حكم الفيء عند الجمهور غير الحنفية (١):
الكلام فيه يشمل أمرين:
الأول - مدة الإمهال بلا قاض: إذا آلى الزوج من زوجته، لم يطالب بشيء من وطء وغيره قبل أربعة أشهر، لقوله : ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢].
وابتداء المدة من حين اليمين؛ لأنها ثبتت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى تحديد كمدة العنة التي يحددها القاضي.
فإن وطئها فقد أوفاها حقها قبل انتهاء المدة، وخرج من الإيلاء، وإن وطئها بعد المدة قبل مطالبة المرأة أو بعدها، خرج من الإيلاء أيضاً؛ لأنه فعل ما حلف عليه.
وإن لم يطأ، رفعت الزوجة الأمر إلى القاضي إن شاءت، وحينئذ يأمره القاضي بالفيئة إلى الوطء، فإن أبى، طلق القاضي عليه، ويقع الطلاق رجعياً.
أي أن الطلاق الواجب على المولي عند الجمهور رجعي، سواء أوقعه بنفسه أو طلق الحاكم عليه؛ لأنه طلاق لامرأة مدخول بها من غير عوض، ولا استيفاء عدد، فكان رجعياً كالطلاق في غير الإيلاء، بخلاف فرقة العنة فإنها فسخ لعيب، ولأن الأصل أن كل طلاق وقع بالشرع فيحمل على أنه رجعي إلى أن يدل الدليل على أنه بائن.
стр. 6862
وأما عند الحنفية فقد تقدم أنه طلاق بائن؛ لأنها فرقة لرفع الضرر، فكان بائناً كفرقة العنة.
والفيئة: الجماع المعروف أو الوطء باتفاق العلماء، وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج إن كانت ثيباً، وافتضاض البكارة إن كانت بكراً.
فلو وطئ دون الفرج لم يكن فيئة؛ لأنه ليس بمحلوف على تركه، ولا يزول الضرر على المرأة بفعله. ولا بد من أن يكون الواطئ عالماً عامداً عاقلاً مختاراً، فإن وطئ ناسياً أو مكرهاً أو مجنوناً لم يحنث وبقي الإيلاء، وإن وطئها وطئاً حراماً مثل إن وطئها حائضاً أو نفساء أو محرمة أو صائمة صوم فرض أو كان محرماً أو صائماً أو مظاهراً، حنث وخرج من الإيلاء عند الشافعية والحنابلة، بل حتى لو كان الوطء في الدبر عند الشافعية لحصول المقصود. وقال المالكية والحنفية: إن شرط الوطء الكافي أن يكون حلالاً، فلا يكفي الحرام كما في الحيض والإحرام، ويطالب بالفيئة بعد زوال المانع، وإن حنث بالحرام فيلزمه الكفارة ولا تنحل يمين الإيلاء.
وإذا فاء لزمته الكفارة - كفارة اليمين - لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام … ﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] وإن كان الإيلاء بتعليق طلاق، وقع بنفس الوطء؛ لأنه معلق بصفة وقد وجدت. وإن كان على نذر صدقة أو صوم أو صلاة أو حج أو غير ذلك من الطاعات أو المباحات، فيلزمه الوفاء به بالوطء، ويخير عند الشافعية والحنابلة بين الوفاء به وبين كفارة يمين؛ لأنه نذر لجاج وغضب.
стр. 6863
الثاني - الفيئة حالة العجز عن الجماع:
أـ إن كان المانع من جهة المرأة يمنع الوطء منعاً شرعياً كحيض ونفاس، أو حسياً كمرض لا يمكن معه الوطء، فلا يطالب الزوج بالفيئة؛ لأن الوطء متعذر من جهتها، فكيف تطلبه أو تطلب ما يقوم مقامه وهو الطلاق، ولأن المطالبة تكون بالمستحق، وهي لاتستحق الوطء حينئذ.
ب - وإن كان المانع من الوطء من جهة الزوج مانعاً طبيعياً وهو حبس أو مرض يمنع الوطء، أو يخاف منه زيادة العلة أو بطء البرء، أو مانعاً شرعياً كإحرام بحج أو عمرة، أو كان مغلوباً على عقله بجنون أو إغماء، لم يطالب بالوطء، لأن المجنون والمغمى عليه لا يصلح للخطاب ولا يصح منه الجواب، وتتأخر المطالبة إلى حال القدرة وزوال العذر، ثم يطالب حينئذ. وكذا لا يطالب المحبوس والمريض والمحرم بالوطء بالفعل لتعذره، إنما يطالب بالفيء بالقول، أي بالوعد بالوطء إذا زال مانع المرض أو السجن أو الإحرام أو نحوها، أو بالطلاق إن لم يفئ، بأن يقول: إذا قدرت فئت، أو طلقت؛ لأن بهذا القول يندفع الأذى الموجه للمرأة الذي حصل باللسان.
لكن المذهب عند الشافعية أنه إذا كان في الزوج مانع شرعي كإحرام وظهار قبل التفكير، وصوم واجب، فيطالب بالطلاق؛ لأنه هو الذي يمكنه، ولا يطالب بالفيئة لحرمة الوطء، ويحرم عليها تمكينه.
وإذا انقضت مدة الأربعة أشهر، فادعى أنه عاجز عن الوطء: فإن كان قد وطئها مرة، لم تسمع دعواه العنة، كما لا تسمع دعواها عليه، ويطالب بالفيئة أو بالطلاق كغيره. وإن لم يكن وطئها ولم تكن حاله معروفة، تسمع دعواه ويقبل قوله؛ لأن التعيين من العيوب التي لا يقف عليها غيره، فيقبل قوله مع اليمين.
стр. 6864
وللمرأة أن تطالب الحاكم بأن يضرب له مدة العنة وهي سنة، بشرط أن يفيء فيئة أهل الأعذار وهو الوعد بالوطءعند القدرة على الجماع، فيقول: متى قدرت جامعتها. يتبين من هذا أن الجمهور يتفقون مع الحنفية في أن الفيء يكون بالجماع أو بالقول عند العجز عن الجماع.
اختلاف الزوجين في الإيلاء أو في انقضاء مدته أو في حدوث الفيئة:
إذا اختلف الزوجان في الإيلاء أو في انقضاء مدته: بأنه ادعته عليه، فأنكر فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدمه، والأصل عدم انقضاء المدة.
وإن اختلفا في الفيئة، فقال الزوج: قد أصبتها، وأنكرت الزوجة:
فإن كانت ثيباً، كان القول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي رفعه بما يلزم به الزوج، وهو يدعي ما يوافق الأصل ويبقيه، فكان القول قوله، كما لو ادعى الوطء في العنة كما سبق.
فإن نكل عن اليمين، حلفت الزوجة أنه لم يفء، وبقيت على حقها من الطلب بأن يفيء أو يطلق، فإن لم تحلف بقيت زوجة كما لو حلف.
وأما إن كانت بكراً، واختلفا في الإصابة، أريت النساء الثقات، فإن شهدن بثيوبتها، فالقول قول الزوج بيمينه، وإن شهدن ببكارتها فالقول قولها بيمينها؛ لأنه لو وطئها زالت بكارتها.
وهذا متفق عليه بين الجمهور والحنفية.
الطلاق في مدة الإيلاء: إن طلق المولي، فقد سقط حكم الإيلاء، وبقيت اليمين. فإن عاد فتزوجها عاد عند الجمهور غير الحنفية حكم الإيلاء من حين
стр. 6865
تزوجها، واستؤنفت المدة حينئذ، أي تحسب مدة الإيلاء من وقت الرجعة، فإن كان الباقي من مدة يمينه أربعة أشهر فما دون، عمل بها، وإن كان أكثر من أربعة أشهر، تربص أربعة أشهر، ثم قيل له عند انقضائها: إما أن يفيء أو يطلِّق، فإن لم يطلق طلّق الحاكم عليه تطليقة، وتكون رجعية.
وقد بينت أن الإيلاء يعود عند الحنفية إن كان الطلاق أقل من ثلاث، وإن استوفى عدد الطلاق لم يعد الإيلاء.
ولا يطلق الحاكم عليه سوى تطليقة عند المالكية والشافعية؛ لأن إيفاء الحق يحصل بها، فلم يملك زيادة عليها، كما لم يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع عن إيفائه.
وأجاز الحنابلة للقاضي أن يطلق على الزوج ثلاثاً؛ لأن المولي إذا امتنع من الفيئة والطلاق معاً، قام القاضي مقامه، فإنه يملك من الطلاق ما يملكه المولي، ويكون الأمروالخبرة إليه، إن شاء طلق واحدة، وإن شاء اثنتين، وإن شاء ثلاثاً، وإن شاء فسخ؛ لأن القاضي قام مقام المولي، فملك من الطلاق ما يملكه المولي، كما لو وكله في الطلاق، وليس ذلك زيادة على حقها، فإن حقها الفرقة، غير أنها تتنوع.
والراجح هو الرأي الأول؛ لأن الحاجة كالضرورة تقدر بقدرها، وتتحقق حاجة المرأة بالطلقة الواحدة.
العدة بعد الإيلاء: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الزوجة المولى منها تلزمها العدة بعد الفرقة؛ لأنها مطلقة، فوجب أن تعتد كسائر المطلَّقات. وقال جابر بن زيد وهو مروي عن ابن عباس: لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الأربعة الأشهر ثلاث حيضات؛ لأن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم، وهذه قد حصلت لها البراءة.
стр. 6866
وسبب الخلاف: أن العدة اشتملت على مصلحة وجانب تعبدي، فمن لحظ المصلحة لم ير عليها عدة،، ومن لحظ جانب التعبد، أوجب عليها العدة.
خلاصة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حكم الإيلاء:
اختلف الجمهور مع الحنفية في أمرين:
الأول - أن الفيء عند الجمهور يكون قبل مضي المدة، ويكون بعدها. وعند الحنفية: الفيء يكون قبل مضي المدة. وعليه إن حصل الفيء قبل مضي المدة، زال الإيلاء ولزم الحانث كفارة اليمين بالاتفاق. وإن لم يحصل الفيء بعد مضي المدة، رفعت الزوجة الأمر للقاضي، والقاضي يخير الزوج بين أمرين: الفيء أو الطلاق، فإن فعل، وإلا طلق عليه القاضي، ويكون الطلاق رجعياً لا بائناً، وعند الحنفية: الطلاق بائن.
ويجري العمل في مصر وسورية على رأي الجمهور.
الثاني - أن الطلاق عند الجمهور لا يقع بمجرد مضي المدة، وإنما يقع بتطليق الزوج، أو القاضي إذا رفعت الزوجة الأمر إليه.
ويرى الحنفية: أنه بمجردمضي مدة الأربعة الأشهر، تطلق الزوجة طلقة بائنة.
وسبب الخلاف: تفسير المقصود من قوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢ - ٢٢٧] المعنى عند الحنفية: فإن فاؤوا في هذه الأشهر، فإن الله غفور رحيم لما أقدموا عليه من الحلف على الإضرار بالزوجة، وإن لم يفيئوا في هذه الأشهر، واستمروا في
стр. 6867
أيمانهم، كان ذلك عزماً منهم على الطلاق، ويقع الطلاق بحكم الشرع. فتكون النتيجة: إذا مضت الأربعة أشهر بدون فيئة، وقع الطلاق.
والمعنى عند الجمهور: للذين يحلفون يمين الإيلاء انتظار أربعة أشهر، فإن فاؤوا بعد مضي المدة، فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين وعزم الظلم للمرأة، وإن عزموا الطلاق بعد انقضاء المدة، فإن الله سميع لطلاقهم، عليم بما يصدر عنهم من خير أو شر، فيجازيهم عليه. والنتيجة: أن مضي الأجل لا يقع به طلاق، وإنما يعرض الأمر على الحاكم، فإما فاء وإما طلق.
الحنفية نظروا لقوله تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ [البقرة:٢٢٧/ ٢] بترك الفيئة، والجمهور نظروا لقوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا﴾ [البقرة:٢٢٦/ ٢] بعد انقضاء المدة، والراجح لدي رأي الجمهور إذ لو وقع الطلاق بانقضاء المدة، لما كان هناك حاجة إلى العزم عليه بعد وقوعه، ولأن في إعطاء المهلة للرجل لمراجعة نفسه، وإدراك خطئه، خيراً من إيقاع الطلاق وإنهاء الزواج.
المبحث الثامن - التفريق باللعان:
فيه ثمانية مطالب هي ما يأتي:
تعريف اللعان وسببه، ومشروعيته، أركانه وشروطه، وشروط المتلاعنين، كيفيته ودور القاضي في اللعان، ما يجب عند نكول أحد الزوجين أو رجوعه، هل اللعان شهادات أو أيمان؟، آثار اللعان، ما يسقط اللعان بعد وجوبه وما يبطل به، حكم اللعان قبل التفريق.
стр. 6868
المطلب الأول - تعريف اللعان وسببه:
تعريف اللعان: اللعان لغة: مصدر لاعن كقاتل، من اللعن: وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، وسمي به ما يحصل بين الزوجين؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذباً، أو لأن الرجل هو الذي يلعن نفسه، وأطلق في جانب المرأة من مجاز التغليب، فسمي لعاناً لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية.
وعرفه الحنفية والحنابلة (١) بأنه: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة الزوج وبالغضب من جهة الزوجة، قائمة مقام حد القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنا في حق الزوجة. لكن يصح اللعان في النكاح الفاسد في رأي الحنابلة، ولا يصح في رأي الحنفية، كما سيأتي.
وعرفه المالكية (٢) بأنه: حلف زوج مسلم مكلف على رؤية زنا زوجته، أو على نفي حملها منه، وحلف زوجة على تكذيبه أربعة أيمان، بصيغة: «أشهد بالله لرأيتها تزني ونحوه» وبحضور حاكم، سواء صح النكاح أو فسد. فلا يصح حلف غير زوج كأجنبي، ولا كافر، ولا صبي أو مجنون، ويكون الحلف بإشراف حاكم يشهد التلاعن، ويحكم بالتفريق، أو يحد من نكل، سواء صح الزواج بين الزوجين، أوفسد لثبوت النسب بالزواج الفاسد.
وعرفه الشافعية (٣) بأنه: كلمات معلومة، جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به، أو إلى نفي ولد.
стр. 6869
و سبب اللعان أمران (١):
أحدهما - قذف الرجل زوجته قذفاً يوجب حد الزنا لو قذف أجنبية. وهو عند المالكية: ادعاء رؤية الزنى بشرط ألا يطأها بعد الرؤية، فإن ادعى الزنى دون الرؤية، حد للقذف، ولم يجز اللعان على المشهور عندهم خلافاً لغيرهم.
والثاني - نفي الحمل أو الولد، ولو من وطء شبهة أو نكاح فاسد.
واشترط المالكية لنفي الحمل: أن يدعي الزوج أنه لم يطأ زوجته لأمد يلحق به الولد، وأن يدعي الاستبراء (٢) بحيضة واحدة، وأن ينفيه قبل وضعه، فإن سكت حتى وضعته حد، ولم يلاعن.
أما القذف: فعلى النحو الذي بان في حد القذف يكون إما باللفظ الصريح بالزنا، كقول الشخص: يا زاني أو يا زانية، أو بما يجري مجرى الصريح وهو نفي النسب عن إنسان من أبيه المعروف، كأن يقول: (لست بابن فلان).
أو بلفظ كناية عند الشافعية، كأن يقول: (زنأت في الجبل أو السلَّم أو نحوه)؛ لأن الزنأ في الجبل ونحوه هو الصعود فيه، فإن نوى به القذف كان قذفاً. وهذا من الألفاظ الصريحة عند الحنفية.
أو بالتعريض، مثل: يا حلال ابن الحلال، وأما أنا فلست بزانٍ، وهو قذف إن نوى به القذف عند الشافعية، وإن أفهم تعريضه القذف بالزنا عند المالكية، وليس بقذف عند الحنفية وفي الظاهر عند الحنابلة.
стр. 6870
ويثبت القذف كما هو مبين في حد القذف إما بالبينة، أو الإقرار.
وأما نفي الولد: فهو أن يحضر الرجل عند الحاكم، ويذكر أن هذا الولد أو الحمل الموجود ليس مني. واختلف الفقهاء في وقت النفي وفي نفي الحمل:
قال أبو حنيفة (١): إذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة، أو في المدة التي تقبل فيها التهنئة وهي سبعة أيام عادة، أو التي تشترى فيها آلة الولادة، صح نفيه، ولاعن به؛ لأنه بالنفي صار قاذفاً. أما إن نفاه بعدئذ فلا ينتفي ويثبت نسب الولد، لوجود الاعتراف منه دلالة: وهو السكوت وقبول التهنئة، والسكوت يعتبر هنا رضا. وهذا هو الصحيح عند الحنفية.
وقال الصاحبان: يصح نفي الولد في مدةالنفاس؛ لأنه أثر الولادة.
واشترط المالكية (٢) شرطين لصحة اللعان ولنفي الولد، وهما كما تقدم:
١ - أن يدعي الزوج أنه لم يطأ زوجته لأمد يلتحق به الولد، أو أنه وطئها واستبرأها بحيضة واحدة بعد الوطء.
٢ - أن ينفي الولد قبل وضعه؛ فإن سكت ولو يوماً بلا عذر حتى وضعته، حد ولم يلاعن، أي أنه يشترط لصحة اللعان التعجيل بعد العلم بالحمل أو الولد، فلو أخر بلا عذر لم يصح.
وأجاز الشافعية (٣) نفي حمل، وانتظار وضعه، أما نفي الحمل: فلما ثبت في الصحيحين: «أن هلال بن أمية لاعن عن الحمل»، وأما انتظار الوضع فلكي يلاعن
стр. 6871
عن يقين.
والنفي لنسب ولد يكون على الفور في الأظهر الجديد؛ لأنه شرع لدفع ضرر محقق، فكان على الفور مثل الرد بالعيب وخيار الشفعة، لكن إن سكت عن النفي لعذر كأن بلغه الخبر ليلاً فأخر حتى يصبح أو كان جائعاًً فأكل، أو عارياً فلبس، صح تأخيره النفي للعذر.
ولم يجز الحنابلة (١) كالحنفية نفي الحمل قبل الوضع، ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع وينتفي الولد فيه؛ لأن الحمل غير متيقن، يجوز أن يكون انتفاخاً أو ريحاً. واشترطوا كالشافعية أن يكون النفي عقب الولادة، فإذا ولدت المرأة ولداً فسكت عن نفيه مع إمكانه، لزمه نسبه، ولم يكن له نفيه بعدئذ.
والحاصل أن للفقهاء رأيين في نفي الحمل: رأي الحنفية والحنابلة بعدم الجواز لاحتمال كونه غير حمل، ورأي المالكية والشافعية بالجواز، محتجين بحديث هلال بن أمية وأنه نفى حملها، فنفاه عنه النبي ﷺ ، وألحقه بالأول، ولا خفاء بأنه كان حملاً، لقول النبي ﵊: «انظروها، فإن جاءت به كذا وكذا» ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولأنه يصح استلحاق الحمل، فكان نفيه كنفي الولد بعد وضعه. قال ابن قدامة: وهذا القول هو الصحيح لموافقته ظواهر الأحاديث، وما خالف الحديث لا يعبأ به كائناً ما كان.
وشرط اللعان: التعجيل عند الجمهور بعد علم الزوج بالحمل أو الولد، وأجاز أبو حنيفة اللعان عقب الولادة أو بعدها بسبعة أيام.
المطلب الثاني - مشروعية اللعان:
شرع اللعان بين الزوجين بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسُهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين،
стр. 6872
والخامسةُ أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور:٦/ ٢٤ - ٨].
وسبب نزولها: ما أخرجه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية (١) قذف زوجته عند النبي ﷺ بشَرِيك بن سَحْماء، فقال له النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك! فقال: يا نبي الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق، يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يكرّر ذلك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبياً، إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت الآيات» (٢).
فكان أول لعان في الإسلام: ما حدث بين هلال بين أمية وزوجته، وهذا رأي الجمهور، وقد حكى الماوردي عن أكثر العلماء أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر. وروى الجماعة إلا الترمذي عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال لعويمر العجلاني: «قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها، فتلاعنا عند رسول الله ﷺ » (٣). وهذا رأي النووي في شرح مسلم أن السبب في نزول آية اللعان: قصة عويمر العجلاني.
يختلف بهذا حكم الزوجين عن الأجانب في حال القذف، فإن قذف إنسان غيره، أو اتهم رجل امرأة ليست زوجة له بالزنا، وكانت عفيفة، ولم يأت بأربعة يشهدون بصحة اتهامه، فإنه يحد حد القذف وهو ثمانون جلدة، زجراً له ولأمثاله عن ارتكاب هذه المعصية، ودفعاً للعار عن المقذوف.
стр. 6873
أما إن اتهم الزوج زوجته بالزنا أو نفى نسب ولدها منه، ولم يأت بأربعة يشهدون على ادعائه، فلا يحد حد القذف، وإنما يشرع في حقه اللعان. هذا .. وقد اتفقت الروايات في بيان أسباب نزول آيات اللعان على أمور ثلاثة (١):
أولها - أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخ عنها وأنها منفصلة عنها.
والثاني - أنهم كانوا قبل نزول آيات اللعان يفهمون من قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات .. ﴾ [النور:٤/ ٢٤] وهي آية القذف: أن حكم من رمى المرأة الأجنبية وحكم من رمى زوجته سواء.
والثالث - أن آيات اللعان نزلت تخفيفاً على الزوج وبياناً للمخرج مما وقع فيه مضطراً.
ومقتضى مشروعية اللعان: جواز الدعاء باللعن على كاذب معين، كجواز الدعاء باللعن على الظالم لقوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود:١٨/ ١١].
المطلب الثالث - أركان اللعان وشروطه وشروط المتلاعنين:
ركن اللعان عند الحنفية (٢) واحد وهو اللفظ، وهو: شهادات مؤكدات باليمين واللعن من كلا الزوجين.
стр. 6874
وقال الجمهور (١): أركان اللعان أربعة: وهي الملاعن، والملاعنة، وسببه، ولفظه.
شروط اللعان: وأما شروطه فنوعان: شروط وجوب اللعان، وشروط صحة إجراء اللعان.
أولاً - شروط وجوب اللعان: هي عند الحنفية ثلاثة (٢):
١ - قيام الزوجية مع امرأة ولو غير مدخول بها، وكذا ولوفي أثناء العدة من طلاق رجعي، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور:٦/ ٢٤] فلا لعان بين غير الزوجين أو بقذف امرأة أجنبية، فإن قذفها ثم تزوجها فعليه حد القذف ولا يلاعن؛ لأنه وجب في حال كونها أجنبية، ولا لعان بقذف زوجة صارت ميتة؛ لأن الميتة لم تبق زوجة، ولأنه لا يتأتى اللعان منها، ولا لعان بقذف المرأة المبانة، ويحد زوجها الأصلي كالأجنبي. وهذا شرط متفق عليه فإنه عند الجمهور يصح اللعان منها، وبه يصح اللعان عند الجمهور من غير زوج في حالتين: البائن لنفي الولد، والموطوءة بنكاح فاسد أو شبهة. ولو ارتد زوج بعد وطء فقذف وأسلم في العدة، لاعن. ولو لاعن ثم أسلم في العدة صح لعانه، لتبين وقوعه في صلب النكاح.
٢ - كون النكاح صحيحاً لافاسداً: فلا لعان بقذف المنكوحة بنكاح فاسد؛ لأنها أجنبية. وخالفهم بقية الأئمة (٣)، أجازوا اللعان من امرأة نكحها نكاحاً
стр. 6875
فاسداً لثبوت النسب به، كالزواج بلا ولي أو بدون شهود، ثم قذفها، لكن جواز اللعان في هذه الحالة مقيد بما إذا وجد بينهما ولد يريد الزوج نفيه، فإن لم يكن بينهما ولد، حد الزوج ولا لعان بينهما.
٣ - كون الزوج أهلاً للشهادة على المسلم، بأن يكون طرفا اللعان زوجين حرين عاقلين بالغين مسلمين ناطقين غير محدودين في قذف، فلا لعان بين كافرين ولا من أحدهما عبد أو صبي أو مجنون أو محدود في قذف أو كافر، أو أخرس للشبهة. ويصح بين الأعميين والفاسقين؛ لأنهما أهل لأداء الشهادة، لكن لا تقبل شهادتهما للفسق ولعدم قدرة الأعمى على التمييز، والحاصل أن الحنفية اشترطوا أهلية الشهادة في الزوج؛ لأن كلمات اللعان شهادات، واشترطوا أيضاً أن تكون الزوجة ممن يحد قاذفها؛ لأن اللعان بدل عن حد القذف في الأجنبية. ولم يشترط الجمهور هذين الشرطين.
لكن اشترط المالكية (١) الإسلام في الزوج فقط لا في الزوجة، فإن الذمية تلاعن لرفع العار عنها، وقالوا: يشترط في المتلاعنين كونهما بالغين عاقلين، سواء أكانا حرين أم مملوكين، عدلين أم فاسقين. ويقع اللعان في حال العصمة اتفاقاً، وفي العدة من الطلاق الرجعي والبائن خلافاً للحنفية، وبعد العدة في نفي الحمل إلى أقصى مدة الحمل. ويقع اللعان من الزوجين في النكاح الصحيح والفاسد.
ولم يشترط الشافعية والحنابلة (٢) الإسلام في المتلاعنين، وقالوا: يصح اللعان من كل زوج يصح طلاقه، بأن يكون الزوجان مكلفين أي بالغين عاقلين، سواء أكانا مسلمين أم كافرين أم عدلين أم فاسقين أم محدودين في قذف أم كان
стр. 6876
أحدهما كذلك. ويصح اللعان أيضاً من الحر والعبد والرشيد والسفيه والسكران ومن الناطق والأخرس والخرساء المعلومي الإشارة عند الشافعية، ومن المطلّق رجعياً، ويصح من الزوج للمطلقة بائناً لنفي الولد، وكذا عند الحنابلة إذا لم يكن هناك ولد.
ويصح عندهم لعان الموطوءة بنكاح فاسد أو شبهة كأن ظنها زوجته ثم قذفها، ولاعن لنفي النسب، كما تقدم.
ولا يصح اللعان بالاتفاق من صبي ومجنون، فإن كان أحد الزوجين غير مكلف فلا لعان بينهما؛ لأن اللعان قول تحصل به الفرقة، ولا يصح من غير مكلف كالطلاق أو اليمين. ولا لعان بين غير الزوجين، فإذا قذف الشخص أجنبية محصنة (عفيفة) حُدّ حد القذف ولم يلاعن.
ولا فرق بين كون الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور:٦/ ٢٤] فإن كانت غير مدخول بها، فلها نصف الصداق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج. ويلاعن الأخرس أو معتقل اللسان عند الحنابلة، ولا تلاعن الخرساء عند الحنابلة؛ لأنه لا تعلم مطالبتها، واتفقوا على أنه لا يصح اللعان من الأخرس والخرساء غير معلومي الإشارة والكتابة.
والخلاصة: أن الحنفية اشترطوا في المتلاعنين الإسلام والنطق والحرية والعدالة، وكون اللعان في حال قيام الزوجية حقيقة أو حكماً كالرجعية لا البائنة، وخالفهم الجمهور فيما شرطوه، إلا أن المالكية شرطوا إسلام الزوج فقط، واتفقوا على اشتراط التكليف: البلوغ والعقل. ويصح اللعان من الأخرس عند الجمهور غير الحنفية.
стр. 6877
وذكر الحنابلة والشافعية شروطاً ثلاثة للعان هي (١):
١ - كونه بين زوجين، ولو قبل دخول، كما تقدم.
٢ - سبق قذف الزوجة بزنا، ولو في دبر: مثل قوله: زنيت أو يا زانية أو رأيتك تزنين. وهذا متفق عليه كما تقدم في سبب اللعان. وللرجل قذف زوجته إن علم زناها، أو ظنه ظناً مؤكداً كشيوع زناها بفلان مع قرينة بأن رآهما في خلوة.
٣ - أن تكذبه ويستمر التكذيب إلى انقضاء اللعان، فإن صدقته ولو مرة، أو عفت الزوجة عن الحد أو التعزير، أو سكتت، أو ثبت زناها بأربعة سواه، فلا لعان ويلحقه النسب. وكذا لا لعان عند الحنابلة من الخرساء
لغة اللعان: يصح اللعان عند الجمهور غير الحنابلة بالعربية وبالعجمية (هي ما عدا العربية من اللغات)؛ لأن اللعان يمين أو شهادة، وهما في اللغات سواء، ويراعي الأعجمي الملاعن ترجمة الشهادة واللعن والغضب (٢).
وقال الحنابلة (٣) إذا كان الزوجان يعرفان العربية، لم يجز أن يلتعنا بغيرها؛ لأن اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية.
ثانياً - شروط صحة إجراء اللعان في ذاته: ذكر الحنابلة شروطاً ستة في إجراء اللعان، بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، وهي ما يأتي (٤):
стр. 6878
١ - أن يكون بحضور القاضي أو نائبه، وهذا متفق عليه؛ لأن النبي ﷺ «أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه ولاعن بينهما» ولأنه يمين في دعوى، فلم يصح إلا بأمر الحاكم كاليمين في سائر الدعاوى. وهذا يتطلب رفع الأمر إلى الحاكم من أحد الزوجين، فإن تراضى الزوجان بغير الحاكم بإجراء اللعان بينهما لم يصح ذلك؛ لأن اللعان مبني على التغليظ والتأكيد، فلم يجز بغير الحاكم كالحد.
٢ - أن يكون بعد طلب القاضي: بأن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه، فإن بادر به قبل أن يلقيه القاضي عليه، لم يصح، كما لو حلف قبل أن يحلفه القاضي. وهذا متفق عليه أيضاً.
٣ - استكمال لفظات اللعان الخمسة: فإن نقص منها لفظة، لم يصح. وهذا متفق عليه.
٤ - أن يأتي كل من الزوجين بصورة اللعان، كما حددها القرآن. واختلف الفقهاء في إبدال لفظة بمعناها، كأن يبدل بقوله: إني لمن الصادقين قوله: (لقد زنت)، أو يقول بدل ﴿إنه لمن الكاذبين﴾ [النور:٨/ ٢٤]: (لقد كذب)، والظاهر عند الحنابلة أنه يجوز هذا الإبدال؛ لأن معناهما واحد.
أما إن أبدل بلفظة (أشهد) لفظا من ألفاظ اليمين، فقال: أحلف أو أقسم أو أولي، فلا يعتد به عند الشافعية والحنابلة على الصحيح؛ لأن ما اعتبر فيه لفظ الشهادة، لم يقم غيره مقامه، كالشهادات في الحقوق، ولأن اللعان يقصد فيه التغليظ، واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ، فلم يجز تركه، ولهذا لم يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام: أشهد. والظاهر أن هذا رأي المالكية والحنفية أيضاً.
стр. 6879
٥ - الترتيب بين ألفاظ اللعان، وأن يبدأ الرجل بالحلف على المرأة، ثم تحلف المرأة، فإن قدم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة، أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل، لم يعتد به. وهذا متفق عليه؛ لأن اللعان على رأي الحنفية شهادة، والمرأة بشهادتها تقدح في شهادة الزوج، فلا يصح قبل وجود شهادته.
٦ - الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضراً، وتسميته ونسبته إن كان غائباً. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، ولا يشترط عند الشافعية والحنابلة: حضور الزوجين معاً، بل لو كان أحدهما غائباً عن صاحبه جاز، كأن يلاعن الرجل في المسجد، والمرأة على باب المسجد، لعدم إمكان دخولها.
هذا وقد اشترط المالكية حضور جماعة للعان، أقلها أربعة عدول. وقال الشافعية والحنابلة: يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه على حداثة منهم، فدل على أنه حضره جمع كثير من الناس؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعاً للرجال، ولأن اللعان بني على التغليظ، مبالغة في الردع به والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في الردع. ويستحب ألا ينقصوا عن أربعة؛ لأن بينة الزنا الذي شرع اللعان من أجل الرمي به أربعة.
واشترط المالكية أيضاً لصحة اللعان: عدم وطء الزوجة مطلقاً بعد رؤيتها تزني، أو بعد علمه بحمل من غيره، أو وضع، فإن وطئ المرأة الملاعنة بعد علمه بحمل من غيره أو وضع، أو رؤية لها تزني، امتنع اللعان لها ولا يمكَّن منه.
واشترطوا أيضاً تعجيل اللعان بعد علمه بالحمل أو الولد: فإن أخر لعانها ولو يوماً بلا عذر بعد علمه بالحمل أو الوضع أو رؤية الزنا، امتنع لعانه لها ولا يمكَّن منه أيضاً.
стр. 6880
واشترطوا أيضاً لفظ (أشهد) في الأربع مرات منه أو منها، واللعن منه في الخامسة، والغضب منها في الخامسة، كما ورد في النص القرآني في أيمان اللعان.
ويلاعن الزوج إن رأى زوجته يقيناً تزني، والرؤية من البصير كرؤية المِرْوَد في المُكحلة، وأما الأعمى فيعتمد على حِس أو جَسّ أو إخبار يفيده المطلوب ولو من امرأة.
شروط نفي الولد:
اشترط الحنفية (١) ستة شروط لنفي الولد وعدم لحوق النسب وهي ما يأتي:
١ - حكم القاضي بالتفريق بين الزوجين: لأن الزواج قبل التفريق قائم، فلا يجب النفي.
٢ - أن يكون نفي الولد في رأي أبي حنيفة بعد الولادة مباشرة أو بعدها بيوم أو يومين أو نحوهما إلى سبعة أيام مدة التهنئة بالمولود عادة، فإن نفاه بعدئذ لا ينتفي.
وقال الصاحبان: يتقدر نفي الولد بأكثر مدة النفاس وهي أربعون يوماً.
وشرط الجمهور الفور في النفي، فإن أخر بلا عذر، لم يصح النفي، كما تقدم.
٣ - ألا يتقدم منه إقرار بالولد ولو دلالة أو ضمناً، كقبوله التهنئة بالمولود مع عدم الرد.
стр. 6881
٤ - توافر حياة الولد وقت التفريق القضائي، أي أن يكون الولد حياً وقت التفريق.
٥ - ألا تلد بعد التفريق ولداً آخر من بطن واحد: فلو ولدت المرأة ولداً، فنفاه عنه، ولاعن الحاكم بينهما، وفرق، وألزم الولد أمه، أو لزمها بنفس التفريق، ثم ولدت ولداً آخر من الغد، لزمه الولدان جميعاً، لثبوت نسب الولد الثاني الذي لم يشمله اللعان؛ لأن حكم اللعان قد بطل بالفرقة، فيثبت نسب الولد الثاني، ثم يثبت نسب الولد الأول.
٦ - ألا يكون محكوماً بثبوت نسب الولد شرعاً: كأن ولدت المرأة ولداً، فانقلب على رضيع، فمات الرضيع، وقضي بديته على عاقلة (عصبة) الأب، ثم نفى الأب نسبه، فيلاعن القاضي بينهما، ولا يقطع نسب الولد؛ لأن القضاء بالدية على عاقلة قضاء بكون الولد منه، ولا ينقطع النسب بعده.
وقد سبق إيراد شرطين لنفي الحمل عند المالكية (١) وهما تفصيلاً مايأتي:
١ - أن يدعي أنه لم يطأ الزوجة أصلاً بعد العقد، أو لأمد يلحق به، أو أنه وطئها ولكنه استبرأها بحيضة واحدة؛ فإن لم يطأها أصلاً بعد العقد، أو وطئها وأتت بالولد بعد الوطء في مدة لا يلتحق الولد فيها بالزوج، إما لقصر المدة كأن تلد ولداً كاملاً بعد شهر أو شهرين أو خمسة بعد الدخول أو الوطء؛ لأن أقل الحمل شرعاً ستة أشهر، وإما لطول المدة كخمس سنين؛ لأن أقصى مدة الحمل أربع سنين بعد الوطء، ففي هاتين الحالتين يعتمد على ذلك، ويعلم أن الولد ليس من الزوج قطعاً ويلاعن لنفيه.
стр. 6882
وكذلك يلاعن لنفي الولد لو وطئها واستبرأها بحيضة واحدة بعد الوطء، ثم أتت بولد بعد ستة أشهر من يوم الاستبراء بالحيضة، إذ هو ليس منه قطعاً.
٢ - أن ينفي الولد قبل وضعه: فإن سكت ولو يوماً بلا عذر حتى وضعته، حدّ الزوج ولم يلاعن.
أما الشافعية (١) فأجازوا نفي الولد أثناء الحمل أو بعد الولادة مباشرة، فإن أخر بلا عذر أو قبل التهنئة بالمولود، سقط حقه في النفي؛ لأن التأخر يتضمن الإقرار به. فإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة، فإن كان في موضع قريب منها كدار أو محلة لم يقبل قوله؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، وإن كان في موضع يجوز أن يخفي عليه كالبلد الكبير، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ما يدعيه ظاهر.
وقالوا: لا يصح نفي أحد توأمين، فإن أتت المرأة بولدين توأمين، فنفى أحدهما وأقر بالآخر، أو ترك نفيه من غير عذر، لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولدان من ماء رجلين، فإذا اشتمل الرحم على المني، انسد فمه، فلا يتأتى منه قبول مني آخر، فلا يجوز أن يلحق أحد الولدين دون الآخر.
ويلزم الزوج نفي ولد أتت به زوجته وعلم أنه ليس منه، بأن وطئها وولدته لدون ستة أشهر من الدخول، أو فوق أربع سنين، فلو ولدته فيما بين ستة أشهر من الدخول وأربع سنين منه، ولم يستبرئها بعد الدخول بحيضة، حرم نفي الولد باللعان رعاية للزوجية (٢)، وإن ولدته بعد ستة أشهر من الاستبراء بحيضة، ولستة
стр. 6883
أشهر فأكثر من الزنا، حل نفي الولد باللعان في الأصح، ولكن الأولى ألا ينفيه؛ لأن الحامل قد ترى الدم.
وقال الحنابلة (١): يشترط لنفي الولد باللعان ما يأتي:
١ - ألا يتقدمه إقرار به، أو بتوأمه، أو ما يدل عليه، كما لو نفى أحد التوأمين وسكت عن الآخر. وهذا موافق للشافعية.
٢ - أن يعجل نفي الولد بعد الولادة: فإن هنئ به فسكت أو أمَّن على الدعاء، أو أخر نفيه مع إمكانه، رجاء موته، بلا عذر، نحو جوع وعطش ونوم، سقط حقه في النفي.
فإن قال: لم أعلم بالولد، أو أخر النفي لعذر كحبس ومرض وغيبة وحفظ مال، لم يسقط نفيه. وهذا موافق للشافعية أيضاً.
٣ - أن يذكر نفي الولد في لعان كل من الزوجين؛ لأنهما متحالفان على شيء فاشترط ذكره في تحالفهما كالمختلفين في اليمين، فإن لم يذكر الولد في اللعان لم ينتف عن الزوج.
ويكفي عند الشافعية ذكر الولد في لعان الرجل، ولا تحتاج المرأة إلى ذكره؛ لأنها لا تنفيه.
وذكْر الولد في ظاهر كلام الخرقي وهو الراجح لدى الحنابلة: أن يقول الزوج في لعانه: (وما هذا الولد ولدي) وتقول المرأة: (وهذا الولد ولده). وقال القاضي أبو يعلى والشافعية: يشترط أن يقول الزوج: (هذا الولد من زنا، وليس هو مني)؛ لأنه قد يريد بقوله: (ليس هو مني) يعني خُلقاً وخَلْقاً، فكان لا بد من ذكره للتأكيد.
стр. 6884
٤ - أن يوجد اللعان من كلا الزوجين. وهذا قول أكثر العلماء. وقال الشافعي: ينتفي الولد بلعان الزوج وحده؛ لأن نفي الولد إنما كان بيمينه والتعانه، لا بيمين المرأة على تكذيبه، ولا معنى ليمين المرأة في نفي النسب وهي تثبته وتكذب قول من ينفيه، وإنما لعانها لدرء الحد عنها. ورد الجمهور بأن النبي ﷺ إنما نفى الولد عنه بعد تلاعنهما.
٥ - أن تكمل ألفاظ اللعان منهما جميعاً.
٦ - أن يبدأ بلعان الزوج قبل لعان المرأة، وقال المالكية والحنفية: إن فعل العكس أخطأ السنة، والفرقة جائزة، وينتفي الولد عنه.
المطلب الرابع - كيفية اللعان ودور القاضي فيه:
كيفية اللعان أو صفته أو ألفاظه: اتفق الفقهاء (١) على كيفية اللعان أو صفته (أي ماهيته) على النحو التالي:
إذا قذف الزوج زوجته بالزنا أو نفى نسب ولدها منه، ولم تكن له بينة، ولم تصدقه الزوجة، وطلبت إقامة حد القذف عليه، أمره القاضي باللعان، بأن يبتدئ القاضي بالزوج، فيقول أمامه أربع مرات: (أشهد بالله، إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا أو نفي الولد) بأن يحدد المقصود بالإشارة إليها إن كانت حاضرة، أو بالتسمية بأن يقول: (فيما رميت به فلانة زوجتي من الزنا)، ثم يقول في الخامسة: (لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا أو نفي الولد) ويشير الزوج إليها في جميع ما ذكر.
стр. 6885
ثم تقول المرأة أربع مرات أيضاً: (أشهد بالله، إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا أو نفي الولد) وتقول في الخامسة: (أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا أو نفي الولد) وإنما خص الغضب وهو أشد من اللعن (١) في جانب المرأة؛ لأن النساء يتجاسرن باللعن، فإنهن يستعملن اللعن في كلامهن كثيراً، كما ورد في الحديث، فاختير الغضب لتتقي ولا تقدم عليه، ولأن جريمتها وهي الزنا أعظم من جريمة الرجل وهي القذف. وإنما وجب البدء بالرجل في اللعان؛ لأنه المدعي، وفي الدعاوى يبدأ بالمدعي.
ودليل هذه الكيفية قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين، والخامسة ُ أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ [النور:٦/ ٢٤ - ٩].
وثبت في السنة النبوية الصحيحة تأكيد هذه الكيفية بأحاديث، منها حديث ابن عمر: قال: يا رسول الله، أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم، تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي ﷺ فلم يُجبْه، فلما كان بعد ذلك، أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليتُ به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور:٦/ ٢٤] فتلاهن عليه، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق، ما كذبتُ عليها، ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب.
стр. 6886
وأما اللعن فهو الطرد من الرحمة، ولا يلزم منه التعذيب. بدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما (١).
وبداءة الزوج باللعان هو رأي الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجزئ أن تبدأ المرأة باللعان، وقال الكاساني في البدائع: ينبغي أن تعيد، لأن اللعان شهادة المرأة، وشهادتها تقدح في شهادة الزوج، فلا تصح إلا بعد وجود شهادته.
مندوبات اللعان ودور القاضي فيه: يسن للقاضي ما يأتي (٢):
١ - أن يعظ المتلاعنين قبل اللعان، ويخوفهما بعذاب الله في الآخرة، كما فعل النبي ﷺ مع ابن عمر وزوجته في الحديث السابق، وقال ﵊ لهلال: «اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» ويقرأ عليهما: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ الآية [آل عمران:٣/ ٧٧] ويقول لهما: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «حسابكما على الله، يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تاب».
٢ - لا يحكم القاضي في اللعان حتى يثبت عنده نكاح الزوجين.
٣ - أن يتلاعن الزوجان قائمين، ليراهما الناس، ويشتهر أمرهما، فيقوم الرجل عند لعانه، والمرأة جالسة، ثم تقوم عند لعانها، ويقعد الرجل، ويتكلم المتلاعنان بألفاظ اللعان، وهي أربع شهادات.
стр. 6887
٤ - أن يحضر جماعة من المسلمين اللعان، وأقلها أربعة عدول، وأوجبه المالكية.
٥ - أن يغلظ اللعان في الزمان والمكان في رأي المالكية والشافعية، والحنابلة على الراجح، بأن يكون بعد صلاة، لما فيه من الردع والرهبة، أو بعد صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى على الراجح، أو بعد صلاة عصر الجمعة؛ لأن ساعة الإجابة فيه، كما رواه أبو داود والنسائي
وصححه (١)، ولأن اليمين الفاجرة بعد العصر أغلظ عقوبة، لقوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم، وعدَّ منهم رجلاً حلف يميناً كاذبة بعد العصر، يقتطع بها مال امرئ مسلم» (٢).
ويكون لعان المسلم في المسجد؛ لأنه أشرف الأماكن، وأوجبه المالكية فيه؛ لأن فيه تأثيراً في الزجر عن اليمين الفاجرة.
وأشرف الأماكن هو في مكة: بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين مقام إبراهيم ﷺ ، ويسمى ما بينهما بالحطيم، وفي المدينة: عند المنبر مما يلي القبر الشريف، لقوله ﷺ : «من حلف على منبري هذا يميناً آثمة، تبوأ مقعده من النار» (٣) وقوله: «لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة يميناً آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار» (٤).
واللعان في بيت المقدس في المسجد عند الصخرة المشرفة؛ لأنها أشرف
стр. 6888
بِقاعه؛ لأنها قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعند ابن حبان: «أنها من الجنة».
واللعان في غير المساجد الثلاثة يكون عند منبر الجامع؛ لأنه المعظم منه.
وتلاعن امرأة حائض أو نفساء أو متحيرة مسلمة عند باب المسجد الجامع.
ويلاعن ذمي أو كتابي في بِيعة (وهي معبد النصارى) وفي كنيسة (وهي معبد اليهود) (١)؛ لأن معابدهم كالمساجد عندنا، ويلاعن مجوسي في بيت نار، لأنهم يعظمونه، والمقصود الزجر عن الكذب، فيحضره القاضي رعاية لاعتقادهم لشبهة الكتاب التي يدعونها. ولا يلاعن في بيت أصنام وثني؛ لأنه لا حرمة له، واعتقادهم فيه غير شرعي.
ولا يغلظ اللعان في رأي القاضي أبي يعلى من الحنابلة، والحنفية بمكان ولا زمان؛ لأن الله تعالى أطلق الأمر به، ولم يقيده بزمن ولا مكان، فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولأن النبي ﷺ أمر الرجل بإحضار امرأته، ولم يخصه بزمن، ولو خصه به لنقل ولم يهمل.
المطلب الخامس - ما يجب عند نكول أحد الزوجين عن اللعان أو رجوعه عنه:
قد يمتنع أحد الزوجين عن اللعان بعد طلبه من القاضي، وقد يرجع عنه ويُكذب نفسه، فماذا يفعل القاضي؟
стр. 6889
أما في حال نكول أحد الزوجين عن اللعان بعد طلبه منه، فقد اختلف الفقهاء في حكمه على رأيين (١):
أـ ذهب الحنفية: إلى أنه إن امتنع الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه، فيحد حد القذف. وإن امتنعت الزوجة عن اللعان حبست حتى تلاعن أو تصدق الزوج فيما ادعاه عليها، فإن صدقته خلي سبيلها من غير حد؛ لأن قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور:٨/ ٢٤] أي الحبس عندهم وعند الحنابلة.
ب - وذهب الجمهور غير الحنفية: إلى أنه إن امتنع الزوج عن اللعان أو امتنعت الزوجة حُدّ حد القذف؛ لأن اللعان بدل عن حد الزنا، لقوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور:٨/ ٢٤] أي العذاب الدنيوي وهو الحد عندهم، فلا يندرئ الحد عن الزوجة مثلاً إلا بلعانها.
إلا أن الحنابلة وافقوا الحنفية فيما إذا امتنعت الزوجة عن اللعان أخذاً بمدلول الآية السابقة: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور:٨/ ٢٤] فإن لم تلاعن وجب ألا يدرأ عنها العذاب، فتحبس حتى تقر بالزنا أربع مرات أو تلاعن.
ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور في حال امتناع الزوج عن اللعان: هو اختلافهم في الموجَب الأصلي لقذف الزوجة، أهو اللعان أم الحد؟ قرر الحنفية بأن الموجب الأصلي هو اللعان، واللعان واجب، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾
стр. 6890
[النور:٦/ ٢٤] أي فليشهد أحدهم أربع شهادات بالله، فإنه تعالى جعل موجب قذف الزوجات هو اللعان، فمن أوجب الحد فقد خالف النص، فصارت آية حد القذف بالنسبة للزوجات منسوخة في حق الأزواج، وأصبح الواجب بقذف الزوجة هو اللعان، فإذا امتنع عنه حبس حتى يلاعن، كالمدين إذا امتنع عن إيفاء دينه، فإنه يحبس حتى يوفي ما عليه.
وقرر الجمهور: أن الموجب الأصلي هو حد القذف، واللعان مسقط له، لعموم قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور:٤/ ٢٤] فإنه عام في الأجنبي والزوج، ويجب الحد على كل قاذف، سواء أكان زوجاً أم غيره، ثم جعل الالتعان للزوج مقام الشهود الأربعة الذين يثبت بشهادتهم الزنا، فوجب عليه إذا امتنع عن اللعان الموجب الأصلي وهو حد القذف.
ولأن النبي ﷺ قال لهلال بن أمية لما قذف زوجته بالزنا: «البينة أو حد في ظهرك».
ورأي الجمهور أرجح لقوة أدلتهم من القرآن والسنة. وبناء عليه إذا قذف الزوج زوجته المحصنة (العفيفة) وجب عليه حد القذف، وحكم بفسقه، ورد شهادته، إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن، فإن لم يأت بأربعة شهداء، أو امتنع عن اللعان، لزمه ذلك كله.
وقد يجب على الزوج في حال امتناعه عن اللعان التعزير فقط، كما في حال قذف غير المحصنة كالمرأة الكتابية، والأمَة، والمجنونة، والطفلة، فإنه يجب عليه التعزير به، لإلحاقه العار بها بالقذف، ولا يحد لهن حداً كاملاً لنقصانهن بما ذكر، ولا يتعلق به فسق، ولا رد شهادة؛ لأن القذف لهؤلاء لا يوجب الحد. وله أن يلاعن لدرء التعزير عنه؛ لأنه تعزير قذف.
стр. 6891
وبه تكون القاعدة: كل موضع لا لعان فيه، فالنسب لاحق بالزوج، ويجب بالقذف موجبه من الحد أو التعزير، إلا أن يكون القاذف صغيراً أو مجنوناً، فلا تعزير أو ضرب فيه، ولا لعان بالاتفاق.
رجوع الزوج عن اللعان: إذا أكذب الزوج نفسه بعد اللعان، فاتفق أئمة المذاهب الأربعة (١) على أنه يحد حد القذف، ويكون للزوجة الحق في مطالبة القاضي بالحد، سواء كذَّب نفسه قبل لعانها أو بعده؛ لأن اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج، فإذا أكذب نفسه، بأن قال: كذبتُ عليها، فقد زاد في هتك حرمتها، وكرر قذفها، فلا أقل من أن يجب عليه الحد الذي كان واجباً بالقذف المجرد.
فإن عاد عن إكذاب نفسه، وقال: لي بينة أقيمها بزناها أو أراد إسقاط الحد عنه باللعان، لم يسمع منه؛ لأن البينة واللعان لتحقيق ما قاله، وقد أقر بكذب نفسه، فلا يسمع منه خلافه.
وهذا كله فيما إذا كانت المقذوفة محصنة (عفيفة) فإن كانت غير محصنة، فعليه التعزير.
وإن أكذب الملاعن نفسه قبل لعان المرأة، حد حد القذف، وبقيت الزوجية، فتبقى له زوجة، لكن لا تبقى زوجة بعد لعانها.
ومتى أكذب نافي الولد نفسه بعد نفيه الولد، وبعد اللعان، لحقه نسب الولد، حياً كان الولد، أو ميتاً، غنياً كان الولد أو فقيراً؛ لأن اللعان يمين أو شهادة (بيّنة) فإذا أقر بما يخالفها أخذ بإقراره، وسقط حكم اللعان، ثم إن النسب يحتاط لثبوته قدر الإمكان، ويتم التوارث بين الأب والولد؛ لأن الإرث تابع للنسب، وقد ثبت فتبعه الإرث.
стр. 6892
المطلب السادس - هل ألفاظ اللعان شهادات أو أيمان؟ تبين في بحث شروط المتلاعنين أن الحنفية قالوا: إنما يجوز اللعان لمن كان من أهل الشهادة، فلا لعان إلا بين مسلمين حرين عدلين، وتشترط في المتلاعنين: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والنطق وعدم الحد في القذف.
وقال الجمهور: يصح اللعان من كل زوجين مكلفين، سواء أكانا مسلمين أم كافرين أم عدلين أم فاسقين أم محدودين في قذف أم كان أحدهما بتلك الصفة، أم كان من الأخرس.
ومنشأ الخلاف في محدود القذف والأخرس والكافر هو: هل ألفاظ اللعان شهادات أو أيمان؟
رأى الحنفية (١): أن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن وبالغضب، وإنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف، وفي جانب الزوجة قائم مقام حد الزنا. ودليلهم آية اللعان: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور:٦/ ٢٤] سمى الأزواج شهداء، وسمى اللعان شهادة في النص: ﴿فشهادة أحدهم﴾ [النور:٦/ ٢٤] وجعل عددها كعدد شهادات الزنا. وإذا كان اللعان شهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة على المسلم.
وقال الجمهور (٢): سميت ألفاظ اللعان شهادات، وهي في الحقيقة أيمان، واللعان يمين، وإن كان يسمى شهادة، لقوله ﷺ في قصة لعان هلال بن أمية:
стр. 6893
«
لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» (١) ولأنه لا بد في اللعان من ذكر اسم الله تعالى وذكر جواب القسم، ولو كان شهادة لما احتاج إليه، ولأنه يستوي فيه الرجل والمرأة، ولو كان شهادة لكانت المرأة على النصف من الرجل فيه، ولأنه يجب تكراره أربعاً، والمعهود في الشهادة عدم التكرار، أما اليمين فتتكرر كما في أيمان القسامة، ولأن اللعان يكون من الطرفين، والشهادة لا تكون إلا من طرف واحد وهو المدعي.
أما تسمية اللعان شهادة، فلقول الملاعن في يمينه: (أشهد بالله) فسمي اللعان شهادة وإن كان يميناً، فقد يعبر عن الشهادة باليمين كما في قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد﴾ [المنافقون:١/ ٦٣] ثم قال: ﴿اتخذوا أيمانهم جُنَّة﴾ [المنافقون:٢/ ٦٣] وأجمعوا على جواز لعان الأعمى، ولو كان شهادة لما جاز لعانه.
وإذا كان اللعان يميناً، فلا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة، وتفرع عن الخلاف اختلافهم في الأخرس، فقال الجمهور: يلاعن الأخرس إذا فهم عنه. وقال الحنفية: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة.
والراجح لدي رأي الجمهور لقوة أدلتهم من السنة والمعقول، ولأن اللعان شرع للحاجة، والحاجة تتسع لأناس ولو لم يكونوا أهلاً للشهادة. وهذا هو أيضاً رأي العترة (آل البيت).
стр. 6894
المطلب السابع - أحكام أوآثار اللعان:
يترتب على اللعان بين الزوجين أمام القاضي الآثار التالية (١):
١ - سقوط حد القذف أو التعزير عن الزوج، وسقوط حد الزنا عن الزوجة. فإن لم يلاعن الرجل وجب عليه عند غيرالحنفية حد القذف إن كانت الزوجة الملاعنة محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة، وإن لم تلاعن المرأة وجب عليها عند الشافعية والمالكية حد الزنا من جلد البكر ورجم المحصنة (المتزوجة).
٢ - تحريم الوطء والاستمتاع بعد التلاعن من كلا الزوجين، ولو قبل تفريق القاضي، لحديث: «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً» (٢).
٣ - وجوب التفريق بينهما: لا تتم الفرقة عند الحنفية إلا بتفريق القاضي، لقول ابن عباس في قصة هلال بن أمية: «ففرَّق النبي ﷺ بينهما» (٣) وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله، فلو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر، ولو طلقها الزوج وقع طلاقه.
وقال المالكية، والحنابلة في الراجح من الروايتين عن أحمد: تقع الفرقة باللعان دون حكم حاكم؛ لأن سبب الفرقة وهو اللعان قد وجد، فتقع الفرقة به من غير حاجة إلى تفريق القاضي، ولقول عمر ﵁: «المتلاعنان يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبداً».
стр. 6895
وقال الشافعي ﵀: تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، وإن لم تلاعن المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق. قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم أحداً وافق الشافعي على هذا القول.
٤ - هذه الفرقة طلاق بائن عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنها بتفريق القاضي كما في التفريق بسبب العنة، وكل فرقة من القاضي تكون طلاقاً بائناً، لكن لا تعود المرأة إلى الزوجية إلا في حالتين:
أـ أن يكذِّب الرجل نفسه، ولو دلالة كأن مات الولد المنفي، فادعى الزوج نسبه؛ لأن هذا يعتبر رجوعاً عن الشهادة، والشهادة لا حكم لها بعد الرجوع عنها، ويحد حينئذ حد القذف، ويثبت نسب الولد منه إن كان. وكذلك تعود المرأة إلى الزوجية إن صدقته، أي المرأة.
ب - أن يخرج أحد الزوجين عن أهلية الشهادة؛ إذ به ينتفي سبب التفريق، فلو زنت المرأة أو قذفت غيرها، فحدت، جاز لزوجها أن يتزوجها، لانتفاء أهلية اللعان من جانبها.
وإذا كان الطلاق بائناً وجب للمرأة النفقة والسكنى في عدتها، ويثبت نسب ولدها إلى سنتين إن كانت معتدة، وإن لم تكن معتدة فإلى ستة أشهر.
وقال الجمهور وأبو يوسف: فرقة اللعان فسخ كفرقة الرضاع، وتوجب تحريماً مؤبداً، فلا يعود المتلاعنان إلى الزوجية بعدها أبداً؛ لقوله ﷺ : «المتلاعنان لا يجتمعان أبداً»، ولأن اللعان ليس طلاقاً، فكان فسخاً كسائر ما ينفسخ به الزواج، ولأن اللعان قد وجب وهو سبب التفريق، وأما تكذيب الرجل نفسه أو خروج أحد المتلاعنين عن أهلية الشهادة، فلا ينفي وجود سبب التفريق، بل هو باق، فيبقى حكمه.
стр. 6896
ورأى الشافعي: أن الفرقة تحصل بلعان الزوج، وإن لم تلاعن الزوجة. فإن كان كاذباً، أو أكذب نفسه، فلا يفيده ذلك عود النكاح، ولا رفع تأبيد الحرمة؛ لأنهما حق له وقد بطلا باللعان، فلا يتمكن من عودهما، بخلاف الحد ولحوق النسب، فإنهما يعودان لأنهما حق عليه.
٥ - انتفاء نسب الولد عن الرجل، وإلحاقه بأمه إذا كان اللعان لنفي النسب. ويترتب على نفي النسب عدم التوارث، وعدم إلزام النفقة، سواء نفقة الآباء على الأبناء أو نفقة الأبناء على الآباء.
وتظل بعض الأحكام بالنسبة للولد: وهي عدم جواز شهادة الولد لأصله الملاعن أو الأصل لفرعه، وعدم القصاص من الرجل بقتل الولد المنفي، وعدم صحة إلحاق نسب الولد المنفي بالغير، لاحتمال أن يكذب الرجل نفسه فيعود نسبه منه، وبقاء المحرمية، فلا يجوز أن يزوج الرجل بنته لمن نفى نسبه منه؛ لأنه يحتمل كونه ابناً له.
المطلب الثامن - ما يسقط اللعان بعد وجوبه وما يبطل به حكم اللعان قبل التفريق:
أولاً - ما يسقط اللعان بعد وجوبه: قرر الحنفية (١): أن اللعان يسقط بما يأتي:
١ - طروء عدم أهلية اللعان أو ما يمنع وجوب اللعان من أصله: كل ما يمنع وجوب اللعان إذا طرأ بعد وجوبه يسقط، مثل الجنون أو الردة، أو الخرس،
стр. 6897
أوقذف إنسان آخر فحد حد القذف، أو وطء المرأة وطئاً حراماً كالزنا والوطء بشبهة. ففي هذه الحالات لا يجب الحد، وإذا وجب سقط بهذه العوارض لانتفاء أهلية اللعان؛ لأن اللعان شهادة، ولا بد من بقاء صفة الشهادة إلى إصدار الحكم.
٢ - البينونة بالطلاق أو الفسخ أو الموت: إذا طلق الزوج امرأته بعد القذف، أو فسخ الزواج بسبب فاسخ، أو مات أحد الزوجين، سقط اللعان والحد، أما سقوط اللعان فلزوال الزوجية، وقيام الزوجية شرط إ جراء اللعان كما تقدم، وأما عدم وجوب الحد، فلأن القذف أوجب اللعان، فلم يوجب الحد.
أما لو طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً، فلا يسقط اللعان؛ لأن الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية.
٣ - موت شاهد القذف أو غيبته: يسقط اللعان بموت شاهد القذف وغيبته، إذ لو مات أو غاب لا يقضى بشهادته.
٤ - تكذيب الزوج نفسه أو تصديقها الزوج في القذف: لو أكذب الزوج نفسه سقط اللعان، لتعذر الإتيان به، إذ من المحال أن يؤمر أن يشهد بالله إنه لمن الصادقين، وهو يقول: إنه كاذب، ويجب عليه حد القذف، لأن القذف صحيح.
ولو صدقت المرأة الزوج في القذف يسقط اللعان أيضاً لتعذر الإتيان به؛ لأنها أكذبت نفسها في الإنكار، لكن لا حد عليها؛ لأن اللعان لو وجب لا يثبت الزنا عليها، فلا تزول عفتها باللعان، فلا تحد حد الزنا هنا بالأولى لسقوط اللعان.
وذكر الحنابلة (١) ثلاث حالات لسقوط اللعان:
١ - طروء عارض من عوارض الأهلية: كالجنون، والزنا، وخرس المرأة.
стр. 6898
٢ - تصديق المرأة زوجها في القذف أو عفوها، أو سكوتها. وسبب هاتين الحالتين اشتراطهم: أن تكذبه ويستمر التكذيب إلى انقضاء اللعان.
٣ - موت الزوج قبل اللعان أو قبل إتمام اللعان، فإذا قذف الزوج امرأته ثم مات قبل لعانهما أو قبل إتمام لعانه، سقط اللعان، ولحقه الولد، وورثته المرأة بالاتفاق؛ لأن اللعان لم يوجد فلم يثبت حكمه. وكذلك يسقط اللعان عندهم إن مات الزوج بعد أن أكمل لعانه وقبل لعانها.
وقال الشافعي: تبين المرأة بلعان الزوج، وإن لم تلاعن الزوجة أو كان كاذباً، ويسقط التوارث، وينتفي الولد، ويلزم المرأة الحد إلا أن تلاعن.
ثانياً - ما يبطل به حكم اللعان بعد وجوده قبل التفريق: رأى الحنفية (١): أن كل ما يسقط اللعان بعد وجوبه، يبطل به حكم اللعان (أي أثره) بعد وجوده، قبل التفريق مثل جنون أحد الزوجين أو كليهما بعد اللعان قبل التفريق، أو خرسه أو خرسهما، أو ردته أو ردتهما، أو صيرورة أحدهما محدوداً في قذف، أو صيرورة المرأة موطوءة وطئاً حراماً، وإكذاب أحدهما نفسه حتى لا يفرق الحاكم بينهما ويبقيان على زواجهما.
وذلك لأن الأصل عندهم أن بقاء الزوجين على حال اللعان من الأهلية، شرط بقاء حكم اللعان؛ لأن اللعان عندهم شهادة، ولا بد من بقاء الشاهد على صفة الشهادة إلى وقت إصدار الحكم القضائي، فإذا زالت صفة الشهادة بهذه العوارض، فلا يجوز للقاضي التفريق.
стр. 6899
المبحث التاسع - التفريق بسبب الظهار:
فيه خمسة مطالب:
الأول - تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزاً وإضافة وتعليقاً وتأقيتاً.
الثاني - ركن الظهار وشروطه.
الثالث - أثر الظهار أو ما يحرم على المظاهر.
الرابع - كفارة الظهار.
الخامس - انتهاء حكم الظهار.
المطلب الأول - تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزاً وإضافة وتعليقاً وتأقيتاً:
الظهار شبيه بالإيلاء في أن كلاً منها يمين تمنع الوطء، ويرفع منعه الكفارة، وهو شبيه أيضاً باللعان على رأي الجمهور في أنه يمين لا شهادة. وكان الأولى ذكر الظهار عقب الإيلاء كما فعل فقهاؤنا، لكني أخرته إلى ما بعد اللعان لتوقف اللعان على التفريق القضائي الذي هو عنوان الفصل، وأما الظهار فيأتي التفريق فيه فقط إذا امتنع الزوج عن التكفير.
والظهار لغة: مصدر مأخوذ من الظهر، مشتق من قول الرجل إذا ظاهر امرأته: (أنت علي كظهر أمي)، وكان طلاقاً في الجاهلية، ويقال: كانوا في الجاهلية إذا كره أحدهم امرأته، ولم يرد أن تتزوج بغيره، آلى منها أو ظاهر، فتبقى لا ذات زوج ولا خلية عن الأزواج تستطيع أن تنكح غير زوجها الأول، فغيَّر الشارع حكمه إلى تحريم الزوجة بعد العود (العزم على الوطء) ولزوم الكفارة.
стр. 6900
والظهار شرعاً: هو أن يشبه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على التأبيد، أو بجزء منها يحرم عليه النظر إلىه كالظهر والبطن والفخذ، كأن يقول لها: أنت علي كظهر أمي أو أختي، أو بحذف كلمة (علي).
وتعريفات فقهاء المذاهب متقاربة، وهي ما يأتي، عرفه الحنفية بقولهم (١): تشبيه المسلم زوجته، أو ما يعبر به عنها من أعضائها، أو جزءاً شائعاً منها، بمحرَّمة عليه تأبيداً. فلا ظهار لذمي عندهم، ويشمل الظهار الزوجة الكتابية والصغيرة والمجنونة، ويمكن تشبيه الزوجة، أو ما يعبر به عنها كالرأس والرقبة، أو تشبيهه جزءاً شائعاً من الزوجة كقوله: نصفك ونحوه، والمشبه به إما جملة القريبة المحرم مثل: أنت علي كأمي، أو عضو يحرم النظر إليه من أعضاء محرمة عليه نسباً أو مصاهرة أو رضاعاً كالظهر وغيره. وإنما خص هذا اليمين باسم الظهار تغليباً للظهر؛ لأنه كان الأصل في استعمالهم.
فلو شبه زوجته بمن تحرم عليه مؤقتاً، لم يكن ظهاراً، مثل: أنت علي كظهر أختك أو عمتك، فإن الأخت والعمة تحرمان حرمة مؤقتة، أو قال: كمطلقتي ثلاثاً، فإنها تحرم حتى تنكح زوجاً غيره، أو كالمجوسية لجواز إسلامها، وكذا لو شبهها بجزء لا يحرم النظر إليه كالوجه والرأس، لا يكون ظهاراً.
ولو شبهها بشيء يحرم عليه من غير النساء كالخمر والخنزير، لم يكن ظهاراً، ويرجع فيه إلى نيته، فإن قصد به طلاقاً، كان طلاقاً بائناً، وإن قصد التحريم أو لم يقصد شيئاً كان إيلاء.
ولو شبهها بفرج أبيه أو قريبه كان مظاهراً. لكن لو قالت: أنت علي كظهر أبي أو ابني، لا يصح؛ لأن المظاهر به ليس من جنس النساء.