ورأى الشافعي: أن الفرقة تحصل بلعان الزوج، وإن لم تلاعن الزوجة. فإن كان كاذباً، أو أكذب نفسه، فلا يفيده ذلك عود النكاح، ولا رفع تأبيد الحرمة؛ لأنهما حق له وقد بطلا باللعان، فلا يتمكن من عودهما، بخلاف الحد ولحوق النسب، فإنهما يعودان لأنهما حق عليه.
٥ - انتفاء نسب الولد عن الرجل، وإلحاقه بأمه إذا كان اللعان لنفي النسب. ويترتب على نفي النسب عدم التوارث، وعدم إلزام النفقة، سواء نفقة الآباء على الأبناء أو نفقة الأبناء على الآباء.
وتظل بعض الأحكام بالنسبة للولد: وهي عدم جواز شهادة الولد لأصله الملاعن أو الأصل لفرعه، وعدم القصاص من الرجل بقتل الولد المنفي، وعدم صحة إلحاق نسب الولد المنفي بالغير، لاحتمال أن يكذب الرجل نفسه فيعود نسبه منه، وبقاء المحرمية، فلا يجوز أن يزوج الرجل بنته لمن نفى نسبه منه؛ لأنه يحتمل كونه ابناً له.
المطلب الثامن - ما يسقط اللعان بعد وجوبه وما يبطل به حكم اللعان قبل التفريق:
أولاً - ما يسقط اللعان بعد وجوبه: قرر الحنفية (١): أن اللعان يسقط بما يأتي:
١ - طروء عدم أهلية اللعان أو ما يمنع وجوب اللعان من أصله: كل ما يمنع وجوب اللعان إذا طرأ بعد وجوبه يسقط، مثل الجنون أو الردة، أو الخرس،
стр. 6897
أوقذف إنسان آخر فحد حد القذف، أو وطء المرأة وطئاً حراماً كالزنا والوطء بشبهة. ففي هذه الحالات لا يجب الحد، وإذا وجب سقط بهذه العوارض لانتفاء أهلية اللعان؛ لأن اللعان شهادة، ولا بد من بقاء صفة الشهادة إلى إصدار الحكم.
٢ - البينونة بالطلاق أو الفسخ أو الموت: إذا طلق الزوج امرأته بعد القذف، أو فسخ الزواج بسبب فاسخ، أو مات أحد الزوجين، سقط اللعان والحد، أما سقوط اللعان فلزوال الزوجية، وقيام الزوجية شرط إ جراء اللعان كما تقدم، وأما عدم وجوب الحد، فلأن القذف أوجب اللعان، فلم يوجب الحد.
أما لو طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً، فلا يسقط اللعان؛ لأن الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية.
٣ - موت شاهد القذف أو غيبته: يسقط اللعان بموت شاهد القذف وغيبته، إذ لو مات أو غاب لا يقضى بشهادته.
٤ - تكذيب الزوج نفسه أو تصديقها الزوج في القذف: لو أكذب الزوج نفسه سقط اللعان، لتعذر الإتيان به، إذ من المحال أن يؤمر أن يشهد بالله إنه لمن الصادقين، وهو يقول: إنه كاذب، ويجب عليه حد القذف، لأن القذف صحيح.
ولو صدقت المرأة الزوج في القذف يسقط اللعان أيضاً لتعذر الإتيان به؛ لأنها أكذبت نفسها في الإنكار، لكن لا حد عليها؛ لأن اللعان لو وجب لا يثبت الزنا عليها، فلا تزول عفتها باللعان، فلا تحد حد الزنا هنا بالأولى لسقوط اللعان.
وذكر الحنابلة (١) ثلاث حالات لسقوط اللعان:
١ - طروء عارض من عوارض الأهلية: كالجنون، والزنا، وخرس المرأة.
стр. 6898
٢ - تصديق المرأة زوجها في القذف أو عفوها، أو سكوتها. وسبب هاتين الحالتين اشتراطهم: أن تكذبه ويستمر التكذيب إلى انقضاء اللعان.
٣ - موت الزوج قبل اللعان أو قبل إتمام اللعان، فإذا قذف الزوج امرأته ثم مات قبل لعانهما أو قبل إتمام لعانه، سقط اللعان، ولحقه الولد، وورثته المرأة بالاتفاق؛ لأن اللعان لم يوجد فلم يثبت حكمه. وكذلك يسقط اللعان عندهم إن مات الزوج بعد أن أكمل لعانه وقبل لعانها.
وقال الشافعي: تبين المرأة بلعان الزوج، وإن لم تلاعن الزوجة أو كان كاذباً، ويسقط التوارث، وينتفي الولد، ويلزم المرأة الحد إلا أن تلاعن.
ثانياً - ما يبطل به حكم اللعان بعد وجوده قبل التفريق: رأى الحنفية (١): أن كل ما يسقط اللعان بعد وجوبه، يبطل به حكم اللعان (أي أثره) بعد وجوده، قبل التفريق مثل جنون أحد الزوجين أو كليهما بعد اللعان قبل التفريق، أو خرسه أو خرسهما، أو ردته أو ردتهما، أو صيرورة أحدهما محدوداً في قذف، أو صيرورة المرأة موطوءة وطئاً حراماً، وإكذاب أحدهما نفسه حتى لا يفرق الحاكم بينهما ويبقيان على زواجهما.
وذلك لأن الأصل عندهم أن بقاء الزوجين على حال اللعان من الأهلية، شرط بقاء حكم اللعان؛ لأن اللعان عندهم شهادة، ولا بد من بقاء الشاهد على صفة الشهادة إلى وقت إصدار الحكم القضائي، فإذا زالت صفة الشهادة بهذه العوارض، فلا يجوز للقاضي التفريق.
стр. 6899
المبحث التاسع - التفريق بسبب الظهار:
فيه خمسة مطالب:
الأول - تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزاً وإضافة وتعليقاً وتأقيتاً.
الثاني - ركن الظهار وشروطه.
الثالث - أثر الظهار أو ما يحرم على المظاهر.
الرابع - كفارة الظهار.
الخامس - انتهاء حكم الظهار.
المطلب الأول - تعريف الظهار وحكمه الشرعي وأحواله تنجيزاً وإضافة وتعليقاً وتأقيتاً:
الظهار شبيه بالإيلاء في أن كلاً منها يمين تمنع الوطء، ويرفع منعه الكفارة، وهو شبيه أيضاً باللعان على رأي الجمهور في أنه يمين لا شهادة. وكان الأولى ذكر الظهار عقب الإيلاء كما فعل فقهاؤنا، لكني أخرته إلى ما بعد اللعان لتوقف اللعان على التفريق القضائي الذي هو عنوان الفصل، وأما الظهار فيأتي التفريق فيه فقط إذا امتنع الزوج عن التكفير.
والظهار لغة: مصدر مأخوذ من الظهر، مشتق من قول الرجل إذا ظاهر امرأته: (أنت علي كظهر أمي)، وكان طلاقاً في الجاهلية، ويقال: كانوا في الجاهلية إذا كره أحدهم امرأته، ولم يرد أن تتزوج بغيره، آلى منها أو ظاهر، فتبقى لا ذات زوج ولا خلية عن الأزواج تستطيع أن تنكح غير زوجها الأول، فغيَّر الشارع حكمه إلى تحريم الزوجة بعد العود (العزم على الوطء) ولزوم الكفارة.
стр. 6900
والظهار شرعاً: هو أن يشبه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على التأبيد، أو بجزء منها يحرم عليه النظر إلىه كالظهر والبطن والفخذ، كأن يقول لها: أنت علي كظهر أمي أو أختي، أو بحذف كلمة (علي).
وتعريفات فقهاء المذاهب متقاربة، وهي ما يأتي، عرفه الحنفية بقولهم (١): تشبيه المسلم زوجته، أو ما يعبر به عنها من أعضائها، أو جزءاً شائعاً منها، بمحرَّمة عليه تأبيداً. فلا ظهار لذمي عندهم، ويشمل الظهار الزوجة الكتابية والصغيرة والمجنونة، ويمكن تشبيه الزوجة، أو ما يعبر به عنها كالرأس والرقبة، أو تشبيهه جزءاً شائعاً من الزوجة كقوله: نصفك ونحوه، والمشبه به إما جملة القريبة المحرم مثل: أنت علي كأمي، أو عضو يحرم النظر إليه من أعضاء محرمة عليه نسباً أو مصاهرة أو رضاعاً كالظهر وغيره. وإنما خص هذا اليمين باسم الظهار تغليباً للظهر؛ لأنه كان الأصل في استعمالهم.
فلو شبه زوجته بمن تحرم عليه مؤقتاً، لم يكن ظهاراً، مثل: أنت علي كظهر أختك أو عمتك، فإن الأخت والعمة تحرمان حرمة مؤقتة، أو قال: كمطلقتي ثلاثاً، فإنها تحرم حتى تنكح زوجاً غيره، أو كالمجوسية لجواز إسلامها، وكذا لو شبهها بجزء لا يحرم النظر إليه كالوجه والرأس، لا يكون ظهاراً.
ولو شبهها بشيء يحرم عليه من غير النساء كالخمر والخنزير، لم يكن ظهاراً، ويرجع فيه إلى نيته، فإن قصد به طلاقاً، كان طلاقاً بائناً، وإن قصد التحريم أو لم يقصد شيئاً كان إيلاء.
ولو شبهها بفرج أبيه أو قريبه كان مظاهراً. لكن لو قالت: أنت علي كظهر أبي أو ابني، لا يصح؛ لأن المظاهر به ليس من جنس النساء.
стр. 6901
وعرفه المالكية (١) بقولهم: الظهار: تشبيه المسلم المكلف من تحل من زوجة أو أمة أو جزأها بمحرَّمة عليه أو بظهر أجنبية، وإن تعليقاً أو مقيداً بوقت. فلا ظهار لكافر، ولا لصبي ومجنون ومكره، ويتحقق الظهار بتشبيه الزوجة، مثل أنت أمي، أو جزء منها كيدها ورجلها، ولا ظهار في قوله: أنت علي كظهر زوجتي النفساء أوالمُحْرِمة بحج؛ لأن التحريم لها عليه ليس أصالة، فالظهار: تشبيه الزوجة بالمحرمة عليه أصالة، أو المحرمة عليه وقت اليمين مثل ظهر أجنبية. وبه يتفق الحنفية والمالكية في عدم صحة ظهار الكافر، ويختلفون في تشبيه الزوجة بظهر امرأة أجنبية. فلا ينعقد عند الحنفية؛ لأن التحريم مؤقت، وينعقد بنية الظهار عند المالكية، لأن التحريم الحالي أصيل.
والظهار المعلق بشرط عندهم مثل: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، وإن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي. أما إن علقه بأمر محقق نحو: إن جاء رمضان فأنت علي كظهر أمي أو فلانة الأجنبية، أو إن طلعت الشمس في غد فأنت علي كظهر أمي، تنجز من الآن، ومنع منها حتى يكفِّر.
وإن قيد الظهار بوقت، مثل: أنت علي كظهر أمي في هذا اليوم أوالشهر، انعقد مؤبداً، ولا ينحل إلا بالكفارة.
وعرفه الشافعية (٢) بأنه: تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلالاً على التأبيد. فلا يصح من صبي ومجنون ومغمى عليه ولا من مكره، ويصح من ذمي لعموم آية الظهار، ولا يصح تشبيه الزوجة بغير محرَّمة على التأبيد، ولو شبهها بأجنبية ومطلقة، وأخت زوجة، وأب للمظاهر، وملاعنة له ومجوسية ومرتدة،
стр. 6902
فكلامه لغو؛ لأن الثلاثة الأولى لا يشبهن الأم في التحريم المؤبد، ولأن الأب أو غيره من الرجال كالابن والغلام ليس محلاً للاستمتاع، وأما الملاعنة أو المجوسية أو المرتدة وإن كان تحريمها مؤبداً، فليس التحريم بسبب القرابة المحرمية، فهم كالحنفية في التشبيه بالمحرمة تأبيداً. والأظهر أن قوله: كيدها أو بطنها أو صدرها ظهار، وكذا كعينها إن قصد ظهاراً، وإن قصد كرامة فلا يعد ظهاراً، وكذلك قوله: رأسك أو ظهرك أو يد ك علي كظهر أمي: ظهار في الأظهر. ومثله الرجل أو الجلد أو البدن أو الشعر ونحو ذلك.
وعرفه الحنابلة (١) بقولهم: أن يشبه الزوج امرأته أو عضواً منها بظهر من تحرم عليه على التأبيد، كأمه وأخته من نسب أو رضاع، أو حماته، أو يشبهها بظهر من تحرم عليه تحريماً مؤقتاً كأخت امرأ ته وعمتها وخالتها، أو يشبهها برجل كأبيه أو زيد، أو بعضو منه كظهره أو رأسه، ولو بغير عربية، أو اعتقد الحل، أي حل المشبه بها من أم وأخت كمجوسي قال لزوجته: أنت علي كظهر أختي، وهو يعتقد حل أخته، فلا أثر لاعتقاده ذلك، ويكون مظاهر.
فهم كالشافعية يجيزون ظهار الكافر، ولكن يخالفونهم في جواز تشبيه الزوجة بالمحرمة تحريماً مؤقتاً، أو بمن لا يحل الاستمتاع به، وأجازوا كالمالكية الظهار من الأجنبية.
حكمه الشرعي: الظهار محرَّم (٢)، لقول الله تعالى: ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ [المجادلة:٢/ ٥٨] ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم، قال تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ [المجادلة:٢/ ٥٨] وقال تعالى: ﴿وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم﴾ [الأحزاب:٤/ ٣٣].
стр. 6903
أحوال الظهار في العادة: يصح الظهار بالاتفاق منجزاً، كقوله: أنت علي كظهر أمي، ويكون الظهار عند أكثر الفقهاء من الزوج لا من الزوجة (١)، فلو ظاهرت المرأة من زوجها كان ظهارها عند الحنفية لغواً، فلا حرمة عليها ولا كفارة. وكذلك قال بقية المذاهب: ليس ذلك بظهار، لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ [المجادلة:٢/ ٥٨] فخص الأزواج بالظهار، ولأنه قول يوجب تحريماً على الزوجة يملك الزوج رفعه، فاختص به الرجل كالطلاق، ولأن حل الاستمتاع بالمرأة حق للرجل، فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه.
لكن أوجب عليها الإمام أحمد في رواية راجحة عنه كفارة الظهار؛ لأنها قد أتت بالمنكر من القول والزور، وفي رواية عنه: عليها كفارة اليمين، قال ابن قدامة: وهذا أقيس على مذهب أحمد وأشبه بأصوله؛ لأنه ليس بظهار، ومجرد القول من المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار بدليل سائر الكذب. وفي رواية ثالثة: ليس عليها كفارة، وهو قول بقية الأئمة، لأنه قول منكر وزور، وليس بظهار، فلم يوجب كفارة كالسب والقذف.
الظهار المعلق: أجاز الحنفية (٢) إضافة الظهار إلى ملك أو سبب الملك، مثال الأول: أن يقول لأجنبية: إن صرت زوجة لي فأنت علي كظهر أمي.
ومثال الثاني: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، وأجازوا إضافته إلى وقت مثل: أنت علي كظهر أمي في رأس شهر كذا، لقيام الملك، وتعليقه أثناء الزواج مثل: إن دخلت الدار أو إن كلمت فلاناً، فأنت علي كظهر أمي لوجود الملك وقت اليمين. لكن تعليق الظهار بمشيئة الله تبطله.
стр. 6904
وكذلك أجاز الحنابلة (١) تعليق الظهار على الزواج أو الظهار من الأجنبية، سواء قال ذلك لامرأة بعينها أو قال: كل النساء علي كظهر أمي، وسواء أوقعه مطلقاً أم علقه على التزويج، فقال: كل امرأة أتزوجها، فهي علي كظهر أمي، ومتى تزوج التي ظاهر منها، لم يطأها حتى يكفِّر. وأجازوا أيضاً تعليق الظهار بشرط، مثل إن دخلت الدار، فأنت علي كظهر أمي، أو إن شاء زيدّ فأنت علي كظهر أمي، فمتى دخلت الدار أو متى شاء زيد، صار مظاهراً، وإلا فلا.
ودليلهم ما روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: أنه قال في رجل قال: إن تزوجت فلانة، فهي علي كظهر أمي، فتزوجها، قال: «عليه كفارة الظهار» ولأنها يمين مكفرة، فصح انعقادها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى.
وقد بان سابقاً أن المالكية (٢) أجازوا تعليق الظهار، نحو: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، وإن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي.
وأجاز الشافعية (٣) أيضاً تعليق الظهار بشرط وبمشيئة زيد مثلاً؛ لأنه يتعلق به التحريم كالطلاق والكفارة، وكل منهما يجوز تعليقه. وتعليق الظهار مثل: إذا جاء زيد، أو إذا طلعت الشمس فأنت علي كظهر أمي. فإذا وجد الشرط صار مظاهراً لوجود المعلق عليه. ومن أمثلته أن يقول: «إن ظاهرت من زوجتي الأخرى، فأنت علي كظهر أمي» وهما في عصمته، فظاهر من الأخرى، صار مظاهراً منهما، عملاً بموجب التنجيز والتعليق.
стр. 6905
والخلاصة: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جواز تعليق الظهار على شرط، وقرر الجمهور غير الشافعية أنه يجوز تعليق الظهار على التزوج بامرأة معينة، وكذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة: لو قال: «كل النساء علي كظهر أمي» لأنه عقد على شرط الملك، فأشبه ذا ملك، والمؤمنون عند شروطهم. ولا يجوز عند الشافعية تعليق الظهار على ملك الزواج، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما يرويه أبو داود والترمذي: «لا طلاق إلا فيما يملك، ولا عتق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك، ولا وفاء بنذر إلا فيما يملك» والظهار شبيه بالطلاق.
الظهار المؤقت: ذكر فقهاء المذاهب الأربعة (١): أنه يصح الظهار مؤقتاً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي شهراً أو يوماً، أو حتى ينسلخ شهر رمضان، لكن يصح مؤبداً عند المالكية وفي قول عند الشافعية، فلا ينحل إلا بالكفارة، أي فيسقط التأقيت ويكون ظهاراً؛ لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقَّته لم يتوقت كالطلاق. وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا مضى الوقت، زال الظهار، وحلت المرأة بلا كفارة، فإن وطئها في المدة لزمته الكفارة، لحديث سَلَمة ابن صَخْر، وقوله: «تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر ر مضان، وأخبر النبي ﷺ أنه أصابها في الشهر، فأمره بالكفارة» (٢) ولأنه منع نفسه منها بيمين لها كفارة، فصح مؤقتاً بالإيلاء. ويختلف الظهار عن الطلاق في أن الظهار يزيل الملك، ويوقع تحريماً يرفعه التكفير، فجاز تأقيته.
وعبارة الحنفية: لو قيد الظهار بوقت سقط بمضيه، لكن لو أراد قربانها داخل الوقت لايجوز بلا كفارة.
стр. 6906
المطلب الثاني - ركن الظهر وشروطه:
ركن الظهار عند الحنفية (١): هو اللفظ الدال على الظهار، والأصل فيه قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ويلحق به قوله: أنت علي كبطن أمي، أو فخذ أمي، أو فرج أمي.
وقال الجمهور غير الحنفية (٢): للظهار أركان أربعة: وهي المظاهر، والمظاهر منها، واللفظ أو الصيغة، والمشبه به.
والمظاهر: هو الزوج.
والمظاهر منه: هو الزوجة، مسلمة كانت أو كتابية.
واللفظ أو الصيغة: ما يصدر عن الزوج من ألفاظ صريحة أو كناية. والصريح: ما تضمن ذكر الظهر، كقوله: أنت علي كظهر أمي، والكناية: ما لم تتضمن ذكر الظهر، كقوله: أنت علي كأمي أو كفخذها أو بعض أعضائها، ويصدق في الكناية ديانة أنه أراد به الطلاق، دون الصريح. وينوي في الكناية ما يريد.
والمشبه به: هو من حرم وطؤه وهو الأم ويلحق بها كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة.
شروط المظاهر: المظاهر عند الحنفية والمالكية: هو كل زوج مسلم عاقل بالغ، فلا يلزم ظهار الذمي.
стр. 6907
وعند الشافعية والحنابلة: هو كل زوج صح طلاقه، وهو البالغ العاقل سواء أكان مسلماً أم كافراً، حراً أم عبداً.
وظهار السكران صحيح كطلاقه بالاتفاق. ولا يصح ظهار المكره عند الجمهور غير الحنفية. وبه تكون شروط المظاهر (١):
١ - أن يكون عاقلاً: فلا يصح ظهار المجنون والصبي غير المميز، والمعتوه والمدهوش والمغمى عليه والنائم، كما لا يصح طلاقهم؛ لأنه يترتب عليه التحريم، وهؤلاء ليسوا أهلاً لخطاب التحريم.
٢ - أن يكون بالغاً: فلا يصح ظهار الصبي وإن كان عاقلاً مميزاً؛ لأن الظهار من التصرفات الضارة المحضة، فلا يملكه الصبي، كما لا يملك الطلاق وغيره مما يضر بمصلحته.
٣ - أن يكون مسلماً في رأي الحنفية والمالكية: فلا يصح ظهار الذمي عندهم؛ لأن حكم الظهار تحريم مؤقت يزول بالكفارة، والكافر ليس أهلاً للكفارة التي هي قربة إلى الله تعالى، فلا يكون من أهل الظهار.
ولا يشترط كونه مسلماً في رأي الشافعية والحنابلة، لعموم آية الظهار: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] من غير تفريق بين مسلم وكافر، ولأن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وأّهل للكفارة بغير الصوم من إطعام وإعتاق رقبة، ولأنه أهل للطلاق، فيكون أهلاً للظهار، فإن كان المظاهر كافراً، كفر بالعتق أو الطعام؛ لأنه يصح منه ما ذكر في غير الكفارة، فصح منه في الكفارة، ولا يكفر بالصوم، لعدم صحته منه.
стр. 6908
والخلاصة: يشترط عند الفريق الأول شرطان في المظاهر وهما الإسلام والتكليف، وشرط واحد عند الفريق الثاني وهو التكليف.
وأما الاختيار أو الطواعية فهو شرط عند الجمهور غير الحنفية، ويدخل عندهم شرط التكليف، فلا يصح ظهار المكره، وليس شرطاً عند الحنفية، فيصح ظهار المكره والمخطئ، كما يصح طلاقهما.
شروط المظاهر منها: المظاهر منها: هي امرأة المظاهر، مسلمة أو كتابية، كبيرة أو صغيرة، وشروطها ما يلي (١):
١ - أن تكون زوجته: وهي أن تكون مملوكة له بملك النكاح، فلا يصح الظهار من الأجنبية، لعدم الملك، لقوله تعالى: ﴿من نسائهم﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨].
لكن يصح الظهار عند الجمهور غير الشافعية معلقاً بالملك، كأن يقول لامرأة: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو يقول: كل امرأة أتزوجها، فهي علي كظهر أمي.
ظهار المرأة: لم يجز أكثر العلماء ظهار المرأة من الرجل تشبيهاً للظهار بالطلاق، ويكون لغواً لا كفارة فيه، ولكن أوجب عليها الإمام أحمد في رواية راجحة عنه كفارة الظهار؛ لأنها أتت بالمنكر من القول والزور، وفي رواية: كفارة اليمين، وهذا أقيس على مذهبه، كما تقدم.
стр. 6909
الظهار من الجماعة: لو قال الزوج بلفظ واحد لأربع من نسائه: (أنتن علي كظهر أمي) كان مظاهراً من جماعتهن، وعليه عند الحنفية والشافعية في الجديد لكل امرأة كفارة؛ لأنه وجد الظهار والعود (العزم على الوطء) في حق كل امرأة منهن، فوجب عليه عن كل واحدة كفارة، كما لو أفردها به.
وقال المالكية والحنابلة: ليس عليه إلا كفارة واحدة، عملاً بقول عمر وعلي ﵄، ولأن الظهاركلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.
٢ - قيام ملك النكاح من كل وجه: فيصح الظهار من الزوجة ولو كانت في أثناء العدة من طلاق رجعي، ولا يصح الظهار من المطلقة ثلاثاً، ولا المبانة ولا المختلعة وإن كانت في العدة، بخلاف الطلاق؛ لأن المختلعة والمبانة يلحقها عند الحنفية صريح الطلاق؛ لأن الظهار تحريم، وقد ثبتت الحرمة بالإبانة والخلع، وتحريم المحرَّم محال، ولأنه لا يفيد إلا ما أفاده سابقه، فيكون عبثاً.
٣ - أن يكون الظهار عند الحنفية مضافاً إلى بدن الزوجة، أو عضو منها يعبر به عن جميع البدن، أو جزء شائع منها، فلو أضافه إليها مثل: أنت علي كظهر أمي، أو إلى عضو يعبر به عن الجميع مثل: رأسك أو وجهك أو رقبتك أو فرجك علي كظهر أمي، أو إلى جزء شائع مثل: ثلثك أو ربعك أو نصفك ونحو ذلك كظهر أمي، كان مظاهراً.
أما لو قال: يدك أو رجلك أو أصبعك، لا يصير مظاهراً عندهم. ويصير مظاهراً عند بقية المذاهب؛ لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر.
شروط المشبه به: المشبه به: هي الأم، ويلحق به كل محرمة على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة. وقد اختلفت الآراء الفقهية سعة وضيقاً في تحديد المشبه به.
стр. 6910
فقال الحنفية (١): يشترط في المظاهر به أو المشبه به ما يأتي:
١ - أن يكون امرأة يحرم نكاحها عليه على التأبيد، سواء أكان التحريم بالنسب كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة، أم بالرضاع، أم بالمصاهرة كامرأة أبيه، أو زوجة ابنه، وأم امرأته (حماته).
٢ - أن يكون عضواً لا يحل له النظر إليه، كالظهر والبطن والفخذ والفرج، فلو شبهها برأس أمه أو بوجهها أو يدها أو رِجْلها، لا يصير مظاهراً؛ لأن هذه الأعضاء من أمه يحل له النظر إليها.
٣ - أن يكون من جنس النساء: فلو قال الزوج لامرأته: أنت علي كظهر أبي أو ابني، لا يصح؛ لأن الشرع إنما ورد فيما إذا كان المظاهر به امرأة. وعليه، لا يصح الظهار إذا شبه الرجل امرأته بامرأة محرمة عليه في الحال، وتحل له في حال أخرى، كأخت امرأته أو امرأة لها زوج، أو مجوسية، أو مرتدة؛ لأنها غير محرمة عليه أو على التأبيد.
وذهب المالكية (٢) إلى أن المشبه به: هو من حرم وطؤه أصالة من آدمي (ذكر أو أنثى) أو غيره أي كالبهيمة.
فيصح الظهار بتشبيه الزوجة أو جزئها ولو حكماً كالشعر والريق بالأم، وما يلحق بها من كل محرم على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة. وخرج بقوله (أصالة) من يحرم وطؤها لعارض كالحيض أو النفاس، فلا ينعقد الظهار بقوله لإحدى زوجتيه: (أنت علي كظهر زوجتي النفساء أو الحائض أو المُحْرِمة بحج أوالمطلقة طلاقاً رجعياً).
стр. 6911
ويصح الظهار أيضاً بتشبيه الزوجة أيضاً بتشبيه الزوجة بجزء المحرَّمة على التأبيد، مثل: أنت علي كيد أمي أو يد خالتي.
وكذا يصح الظهار عندهم إذا شبه زوجته بأجنبية لا تحرم عليه على التأبيد.
ورأى الشافعية (١) أن المشبه به فقط: كل من حرم وطؤه على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة إلا مرضعة المظاهر وزوجة الابن؛ لأنهما كانتا حلالاً له في وقت، فيحتمل إرادته.
وأوسع المذاهب في صحة الظهار بالمشبه به هم الحنابلة (٢)، فإنه يشمل ما يأتي من الأصناف، سواء أكان التشبيه بكل المشبه به أم بعضو منه كاليد والوجه والأذن.
١ - كل محرَّم من النساء على التأبيد بنسب أو رضاع أو مصاهرة، كالأمهات والجدات والعمات والخالات والأخوات، وهذا متفق عليه، والأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة، وحلائل الأبناء والآباء وأمهات النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن.
٢ - كل محرَّم من النساء تحريماً مؤقتاً كأخت امرأته وعمتها، أو الأجنبية، لأنه شبه زوجته بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم.
٣ - كل محرَّم من الرجال، أو البهائم، أو الأموات ونحوهم، فيصح الظهار لو شبه زوجته بظهر أبيه، أو بظهر غيره من الرجال، أو قال: أنت علي كظهر البهيمة، أو أنت علي كالميتة والدم، عملاً بما روي عن جابر بن زيد.
стр. 6912
وخالفهم فيما ذكر أكثر العلماء، فلا يكون التشبيه بمن ذكر ظهاراً؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع، كما لو قال: أنتِ علي مثل مال زيد.
هذا ويكره أن يدعو الزوج زوجته بذي رحم، مثل يا أخت أو يا أم ونحوهما، لنهي النبي ﷺ عنه فيما رواه أبو داود.
شروط الصيغة: الصيغة التي ينعقد الظهار بها إما لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، أو كناية يحتاج إلى نية. واختلف الفقهاء في بيان الألفاظ الصريحة والكناية.
قال الحنفية (١): الصريح: هو ما كان بلفظ لا يحتمل معنى آخر غير الظهار، بأن يقول الرجل لزوجته، (أنت علي كظهر أمي) أو (بطنك أو فخذك أو فرجك … إلخ) أو (نصفك ونحوه من الجزء الشائع كظهر أمي) يكون مظاهراً ولو بلا نية، لأنه صريح. ومثله: (أنت علي حرام كظهر أمي) ثبت الظهار لا غير لأنه صريح.
والكناية: ما كان بلفظ يحتمل الظهار وغيره، ويكون ظهاراً بالنية، مثل (أنت علي مثل أمي) يرجع إلى نيته، فإن قال: أردت الكرامة، فهو كما قال، وإن قال: أردت الظهار، فهو ظهار، وإن قال: أردت الطلاق، فهو طلاق بائن، وإن لم يكن له نية فليس بشيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لاحتمال إرادة الكرامة.
ومثل: (أنت علي حرام كأمي) يعتبر ما نواه من ظهر أو طلاق. ولا يقبل منه إرادة الكرامة، لوجود لفظ التحريم، وإن لم ينو شيئاً ثبت الأدنى وهو الظهار في الأصح، لعدم إزالته ملك النكاح وإن طال.
стр. 6913
وصريح الظهار عند المالكية (١): هو ما تضمن ذكر الظهر في مؤبد التحريم، أو هو اللفظ الدال على الظهار بالوضع الشرعي بلا احتمال غيره بلفظ (ظهر) امرأة مؤبدة التحريم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا بد في الصريح من الأمرين: ذِكْر الظهر، وذِكْر مؤبدة التحريم، مثل: (أنت علي كظهر أمي أو أختي من الرضاع، أو كظهر أمك).
ولا ينصرف صريح الظهار للطلاق إن نواه به؛ لأن صريح كل نوع لا ينصرف لغيره، ولا يعتبر منه الطلاق إن نوى بالظهار طلاقاً، لا في الفتوى ولا القضاء على المشهور من المذهب.
والكناية عندهم: هي ما سقط منه أحد اللفظين: لفظ الظهر: ولفظ مؤبد التحريم، مثال الأول: (أنت كأمي) أو (أنت أمي) بحذف أداة التشبيه، ومثال الثاني: (أنت كظهر رجل: خالد أو بكر أو كظهر أبي أو ابني، أو أجنبية (٢) يحل وطؤها في المستقبل بزواج) مثل: أنت علي كظهر فلانة، وليست محرماً ولا زوجة له.
ومن الكناية: أن يعبر بجزء من الزوجة أو من المشبه به، مثل: يدك أو رأسك أو شعرك كأمي، أو كيد أمي أو رأسها أو شعرها. وينوي الظهار في النوعين.
فإن نوى الظهار في نوعي الكناية الظاهرة، وهما إسقاط لفظ الظهر، أو إسقاط مؤبدة التحريم، انعقد ظهاراً. وإن نوى الطلاق وقع به البينونة الكبرى: وهي الطلاق الثلاث، سواء في الزوجة المدخول بها وغيرها، لكن إن نوى الأقل
стр. 6914
من الثلاث في غير المدخول بها، لزمه فيها ما نواه، بخلاف المدخول بها، فإنه يلزمه فيها البينونة الكبرى، ولا يقبل منه نية الأقل.
ومذهب الشافعية (١): أن الصريح: ما تضمن ذكر الظهر أو عضو لا يذكر في معرض التكريم، كأن يقول الرجل لزوجته: (أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي) وكذا إن قال: (أنت كظهر أمي) بحذف الصلة أي (علي) ونحوه، يكون صريحاً على الصحيح، ومن الصريح قوله: (جسمك أو بدنك أو نفسك كبدن أمي أو جسمها أو جملتها) لتضمنه الظهر. ومنه: (أنت علي كيد أمي أو بطنها أو صدرها، ونحوها) من الأعضاء التي لا تذكر في معرض الكرامة والإعزاز مما سوى الظهر؛ لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر.
ومن الصريح: ذكر جزء شائع مثل نصفك أو ربعك، ومنه ذكر أحد الأعضاء مثل: رأسك أو ظهرك أو يدك أو رجلك، أو بدنك أو جلدك أو شعرك أو نحو ذلك.
والكناية: أن يذكر عضواً يحتمل الكرامة، مثل أنت علي كعين أو رأس أمي ونحوه. أو أنت كأمي أو روحها أو وجهها، فإن قصد ظهاراً، أي نوى أنها كظهر أمه في التحريم فهو ظهار، وإن قصد كرامة ولم يقصد شيئاً، فلا يكون ظهاراً؛ لأن هذه الألفاظ تستعمل في الكرامة والإعزاز.
ولا يكون الظهار بلفظ الطلاق، ولا الطلاق بلفظ الظهار، فإن قال الرجل لامرأته: (أنت طالق) ونوى به الظهار، لم يكن ظهاراً. وإن قال: أنت علي كظهر أمي» ونوى به الطلاق، لم يكن طلاقاً؛ لأن كل واحد منهما صريح في موجبه في الزوجية، فلا ينصرف عن موجبه بالنية، كما تقدم عند المالكية.
стр. 6915
ولو قال: (أنت طالق كظهر أمي) ولم ينو شيئاً، وقع الطلاق، بقوله: (أنت طالق) ويلغى قوله: (كظهر أمي).
وإن قال: (أنت علي حرام كظهر أمي) ولم ينو شيئاً، فهو ظهار؛ لأنه أتى بصريحه، وأكده بلفظ التحريم. فإن نوى به الطلاق كان طلاقاً في الصحيح.
والصريح عند الحنابلة (١): ما تضمن ذكر الظهر أو الحرمة، فإذا قال الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي أو كظهر امرأة أجنبية، أو أنت علي حرام، أو حرم عضواً من أعضائها، كان مظاهراً.
فإن شبَّه زوجته بمن تحرم عليه على التأبيد، فقال: أنت علي كظهر أمي أو أختي أوغيرهما، فهذا ظهار إجماعاً.
وكذا إن شبهها بمن تحرم عليه من ذوي رحمه كجدته وعمته وخالته وأخته، كان ظهاراً في المذاهب الأربعة وأكثر العلماء.
أو شبهها بالأقارب المحرمات من جهة الرضاع أو من جهة المصاهرة كالأمهات المرضعات وحلائل الآباء والأبناء، كان ظهاراً في رأي الأكثرين.
وأما الكناية عند الحنابلة فهو استعمال ألفاظ الكرامة والتوقير، كما قال الشافعية، فإن قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي، فإن نوى به الظهار فهو ظهار، وهو رأي الأكثرين، وإن نوى به الكرامة والتوقير أو أنها مثله في الكبر أو الصفة، فليس بظهار، والقول قوله في تحديد نيته. وإن لم ينو شيئاً وأطلق فالأظهر عندهم أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهو موافق لقول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق.
стр. 6916
وإن قال: (أنت علي حرام) فإن نوى به الظهار، فهو ظهار، وهذا موافق لقول أبي حنيفة والشافعي. ولو قال: (أنت حرام إن شاء الله) فلا ظهار.
وإن قال: (أنت علي كظهر أمي حرام) فهو صريح في الظهار لا ينصرف إلى غيره، سواء نوى الطلاق أو لم ينوه، وهذا متفق عليه؛ لأنه صرّح بالظهار، وبينه بقوله: (حرام).
ولو قال: (أنت طالق كظهر أمي) طلقت كما قال الشافعية، وسقط قوله: (كظهر أمي) لأنه أتى بصريح الطلاق أولاً، وجعل قوله «كظهر أمي» صفة له. فإن نوى بقوله (كظهر أمي) تأكيد الطلاق لم يكن ظهاراً، كما لو أطلق. وإن نوى به الظهار، وكان الطلاق بائناً، فهو كالظهار من الأجنبية؛ لأنه أتى به بعد بينونتها بالطلاق، وإن كان رجعياً كان ظهاراً صحيحاً، كما قال الشافعية.
وإن قال: (أنت علي حرام) ونوى الطلاق والظهار معاً، كان ظهاراً ولم يكن طلاقاً؛ لأن اللفظ الواحد لا يكون ظهاراً وطلاقاً، والظهار أولى بهذا اللفظ، فينصرف إليه.
وإن قال: (الحل علي حرام) أو (ما أحل الله علي حرام) أو (ما انقلب إليه حرام) وله امرأة، فهو مظاهر في الصور الثلاث، لأن لفظه يقتضي العموم، فيتناول المرأة بعمومه. وإن صرح بتحريم المرأة أو نواها، فهو آكد.
ولا يكون مظاهراً إن قال: كشعر أمي أو سنها أوظفرها؛ لأنها ليست من أعضاء الأم الثابتة. أو قال: (أنا مظاهر، أو علي الظهار، أو علي الحرام، أو الحرام لازم لي) ولا نية له؛ لأنه ليس بصريح في الظهار ولا نوى به الظهار. وإن نوى به الظهار، أو اقترنت به قرينة تدل على إرادته الظهار، مثل أن يعلقه على شرط، فيقول: (علي الحرام إن كلمتك) احتمل أن يكون ظهاراً، كما يصح
стр. 6917
طلاق الكناية بالنية، ويحتمل ألا يثبت به الظهار؛ لأن الشرع إنما ورد به بصريح لفظه وهو المظاهرة، وهذا ليس بصريح فيه، ولأنه يمين موجبة للكفارة، فلم يثبت حكمه بغير الصريح كاليمين بالله تعالى.
المطلب الثالث - أثر الظهار أو أحكامه، أو ما يحرم على المظاهر:
يترتب على الظهار الأحكام التالية (١):
١ - تحريم الوطء بالاتفاق قبل التكفير، وكذا عند الجمهور غير الشافعية: تحريم جميع أنواع الاستمتاع غير الجماع كاللمس والتقبيل والنظر بلذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها لسائر بدنها ومحاسنها، والمباشرة فيما دون الفرج، لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] أي فليحرروا رقبة، كما في آية ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] أي ليرضعن، وآية ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] أي ليتربصن، ولأن القول الذي حرم الوطء، حرم مقدماته ودواعيه كيلا يقع فيه كالطلاق والإحرام. ويستمر التحريم إلى أن يكفر كفارة الظهار؛ لأن ظهاره جناية؛ لأنه منكر من القول وزور، فيناسب مجازاة الجناية بالحرمة، وارتفاعها بالكفارة.
فإن وطئ الرجل المظاهر امرأ ته قبل أن يكفر، استغفر الله تعالى من ارتكاب هذا المأثم، ولا شيء عليه غيرالكفارة الأولى، ولا يعود إلى الاستمتاع بالمظاهر
стр. 6918
منها حتى يكفر، لقوله ﷺ للذي واقع في ظهاره قبل الكفارة: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» وفي رواية «فاعتزلها حتى تكفر» (١) وعن سَلَمة بن صخر عن النبي ﷺ في المظاهريُواقع قبل أن يكفِّر، قال: «كفارة واحدة» (٢).
والعَوْد الذي تجب به الكفارة في قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨]: أن يعزم المظاهر على وطئها، أي المظاهر منها، أي أن الكفارة تجب عليه إذا قصد وطأها بعد الظهار. فإن رضي أن تكون محرَّمة عليه، ولم يعزم على وطئها لا تجب الكفارة عليه، ويجبر على التكفير دفعاً للضرر عنها.
ومذهب الشافعية: يحرم بالظهار الوطء فقط دون مقدماته ودواعيه حتى يكفِّر المظاهر؛ لأنه وطء يتعلق بتحريم مال، فلم يتجاوزه التحريم كوطء الحائض.
٢ - للمرأة أن تطالب المظاهر بالوطء، لتعلق حقها به، وعليها أن تمنعه من الاستمتاع حتى يكفّر عن الظهار، وعلى القاضي إلزامه بالتكفير، دفعاً للضرر عنها، والإلزام يكون بحبس أو ضرب إلى أن يكفر أو يطلّق.
فإن ادعى أنه كفَّر عن ظهاره، صدِّق في دعواه ما لم يكون معروفاً بالكذب.
هل يعود الظهار بعد الطلاق بالعودة إلى الزوجية؟ إذا طلَّق الرجل امرأته بعد الظهار قبل أن يكفِّر عن ظهاره، ثم راجعها هل يعود عليها الظهار، فلا يحل له المسيس (الوطء وتوابعه) حتى يكفِّر؟
ذكر ابن رشد (٣) خلافاً في المسألة، فعند مالك: إن طلقها دون الثلاث ثم راجعها في العدة أو بعدها، فعليه الكفارة.
стр. 6919
وقال أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأحمد: الظهار راجع عليها، سواء نكحها بعد الثلاث أو بعد طلقة واحدة.
وهذه المسألة شبيهة بمن يحلف بالطلاق، ثم يطلق، ثم يراجع، هل تبقى تلك اليمين عليه أم لا؟
وسبب الخلاف: هل الطلاق يرفع جميع أحكام الزوجية ويهدمها أو لا يهدمها؟ فمنهم من رأى أن الطلاق البائن الذي هو الثلاث يهدم، وأن ما دون الثلاث لا يهدم. ومنهم من رأى أن الطلاق كله غير هادم.
هل يدخل الإيلاء على الظهار؟ ذكر ابن رشد (١) أيضاً خلافاً في هذه المسألة على ثلاثة آراء: فقال الجمهور غير مالك: لا يتداخل حكم الإيلاء مع حكم الظهار، سواء أكان الزوج مضاراً أم لم يكن، أي لا يدخل عليه.
وقال مالك: يدخل الإيلاء على الظهار بشرط أن يكون مضاراً.
وقال سفيان الثوري: يدخل الإيلاء على الظهار مطلقاً، وتبين منه بانقضاء الأربعة الأشهر، ولو من غير مضارة.
وسبب الخلاف: مراعاة المعنى أو اعتبار الظاهر، فمن اعتبر الظاهر قال: لا يتداخلان. ومن اعتبر المعنى قال: يتداخلان إذا كان القصد الضرر.
المطلب الرابع - كفارة الظهار:
يتناول الكلام عن كفارة الظهار المسائل الآتية:
стр. 6920
أولاً - مشروعية الكفارة: شرعت كفارة الظهار بالكتاب والسنة (١):
أما الكتاب: فقول تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً … ﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨ - ٤].
وأما السنة: فروى أبو داود بإسناده عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: اتقي الله، فإنه ابنُ عمك، فما برح حتى نزل القرآن: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة:١/ ٥٨] إلى الفرض (٢)، فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً، قالت: ما عنده من شيء يتصدَّق به، قال: فأُتي بعَرَق من تمر، قالت: يا رسول الله، فإني سأعينه بعَرَق آخر، قال: قد أحسَنت، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك. والعَرَق: ستون صاعاً (٣).
ثانياً - متى تجب كفارة الظهار؟ يرى أكثر الفقهاء أن كفارة الظهار لا تجب قبل العود، فلو مات أحد المظاهرين أو فارق المظاهر زوجته قبل العود، فلا كفارة عليه، لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن
стр. 6921
يتماسا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] وهو نص في وجوب تعلق الكفارة بالعود. ومن طريق القياس: إن الظهار يشبه كفارة اليمين، فكما أن الكفارة إنما تلزم بالمخالفة أو بإرادة المخالفة، كذلك الأمر في الظهار، والكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا يحنث بغير الحنث
كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود.
واختلفوا في تفسير العود على آراء ثلاثة (١):
قال الحنفية: والمالكية على المشهور: العود: العزم على الوطء أو إرادة الوطء.
ورأى الحنابلة أن العود: هو الوطء في الفرج، لقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] أوجب الكفارة عقب العود، وهو يقتضي تعلقها به، ولا تجب قبله، إلا أن الكفارة شرط لحل الوطء، فيؤمر بها من أراده ليستحله بها، كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حلها، ولأن العود في القول هو فعل ضد ما قال، كما أن العود في الهبة: هو استرجاع ما وهب. والعود هنا هو فعل ما حلف على تركه وهو الجماع.
وذهب الشافعية إلى أن العود في الظهار: هو إمساكها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه؛ لأن ظهاره منها يقتضي إبانتها، فإمساكها عود فيما قال، ولأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولاً ثم عاد له، وعاد فيه: أي خالفه ونقضه، وهو قريب من قولهم: عاد في هبته.
стр. 6922
وهذا في الظهار المؤبد أو المطلق، وفي غير الرجعية؛ لأنه في الظهار المؤقت إنما يصير عائداً بالوطء في المدة، لا بالإمساك. والعود في الرجعية: إنما هو بالرجعة. ومحل العود بالإمساك بعد ظهاره زمن إمكان فرقة: هو إذا لم يتصل بالظهار فرقة بسبب من الأسباب، فلو اتصل بالظهار فُرْقة بموت منهما أو من أحدهما، أو فسخ للنكاح، أو فُرْقة بسب طلاق بائن، أو رجعي ولم يراجع، أو جُن الزوج عقب ظهاره، فلا عود ولا كفارة في جميع ذلك، لتعذر الفراق في حالتي الطلاق والجنون، وفوات الإمساك في الموت، وانتفائه في الفسخ.
ثالثاً - تعدد الكفارة بتعدد المظاهر منهن أو بتعدد الظهار: إذا ظاهر الرجل من أربع نسوة له، فعليه عند الحنفية والشافعية في الجديد (١) كما تقدم أربع كفارات، سواء ظاهر منهن بأقوال مختلفة، أو بقول واحد؛ لأن الظهار وإن كان بكلمة واحدة، فإنه يتناول كل واحدة من النساء وحدها، فصار مظاهراً من كل واحدة منهن، وبما أن الظهار تحريم لا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا تعدد التحريم تتعدد الكفارة.
وليس عليه أكثر من كفارة واحدة، أو يجزئ واحدة إذا كان مظاهراً بكلمة واحدة عند المالكية والحنابلة (٢)؛ لأن الظهار كالإيلاء في التحريم، وفي الإيلاء لا يجب إلا كفارة واحدة، ولأنه كاليمين بالله تعالى، والحنث باليمين على أمر متعدد لا يوجب إلا كفارة واحدة، ولأن الكفارة تمحو إثم الحنث، والكفارة الواحدة تحقق المراد. أما إن ظاهر من نسائه بكلمات فقال لكل واحدة: أنت علي كظهر
стр. 6923
أمي، فإن كل كلمة تقضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، فتتعدد الكفارة بتعدد الظهار من كل امرأة؛ لأنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة كفارة، كما لو كفر ثم ظاهر.
والراجح لدي هو الرأي الأول؛ لأن محل الظهار تعدد، فتتعدد الكفارة.
وأما تعدد الكفارة بتعدد الظهار، كأن ظاهر من زوجته مراراً، فاختلف فيه الفقهاء أيضاً (١):
فرأى الحنفية: إن كرر الظهار في مجلس واحد، فكفارته واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، كبقية الأيمان، ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة، فإذا نوى الاستئناف، تعلق بكل مرة حكم حالها كالطلاق.
ورأى المالكية والحنابلة في ظاهر المذهب والأوزاعي: إذا ظاهرالرجل من زوجته مراراً فلم يكفر، فكفارة واحدة؛ لأن المرأة قد حرمت بالقول الأول، فلم يزد القول الثاني في تحريمها، ولأن الظهار لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.
وذهب الشافعي في الجديد: إلى أن من حلف أيماناً كثيرة، فإن أراد تأكيد اليمين، فكفارة واحدة، وإن نوى الاستئناف فكفارتان في الأظهر.
رابعاً - أنواع الكفارة وترتيبها: الكفارة كما دل القرآن والسنة النبوية فيما سبق أنواع ثلاثة:
١ - عتق رقبة سالمة من العيوب، صغيرة أم كبيرة، ذكر أم أنثى.
стр. 6924
٢ - صيام شهرين متتابعين.
٣ - إطعام ستين مسكيناً، يوماً واحداً، غداء وعشاء عند الحنفية.
وهي واجبة على الترتيب، فالإعتاق أولاً، فإن لم يكن بأن عجز عنه فالصيام، فإن لم يكن بسبب العجز عنه فالإطعام، والمعتبر في العجز عند الجمهور: وقت الأداء. وعند الحنابلة وقت الحنث.
أما إعتاق الرقبة (١): فهي الواجب الأول على المظاهر القادر على الإعتاق لا يجزئه غيره بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] ولقول النبي ﷺ لأوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته في الحديث المتقدم: «يعتق رقبة، قلت: لا يجد، قال: فيصوم» وقوله لسلمة بن صخر مثل ذلك. فمن وجد رقبة يستغني عنها، أو وجد ثمنها فاضلاً عن حاجته، ووجدها به، لم يجزئه إلا الإعتاق.
واتفق الفقهاء أيضاً على أنه لا يجزئه رقبة سالمة من العيوب الضارة بالعمل ضرراً بيِّناً؛ لأن المقصود تمليك العبد منافع نفسه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضرراً واضحاً، فلا يجزئ الأعمى، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين، لفوات جنس المنفعة، فيكون المعتق هالكاً حكماً، إذ لا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف هذه الأعضاء. ولا يجزئ المجنون جنوناً مطبقاً؛ لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل.
стр. 6925
ويجزئ عند الحنفية: المقطوع إحدى اليدين والرجلين، والمقطوع الأذنين والأنف، والأصم إن سمع الصياح، والأعور والأعمش والخصي والمجبوب، لأنه ليس بفائت جنس المنفعة، وإنما يخل بكمالها وهو لا يمنع الانتفاع به. ولا يجوز مقطوع إبهام اليدين؛ لأن قوة البطش بهما، ولايجزئ عندهم الأخرس، والأصم الذي لا يسمع الصياح؛ لزوال جنس المنفعة، فأشبه زائل العقل.
ولا يجزئ عند الجمهور غير الحنفية المقطوع إحدى اليدين أو الرجلين، إلا أن الشافعية أجازوا فاقد إحدى اليدين، لا فاقد رِجْل.
ولا يجزئ عند المالكية مقطوع أصبع فأكثر، أو أذن، ولا الأعمى، ويجزئ الأعور، ولا يجزئ الأبكم (الأخرس) ولا الأصم، ولا المجنون، ولا المريض المشرف على الهلاك بسبب جذام وبرص وعرج وهرم شديدين.
ولا يجزئ عند الشافعية المريض الزمِن، وفاقد رجل، أو خِنصر وبِنصر من يد، أو أنملتين من غيرهما؛ لأن فقدهما مضر، وأنملة إبهام، لأن فقدهما يضر، لتعطل منفعتها فأشبه قطعها، ولا يجزئ هَرِم عاجز، ومن أكثر وقته مجنون ومريض لا يرجى برء علته. ويجزئ عندهم صغير، وأقرع، وأعرج يمكنه متابعة المشي، وأعور، وأصم، وأخرس، وأخشم (فاقد الشم) وفاقد أنفه وأذنيه وأصابع رجليه، ولا يجزئ عتق عبد مغصوب؛ لأنه ممنوع من التصرف في نفسه، فهو كالمريض الزمِن.
ولا يجزئ عند الحنابلة مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلها، ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء. ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة؛ لأن نفع اليدين يزول أكثره بقطعهما. وإن قطعت كل واحدة من يد، جاز؛ لأن نفع الكفين باق. وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها، فهم كالشافعية فيما عدا مقطوع اليد.
стр. 6926
ويجزئ عندهم الأعور اتفاقاً مع غيرهم، ويجزئ مقطوع الأنف والأصم إذا فهم الإشارة، ويجزئ الأخرس إذا فهمت إشارته وفهم بالإشارة. ويجزئ المريض بمرض يرجى برؤه، ولا يجزئ غير مرجو البرء، ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه، ولا يجزئ غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره؛ لأنه لا يعلم حياته، فلا يعلم صحة عتقه.
واختلف الفقهاء في اشتراط الإيمان في الرقبة على قولين:
يرى الحنفية: أنه لا يشترط إيمان الرقبة في كفارة الظهار وكذا في كفارة اليمين، فيصح إعتاق الكافر أو مباح الدم، عملاً بإطلاق النص القرآني: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨].
ويرى الجمهور: أنه يشترط إيمان الرقبة في هذه الكفارة وفي كفارة اليمين، فيجب أن تكون مسلمة، ولا يجزئ الكافر؛ لأنه تكفير بعتق، فلم يجز إلا مؤمنة مثل كفارة القتل، والمطلق يحمل على المقيد قياساً إذا وجد المعنى فيه، ولأنه إذا كان لا يجوز إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضرراً بيناً، وقيدنا النص القرآني بهذا القيد،، فالتقييد بالسلامة من الكفر أولى.
وسبب الخلاف: قضية حمل المطلق على المقيد، فإن القرآن قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل، وأطلقها في كفارة الظهار، فيجب عند الجمهور صرف المطلق إلى المقيد. ولا يجب عند الحنفية، ويعمل بكل نص على حدة، حتى لا يزاد على النص ما ليس منه.
стр. 6927
وأما صيام شهرين متتابعين:
فقد أجمع أهل العلم (١) على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة بأن عجز عن ثمنها، أو وجدها بأكثر من ثمن المثل، وقدر على الصوم: أن فرضه صيام شهرين متتابعين، ولو ثمانية وخمسين يوماً بالهلال، وإلا فستين يوماً، لقول الله تعالى: ﴿فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٤/ ٥٨].
ولحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر، قال فيه النبي ﷺ لمن واقع امرأته بعد الظهار وعجز عن الإعتاق: «فصم شهرين متتابعين».
ورأى الحنفية والمالكية: أنه متى وجد رقبة، لزمه إعتاقها، ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان محتاجاً إليها لخدمة، أو محتاجاً إلى ثمنها لقضاء دين؛ لأنه واجد حقيقة.
وخالفهم الشافعية والحنابلة: فأجازوا له الانتقال إلى الصيام إن كان محتاجاً للرقبة لخدمة أو قضاء دين أو نفقة أو أثاث لا بد منه، أو لم يجد رقبة يشتريها؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. ويعتبر اليسار الذي يلزم به الإعتاق في أظهر الأقوال عند الشافعيةوالمالكية: هو وقت الأداء والإخراج، لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها، فاعتبر حال أدائها كالصوم والتيمم والقيام والقعود في الصلاة. والمعتبر عند الحنابلة: وقت وجوب الكفارة.
التتابع في الصوم: أجمع أهل العلم أيضاً على وجوب التتابع في صيام
стр. 6928
كفارة الظهار، للنص القرآني، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر، ثم قطعه لغير عذر وأفطر: أن عليه استئناف الشهرين، لورود لفظ الكتاب والسنة به.
ومعنى التتابع: الموالاة بين صيام أيام الشهرين، فلا يفطر فيها، ولا يصوم عن غير الكفارة، ولا يحتاج التتابع عند الجمهور إلى نية، ويكفي فعله؛ لأنه شرط، وشرائط العبادات لا تحتاج إلى نية، وإنما تجب النية لأفعال العبادة. وقال المالكية: لابد من نية التتابع ونية الكفارة.
فإن بدأ الصيام في أثناء شهر، حسب الشهر الذي بعده عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالأهلّة. وأما عند الحنفية: إن لم يكن صومه في أول الشهر برؤية الهلال بأن غم أو صام في أثناء شهر، فإنه يصوم ستين يوماً.
ولتحقيق التتابع قال الحنفية: ويختار صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان، ولا يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا أيام التشريق.
فإن جامع الرجل المرأة التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً، أو نهاراً ناسياً، استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الشرط في الصوم أن يكون قبل التماسّ، وهذا الشرط يزول بالجماع، في خلال الصوم، فيستأنف. ولا يستأنف في الإطعام إن وطئها في خلاله، لإطلاق النص في الإطعام، وتقييده بكونه ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] في تحرير الرقبة والصيام.
واتفق الحنفية على أن المظاهر إن أفطر يوماً من الشهرين بعذر إلا الحيض، كسفر ومرض ونفاس، بخلاف الحيض لتعذر الخلو عنه، أو بغير عذر، استأنف فبدأ الصوم من جديد أيضاً، لفوات التتابع وهو قادر عليه.
ومذهب المالكية قريب من رأي الحنفية: إن قطع التتابع ولو في اليوم الأخير
стр. 6929
من الشهر، وجب الاستئناف. وينقطع تتابع الصوم بوطء المظاهر امرأته المظاهر منها ليلاً أو نهاراً، ناسياً أو عامداً، كما يبطل الإطعام بوطء المظاهر منها في أثنائه، ولو لم يبق عليه إلا مدّ واحد، فإنه يبطل ويبتدئه، وهذا بخلاف رأي الحنفية.
وينقطع التتابع بالفطرفي السفر من غير ضرورة، وبمجيء العيد في أثناء الشهرين إن علم أنه يأتي في أثناء صومه، أما إن جهل إتيان العيد في أثناء صومه، فلا يبطل التتابع، وصام بعد العيد بيومين، بناء على المعتمد عندهم: أن المسلم لا يصوم يوم العيد وما بعده فقط، وكذا لا ينقطع التتابع إذا جهل وقت مجيء رمضان.
ولا ينقطع التتابع بالمرض، وبالفطر سهواً، وبالإكراه على الفطر، وبظن غروب شمس أو ببقاء ليل فأكل أو شرب، وبحيض أو نفاس.
وينقطع التتابع لدى الشافعيةمثل المالكية بإفطار يوم بلا عذر، أوبعذر كمرض مسوغ للفطر في المذهب الجديد، ولا ينقطع التتابع في الصوم بحيض، أو نفاس على الصحيح، أو جنون على المذهب. ويلاحظ أن طروّ الحيض والنفاس إنما يتصور في كفارة قتل لا ظهار، إذ لا يجب على النساء. وإن جامع المظاهر بالليل قبل أن يكفر أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل التتابع بالجماع؛ لأن جماعه لم يؤثر في صوم رمضان، فلم يقطع التتابع كالأكل بالليل.
وأيسر المذاهب وأولاها مذهب الحنابلة القائلين: إن أفطر في الشهرين بعذر بنى على ما مضى، وإن أفطر من غير عذر ابتدأ من جديد.
فينقطع التتابع بفطر بلا عذر، أو لجهل، أو لأنه نسي وجوب التتابع، أو ظن أنه أتم الشهر، فبان بخلافه، أو صام أثناء الشهرين تطوعاً، أو قضاء عن رمضان، أو صام عن نذر أو كفارة أخرى؛ لأنه قطعه بشيء يمكنه التحرز منه، فأشبه ما لو
стр. 6930
أفطر من غير عذر. وينقطع التتابع أيضاً إذا وطئ المظاهر منها ليلاً أو نهاراً عامداً أو ناسياً، فيفسد ما مضى من صيامه، وابتدأ صوم الشهرين، لكن لو وطئ في أثناء الإطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه، كما قال الحنفية والشافعية.
ولا ينقطع التتابع بصوم رمضان، أو فطر واجب كعيد وحيض ونفاس وجنون، ومرض مخوف، وحامل ومرضع أفطرتا خوفاً على أنفسهما، أو فطر لعذر يبيحه كمرض وسفر غير مخوف، وحامل ومرضع لضرر ولدها، ومكره ومخطئ، كمن ظن أن الفجر لم يطلع أو الشمس لم تغرب، فبان بخلافه.
والخلاصة: أنه ينقطع التتابع بوطء المظاهر امرأته قبل إتمام الصيام ناسياً في النهار أو متعمداً في الليل في رأي الحنفية والمالكية؛ لأن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس، وأن يكون خالياً عنه بالضرورة بالنص القرآني؛ ولا ينقطع التتابع بالوطء نهاراً ناسياً، أو عمداً في الليل في رأي الشافعية والحنابلة، فلا يوجب الاستئناف، بسبب العذر.
وإما إطعام ستين مسكينا ً:
فقد أجمع أهل العلم (١) على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام: أن فرضه إطعام ستين مسكيناً، على ما أمر الله تعالى في كتابه، وجاء في سنة نبيه ﷺ ، سواء عجز عن الصيام لهرم أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه أو لحوق مشقة شديدة، أو لشبق فلا يصبر فيه عن الجماع، فإن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله ﷺ بالصيام قالت امرأته: «يا رسول الله، إنه شيخ كبير،
стр. 6931
ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً» ولما أمَر سلمة بن صخر بالصيام قال: «وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم» فنقله إلى الإطعام لما أخبر أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام، وقيس على هذين ما يشبههما في معناهما. ولا يجوز أن ينتقل عن الصوم لأجل السفر؛ لأن السفر لا يعجزه عن الصيام، وله نهاية ينتهي إليها، وهو من أفعاله الاختيارية.
والمرض الذي يبيح الانتقال عن الصيام إلى الإطعام: هو عند الجمهور الذي لا يرجى برؤه. وعند الحنابلة: هو الذي لا يرجى برؤه أو مرجو الزوال، لدخوله في قوله تعالى: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً﴾ [المجادة:٤/ ٥٨] ولأنه لا يعلم أن له نهاية، فأشبه الشبق.
ما يتعلق بالإطعام: قدر الطعام، وكيفيته، وجنس الطعام، ومستحقه:
قدر الطعام:
للفقهاء آراء ثلاثة في مقدار الطعام في الكفارات كلها وهي ما يأتي:
١ - رأي الحنفية: يعطى لكل مسكين مدان، أي نصف صاع من القمح، وصاع من تمر أو شعير، كالفطرة قدراً ومصرفاً، لقول النبي ﷺ في حديث سَلَمَة ابن صخر: «فأطعم وَسْقاً من تمر» (١) وفي رواية «فأطعم عَرَقاً من تمر ستين مسكيناً﴾ والعَرَق والوسق: ستون صاعاً، كما في رواية أبي داود: «والعَرَق: ستون صاعاً» والصاع (٢٧٥١ غم).
٢ - رأي المالكية: يملِّك المكفِّر ستين مسكيناً، لكل واحد مد وثلثان بمده ﷺ ، من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن
стр. 6932
اقتاتوا غير القمح فما يعدله شبعاً لا كيلاً، ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثين.
٣ - رأي الشافعية والحنابلة: إن قدر الطعام في الكفارات كلها وفي فدية الصوم والفطرة مُدّ من قمح لكل مسكين، أو نصف صاع من تمر أو شعير، لما روى أبو داود بإسناده عن أوس بن الصامت: «أن النبي ﷺ أعطاه - يعني المظاهر - خمسة عشر صاعاً من شعير: إطعامَ ستين مسكيناً» لكنه حديث مرسل عن عطاء عن أوس. أما المد: فهو (٦٧٥) غم.
كيفية الإطعام:
للفقهاء رأيان:
١ - مذهب الحنفية: الضابط عندهم أن ما شرع بلفظ (إطعام وطعام) جاز فيه الإباحة، وما شرع بلفظ (إيتاء وأداء) شرع فيه التمليك. وبناء عليه يكون الإطعام في الكفارات إما بالتمليك، أو بالإباحة غداء وعشاء، أو غداء وقيمة عشاء أو بالعكس بشرط إدام مع خبز شعير وذرة، لا مع خبز قمح، فيجوز الجمع بين الإباحة والتمليك؛ لأنه جمع بين شيئين جائزين على الانفراد، سواء أكلوا قليلاً أو كثيراً. فإن أعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزاه، وإن أعطاه في يوم واحد، لم يُجْزه إلا عن يومه.
ويجوز عندهم (١) دفع القيمة في الزكاة، والعُشْر، والخَراج، والفِطْرة، والنَّذْر، والكفارة غير الإعتاق. وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وقال الصاحبان: يوم الأداء. وفي السوائم: يوم الأداء باتفاقهم، ويقوَّم في البلد الذي فيه المال، أما في المفازة فيقومَّ في أقرب الأمصار إليه.
стр. 6933
وسبب جواز دفع القيمة: أن المقصود سد الخلَّة ودفع الحاجة، ويوجد ذلك في القيمة.
٢ - مذهب الجمهور: الواجب تمليك كل إنسان من المساكين القدر الواجب له من الكفارة، ولا يجزئ الغداء والعشاء بالقدر الواجب أو أقل أو أكثر، إلا أن المالكية قالوا: يجزئ الغداء والعشاء إن تحقق بلوغهما مداً وثلثين، كما تقدم.
ودليلهم أن المنقول عن الصحابة إعطاء المساكين، وقال النبي ﷺ لكعب في فدية الأذى بالحج: (أطعم ثلاثة آصع من تمر ستة مساكين) ولأنه مال وجب للفقراء شرعاً، فوجب تمليكهم إياه كالزكاة.
ويشترط العدد عند الفقهاء لآية الظهار، فلو أطعم ثلاثين مسكيناً طعام ستين لم يجزه. وقال الشافعية والحنابلة: لو أعطى مسكيناً مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأه؛ لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب، فأجزأ، كما لو دفع إليه المدّين في يومين. واشترط الحنفية أن يكون الإعطاء متكرراً، فلو أطعم ستين مسكيناً كل واحد صاعاً من قمح بدفعة واحدة عن ظهارين، صح عن ظهار واحد، فإن كان بدفعات جاز عن الظهارين؛ لأنه في المرة الثانية كمسكين آخر.
ولا تجزئ القيمة عندهم (أي الجمهور) في الكفارة، عملاً بالنصوص الآمرة بالإطعام.
وقد عرفنا أنه لا يجب التتابع في الإطعام عند الحنفية والشافعية والحنابلة، فلو وطئ في أثناء الإطعام، لم تلزمه إعادة ما مضى منه؛ لأنه وطئ في أثناء مالا يشترط التتابع فيه، فلم يوجب الاستئناف كوطء غير المظاهر منها، أو كالوطء في كفارة اليمين، فيختلف الإطعام عن الصيام.
стр. 6934
وسوَّى المالكية بين الإطعام والصيام، فاشترطوا التتابع فيهما، فلو وطئ في أثناء كفارة الظهار بهما، وجب الاستئناف فيهما.
جنس الطعام:
المجزئ في الإطعام عند الجمهور غير المالكية: ما يجزئ في الفطرة: وهو البُرّ والشعير ودقيقهما والتمر والزبيب، سواء أكان قوت المظاهر أم لم يكن، ولا يجزئ عند الحنابلة في الراجح غير ما ذكر، ولو كان قوت بلده، إلا إذا عدمت تلك الأقوات فيجوز إخراج نحو ذرة ودخن، ولا يجزئ أن يغدي المساكين ويعيشهم أو يدفع لهم القيمة؛ لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف على ما جاء في الأحاديث السابقة، فلم يجز غيرها، كما لو لم يكن قوت بلده.
ويجب عند الشافعية على المذهب الإطعام من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؛ لأن الأبدان بها تقوم، ويجب من غالب قوت بلد المظاهر، لأن المعتبر في الزكاة بماله، ولقوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] والأوسط: الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله: قوت البلد.
وأوجب المالكية الإطعام من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أوذرة أو غيرهما. فإن اقتاتوا غير البُرّ (القمح) فما يعدله شبعاً لا كيلاً. ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثين.
والواجب عند الحنفية ما يجب في الفطرة: وهو البر أو التمر أو الشعير، ودقيق كل واحد كأصله كيلاً، أي نصف صاع في دقيق الحنطة، وصاع في دقيق الشعير، وقيل: المعتبر في الدقيق القيمة لا الكيل. ويجوز إخراج القيمة من غير هذه الأصناف، كما تقدم.
стр. 6935
مستحق الإطعام:
مستحق الكفارة: هو مستحق الزكاة عند الجمهور من المساكين والفقراء، لقوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ [المجادلة:٤/ ٥٨] فلا يجوز دفعها لكافر، وإنما يشترط أن يكون مسلماً، كالزكاة، ويجوز صرفها إلى الصغير والكبير ولو لم يأكل الطعام عند الحنابلة؛ لأنه مسلم محتاج أشبه الكبير، لكن يقبضها ولي الصغير؛ لأن الصغير لا يصح منه القبض.
ومستحق كفارة الظهار في رأي الحنفية: هو مستحق الفطرة، فلا يجوز إطعام أصله وفرعه وأحد الزوجين، ويجوز إطعام الذمي، لا الحربي ولو مستأمناً.
خامساً - شرط الكفارة: اتفق فقهاء المذاهب (١) على أن النية شرط لصحة الكفارة، بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإطعام الواجب عليه عن الكفارة، أي بنية مقارنة للتكفير أو قبله بيسير، لأن الكفارة حق مالي يجب تطهيراً، كالزكاة، والأعمال بالنيات.
سادساً - من وطئ قبل أن يكفر: اتفق الفقهاء على أن من وطئ قبل أن يكفر عصى ربه وأثم، لمخالفة أمره تعالى، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعدئذ بموت ولا طلاق ولا غيره، إلا بعد الطلاق الثلاث عند المالكية كما سبق، ويظل تحريم زوجته عليه باقياً حتى