ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً» ولما أمَر سلمة بن صخر بالصيام قال: «وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعم» فنقله إلى الإطعام لما أخبر أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام، وقيس على هذين ما يشبههما في معناهما. ولا يجوز أن ينتقل عن الصوم لأجل السفر؛ لأن السفر لا يعجزه عن الصيام، وله نهاية ينتهي إليها، وهو من أفعاله الاختيارية.
والمرض الذي يبيح الانتقال عن الصيام إلى الإطعام: هو عند الجمهور الذي لا يرجى برؤه. وعند الحنابلة: هو الذي لا يرجى برؤه أو مرجو الزوال، لدخوله في قوله تعالى: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً﴾ [المجادة:٤/ ٥٨] ولأنه لا يعلم أن له نهاية، فأشبه الشبق.
ما يتعلق بالإطعام: قدر الطعام، وكيفيته، وجنس الطعام، ومستحقه:
قدر الطعام:
للفقهاء آراء ثلاثة في مقدار الطعام في الكفارات كلها وهي ما يأتي:
١ - رأي الحنفية: يعطى لكل مسكين مدان، أي نصف صاع من القمح، وصاع من تمر أو شعير، كالفطرة قدراً ومصرفاً، لقول النبي ﷺ في حديث سَلَمَة ابن صخر: «فأطعم وَسْقاً من تمر» (١) وفي رواية «فأطعم عَرَقاً من تمر ستين مسكيناً﴾ والعَرَق والوسق: ستون صاعاً، كما في رواية أبي داود: «والعَرَق: ستون صاعاً» والصاع (٢٧٥١ غم).
٢ - رأي المالكية: يملِّك المكفِّر ستين مسكيناً، لكل واحد مد وثلثان بمده ﷺ ، من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن
стр. 6932
اقتاتوا غير القمح فما يعدله شبعاً لا كيلاً، ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثين.
٣ - رأي الشافعية والحنابلة: إن قدر الطعام في الكفارات كلها وفي فدية الصوم والفطرة مُدّ من قمح لكل مسكين، أو نصف صاع من تمر أو شعير، لما روى أبو داود بإسناده عن أوس بن الصامت: «أن النبي ﷺ أعطاه - يعني المظاهر - خمسة عشر صاعاً من شعير: إطعامَ ستين مسكيناً» لكنه حديث مرسل عن عطاء عن أوس. أما المد: فهو (٦٧٥) غم.
كيفية الإطعام:
للفقهاء رأيان:
١ - مذهب الحنفية: الضابط عندهم أن ما شرع بلفظ (إطعام وطعام) جاز فيه الإباحة، وما شرع بلفظ (إيتاء وأداء) شرع فيه التمليك. وبناء عليه يكون الإطعام في الكفارات إما بالتمليك، أو بالإباحة غداء وعشاء، أو غداء وقيمة عشاء أو بالعكس بشرط إدام مع خبز شعير وذرة، لا مع خبز قمح، فيجوز الجمع بين الإباحة والتمليك؛ لأنه جمع بين شيئين جائزين على الانفراد، سواء أكلوا قليلاً أو كثيراً. فإن أعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزاه، وإن أعطاه في يوم واحد، لم يُجْزه إلا عن يومه.
ويجوز عندهم (١) دفع القيمة في الزكاة، والعُشْر، والخَراج، والفِطْرة، والنَّذْر، والكفارة غير الإعتاق. وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وقال الصاحبان: يوم الأداء. وفي السوائم: يوم الأداء باتفاقهم، ويقوَّم في البلد الذي فيه المال، أما في المفازة فيقومَّ في أقرب الأمصار إليه.
стр. 6933
وسبب جواز دفع القيمة: أن المقصود سد الخلَّة ودفع الحاجة، ويوجد ذلك في القيمة.
٢ - مذهب الجمهور: الواجب تمليك كل إنسان من المساكين القدر الواجب له من الكفارة، ولا يجزئ الغداء والعشاء بالقدر الواجب أو أقل أو أكثر، إلا أن المالكية قالوا: يجزئ الغداء والعشاء إن تحقق بلوغهما مداً وثلثين، كما تقدم.
ودليلهم أن المنقول عن الصحابة إعطاء المساكين، وقال النبي ﷺ لكعب في فدية الأذى بالحج: (أطعم ثلاثة آصع من تمر ستة مساكين) ولأنه مال وجب للفقراء شرعاً، فوجب تمليكهم إياه كالزكاة.
ويشترط العدد عند الفقهاء لآية الظهار، فلو أطعم ثلاثين مسكيناً طعام ستين لم يجزه. وقال الشافعية والحنابلة: لو أعطى مسكيناً مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأه؛ لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب، فأجزأ، كما لو دفع إليه المدّين في يومين. واشترط الحنفية أن يكون الإعطاء متكرراً، فلو أطعم ستين مسكيناً كل واحد صاعاً من قمح بدفعة واحدة عن ظهارين، صح عن ظهار واحد، فإن كان بدفعات جاز عن الظهارين؛ لأنه في المرة الثانية كمسكين آخر.
ولا تجزئ القيمة عندهم (أي الجمهور) في الكفارة، عملاً بالنصوص الآمرة بالإطعام.
وقد عرفنا أنه لا يجب التتابع في الإطعام عند الحنفية والشافعية والحنابلة، فلو وطئ في أثناء الإطعام، لم تلزمه إعادة ما مضى منه؛ لأنه وطئ في أثناء مالا يشترط التتابع فيه، فلم يوجب الاستئناف كوطء غير المظاهر منها، أو كالوطء في كفارة اليمين، فيختلف الإطعام عن الصيام.
стр. 6934
وسوَّى المالكية بين الإطعام والصيام، فاشترطوا التتابع فيهما، فلو وطئ في أثناء كفارة الظهار بهما، وجب الاستئناف فيهما.
جنس الطعام:
المجزئ في الإطعام عند الجمهور غير المالكية: ما يجزئ في الفطرة: وهو البُرّ والشعير ودقيقهما والتمر والزبيب، سواء أكان قوت المظاهر أم لم يكن، ولا يجزئ عند الحنابلة في الراجح غير ما ذكر، ولو كان قوت بلده، إلا إذا عدمت تلك الأقوات فيجوز إخراج نحو ذرة ودخن، ولا يجزئ أن يغدي المساكين ويعيشهم أو يدفع لهم القيمة؛ لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف على ما جاء في الأحاديث السابقة، فلم يجز غيرها، كما لو لم يكن قوت بلده.
ويجب عند الشافعية على المذهب الإطعام من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؛ لأن الأبدان بها تقوم، ويجب من غالب قوت بلد المظاهر، لأن المعتبر في الزكاة بماله، ولقوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] والأوسط: الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله: قوت البلد.
وأوجب المالكية الإطعام من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أوذرة أو غيرهما. فإن اقتاتوا غير البُرّ (القمح) فما يعدله شبعاً لا كيلاً. ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مداً وثلثين.
والواجب عند الحنفية ما يجب في الفطرة: وهو البر أو التمر أو الشعير، ودقيق كل واحد كأصله كيلاً، أي نصف صاع في دقيق الحنطة، وصاع في دقيق الشعير، وقيل: المعتبر في الدقيق القيمة لا الكيل. ويجوز إخراج القيمة من غير هذه الأصناف، كما تقدم.
стр. 6935
مستحق الإطعام:
مستحق الكفارة: هو مستحق الزكاة عند الجمهور من المساكين والفقراء، لقوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ [المجادلة:٤/ ٥٨] فلا يجوز دفعها لكافر، وإنما يشترط أن يكون مسلماً، كالزكاة، ويجوز صرفها إلى الصغير والكبير ولو لم يأكل الطعام عند الحنابلة؛ لأنه مسلم محتاج أشبه الكبير، لكن يقبضها ولي الصغير؛ لأن الصغير لا يصح منه القبض.
ومستحق كفارة الظهار في رأي الحنفية: هو مستحق الفطرة، فلا يجوز إطعام أصله وفرعه وأحد الزوجين، ويجوز إطعام الذمي، لا الحربي ولو مستأمناً.
خامساً - شرط الكفارة: اتفق فقهاء المذاهب (١) على أن النية شرط لصحة الكفارة، بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإطعام الواجب عليه عن الكفارة، أي بنية مقارنة للتكفير أو قبله بيسير، لأن الكفارة حق مالي يجب تطهيراً، كالزكاة، والأعمال بالنيات.
سادساً - من وطئ قبل أن يكفر: اتفق الفقهاء على أن من وطئ قبل أن يكفر عصى ربه وأثم، لمخالفة أمره تعالى، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعدئذ بموت ولا طلاق ولا غيره، إلا بعد الطلاق الثلاث عند المالكية كما سبق، ويظل تحريم زوجته عليه باقياً حتى
стр. 6936
يكفر. لكن اختلفوا في تأثير الوطء أثناء التكفير، فأطلق المالكية (١) القول في أنواع الكفارة، فمن وطئ قبل أن يكفر عن ظهاره، سواء بالعتق أو بالصوم أو بالإطعام، وسواء أكان الوطء ليلاً أم نهاراً، عامداً أم ناسياً، ولو في أثناء الإطعام، ولو لم يبق عليه إلا مد واحد، فإنه يحرم ويبطل ويبتدئ الكفارة من جديد. وأما وطء الزوجة غير المظاهر منها فلا يضر في صيام إن وقع ليلاً، ولا في إطعام وعتق.
ورأى الشافعية (٢) أن المظاهر إن جامع أثناء الصيام ليلاً قبل أن يكفر أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل تتابع الصيام؛ لأن جماعه لم يؤثر في الصوم المفروض، فلم يقطع التتابع، كالأكل بالليل. وكذا إن جامع أثناء الإطعام، لا يبطل ما مضى.
وفصل الحنفية والحنابلة (٣) في الأمر، فقالوا: إن وطئ المظاهر امرأته المظاهر منها في أثناء الصوم، أفسد ما مضى من صيامه، واستأنف الصوم، أي ابتدأ صيام الشهرين من جديد. أما إن وطئ أثناء الإطعام، فلا تلزمه إعادة مامضى، وسبب التفرقة بين الصوم والإطعام: إطلاق النص القرآني في الإطعام: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ [المجادلة:٤/ ٥٨] دون تقييده بكونه قبل التماس، وتقييده في تحرير الرقبة والصيام بكونهما قبل التماس في قوله سبحانه في الحالتين: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٤/ ٥٨].
стр. 6937
المطلب الخامس - انتهاء حكم الظهار:
الظهار إما مؤقت أو مطلق مؤبد، ويختلف حكم انتهاء أحدهما عن الآخر (١):
أـ إن كان الظهار مؤقتاً، كأن يقول الرجل لزوجته: (أنت علي كظهر أمي يوماً أو شهراً أو سنة) ينتهي بانتهاء الوقت بدون كفارة عند الجمهور؛ لأن الظهار كاليمين يتوقت، وينتهي بانتهاء أجله، بعكس الطلاق لا يحله شيء فلا يتوقت. وقال المالكية: يبطل التأقيت ويتأبد الظهار، ولا ينحل إلا بالكفارة، قياساً على الطلاق، وإذا كان تحريم الطلاق لا يحتمل التأقيت، فكذا تحريم الظهار مثله.
ب - وإن كان الظهار مؤبداً أو مطلقاً: فينتهي حكم الظهار أو يبطل بالاتفاق بموت أحد الزوجين، لزوال محل حكم الظهار، ولا يتصور بقاء الشيء في غير محله.
ولا يبطل حكم الظهار عند الجمهور غير المالكية بالطلاق الرجعي أو البائن أو الثلاث، ولا بالردة عن الإسلام في قول أبي حنيفة، حتى لو تزوجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الأول، فلا يحل له وطؤها بدون تقديم الكفارة؛ لأن الظهار قد انعقد موجباً حكمه وهو الحرمة، فيبقى على ما انعقد عليه، وهو ثبوت حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة.
أما عدم المطالبة بالكفارة فيتم بالموت أو بالفراق عند الجمهور غير الشافعية (٢)، فلو مات أحد المظاهرين، أو فارق الزوج زوجته قبل العود، فلا
стр. 6938
كفارة عليه، لقوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة:٣/ ٥٨] فأوجب الكفارة بأمرين: ظهار وعود، فلا تثبت بأحدهما، ولأن الكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا تجب الكفارة قبل الحنث كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود (أي العزم على الوطء).
وقال الشافعي: متى أمسك الرجل المظاهر منها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه، فلم يطلقها، فعليه الكفارة؛ لأن ذلك هو العود عنده.
المبحث العاشر - التفريق بسبب الردة أو إسلام أحد الزوجين:
أثر الارتداد:
١ - إذا ارتد أحد الزوجين عن الإسلام، وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا حاجة لتفريق القاضي، وإنما ينفسخ الزواج بينهما فسخاً، والمشهور عند المالكية وعلى الراجح عندهم أن فرقة الردة طلاق.
وقال الشافعية والحنابلة: يتوقف فسخ النكاح على انقضاء العدة، فإن أسلم المرتدقبل انقضائها فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت بانت المرأة منذ اختلف الدينان. ورأى الجعفرية أن الردة من أحد الزوجين قبل الدخول تفسخ الزواج في الحال. وتتوقف على انقضاء العدة بعد الدخول.
فإن كان الزوج هو المرتد، وكان قد دخل بزوجته، فلها كمال المهر؛ لأنه قد استقر بالدخول. وإن كان لم يدخل بها بعدُ، فلها نصف المهر؛ لأنها فرقة حصلت من الزوج قبل الدخول، وهي فُرقة تنصِّف المهر.
وإن كانت المرأة هي المرتدة، وكانت الردة قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأنها منعت المعقود عليه بالارتداد، فصارت كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض. وإن
стр. 6939
كانت الردة بعد الدخول بها، فلها المهر كاملاً؛ لأن الدخول في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر (حد) أو عُقر (مهر).
٢ - وإن ارتد الزوجان معاً، أو لم يعلم سبق أحدهما، ثم عادا إلى الإسلام معاًً، فهما على نكاحهما استحساناً، لعدم اختلاف دينهما (١).
٣ - ولا يجوز أن يتزوج المرتد مسلمة ولا كافرة ولا مرتدة؛ لأنه مستحق للقتل. وكذلك المرتدة لا يجوز أن يتزوجها مسلم ولا كافر ولا مرتد لأنها عند الحنفية محبوسة للتأمل (٢).
أثر الإسلام:
١ - إذا أسلمت المرأة، وزوجها كافر، عَرَض عليه القاضي الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، لعدم طروء ما ينافي بقاء الزواج. وإن أبى عن الإسلام، فرَّق القاضي بينهما، لعدم جواز بقاء المسلمة عند الكافر. وكان التفريق طلاقاً بائناً عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: هي فُرْقة بغير طلاق (٣).
٢ - وإن أسلم الزوج المتزوج مجوسية، عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإن أبت عن الإسلام فرَّق القاضي بينهما، لأن نكاح المجوسية حرام مطلقاً، ولم تكن هذه الفرقة طلاقاً؛ لأن الفرقة بسبب من قبلها، والمرأة ليست بأهل للطلاق.
стр. 6940
فإن كان الزوج قد دخل بها، فلها المهر المسمى، لتأكده بالدخول، فلا يسقط بعد الفرقة، وإن لم يكن دخل بها، فلا مهر لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول بها (١).
٣ - وإذا أسلمت المرأة في دار الحرب، لم تقع الفُرْقة عليها حتى تنقضي عدتها بأن تحيض ثلاث حيضات إن كانت من ذوات الحيض، أو تمضي ثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الأشهر، أو تضع حملها إن كانت حاملاً، وتلك عدتها؛ لأن إسلام زوجها مرجو، والعرض عليه متعذر، فنزِّل منزلة الطلاق الرجعي، فإذا انقضت عدتها، بانت من زوجها (٢).
أما إذا خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام من دار الحرب مسلماً، فتقع الفرقة بينهما عند الحنفية (٣)، لاختلاف الدارين حقيقة وحكماً، وتباين الدارين ينافي انتظام المصالح الزوجية، كما تتنافى بسبب قيام القرابة المَحْرمية.
وخالفهم الجمهور، فلم يحكموا بوقوع الفرقة لتباين الدارين؛ لأن أثر التباين في انقطاع الولاية (أي سقوط مالكيته عن نفسه وماله) لا في إحداث الفرقة كالحربي المستأمن الذي دخل دارنا بأمان، والمسلم المستأمن إذا دخل دار الحرب بأمان، لا تقع فرقة في زواجهما.
٤ - وإذا أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما؛ لأنه يصح الزواج بينهما ابتداء من الأصل، فيكون بقاء الزواج بينهما أولى.
стр. 6941
الفَصْلٌ الرّابع: العِدَّة والاستبراء العدة: يشتمل بحث العدة على المباحث الخمسة التالية:
الأول - تعريف العدة وحكمها الشرعي، وحكمتها، وسبب وجوبها، وركنها.
الثاني - أنواع العدة ومقاديرها.
الثالث - تحول العدة أو انتقالها وتغيرها.
الرابع - وقت ابتداء العدة، وما يعرف به انقضاؤها.
الخامس - أحكام العِدَد أو حقوق المعتدة وواجباتها.
المبحث الأول - تعريف العدة، وحكمها الشرعي، وحكمتها، وسبب وجوبها، وركنها:
معنى العدة: العِدَّة بكسر العين جمع عِدَد، وهي لغة: الإحصاء، مأخوذة من العَدَد لاشتمالها على عدد الأقراء أو الأشهر غالباً، يقال: عددت الشيء عِدَّة: أحصيته إحصاء. وتطلق أيضاً على المعدود، يقال: عدة المرأة: أيام أقرائها.
стр. 6942
واصطلاحاً في رأي الحنفية (١): مدة محددة شرعاً لانقضاء ما بقي من آثار الزواج. وبعبارة أخرى: تربص (أي انتظار) يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته. وبنوا على تعريفهم القول بتداخل العدتين سواء أكانتا من جنس واحد أم من جنسين ولو من رجلين، ومثال الجنس الواحد: إذا تزوجت المطلقة في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تفرقا حتى وجبت عليها عدة أخرى، فإن العدتين يتداخلان. ومثال الجنسين: المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة، تداخلت العدتان، وتعتد المرأة بثلاث حيضات من عدة الوطء.
وفي رأي الجمهور (٢): العدة: مدة تتربص فيها المرأة، لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو لتفجعها على زوجها. فهي نفس التربص، فلا تتداخل العدتان من شخصين، وتمضي المرأة في العدة الأولى حتى نهايتها، ثم تبدأ بالعدة الأخرى، وتتداخل العدتان من شخص واحد ولو من جنسين.
ويمكن تعريف العدة بتعريف أوضح: هي مدة حددها الشارع بعد الفرقة، يجب على المرأة الانتظار فيها بدون زواج حتى تنقضي المدة.
فلا عدة على المزني بها في رأي الحنفية والشافعية خلافاً للمالكية والحنابلة.
ولا عدة على المرأة قبل الدخول اتفاقاً، لقوله تعالى: ﴿فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب:٤٩/ ٣٣]. وعلى المدخول بها عدة إجماعاً، سواء أكان سبب الفرقة طلاقاً أم فسخاً أم وفاة، وسواء أكان الدخول بعد عقد فاسد أم صحيح أم بشبهة، وتجب أيضاً عند الجمهور غير الشافعية إذا طلق الرجل المرأة بعد الخلوة بها.
стр. 6943
وتكون القاعدة: كل طلاق أو فسخ وجب فيه جميع الصداق وجبت العدة، وحيث سقط الصداق كله أو لم يجب إلا نصفه، سقطت العدة. ومن أمثلة الفسخ: الفسخ بسبب الرضاع أو العيب أو العتق أو اللعان أو اختلاف الدين.
حكمها الشرعي: العدة واجبة شرعاً على المرأة بالكتاب والسنة والإجماع (١):
أما الكتاب: فقوله تعالى عدة الطلاق: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] وفي عدة الوفاة: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة:٢٣٤/ ٢] وفي عدة الصغيرة والآيسة والحامل: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] وآي أخرى.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحدُّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» (٢)، وأمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس أن تعتد عند ابن أم مكتوم (٣). وأحاديث أخرى.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب العدة، في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها.
стр. 6944
هل على الرجل عدة؟ ليس على الرجل عدة بالمعنى الاصطلاحي، فيجوز له بعد الفرقة مباشرة أن يتزوج بزوجة أخرى، ما لم يوجد مانع شرعي، كالتزوج بمن لا يحل له الجمع بين زوجته الأولى وبين قريباتها المحارم كالأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت ولو من زواج فاسد أو في شبهة عقد. وتزوج امرأة خامسة في أثناء عدة المرأة الرابعة التي فارقها حتى تنقضي عدتها، ونكاح المطلقة ثلاثاً قبل التحليل (١).
عدة المرأة غير المسلمة: اختلف الفقهاء في وجوب العدة على غير المسلمة على رأيين:
قال أبو حنيفة: لا تجب العدة على المرأة غير المسلمة ذمية كانت أو حربية إذا كان معتقد أهل دينها أنه لا عدة عليها إلا إذا كانت كتابية زوجة لمسلم، فتجب عليها العدة بالفراق، رعاية لحق الزوج؛ لأن العدة تجب حقاً لله تعالى، ولحق الزوج، والكتابية مخاطبة بحقوق العباد، فتجب عليها العدة، وتجبر عليها لأجل حق الزوج والولد، منعاً من اختلاط الأنساب.
وإن جاء الزوج مسلماً، وترك امرأته في دار الحرب، فلا عدة عليها باتفاق الحنفية؛ إذ لا حق لأحد الزوجين على الآخر في حال اختلاف الدارين، ولأن أحكام الإسلام تطبق على أهل الذمة، لا على الحربيين.
وقال الجمهور ومنهم الصاحبان: تجب العدة على الذمية، سواء أكانت زوجة لمسلم أم لذمي، لعموم الآيات الآمرة بالعدة.
و حكمة العدة: إما التعرف على براءة الرحم، أو التعبد، أو التفجع على
стр. 6945
الزوج، أو إعطاء الفرصة الكافية للزوج بعد الطلاق ليعود لزوجته المطلقة. ففي الطلاق البائن، والتفريق لفساد الزواج أو الوطء بشبهة يقصد من العدة استبراء رحم المرأة للتأكد من عدم وجود حمل من الرجل، منعاً من اختلاط الأنساب، وصون النسب. فإذا كان الحمل موجوداً تنتهي العدة بوضع الحمل لتحقق الهدف المقصود من العدة. وإذا لم يتأكد من الحمل بعد الدخول بالمرأة، وجب الانتظار للتعرف على براءة الرحم، حتى بعد الوفاة. ومن المقاصد أيضاً: إظهار الأسف على نعمة الزواج، وصون سمعة المرأة وكرامتها حتى لا تكون محلاً للتحدث عنها بخروجها من البيت غادية رائحة بمجرد الفراق، وإن أمكن معرفة براءة الرحم بمجرد الحيضة الأولى.
وفي الطلاق الرجعي: يقصد بالعدة تمكين الرجل من العود إلى مطلقته خلال العدة، بعد زوال عاصفة الغضب، وهدوء النفس، والتفكير بمتاعب ومخاطر ووحشات الفراق. وذلك حرصاً من الإسلام على إبقاء الرابطة الزوجية، وتنويهاً بتعظيم شأن الزواج، فكما أنه لا ينعقد إلا بالشهود، لا ينحل إلا بانتظار طويل الأمد.
وفي فرقة الوفاة: يراد من العدة تذكر نعمة الزواج، ورعاية حق الزوج وأقاربه، وإظهار التأثر لفقده، وإبداء وفاء الزوجة لزوجها، وصون سمعتها وحفظ كرامتها، حتى لا يتحدث الناس بأمرها، ونقد تهاونها، والتحدث عن خروجها وزينتها، خصوصاً من أقارب زوجها. قال الشافعية والحنابلة (١): المقصود الأعظم من العدة حفظ حق الزوج دون معرفة البراءة، ولهذا اعتبرت عدة الوفاة بالأشهر، ووجبت العدة على المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها تعبداً، مراعاة لحق الزوج.
стр. 6946
وهذه المعاني تنطبق على المرأة، حتى ولو كانت كبيرة السن لا ترجو زواجاً آخر، بالإضافة لتحقيق معنى التعبد في العدة.
سبب وجوب العدة:
تجب العدة في الجملة بأحد أمرين: طلاق أو موت. والفسخ كالطلاق (١). وذلك بعد الدخول (الوطء) من زواج صحيح أو فاسد أو شبهة بالاتفاق، أو بعد استدخال ذكر زائد، أو أشل، أو إدخال مني الزوج؛ لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج ولاحتياجها لتعرف براءة الرحم، أو بعد خلوة صحيحة عند الجمهور غير الشافعية. وتجب العدة أيضاً عند المالكية والحنابلة بعد الزنا كالموطوءة بشبهة. وبناء عليه تجب العدة بأحد الأسباب التالية:
١ - تجب العدة بالفرقة بعد الدخول من زواج صحيح أو فاسد، أو بعد الخلوة الصحيحة في رأي الجمهور غير الشافعية، سواء أكانت الفرقة في حال الحياة بسبب طلاق أو فسخ، أم بسبب الوفاة.
فإن كان الزواج فاسداً كزواج الخامسة أو المعتدة، فلا تجب العدة إلا بالدخول الحقيقي، ولا تجب عند الجمهور بالخلوة. وأوجب المالكية العدة بالخلوة بعد زواج فاسد، كما تجب بالدخول الحقيقي؛ لأن الخلوة مظنّة الوقاع.
ودليل الجمهور على وجوب العدة بالخلوة: ما رواه أحمد والأثرم عن زرارة ابن أوفى قال: «قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً، فقد وجب المهر، ووجبت العدة».
стр. 6947
ولا تجب العدة بالخلوة المجردة عن الوطء عند الشافعية في الجديد، لمفهوم الآية السابقة: ﴿ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب:٤٩/ ٣٣].
٢ - وتجب العدة أيضاً بالاتفاق بالتفريق للوطء بشبهة، كالموطوءة في زواج فاسد؛ لأن وطء الشبهة والزواج الفاسد كالوطء في الزواج الصحيح في شغل الرحم ولحوق النسب بالواطئ، فكان مثله فيما تحصل به براءة الرحم، كيلا تختلط الأنساب والمياه. ومثال الوطء بشبهة: أن تزف امرأة إلى غير زوجها، وتقول النساء للرجل: إنها زوجتك، فيدخل بها بناء على قولهن، ثم يتبين أنها ليست زوجته.
ولا فرق في وجوب العدة بأحد السببين السابقين بين أن تكون الفرقة بسبب طلاق أو فسخ، فكل فرقة بين زوجين عدتها عدة الطلاق، سواء أكانت بخلع أم لعان أم رضاع أم فسخ بعيب أم إعسار أم اعتاق أم اختلاف دين أم غيره عند أكثر العلماء.
ولا فرق أيضاً بين أن يكون الوطء حلالاً، أم حراماً كوطء حائض ومحرمة بحج أو عمرة، ولا بين أن يكون الوطء في قُبل، أو دبر على الأصح لدى الشافعية، والحكم واحد سواء أكان الواطئ عاقلاً أم لا، مختاراً أم لا، لفَّ على ذكره خرقة أو كيساً أم لا، بالغاً أم صبياً.
ولا عدة قبل الدخول بنص القرآن كما أوضحت.
٣ - وتجب العدة كذلك بالاتفاق بعد وفاة الزوج في العقد الصحيح، ولو قبل الدخول أو الوطء أو كانت الزوجة صغيرة، أو زوجة صبي ولو رضيعاً أو زوجة ممسوح، لإطلاق الآيات القرآنية مثل: ﴿والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة:٢٣٤/ ٢].
стр. 6948
٤ - وأوجب المالكية والحنابلة خلافاً لغيرهم العدة على المزني بها كالموطوءة بشبهة؛ لأنه وطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت العدة منه كوطء الشبهة.
ولم يوجبها غير هؤلاء؛ لأن العدة لحفظ النسب، ولا يلحق الزاني نسب بالزنا.
ركن العدة: أوضح الحنفية (١) ركن العدة بأنه التزام المرأة بحرمات ثابتة بسبب العدة يحرم عليها مخالفتها، كحرمة التزوج بزوج آخر، وحرمة الخروج من بيت الزوجية الذي طلِّقت فيه، وصحة الطلاق في العدة، وحرمة التزوج بأخت المطلقة ونحوها.
المبحث الثاني - أنواع العدة ومقاديرها:
العدة ثلاثة أنواع (٢): عدة بالأقراء، وعدة بالأشهر، وعدة بوضع الحمل. والمعتدات ستة أنواع (٣):
الحامل، والمتوفى عنها زوجها، وذات الأقراء المفارقة في الحياة، ومن لم تحض لصغر أو إياس وكانت المفارقة في الحياة، ومن ارتفع حيضها ولم تدر سببه، وامرأة المفقود. وعدة الطلاق ثلاثة أنواع (٤):
ثلاثة قروء لمن تحيض، وضع حمل الحامل، ثلاثة أشهر لليائس والصغيرة.
стр. 6949
المقصود بالقروء: القرء لغة مشترك بين الطهر والحيض، ويجمع على أقرء وقروء وأقرء، وللفقهاء رأيان في تفسير القروء (١):
يرى الحنفية والحنابلة: أن المراد بالقرء: الحيض؛ لأن الحيض مُعَرِّف لبراءة الرحم، وهو المقصود من العدة، فالذي يدل على براءة الرحم إنما هو الحيض لا الطهر، ولقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل على أن الأصل الحيض، كما قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٦/ ٥].
ولأن المعهود في الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبي ﷺ للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (٢) وهوعليه الصلاة والسلام المعبر عن الله، وبلغة قومه نزل القرآن، وقال ﵊ لفاطمة بنت أبي حبيش: «انظري، فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مرَّ قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء» (٣).
وقال ﷺ : «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» (٤)، فإذا اعتبرت عدة الأمة بالحيض، كانت عدة الحرة كذلك.
ولأن ظاهر قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار، لم يوجب ثلاثة، لأنه
стр. 6950
يكتفي بطهرين وبعض الثالث، فيخالف ظاهر النص. ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة، فيوافق ظاهر النص، فيكون أولى من مخالفته.
ولأن العدة استبراء، فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة، لأن الاستبراء لمعرفة براءة الرحم من الحمل، والذي يدل عليه هو الحيض، فوجب أن يكون الاستبراء به.
ويرى المالكية والشافعية: أن القرء هو الطهر؛ لأنه تعالى أثبت التاء في العدد «ثلاثة»، فدل على أن المعدود مذكر، وهو الطهر، لا الحيضة. ولأن قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] أي في وقت عدتهن، لكن الطلاق في الحيض محرَّم كما تقدم في بحث الطلاق البدعي، فيصرف الإذن إلى زمن الطهر. وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن.
ولأن القرء مشتق من الجمع، فأصل القرء الاجتماع، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في الرحم، وأما الحيض فيخرج من الرحم. وما وافق الاشتقاق كان اعتباره أولى من مخالفته.
وفائدة الخلاف: أنه إذا طلقها في طهر، انتهت عدتها في رأي الفريق الثاني بمجيء الحيضة الثالثة؛ لأنها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثالثة في رأي الفريق الأول، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: «يحل لزوجها الرجعة إليها، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة» مما يؤيد رأي الفريق الأول.
والراجح لدي هو الرأي الأول، لاتفاقه مع الواقع والمقصود من العدة، فالنساء تنتظر عادة مجيء الحيض ثلاث مرات، فيتقرر انقضاء العدة، ولا تعرف براءة الرحم إلا بالحيض، فإذا حاضت المرأة تبين أنها غير حامل، وإذا استمر الطهر
стр. 6951
تبين غالباً وجود الحمل. وقد روى النيسابوري عن الإمام أحمد: «كنت أقول: إنه الأطهار، وأنا أذهب اليوم إلى أن الأقراء الحيض» ورجوعه عن رأي سابق يكون عادة لمسوغات أو مرجحات أقوى.
أسباب وشروط كل نوع من أنواع العدة (١):
عرفنا أن العدة أنواع ثلاثة: عدة الأقراء، وعدة الأشهر، وعدة الحبل.
أولاً - عدة الأقراء: لها أسباب أهمها ثلاثة:
١ - الفرقة في الزواج الصحيح، سواء أكانت بطلاق أم بغير طلاق. وتجب هذه العدة لاستبراء الرحم، وتعرف براءته من الشغل بالولد.
وشرط وجوبها: الدخول بالمرأة أو ما يجري مجرى الدخول وهو الخلوة الصحيحة عند غير الشافعية في الزواج الصحيح دون الفاسد عند الحنفية والحنابلة، وفي الفاسد أيضاً عند المالكية، فلا تجب هذه العدة بدون الدخول والخلوة الصحيحة.
٢ - الفرقة في الزواج الفاسد بتفريق القاضي، أو بالمتاركة. وشرطها الدخول عند الجمهور غير المالكية، وتجب العدة أيضاً عند المالكية بالخلوة بعد زواج فاسد.
٣ - الوطء بشبهة العقد: بأن زفت إلى الرجل غير امرأته، فوطئها؛ لأن الشبهة تقوم مقام الحقيقة في حال الاحتياط، وإيجاب العدة من باب الاحتياط.
ثانياً - عدة الأشهر: نوعان: نوع يجب بدلاً عن الحيض، ونوع يجب أصلاً
стр. 6952
بنفسه. أما العدة التي تجب بدلاً عن الحيض بالأشهر: فهي عدة الصغيرة، والآيسة، والمرأة التي لم تحض أصلاً، بعد الطلاق. وسبب وجوبها: الطلاق لمعرفة أثر الدخول، وهو سبب وجوب عدة الأقراء المتقدمة.
وشرط وجوبها شيئان:
أحدهما - الصغر أو الكبر أو فقد الحيض أصلاً.
والثاني - الدخول، أو الخلوة الصحيحة عند غير الشافعية، في النكاح الصحيح، وكذا في النكاح الفاسد عند المالكية.
وأما عدة الأشهر الأصلية بنفسها: فهي عدة الوفاة. وسبب وجوبها الوفاة، إظهاراً للحزن بفوات نعمة الزواج، وشرط وجوبها: الزواج الصحيح فقط، فتجب هذه العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء أكانت مدخولاً بها أم غير مدخول بها، وسواء أكانت ممن تحيض أم ممن لا تحيض.
ثالثاً - عدة الحبل: هي مدة الحمل، وسبب وجوبها: الفرقة أو الوفاة، حتى لا تختلط الأنساب وتشتبه المياه، فلا يسقي رجل ماءه زرع غيره.
وشرط وجوبها: أن يكون الحمل من الزواج الصحيح أو الفاسد؛ لأن الوطء في النكاح الفاسد يوجب العدة. ولا تجب هذه العدة عند الحنفية والشافعية على الحامل بالزنا؛ لأن الزنا لا يوجب العدة، إلا أنه إذا تزوج رجل امرأة، وهي حامل من الزنا، جاز النكاح عند أبي حنيفة ومحمد، لكن لا يجوز له أن يطأها ما لم تضع، لئلا يصير ساقياً ماءه زرع غيره.
وأجاز الشافعية نكاح الحامل من زنا ووطأها، إذ لا حرمة له.
стр. 6953
مقادير عِدَد المعتدات: ١ - عدة الحامل: تجب بسبب الموت أو الطلاق، وتنتهي بوضع الحمل اتفاقاً (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] أي انقضاء أجلهن أن يضعن حملهن؛ ولأن براءة الرحم لا تحصل في الحامل - كما هو واضح - إلا بوضع الحمل. فإذا كانت المرأة حاملاً، ثم طلقت أو مات عنها زوجها انتهت عدتها بوضع الحمل، ولو بعد الوفاة بزمن قليل، بدليل أن «سبيعة بنت الحارث توفي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد نحو عشر ليال من وفاة زوجها، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: انكحي. وفي رواية: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي» (٢).
وعلى هذا تكون عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] قال ابن مسعود: «من شاء باهلته - لاعنته - أن سورة النساء القصرى نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة» (٣) وفي رواية البزار: «من شاء حالفته أن: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] نزلت بعد آية المتوفى، فإذا وضعت
стр. 6954
المتوفى عنها حملها، فقد حلت. وقرأ: ﴿والذين يتوفون منكم ويذر ون أزواجاً﴾ [البقرة:٢٣٤/ ٢]».
و انتهاء العدة بوضع الحمل له شرطان:
الأول - عند الجمهور غير الحنفية: وضع جميع حملها، أو انفصاله كله، فلا تنقضي بوضع أحد التوأمين ولا بانفصال بعض الولد. وتنقضي عند المالكية ولو وضعت علقة وهو دم متجمع، ولا بد عند الحنابلة والشافعية من أن يكون الحمل الذي تنقضي به العدة: هو ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان من الرأس واليد والرجل، أو يكون مضغة شهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية لخلقة آدمي أو أصل آدمي، لعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥].
وقال الحنفية: الحمل: اسم لجميع ما في البطن، فلو ولدت وفي بطنها آخر تنقضي العدة بالآخر، كما قرر الجمهور، لكن خالفوهم فقالوا: يكفي خروج أكثر الولد، وإذا أسقطت المرأة سِقْطاً، واستبان بعض خلقه، انقضت به العدة؛ لأنه ولد، وإلا فلا.
الثاني - أن يكون الحمل منسوباً إلى صاحب العدة، ولو احتمالاً كمنفي بلعان؛ لأنه لا ينافي إمكان كونه منه، بدليل أنه لو استلحقه به لحقه، فإن لم يمكن نسبته إلى صاحب العدة، كولد الزنا المنفي قطعاً، فلا تنقضي به العدة.
و أقل مدة الحمل بالاتفاق: ستة أشهر، وغالبها تسعة، وأكثرها عند الحنفية سنتان، وعند الشافعية والحنابلة: أربع سنين، وعند المالكية في المشهور: خمس سنين.
стр. 6955
ودليلهم على أقل مدة الحمل: المفهوم من مجموع آيتين وهما قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف:١٥/ ٤٦].
وأما غالب مدة الحمل، فلأن غالب النساء يحملن كذلك، وهذا أمر معروف بين الناس.
وأما أكثر مدة الحمل فيعتمد فيها الاستقراء وتتبع أحوال النساء؛ لأن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الموجود، وقال الشافعية والحنابلة: وقد وجد أربع سنين، روى الدارقطني عن الوليد بن مسلم، قلت لمالك بن أنس عن حديث عائشة قالت: «لا تزيد المرأة في حملها على سنتين، فقال: سبحان الله، من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدقٍ، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثني عشر سنة» وقال الشافعي: «بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين» وقال أحمد: «نساء بني عجلان تحمل أربع سنين» فلو طلقها الرجل أو مات عنها، فلم تتزوج حتى أتت بولد بعد طلاقه أو موته بأربع سنين، لحقه الولد، وانقضت عدتها به.
وأقل ما يتبين به خلق الولد: (٨١) واحد وثمانون يوماً في رأي الشافعية والحنابلة، لحديث ابن مسعود عند الشيخين: «إن أحدكم يُجمع خَلْقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علَقة مثلَ ذلك، ثم يكون مُضْغة مثلَ ذلك» فالعدة في رأي الشافعية والحنابلة: لا تنقضي بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين.
ونصت المادة (١٢٤) من القانون السوري على هذه العدة: «عدة الحامل تستمر إلى وضع حملها أو إسقاطه مستبيناً بعض الأعضاء».
стр. 6956
التحول لعدة الحمل: لو ظهر في أثناء عدة الأقراء أو الأشهر حمل للزوج، اعتدت المرأة بوضعه.
المرتابة بالحمل: إذا ارتابت المعتدة من طلاق أو وفاة بأن ترى أمارات الحمل من حركة أو نفخة ونحوهما، وشكَّت: هل هو حمل أو لا، أو ارتابت بعد انقضاء العدة بالأقراء أو الأشهر، تربصت (أي مكثت) إلى منتهى أمد الحمل عند المالكية، فلا يحل لها أن تتزوج قبله. وعليها أن تصبر عند الشافعية والحنابلة عن الزواج حتى تزول الريبة، للاحتياط، ولخبر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
ولا تحل للأزواج عند المالكية حتى يمضي أقصى أمد الحمل، وإن تزوجت بعد انقضاء العدة بزوج آخر قبل زوال الريبة. والمذهب لدى الشافعية عدم إبطال النكاح في الحال؛ لأنا حكمنا بانقضاء العدة ظاهراً، فلا نبطله بالشك، فإن علم ما يقتضي البطلان بأن ولدت لدون ستة أشهر من وقت النكاح الثاني، حكمنا ببطلانه، لتبين فساده. ولدى الحنابلة في إبطال هذا النكاح وجهان: أحدهما - كالشافعية، والثاني - يحل لها النكاح ويصح؛ لأننا حكمنا بانقضاء العدة، وحل النكاح، وسقوط النفقة والسكنى، فلا يجوز زوال ماحكم به بالشك الطارئ، ولهذا لا ينقض الحاكم ما حكم به بتغير اجتهاده ورجوع الشهود.
عدة زوجة الصغير بعد وفاته: إذا مات الصغير الذي لا يتأتى منه الإحبال، عن امرأته، وبها حبل محقق بأن تضع لدون ستة أشهر من موته، فعدتها عند أبي حنيفة ومحمد أن تضع حملها، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥] وإن حدث الحَبَل بعد الموت، فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ لأن هذه عدتها التي وجبت عليها عند الموت، فلا تتغير بعده. ولكن لايثبت نسب الولد في هاتين الحالتين؛ لأن الصبي لا ماء له، فلا يتصور منه العلوق.
стр. 6957
وقال الشافعية وأبو يوسف: عدتها بالأشهر أي أربعة أشهر وعشر، لا بوضع الحمل؛ لأن الولد منفي عنه يقيناً لعدم إنزاله. ومثله ممسوح إذ لا يلحقه على المذهب لدى الشافعية (١).
٢ - عدة المتوفى عنها زوجها: عرفنا أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، تنتهي عدتها بوضع الحمل، ولو كانت الولادة بعد الوفاة بزمن قريب أو بعيد.
فإن كانت حائلاً غير حامل، كانت عدتها بالاتفاق أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام بلياليها من تاريخ الوفاة، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة:٢٣٤/ ٢] حزناً على نعمة الزواج كما بينت، سواء أكان الزوج قد دخل بها، أم لم يدخل، وسواء أكانت صغيرة أم كبيرة، أم في سن من تحيض، لإطلاق الآية، ولم تخصص بالمدخول بها؛ لأن النص القرآني استثنى غير المدخول بها إذا كانت مطلَّقة في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب:٤٩/ ٣٣].
ونصت المادة (١٢٣) من القانون السوري على هذه العدة: «عدة المتوفى عنها زوجها أربعةأشهر وعشرة أيام».
لكن شرط وجوب العدة بالأشهر الأربعة والعشر للمتوفى عنها: النكاح الصحيح فقط، وبقاء النكاح صحيحاً إلى الموت مطلقاً، سواء وطئت أم لا، وسواء أكانت صغيرة أم كتابية تحت مسلم.
стр. 6958
فإذا كان الزواج فاسداً، فإن عدتها عند الحنفية والحنابلة ثلاث حيضات إن كانت من ذوات الحيض، وثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية؛ لأن القصد من إطالة مدة العدة وهو إظهار الأسف على نعمة الزواج، لايتحقق إلا إذا كان الزواج صحيحاً.
فإن لم تكن من ذوات الحيض وهي مطلَّقة، فإنها تعتد بثلاثة أشهر، كما سأبين.
٣ - عدة المطلَّقة: إن كانت المرأة حاملاً، فإن عدتها تكون بوضع الحمل، كما سبق بيانه.
وإن لم تكن حاملاً فعدتها بالاتفاق إن كانت من ذوات الحيض سواء من طلاق أو فسخ: ثلاثة قروء (١) (حيضات عند الحنفية والحنابلة، وأطهار عند المالكية والشافعية) لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] فإنه أوجب على المطلَّقة الانتظار مدة ثلاثة قروء.
والقروء عند الحنفية والحنابلة: ثلاث حيضات كوامل، لعدم تجزؤ الحيضة، وإذا طلق الرجل امرأته لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، ولا تحل لغيره إذا انقطع دم الحيضة الأخيرة حتى تغتسل في رأي الحنابلة.
وأما عند المالكية والشافعية فقد لا تكون القروء ثلاثة كاملة، فإذا طلقت المرأة
стр. 6959
في طهر، كانت بقية الطهر قرءاً كاملاً، ولو كانت لحظة، فتعتد به، ثم بقرءين بعده، فذلك ثلاثة قروء، فمن طلقت طاهراً انقضت عدتها ببدء الحيضة الثالثة، ومن طلقت حائضاً، انتهت عدتها بدخول الحيضة الرابعة بعد الحيضة التي طلقت فيها.
والأظهر لدى الشافعية عدم احتساب طهر من لم تحض قرءاً إذا طلقت فيه، فمن طلقت في طهر وكانت لم تحض أصلاً، ثم حاضت في أثناء عدتها بالأشهر، فلا يحتسب ذلك الطهر الذي طلقت فيه.
وإن لم تكن المرأة من ذوات الحيض لصغر أو كبر سن بأن بلغت سن اليأس، أو لكونها لا تحيض أصلاً بعد بلوغها خمس عشرة سنة، فإن عدتها تكون بثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥].
٤ - عدة من لم تحض لصغر أو كبر سن بسبب بلوغ سن اليأس، ومن لم تحض أصلاً، وبعبارة أخرى: عدة الصغيرة والآيسة، والمرأة التي لم تحض: ثلاثة أشهر (١)، للآية السابقة: ﴿واللائي يئسن من المحيض … ﴾ [الطلاق:٤/ ٦٥].
سن اليأس: أما تحديد سن اليأس: وهي السن التي إذا بلغتها المرأة لا تحيض فيها، فمختلف في تقديره بين الفقهاء (٢).
يرى الحنابلة: أن حد الإياس خمسون سنة، لقول عائشة: «لن ترى في بطنها ولداً بعد خمسين سنة».
стр. 6960
ورأي الحنفية في المفتى به: أن الإياس يكون بخمس وخمسين.
وقال الشافعية: إن أقصى سن اليأس اثنان وستون سنة.
وذهب المالكية إلى أن سن اليأس تقدر بسبعين سنة، فما تراه المرأة بعد هذه السن لا يعتبر حيضاً قطعاً.
سن الحيض: وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين؛ لأن المرجع فيه إلى الموجود، وقد وجد من تحيض لتسع.
سن البلوغ: وسن البلوغ في الغالب إذا لم تحض المرأة باتفاق المذاهب خمس عشرة سنة.
موقف القانون من النوعين الأخيرين ومن ممتدة الطهر: نص القانون السوري م (١٢١) على ما يأتي: عدة المرأة غير الحامل للطلاق أو الفسخ كما يلي:
١ - ثلاث حيضات كاملات لمن تحيض، ولا تسمع دعوى المرأة بانقضائها قبل مضي ثلاثة أشهر على الطلاق أو الفسخ.
٢ - سنة كاملة لممتدة الطهر التي لم يجئها الحيض، أو جاءها ثم انقطع ولم تبلغ سن اليأس.
٣ - ثلاثة أشهر للآيسة.
ونصت المادة (١٢٢) على العدة في الزواج الفاسد: العدة في الزواج الفاسد بعد الدخول تجري عليها أحكام المادة السابقة.
стр. 6961
٥ - عدة المرتابة (ممتدة الطهر) والمستحاضة: النساء في سن الحيض ثلاثة أصناف: معتادة، ومرتابة، ومستحاضة (١):
فأما المعتادة: فتعتد بثلاثة قروء على حسب عادتها، كما تبين في النوع الثالث.
وأما المرتابة بالحيض أو ممتدة الطهر: وهي التي ارتفع حيضها، ولم تدر سببه من حمل أو رضاع أو مرض. فحكمها عند الحنفية والشافعية: أنها تبقى أبداً حتى تحيض أو تبلغ سن من لا تحيض، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأنها لما رأت الحيض، صارت من ذوات الحيض، فلا تعتد بغيره، ولما روى البيهقي عن عثمان أنه حكم بذلك في المرضع.
وعند المالكية والحنابلة: عدتها سنة بعد انقطاع الحيض، بأن تمكث تسعة أشهر، وهي مدة الحمل غالباً، ثم تعتد بثلاثة أشهر، فيكمل لها سنة، ثم تحل، وذلك إذا انقطع الحيض عند المالكية بسبب المرض أو بسبب غير معروف. لما روي عن عمر ﵁: أنه قال في رجل طلق امرأته، فحاضت حيضة أو حيضتين، فارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه؟ تجلس تسعة أشهر، فإذا لم يستبن بها حمل، فتعتد بثلاثة أشهر فذلك سنة (٢)؛ ولأن المقصود من العدة معرفة براءة الرحم وخلوه من الحمل، وتتحقق هذه المعرفة بمضي هذه المدة، فيكتفى بها.
стр. 6962
فإن انقطع الحيض بسبب الرضاع، فإن عدتها عند المالكية تنقضي بمضي سنة بعد انتهاء زمن الرضاع وهو سنتان. فإن رأت الحيض ولو في آخر يوم من السنة انتظرت الحيضة الثالثة.
ورأي الحنابلة والمالكية هو الراجح، وأخذ به القانون السوري في المادة السابقة (١٢١) لما فيه من الرفق بالناس، وعدم تطويل العدة على المرأة. أما القانون المصري رقم (٢٥) لعام (١٩٢٩) فلم يتعرض لانتهاء عدة ممتدة الطهر ولا لبقائها، ولا لحل تزوجها برجل آخر أو عدم حله، وإنما نص على أنه: «لا تسمع الدعوى بنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق» وحدد السنة بـ (٣٦٥) يوماً.
وأما المستحاضة أو ممتدة الدم: وهي المتحيرة التي نسيت عادتها فالمفتى به عند الحنفية: أنها تنقضي عدتها بسبعة أشهر، بأن يقدر طهرها بشهرين، فتكون أطهارها ستة أشهر، وتقدر ثلاث حيضات بشهر احتياطاً. وقيل: تنقضي عدتها بثلاثة أشهر. وأما إذا استمر بها الدم، وكانت تعلم عادتها، فإنها ترد إلى عادتها.
ورأى الحنابلة والشافعية: أن عدة المستحاضة الناسية لوقت حيض والمبتدأة كالآيسة: ثلاثة أشهر؛ لأن النبي ﷺ أمر حَمْنة بنت جحش أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة، فجعل لها حيضة من كل شهر، بدليل أنها تترك فيها الصلاة ونحوها. فإن كانت لها عادة أو تمييز عملت به، كما تعمل به في الصلاة والصوم.
وذهب المالكية إلى أن المستحاضة غير المميزة بين دم الحيض والاستحاضة كالمرتابة، تمكث سنة كاملة، تقيم تسعة أشهر استبراء لزوال الريبة؛ لأنها مدة الحمل غالباً، وثلاثة أشهر عدة، وتحل للأزواج، فتكون عدة المستحاضة غير المميزة، ومن تأخر عنها الحيض، لا لعلة، أو لعلة غير رضاع: سنة كاملة. أما المميزة المستحاضة ومن تأخر حيضها لرضاع فتعتد بالأقراء.
стр. 6963
٦ - عدة المفقود زوجها: المفقود: هو الغائب الذي لم يُدْر: أحي هو فيتوقع قدومه، أم ميت أودع القبر، كالذي يفقد من بين أهله ليلاً أو نهاراً، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يفقد في مفازة أي مهلكة، أو يفقد بسبب حرب أو غرق مركبة ونحوه. وحكم عدة زوجته بحسب حكم حاله عند الفقهاء (١).
قال الحنفية: هو حي في حق نفسه، فلا يورث ماله، ولا تبين منه امرأته، فلا تعتد زوجته حتى يتحقق موته، استصحاباً لحال الحياة السابق. أما المنعي إليها زوجها أو التي أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات، أو طلقها ثلاثاً أو أتاها منه كتاب على يد ثقة بالطلاق، فلا بأس أن تعتد وتتزوج.
وقال الشافعية في الجديد الصحيح مثل الحنفية: ليس لامرأته أن تفسخ النكاح، لأنه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله، لم يجز الحكم بموته في نكاح زوجته. فلا تعتد زوجته ولا تتزوج حتى يتحقق موته أو طلاقه، عملاً بمبدأ الاستصحاب، وبقول علي ﵁: «تصبر حتى يعلم موته».
وقال المالكية والحنابلة: تنتظر امرأة المفقود أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرة أيام، لما روي عن عمررضي الله عنه: «أن رجلاً غاب عن امرأته، وفقد، فجاءت امرأته إلى عمر، فذكرت ذلك له، فقال: تربصي أربع سنين ففعلت، ثم أتته، فقال: تربصي أربعة أشهر وعشراً، ففعلت، ثم أتته فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فجاؤوا به فقال: طلقها، ففعل، فقال عمر: تزوجي من شئت» (٢).
стр. 6964
المبحث الثالث - تحول العدة أو انتقالها وتغيرها:
قد يطرأ على المعتدة بالأشهر أو بالأقراء ما يوجب تغير نوع العدة، فيجب عليها الاعتداد بمقتضى الأمر الطارئ، وهذه هي الحالات التي تقتضي تحول العدة (١):
أولاً - تحول العدة من الأشهر إلى الأقراء: إذا طلقت الصغيرة أو من بلغت سن اليأس، فشرعت في العدة بالشهور، ثم حاضت قبل انتهاء العدة، لزمها الانتقال إلى الأقراء، وبطل ما مضى من عدتها، ولا تنتهي عدتها إلا بثلاث حيضات كوامل عند الحنفية والحنابلة، وبثلاثة أطهار عند المالكية والشافعية؛ لأن الشهور بدل عن الأقراء، فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها، كالقدرة على الوضوء في حق المتيمم ونحوها. والآيسة لما رأت الدم تبين أنها أخطأت الظن.
فإن انقضت عدتها بالشهور، ثم حاضت، لم يلزمها استئناف العدة بالأقراء؛ لأن هذا معنى حدث بعد انقضاء العدة، وقد حصل المقصود بالبدل، فلا يبطل حكمه بالقدرة على الأصل، كمن صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء بعد انتهاء وقت الصلاة، فلا يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة.
ثانياً - تحول العدة من الأقراء إلى الأشهر أو وضع الحمل: إذا شرعت المطلقة في العدة بالأقراء، ثم ظهر بها حمل من الزوج، بناء على رأي المالكية والشافعية بأن الحامل قد ترى الدم، سقط حكم الأقراء، وتعتد بوضع
стр. 6965
الحمل؛ لأن الأقراء دليل على براءة الرحم في الظاهر، والحمل دليل على شغل الرحم قطعاً، فيسقط الظاهر بالقطع.
وإذا طلقت المرأة التي كانت تحيض، فحاضت مرة أو مرتين، ثم أيست، انتقلت عدتها من الحيض إلى الأشهر، ولا تعتد بالأشهر عند الحنفية إلا بعد بلوغها سن اليأس (وهو ٥٥ سنة)، فإذا بلغت سن اليأس، استأنفت العدة بالأشهر الثلاثة التي هي عدة الآيسة.
وقال المالكية والحنابلة: تعتد سنة، تسعة أشهر منها من وقت الطلاق تنتظر فيها لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، ثم تعتد بعد ذلك عدة الآيسات: ثلاثة أشهر، عملاً بقول عمر ﵁. وهذا هو المعقول، دفعاً للحرج والمشقة.
وقال الشافعية في الجديد كالحنفية: تكون في عدة أبداً حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس، فتعتد حينئذ بثلاثة أشهر؛ لأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد الإياس، فلم يجز قبله، وهذه ليست آيسة، ولأنها ترجو عود الدم، فلم تعتد بالشهور، كما لو تباعد حيضها لعارض.
ثالثاً - الانتقال إلى عدة وفاة:
إذا مات الرجل في أثناء عدة زوجته التي طلقها طلاقاً رجعياً، انتقلت بالإجماع من عدتها بالأقراء أو الأشهر إلى عدة وفاة: وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء أكان الطلاق في حال الصحة أم في حال مرض الموت؛ لأن المطلقة رجعياً تعد زوجة ما دامت في العدة، وموت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة، فتلغو أحكام الرجعة، وسقطت بقية عدة الطلاق، فتسقط نفقتها، وتثبت أحكام عدة الوفاة من إحداد وغيره.
стр. 6966
ونصت المادة (١٢٧/ ١) من القانون السوري على هذا: «إذا توفي الزوج، وكانت المرأة في عدة الطلاق الرجعي، تنتقل إلى عدة الوفاة، ولا يحسب ما مضى».
أما إن مات الرجل في أثناء عدة زوجته من طلاق بائن، فلا تنتقل إلى عدة الوفاة، بل تتم عدة الطلاق البائن؛ لأنها ليست بزوجة، فتكمل عدة الطلاق، ولا حداد عليها، ولها النفقة إن كانت حاملاً.
رابعاً - العدة بأبعد الأجلين - عدة طلاق الفارّ:
للفقهاء مذهبان:
مذهب أبي حنيفة ومحمد وأحمد: إن كان الطلاق فراراً من إرث الزوجة بأن طلق في مرض الموت بقصد حرمانها من الميراث، ثم مات وهي في العدة، فإنها تنتقل من عدة الطلاق، إلى العدة بأبعد الأجلين من عدة الوفاة وعدة الطلاق احتياطاً، بأن تتربص أربعة أشهر وعشراً من وقت الموت، فإن لم تر فيها حيضاً تعتد بعدها بثلاث حيضات في رأي الحنفية والحنابلة. وإن امتد طهرها تبقى عدتها حتى تبلغ سن اليأس؛ لأن المرأة لما ورثت من زوجها، اعتبر الزواج قائماً حكماً وقت الوفاة، فتجب عليها عدة الوفاة، وبما أن الطلاق بائن فلا تعد زوجيتها قائمة، ولا تجب عليها عدة الوفاة، وإنما عدة الطلاق، فمراعاة لهذين الاعتبارين تتداخل العدتان، وتعتد بهما معاً.
وأخذ القانون السوري (م ١٢٧/ ٢) بهذا الرأي: «إذا توفي وهي في عدة البينونة، تعتد بأبعد الأجلين من عدة الوفاة أو البينونة» لكن كان ينبغي تقييد لفظ البينونة بكونها في حالة طلاق الفرار. أما في غير تلك الحالة فلا تنتقل العدة؛ لأن الزوجية غير قائمة بعد طلاق بائن.
стр. 6967
ومذهب مالك والشافعي وأبي يوسف: أن زوجة الفارّ لا تعتد بأطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وإنما تكمل عدة الطلاق؛ لأن زوجها مات وليست زوجة له؛ لأنها بائن من النكاح، فلا تكون منكوحة. واعتبار الزواج قائماً وقت الوفاة في رأي مالك إنما هو في حق الإرث فقط، لا في حق العدة؛ لأن ما ثبت على خلاف الأصل لا يتوسع فيه. وهذا عندي هو الراجح.
ويتصور اعتداد المرأة بأبعد الأجلين لدى الشافعية فيما لو طلق الرجل إحدى امرأتيه طلاقاً بائناً، ومات قبل بيان أو تعيين المطلَّقة، فإن كل واحدة تعتد بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها؛ لأن كل واحدة وجب عليها عدة بالطلاق، واشتبهت عليها بعدة أخرى بالوفاة، فوجب أن تأتي بأبعد الأجلين لتخرج عما عليها بيقين، كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين، يلزمه أن يأتي بهما.
وتعتد المرأة بأقصى الأجلين عند المالكية كما بان في حالة الانتقال إلى عدة وفاة، كأن يموت زوج الرجعية في عدتها.
المبحث الرابع - وقت ابتداء العدة وما يعرف به انقضاؤها:
ابتداء العدة: فصَّل الحنفية مبدأ العدة على النحو التالي (١):
١ - إن كان الزواج صحيحاً: فمبدأ العدة بعد الطلاق أو الفسخ أو الموت، فابتداء العدة في الطلاق ونحوه عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة بالاتفاق بين الفقهاء، وتنقضي العدة وإن جهلت المرأة بالطلاق أو الوفاة؛ لأنها أجل، فلا
стр. 6968
يشترط العلم بمضي الأجل، سواء اعترف الرجل بالطلاق أو أنكر، فلو طلق الرجل امرأته ثم أنكره، وأقيمت عليه بيِّنة وقضى القاضي بالفرقة، كأن ادعته عليه في شوال، وقضى به القاضي في المحرَّم، فالعدة من وقت الطلاق، لا من وقت القضاء.
وتنقضي العدة، وإن لم تعلم المرأة بالطلاق أو الوفاة، فلو طلق الرجل امرأته الحامل أو مات عنها، ولم يبلغها الخبر حتى وضعت، انقضت عدتها بالاتفاق.
٢ - وإن كان الزواج فاسداً: فمبدأ العدة بعد أو عقيب التفريق من القاضي بين الزوجين، أو بعد المتاركة وإظهار عزم الواطئ على ترك وطئها، بأن يقول بلسانه: تركت وطأها، أو تركتها، أو خليت سبيلها، ونحوه، ومنه الطلاق وإنكار الزواج إذا كان بحضرتها، وإلا فلا يعد الإنكار متاركة.
ونص القانون السوري (م ١٢٥) على ابتداء العدة في الزواج الصحيح والفاسد: «تبدأ العدة من تاريخ الطلاق أو الوفاة أو الفسخ، أو التفريق القضائي أو المفارقة في النكاح الفاسد».
٣ - وإن كان الوطء بشبهة: فقال ابن عابدين (١): لم أر من صرح بمبدأ العدة في الوطء بشبهة بلا عقد، وينبغي أن يكون من آخر الوطآت عند زوال الشبهة، بأن علم أنها غير زوجته، وأنها لا تحل؛ إذ لا عقد هنا، فلم يبق سبب للعدة سوى الوطء المذكور.
وهذا الرأي حق، فإن بدء العدة ببدء السبب الذي أدى إليها، والوقاع في حالة الوطء بشبهة هو سبب هذه العدة، فتبتدئ منه.
стр. 6969
تداخل العدتين: إذا تجدد سبب العدة في أثناء عدة سابقة، فهل تتداخل العدتان أم تكمل العدة السابقة، وتستأنف بعدئذ عدة أخرى؟
يرى الحنفية (١): أنه إذا وجبت عدتان تداخلتا، سواء أكانتا من جنس واحد، أم من جنسين، ومن رجل واحد أم من رجلين، مثال الجنس الواحد ومن رجل واحد: إذا تزوجت المطلقة في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تتاركا، حتى وجبت عليها عدة أخرى، فإن العدتين تتداخلان. ومثال الجنسين ومن رجلين: المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة، فعليها عدة أخرى، وتتداخل العدتان.
وذلك لأن العدة عندهم هي أجل حدد لانقضاء ما بقي من آثار الزواج، بخلاف الجمهور الذي يجعلون العدة هي فعل التربص.
ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف أنه إذا طلق الرجل زوجته التي دخل بها طلاقاً بائناً بينونة صغرى، ثم تزوجها قبل انقضاء عدتها، وطلقها قبل أن يدخل بها، وجب عليها أن تبدأ عدة جديدة، ولا تبني على ما سبق من العدة الأولى؛ لأنها بالعقد عادت إلى حالها الأول، وهي كانت مدخولاً بها، فإذا طلقها كان طلاقاً بعد الدخول حكماً، فيجب عليها عدة مستقلة، ولها مهر كامل. ولم يوجب مالك ومحمد عليها عدة جديدة، بل تكمل عدتها الأولى، ويجب لها نصف المهر المسمى.
وقال الجمهور (٢): إذا كانت العدتان لشخص واحد ومن جنس واحد، تداخلتا، كأن طلق رجل زوجته، ثم يطؤها في عدة أقراء أو أشهر، جاهلاً كون
стр. 6970
الطلاق بائناً، أو عالماً أنها رجعية، تداخلت العدتان، فتبتدئ عدة بأقراء أو أشهر من فراغ الوطء، ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأن مقصود عدة الطلاق والوطء واحد، فلا معنى للتعدد، وتكون تلك البقية واقعة عن الجهتين.
وكذلك تتداخل العدتان إن لم تتفقا وكانتا من جنسين، بأن كانت إحداهما حَمْلاً، والأخرى أقراء، بأن طلقها وهي حامل، ثم وطئها قبل وضع الحمل، أو طلقها وهي غير حامل ثم وطئها في أثناء الأقراء، فأحبلها، فتنقضي العدتان بوضع الحمل على الجهتين، سواء رأت الدم مع الحمل أو لا. وللزوج في عدة طلاق رجعي أن يراجع قبل وضع الحمل.
أما إن كانت العدتان من شخصين: بأن كانت في عدة زوج أو في عدة وطء شبهة، ثم وطئت بشبهة أو نكاح فاسد، والواطئ غير صاحب العدة الأولى، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة، فطلقت بعد وطء الشبهة، فلا تداخل، عملاً بأثر عن عمر وعلي رواه الشافعي ﵃ أجمعين. فإن وجد حمل اعتدت بوضعه أولاً، وإن لم يكن حمل، أتمت عدة الطلاق ولو كان الوطء بشبهة سابقاً للطلاق، لقوة عدة الطلاق بسبب استنادها إلى عقد جائز وسبب مسوغ، ثم تستأنف العدة الأخرى.
ولو تزوجت المطلَّقة في عدتها من الطلاق، فدخل بها الثاني، ثم فرق بينهما لبطلان الزواج، اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الثاني.
أما عند الحنفية فتعتد من الثاني بعد مفارقته، وتكون عدة الأقراء من الثاني عن بقية عدة الأول وعدة الثاني؛ لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعاً.
وإن كانت حاملاً فوضع الحمل يجزي عن العدتين اتفاقاً كما تقدم.