بالبخر، والصنان، والاستحاضة (١)، والقروح السيالة، والعمى، والزمانة، والبله، والخصاء، والإفضاء، ولا بكونه يتغوط عند الجماع؛ لأن هذه الأمور لا تفوِّت مقصود النكاح.
والعيوب عند المالكية ثلاثة عشر عيباً:
أربعة مشتركة بين الرجل والمرأة: الجنون والجذام والبرص والعَذيْطَة (خروج الغائط أو البول عند الجماع) ويقال للمرأة عِذيوطة، وللرجل عِذْيوط.
وأربعة تختص بالرجل: وهي الخصاء، والجَبّ، والعُنَّة، والاعتراض (عدم القدرة على الاتصال الجنسي لمرض أو نحوه).
وخمسة تختص بالمرأة: وهي الرتق، والقرن، والبخر (نتن الفرج) والعَفَل (غدة تمنع ولوج الذكر أو رغوة تمنع لذة الوطء) والإفضاء (اختلاط القُبُل أي مسلك الذكر بمجرى البول أو الغائط).
وليس من العيوب: القرع ولا السواد، ولا إن وجدها مفتضة من الزنا على المشهور، وليس منها العمى، والعور، والعرج، والزمانة، ولا نحوها من العاهات، إلا إن اشترط السلامة منها.
والعيوب عند الإمامية أحد عشر: أربعة في الرجل: وهي الجنون والخصاء والعنة والجب، وسبعة في المرأة: وهي الجنون والجذام والبرص والقرن والإفضاء والعمى والإقعاد.
الثالث - رأي أحمد: يفسخ النكاح بالعيوب التناسلية (أو الجنسية) أو العيوب المنفرة، أو العيوب المستعصية كالسل والسيلان أو الزهري ونحوها مما يعرف عن طريق أهل الخبرة.
стр. 6827
والعيوب عندهم ثمانية:
ثلاثة يشترك فيها الزوجان: وهي الجنون والجذام والبرص.
واثنان يختص بهما الرجل: وهما الجب والعنة.
وثلاثة تختص بالمرأة: وهي الفتق (اختلاط مجرى البول والمني) والقرن والعفل.
والقاضي أبو يعلى جعل القرن والعفل شيئاً واحداً فتكون العيوب سبعة.
قال أبو الخطاب: ويتخرج على ذلك من به الباسور والناسور والقروح السيالة في الفرج؛ لأنها تثير نفرة، وتتعدى نجاستها. ورجح الحنابلة أنه يثبت الخيار للرجل بقروح سيالة في فرج المرأة وبباسور وناسور ونحوهما.
وليس من العيوب المجوزة للفسخ: القرع والعمى والعرج وقطع اليدين والرجلين؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع، ولا يخشى تعديه.
الرابع - رأي الزهري وشريح وأبي ثور، واختاره ابن القيم (١): يجوز طلب التفريق من كل عيب منفر بأحد الزوجين، سواء أكان مستحكماً، أم لم يكن كالعقم والخرس والعرج والطرش وقطع اليدين أو الرجلين أوإحداهما؛ لأن العقد قد تم على أساس السلامة من العيوب، فإذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار. ولما روى أبو عبيد عن سليمان بن يسار: «أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي، فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا، قال: أعلمها، ثم خيرها».
والراجح لدي رأي الحنابلة؛ لعدم تحديد العيوب، ولأنهم قصروا جواز
стр. 6828
الفسخ على العيب الذي لا تتم معه مقاصد الزواج على وجه الكمال، وهذا هو المتفق مع مقتضى عقد الزواج.
قيود الفرقة بالعيب:
اتفق الفقهاء على أن الفرقة بالعيب تحتاج إلى حكم القاضي وادعاء صاحب المصلحة؛ لأن التفريق بالعيب أمر مجتهد فيه ومختلف فيه بين الفقهاء، فيحتاج إلى قضاء القاضي لرفع الخلاف، ولأن الزوجين يختلفان في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده، وفي أنه يجوز التفريق به أو لا يجوز، وقضاء الحاكم يقطع دابر الخلاف. والقول قول منكر العلم بالعيب مع يمينه في عدم علمه بالعيب؛ لأنه الأصل.
وإذا تبين أن الزوج مجبوب، فرَّق القاضي بين الزوجين في الحال ولم يؤجله؛ لعدم الفائدة في التأجيل. أما العنِّين والخصي فيؤجله الحاكم سنة من تاريخ الخصومة، أي الدعوى والترافع عند الحنفية والحنابلة، لاحتمال أن تثبت قدرته على الجماع في أثناء السنة على مرور الفصول، والتأجيل سنة مروي عن عمر وعلي وابن مسعود. وتبدأ السنة عند الشافعية والمالكية من وقت القضاء بالتأجيل، عملاً بقضاء عمر الذي رواه الشافعي والبيهقي.
فإذا ادعى الزوج أثناء السنة حدوث الجماع:
ففي رأي الحنفية والحنابلة: إن كانت المرأة ثيباً، فالقول قول الزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له؛ لأن الأصل السلامة من العيوب، والقول لمن يشهد له الظاهر بيمينه. فإن حلف رفضت دعوى الزوجة، وإن امتنع عن الحلف، خيرها القاضي بين البقاء معه على هذه الحال وبين الفرقة، فإن اختارت الفرقة فرق بينهما.
стр. 6829
وإن كانت بكراً عذراء نظر إليها النساء، ويقبل قول امرأة واحدة والأولى عندالحنفية إراءتها لامرأتين، فإذا قالتا: هي بكر، بقي التأجيل لنهاية السنة لظهور كذبه، وإن قالتا: هي ثيب، حلّف الزوج فإن حلف لاحق لها، وإن نكل بقي التأجيل سنة، فإن شهدت النساء، وإلا فالقول قولها.
وقال المالكية: إن ادعى الوطء في مدة السنة، صدق الزوج بيمينه، وإن نكل عن اليمين حَلَفت الزوجة: إنه لم يطأ، وفرق بينهما قبل تمام السنة إن شاءت.
أما إن كان العيب غير الجب أو العنة أو الخصاء، ففي رأي المالكية: إن كان العي لا يرجى زواله بالعلاج، فرق القاضي بين الزوجين في الحال. وإن كان يرجى زواله بالعلاج، أجل القاضي التفريق لمدة سنة إن كان العيب من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة كالجنون والجذام والبرص.
وإن كان من العيوب الخاصة بالمرأة فيؤجل التفريق بالاجتهاد حسبما تقتضي حالة العلاج من العيب. وإن ادعت المرأة أنها برئت من عيبها صدقت بيمينها.
وتثبت العُنَّة عند الشافعية بإقرار الزوج عند الحاكم، أو ببينة تقام عند الحاكم على إقراره، أو بيمين المرأة المردودة عليها بعد إنكار الزوج العنة ونكوله عن اليمين في الأصح. وإذا ثبتت العنة ضرب القاضي له سنة كما فعل عمر ﵁، بطلب الزوجة؛ لأن الحق لها، فإذا مضت السنة رفعته إلى القاضي، فإن قال: وطِئت حُلِّف، فإن نكل عن اليمين حُلِّفت، فإن حَلَفت أو أقر هو بذلك، استقلت بالفسخ، كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع عيباً.
شروط التفريق بالعيب:
اشترط الفقهاء شرطين لثبوت الحق في طلب التفريق بالعيب وهما:
стр. 6830
١ - ألا يكون طالب التفريق عالماً بالعيب وقت العقد أو قبله: فإن علم به في العقد، وعقد الزواج، لم يحق له طلب التفريق؛ لأن قبوله التعاقد مع علمه بالعيب رضا منه بالعيب.
٢ - ألا يرضى بالعيب بعد العقد حال اطلاعه عليه: فإن كان طالب التفريق جاهلاً بالعيب، ثم علم به بعد إبرام العقد ورضي به، سقط حقه في طلب التفريق.
وإن لم يرض بالعيب، فخيار العيب ثابت عند الشافعية على الفور، وعند الحنابلة على التراخي، فلا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضا به إما صراحة، كأن يقول: رضيت، أو دلالة كالاستمتاع من الزوج والتمكين من المرأة؛ لأنه خيار لطالب التفريق لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي كخيار القصاص، وخيار العيب في المبيع. ومتى زال العيب قبل التفريق فلا فرقة، لزوال سببها، كالمبيع يزول عيبه.
واشترط القانون السوري كما لاحظنا في المواد السابقة شروطاً ثلاثة أخرى من مذهب الحنفية:
١ - أن تطلب الزوجة التفريق فيما يحق لها، وإلا لم يفرق بينهما.
٢ - أن تكون الزوجة خالية من العلل الجنسية كالرتق والقرن.
٣ - أن يكون الزوج صحيحاً: فإن كان مريضاً ينتظر شفاؤه، ثم يمهل سنة في العنين والخصي.
العيب الحادث بعد الزواج:
إذا كان العيب قديماً موجوداً قبل الزواج، فلا خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة في جواز التفريق به، بالشروط السابقة.
стр. 6831
أما إذا حدث العيب بأحد الزوجين، فاختلف الفقهاء في جواز التفريق:
قال الحنفية: إذا جُنَّ الرجل أو أصبح عنيناً بعد الزواج، وكان قد دخل بالمرأة، ولو مرة واحدة، لا يحق لها طلب الفسخ، لسقوط حقها بالمرة الواحدة قضاء، وما زاد عليه فهو مستحق ديانة لا قضاء.
وفرق المالكية بين عيب الزوج وبين عيب الزوجة، فقالوا: إن كان العيب بالزوجة فليس للزوج الخيار أو طلب التفريق بهذا العيب، لأنه مصيبة نزلت به، وعيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، فأشبه العيب الحادثة بالمبيع. وإن كان العيب الحادث بالزوج، فللزوجة الحق في طلب التفريق إن كان العيب جنوناً أو جذاماً أو برصاً، لشدة التأذي بها، وعدم الصبر عليها، وليس لها الحق في طلب التفريق بالعيوب التناسلية الأخرى من جب أو عنة أو خصاء.
وأطلق الشافعية والحنابلة القول بجواز التفريق بالعيب الحادث بعد الزواج كالعيب القائم قبله، لحصول الضرر به كالعيب المقارن للعقد، ولأنه لا خلاص للمرأة إلا بطلب التفريق بخلاف الرجل.
لكن استثنى الشافعية طروء العنة بعد الدخول، فإنها لا تجيز طلب الفسخ، لحصول مقصود النكاح، واستيفائها حقها منه بمرة واحدة.
نوع الفرقة بسبب العيب:
للفقهاء رأيان: قال الحنفية والمالكية: هذه الفرقة طلاق بائن ينقص عدد الطلاق؛ لأن فعل القاضي يضاف إلى الزوج، فكأنه طلقها بنفسه، ولأنها فرقة بعد زواج صحيح، والفرقة بعد الزواج الصحيح عند المالكية تكون طلاقاً لا فسخاً.
стр. 6832
وإنما جعل الطلاق بائناً فلرفع الضرر عن المرأة، إذ لو جاز للزوج مراجعتها قبل انقضاء العدة، عاد الضرر ثانياً.
وقال الشافعية والحنابلة: الفرقة بالعيب فسخ لا طلاق، والفسخ لا ينقص عدد الطلاق، وللزوج إعادة الزوجة بنكاح جديد بولي وشاهدي عدل ومهر؛ لأنها فرقة من جهة الزوجة إما بطلبها التفريق أو بسبب عيب فيها، والفرقة إذا كانت من جهة الزوجة تكون فسخاً لا طلاقاً.
أثر التفريق بالعيب على المهر:
عرفنا أن الحنفية لا يجيزون التفريق إلا بالعيوب التناسلية في الرجل، فإن كان التفريق قبل الدخول والخلوة، فللزوجة نصف المهر؛ لأن الفرقة بسبب الزوج، وإن كان التفريق بعد الدخول أو بعد الخلوة، فتجب العدة على المرأة إذا أقر الزوج أنه لم يصل إليها، ويجب لها المهر كله إن دخل بها أو خلا بها خلوة صحيحة؛ لأن خلوة العنين صحيحة تجب بها
العدة (١). وإن تزوجها بعدئذ أو تزوجته وهي تعلم أنه عنين فلا خيار لها. وإن كان عنيناً، وهي رتقاء لم يكن لها خيار كما تقدم في شروط التفريق.
وقال المالكية: إن كانت التفريق قبل الدخول ولو وقع بلفظ طلاق، فلا شيء للمرأة من المهر؛ لأن العيب إن كان بالرجل، فقد اختارت فراقه قبل قضاء مأربها، وكانت راضية بسقوط حقها في المهر، وإن كان العيب بالمرأة فتكون غارّة للرجل مدلسة عليه.
وإن كان التفريق بعد الدخول، استحقت المهر المسمى كله، إن كان العيب في
стр. 6833
الزوج؛ لأنه يكون غارّاً للزوجة ومدلساً عليها، ثم إنه قد دخل بها، والدخول بالمرأة يوجب المهر كله. وإن كان العيب في الزوجة استحقت المهر كله بسبب الدخول، لكن يرجع الزوج بالمهر على وليها كأب وأخ وابن لتدليسه بالكتمان إن كان قريباً لا يخفى عليه حالها، وكان العيب ظاهراً كالجذام والبرص. أما إن كان الولي بعيداً كالعم والقاضي، أو كان العيب خفياً، فيرجع الزوج على الزوجة لا على الولي؛ لأن التغرير والتدليس منها وحدها.
وقال الشافعية: الفسخ بالعيب قبل الدخول يسقط المهر، وإن كان بعد الدخول، وكان العيب مقارناً للعقد أو حادثاً بين العقد والوطء، وجهله الواطئ، فلها في الأصح مهر المثل. وإن حدث العيب بعد العقد والوطء، فلها في الأصح المهر المسمى كله.
ولا يرجع الزوج بالمهر الذي غرمه على من غره من ولي أو زوجة بالعيب المقارن في المذهب الجديد (١)، لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد. أما العيب الحادث بعد العقد إذا فسخ به، فلا يرجع بالمهر جزماً لانتفاء التدليس.
وقال الحنابلة: إن حدث الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة على الرجل، سواء أكان من جهة الزوج أم من جهة الزوجة، كما قال الشافعية وغيرهم.
وإن حدث الفسخ بعد الدخول وجهل العيب، فلها المهر المسمى، لوجوبه بالعقد واستقراره بالدخول، ثم يرجع بالمهر على من غرَّه من امرأة عاقلة وولي ووكيل. لقول عمر ﵁: «أيما رجل تزوج بامرأة بها جنون أو جذام أو برص، فلها صداقها، وذلك لزوجها غرم على وليها» ولأنه غرَّه في النكاح بما يثبت به الخيار فكان المهر عليه، كما لو غره بحرية أمة.
стр. 6834
ملحق بهذا البحث - خيار الغرور أو خيار فوات الوصف المرغوب:
إذا غرر الزوج بصفة في زوجته، مثل كونها بكراً أو مسلمة أو حرة أو ذات نسب ونحو ذلك، فبان خلافه، فهل له فسخ الزواج؟! وهذا ما يعرف بخيار الغرور أو خيار فوات الوصف المرغوب.
اختلف الفقهاء فيه على آراء (١)، الغالب فيها ثبوت الخيار وهو رأي الجمهور غير الحنفية:
ذهب الحنفية والجعفرية والزيدية إلى أنه إذا اشترط أحد الزوجين في صاحبه صفة مرغوباً فيها، فبان على خلافه، لم يكن له الخيار في الفرقة، فإذا كان قد سمى لها مهراً أكثر من مهر مثلها بسبب هذا الشرط، كأن يشترط بكارتها أو تحصيلها شهادة معينة، فلم يتحقق ذلك، لم يلزم الزوج بأكثر من مهر مثلها. قال ابن الهمام في فتح القدير: «وفي النكاح لو شرط وصفاً مرغوباً فيه كالعُذْرة والجمال والرشاقة وصغر السن، فظهرت ثيباً عجوزاً شمطاء ذات شق مائل، ولعاب سائل، وأنف هائل، وعقل زائل، لا خيار له في فسخ النكاح به».
وخالفهم المالكية فقرروا أن العاقد إذا قال للرجل: زوجتك هذه مسلمة فإذا هي كتابية، أو هذه حرة فإذا هي أمة، أو هذه بكر فإذا هي ثيب، أو اشترط أحد الزوجين وصفاً مرغوباً في الآخر كصغر السن والجمال، فبان خلافه، انعقد الزواج، وله الخيار بين الرضا والرد.
وفصل الشافعية فقالوا: لو تزوج رجل امرأة وشُرط في العقد إسلام
стр. 6835
الزوجة، أو شرط في أحد الزوجين نسب أو حرية أوغيرهما مما لا يمنع عدم توافره صحة الزواج من صفات الكمال، كبكارة وشباب، أو من صفات النقص كضد ذلك، أو ما يتوسط بين صفتي الكمال كطول وبياض وسمرة، فبان خلافه، فالأظهر صحة النكاح؛ لأن الخُلْف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى بعدم الفساد.
ثم إن بان الموصوف بالشرط خيراً مما شُرط فيه فلا خيار، وإن بان دونه، فلمن شرط له: الخيار، للخُلْف.
أما لو ظن الرجل، بلا شرط، أن المرأة مسلمة، فبانت كتابية، أو حرة فبانت أمة، وهي تحل له، فلا خيار له فيهما في الأظهر؛ لأن الظن لا يثبت الخيار لتقصيره بترك البحث أو الاشتراط. وكذا لو أذنت المرأة لوليها في تزويجها بمن ظنته كفئاً لها، فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته، فلا خيار لها ولا لوليها؛ لأن التقصير منها ومنه، حيث لم يبحثا ولم يشرطا، لكن لو بان الزوج معيباً أو عبداً وهي حرة فلها الخيار.
وفصل الحنابلة تفصيلاً آخر فقالوا: إن غرَّ الرجل المرأة بما يخل بأمر الكفاءة كالحرية أو النسب الأدنى، فلها الخيار بين الفسخ والإمضاء، فإن اختارت الإمضاء فلأوليائها الاعتراض لعدم الكفاءة. وإن لم يعتبر الوصف في الكفاءة كالفقه والجمال ونحوهما، فلا خيار لها؛ لأن ذلك مما لا يعتبر في الكفاءة، فلا يؤثر اشتراطه.
أما إن شرط الرجل كون المرأة مسلمة فبانت كافرة، فله الخيار، لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد. وإن شرط الرجل كونها بكراً فبانت ثيباً فعن أحمد كلام يحتمل أمرين: أحدهما - لا خيار له، والثاني - له الخيار، لأنه شرط صفة مقصودة.
стр. 6836
وإذا تزوج امرأة يظنها حرة أو مسلمة، فبان خلافه، ثبت له الخيار.
المبحث الثالث - التفريق للشقاق أو للضرر وسوء العشرة:
المقصود بالشقاق والضرر: الشقاق هو النزاع الشديد بسبب الطعن في الكرامة. والضرر: هو إيذاء الزوج لزوجته بالقول أو بالفعل، كالشتم المقذع والتقبيح المخل بالكرامة، والضرب المبرِّح، والحمل على فعل ما حرم الله، والإعراض والهجر من غير سبب يبيحه، ونحوه.
رأي الفقهاء في التفريق للشقاق:
لم يجز الحنفية والشافعية والحنابلة (١) التفريق للشقاق أو للضرر مهما كان شديداً؛ لأن دفع الضرر عن الزوجة يمكن بغير الطلاق، عن طريق رفع الأمر إلى القاضي، والحكم على الرجل بالتأديب حتى يرجع عن الإضرار بها.
وأجاز المالكية (٢) التفريق للشقاق أو للضرر، منعاً للنزاع، وحتى لا تصبح الحياة الزوجية جحيماً وبلاء، ولقوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار». وبناء عليه ترفع المرأة أمرها للقاضي، فإن أثبتت الضرر أو صحة دعواها، طلقها منه، وإن عجزت عن إثبات الضرر رفضت دعواها، فإن كررت الادعاء بعث القاضي حكمين: حكماً من أهلها وحكماً من أهل الزوج، لفعل الأصلح من جمع وصلح أو تفريق بعوض أو دونه، لقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ [النساء:٣٥/ ٤].
стр. 6837
واتفق الفقهاء على أن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، واتفقوا على أن قولهما في الجمع بين الزوجين نافذ بغير توكيل من الزوجين.
واختلف الفقهاء في تفريق الحكمين بين الزوجين إذا اتفقا عليه، هل يحتاج إلى إذن من الزوج أو لا يحتاج إليه؟ فقال الجمهور؛ يعمل الحكم بتوكيل من الزوج، فليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق؛ لأن الأصل أن الطلاق ليس بيد أحد سوى الزوج أو من يوكله الزوج. لأن الطلاق إلى الزوج شرعاً، وبذل المال إلى الزوجة، فلا يجوز إلا بإذنهما.
وقال المالكية: ينفذ قول الحكمين في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين ولا إذن منهما فيهما، بدليل ما رواه مالك عن علي بن أبي طالب أنه قا ل في الحكمين: «إليهما التفرقة بين الزوجين والجمع» فالإمام مالك يشبّه الحكمين بالسلطان، والسلطان يُطلِّق في رأيه بالضرر إذا تبين، وقد سماهما الله حكمين في قوله تعالى: ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ [النساء:٣٥/ ٤] ولم يعتبر رضا الزوجين.
شروط الحكمين:
يشترط في الحكمين: أن يكونا رجلين عدلين خبيرين بما يطلب منهما في هذه المهمة، ويستحب أن يكونا من أهل الزوجين، حكماً من أهله وحكماً من أهلها بنص الآية السابقة، فإن لم يكونا من أهلهما بعث القاضي رجلين أجنبيين، ويستحسن أن يكونا من جيران الزوجين ممن لهما خبرة بحال الزوجين، وقدرة على الإصلاح بينهما.
стр. 6838
نوع الفرقة للشقاق:
الطلاق الذي يوقعه القاضي للشقاق طلاق بائن؛ لأن الضرر لا يزول إلا به؛ لأنه إذا كان الطلاق رجعياً تمكن الزوج من مراجعة المرأة في العدة، والعودة إلى الضرر.
موقف القانون: أخذ القانونان في مصر وسورية بمذهب المالكية فأجاز كلاهما التفريق للشقاق والضرر.
ونص القانون المصري رقم (٢٥) لسنة (١٩٢٩) في المواد (٦ - ١١) والقانون السوري في المواد (١١٢ - ١١٥) على أحكام التفريق للشقاق، وهي أحكام متفق عليها في القانونين، إلا أن القانون المصري لم يذهب إلى التفريق بسبب إساءة الزوجة، وأخذ القانون السوري بمذهب المالكية في أن التفريق يكون بسبب الضرر من أحد الزوجين. وعدَّل القانون السوري سنة (١٩٧٥) المادة (١١٢/ ٣)، فلم يحكم بالتفريق في الحال، وإنما يؤجل القاضي المحاكمة مدة لا تقل عن شهر إذا لم يثبُت الضرر أملاً بالمصالحة.
وأذكر بإيجاز مضمون مواد القانون السوري:
إذا ادعى أحد الزوجين إضرار الآخر به، جاز له طلب التفريق من القاضي (١١٢/ ١)، وإذا ثبت الإضرار، وعجز القاضي عن الإصلاح فرق بينهما، وذلك بطلقة بائنة (م ١١٢/ ٢) وإذا لم يثبت الضرر يؤجل القاضي المحاكمة مدة لا تقل عن شهر. فإن أصر المدعي على الشكوى بعث القاضي حكمين من أهل الزوجين، وإلا ممن يرى القاضي فيه قدرة على الإصلاح بينهما، وحلفهما يميناً على أن يقوما بمهمتهما بعدل وأمانة (م ١١٢/ ٣).
стр. 6839
وعلى الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين، ثم يجمعانهما في مجلس تحت إشراف القاضي (م ١١٣/ ١)، ولا يؤثر في التحكيم تخلف أحد الزوجين عن الحضور بعد تبليغه (م ١١٣/ ٢). وعمل الحكمين أولاً هو محاولة الإصلاح بين الزوجين، فإذا عجزا عنه وكانت الإساءة أو أكثرها من الزوج قررا التفريق بطلقة بائنة (م ١١٤/ ١). وإذا كانت الإساءة من الزوجة أو مشتركة بين الزوجين قررا التفريق على تمام المهر أو على جزء منه بحسب مدى الإساءة (م ١١٤/ ٢).
وللحكمين تقرير التفريق مع عدم الإساءة من أحد الزوجين على براءة ذمة الزوج من بعض حقوق الزوجة إذا رضيت بذلك، واستحكم الشقاق بينهما (م ١١٤/ ٣).
وإذا اختلف الحكمان حكَّم القاضي غيرهما، أو ضم إليهما ثالثاً مرجحاً، وحلفه اليمين، كمايحلف الحكمان على أداء مهمتهما بعدل وأمانة (م ١١٤/ ٤).
ولا يملك الحكمان التفريق، وإنما يرفعان تقريرهما إلى القاضي ولو كان غير معلل، ويفوض الأمر إلى القاضي بالحكم بمقتضاه أو رفض التقرير، وتعيين حكمين آخرين للمرة الأخيرة (م ١١٥).
ويلاحظ أن مهمة الحكمين هي الإصلاح أولاً، ثم رفع تقرير إلى القاضي بالتفريق، احتياطاً في أمر الطلاق. لكن المقرر في المذهب المالكي كما تقدم أن الحكمين يوقعان الطلاق بناء على التفويض الكامل من القاضي. فإذا قيد القاضي صلاحية الحكمين برفع تقرير كما ذهب القانون، لم يكن في الأمر مخالفة للمالكية.
стр. 6840
المبحث الرابع - طلاق التعسف:
التعسف: هو إساءة استعمال الحق بحيث يؤدي إلى ضرر بالغير، وذكر القانون السوري (م ١١٦، ١١٧) حالتين للتعسف في استعمال الطلاق وهما: الطلاق في مرض الموت أي طلاق الفارّ، والطلاق بغير سبب معقول (١).
أولاً - الطلاق في مرض الموت أو طلاق الفرار: تبين سابقاً أنه إذا طلق الزوج زوجته طلاقاً بائناً في مرض موته، أو ما في حكمه كإشراف سفينة على الغرق، فينفذ الطلاق باتفاق الفقهاء، ولا ترث المرأة عند الشافعية، ولو أراد الفرار من توريثها ومات الزوج في أثناء العدة؛ لأن الطلاق البائن يقطع الزوجية.
وأخذ القانون السوري والمصري برأي الجمهور (غير الشافعية) في توريث المرأة في طلاق الفارّ إذا مات الزوج وهي في العدة. وترث أيضاً عند الحنابلة ولو مات بعد انقضاء العدة ما لم تتزوج، وترث عند المالكية ولو تزوجت بآخر.
ونص القانون السوري على ما سبق في المادة (١١٦) الآتية:
من باشر سبباً من أسباب البينونة في مرض موته أو في حالة يغلب في مثلها الهلاك طائعاً، بلا رضا زوجته، ومات في ذلك المرض أو في تلك الحالة، والمرأة في العدة، فإنها ترث منه بشرط أن تستمر أهليتها للإرث من وقت الإبانة إلى الموت.
стр. 6841
والسبب في تقرير الإرث على الرغم من الطلاق: هو معاملة الزوج بنقيض مقصوده، فإنه أراد إبطال حق الزوجة في الميراث، فيرد عليه قصده، ما دامت العدة باقية، لبقاء آثار الزوجية.
فإن دلت القرائن على أنه لم يرد حرمانها من الإرث، كأن يكون الطلاق بطلبها أو عن طريق المخالعة، فلا ترث في عدة الطلاق البائن، وترث في عدة الطلاق الرجعي.
ويشترط لإرث المرأة في طلاق الفارّ: أن تكون مستحقة للإرث منذ الطلاق حتى وفاة الزوج، فإن كانت غير مستحقة للإرث وقت الطلاق كأن كانت كتابية، أو غير مستحقة للإرث وقت وفاة الزوج، كأن كانت مسلمة عند الطلاق، ثم ارتدت عند الوفاة، فلا ترث.
ثانياً - الطلاق بغير سبب معقول:
نص القانون السوري (م ١١٧ معدلة) على ما يلي:
إذا طلق الرجل زوجته، وتبين للقاضي أن الزوج متعسف في طلاقها دون ما سبب معقول، وأن الزوجة سيصيبها بذلك بؤس وفاقة، جاز للقاضي أن يحكم لها على مطلقها بحسب حاله ودرجة تعسفه بتعويض لا يتجاوز مبلغ نفقة ثلاث سنوات لأمثالها فوق نفقة العدة، وللقاضي أن يجعل دفع هذا التعويض جملة أو شهرياً بحسب مقتضى الحال.
وقد تضمن هذا التعديل عام (١٩٧٥) أمرين: الأول - عدم تقييد الزوجة بكونها فقيرة. والثاني - جعل التعويض مقدراً بنفقة ثلاث سنوات، بدلاً من سنة في الماضي.
стр. 6842
ومستند هذا الحكم الجديد: هو العمل بمبدأ السياسة الشرعية العادلة التي تمنع ظلم المرأة وتعريضها للفاقة والحرمان بسبب تعنت الزوج.
وربما يستند هذا الحكم إلى المتعة المعطاة للمطلقة والتي أوجبها بعض الفقهاء، واستحبها بعضهم، ورغب فيها القرآن وجعلها بالمعروف، فيترك تقديرها للقاضي بحسب العرف.
المبحث الخامس - التفريق للغيبة:
أولاً - آراء الفقهاء: للفقهاء رأيان في التفريق بين الزوجين إذا غاب الزوج عن زوجته، وتضررت من غيبته، وخشيت على نفسها الفتنة:
قال الحنفية والشافعية (١): ليس للزوجة الحق في طلب التفريق بسبب غيبة الزوج عنها، وإن طالت غيبته، لعدم قيام الدليل الشرعي على حق التفريق، ولأن سبب التفريق لم يتحقق. فإن كان موضعه معلوماً بعث الحاكم لحاكم بلده، فيلزم بدفع النفقة.
ورأى المالكية والحنابلة (٢) جواز التفريق للغيبة إذا طالت، وتضررت الزوجة بها، ولو ترك لها الزوج مالاً تنفق منه أثناء الغياب؛ لأن الزوجة تتضرر من الغيبة ضرراً بالغاً، والضرر يدفع بقدر الإمكان، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» ولأن عمر ﵁ كتب في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا.
стр. 6843
لكن اختلف هؤلاء في نوع الغيبة ومدتها وفي التفريق حالاً، وفي نوع الفرقة:
ففي رأي المالكية: لا فرق في نوع الغيبة بين أن تكون بعذر كطلب العلم والتجارة أم بغير عذر. وجعلوا حد الغيبة الطويلة سنة فأكثر على المعتمد، وفي قول: ثلاث سنوات. ويفرق القاضي في الحال بمجرد طلب الزوجة إن كان مكان الزوج مجهولاً، وينذره إما بالحضور أو الطلاق أو إرسال النفقة، ويحدد له مدة بحسب ما يرى إن كان مكان الزوج معلوماً. ويكون الطلاق بائناً؛ لأن كل فرقة يوقعها القاضي تكون طلاقاً بائناً إلا الفرقة بسبب الإيلاء وعدم الإنفاق.
وفي رأي الحنابلة: تجوز الفرقة للغيبة إلاإذا كانت لعذر، وحد الغيبة ستة أشهر فأكثر، عملاً بتوقيت عمر ﵁ للناس في مغازيهم، ويفرق القاضي في الحال متى أثبتت الزوجة ما تدعيه. والفرقة تكون فسخاً لا طلاقاً، فلا تنقص عدد الطلقات؛ لأنها فرقة من جهة الزوجة، والفرقة من جهة الزوجة تكون عندهم فسخاً.
ولا تكون هذه الفرقة إلا بحكم القاضي، ولا يجوز له التفريق إلا بطلب المرأة؛ لأنه لحقها، فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة.
ثانياً - موقف القانون من التفريق للغيبة:
نص القانون المصري لعام ١٩٢٩ (م ١٢، ١٣) على جواز التفريق للغيبة لمدة سنة فأكثر بلا عذر مقبول، بعد إنذار الزوجة بتطليقها عليه إن لم يحضر أو ينقلها إليه، أو يطلقها، وتكون الفرقة طلاقاً بائناً، أخذاً برأي المالكية.
ونص القانون السوري على التفريق للغيبة في المادة (١٠٩) التالية:
стр. 6844
١ - إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
٢ - هذا التفريق طلاق رجعي، فإذا رجع الغائب، أو أطلق السجين، والمرأة في العدة، حق له مراجعتها.
دل النص على أنه يشترط للتفريق ما يلي:
١ - أن تمضي سنة فأكثر على الغياب.
٢ - أن يكون الغياب لغير عذر مقبول. فإن كان لعذر مقبول لم يحق لها طلب التفريق، كالغياب في الجهاد أو الجندية الإجبارية أو لطلب العلم.
والتفريق للغيبة بطلب الزوجة يكون في الحال إن كان مكان الزوج غير معلوم. أما إن كان مكانه معلوماً، فيطلب القاضي منه أن يحضر لأخذ زوجته إليه، ويحدد له أجلاً معيناً، فإن لم يفعل فرق القاضي بينهما. والتفريق طلاق رجعي، وهذا مخالف لمذهب المالكية في أنه طلاق بائن، ولمذهب الحنابلة في أنه فسخ.
المبحث السادس - التفريق للحبس:
لم يجز جمهور الفقهاء غيرالمالكية التفريق لحبس الزوج أو أسره أو اعتقاله، لعدم وجود دليل شرعي بذلك. ولاتعد غيبة المسجون ونحوه عند الحنابلة غيبة بعذر.
стр. 6845
أما المالكية (١) فأجازوا طلب التفريق للغيبة سنة فأكثر، سواء أكانت بعذر أم بدون عذر، كما تقدم. فإذا كانت مدةا لحبس سنة فأكثر جاز لزوجته طلب التفريق، ويفرق القاضي بينهما، بدون كتابة إلى الزوج أو إنظار. وتكون الفرقة طلاقاً بائناً.
ونص القانون المصري لسنة ١٩٢٩ (م ١٤) على حق المرأة في طلب التفريق بعد مضي سنة من حبس زوجها الذي صدر في حقه عقوبة حبس مدة ثلاث سنين فأكثر، والطلاق بائن، كما هو رأي المالكية.
أما القانون السوري فذكر في المادة (١٠٩) السابقة هذا الحق كالتفريق للغيبة على السواء.
المبحث السابع - التفريق بالإيلاء:
لم يتعرض قانون الأحوال الشخصية السوري لحالتين من حالات انحلال الزواج وهما الإيلاء والظهار، كما لم يتعرض للعان.
أولاً - تاريخ الإيلاء ومعناه وألفاظه: الإيلاء لغة: الحلف، وهو يمين، وكان هو والظهار طلاقاً في الجاهلية، وكان يستخدمه العرب بقصد الإضرار بالزوجة، عن طريق الحلف بترك قربانها السنة فأكثر، ثم يكرر الحلف بانتهاءالمدة، ثم جاء الشرع فغيَّر حكمه، وجعله يميناً ينتهي بمدة أقصاها أربعة أشهر، فإن عاد حنث في يمينه، ولزمته كفارة اليمين إن حلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته التي يحلف بها. قال ابن عباس (٢) «كان إيلاء أهل
стр. 6846
الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقَّته الله أربعة أشهر» فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر، فليس بإيلاء، أي أن الشرع أقره طلاقاً وزاد فيه الأجل.
والأصل في تنظيم يمين الإيلاء وحكمه قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢ - ٢٢٧].
وعدِّي الإيلاء في الآية بمن، والأصل أن يعدى بعلى، لأن كلمة (يؤلون) ضُمِّنت معنى: يعتزلون أو معنى البعد، كأنه قال: يؤلون مبعدين أنفسهم من نسائهم. والفيء: الرجوع لغة، والمراد به فقهاً: الجماع، بالاتفاق.
والإيلاء: حرام عند الجمهور للإيذاء، ولأنه يمين على ترك واجب، مكروه تحريماً عند الحنفية.
والإيلاء شرعاً: الحلف - بالله تعالى أو بصفة من صفاته أو بنذر أو تعليق طلاق - على ترك قربان زوجته مدة مخصوصة. وهذا تعريف الحنفية (١) فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون، ويصح عندهم إيلاء الكافر؛ لأنه من أهل الطلاق. وعرفه المالكية (٢) بأنه حلف زوج مسلم مكلف ممكن الوطء بما يدل على ترك وطء زوجته غير المرضع أكثر من أربعة أشهر، سواء أكان الحلف بالله أم بصفة من صفاته، أم بالطلاق، أم بمشي إلى مكة، أم بالتزام قربة.
يتبين من التعريف أن الإيلاء يختص عند المالكية بالزوج المسلم لا الكافر، وبالمكلف (البالغ العاقل) لا الصبي والمجنون، وبالممكن وطؤه ولو سكراناً، لا
стр. 6847
المجبوب والخصي، والشيخ الفاني، فلا ينعقد لهم إيلاء، كما لا إيلاء من المرضع، لما في ترك وطئها من إصلاح الولد، ولا إيلاء فيما دون الأربعة أشهر.
وعرفه الشافعية (١): بأنه حلف زوج يصح طلاقه على الامتناع من وطء زوجته مطلقاً، أو فوق أربعة أشهر، سواء في المذهب الجديد أكان حلفاً بالله أم بصفة من صفاته، أم باليمين بالطلاق مثل: إن وطئتك فأنت أو ضَرتك طالق؛ لأنه يمين يلزمه بالحنث فيها حق، فصح به الإيلاء، كاليمين بالله ، أم بنذر مثل: إن وطئتك فلله علي صلاة أو صوم أو حج. وذلك وفاقاً للمالكية. فلا يصح إيلاء من الصبي والمجنون والمكره لعدم صحة طلاقهم، ولا يصح أيضاً إيلاء عنِّين ومجبوب؛ لأنه وإن صح طلاقهما لا يصح إيلاؤهما؛ لأنه لا يتحقق منها قصد الإيذاء بالامتناع عن الجماع.
وعرفه الحنابلة (٢): بأنه حلف زوج يمكنه الجماع، بالله تعالى أو بصفة من صفاته، على ترك وطء امرأته الممكن جماعها، ولو كان الحلف قبل الدخول، مطلقاً أو أكثر من أربعة أشهر أو ينويها. فلا يصح إيلاء عنين ومجبوب لعدم إمكان الجماع، ولا الحلف بالطلاق ونحوه ولا بنذر، ولا إيلاء من رتقاء ونحوها.
وعلى هذا يصح الإيلاء من الكافر في مذهبي الشافعية والحنابلة كالحنفية.
ألفاظ الإيلاء:
الإيلاء إما بلفظ صريح وإما بلفظ كناية يدل على الامتناع من الجماع (٣).
стр. 6848
من الألفاظ الصريحة عند الحنفية والمالكية: قول الزوج لزوجته: والله لا أقربك أو لا أجامعك أو لا أطؤك أو لا أغتسل منك من جنابة، ونحوه من كل ما ينعقد به اليمين، أو قوله: (والله لا أقربك أربعة أشهر) حتى ولو كان الكلام موجهاً لحائض، لتعيين المدة. أو قوله عند الجمهور غير الحنابلة: إن قربتك فعلي حج أو نحوه مما يشق فعله، أما ما لا يشق فعله مثل: (فعلي صلاة ركعتين) فليس بمولٍ عند الحنفية لعدم مشقتهما، بخلاف قوله: فعلي مئة ركعة، فإنه يكون مولياً. أو قوله عند غير الحنابلة: إن قربتك فأنت طالق. وعلى هذا فالصريح عند الحنفية لفظان: الجماع وما في معناه من التعبير بالنون والكاف (١)، وما يجري مجرى الصريح ألفاظ ثلاثة: القربان والمباضعة والوطء.
وصريح الإيلاء عند الشافعية: الحلف على ترك الوطء أو الجماع أو افتضاض البكر ونحو ذلك، والصريح عند الحنابلة: ثلاثة ألفاظ وهي قوله: والله لا آتيك، ولا أدخل ولا أغيب أو أولج ذكري في فرجك، ولا افتضضتك للبكر خاصة. وعندهم ألفاظ عشرة صريحة في الحكم أو القضاء، ويدين فيها ما نواه عندهم فيما بينه وبين الله تعالى: وهي لا وطئتك، ولا جامعتك، ولا أصبتك، ولا باشرتك، ولا مسستك، ولا قربتك، ولا أتيتك، ولا باضعتك، ولا باعلتك، ولا اغتسلت منك، فهذه صريحة قضاء لأنها تستعمل عرفاً في الوطء.
والجديد عند الشافعية: أن الحلف بألفاظ الملامسة والمباضعة والمباشرة والإتيان والغشيان والقِرْبان والإفضاء والمس والدخول ونحوها كنايات تفتقر لنية الوطء؛ لأن لها حقائق غيرالوطء، ولم تشتهر اشتهار ألفاظ الوطء والجماع والإيلاج وافتضاض البكر.
стр. 6849
و أصل حكم الإيلاء: قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢ - ٢٢٧].
ومن ألفاظ الكناية التي تحتاج إلى نية عند الحنفية: أن يحلف بقوله: لا أمسك، لا آتيك، لا أغشاك؛ لا أقرب فراشك، لا أدخل عليك. ولو قال: «أنت علي حرام» فهو إيلاء إن نوى التحريم، أو لم ينو شيئاً، وظهار إن نواه، فإن نوى الكذب فهو إيلاء قضاء؛ لأن تحريم الحلال يمين، وهدر باطل ديانة.
وألفاظ الكناية التي لا تكون إيلاء إلا بالنية عند الحنابلة هي ما عدا الألفاظ السابقة الصريحة في حكم الصريح، كقول الزوج: والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء، لا قربت فراشك، لا آويت معك، لا نمت عندك، لأسوأنك، لأغيظنك، لتطولن غيبتي عنك، لا مسّ جلدي جلدك ونحوها، فإن أراد بها الجماع واعترف بذلك، كان مولياً، وإلا فلا؛ لأن هذه الألفاظ ليست ظاهرة في الجماع كظهور التي قبلها، ولم يرد النص باستعمالها فيه، إلا أن هذه الألفاظ نوعان: نوع منها يفتقر إلى نية الجماع والمدة معاً: وهي لأسوأنك، ولأغيظنك، ولتطولن غيبتي عنك، فلا يكون مولياً حتى ينوي ترك الجماع في مدة تزيد على أربعة أشهر. وباقي الألفاظ يكون مولياً بنية ترك الجماع فقط.
لغة الإيلاء: يصح الإيلاء بكل لغة عربية وعجمية (١)، سواء أكان المولي ممن يحسن العربية أم ممن لا يحسنها، فيصح من عجمي بالعربية، ومن عربي بالعجمية إن عرف المعنى كما في الطلاق وغيره؛ لأن اليمين تنعقد بغير العربية، وتجب بها الكفارة، والمولي: هو الحالف بالله على ترك وطء زوجته، الممتنع من ذلك بيمينه.
стр. 6850
ثانياً - أركان الإيلاء وشروطه: ركن الإيلاء عند الحنفية: هو الحلف على ترك قربان امرأته مدة، ولو ذمياً، أو هو الصيغة التي ينعقد بها، من الألفاظ الصريحة أو الكناية المتقدمة، وما عداها فهو من شروط الإيلاء، وينعقد الإيلاء ككل الأيمان سواء في حالة الرضا أو الغضب.
وأما عند الجمهور فللإيلاء أركان أربعة: هي الحالف، والمحلوف به، والمحلوف عليه، والمدة (١).
١ - الحالف: هو المولي وهو عند المالكية: كل زوج مسلم عاقل بالغ يتصور منه الوقاع، حراً كان أو عبداً، صحيحاً كان أو مريضاً، فلا يصح إيلاء الذمي.
وهو عند الحنفية: كل زوج له أهلية الطلاق، وهو كل عاقل بالغ، مالك النكاح، وأضافه إلى الملك، أو هو الذي لا يمكنه قربان امرأته إلا بشيء شاق يلزمه. فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل الطلاق، ويصح إيلاء الذمي الكافر؛ لأن الكافر من أهل الطلاق، ويصح إيلاء العبد بما لا يتعلق بالمال، مثل إن قربتك فعلي صوم أو حج أو عمرة، أو امرأتي طالق، أو والله لا أقربك، فإن حنث لزمه الكفارة بالصوم. أما ما يتعلق بالمال مثل إن قربتك فعلي عتق رقبة، أو أن أتصدق بكذا، فلا يصح؛ لأنه ليس من أهل ملك المال. ولا يصح الإيلاء لو قال لامرأة أجنبية، أو لمن أبانها بثلاث أو بطلاق بائن: «والله لا أقربك» لأنه غير مالك النكاح، لكن إن أضاف ذلك إلى الملك بأن قال للأجنبية أو المبانة منه: إن تزوجتك فوالله لا أقربك، كان مولياً.
стр. 6851
والمولي عند الشافعية: كل زوج يصح طلاقه أو هو كل زوج بالغ عاقل قادر على الوطء. فلا يصح إيلاء الصبي والمجنون والمكره، والمجبوب والأشل، ولا يصح الإيلاء على المذهب من رتقاء أو قرناء؛ لأنه لا يتحقق منه قصد الإيذاء والإضرار، لامتناع الأمر في نفسه.
ويصح إيلاء المريض والمحبوس والحر والعبد، والمسلم والكافر والخصي والسكران المتعدي بسكره؛ لأنه يصح طلاقه في الجملة.
والحالف المولي عند الحنابلة: هو كل زوج يمكنه الجماع، يحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته على ترك وطء امرأته الممكن جماعها أكثر من أربعة أشهر. فلا يصح إيلاء عاجز عن وطء مثل عنِّين ومجبوب وأشل، ولا بنذر أو طلاق ونحوه، ولا من امرأة رتقاء ونحوها، ولا يصح من صبي مميز أو مجنون أو مغمى عليه، ويصح الإيلاء من كافر وعبد وغضبان وسكران ومريض مرجو برؤه، ومن لم يدخل بزوجته.
وبه يتبين أن الجمهور يجيزون إيلاء الكافر، والمالكية لا يجيزونه.
٢ - المحلوف به: هو الله تعالى وصفاته بالاتفاق، وكذا عند الجمهور غير الحنابلة: كل يمين يلزم عنها حكم كالطلاق والعتق والنذر لصيام أو صلاة أو حج وغير ذلك. وخص الحنابلة المحلوف به بالله تعالى أو صفة من صفاته، لا بطلاق أو نذر ونحوهما.
ورأى المالكية والحنابلة: أن من ترك الوطء بغير يمين، لزمه حكم الإيلاء إذا قصد الإضرار، فيحدد له مدة أربعة أشهر، ثم يحكم له بحكم الإيلاء؛ لأنه تارك لوطئها ضرراً بها، فأشبه المولي.
стр. 6852
وكذلك من ظاهر من زوجته، ولم يكفِّر كفارة الظهار، تضرب له مدة الإيلاء ضرراً بها، فأشبه المولي، ويثبت له حكمه، لقصده الإضرار بها أيضاً.
٣ - المحلوف عليه: هو الجماع، بكل لفظ يقتضي ذلك، مثل: لا جامعتك ولا اغتسلت منك، ولا دنوت منك، وشبه ذلك من الألفاظ الصريحة والكناية المتقدمة.
٤ - المدة: وهي في رأي الجمهور غير الحنفية أن يحلف الزوج ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر. وفي رأي الحنفية: أقل المدة أربعة أشهر فأكثر. فلو حلف على ثلاثة أشهر أوأربعة لم يكن مولياً عند الجمهور، ويكون مولياً عند الحنفية في أربعة أشهر، وليس مولياً في أقل من أربعة أشهر.
وسبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم في الفيء: وهو الرجوع إلى قربان الزوجة، هل يكون قبل مضي الأربعة أشهر أو يكون بعد مضيها؟ فالحنفية قالوا: يكون الفيء قبل مضيها، فتكون مدة الإيلاء أربعة أشهر، والجمهور قالوا: الفيء بعد مضيها، فتكون مدة الإيلاء أزيد من أربعة أشهر.
شروط الإيلاء:
شروط الإيلاء عند الحنفية (١) ستة وهي ما يأتي:
١ - محلية المرأة بكونها زوجة، ولو حكماً كالمعتدة من طلاق رجعي، وقت تنجيز الإيلاء، فإن كانت المرأة بائنة من زوجها بثلاث أو بلفظ بائن لم يصح الإيلاء منها.
стр. 6853
٢ - وأهلية الزوج للطلاق: فصح إيلاء الذمي بغير ما هو قربة محضة من نحو حج وصوم. وفائدة تصحيح إيلاء الذمي، وإن لم تلزمه الكفارة بالحنث: هي وقوع الطلاق بترك قربان المرأة في مدة الإيلاء.
٣ - ألا يقيد بمكان: لأنه يمكن قربان المرأة في غيره.
٤ - ألا يجمع بين الزوجة وغيرها كأجنبية؛ لأنه يمكنه قربان امرأته وحدها بلا لزوم شيء.
٥ - أن يكون المنع من القربان فقط.
٦ - ترك الفيء أي الجماع في المدة المقررة وهي أربعة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل عزم الطلاق شرطاً لوقوعه بقوله: ﴿فإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة:٢٢٧/ ٢] وكلمة (إن) للشرط، وعزم الطلاق: ترك الفيء في المدة. ودليلهم على أن المدة هي أربعة أشهر: أن الفيئة تكون في مدة الأربعة أشهر، لا بعدها.
وذكر الحنابلة وبقية المذاهب أربعة شروط للإيلاء هي ما يأتي (١):
١ - أن يحلف الزوج بالله أو بصفة من صفاته كالرحمن ورب العالمين ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر أو يحلف عند المالكية والشافعية والحنفية على ترك الوطء بطلاق أو عتاق أو نذر صدقة المال أو الحج أو الظهار، لما قال ابن عباس: «كل يمين منعت جماعها فهي إيلاء» ولأنها يمين منعت جماعها فكانت
стр. 6854
إيلاء كالحلف بالله، ولأن تعليق الطلاق والعتاق على وطئها حلف، فيكون مولياً لتحقق المنع باليمين، وهو ذكر الشرط والجزاء.
ولا يكون الحلف بالطلاق والعتاق إيلاء على الرواية المشهورة عند الحنابلة؛ لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسم، بدليل قراءة أبيّ وابن عباس: «للذين يقسمون» مكان (يؤلون) وفسر ابن عباس: (يؤلون) بقوله: (يحلفون بالله) والتعليق بشرط ليس بقسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يسمى حلفاً تجوزاً لمشاركته القسم في المعنى المشهور في القسم: وهو الحث على الفعل أو المنع منه أو توكيد الخبر، ويحمل الكلام عند إطلاقه على الحقيقة لا على المجاز.
وإن قال: (إن وطئتك فلله علي صوم أو حج أو عمرة) يكون إيلاء عند الجمهور، وقيده الحنفية بفعل فيه مشقة، لا بصلاة نحو ركعتين، فليس بمولٍ لعدم مشقتهما. والتزام صلاة مئة ركعة يجعله مولياً.
ولا إيلاء أيضاً عند الحنابلة إن حلف على ترك الوطء بنذر أو صدقة مال أو حج أو ظهار أو تحريم مباح ونحوه، فلا يكون الزوج مولياً؛ لأنه لم يحلف بالله تعالى، فأشبه ما لو حلف بالكعبة.
٢ - أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؛ لأن الله تعالى جعل للحالف تربص أو انتظار أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر أو ما دونها فلا معنى للتربص؛ لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك أو مع انقضائه، فدل على أنه لايصير بما دون تلك المدة مولياً، ولأن الضرر لا يتحقق بترك الوطء فيما دون أربعة أشهر، بدليل ما روي عن عمر ﵁ أنه سأل: «كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقيل: شهرين وفي الثالث: يقل الصبر، وفي الرابع: ينفذ الصبر» فإذا نفذ صبرها طالبت، فلا بد من الزيادة على ذلك، ويكفي زيادة لحظة.
стр. 6855
٣ - أن يحلف الزوج على ترك الوطء في القُبُل (أو الفرج): فإن ترك الوطء بغير يمين ولا قصد إضرار، لم يكن مولياً لظاهر الآية: ﴿للذين يؤلون … ﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] وإن قال: لا وطئتك في الدبر، لم يكن مولياً؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ولا تتضرر المرأة بتركه، وإنما هو وطء محرم، وقد أكد منع نفسه منه بيمينه.
وكذا إن قال: (والله، لا وطئتك دون الفرج) لم يكن مولياً؛ لأنه لم يحلف على الوطء الذي يطالب في الفيئة، ولا ضرر على المرأة في تركه.
٤ - أن يكون المحلوف عليها امرأته، لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] ولأن غير الزوجة لا حق لها في وطئه، فلا يكون مولياً منها، كالأجنبية. وإن حلف على ترك وطء أجنبية ثم نكحها، لم يكن مولياً؛ لأنه إذا كانت اليمين قبل النكاح لم يكن قاصداً الإضرار، فأشبه الممتنع بغير يمين.
ويصح الإيلاء بالاتفاق من المطلقة الرجعية في العدة؛ لأنها في حكم الزوجة يلحقها الطلاق، فيلحقها الإيلاء.
ولا يصح من المطلقة البائنة، لانقطاع الزوجية.
ويصح الإيلاء من كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، حرة كانت أو أمة، لعموم قوله سبحانه: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] ولأن كل واحدة منهن زوجة، فصح الإيلاء منها كالحرة المسلمة.
стр. 6856
ويصح الإيلاء قبل الدخول وبعده، لعموم الآية، ولتوافر المعنى؛ لأنه ممتنع من جماع زوجته بيمينه، فأشبه ما بعد الدخول. ويصح الإيلاء من المجنونة والصغيرة، إلا أنه لا يطالب بالفيئة في الصغر والجنون؛ لأنهما ليسا من أهل المطالبة.
ولا يصح الإيلاء من الرتقاء والقرناء؛ لأن الوطء متعذر دائماً، فلم تنعقد اليمين على تركه، كما لو حلف عى ألا يصعد السماء.
أما الحالف فقد عرفنا شرطه: فهو أن يكون زوجاً عاقلاً بالغاً قادراً على الوطء، ومسلماً عند المالكية. فلا يصح إيلاء غير الزوج، ولا إيلاء الصبي والمجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما وليسا مكلفين، ولا إيلاء المجبوب والأشل، للعجز عن الوطء وتعذره منه قبل اليمين، ولا تتضرر المرأة بيمينه، ويصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة إيلاء المسلم والكافر والحر والعبد، والسليم والخصي، والمريض الذي يرجى برؤه، والمحبوس والسكران، لقدرتهم على الوطء، فصح من كل منهم الامتناع عنه ولعموم آية الإيلاء، ولا يصح الإيلاء عند المالكية من الكافر؛ لأنه ليس أهلاً للكفارة عن اليمين، ولأنه ليس أهلاً للمغفرة والرحمة بالفيئة المصرح عنها في الآية: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] فإن الكافر لا تحصل له مغفرة ولا رحمة بالفيئة.
ويصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، فلا يشترط في الإيلاء كونه في حال الغضب، ولا قصد الإضرار، لعموم آية الإيلاء، ولأن الإيلاء كالطلاق والظهار وسائر الأيمان، سواء في الغضب والرضا، ولأن حكم اليمين في الكفارة وغيرها سواء في الغضب والرضا، فكذلك في الإيلاء.
стр. 6857
ثالثاً - حكم الإيلاء: ليمين الإيلاء عند الحنفية حكم أخروي، وحكم دنيوي (١):
أما الحكم الأخروي: فهو الإثم إن لم يفئ إليها، لقوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] لأن الإيلاء مكروه تحريماً عندهم.
وأما الحكم الدنيوي: فيتعلق بالإيلاء حكمان: حكم الحنث، و حكم البر.
أما حكم الحنث: فهو لزوم الكفارة أو الجزاء المعلق إن حنث في يمينه، فإن وطئها في مدة الأربعة الأشهر، حنث في يمينه، لفعله المحلوف عليه، ويختلف حكم الحنث باختلاف المحلوف به: فإن كان الحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته مثل: (والله لا أقربك)، فتجب عليه كفارة اليمين كسائر الأيمان، وهي إطعام عشرة مساكين يوماً واحداً، أو كسوتهم أو تحرير رقبة، بالنسبة للموسر، فإن لم يجد شيئاً من ذلك، بأن كان معسراً، وجب عليه صيام ثلاثة أيام متتابعات. وإذا لزمته الكفارة سقط الإيلاء.
وإن كان الحلف بالشرط والجزاء مثل: (إن قربتك فعلي حج، أو أنت طالق) فيلزمه الجزاء المعلَّق إن حنث، أي يلزمه المحلوف به كسائر الأيمان المعلقة بالشرط والجزاء.
وأما حكم البر: بأن لم يطأ الزوجة المحلوف عليها أو لم يقربها، فهو وقوع طلقة بائنة، بدون حاجة لرفع الأمر إلى القاضي، بمجرد مضي المدة من غير فيء، أي لم يرجع إلى ما حلف عليه، جزاء على ظلمه، ورحمة على المرأة ونظراً لمصلحتها بتخليصها منه، لتتوصل إلى إيفاء حقها من زوج آخر.
стр. 6858
ودليلهم على كونه طلاقاً بائناً: هو العمل برأي جماعة من الصحابة وهم عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة (ابن مسعود وابن عباس وابن عمر) وزيد بن ثابت فإنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، ولأن دفع الظلم عن المرأة لا يكون إلا بالبائن، لتتخلص منه، فتتمكن من الزواج بآخر.
وقدر هذا الطلاق عند الحنفية ما عدا زفر (١): أن الطلاق يتبع المدة، لا اليمين فيكون واحداً باتحاد المدة، ويتعدد بتعددها. وعلى هذا: إذا قال الرجل لامرأته: «والله لا أقربك، أو لا أقربك أربعة أشهر» فإن كان حلف على مدة الإيلاء فقط أربعة أشهر، فقد سقطت اليمين؛ لأنها كانت مؤقتة بوقت، فترتفع بمضيه.
وإن كان حلف على الأبد، فاليمين باقية بعد البينونة لعدم الحنث، فإن عاد إليها فتزوجها ثانياً، عاد الإيلاء؛ لأن زوال الملك بعد اليمين لا يبطلها، فإن وطئها حنث في يمينه ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء؛ لأنه يرتفع بالحنث، وإن لم يطأها وقعت بمضي أربعة أشهر أخرى تطليقة أخرى؛ لأن بالتزوج ثبت حقها، فيتحقق الظلم، فيعتبر ابتداء هذا الإيلاء من وقت التزوج. فإن عاد إليها وتزوجها ثالثاً عاد الإيلاء ووقع بمضي أربعة أشهر أخرى تطليقة أخرى لبقاء طلاق ذلك الملك ببقاء المحلية. فإن عاد إليها وتزوجها رابعاً بعد حلها بتزوج زوج آخر، لم يقع بالإيلاء طلاق، لزوال طلاق ذلك الملك بزوال المحلية، ولكن اليمين باقية لعدم الحنث، فإن وطئها كفَّر عن يمينه لوجود الحنث.
ودليل جمهور الحنفية: أن سبب اعتبار الإيلاء يميناً هو منع حق المرأة في
стр. 6859
الجماع في المدة، والمنع يتحد باتحاد المدة فيتحد الظلم فيتحد الطلاق، ويتعدد بتعدد المدة فيتعدد الظلم، فيتعدد الطلاق، وأما الكفارة فتجب لهتك حرمة اسم الله ، والهتك يتحد ويتعدد بحسب اتحاد الاسم وتعدده.
و الفيء عند الحنفية (١): نوعان: فعل وقول:
أما الفعل: فهو الجماع في الفرج، فلو جامعها فيما دون الفرج، أو قبَّلها بشهوة، أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، لم يكن ذلك فيئاً؛ لأن حقها في الجماع في الفرج، فصار ظالماً بمنعه، فلا يندفع الظلم إلا به.
وأما القول: فصورته أن يقول لها: فئت إليك، أو راجعتك، أو ما أشبه ذلك.
ويشترط لصحته شروط ثلاثة:
أحدها - العجز عن الجماع: فلا يصح الفيء بالقول مع القدرة على الجماع؛ لأن القول بدل عن الجماع، كالتيمم مع الوضوء.
والعجز نوعان: حقيقي وحكمي، أما الحقيقي: فنحو أن يكون أحد الزوجين مريضاً مرضاً يتعذر معه الجماع، أو كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها، أو رتقاء، أو يكون الزوج مجبوباً، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها مدة الإيلاء، أو تكون ناشزة محتجبة في مكان لا يعرفه، أو يكون محبوساً لا يقدر أن يدخل بها.
وأما الحكمي أو الشرعي: فمثل أن يكون محرماً وقت الإيلاء، وبينه وبين الحج أربعة أشهر.
стр. 6860
والثاني - دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضي مدة الإيلاء: فلو قدر على الجماع في أثناء المدة، بطل الفيء بالقول، وانتقل إلى الفيء بالجماع. وكذا إن صح من مرضه في المدة بطل الفيء باللسان وصار فيئه بالجماع؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود، فيبطل الخلف، كالمتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة.
الثالث - قيام ملك النكاح وقت الفيء بالقول: وهو أن تكون المرأة في حال الفي إليها زوجته غير بائنة منه، فإن كانت بائنة منه، ففاء بلسانه، لم يكن ذلك فيئاً، ويبقى الإيلاء. وهذا بخلاف الفيء بالجماع، فإنه يصح بعد زوال الملك وثبوت البينونة، فلا يبقى الإيلاء ويبطل؛ لأنه حنث بالوطء، فانحلت اليمين وبطلت.
شرط الفيء بنوعيه: يشترط أن يكون الفيء قبل مضي الأربعة الأشهر، فإن فاء في المدة حنث بيمينه، ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء، وإن لم يفيء حتى مضت أربعة أشهر، بانت منه بتطليقة (١).
الاختلاف في الفي ء: إذا اختلف الزوج والمرأة في الفيء مع بقاء المدة، بأن ادعى الزوج الفيء، وأنكرت المرأة، فالقول قول الزوج؛ لأن المدة إذا كانت باقية، فالزوج يملك الفيء فيها، وقد ادعى الفيء في وقت يملك إنشاءه فيه، فكان الظاهر شاهداً له، فكان القول قوله.
وإن اختلفا بعد مضي المدة، فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج يدعي الفيء في وقت لا يملك إنشاء الفيء فيه، فكان الظاهر شاهداً عليه للمرأة، فكان القول قولها (٢).
стр. 6861
حكم الفيء عند الجمهور غير الحنفية (١):
الكلام فيه يشمل أمرين:
الأول - مدة الإمهال بلا قاض: إذا آلى الزوج من زوجته، لم يطالب بشيء من وطء وغيره قبل أربعة أشهر، لقوله : ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢].
وابتداء المدة من حين اليمين؛ لأنها ثبتت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى تحديد كمدة العنة التي يحددها القاضي.
فإن وطئها فقد أوفاها حقها قبل انتهاء المدة، وخرج من الإيلاء، وإن وطئها بعد المدة قبل مطالبة المرأة أو بعدها، خرج من الإيلاء أيضاً؛ لأنه فعل ما حلف عليه.
وإن لم يطأ، رفعت الزوجة الأمر إلى القاضي إن شاءت، وحينئذ يأمره القاضي بالفيئة إلى الوطء، فإن أبى، طلق القاضي عليه، ويقع الطلاق رجعياً.
أي أن الطلاق الواجب على المولي عند الجمهور رجعي، سواء أوقعه بنفسه أو طلق الحاكم عليه؛ لأنه طلاق لامرأة مدخول بها من غير عوض، ولا استيفاء عدد، فكان رجعياً كالطلاق في غير الإيلاء، بخلاف فرقة العنة فإنها فسخ لعيب، ولأن الأصل أن كل طلاق وقع بالشرع فيحمل على أنه رجعي إلى أن يدل الدليل على أنه بائن.
стр. 6862
وأما عند الحنفية فقد تقدم أنه طلاق بائن؛ لأنها فرقة لرفع الضرر، فكان بائناً كفرقة العنة.
والفيئة: الجماع المعروف أو الوطء باتفاق العلماء، وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج إن كانت ثيباً، وافتضاض البكارة إن كانت بكراً.
فلو وطئ دون الفرج لم يكن فيئة؛ لأنه ليس بمحلوف على تركه، ولا يزول الضرر على المرأة بفعله. ولا بد من أن يكون الواطئ عالماً عامداً عاقلاً مختاراً، فإن وطئ ناسياً أو مكرهاً أو مجنوناً لم يحنث وبقي الإيلاء، وإن وطئها وطئاً حراماً مثل إن وطئها حائضاً أو نفساء أو محرمة أو صائمة صوم فرض أو كان محرماً أو صائماً أو مظاهراً، حنث وخرج من الإيلاء عند الشافعية والحنابلة، بل حتى لو كان الوطء في الدبر عند الشافعية لحصول المقصود. وقال المالكية والحنفية: إن شرط الوطء الكافي أن يكون حلالاً، فلا يكفي الحرام كما في الحيض والإحرام، ويطالب بالفيئة بعد زوال المانع، وإن حنث بالحرام فيلزمه الكفارة ولا تنحل يمين الإيلاء.
وإذا فاء لزمته الكفارة - كفارة اليمين - لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام … ﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] وإن كان الإيلاء بتعليق طلاق، وقع بنفس الوطء؛ لأنه معلق بصفة وقد وجدت. وإن كان على نذر صدقة أو صوم أو صلاة أو حج أو غير ذلك من الطاعات أو المباحات، فيلزمه الوفاء به بالوطء، ويخير عند الشافعية والحنابلة بين الوفاء به وبين كفارة يمين؛ لأنه نذر لجاج وغضب.
стр. 6863
الثاني - الفيئة حالة العجز عن الجماع:
أـ إن كان المانع من جهة المرأة يمنع الوطء منعاً شرعياً كحيض ونفاس، أو حسياً كمرض لا يمكن معه الوطء، فلا يطالب الزوج بالفيئة؛ لأن الوطء متعذر من جهتها، فكيف تطلبه أو تطلب ما يقوم مقامه وهو الطلاق، ولأن المطالبة تكون بالمستحق، وهي لاتستحق الوطء حينئذ.
ب - وإن كان المانع من الوطء من جهة الزوج مانعاً طبيعياً وهو حبس أو مرض يمنع الوطء، أو يخاف منه زيادة العلة أو بطء البرء، أو مانعاً شرعياً كإحرام بحج أو عمرة، أو كان مغلوباً على عقله بجنون أو إغماء، لم يطالب بالوطء، لأن المجنون والمغمى عليه لا يصلح للخطاب ولا يصح منه الجواب، وتتأخر المطالبة إلى حال القدرة وزوال العذر، ثم يطالب حينئذ. وكذا لا يطالب المحبوس والمريض والمحرم بالوطء بالفعل لتعذره، إنما يطالب بالفيء بالقول، أي بالوعد بالوطء إذا زال مانع المرض أو السجن أو الإحرام أو نحوها، أو بالطلاق إن لم يفئ، بأن يقول: إذا قدرت فئت، أو طلقت؛ لأن بهذا القول يندفع الأذى الموجه للمرأة الذي حصل باللسان.
لكن المذهب عند الشافعية أنه إذا كان في الزوج مانع شرعي كإحرام وظهار قبل التفكير، وصوم واجب، فيطالب بالطلاق؛ لأنه هو الذي يمكنه، ولا يطالب بالفيئة لحرمة الوطء، ويحرم عليها تمكينه.
وإذا انقضت مدة الأربعة أشهر، فادعى أنه عاجز عن الوطء: فإن كان قد وطئها مرة، لم تسمع دعواه العنة، كما لا تسمع دعواها عليه، ويطالب بالفيئة أو بالطلاق كغيره. وإن لم يكن وطئها ولم تكن حاله معروفة، تسمع دعواه ويقبل قوله؛ لأن التعيين من العيوب التي لا يقف عليها غيره، فيقبل قوله مع اليمين.
стр. 6864
وللمرأة أن تطالب الحاكم بأن يضرب له مدة العنة وهي سنة، بشرط أن يفيء فيئة أهل الأعذار وهو الوعد بالوطءعند القدرة على الجماع، فيقول: متى قدرت جامعتها. يتبين من هذا أن الجمهور يتفقون مع الحنفية في أن الفيء يكون بالجماع أو بالقول عند العجز عن الجماع.
اختلاف الزوجين في الإيلاء أو في انقضاء مدته أو في حدوث الفيئة:
إذا اختلف الزوجان في الإيلاء أو في انقضاء مدته: بأنه ادعته عليه، فأنكر فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدمه، والأصل عدم انقضاء المدة.
وإن اختلفا في الفيئة، فقال الزوج: قد أصبتها، وأنكرت الزوجة:
فإن كانت ثيباً، كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي رفعه بما يلزم به الزوج، وهو يدعي ما يوافق الأصل ويبقيه، فكان القول قوله، كما لو ادعى الوطء في العنة كما سبق.
فإن نكل عن اليمين، حلفت الزوجة أنه لم يفء، وبقيت على حقها من الطلب بأن يفيء أو يطلق، فإن لم تحلف بقيت زوجة كما لو حلف.
وأما إن كانت بكراً، واختلفا في الإصابة، أريت النساء الثقات، فإن شهدن بثيوبتها، فالقول قول الزوج بيمينه، وإن شهدن ببكارتها فالقول قولها بيمينها؛ لأنه لو وطئها زالت بكارتها.
وهذا متفق عليه بين الجمهور والحنفية.
الطلاق في مدة الإيلاء: إن طلق المولي، فقد سقط حكم الإيلاء، وبقيت اليمين. فإن عاد فتزوجها عاد عند الجمهور غير الحنفية حكم الإيلاء من حين
стр. 6865
تزوجها، واستؤنفت المدة حينئذ، أي تحسب مدة الإيلاء من وقت الرجعة، فإن كان الباقي من مدة يمينه أربعة أشهر فما دون، عمل بها، وإن كان أكثر من أربعة أشهر، تربص أربعة أشهر، ثم قيل له عند انقضائها: إما أن يفيء أو يطلِّق، فإن لم يطلق طلّق الحاكم عليه تطليقة، وتكون رجعية.
وقد بينت أن الإيلاء يعود عند الحنفية إن كان الطلاق أقل من ثلاث، وإن استوفى عدد الطلاق لم يعد الإيلاء.
ولا يطلق الحاكم عليه سوى تطليقة عند المالكية والشافعية؛ لأن إيفاء الحق يحصل بها، فلم يملك زيادة عليها، كما لم يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع عن إيفائه.
وأجاز الحنابلة للقاضي أن يطلق على الزوج ثلاثاً؛ لأن المولي إذا امتنع من الفيئة والطلاق معاً، قام القاضي مقامه، فإنه يملك من الطلاق ما يملكه المولي، ويكون الأمروالخبرة إليه، إن شاء طلق واحدة، وإن شاء اثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء فسخ؛ لأن القاضي قام مقام المولي، فملك من الطلاق ما يملكه المولي، كما لو وكله في الطلاق، وليس ذلك زيادة على حقها، فإن حقها الفرقة، غير أنها تتنوع.
والراجح هو الرأي الأول؛ لأن الحاجة كالضرورة تقدر بقدرها، وتتحقق حاجة المرأة بالطلقة الواحدة.
العدة بعد الإيلاء: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الزوجة المولى منها تلزمها العدة بعد الفرقة؛ لأنها مطلقة، فوجب أن تعتد كسائر المطلَّقات. وقال جابر بن زيد وهو مروي عن ابن عباس: لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الأربعة الأشهر ثلاث حيضات؛ لأن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم، وهذه قد حصلت لها البراءة.