ولِبْد وطنفسة (بساط صوف) وما تنتظف به وتزيل الوسخ كمشط وأشنان وصابون وسِدْر ودهن وخِطْمي على عادة أهل البلد، ويجب عليه مداس رجلها وما تغسل به ثيابها وبدنها، وينقل لها ماء الغسل من الجنابة، ويجب لها ماء الوضوء. وأما أجرة القابلة فعلى من استأجرها من زوجة وزوج، فإن جاءت القابلة بلا استئجار، قيل: تجب عليه، لأنه مؤنة الجماع، وقيل: تجب عليها كأجرة الطبيب. وأما الطيب فيجب عليه ما يوضع بعد الحيض والرائحة الكريهة، أما الخضاب والكحل فلا يلزمه، بل هو على اختياره، ولا تجب لها الفاكهة والقهوة والدخان.
وقال المالكية: تجب على الزوج آلة التنظيف على حسب الحال والمنصب وعوائد البلاد، فيفرض لها ماء الشرب والغسل وغسل الثوب والإناء واليد والوضوء، وزيت الأكل والادِّهان، والوقود من حطب أو غيره على حسب العادة، وما يصلح الطعام من ملح وبصل وغيرهما، واللحم في كل أسبوع مرة من غير الفقير، لا كل يوم، أما الفقير فعلى حسب قدرته.
وتجب عليه أجرة القابلة؛ لأنها من متعلَّقات الولد، والغطاء والوطاء في الشتاء والصيف بما يناسبهما بحسب العرف والعادة، وحصير الفرش، وليس لها بيع جهازها إلا بعد مضي أربع سنين، ولا يلزم الزوج ببدل الجهاز إذا بلي إلا الغطاء والفراش، فإنه يلزم به؛ لأنه ضروري.
وتجب عليه أيضاً أدوات الزينة التي تتضرر المرأة بتركها ككحل ودُهْن من زيت أوغيره كحناء إذا كانا معتادين، لا غير معتادين، ولا يجب عليه مالا تتضرر المرأة بتركه، كما لا يجب لها المُشْط والمُكْحلة وباقي أثاث البيت، لأنها ملزمة بأثاث المنزل وحاجاته بعد قبض صداقها.
стр. 7142
والمقرر لدى الشافعية: أنه يجب آلة تنظيف كمُشْط ودُهْن وما تكنس به الدار، وما تغسل به الرأس والبدن، وأجرة حمام بحسب العادة، وثمن ماء غسل جماع ونفاس، لا حيض واحتلام في الأصح، ولها آلات الأكل والشرب والطبخ، وعلى الزوج الطحن والعجن والخبز في الأصح، ولها مفروشات النوم من فراش ومخدة ولحاف، وما تقعد عليه من لبْد وحصير ونحوهما. ولا يجب لها الكحل والخضاب وما تزين به إلا إذا طلبه الزوج. وأما الطيب فيلزمه إن كان لقطع السهوكة (الرائحة الكريهة).
وقرر الحنابلة: أنه يجب للمرأة ما تحتاج إليه من المشط ودهن الرأس والسدر وصابون ونحوهما مما تغسل به رأسها وتنظف بدنها وبيتها، وثمن ماء شرب ووضوء وغسل من حيض أو نفاس وجنابة ونجاسة وغسل ثياب. ويجب عليه الخضاب والحناء إن طلبه منها للزينة، ولا يجب عليه إن لم يطلبه؛ لأنه يراد للزينة، وعليه الطيب لقطع أثر الحيض والعرق والرائحة الكريهة، ولا يلزمه ما يراد للتلذذ والاستمتاع أو التجمل والزينة.
ويجب كل ما تحتاجه للنوم من فراش ولحاف ومِخدَّة مع حشوها بالقطن بحسب عرف البلد، وما تحتاجه للجلوس من بساط صوف وهو الطنفسه، وما لا بد منه للطبخ كماعون الدار ونحوه، الموسر على حسب إيساره والمعسر على قدر إعساره على حسب العوائد.
الحكم القضائي بالنفقة وتعديلها:
تجب نفقة الزوجة ديانة مهما امتد الزمن، لكن منع القانون السوري الحكم بالنفقة أكثر من أربعة أشهر سابقة للادعاء تيسيراً على الزوج ومنع إرهاقه، وقد نص هذا القانون على ذلك في المادة (٧٨):
стр. 7143
١ - يحكم للزوجة بالنفقة من تاريخ امتناع الزوج عن الإنفاق الواجب عليه.
٢ - لا يحكم بأكثر من نفقة أربعة أشهر سابقة للادعاء.
والمقرر لدى الحنفية (١) أنه لا تستحق الزوجة النفقة عن مدة ماضية إلا بفرض القاضي أو بالتراضي؛ لأن النفقة عندهم صلة وليست بعوض، فلا يتأكد وجوبها إلا بالقضاء، كالهبة لا توجب الملك إلا بمؤكد وهو القبض، والصلح بمنزلة القضاء.
ويجوز تعديل النفقة المقدرة قضاء في حالتين (٢):
الأولى - تبدل حال الزوج من عسر إلى يسر؛ لأن النفقة تختلف بحسب اليسار والإعسار.
والثانية - تبدل أسعار الحاجيات تبدلاً ملحوظاً، من رخص إلى غلاء وبالعكس، في أحوال الظروف الطارئة كالحرب والقحط والكوارث العامة. فإذا لم تحدث طوارئ عامة لا تقبل دعوى التعديل زيادة أو نقصاً قبل مضي ستة أشهر على فرض النفقة، اعتماداً على الغالب في أن الأسعار لا يظهر أثر تبدلها في أقل من تلك المدة.
وهذا ما نصت عليه المادة (٧٧) من القانون السوري:
١ - تجوز زيادة النفقة ونقصها بتبدل حال الزوج وأسعار البلد.
لا تقبل دعوى الزيادة أو النقص في النفقة المفروضة قبل مضي ستة أشهر على فرضها إلا في الطوارئ الاستثنائية.
стр. 7144
كيف يقدر القاضي النفقة؟ يقدر القاضي النفقة بالاستناد لمعرفة حاجات الزوجة وتكاليف المعيشة وأسعار السلع، مستعيناً بآراء أهل الخبرة فيها. وهذا ما نصت عليه المادة (٨١) من القانون السوري.
يقدر القاضي النفقة، ويجب أن يكون تقديره مستنداً إلى أسباب ثابتة، وله الاستئناس برأي الخبراء.
الاستدانة أثناء الدعوى: للقاضي أثناء النظر في دعوى النفقة أن يأمر الزوج بإسلاف زوجته مبلغاً من المال، لا يزيد عن نفقة شهر واحد، ويمكن تجديد الأمر، وقد نصت على هذا الأمر المادة (٨٢) من القانون السوري:
١ - للقاضي أثناء النظر بدعوى النفقة، وبعد تقديرها: أن يأمر الزوج عند اللزوم بإسلاف زوجته مبلغاً على حساب النفقة لا يزيد عن نفقة شهر واحد، ويمكن تجديد الإسلاف بعده.
٢ - ينفذ هذا الأمر فوراً كالأحكام القطعية.
المطلب الرابع - أحكام النفقة الزوجية:
هناك أحكام متنوعة لنفقة الزوجة أهمها ما يأتي:
أولاً - حكم الامتناع عن الإنفاق: إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته بعدما فرضه على نفسه أو بعد فرض القاضي، ففيه تفصيل عند الحنفية:
أـ إن كان الزوج موسراً وله مال ظاهر، باع القاضي من ماله جبراً عليه، وأعطى الثمن لزوجته للنفقة. وإن لم يكن له مال ظاهر وكان موسراً، حبسه
стр. 7145
القاضي إذا طلبت الزوجة (١)، لقول النبي ﷺ : «مَطْل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته» ويظل محبوساً حتى يدفع النفقة، فإن لم يدفع وثبت للقاضي عجزه عن الإنفاق، ترك إلى الميسرة، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢].
ب - وأما إن كان الزوج معسراً: فلا يحبس؛ إذ أنه ليس ظالماً بامتناعه عن الإنفاق، ولأنه لا فائدة من حبسه.
ثانياً - إعسار الزوج بالنفقة: للفقهاء آراء في إعسار الزوج، وهي ما يأتي (٢):
قال الجمهور غير المالكية: لا تسقط النفقة المفروضة على الزوج بإعساره، بل تصبح ديناً عليه إلى وقت اليسار، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢].
وحينئذ يأذن القاضي في رأي الحنفية للزوجة بالاستدانة، وإن أبى الزوج، وفائدة الإذن بالاستدانة: أن يتمكن الدائن من أخذ دينه من الزوج أو الزوجة، وأن النفقة المستدانة لا تسقط بموت أحد الزوجين. ويجب إقراض الزوجة على من تجب عليه نفقتها، فإن امتنع فللقاضي أن يحكم بحبسه بعد إنذاره.
ولا يفرق عند الحنفية بين الزوجين بسبب الإعسار؛ لأن النفقة تصير ديناً بفرض القاضي، فيستوفى في المستقبل، ويتحمل أدنى الضررين لدفع الأعلى.
стр. 7146
أما عند الشافعية والحنابلة: فللزوجة أن تفسخ أذا أعسر الزوج بنفقة المعسر كلها أو بعضها، ولا تفسخ إذا أعسر بما زاد عن نفقة المعسر؛ لأن الزيادة تسقط بإعساره. ودليلهم على جواز الفسخ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟ قال: «يفرق بينهما» (١) وحديث أبي هريرة أيضاً عند النسائي الذي ورد فيه: «وابدأ بمن تعول، فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: امرأتك تقول: أطعمني، وإلا فارقني» ولأنه عجز عن الإمساك بالمعروف، فينوب القاضي منابة في التفريق كما في الجب والعنة، بل أولى؛ لأن الحاجة إلى النفقة أولى، فإنه إذا ثبت للزوجة الفسخ بالعجز عن الوطء - والضرر فيه أقل - فلأن يثبت بالعجز عن النفقة - والضرر فيه أكثر - أولى.
وقال المالكية: تسقط النفقة عن الزوج بالإعسار مدة إعساره، أي لا تلزمه، ولا تكون ديناً عليه، فلا ترجع عليه الزوجة إذا أيسر، لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق:٧/ ٦٥] والمعسر عاجز عن الإنفاق، وتكون متبرعة فيما تنفقه على نفسها في زمن الإعسار. فإن أيسر وجبت عليه النفقة.
أما الحكم القانوني: ففي مصر نصت المادة (٢١٣ إجراءات شرعية) على أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن النفقة المحكوم بها، حكمت المحكمة بحبسه، ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس على عشرين يوماً، ويخلى سبيله إذا أدى ما عليه أو أحضر كفيلاً مقتدراً. ونصت المادة (٨٠) من القانون السوري على ما يلي:
١ - إذا حكم للزوجة بنفقة على الزوج، وتعذر تحصيلها منه، يلزم من يكلف
стр. 7147
بنفقتها فيما لو فرضت غير ذات زوج، أن ينفق عليها بالقدر المفروض، ويكون له حق الرجوع على الزوج.
٢ - إذا أذن لها بالاستدانة ممن ليس مكلفاً بنفقتها، فله الخيار بين الرجوع على الزوج أو الرجوع عليها، وهي ترجع على زوجها.
ومعنى هذه المادة التفريق بين حالتين: الأولى - إذا كان المأمور بالإنفاق على المرأة هو قريبها من أب أو جد أو أخ، فله إذا دفع النفقة أن يرجع على الزوج عند اليسار. والثانية - إذا كان المستدان منه النفقة هو غير المكلف بالإنفاق على المرأة، فله الخيار بين الرجوع على الزوج أو الزوجة.
ثالثاً - نفقة زوجة الغائب: الغائب: هو من تعذر إحضاره إلى المحكمة لسؤاله عن دعوى النفقة، سواء أكان بعيداً أم قريباً. وقد اختلف الفقهاء في كيفية إيجاب النفقة عليه (١).
فذهب الجمهور إلى وجوب النفقة عليه عن الماضي ولو لم يفرضها حاكم، وتكون ديناً في ذمته. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا بإيجاب الحاكم.
ودليل الجمهور أن عمر ﵁ كتب في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن ينفقوا، أو يطلّقوا. وهذا إجبار على الطلاق عند الامتناع عن الإنفاق، ولأن الإنفاق عليها من ماله يتعذر، فكان لها الخيار كحال الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ، فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور، فعلى غيره أولى، ولأن في الصبر ضرراً أمكن إزالته بالفسخ، فوجب إزالته.
стр. 7148
واستدل أبو حنيفة بأن نفقة الزوجة تجب يوماً فيوماً، فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب، ولأن نفقة الماضي قد استغني عنها بمضي وقتها، فتسقط كنفقة الأقارب.
ورأى الحنفية: أنه لا يقضى بنفقة في مال شخص غائب إلا لزوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه. أما غيرهم من المحارم كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات، فلا يقضى بنفقتهم فيه.
فإذا غاب الزوج، وطلبت زوجته من القاضي فرض نفقة لها: فإن كان له مال ظاهر يمكن أخذ النفقة منه، قضى لها القاضي بالنفقة من ماله، بعد أن يحلفها بالله: أن زوجها ما أعطاها النفقة، رعاية لمصلحة الغائب، ويأخذ في رأي الحنفية والشافعية كفيلاً منها بالنفقة رعاية لمصلحة الغائب؛ لأنه ربما استوفت النفقة أو طلقها الزوج وانقضت عدتها.
وكذلك يحلفها في رأي المالكية بأنها تستحق النفقة على زوجها الغائب وأنه لم يترك لها مالاً تنفق منه، ولا وكل وكيلاً لها ينفق عليها. وتسمى هذه اليمين يمين الاستيثاق.
وإن لم يكن للزوج مال ظاهر: فليس للقاضي في رأي الحنفية تطليق الزوجة بإعساره؛ لأن إعساره لا يسوغ التطليق سواء أكان الزوج حاضراً أم غائباً.
ورأى الجمهور غير الحنفية: أن للقاضي تطليق الزوجة بإعسار الزوج مطلقاً حاضراً أم غائباً، إلا أن المالكية قالوا: إن كان الزوج قريب الغيبة فيرسل له: إما أن يأتي أو يرسل النفقة، أو يطلّق عليه، وإن كان بعيد الغيبة كعشرة أيام، فللقاضي التطليق إن لم يترك لها شيئاً ولا وكل وكيلاً بالنفقة ولا أسقطت عنه النفقة حال غيبته، وتحلف على ما ذكر.
стр. 7149
واتفق الفقهاء (١) على أنه إذا أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب، ثم بان أنه قد مات قبل إنفاقها، حسب ما عليها ما أنفقته من ميراثها سواء أنفقته بنفسها أو بأمر الحاكم.
رابعاً - متى تعتبر النفقة ديناً على الزوج؟ عرفنا أن النفقة الزوجية تجب باتفاق الفقهاء من حين العقد مع تمكين الزوجة من نفسها، واشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول دعوة المرأة أو وليها المجبر الزوج إلى الدخول.
ولكنهم اختلفوا في وقت اعتبار النفقة ديناً في ذمة الزوج وفي مدى قوة هذا الدين على رأيين (٢):
١ - قال الحنفية: لا تصير النفقة ديناً في ذمة الزوج إلا بالقضاء أو التراضي، فما لم يحكم بها القاضي، أو لم يتراض الزوجان عليها، لا تكون ديناً، فلو أنفقت المرأة على نفسها من مالها بعد العقد، أو بطريق الاستدانة، لا تكون ديناً على الزوج، بل تسقط بمضي المدة، إلا لأقل من شهر فلا تسقط.
وإذا تم القضاء بها أو التراضي عليها، لا يصبح المتجمد منها ديناً قوياً بحيث لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء، وإنما يكون ديناً ضعيفاً يسقط بما يسقط به الدين القوي بالأداء أو الإبراء، ويسقط أيضاً بنشوز الزوجة، وبموت أحد الزوجين. ولا تصير ديناً قوياً إلا إذا أذن الزوج أو القاضي للزوجة بالاستدانة واستدانتها بالفعل.
стр. 7150
وحجتهم أن النفقة الزوجية هي صلة (أي عطاء من غير عوض) من وجه، وعوض من وجه آخر، أما كونها صلة فلأن منافع الاحتباس تعود على الزوجين جميعاً لا على الزوج وحده، وأما كونها عوضاً فلأنها جزاء احتباس الزوجة لحق زوجها، فنظراً لشبهها بالصلة تسقط بمضي المدة من غير قضاء ولا تراض من الزوجين كنفقة الأقارب، ولشبهها بالعوض تصير ديناً بالقضاء بها أو التراضي عليها.
٢ - وقال الجمهور: إنها تصير ديناً قوياً بمجرد وجوبها وامتناع الزوج عن أدائها إلى الزوجة، فلا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون، ولا يسقط بمضي المدة بدون إنفاق، ولا يسقط المتجمد منها في الماضي بنشوز الزوجة ولا بالطلاق ولا بالموت.
وحجتهم أن النفقة عوض، وليست صلة أي عطاء من غير عوض، وقد أوجبها الشارع بمقتضى العقد في مقابل احتباس الزوجة لشؤون الزوجية. وإذا كانت عوضاً محضاً فهي دين كسائر الديون، تجب من وقت استحقاقها ككل عوض أو أجرة.
وقد أخذ القانون السوري برأي الحنفية، فنصت المادة (٧٩) على ما يلي: النفقة المفروضة قضاء أو رضاء لا تسقط إلا بالأداء أو بالإبراء. والراجح لدي رأي الجمهور، وقد أخذت به المحاكم الشرعية في مصر من سنة (١٩٢٠).
خامساً - نفقة المعتدة: تقدم بيان الحكم في حقوق الزوجة، وخلاصته ما يأتي:
стр. 7151
تجب بالاتفاق نفقة الرجعية؛ لأنها في حكم الزوجة، ونفقة الحامل، لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥].
ولا تجب بالاتفاق نفقة المعتدة من وفاة أو من زواج فاسد أو شبهة، إلا أن المالكية أوجبوا لمعتدة الوفاة السكنى مدةالعدة إذا كان المسكن مملوكاً للزوج، أو مستأجراً ودفع أجرته قبل الوفاة.
واختلفوا في المعتدة من طلاق بائن: فأوجب الحنفية (١) لها النفقة بأنواعها الثلاثة لاحتباسها لحق الزوج. ولم يوجب لها الحنابلة (٢) أي نفقة؛ لأن رسول الله ﷺ لم يجعل لفاطمة بنت قيس التي طلقت البتة نفقة ولا سكنى. وتوسط المالكية والشافعية (٣) فأوجبوا لها السكنى فقط، لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥].
نفقة الحمل: أوجب المالكية (٤) نفقة الحمل على أبيه، بشرط حرية الحمل وحرية أبيه ولحوق الحمل بأبيه، فلا نفقة لحمل رقيق ولا لمن أبوه عبد، ولا نفقة لحمل ملاعَنة محبوسة بسببه.
وهناك رأيان عند الشافعية والحنابلة في سبب نفقة الحامل (٥):
стр. 7152
أحدهما: أنها تجب للحمل؛ لأنها تجب بوجوده، وتسقط عند انفصاله، فدل على أنها له.
والثاني - تجب للحامل من أجل الحمل، لأنها تجب مع اليسار والإعسار، فكانت له، كنفقة الزوجات، ولأنها في رأي غير الحنفية لا تسقط بمضي الزمان، فأشبهت نفقة الأم في حال حياة الحمل.
حكم القانون السوري بنفقة العدة:
نصت المادتان (٨٣، ٨٤) على نفقة العدة.
(م ٨٣) - تجب على الرجل نفقة معتدته من طلاق أو تفريق أو فسخ.
(م ٨٤) - نفقة العدة كنفقة الزوجية، ويحكم بها من تاريخ وجوب العدة، ولا يقضى بها عن مدة أكثر من تسعة أشهر.
فالمادة الأولى تقرر وجوب نفقة المعتدة أياً كان سبب الفراق.
والمادة الثانية تقرر بداية الواجب وهو من تاريخ وجوب العدة، ولا يقضى بها عن مدة أكثر من تسعة أشهر، دفعاً لإرهاق الزوج، مع العلم بأن عدة ممتدة الطهر سنة كاملة، كما جاء في الفقرة (٢) من المادة (١٢١)، فكان ينبغي جعل أقصى المدة سنة، لا تسعة أشهر.
سادساً - تعجيل النفقة: إذا عجل الزوج نفقة زوجته، ثم طرأ ما يوجب سقوط النفقة كنشوز الزوجة أو موت أحد الزوجين، فليس للزوج أو لورثته في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (١)
стр. 7153
أن يسترد شيئاً منها؛ لأن النفقة صلة أو هبة، والزوجية من موانع الرجوع في الهبة.
وقال محمد وباقي الأئمة: للزوج أن يسترد نفقة المدة الباقية، فإن كانت قائمة أخذها، وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها إن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت قيمية؛ لأن النفقة عوض وجزاء احتباس الزوجة في المدة، فإن فات الاحتباس في بعض المدة فلا تستحق في مقابلها شيئاً من النفقة، فيلزمها أن ترد ما يقابل نفقة تلك المدة. وهذا هو الراجح لدي؛ لأن الراجح أن النفقة عوض وليست صلة أو هبة.
سابعاً - الإبراء من النفقة: الإبراء إما أن يكون عن نفقة ماضية أو مستقبلة (١).
أـ فإن كان عن نفقة ماضية: صح إبراء الزوجة عند الحنفية إن كانت النفقة مفروضة بقضاء القاضي أو بتراضي الزوجين؛ لأنها صارت ديناً ثابتاً في ذمة الزوج، والإبراء يكون مما هو ثابت في الذمة. ولا يصح الإبراء عن نفقة مفروضة بقضاء أو تراض؛ لأنها لم تثبت ديناً في الذمة، ولا يكون الإبراء إلا عما هو ثابت في الذمة.
وقال الجمهور: يصح الإبراء عنها؛ لأنها تصير ديناً في ذمة الزوج بمجرد الامتناع عن الإنفاق، سواء أكانت مقررة بالقضاء أم بالتراضي أم غير مقررة.
ب - وأما الإبراء عن نفقة مستقبلة: فلا يصح اتفاقاً؛ لأن النفقة لم تجب بعد، فلا تقبل الإبراء.
стр. 7154
لكن أجاز الحنفية الإبراء عن نفقة مستقبلة في حالتين:
الأولى - الإبراء عن مدة بدأت بالفعل: كنفقة شهر بدأ، وسنة دخلت، لا عن أكثر من سنة، ولا عن سنة لم تدخل، لتحقق وجوبها، إذ يجب تنجيزها أول المدة.
الثانية - الإبراء من نفقةالعدة في مقابل الخلع أو الطلاق: لأن الإبراء عن النفقة في نظير عوض وهو ملك الزوجة نفسها. ولا يصح الإبراء في غير الخلع والطلاق؛ لأنه إسقاط للشيء قبل وجوبه.
ثامناً - المقاصة بدين النفقة: إذا كان للزوج دين على زوجته لثمن مبيع أو قرض، فهل يسقط بالمقاصة مع دين النفقة؟.
يرى الحنفية أنه إذا كان دين النفقة قوياً (وهو الذي فرضه القاضي أو تقرر بالتراضي) جاز لأحد الزوجين أن يطلب المقاصة، وليس للآخر الامتناع من المقاصة لتساوي الدينين في القوة. وأما إذا لم يكن دين النفقة مستداناً بأمر القاضي أو برضا الزوج، فيكون ديناً ضعيفاً، وتصح المقاصة به إذا طلبها الزوج؛ لأن دينه أقوى من دين الزوجة. وليس للزوجة الامتناع من المقاصة. ولا تمكن المقاصة بطلب الزوجة حينئذ إلا إذا رضي الزوج بها؛ لأن دينها أضعف من دينه (١).
ويرى الجمهور: أن دين النفقة دين صحيح لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء، سواء فرضه القاضي أو استدين بالتراضي أم لا، فتصح المقاصة به مطلقاً، لتساوي
стр. 7155
الدينين في القوة. ولكن قرر المالكية والحنابلة أن الزوجة إذا كانت فقيرة، وطلب الزوج المقاصة، لا يجاب إلى طلبه إلا إذا رضيت بها، منعاً للضرر بها؛ لأن إحياء النفس مقدم على وفاء الدين.
تاسعاً - الكفالة بالنفقة: لا تصح الكفالة بالنفقة في رأي الحنفية قبل القضاء بها أو التراضي عليها؛ لأن المكفول به يشترط أن يكون ديناً صحيحاً، ولا تصبح النفقة ديناً في ذمة الزوج إلا بعد القضاء بها أو التراضي عليها، لكنهم أجازوا استحساناً الكفالة بالنفقة بعد القضاء أو التراضي قبل الاستدانة، رفقاً بالناس، وإعانة للزوجة على الوصول إلى حقها في النفقة.
وتصح الكفالة بالنفقة في رأي الجمهور؛ لأنها تجب للزوجة من تاريخ العقد بشرط التمكين، وتعتبر ديناً صحيحاً في ذمة الزوج من غير توقف على القضاء أو التراضي. وهذا هو المعمول به في محاكم مصر من سنة (١٩٢٠).
الكفالة بالنفقة بسبب السفر: المفتى به عند الحنفية (١) هو رأي أبي يوسف في جواز أخذ المرأة كفيلاً بالنفقة إذا أراد الزوج السفر، وتعطى كفيلاً بنفقة شهر إذا لم تعلم المرأة مدة الغيبة؛ لأن إعطاء كفيل أقل الواجب. فإن علمت أنه سيغيب أكثر من شهر، فتعطى كفيلاً بقدرة المدة التي يتوقع غيابه فيها.
وقال المالكية: تعطى الزوجة كفيلاً بالنفقة في مدة غياب زوجها ليدفع لها النفقة بحسب المعتاد يومياً أو شهرياً.
стр. 7156
كفالة النفقة الماضية والمستقبلة: أجاز الحنابلة ضمان النفقة الماضية والمستقبلة، واكتفى الشافعية بتجويز ضمان النفقة الماضية، ولم يجيزوا ضمان النفقة المستقبلة؛ لأنه ضمان ما لم يجب، بناء على أن المذهب الجديد للشافعي هو القول بأن النفقة تجب بالتمكين لا بالعقد، وهو الصحيح؛ لأنها لو وجبت بالعقد لملكت الزوجة المطالبة بها كالمهر، والعقد يوجب المهر، ولا يوجب عوضين مختلفين، ولأن النفقة مجهولة، والعقد لا يوجب مالاً مجهولاً (١).
عاشراً - الصلح عن النفقة: قال الحنفية (٢): قد يكون الصلح عن النفقة تقديراً للنفقة، كالصلح على مبلغ مالي قبل تقدير النفقة بالقضاء أو الرضا أوبعده، وحينئذ تجوز الزيادة عليه أو النقصان بسبب الغلاء أو الرخص، فلو قال الزوج: لا أطيق ذلك، فهو لا زم له، ولا التفات لقوله بكل حال، لأنه ألزمه باختياره، إلا إذا تغير سعر الطعام، وعلم القاضي أن ما دون المبلغ المصالح عليه يكفيها، فحينئذ يفرض لها كفايتها.
وقد يكون الصلح معاوضة كالصلح على متاع أو عقار، إن كان بعد تقدير النفقة بالقضاء أو الرضا، وحينئذ لا تجوز الزيادة ولا النقصان ولو قبل التقدير المذكور.
стр. 7157
المبحث الثاني - نفقة الأولاد أو الفروع:
يشتمل على أربعة مطالب:
الأول - وجوب الإنفاق على الفروع وتعيينهم.
الثاني - شروط الوجوب.
الثالث - من تجب عليه نفقة الفروع.
الرابع - مقدار نفقة الفروع وصيرورتها ديناً وسقوطها وتعجيلها.
المطلب الأول - وجوب الإنفاق على الفروع وتعيينهم:
تجب نفقة الأولاد لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] أي أن على الأب المولود له نفقة أولاده، بسبب الولادة، كما تجب عليه نفقة الزوجة بسبب الولد أيضاً، ولقوله ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» أي أن نفقة الولد والزوجة واجبة على الأب، وللحديث السابق في ترتيب النفقة: على النفس، ثم على الولد الصغير، ثم على الأهل، ثم على الولد غير الصغير، ثم على الخادم.
والأولاد الواجب نفقتهم في رأي جمهور العلماء (١): هم الأولاد مباشرة، وأولاد الأولاد، أي الفروع وإن نزلوا، فعلى الجد نفقة أحفاده، من أي جهة كانوا؛ لأن الولد يشمل الولد المباشر وما تفرع منه. وهو الصحيح، فهذه النفقة تجب بالجزئية دون الإرث.
стр. 7158
ورأى الإمام مالك (١): أنه تجب نفقة الأولاد المباشرين فقط، دون أولاد الأولاد، لظاهر النص القرآني السابق: ﴿وعلى المولود له … ﴾ [البقرة:٢/ ٢٣٣] فالنفقة عنده تجب بسبب الإرث لا بمطلق الجزئية.
المطلب الثاني - شروط وجوب النفقة على الأولاد:
يشترط لوجوب نفقة الأولاد ثلاثة شروط (٢):
١ - أن يكون الأصل قادراً على الإنفاق بيسار أو قدرة على الكسب: فإذا كان الأصل غنياً أو قادراً على الكسب، وجبت عليه نفقة أولاده، فينفق عليهم من ماله، وإن لم يكن له مال وقدر على الكسب وجب عليه الاكتساب، في رأي الجمهور، فإن امتنع حبسه القاضي. أما إن كان معسراً بحيث تجب نفقته على غيره من الأصول أو الفروع، وكان عاجزاً عن الكسب، فلا نفقة عليه؛ لأنه لا يعقل إيجاب النفقة عليه وهو يأخذ نفقته من غيره، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا هو الصحيح.
وقال المالكية: لا يلزم الأب الكسب لأجل نفقة أولاده. فإذا كان معسراً، وكان قادراً على الكسب بصنعة أو غيرها، لم يجب عليه التكسب، لينفق على أولاده المعسرين.
٢ - أن يكون الولد فقيراً معسراً لا مال له، ولا قدرة له على الاكتساب: فإذا كان له مال يكفيه، وجبت نفقته فيه لا على غيره، وإذا كان مكتسباً وجب عليه الاكتساب، فالصغير المكتسب نفقته في كسبه، لا على أبيه. وعليه فإن الولد
стр. 7159
الموسر بمال أو كسب يستغني به، لا نفقة له؛ لأن نفقة القرابة تجب على سبيل المواساة والبر، والموسر مستغن عن المواساة والبر والصلة. ومن له مسكن يسكنه يكون فقيراً محتاجاً للنفقة؛ لأن الإيواء فيه ضرورة حياتية، فلا يباع عليه عقاره، أما إن كان له مسكن آخر زائد عن سكناه، فلا يعد محتاجاً، ولا يستحق النفقة على من سواه من الأصل أو الفرع، فيباع عليه؛ لأن فيه فضلاً عن حاجته.
و العجز عن الكسب يكون بإحدى الصفات التالية:
١) - الصغر: أي الصغير الذي لم يبلغ به صاحبه حد الكسب، فإن بلغ الغلام لا الأنثى حد الكسب، كان للأب أن يؤجره أو يدفعه إلى حرفة ليكتسب منها، وينفق عليه من كسبه. أما الأنثى فلاتؤجر للخدمة، لما فيها من مخاطر الخلوة بها وهو لا يجوز شرعاً، لكن يجوز تعليمها عند امرأة حرفة معينة مناسبة لها كخياطة أو تطريز أو غزل ونحوها، فإن استغنت بنحوه، وجبت نفقتها في كسبها، ولا تجب نفقتها على الأب إلا إذا كان دخلها لا يكفيها، فتجب كفايتها بدفع القدر المعجوز عنه.
وأما الولد الكبير: فلا تجب نفقته على الأب إلا إذا كان عاجزاً عن الكسب لآفة في عقله كالجنون والعته، أو آفة في جسمه كالعمى والشلل وقطع اليدين والرجلين، أو بسبب طلبه العلم، أو بسبب انتشار البطالة وعدم تيسر الكسب له، أو بسبب المرض المانع له من الاكتساب.
وأوجب الحنابلة خلافاً للجمهور النفقة للولد الكبير الفقير، ولو كان صحيحاً، كما أوجبوها للوالد الفقير ولو كان صحيحاً؛ لأنه ولد أو والد فقير محتاج، فاستحق النفقة على والده أو ولده الغني، كما لو كان مريضاً بمرض
стр. 7160
مزمن، أو مكفوفاً. ويكون المبدأ عند الحنابلة هو وجوب نفقة المولودين والوالدين دون اشتراط نقص الخِلْقة أو نقص الأحكام المكلف بها، في ظاهر المذهب.
٢) - الأنوثة: تجب نفقة البنت الفقيرة على أبيها مهما بلغت حتى تتزوج، وعندئذ تصبح نفقتها على الزوج، فإذا طلقت عادت نفقتها على الأب، ولا يجوز للأب أن يجبرها على الاكتساب. فإن اكتسبت من مهنة شريفة لا تعرضها للفتنة كخياطة وتعليم وتطبيب، سقطت نفقتها عن الأب، إلا إذا كان كسبها لا يكفيها، فعلى الأب إكمال النفقة التي تحتاجها.
٣) - المرض المانع من العمل: كالعمى والشلل والجنون والعته ونحوها.
٤) - طلب العلم الذي يشغل عن التكسب: فالطالب المتعلم حتى ولو كان قادراً على العمل والتكسب، تجب نفقته على أبيه؛ لأن طلب العلم فرض كفاية، فلو ألزم طلبة العلم التكسب، تعطلت مصالح الأمة. وهذا بشرط كون الطالب مجداً ناجحاً، فإن كان مخفقاً في دراسته، فلا جدوى في تعليمه، وعليه الانصراف إلى تعلم مهنة حرة تكفيه.
وأضاف بعض الحنفية: من يلحقه العار بالتكسب بسبب وجاهته وكونه من أبناء الأشراف، فإنه يستحق النفقة على أبيه. وانتقد ذلك بأن الاكتساب لتوفير مؤونته ومؤونة عياله فرض، فكيف يكون عاراً؟! وقالوا: الأولى بأن الولد إذا كان من أبناء الكرام، ولا يستأجره الناس، فهو عاجز يستحق النفقة. والحق أنه لا امتياز في الإسلام لبعض الناس على بعض، وأن كبار الصحابة منهم أبو بكر وعلي كانوا يتجرون ويعملون، وليس في العمل أي عار، فلا وجه لتمييز بعض الأولاد على عامة الناس.
стр. 7161
٣ - ألا يختلف الدين في رأي الحنابلة وحدهم: فلا تجب النفقة في عمودي النسب مع اختلاف الدين، في الرواية المعتمدة لديهم؛ لأنها مواساة على البر والصلة، فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب، ولأنهما غير متوارثين، فلم يجب لأحدهما على الآخر نفقته بالقرابة، ومن الشروط عندهم أن يكون المنفق وارثاً، لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢]، فيجب أن تختص النفقة بمن تجب صلته وبمن كان وارثاً، فإن لم يكن وارثاً فلا نفقة له، لعدم القرابة.
ولم يشترط الجمهور غيرا لحنابلة اتحاد الدين لنفقة الأولاد، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وهو يدل على أن الولادة سبب لإيجاب نفقة الأولاد على أبيهم، والولادة ثابتة، سواء مع اتحاد الدين أواختلافه، ولأن النفقة وسيلة الحياة، والحياة مطلوبة ولو مع الكفر؛ لأن المال لا أهمية له في الحقيقة، والله تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء.
المطلب الثالث - من تجب عليه نفقة الأولاد:
اتفق الفقهاء (١) على أنه إذا كان الأب موجوداً وموسراً أو قادراً على الكسب في رأي الجمهور، فعليه وحده نفقة أولاده، لا يشاركه فيها أحد، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له .. ﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] الذي يفيد حصر النفقة فيه، ولأنهم جزء منه، فنفقتهم وإحياؤهم كنفقة نفسه.
أما إذا لم يكن الأب موجوداً، أو كان فقيراً عاجزاً عن الكسب لمرض أو كبر
стр. 7162
سن أو نحو ذلك، كانت نفقتهم في رأي الحنفية على الموجود من الأصول ذكراً كان أو أنثى إذا كان موسراً، فتجب على الجد وحده إذا كان موسراً، أو على الأم وحدها إذا كانت موسرة. وللجد أو الأم إذا كان الأب موجوداً معسراً غير مريض مرضاً مزمناً الرجوع على الأب في حال يساره، ويكون ما أنفقه ديناً على والدهم. كما يجوز الرجوع عليه إذا أمر القاضي بالإنفاق.
وإذا وجد الجد مع الأم فعليهما النفقة بنسبة ميراثهما، فيكون على الأم الثلث وعلى الجد الثلثان. وإذا كان الجد مع الجدتين: أم الأم وأم الأب، فعلى الجدتين السدس مناصفة بينهما، وعلى الجد الباقي، بمقدار ميراثهما.
وإن كان أقارب الولد غير وارثين، بأن كانوا من ذوي الأرحام، فالنفقة على أقربهم درجة. وإن اتحدت درجتهم، كانت النفقة عليهم بالسوية.
وإن كان بعض الأقارب وارثاً، والآخر غير وارث، كانت النفقة على الأقرب، وإن لم يكن وارثاً، فإن تساووا في درجة القرابة، وجبت النفقة على الوارث دون غيره.
ورأى المالكية: أنه تجب النفقة على الأب وحده دون غيره؛ لأن النبي ﷺ قال لرجل سأله، عندي دينار؟ قال: «أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر؟ قال: أنت أعلم به» ولم يأمره بإنفاقه على غير هؤلاء.
وذهب الشافعية: إلى أنه إذا لم يوجد الأب أو كان عاجزاً، وجبت النفقة على الأم، لقوله تعالى: ﴿لا تضارّ والدة بولدها﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] ولأنه إذا وجبت النفقة على الأب وولادته من جهة الظاهر، فلأن تجب على الأم، وولادتها
стр. 7163
مقطوع بها، أولى. وتجب عليها نفقة ولد الولد؛ لأن الجدة كالأم، والجد كالأب في أحكام الولادة.
وإذا استوت درجة القرابة واستحقاق الإرث وجبت النفقة على المتساوين؛ لأن علة إيجاب النفقة تشملهما. وإن تفاوتت درجة القرابة فالأصح أن أقربهما تجب النفقة عليه، وارثاً كان أو غيره، وإن استوى قربهما، يقدم الوارث في الأصح. فإن كان هناك أم وجد أبو أب، فالنفقة كلها على الجد في الأصح، لأنه ينفرد بالتعصيب، فأشبه الأب. وإن كان للفرع أجداد وجدات يدلي بعضهم ببعض فالنفقة على الأقرب منهم. وإن لم يُدْل بعضهم ببعض فتلزم النفقة بالقرب.
وقال الحنابلة في ظاهر المذهب: إذا لم يكن للولد الصغير أب، وجبت نفقته على كل وارث على قدر ميراثه، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] ثم قال: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه، فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد. وسأل رجل النبي ﷺ قال: «من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك» وفي لفظ: «ومولاك الذي هو أدناك حقاً واجباً، ورحماً موصولاً» (١) وهذا نص في المطلوب؛ لأن النبي ﷺ ألزمه الصلة والبر، وكون النفقة من الصلة جعلها حقاً واجباً. فإن كان للولد وارثان فالنفقة عليهما على قدر إرثهما منه، وإن كانوا ثلاثة أو أكثر، فالنفقة بينهم على قدر إرثهم منه:
стр. 7164
فإن كان للولد الصغير أم وجد، فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى الجد ثلثا النفقة؛ لأنهما يرثانه، والله تعالى قال: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] والأم وارثة، فكان عليها بالنص.
وإن كانت جدة وأخ، فعلى الجدة سدس النفقة، والباقي على الأخ، وعلى هذا يكون ترتيب النفقات على ترتيب الميراث، فكما أن للجدة ههنا سدس الميراث، فعليها سدس النفقة، وكما أن الباقي للأخ، فكذلك الباقي من النفقة عليه.
وإن اجتمع أبوا أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. وإن اجتمع أبوا أب، فعلى أم الأب السدس، والباقي على الجد. وإن اجتمع جد وأخ، فهما سواء. وإن اجتمعت أم وأخ وجد، فالنفقة بينهم أثلاثاً. وقال الشافعي: النفقة على الجد في هذه المسائل كلها إلا المسألة الأولى، فالنفقة عليهما بالسوية.
المطلب الرابع - مقدار نفقة الأولاد وصيرورتها ديناً وسقوطها وتعجيلها: اتفق الفقهاء (١) على أن نفقة القريب من ولد وولد ولد مقدرة بقدر الكفاية من الخبز والأدم والمشرب والكسوة والسكنى والرضاع إن كان رضيعاً على قدر حال المنفق وعوائد البلاد؛ لأنها وجبت للحاجة، فتقدر بقدر الحاجة، وقد قال النبي ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية.
стр. 7165
وإن احتاج الولد المنفق عليه إلى خادم يخدمه، فعلى الوالد إخدامه؛ لأنه من تمام كفايته.
وإن كانت له زوجة، وجبت نفقة زوجته عند الشافعية والحنابلة؛ لأنها من تمام الكفاية. ولا تجب نفقة زوجة الابن على المذهب عند الحنفية. وتسقط نفقة الزوجة عند المالكية في حال إعسار الزوج.
ولا تصير هذه النفقة عند الحنفية ديناً في الذمة أصلاً، سواء فرضها القاضي أم لا، بخلاف نفقة الزوجات، فإنها تصير ديناً في الذمة بفرض القاضي أو التراضي.
وقال الشافعية: لا تصير نفقة الولد ديناً على الوالد إلا بفرض قاضٍ أو إذنه في اقتراض بسبب غيبة أو امتناع عن الإنفاق.
وتسقط نفقة الولد عند الفقهاء بمضي الزمن من غير قبض ولا استدانة؛ لأنها وجبت على الوالد لدفع الحاجة، وقد زالت الحاجة لما مضى، فسقطت، بخلاف نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان عند غير الحنفية، ولا تسقط عند الحنفية بعد القضاء بها أو التراضي عليها، وإنما تسقط بمضي الزمان قبل القضاء أو التراضي. واستثنى المالكية حالة قضاء الحاكم بنفقة الأقارب، فإنها تصبح متجمدة في الماضي فلا تسقط بمضي الزمن.
وذكر الحنفية: أنه إذا عجل الشخص نفقة مدة في الأقارب، فمات المنفق عليه قبل تمام المدة، لا يسترد شيئاً منها، بلا خلاف.
стр. 7166
المبحث الثالث - نفقة الأصول - أو الآباء والأمهات:
يتضمن أربعة مطالب:
الأول - وجوب نفقة الأصول وتعيينهم.
الثاني - شروط وجوبها.
الثالث - من تجب عليه.
الرابع - مقدار هذه النفقة.
المطلب الأول - وجوب نفقة الأصول وتعيينهم:
تجب نفقة الوالدين وإن علوا عند الجمهور (١)، لقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء:٢٣/ ١٧] ومن الإحسان أن ينفق عليهما عند الحاجة، وقوله : ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان:١٥/ ٣١] ومن المعروف الإنفاق عليهما ولو كانا مخالفين في الدين، فإنها نزلت في الأبوين الكافرين، وليس من المعروف أن يعيش إنسان في نعم الله تعالى ويترك أبويه يموتان جوعاً.
وقال ﷺ : «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئاً مريئاً» (٢) وقال أيضاً لرجل سأله: من أبر؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب» (٣).
والأصول الذين تجب نفقتهم عند الجمهور: هم الآباء والأجداد، والأمهات
стр. 7167
والجدات، وإن علوا؛ لأن «الأب» يطلق على الجد وكل من كان سبباً في الولادة، كذلك «الأم» تطلق على الجدة مهما علت، فقد أطلق القرآن كلمة «الأبوين» على آدم وحواء، وقال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج:٧٨/ ٢٢]، ولأن بين الولد وأصله قرابة توجب رد الشهادة، فأشبه الجد والجدة والوالدين القريبين، ويكون الأجداد والجدات من الآباء والأمهات، فيقوم الجد مقام الأب عند عدمه، وأجمع العلماء على أن الجدة تحرم على الإنسان، كما تحرم عليه أمه في الزواج، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء:٢٣/ ٤].
وقال الإمام مالك: الأصول الذين تجب نفقتهم: هم الآباء والأمهات المباشرون، لا الأجداد والجدات مطلقاً، سواء من جهة الأب أو الأم. فلا تجب نفقة على جد أو جدة، كما لا تجب على ولد ابن. والصحيح هو قول الجمهور.
المطلب الثاني - شروط وجوب النفقة للأصول:
يشترط لوجوب الإنفاق على الأصول ما يأتي (١):
١ - أن يكون الأصل فقيراً، أوعاجزاً عن الكسب: فإن كان قادراً على الكسب فتجب أيضاً نفقته عند الحنفية، والشافعية في الأظهر؛ لأن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين، وفي إلزام الآباء بالاكتساب مع غنى الأبناء ترك للإحسان إليهم وإيذاء لهم، وهو لايجوز، ويقبح بالإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله. وهذا بعكس الابن فإنه لا نفقة له إذا كان قادراً على الكسب، فيلزمه التكسب؛ لأن الله تعالى نهى الولد عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين وهو التأفيف في قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ [الإسراء:٢٣/ ١٧] ولم يوجد النهي في الابن.
стр. 7168
وقال المالكية والحنابلة: لا يلزم الفرع بنفقة الأصل إذا كان قادراً على الكسب، فيجبر على كسب يستغني به، ولا نفقة له؛ لأنها تجب على سبيل المواساة والبر والصلة، والكاسب كالموسر مستغن عن المواساة.
٢ - أن يكون الفرع موسراً بمال، أو قادراً على التكسب في رأي الجمهور، وقال المالكية: لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه.
وعلى رأي الجمهور: يشترط أن يكون مال الفرع أو مردود كسبه فاضلاً عن نفقة نفسه إما من ماله وإما من كسبه، فأما من لا يفضل عنه شيء، فليس عليه شيء، لحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى قرابته» وفي لفظ: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ولحديث أبي هريرة السابق في ترتيب النفقة على النفس، ثم على الزوج، ثم على الولد، ثم على الخادم.
٣ - أن يكون المنفق وارثاً في رأي الحنابلة، فلا نفقة مع اختلاف الدين لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] ولأن التوارث بسبب القرابة يجعل الوارث أحق بمال المورث، فينبغي أن يختص بوجوب صلة قريبة بالنفقة دون غير الوارث، ولأن هذه النفقة مواساة على البر والصلة، فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب.
وقال الحنفية: يشترط أن يكون المنفق قريباً مستحقاً للإرث من قريبه، إلا أنهم مع المالكية والشافعية يقولون: اتحاد الدين ليس شرطاً لوجوب نفقة الأصل على الفرع، فتجب النفقة عليه وإن اختلف الدين؛ لأنه تعالى قال في حق الوالدين الكافرين: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان:١٥/ ٣١] وليس من المعروف ترك الإنفاق عليهما مع القدرة، وهذا هو الصحيح.
стр. 7169
المطلب الثالث - من تجب عليه نفقة الأصول:
تجب نفقة الأصول على الولد لا يشاركه في نفقة أبويه أحد (١)؛ لأنه أقرب الناس إليهما، فكان أولى باستحقاق نفقتهما عليه. وهي عند الحنفية على الذكور والإناث بالسوية؛ لأن المعنى يشملهما.
وتجب أيضاً في رأي الجمهور على ولد الولد، ولا تجب في رأي المالكية على ولد الابن.
تعدد الفروع: إن لم يوجد غير ولد واحد تجب عليه نفقة الأصل كما تقدم، فإن تعدد الفروع: فقال الحنفية (٢): إن اتحدت درجة قرابتهم كابنين أو بنتين أو ابن وبنت، وجبت النفقة بالتساوي بينهم، سواء أكانوا وارثين أم بعضهم وارثاً والآخر غير وارث، للتساوي في القرب والجزئية، ولا ينظر إلى أن الابن يأخذ ضعف البنت في الميراث.
وإن اختلفت درجة قرابتهم كبنت وابن ابن، وجبت نفقة الأصل على الأقرب.
يلاحظ أن الحنفية في حال تعدد الفروع اعتبروا درجة القرابة، وفي حال تعدد الأصول اعتبروا الإرث أحياناً، وأهملوه أحياناً أخرى. وكان ينبغي التسوية بين الفروع والأصول، لتساويهم في علة وجوب النفقة وهي الجزئية.
وقال المالكية (٣): إن تعدد الأولاد وزعت النفقة على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه.
стр. 7170
وقرر الشافعية (١): أنه إن اتحدت درجة قرابة الفروع كابنين أو بنتين، أنفقا بالتساوي وإن تفاوتا في قدر اليسار، أو أيسر أحدهما بالمال، والآخر بالكسب؛ لأن علة إيجاب النفقة تشملهما.
وإن اختلفت درجة قرابة الفروع كابن وابن بنت، فالأصح أن النفقة على أقربهما وهو الابن هنا، سواء أكان وارثاً أم غيره، ذكراً كان أم أنثى؛ لأن القرب أولى بالاعتبار. فإن استوى قربهما فتجب في الأصح النفقة بالإرث، لقوته.
وإذا تساوى الفرعان في الإرث، فكانا وارثين كابن وبنت، فهناك وجهان: قيل: يستويان في قدر الإنفاق، أي كما قال الحنفية، وقيل: يوزع الإنفاق عليهما بحسب الإرث، والوجه الأول أوجه.
ورأى الحنابلة (٢): أنه إن اتحدت درجة قرابة الفروع كابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثاً كالميراث، كالوجه الثاني لدى الشافعية، لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] فإنه رتب النفقة على الإرث، فيجب أن تترتب في المقدار عليه. وإن اختلفت درجة القرابة كبنت وابن ابن، فالنفقة بينهما نصفين كالميراث.
المطلب الرابع - مقدار نفقة الأصول:
نفقة القرابة في الجملة (٣) تجب بقدر الكفاية كما تقدم؛ لأنها تجب للحاجة، فقدرت بالكفاية.
стр. 7171
وعلى الولد في رأي الجمهور نفقة زوجة الأب وإعفافه بالتزويج بزوجة واحدة، وكذا عند المالكية والحنابلة بأكثر من زوجة إن لم يحصل الإعفاف بواحدة؛ لأنه معنى يحتاج إليه، ويلحقه الضرر بفقده، فوجب كالنفقة. والراجح عند الحنفية عدم وجوب نفقة زوجة الأب؛ لأن الزوجة من أعظم الملاذ، فلم تجب للأب كالحلواء لاتجب له.
المبحث الرابع - نفقة الحواشي وذوي الأرحام:
يشتمل على مطالب ثلاثة:
الأول - وجوب نفقة الأقرباء من غير الأصول والفروع.
الثاني - شروط وجوب نفقة الحواشي وذوي الأرحام.
الثالث - تعدد من تجب عليهم نفقة الأقارب.
المطلب الأول - وجوب نفقة الأقرباء من غير الأصول والفروع:
تجب نفقة الأقارب من الحواشي وذوي الأرحام كالإخوة والأخوال والأعمام وأبناء الإخوة والعمات والخالات (١) لقوله تعالى: ﴿وآتِ ذا القربى حقه﴾ [الإسراء:٢٦/ ١٧] وقوله سبحانه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى﴾ [النساء:٣٦/ ٤] وقوله ﷺ : «يد المعطي العليا، وابدأ
стр. 7172
بمن تعول، أمَّك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» (١) وقال رجل: يارسول الله، من أبر؟ قال: «أمَّك وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة» (٢).
فهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الإنفاق على القريب العاجز. وللعلماء آراء ثلاثة:
الأول - مذهب الحنفية: أن النفقة تجب لكل ذي رحم محرم كالعم والأخ وابن الأخ والعمة والخالة والخال، ولا تجب لغير ذي رحم محرم كابن العم وبنت العم، ولا لمحرم غير ذي رحم كالأخ رضاعاً.
الثاني - مذهب الحنابلة: أن النفقة تجب لكل قريب وارث، بفرض أو تعصيب كالأخ الشقيق أو لأب أو لأم، والعم، وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة والعمة ونحوهم ممن لا يرث بفرض ولا تعصيب؛ لأن قرابتهم ضعيفة، وإنما يأخذون مال المتوفى القريب عند عدم الوارث، فهم كسائر المسلمين.
ورأى ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من بعض الحنابلة: أن النفقة تجب لكل قريب من غير الأصول والفروع (غير عمودي النسب) إذا كان وارثاً، فتجب النفقة لذوي الأرحام كالعمة والخالة والخال، لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] فقد جعل النفقة على المولود له لمن يستحق الإرث من الأقرباء.
стр. 7173
الثالث - مذهب المالكية والشافعية: ألا تجب نفقة من عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كالإخوة والأعمام وغيرهم؛ لأن الشرع ورد بإيجاب نفقة الوالدين والمولودين، وأما من سواهم فلا يلحق بهم في الولادة وأحكامها، فلم يلحق بهم في وجوب النفقة.
المطلب الثاني - شروط وجوب نفقة الحواشي وذوي الأرحام:
لا يثبت وجوب نفقة هؤلاء الأقرباء عند الحنفية (١) إلا بالقضاء أو الرضا، حتى لو ظفر أحدهم بجنس حقه قبل القضاء أو الرضا، ليس له الأخذ، بخلاف الزوجة والولد والأبوين، فإن لهم الأخذ قبل ذلك. وتسقط هذه النفقة بمضي المدة، بعد قضاء القاضي بها، لأنها تجب كفاية للحاجة، فلا تجب مع اليسار، إلا إن أذن القاضي بالاستدانة على القريب.
ويشترط لوجوب نفقة هؤلاء الأقرباء في رأي الحنفية ما يلي (٢):
١ - أن يكون القريب ذا رحم محرم فقيراً، عاجزاً عن الكسب: لصغر أو أنوثة أو مرض أو عمى، أي فلا تقتصر هذه النفقة على الصغير أو الأنثى، وإنما تشمل الكبير العاجز عن الكسب بنحو مرض مزمن أو عمى؛ لأن الصلة في القرابة القريبة واجبة دون البعيدة. والفاصل بينهما أن يكون ذا رحم محرم، وقد قال تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقرأ ابن مسعود: «وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك».
ولا بد من تحقق وصف الحاجة أو الصغر، أو الأنوثة، أو الزمانة، أو العمى
стр. 7174
أمارة الحاجة، لتحقق العجز. فإن كان القريب قادراً على الكسب فلا نفقة له على قريبه؛ لأنه غني بكسبه، فلا تجب نفقته على أحد، بخلاف الأبوين؛ لأنه يلحقهما تعب الكسب، والولد مأمور بدفع الضرر عنهما، فتجب نفقتهما مع قدرتهما على الكسب.
٢ - اتحاد الدين مع القريب المنفق: فلا نفقة على القريب مع اختلاف الدين، كما لا توارث مع اختلاف الدين، ووجوب النفقة على القريب مبني على استحقاق الإرث.
وذلك بخلاف الزوجة والأصول والفروع علواً أو نزولاً؛ لأن نفقة الزوجة تجب بمقابلة الاحتباس، وأما غيرها فلثبوت الجزئية، وجزء المرء في معنى نفسه، فكما لا تمتنع نفقة نفسه بكفر، لا تمتنع نفقة جزئه، إلا أن هؤلاء إذا كانوا حربيين لاتجب نفقتهم على المسلم، ولو كانوا مستأمنين؛ لأنا نهينا عن بر من يقاتلنا في الدين.
٣ - أن يكون المنفق موسراً: فلو كان القريب المحرم معسراً، لا تجب عليه النفقة لقريبه المحتاج، ولو كان قادراً على الكسب؛ لأن وجوب هذه النفقة بطريق الصلة، والصلة تجب على الغني لا على الفقير.
واختلف الصاحبان في حد اليسار الذي يتعلق به وجوب هذه النفقة (١):
فقال أبو يوسف: الموسر: هو الذي يملك نصاب الزكاة وهو عشرون مثقالاً أو ديناراً من الذهب (٢) أو مائتا درهم فضة؛ لأن الغني في الشرع هو مالك النصاب الذي تستحق فيه الزكاة، ونفقة ذي الرحم صلة، والصلات إنما تجب على الأغنياء كالصدقة.
стр. 7175
وقال محمد: الموسر: هو من له نفقة شهر، وعنده مال فاضل عن نفقة شهر لنفسه ولعياله؛ لأن ما زاد على كفاية شهر، فهو غني عنه في الحال، والشهر يتسع للاكتساب، فكان عليه صرف الزيادة إلى أقاربه، قال الكاساني: وما قاله محمد أوفق، وهوأنه إذا كان له كسب دائم، وهو غير محتاج إلى جميعه، فما زاد كفايته، يجب صرفه إلى أقاربه كفضل ماله إذا كان له مال. ولا يعتبر النصاب؛ لأن النصاب إنما يعتبر في وجوب حقوق الله تعالى المالية، والنفقة حق العبد الآدمي، فلا معنى لاعتبار النصاب فيها، وإنما يعتبر فيها إمكان الأداء.
المطلب الثالث - من تجب عليهم نفقة الأقارب:
عرفنا أنه إذا لم يكن لمستحق النفقة إلا قريب واحد موسر: فإن كان القريب من أصوله أوفروعه، وجبت نفقته عليه، ولو لم يكن وارثاً له، كجد لأم أوابن بنت. وذلك باتفاق الجمهور غير المالكية.
وإن كان القريب من الحواشي، وجبت نفقته عليه في رأي الحنفية إن كان ذا رحم محرم كالأخ والعم والعمة، وفي رأي الحنابلة إن كان وارثاً بفرض أو تعصيب كالأخ لأم وابن العم.
أما إن تعدد من تجب عليهم نفقة الأقارب، فقد اختلف الحنفية مع المذاهب الأخرى في توزيع النفقة عليهم.
مذهب الحنفية:
توزع النفقة على الأقارب في رأي الحنفية (١) بحسب أصنافهم في الحالات الأربع التالية وهي:
الأولى: أن يكون لمستحق النفقة أصول وفروع.
стр. 7176
الثانية: أن يكون له أصول وحواشي (١). الثالثة: أن يكون له فروع وحواشي.
الرابعة: أن يكون له خليط من الأصول والفروع والحواشي.
وأبين حكم كل حالة فيما يأتي:
الحالة الأولى - أن يكون لمستحق النفقة أصول وفروع:
إذا كان لمستحق النفقة أصول وفروع: فإن تفاوتا في درجة القرابة وجبت النفقة على الأقرب، سواء أكان وارثاً أم غير وارث. مثل أب وابن ابن أو بنت بنت، ومثل أم وابن ابن، تجب النفقة على الأب في المثال الأول، وعلى الأم في المثال الثاني؛ لأن الأب والأم أقرب درجة. ولكن يلاحظ أن النفقة تجب حينئذٍ على غير الوارث.
وإن تساووا في درجة القرابة: وجبت النفقة بنسبة ميراثهم، إلا إذا كان فيهم ابن أو بنت، فالنفقة على الابن أو البنت، ففي أب وابن تجب النفقة على الابن لترجحه بقول ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» وفي جد (أبي أب) وبنت بنت، تكون النفقة على الجد؛ لأنه الوارث، وأما بنت البنت فهي من ذوي الأرحام، لا ترث مع الجد.
الحالة الثانية - أن يكون لمستحق النفقة أصول وحواشي:
إذا كان لمستحق النفقة أصول وحواشي، كأم وأخ شقيق أو لأب: فإن كان
стр. 7177
كل من الصنفين وارثاً، وجبت النفقة عليهم بنسبة الإرث. وإن كان أحد الصنفين وارثاً، والآخر غير وارث، فالنفقة على الأصول وحدهم، ولو كانوا غير وارثين، ترجيحاً لاعتبار الجزئية على غيرها.
مثال كون الأصل وارثاً: جد لأب وأخ شقيق، تكون النفقة على الجد.
ومثال كون الأصل غير وارث: جد لأم وعم، تكون النفقة على الجد أيضاً، لترجحه في المثالين بالجزئية.
ومثال كون كلا الصنفين وارثاً: أم وأخ، أو ابن أخ أو عم، يكون على الأم ثلث النفقة، وعلى العصبة الثلثان.
الحالة الثالثة - أن يكون لمستحق النفقة فروع وحواشي:
إذا كان لمستحق النفقة فروع وحواشي، فالنفقة تجب على الفروع، ولا شيء على الحواشي ولو كانوا وارثين، لترجح قرابة الجزئية على غيرها.
ففي بنت وأخت شقيقة، تكون النفقة على البنت فقط، ولا شيء على الأخت، وإن ورثت النصف.
وفي ابن نصراني، وأخ مسلم، تكون النفقة على الابن فقط، وإن كان الوارث هو الأخ.
الحالة الرابعة - أن يكون لمستحق النفقة خليط من الأصول والفروع والحواشي:
إذا كان لمستحق النفقة أقارب من الأصول والفروع والحواشي، فالحكم كالحالة الأولى، تكون النفقة على الأصول والفروع على النحو المبين في الحالة
стр. 7178
الأولى، لقوة قرابة الجزئية بالنسبة لغيرها، ويسقط الحواشي بالفروع، فكأنه لم يوجد سوى الفروع والأصول.
وإن وجد الأصول وحدهم وكان معهم أب، فالنفقة عليه فقط ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد، وإن وجد الحواشي فقط، وزعت النفقة بمقدار الميراث مع كون الواحد ذا رحم محرم.
مذهب الحنابلة:
أولاً - تجب النفقة في رأي الحنابلة (١) على الأقارب بحسب الإرث، فمن له أم وجد، فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى الجد ثلثا النفقة. ومن له ابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثاً كالميراث، ومن له جدة وأخ، فعلى الجدة سدس النفقة والباقي على الأخ. ومن له بنت وأخت، فعلى البنت النصف، وعلى الأخت النصف. ومن له أبو أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. ومن له أبو أب، فعلى أم الأب السدس، والباقي على الجد، وإن اجتمع جد وأخ، فهما سواء. وإن اجتمعت أم وأخ وجد، فالنفقة بينهم أثلاثاً.
واستثنوا من قاعدتهم ما إذا كان للمستحق أب، فعليه النفقة وحده، ولم تجب على من سواه، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وهذا بخلاف الحنفية حيث يجعلون النفقة على الابن وحده إن وجد.
ثانياً - إذا اجتمع أصل وفرع وارثان، وكان أقربهما معسراً والأبعد موسراً، وجبت النفقة على الموسر الأبعد، فمن له أم فقيرة، وجدة موسرة، فالنفقة على الجدة فقط.
стр. 7179
ثالثاً - إذا اجتمع قريبان موسران، وأحدهما محجوب عن الميراث بقريب فقير، فإذا كان المحجوب من عمودي النسب (الأصول والفروع) لا تسقط عنه النفقة، وإن كان من غيرهما، فلا نفقة عليه. فمن كان له أبوان وجد، والأب معسر، فالأب كالمعدوم، وتكون النفقة أثلاثاً، على الأم الثلث، وعلى الجد الباقي. ومن له أبوان وأخوان وجد، والأب معسر، فلا شيء على الأخوين؛ لأنهما محجوبان، وليسا من عمودي النسب، وتكون النفقة على الأم الثلث، والباقي على الجد، كالمسألة السابقة.
رابعاً - إذا لم يكن لمستحق النفقة إلا واحد موسر من ورثته، لزمته النفقة بقدر ميراثه فقط، على الصحيح من المذهب.
وتقدم الزوجة على باقي الأقارب، عملاً بحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً، فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فعلى عياله، فإن كان له فضل فعلى قرابته».
وقد أخذ القانون السوري بمذهب الحنابلة لعدالته، واتفاقه مع قاعدة «الغرم بالغنم» فتوزع النفقات بحسب الإرث، ولا يتقيد إيجاب النفقة للأقرباء بالمحرمية. أما المذهب الحنفي فقد يوجب النفقة أحياناً على قريب لا يرث، ولا يوجبها على القريب الوارث. وأما بقية أحكام النفقات فمأخوذة من الفقه الحنفي.
مذهب الشافعية:
توزع النفقة في رأي الشافعية (١) على الوالدين والمولودين على النحو التالي:
من استوى فرعاه في القرب والإرث أو عدمهما كابنين أو بنتين، أو ابن
стр. 7180
وبنت، فعليهما النفقة بالسوية، لا بحسب الميراث، وإن تفاوتا في قدر اليسار، أو أيسر أحدهما بالمال والآخر بالكسب.
وإن كان أحدهما أقرب والآخر وارثاً، وجبت النفقة على الأقرب دون الوارث في الأصح.
وإن استويا في استحقاق الإرث، كبنت وبنت ابن، كانت النفقة عليهما.
وإن تساويا في القرب، فيقدم الوارث في الأصح لقوته، كابن وابن بنت، تجب النفقة على الأول دون الثاني.
وإن تساويا في الإرث كابن وبنت، فهناك وجهان: قيل: يستويان، وقيل: توزع النفقة بحسب الإرث، والأول أوجه.
والقاعدة في الأصول قريبة من قاعدة الفروع، فمن له أبوان، فالنفقة على الأب، ومن له أجداد وجدات فعلى الأقرب إن أدلى بعضهم ببعض، أما إن لم يُدْل بعضهم ببعض، فيقدم بالقرب.
ومن له أصل وفر ع: فالنفقة في الأصح على الفرع، وإن بعُد، كأب وابن ابن؛ لأن عصوبته أقوى.
وتقدم الزوجة عندهم على باقي الأقارب، كما قال الحنابلة؛ لأن نفقتها آكد؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان.
مذهب المالكية:
توزع النفقة في رأي المالكية الراجح (١) على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه. وقيل: توزع بحسب الرؤوس، بغض النظر عن الذكورة والأنوثة.