف) فطلقت نفسها واحدة، لم يقع عليها شيء؛ لأن الزوج مارضي بالبينونة إلا لتسلم له الألف كلها. وذلك بخلاف الحالة السابقة: (طلقني ثلاثاً بألف)؛ لأنها لما رضيت بالبينونة بألف، كانت ببعضها أرضى.
وأما الشافعية فقالوا: يشترط في عوض الخلع شروط الثمن من كونه متمولاً، معلوماً، مقدوراً على تسليمه، فلو خالع بمجهول أو خمر معلومة، أو نحوها، مما لا يتملك، بانت بمهر المثل؛ لأنه المراد عند فساد العقد، كما تقدم.
стр. 6801
مجمل شروط الخلع في بعض المذاهب: ذهب المالكية (١) إلى أنه لا يجوز الخلع إلا بثلاثة شروط:
الأول - أن يكون المبذول للرجل مما يصح تملكه وبيعه تحرزاً من الخمر والخنزير ونحوهما. ويصح عندهم بالمجهول والغرر، كما أوضحت.
الثاني - ألا يجر إلى ما لا يجوز كالخلع على السلف أو التأخير بدين أو الوضع على التعجيل، وشبه ذلك من أنواع الربا المذكورة في بحث الربا، فلا يصح الخلع مقابل التأخير في وفاء دين عليه، وقد حل أجله؛ فإنه لا شيء له عليها؛ لأن تأخير الحالّ سلف (٢)، وقد جر لها نفعاً، وهو خلاص عصمتها منه، وتأخذ الدين منه حاّلاً.
ولا يصح أيضاً الخلع مقابل تعجيل دين مؤجل لها من بيع، ويبقى إلى أجله، وبانت منه؛ لأن التعجيل مقابل حل العصمة. فإن كان الدين من قرض، وجب عليها قبول التعجيل قبل الأجل، مثل الشيء المعين (العين) لأن الأجل في العين حق لمن هي عليه.
الثالث - أن يكون خلع المرأة اختياراً منها وحباً في فراق الزوج من غير إكراه ولا ضرر منه بها. فإن انخرم أحد هذين الشرطين نفذ الطلاق ولم ينفذ الخلع.
ومذهب الحنابلة (٣) أن شروط الخلع تسع:
١ - بذل عوض.
٢ - ممن يصح تبرعه، وزوج يصح طلاقه.
٣ - غير هازلين.
٤ - عدم عضلها إن بذلته.
٥ - وقوعه بصيغته الصريحة أوالكناية،
стр. 6802
والأولى: خلعت وفسخت وفاديت، والثانية: بارأتك، وأبرأتك، وأبنتك.
٦ - عدم نيته طلاقاً.
٧ - تنجيز.
٨ - وقوعه على جميع الزوجة.
٩ - عدم الحيلة، فيحرم الخلع حيلة لإسقاط يمين الطلاق أو تعليقه ولا يصح.
شروط الخلع في القانون السوري:
نصت المادة (٩٥) من هذا القانون على أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والزوجة محلاً للطلاق:
«١ - يشترط لصحة المخالعة أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والمرأة محلاً له.
٢ - المرأة التي لم تبلغ سن الرشد إذا خولعت لا تلتزم ببدل الخلع إلا بموافقة ولي المال». وهذه الفقرة الثانية هي من مذهب المالكية.
ونصت المادة (٩٦) على صفة الخلع أخذاً بمذهبي المالكية والشافعية في كون الخلع معاوضة:
«لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الآخر» ونصت المادة (٩٧) على بدل الخلع: وهو كل ما جاز أن يكون مهراً بالاتفاق:
«كل ما صح التزامه شرعاً، صلح أن يكون بدلاً في الخلع».
ونصت المادة (١٠٠) على حالة الخلع من غير بدل أخذاً بمذهبي المالكية والحنابلة:
«إذا صرح المتخالعان بنفي البدل، كانت المخالعة في حكم الطلاق المحض، وقع بها طلقة رجعية».
стр. 6803
المبحث الرابع - حكم أخذ بدل الخلع، والخلع في مقابل بعض المنافع والحقوق، والفرق بين الخلع والطلاق على مال:
يتبع بحث اشتراط بدل الخلع الكلام في مواضع ثلاثة: حكم أخذ بدل الخلع، والخلع في مقابل منفعة أو حق، والفرق بين الخلع والطلاق على مال.
حكم أخذ بدل الخلع:
بحث الفقهاء مبدأ مشروعية أخذ البدل في مقابل الخلع أو الطلاق على التفصيل التالي (١):
١ - إن كانت الزوجة كارهة زوجها لقبح منظر أو سوء عشرة، وخافت ألا تؤدي حقه، جاز للزوج مخالعتها وأخذ عوض في نظير طلاقها، لكن يكره عند الحنفية أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، لقصة امرأة ثابت بن قيس المتقدمة: «قال النبي ﷺ : أتردين إليه حديقته؟ فقالت: نعم وزيادة، فقال ﷺ : أما الزيادة فلا» (٢). وهذا قول عطاء وطاوس والزهري وعمرو بن شعيب.
وأجاز الجمهور أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ما دام النشوز من جهتها، لكن لا يستحب له ذلك، لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله، فلا جناح عليهما
стр. 6804
فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] فإنه تعالى نفى الإثم في أخذ الرجل من الزوجة مقابل طلاقها، قليلاً كان أو كثيراً. والنهي عن الزيادة في حديث ثابت محمول على خلاف الأولى.
ويروى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: «لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص (١) رأسها، كان ذلك جائزاً» وقالت الرُبيِّع بنت مُعَوِّذ: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفان ﵁ (٢). ولم يخالفه أحد من الصحابة، واشتهر هذا، فلم ينكر، فيكون إجماعاً، ولم يصح عن علي ﵁ خلافه.
٢ - إن كان النفور والإعراض من جانب الزوج، يكره باتفاق العلماء، لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ [النساء:٢٠/ ٤].
ومثل هذا: لو أكره الزوج الزوجة أو اضطرها إلى طلب الخلع، فضيق عليها، وعاشرها معاشرة سيئة ليحملها على الطلاق، فلا يحل له أخذ شيء منها عند الحنفية والحنابلة والشافعية لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:٤/ ١٩] هذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها، والضرر حرام، لقوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار».
وكذلك قال المالكية: لا يحل له أخذ شيء من الزوجة في حالة الإضرار، ولو أخذ شيئاً وجب عليه أن يرده إليها.
стр. 6805
٣ - وإن كان الكره من الجانبين، وخشيا التقصير أو التفريط في حقوق الزوجية، جاز الخلع وجاز أخذ البدل اتفاقاً، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢].
الخلع في مقابل بعض المنافع والحقوق:
يصح أن يكون بدل الخلع من النقود، أو من المنافع المقومة بمال، كسكنى الدار وزراعة الأرض زمناً معلوماً، وكإرضاع ولدها أو حضانته أو الإنفاق عليه، أو من الحقوق كإسقاط نفقة العدة.
الخلع على الرضاع:
يصح الخلع على أن ترضع ولدها مدة الرضاع الواجب وهو سنتان؛ لأن الرضاع مما تصح المعاوضة عنه في غير الخلع، ففي الخلع أولى.
ويصح الخلع أيضاً عند الحنابلة (١) على إرضاع ولده مطلقاً دون تحديد مدة، وينصرف إلى ما بقي من الحولين؛ لأن الله تعالى قيَّد الرضاع بالحولين، فقال تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقال النبي ﷺ : «لا رضاع بعد فصال» (٢).
فإن ماتت المرضعة أو جف لبنها، فعليها أجر المثل لما بقي من المدة. وكذا عند الحنابلة إن مات الولد، وينفسخ الاتفاق بتلفه، وقال الشافعي: لا ينفسخ الاتفاق، ويأتيها بصبي ترضعه مكانه؛ لأن الصبي مستوفى به، لا معقوداً عليه.
стр. 6806
الخلع على الحضانة أو كفالة الولد مدة معلومة:
يصح الخلع أيضاً على أن تحضن ولده مدة معلومة بلا أجر، وقال الشافعي: لا يصح الاتفاق حتى يذكر مدة الرضاع وقدر الطعام وجنسه، وقدر الإدام وجنسه ويكون المبلغ معلوماً مضبوطاً بالصفة كالمسلم فيه (١).
ومبنى الخلاف مسألة استئجار الأجير بطعامه وكسوته، الشافعية يوجبون تعيين الأجرة، لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجره» (٢).
ولم يوجب الجمهور تعيين الأجر للعرف واستحسان المسلمين، ولقوله ﷺ : «إن موسى أجَر نفسه ثمانَ سنين أو عشر سنين على عِفَّة فرجه، وطعام بطنه» (٣).
فلو تركت المرأة الولد وهربت أو مات الولد أو ماتت هي، وجب عليها أجر المثل عن المدة الباقية.
الخلع على بقاء الولد إلى البلوغ: إذا خالعت المرأة زوجها على أن يبقى ابنه عندها إلى البلوغ صح الخلع ولم يصح الشرط عند الحنفية؛ لأن الحق في الابن بعد انتهاء مدة الحضانة للأب، لا للأم. أما إن خالعت على إبقاء ابنتها منه إلى البلوغ، فيصح الخلع والشرط، والفرق بين الحالتين: أن الابن أحوج لأبيه بعد الحضانة وأقدر على تربيته من الأم، والبنت أحوج إلى تدريب أمهاوتعليمها وأقدر على ذلك من الأب.
وأجاز المالكية اشتراط بقاء الابن مع الأم إلى البلوغ؛ لأن مدة حضانة الابن عندهم إلى البلوغ، والبنت إلى أن تتزوج ويدخل الزوج بها.
стр. 6807
الخلع على إسقاط الحضانة: أما الخلع على إسقاط حق الحضانة: فيصح عند الحنفية، ولا يسقط حق الأم في الحضانة؛ لأن هذا الحق للولد، فلا تملك الأم التنازل عنه.
وأجاز المالكية في مشهور المذهب إسقاط الحضانة بالخلع وانتقالها إلى الأب بشرطين:
الأول - ألا يلحق الولد ضرر من مفارقة أمه.
الثاني - أن يكون الأب قادراً على حضانة الولد.
لكن المفتى به عند المالكية: أن الحضانه لا تنتقل بإسقاط الأم إلى الأب، ولكنها تنتقل إلى من يلي
الأم في حق الحضانة (١).
الخلع على نفقة الصغير:
يرى الحنفية والمالكية (٢) أنه لو خالع الزوج امرأته على أن تنفق على ابنه الصغير مدة معلومة، صح الخلع: ولزمها الإنفاق في تلك المدة، فإن امتنعت، أو ماتت، أو مات الولد قبل انتهاء المدة، وجب عليها نفقة المثل في باقي المدة، وتؤخذ من تركتها في موتها.
وإن أعسرت أنفق الزوج عليها، ويرجع بالنفقة إن أيسرت. لكن قال المالكية: إن خالعها على أن تتحمل نفقة نفسهامدة حملها، لا تسقط في الأصح نفقة الحمل.
стр. 6808
الخلع مقابل الإبراء من نفقة العدة:
يصح الخلع في مقابل إبراء المرأة زوجها من نفقة العدة، ويبرأ الزوج منها (١)، وإن كان الساقط مجهولاً.
ويصح الخلع في مقابل إسقاط حق السكنى مدة العدة، ولا يسقط حقها؛ لأن سكنى المعتدة في بيت الزوجية واجب شرعي، لا تملك الزوجة إسقاطه، ولا تملك الزوجة أن تعفيه منه لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق:١/ ٦٥]، لكن إذا التزمت المرأة أن تدفع أجرة البيت من مالها، فيصح لها أن تعفي الزوج من هذه الأجرة.
موقف القانون السوري من الخلع على المنافع أو الحقوق:
نصت المادة (١٠٢) على إعفاء الزوج من أجرة الرضاع كما بينت عند الفقهاء:
١ - إذا اشترط في المخالعة إعفاء الزوج من أجرة رضاع الولد، أو اشترط إمساكها له مدة معلومة، وإنفاقها عليه، فتزوجت أو تركت الولد أو ماتت أو مات الولد، يرجع الزوج بما يعادل أجرة رضاع الولد أو نفقته عن المدة الباقية.
٢ - إذا كانت الأم معسرة وقت المخالعة، أوأعسرت فيما بعد، يجبر الأب على نفقة الولد، وتكون ديناً له على الأم.
ونصت المادة (١٠٣) على عدم سقوط حق الحضانة بالخلع عملاً بمذهب الحنفية:
стр. 6809
إذا اشترط الرجل في المخالعة إمساك الولد عنده مدة الحضانة، صحت المخالعة، وبطل الشرط، وكان لحاضنته الشرعية أخذه منه، ويلزم أبوه بنفقته وأجرة حضانته إن كان فقيراً.
ونصت المادة (١٠١) على عدم إسقاط نفقة العدة إلا بالنص الصريح في الخلع:
نفقة العدة لا تسقط، ولا يبرأ الز وج المخالع منها إلا إذا نص عليها صراحة في عقد الخالعة.
ونصت المادة (١٠٤) على عدم التقاص بين نفقة الولد ودين الأب:
لا يجري التقاص بين نفقة الولد المستحقة على أبيه ودين الأب على حاضنته.
الفرق بين الخلع والطلاق على المال عند الحنفية:
الخلع والطلاق على مال وإن زال بكل منهما ملك الزواج، وعلى الرغم من أن كل واحد طلاق بعوض، يختلفان من وجوه ثلاثة هي (١):
الأول - لو كان الخلع على عوض باطل شرعاً، بأن وقع على ما ليس بمال متقوم، كخلع المسلمة على خمر أو خنزير أو ميتة، فلا شيء للزوج، ويقع الطلاق بائناً.
أما إذا بطل العوض في الطلاق على مال، بأن سميا ما ليس بمال متقوم، فإن الطلاق يقع رجعياً.
стр. 6810
وذلك لأن الخلع كناية عند الحنفية، والكنايات توقع الفرقة بائنة. وأما الطلاق على مال فهو صريح، ويقع بائناً إذا صح العوض شرعاً، فإذا لم يصح فكأنه لم يكن، فبقي صريح الطلاق، فيكون رجعياً، وحينئذ يعمل كل من لفظي الخلع والطلاق المجردين عمله، فلفظ الخلع يكون كناية عن الطلاق، ولفظ الطلاق من أنواع الصريح الذي يقع به طلاق رجعي.
الثاني - يسقط بالخلع في رأي أبي حنيفة كل الحقوق الواجبة بسبب الزواج لأحد الزوجين على الآخر، كالمهر والنفقة الماضية المتجمدة أثناء الزواج، لكن لا تسقط نفقة العدة؛ لأنها لم تكن واجبة قبل الخلع، فلا يتصور إسقاطها بالخلع.
أما الطلاق على مال: فلا يسقط به شيء من حقوق الزوجين، ويجب به فقط المال المتفق عليه.
الثالث - الخلع مختلف في كونه طلاقاً بائناً أم فسخاً بين الفقهاء، فهو عند الجمهور (الحنفيةوالمالكية، والشافعية في أظهر القولين، وفي رواية عن أحمد) طلاق بائن يحتسب من عدد الطلقات. وفي رواية أخرى عن أحمد: أنه فسخ، فلا ينقص من عدد الطلقات. والمعتمد عند الحنابلة: أن الخلع فسخ بائن، لا ينقص به عدد الطلاق، ولو لم ينو خلعاً (١).
أما الطلاق على مال: فلا خلاف في كونه طلاقاً بائناً ينقص به عدد الطلقات.
стр. 6811
المبحث الخامس - آثار الخلع (أحكامه):
يترتب على الخلع الآثار التالية (١):
١ - يقع به طلقة بائنة، ولو بدون عوض أو نية في رأي الحنفية والمالكية، والشافعية في الراجح، وأحمد في رواية عنه لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] وإنما يكون فداء إذا خرجت المرأة من سلطان الرجل، ولو لم يكن بائناً لملك الرجل الرجعة، وكانت تحت حكمه وقبضته، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جازت الرجعة لعاد الضرر.
وفي رواية أخرى عن أحمد هي الراجحة في المذهب أن الخلع فسخ، وهو رأي ابن عباس وطاوس، وعكرمة وإسحاق وأبي ثور؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] ثم قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] ثم قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢] فذكر الحق تعالى تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدها، فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً بأن يكون الطلاق الذي لا تحل فيه المرأة المطلقة إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع، ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخاً كسائر الفسوخ.
والمعتمد لدى الحنابلة هو التفصيل: وهو أن الخلع طلاق بائن، إن وقع بلفظ الخلع والمفاداة ونحوهما أو بكنايات الطلاق، ونوى به الطلاق؛ لأنه كناية نوى بها الطلاق، فكانت طلاقاً.
стр. 6812
والخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق حيث وقع بصيغته (١)، ولم ينو به طلاقاً، بأن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أوالمفاداة، ولا ينوي به الطلاق، فيكون فسخاً لا ينقص به عدد الطلاق.
والمبارأة: مثل أن يقول الرجل لزوجته: برئت من نكاحك على ألف، فقبلت، وهي كناية يقع بها الخلع بالنية عند الحنابلة، وأما عند الحنفية فهي كالخلع يقع بها الطلاق البائن بلا نية.
فإن طلق الرجل زوجته وأعطى لها مالاً من عنده، فليس بخلع، بل هو رجعي على المعتمد لدى المالكية؛ لأنه بمنزلة من طلق، وأعطى لزوجته المتعة.
٢ - لا يتوقف الخلع على قضاء القاضي، كما هو حكم كل طلاق يكون من الزوج.
٣ - لا يبطل الخلع بالشروط الفاسدة: إذا خالع الزوج على شرط إبقاء الطفل عنده قبل انتهاء مدة الحضانة، أو خالعت الزوجة زوجها على شرط ترك ابنها عندها بعد انتهاء زمن الحضانة، أو أن يكون لها حضانة الطفل ولو تزوجت بغير قريب محرم من الطفل، فالشرط باطل في كل ما ذكر، وينفذ الخلع.
٤ - يلزم الزوجة أداء بدل الخلع المتفق عليه، سواء أكان هو المهر أم بعضه أم شيئاً آخر سواه؛ لأن الزوج علق طلاقها على قبول البدل، وقد رضيت به، فيكون لازماً في ذمتها باتفاق الفقهاء.
٥ - يسقط بالخلع في رأي أبي حنيفة كل الحقوق والديون التي تكون لكل
стр. 6813
واحد من الزوجين في ذمة الآخر والتي تتعلق بالزواج الذي وقع الخلع منه كالمهر والنفقة الماضية المتجمدة؛ لأن المقصود منه قطع الخصومة والمنازعة بين الزوجين.
أما الديون أو الحقوق التي لأحد الزوجين على الآخر، والتي لا تتعلق بموضوع الزواج، كالقرض والوديعة والرهن وثمن المبيع ونحوها، فلا تسقط بالاتفاق. وكذا لا تسقط نفقةالعدة إلا بالنص على إسقاطها؛ لأنها تجب عند الخلع.
وقال الجمهور (بقية المذاهب) ومحمد: لا يسقط بالخلع شيء من حقوق الزوجية إلا إذا نص على إسقاطه، سواء بلفظ الخلع أوا لمبارأة، فهو تماماً كالطلاق على مال، يقع به الطلاق بائناً، ويجب فقط البدل المتفق عليه؛ لأن الحقوق لا تسقط إلا بما يدل على سقوطها قطعاً، وليس في الخلع دلالة على إسقاط الحقوق الثابتة؛ لأنه معاوضة من جانب الزوجة، والمعاوضات لا أثر لها في غير ما تراضى عليه الطرفان. وهذا هو الراجح المتفق مع العدالة؛ لأن الحق لا يسقط إلا بالإسقاط صراحة أو دلالة.
٦ - هل يرتدف على المختلعة طلاق؟ قال أبو حنيفة: يرتدف، سواء أكان على الفور أم على التراخي. وفي رأي الجمهور: لا يرتدف، إلا أن الإمام مالك قال: لا يرتدف، إلا إذا كان الكلام متصلاً. وقال الشافعي وأحمد: لا يرتدف، وإن كان الكلام متصلاً، فالمختلعة لا يلحقها طلاق بحال.
استدل أبو حنيفة بأثر: «المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة».
واستدل الجمهور بقول ابن عباس وابن الزبير: إن المختلعة لا يلحقها طلاق، ولأنها لا تحل للزوج إلا بنكاح جديد، فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل الدخول أو المنقضية عدتها. وسبب الخلاف بين الرأيين أن العدة عند أبي حنيفة من أحكام
стр. 6814
النكاح، ولذا لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها، فيرتدف الطلاق عنده. وعند الجمهور: من أحكام الطلاق، فلا يرتدف.
٧ - لا رجعة في رأي أكثر العلماء على المختلعة في العدة، سواء أكان الخلع فسخاً أم طلاقاً، لقوله تعالى: ﴿فيما افتدت به﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضة الرجل وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه، ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر.
وحكي عن الزهري وسعيد بن المسيب أنهما قالا: الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له، وبين رده وله الرجعة.
وأجمع أكثر العلماء على أن للرجل أن يتزوج المختلعة برضاها في عدتها. وقال بعض المتأخرين: لا يتزوجها هو ولا غيره في العدة.
٨ - الاختلاف في الخلع أو عوضه: إذا ادعت الزوجة خلعاً، فأنكره الزوج ولا بيِّنة له، صدّق بيمينه، إذ الأصل بقاء النكاح وعدم الخلع، والبينة عند الشافعية: شهادة رجلين.
وإن قال الزوج: طلقتك بكذا كألف، فقالت: بل طلقتني مجاناً أو لم تطلقني، بانت بقوله ولا عوض للزوج عليها إن حلفت على نفيه، أما البينونة فلإقراره، وأما عدم العوض فلأن الأصل براءة ذمتها، لكن لها النفقة والكسوة والسكنى في العدة.
وإن اختلف الزوجان في جنس العوض، هل هو دراهم أو دنانير أو في صفته كصحاح أو مكسرة، أو في قدر العوض، كأن قال: بألف، فقالت: بل بخمسمائة، أو في عدد الطلاق الذي وقع به الخلع، كقولها: سألتك ثلاث طلقات بألف، فقال: بل واحدة بألف، ولا بينة لواحد منهما:
стр. 6815
فقال مالك: القول قول الزوجة إن لم يكن هناك بيِّنة؛ لأنها مدعى عليها وهو مدع، وهو موافق لمذهب الحنفية، عملاً بالقاعدة الشرعية: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».
وقال الشافعي: يتحالفان كما في البيع، ويكون على الزوجة مهر المثل؛ لأنه المردّ عند الاختلاف، لأن اختلافهما يشبه اختلاف المتبايعين.
آثار الخلع في القانون: أخذ القانون السوري بمذهب أبي حنيفة في أن الخلع يسقط حقوق كل من الزوج والزوجة تجاه الآخر من مهر ونفقة زوجية، حتى ولو لم يتفق الزوجان على بدل، وذلك في المادتين التاليتين:
(م ٩٨) - إذا كانت المخالعة على مال غير المهر، لزم أداؤه، وبرئت ذمة المتخالعين من كل حق بالمهر والنفقة الزوجية.
(م ٩٩) - إذا لم يسم المتخالعان شيئاً وقت المخالعة، برئ كل منهما من حقوق الآخر بالمهر والنفقة الزوجية.
стр. 6816
الفَصْلُ الثَّالث: التَّفريق القضائيّ ويشتمل على عشرة مباحث:
الأول - التفريق لعدم الإنفاق.
الثاني - للعيب أو العلل الجنسية.
الثالث - للضرر وسوء العشرة أو للشقاق بين الزوجين.
الرابع - طلاق التعسف.
الخامس - للغيبة.
السادس - للحبس.
السابع - التفريق بسبب الإيلاء.
الثامن - التفريق بسبب اللعان.
التاسع - التفريق بسبب الظهار.
العاشر - التفريق بسب الردة أو إسلام أحد الزوجين.
стр. 6817
ويلاحظ أن التفريق يختلف عن الطلاق بأن الطلاق يقع باختيار الزوج وإرادته، أما التفريق فيقع بحكم القاضي، لتمكين المرأة من إنهاء الرابطة الزوجية جبراً عن الزوج، إذا لم تفلح الوسائل الاختيارية من طلاق أو خلع. وأخذ القانون في مصر وسورية أحكام أربع حالات للتفريق في الأكثر من مذهبي المالكية والحنابلة.
والتفريق القضائي قد يكون طلاقاً: وهو التفريق بسبب عدم الإنفاق أو الإيلاء أو للعلل أو للشقاق بين الزوجين أو للغيبة أو للحبس أو للتعسف، وقد يكون فسخاً للعقد من أصله كما هو حال التفريق في العقد الفاسد، كالتفريق بسبب الردة وإسلام أحد الزوجين.
والفرق بين الطلاق والفسخ في رأي الحنفية:
أن الطلاق: هو إنهاء الزواج وتقرير الحقوق السابقة من المهر ونحوه، ويحتسب من الطلقات الثلاث التي يملكها الرجل على امرأته، وهو لا يكون إلا في العقد الصحيح.
وأما الفسخ: فهو نقض العقد من أصله أو منع استمراره، ولا يحتسب من عدد الطلاق، ويكون غالباً في العقد الفاسد أو غير اللازم.
وللإمام مالك (١) قولان في الفرق بين الفسخ والطلاق:
القول الأول - الفرقة طلاق لا فسخ في النكاح المختلف فيه بين المذاهب والخلاف مشهور، مثل الحكم بتزويج المرأة نفسها، ونكاح المحرم بحج أو عمرة.
стр. 6818
القول الثاني - الاعتبار في ذلك بالسبب الموجب للتفريق، فإن كان من الشرع، لا برغبة الزوجين، كان فسخاً، مثل نكاح المحرمة بالرضاع أو النكاح في العدة. وإن كان السبب هورغبة الزوجين، مثل الرد بالعيب، كان طلاقاً.
المبحث الأول - التفريق لعدم الإنفاق:
أخذ القانون في مصر وسورية بجواز التفريق القضائي بين الزوجين، عملاً بمذهب الجمهور غير الحنفية، فنصت المادة الرابعة من القانون المصري رقم (٢٥) لسنة (١٩٢٠) على حق التفريق بين الزوجة وزوجها، لعدم إنفاقه عليها، إذا طلبت الزوجة التفريق بالضرورة، سواء أكان عدم الإنفاق عليها بسبب إعساره، أم كان تعنتاً منه وظلماً. ويطلقها القاضي عليه وهو حاضر في البلد غير غائب، متى امتنع من تطليقها بنفسه، ولم يكن له مال ظاهر يمكن أن تفرض فيه نفقتها.
ونص القانون السوري على أحكام التفريق لعدم الإنفاق فيما يلي:
(م ١١٠) - «١ - يجوز للزوجة طلب التفريق إذا امتنع الزوج الحاضر عن الإنفاق على زوجته، ولم يكن له مال ظاهر، ولم يثبت عجزه عن النفقة.
٢ - إن ثبت عجزه أو كان غائباً، أمهله القاضي مدة مناسبة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، فإن لم ينفق، فرق القاضي بينهما».
(م ١١١): تفريق القاضي لعدم الإنفاق يقع رجعياً، وللزوج أن يراجع زوجته في العدة بشرط أن يثبت يساره، ويستعد للإنفاق.
التفريق لعدم الإنفاق في هذين القانونين طلاق رجعي إذا كان بعد الدخول، فللزوج أن يراجع زوجته إذا أثبت يساره وقدرته على الإنفاق.
وخلاصة الأحكام الواردة في القانونين بالنسبة لعدم الإنفاق ما يلي:
стр. 6819
أـ إن كان للزوج مال ظاهر، نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله، من غير حاجة إلى التفريق.
ب - وإن لم يكن له مال ظاهر: فإن كان حاضراً ولم يثبت عجزه عن الإنفاق وأصر على الامتناع، فرق القاضي بينهما في الحال.
وإن أثبت عجزه عن الإنفاق، أمهله القاضي مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في القانون السوري، وشهراً في القانون المصري، فإن مضت المدة ولم ينفق، فرق القاضي بينهما.
وأما إن كان غائباً وليس له مال ظاهر، فيجب إعذاره وإمهاله إلى مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، فإن مضت المدة ولم ينفق على الزوجة فرق القاضي بينهما.
وهذه الأحكام مأخوذة من الفقه المالكي.
أراء الفقهاء في التفريق لعدم الإنفاق:
للفقهاء رأيان: رأي الحنفية، ورأي الجمهور (١):
أولاً - رأي الحنفية: لا يجوز في مذهب الحنفية والإمامية التفريق لعدم الإنفاق؛ لأن الزوج إما معسر أو موسر. فإن كان معسراً فلا ظلم منه بعدم الإنفاق، والله تعالى يقول: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومَنْ قُدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، سيجعل الله بعد عسر يسراً﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] وإذا لم يكن ظالماً فلا نظلمه بإيقاع الطلاق عليه.
стр. 6820
وإن كان موسراً فهو ظالم بعدم الإنفاق، ولكن دفع ظلمه لا يتعين بالتفريق، بل بوسائل أخرى كبيع ماله جبراً عنه للإنفاق على زوجته، وحبسه لإرغامه على الإنفاق. ويجاب بأنه قد يتعين التفريق لعدم الإنفاق لدفع الضرر عن الزوجة.
ويؤكده أنه لم يؤثر عن النبي ﷺ أنه مكن امرأة قط من الفسخ بسبب إعسار زوجها، ولا أعلمها بأن الفسخ حق لها. ويجاب بأن التفريق بسبب الإعسار مرهون بطلب المرأة، ولم تطلب الصحابيات التفريق.
ثانياً - رأي الجمهور: أجاز الأئمة الثلاثة التفريق لعدم الإنفاق لما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾ [البقرة:٢٣١/ ٢] وإمساك المرأة بدون إنفاق عليها إضرار بها. وقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة:٢٢٩/ ٢] وليس من الإمساك بالمعروف أن يمتنع عن الإنفاق عليها.
٢ - قال أبو الزناد: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ماينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قلت له: سنَّة؟ قال: سنَّة. وقول سعيد: سنَّة، يعني سنة رسول الله ﷺ .
٣ - كتب عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد، في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم أن يأخذوهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى.
٤ - إن عدم الإنفاق أشد ضرراً على المرأة من سبب العجز عن الاتصال الجنسي، فيكون لها الحق في طلب التفريق بسبب الإعسار أو العجز عن الإنفاق من باب أولى.
стр. 6821
والراجح لدي رأي الجمهور لقوة أدلتهم، ودفعاً للضرر عن المرأة، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
نوع الفرقة بسبب العجز عن النفقة:
الفرقة عند المالكية: طلاق رجعي، وللزوج رجعة المرأة إن أيسر في عدتها؛ لأنه تفريق لامتناعه عن الواجب عليه لها، فأشبه تفريقه بين المولي في الإيلاء وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق.
وذكر الشافعية والحنابلة أن الفرقة لأجل النفقة لا تجوز إلا بحكم الحاكم؛ لأنه فسخ مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعُنَّة، ولا يجوز له التفريق إلا بطلب المرأة ذلك؛ لأنه لحقِّها، فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة، فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة للزوج فيه.
المبحث الثاني - التفريق بالعيوب أو بالعلل:
أولاً - أنواع العيوب:
تنقسم العيوب من حيث المنع من الدخول وعدمه إلى قسمين:
١ - عيوب جنسية تمنع من الدخول كالجَبّ والعُنَّة والخصاء في الرجل، والرتَق والقَرَن في المرأة.
٢ - عيوب لا تمنع من الدخول، ولكنها أمراض منفرة بحيث لا يمكن المقام معها إلا بضرر كالجذام والجنون والبرص والسل والزهري.
وتنقسم العيوب بين الزوجين إلى أقسام ثلاثة:
стр. 6822
١ - ما يختص بالرجل من داء الفرج: وهو الجب (قطع الذكر) والعنة (العجز عن الجماع بسبب صغر الذكر ونحوه) والخصاء (استئصال أو قطع الخصيتين) والاعتراض: وهو حالة الرجل الذي لا يقدر على الوطء لعارض كمرض أو كبر.
٢ - ما يختص بالمرأة من داء الفرج: وهو الرَّتَق (كون الفرج مسدوداً ملتصقاً بلحم من أصل الخلقة لا مسلك للذكر فيه)، والقَرَن (عظم أو غدة تمنع ولوج الذكر) والعفَل (رغوة تمنع لذة الوطء) وبخر الفرج (رائحة منتنة تثور في الوطء) والإفضاء أو انخراق ما بين السبيلين (أي القبل والدبر) من المرأة، وانخراق ما بين مخرج بول ومني وهو الفتق؛ لأنه يمنع لذة الوطء وفائدته، ونحوها.
٣ - ما يشترك فيه الرجال والنساء: وهو الجنون والجذام والبرص، واستطلاق بول، واستطلاق غائط، وباسور (نتوء ظاهر في المقعدة كالعدس أو الحمص) وناسور (نتوء داخل المقعدة أو قروح غائرة في المقعدة يسيل منها صديد) ومن هذه العيوب كون أحد الزوجين خنثى غير مشكل، أما الخنثى المشكل فلا يصح نكاحه حتى يتضح، ونحوها.
فهذه العيوب: منها ما يخشى تعدي أذاه، ومنها ما فيه تنفير ونقص، ومنها ما تتعدى نجاسته.
ثانياً - التفريق بسبب العيوب في القانون:
نص القانون المصري رقم (٢٥ لسنة ١٩٢٠) في المواد (٩، ١٠، ١١) على جواز التفريق بسبب عيوب الزوج: وهي الجب والعنة والخصاء، وهي العيوب الثلاثة المتفق على التفريق بها، والجنون والجذام والبرص، ونحوها من كل (عيب
стр. 6823
مستحكم لا يمكن البرء منه، أو يمكن بعد زمن طويل) سواء أكان ذلك العيب بالزوج قبل العقد ولم تعلم به، أم حدث بعد العقد ولم ترض به.
والفرقة بالعيب طلاق بائن، ويستعان بأهل الخبرة في العيوب التي يطلب الفسخ من أجلها.
ونص القانون السوري على التفريق للعلل الجنسية فقط دون العلل المنفرة أو الضارة أخذاً برأي أبي حنيفة وأبي يوسف، مع إضافة عيب الجنون، خلافاً لجمهور العلماء، وذلك فيما يأتي:
(م ١٠٥) - للزوجة طلب التفريق بينهما وبين زوجها في الحالتين التاليتين:
١ - إذا كان فيه إحدى العلل المانعة من الدخول، بشرط سلامتها هي منها.
٢ - إذا جن الزوج بعد العقد.
(م ١٠٦) -١ - يسقط حق المرأة في طلب التفريق بسبب العلل المبينة في المادة السابقة إذا علمت بها قبل العقد أو رضيت بها بعده.
٢ - على أن حق التفريق بسبب العنة لا يسقط بحال.
(م ١٠٧) - إذا كانت العلل المذكورة في المادة ١٠٥ غير قابلة للزوال يفرق القاضي بين الزوجين في الحال، وإن كان زوالها ممكناً يؤجل الدعوى مدة مناسبة لا تتجاوز السنة، فإذا لم تزل العلة فرق بينهما.
(م ١٠٨) - التفريق للعلة طلاق بائن.
ثالثاً - آراء الفقهاء في التفريق للعيب: للفقهاء رأيان في جواز التفريق للعيب: رأي الظاهرية، ورأي أكثر العلماء:
стр. 6824
أما الظاهرية (١): فقالوا: لا يجوز التفريق بأي عيب كان، سواء أكان في الزوج أم في الزوجة، ولا مانع من تطليق الزوج للزوجة إن شاء، إذ لم يصح في الفسخ للعيب دليل في القرآن أو السنة أو الأثر عن الصحابة أو القياس والمعقول.
وأما أكثر الفقهاء (٢) فأجازوا التفريق بسبب العيب، لكنهم اختلفوا في موضعين: هل يثبت الحق لكل من الزوجين أو للزوجة فقط، وما هي العيوب التي يثبت بها حق طلب التفريق.
الأول - ثبوت حق التفريق بالعيب للزوجين أو للزوجة فقط:
يثبت حق التفريق بالعيب عند الحنفية للزوجة فقط، لا للزوج؛ لأن الزوج يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق، أما الزوجة فلا يمكنها دفع الضرر عن نفسها إلا بإعطائها الحق في طلب التفريق؛ لأنها لا تملك الطلاق.
وأجاز الأئمة الثلاثة طلب التفريق بالعيب لكل من الزوجين؛ لأن كلاً منهما يتضرر بهذه العيوب، أما اللجوء إلى الطلاق فيؤدي إلى الإلزام بكل المهر بعد الدخول وبنصفه قبل الدخول. وفي التفريق بسبب العيب يعفى الرجل من نصف المهر قبل الدخول، وبعد الدخول لها المسمى بالاتفاق، لكن يرجع الزوج عند المالكية والحنابلة والشافعية بالمهر بعد الدخول على ولي الزوجة كالأب والأخ لتدليسه بكتمان العيب، ولا سكنى لها ولا نفقة.
стр. 6825
الثاني - العيوب التي تجيز التفريق:
اتفق أئمة المذاهب الأربعة والإمامية على التفريق بعيبين: وهما الجب والعنة، واختلفوا في عيوب أخرى على آراء أربعة:
الأول - رأي أبي حنيفة وأبي يوسف: لا فسخ إلا بالعيوب الثلاثة التناسيلة وهي (الجب والعنة والخصاء) إن كانت في الرجل؛ لأنها عيوب غير قابلة للزوال، فالضرر فيها دائم، ولا يتحقق معها المقصود الأصلي من الزواج وهو التوالد والتناسل والإعفاف عن المعاصي، فكان لابد من التفريق.
أما العيوب الأخرى من جنون أو جذام أو برص أو رتق أو قرن، فلا فسخ للزواج بسببها إن كان بالزوجة، ولا إن كانت بالزوج، ولا خيار للآخر بها. وهذا هو الصحيح عند الحنفية.
وقال محمد: للزوجة الخيار أو الفسخ إن كانت هذه العيوب بالزوج، ولاخيار للزوج إن كانت بالزوجة، وبه يتفق الحنفية على أنه لا خيار للزوج في فسخ الزواج بسبب عيوب الزوجة مطلقاً، واختلفوا في الخيار بعيوب الزوج.
الثاني - رأي مالك والشافعي: يفسخ النكاح من أي واحد من الزوجين إذا وجد في الآخر عيباً من العيوب التناسلية (الجنسية) أو العيوب المنفرة من جنون أو جذام أو برص.
والعيوب عند الشافعية سبعة وهي: الجب والعنة، والجنون والجذام والبرص، والرتَق والقَرَن، ويمكن أن يكون في كل من الزوجين خمسة، الأولان في الرجل والأخيران في المرأة، والثلاثة الوسطى مشتركة بينهما. ولا فسخ
стр. 6826
بالبخر، والصنان، والاستحاضة (١)، والقروح السيالة، والعمى، والزمانة، والبله، والخصاء، والإفضاء، ولا بكونه يتغوط عند الجماع؛ لأن هذه الأمور لا تفوِّت مقصود النكاح.
والعيوب عند المالكية ثلاثة عشر عيباً:
أربعة مشتركة بين الرجل والمرأة: الجنون والجذام والبرص والعَذيْطَة (خروج الغائط أو البول عند الجماع) ويقال للمرأة عِذيوطة، وللرجل عِذْيوط.
وأربعة تختص بالرجل: وهي الخصاء، والجَبّ، والعُنَّة، والاعتراض (عدم القدرة على الاتصال الجنسي لمرض أو نحوه).
وخمسة تختص بالمرأة: وهي الرتق، والقرن، والبخر (نتن الفرج) والعَفَل (غدة تمنع ولوج الذكر أو رغوة تمنع لذة الوطء) والإفضاء (اختلاط القُبُل أي مسلك الذكر بمجرى البول أو الغائط).
وليس من العيوب: القرع ولا السواد، ولا إن وجدها مفتضة من الزنا على المشهور، وليس منها العمى، والعور، والعرج، والزمانة، ولا نحوها من العاهات، إلا إن اشترط السلامة منها.
والعيوب عند الإمامية أحد عشر: أربعة في الرجل: وهي الجنون والخصاء والعنة والجب، وسبعة في المرأة: وهي الجنون والجذام والبرص والقرن والإفضاء والعمى والإقعاد.
الثالث - رأي أحمد: يفسخ النكاح بالعيوب التناسلية (أو الجنسية) أو العيوب المنفرة، أو العيوب المستعصية كالسل والسيلان أو الزهري ونحوها مما يعرف عن طريق أهل الخبرة.
стр. 6827
والعيوب عندهم ثمانية:
ثلاثة يشترك فيها الزوجان: وهي الجنون والجذام والبرص.
واثنان يختص بهما الرجل: وهما الجب والعنة.
وثلاثة تختص بالمرأة: وهي الفتق (اختلاط مجرى البول والمني) والقرن والعفل.
والقاضي أبو يعلى جعل القرن والعفل شيئاً واحداً فتكون العيوب سبعة.
قال أبو الخطاب: ويتخرج على ذلك من به الباسور والناسور والقروح السيالة في الفرج؛ لأنها تثير نفرة، وتتعدى نجاستها. ورجح الحنابلة أنه يثبت الخيار للرجل بقروح سيالة في فرج المرأة وبباسور وناسور ونحوهما.
وليس من العيوب المجوزة للفسخ: القرع والعمى والعرج وقطع اليدين والرجلين؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع، ولا يخشى تعديه.
الرابع - رأي الزهري وشريح وأبي ثور، واختاره ابن القيم (١): يجوز طلب التفريق من كل عيب منفر بأحد الزوجين، سواء أكان مستحكماً، أم لم يكن كالعقم والخرس والعرج والطرش وقطع اليدين أو الرجلين أوإحداهما؛ لأن العقد قد تم على أساس السلامة من العيوب، فإذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار. ولما روى أبو عبيد عن سليمان بن يسار: «أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي، فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا، قال: أعلمها، ثم خيرها».
والراجح لدي رأي الحنابلة؛ لعدم تحديد العيوب، ولأنهم قصروا جواز
стр. 6828
الفسخ على العيب الذي لا تتم معه مقاصد الزواج على وجه الكمال، وهذا هو المتفق مع مقتضى عقد الزواج.
قيود الفرقة بالعيب:
اتفق الفقهاء على أن الفرقة بالعيب تحتاج إلى حكم القاضي وادعاء صاحب المصلحة؛ لأن التفريق بالعيب أمر مجتهد فيه ومختلف فيه بين الفقهاء، فيحتاج إلى قضاء القاضي لرفع الخلاف، ولأن الزوجين يختلفان في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده، وفي أنه يجوز التفريق به أو لا يجوز، وقضاء الحاكم يقطع دابر الخلاف. والقول قول منكر العلم بالعيب مع يمينه في عدم علمه بالعيب؛ لأنه الأصل.
وإذا تبين أن الزوج مجبوب، فرَّق القاضي بين الزوجين في الحال ولم يؤجله؛ لعدم الفائدة في التأجيل. أما العنِّين والخصي فيؤجله الحاكم سنة من تاريخ الخصومة، أي الدعوى والترافع عند الحنفية والحنابلة، لاحتمال أن تثبت قدرته على الجماع في أثناء السنة على مرور الفصول، والتأجيل سنة مروي عن عمر وعلي وابن مسعود. وتبدأ السنة عند الشافعية والمالكية من وقت القضاء بالتأجيل، عملاً بقضاء عمر الذي رواه الشافعي والبيهقي.
فإذا ادعى الزوج أثناء السنة حدوث الجماع:
ففي رأي الحنفية والحنابلة: إن كانت المرأة ثيباً، فالقول قول الزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له؛ لأن الأصل السلامة من العيوب، والقول لمن يشهد له الظاهر بيمينه. فإن حلف رفضت دعوى الزوجة، وإن امتنع عن الحلف، خيرها القاضي بين البقاء معه على هذه الحال وبين الفرقة، فإن اختارت الفرقة فرق بينهما.
стр. 6829
وإن كانت بكراً عذراء نظر إليها النساء، ويقبل قول امرأة واحدة والأولى عندالحنفية إراءتها لامرأتين، فإذا قالتا: هي بكر، بقي التأجيل لنهاية السنة لظهور كذبه، وإن قالتا: هي ثيب، حلّف الزوج فإن حلف لاحق لها، وإن نكل بقي التأجيل سنة، فإن شهدت النساء، وإلا فالقول قولها.
وقال المالكية: إن ادعى الوطء في مدة السنة، صدق الزوج بيمينه، وإن نكل عن اليمين حَلَفت الزوجة: إنه لم يطأ، وفرق بينهما قبل تمام السنة إن شاءت.
أما إن كان العيب غير الجب أو العنة أو الخصاء، ففي رأي المالكية: إن كان العي لا يرجى زواله بالعلاج، فرق القاضي بين الزوجين في الحال. وإن كان يرجى زواله بالعلاج، أجل القاضي التفريق لمدة سنة إن كان العيب من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة كالجنون والجذام والبرص.
وإن كان من العيوب الخاصة بالمرأة فيؤجل التفريق بالاجتهاد حسبما تقتضي حالة العلاج من العيب. وإن ادعت المرأة أنها برئت من عيبها صدقت بيمينها.
وتثبت العُنَّة عند الشافعية بإقرار الزوج عند الحاكم، أو ببينة تقام عند الحاكم على إقراره، أو بيمين المرأة المردودة عليها بعد إنكار الزوج العنة ونكوله عن اليمين في الأصح. وإذا ثبتت العنة ضرب القاضي له سنة كما فعل عمر ﵁، بطلب الزوجة؛ لأن الحق لها، فإذا مضت السنة رفعته إلى القاضي، فإن قال: وطِئت حُلِّف، فإن نكل عن اليمين حُلِّفت، فإن حَلَفت أو أقر هو بذلك، استقلت بالفسخ، كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع عيباً.
شروط التفريق بالعيب:
اشترط الفقهاء شرطين لثبوت الحق في طلب التفريق بالعيب وهما:
стр. 6830
١ - ألا يكون طالب التفريق عالماً بالعيب وقت العقد أو قبله: فإن علم به في العقد، وعقد الزواج، لم يحق له طلب التفريق؛ لأن قبوله التعاقد مع علمه بالعيب رضا منه بالعيب.
٢ - ألا يرضى بالعيب بعد العقد حال اطلاعه عليه: فإن كان طالب التفريق جاهلاً بالعيب، ثم علم به بعد إبرام العقد ورضي به، سقط حقه في طلب التفريق.
وإن لم يرض بالعيب، فخيار العيب ثابت عند الشافعية على الفور، وعند الحنابلة على التراخي، فلا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا به إما صراحة، كأن يقول: رضيت، أو دلالة كالاستمتاع من الزوج والتمكين من المرأة؛ لأنه خيار لطالب التفريق لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي كخيار القصاص، وخيار العيب في المبيع. ومتى زال العيب قبل التفريق فلا فرقة، لزوال سببها، كالمبيع يزول عيبه.
واشترط القانون السوري كما لاحظنا في المواد السابقة شروطاً ثلاثة أخرى من مذهب الحنفية:
١ - أن تطلب الزوجة التفريق فيما يحق لها، وإلا لم يفرق بينهما.
٢ - أن تكون الزوجة خالية من العلل الجنسية كالرتق والقرن.
٣ - أن يكون الزوج صحيحاً: فإن كان مريضاً ينتظر شفاؤه، ثم يمهل سنة في العنين والخصي.
العيب الحادث بعد الزواج:
إذا كان العيب قديماً موجوداً قبل الزواج، فلا خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة في جواز التفريق به، بالشروط السابقة.