الثانية: أن يكون له أصول وحواشي (١). الثالثة: أن يكون له فروع وحواشي.
الرابعة: أن يكون له خليط من الأصول والفروع والحواشي.
وأبين حكم كل حالة فيما يأتي:
الحالة الأولى - أن يكون لمستحق النفقة أصول وفروع:
إذا كان لمستحق النفقة أصول وفروع: فإن تفاوتا في درجة القرابة وجبت النفقة على الأقرب، سواء أكان وارثاً أم غير وارث. مثل أب وابن ابن أو بنت بنت، ومثل أم وابن ابن، تجب النفقة على الأب في المثال الأول، وعلى الأم في المثال الثاني؛ لأن الأب والأم أقرب درجة. ولكن يلاحظ أن النفقة تجب حينئذٍ على غير الوارث.
وإن تساووا في درجة القرابة: وجبت النفقة بنسبة ميراثهم، إلا إذا كان فيهم ابن أو بنت، فالنفقة على الابن أو البنت، ففي أب وابن تجب النفقة على الابن لترجحه بقول ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» وفي جد (أبي أب) وبنت بنت، تكون النفقة على الجد؛ لأنه الوارث، وأما بنت البنت فهي من ذوي الأرحام، لا ترث مع الجد.
الحالة الثانية - أن يكون لمستحق النفقة أصول وحواشي:
إذا كان لمستحق النفقة أصول وحواشي، كأم وأخ شقيق أو لأب: فإن كان
стр. 7177
كل من الصنفين وارثاً، وجبت النفقة عليهم بنسبة الإرث. وإن كان أحد الصنفين وارثاً، والآخر غير وارث، فالنفقة على الأصول وحدهم، ولو كانوا غير وارثين، ترجيحاً لاعتبار الجزئية على غيرها.
مثال كون الأصل وارثاً: جد لأب وأخ شقيق، تكون النفقة على الجد.
ومثال كون الأصل غير وارث: جد لأم وعم، تكون النفقة على الجد أيضاً، لترجحه في المثالين بالجزئية.
ومثال كون كلا الصنفين وارثاً: أم وأخ، أو ابن أخ أو عم، يكون على الأم ثلث النفقة، وعلى العصبة الثلثان.
الحالة الثالثة - أن يكون لمستحق النفقة فروع وحواشي:
إذا كان لمستحق النفقة فروع وحواشي، فالنفقة تجب على الفروع، ولا شيء على الحواشي ولو كانوا وارثين، لترجح قرابة الجزئية على غيرها.
ففي بنت وأخت شقيقة، تكون النفقة على البنت فقط، ولا شيء على الأخت، وإن ورثت النصف.
وفي ابن نصراني، وأخ مسلم، تكون النفقة على الابن فقط، وإن كان الوارث هو الأخ.
الحالة الرابعة - أن يكون لمستحق النفقة خليط من الأصول والفروع والحواشي:
إذا كان لمستحق النفقة أقارب من الأصول والفروع والحواشي، فالحكم كالحالة الأولى، تكون النفقة على الأصول والفروع على النحو المبين في الحالة
стр. 7178
الأولى، لقوة قرابة الجزئية بالنسبة لغيرها، ويسقط الحواشي بالفروع، فكأنه لم يوجد سوى الفروع والأصول.
وإن وجد الأصول وحدهم وكان معهم أب، فالنفقة عليه فقط ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد، وإن وجد الحواشي فقط، وزعت النفقة بمقدار الميراث مع كون الواحد ذا رحم محرم.
مذهب الحنابلة:
أولاً - تجب النفقة في رأي الحنابلة (١) على الأقارب بحسب الإرث، فمن له أم وجد، فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى الجد ثلثا النفقة. ومن له ابن وبنت، فالنفقة بينهما أثلاثاً كالميراث، ومن له جدة وأخ، فعلى الجدة سدس النفقة والباقي على الأخ. ومن له بنت وأخت، فعلى البنت النصف، وعلى الأخت النصف. ومن له أبو أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. ومن له أبو أب، فعلى أم الأب السدس، والباقي على الجد، وإن اجتمع جد وأخ، فهما سواء. وإن اجتمعت أم وأخ وجد، فالنفقة بينهم أثلاثاً.
واستثنوا من قاعدتهم ما إذا كان للمستحق أب، فعليه النفقة وحده، ولم تجب على من سواه، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وهذا بخلاف الحنفية حيث يجعلون النفقة على الابن وحده إن وجد.
ثانياً - إذا اجتمع أصل وفرع وارثان، وكان أقربهما معسراً والأبعد موسراً، وجبت النفقة على الموسر الأبعد، فمن له أم فقيرة، وجدة موسرة، فالنفقة على الجدة فقط.
стр. 7179
ثالثاً - إذا اجتمع قريبان موسران، وأحدهما محجوب عن الميراث بقريب فقير، فإذا كان المحجوب من عمودي النسب (الأصول والفروع) لا تسقط عنه النفقة، وإن كان من غيرهما، فلا نفقة عليه. فمن كان له أبوان وجد، والأب معسر، فالأب كالمعدوم، وتكون النفقة أثلاثاً، على الأم الثلث، وعلى الجد الباقي. ومن له أبوان وأخوان وجد، والأب معسر، فلا شيء على الأخوين؛ لأنهما محجوبان، وليسا من عمودي النسب، وتكون النفقة على الأم الثلث، والباقي على الجد، كالمسألة السابقة.
رابعاً - إذا لم يكن لمستحق النفقة إلا واحد موسر من ورثته، لزمته النفقة بقدر ميراثه فقط، على الصحيح من المذهب.
وتقدم الزوجة على باقي الأقارب، عملاً بحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً، فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فعلى عياله، فإن كان له فضل فعلى قرابته».
وقد أخذ القانون السوري بمذهب الحنابلة لعدالته، واتفاقه مع قاعدة «الغرم بالغنم» فتوزع النفقات بحسب الإرث، ولا يتقيد إيجاب النفقة للأقرباء بالمحرمية. أما المذهب الحنفي فقد يوجب النفقة أحياناً على قريب لا يرث، ولا يوجبها على القريب الوارث. وأما بقية أحكام النفقات فمأخوذة من الفقه الحنفي.
مذهب الشافعية:
توزع النفقة في رأي الشافعية (١) على الوالدين والمولودين على النحو التالي:
من استوى فرعاه في القرب والإرث أو عدمهما كابنين أو بنتين، أو ابن
стр. 7180
وبنت، فعليهما النفقة بالسوية، لا بحسب الميراث، وإن تفاوتا في قدر اليسار، أو أيسر أحدهما بالمال والآخر بالكسب.
وإن كان أحدهما أقرب والآخر وارثاً، وجبت النفقة على الأقرب دون الوارث في الأصح.
وإن استويا في استحقاق الإرث، كبنت وبنت ابن، كانت النفقة عليهما.
وإن تساويا في القرب، فيقدم الوارث في الأصح لقوته، كابن وابن بنت، تجب النفقة على الأول دون الثاني.
وإن تساويا في الإرث كابن وبنت، فهناك وجهان: قيل: يستويان، وقيل: توزع النفقة بحسب الإرث، والأول أوجه.
والقاعدة في الأصول قريبة من قاعدة الفروع، فمن له أبوان، فالنفقة على الأب، ومن له أجداد وجدات فعلى الأقرب إن أدلى بعضهم ببعض، أما إن لم يُدْل بعضهم ببعض، فيقدم بالقرب.
ومن له أصل وفر ع: فالنفقة في الأصح على الفرع، وإن بعُد، كأب وابن ابن؛ لأن عصوبته أقوى.
وتقدم الزوجة عندهم على باقي الأقارب، كما قال الحنابلة؛ لأن نفقتها آكد؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان.
مذهب المالكية:
توزع النفقة في رأي المالكية الراجح (١) على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه. وقيل: توزع بحسب الرؤوس، بغض النظر عن الذكورة والأنوثة.
стр. 7181
وقيل: توزع بحسب الإرث، فعلى الذكر مثل حظ الأنثيين.
نفقة الأقارب في القانون السوري:
أخذ القانون السوري بمذهب الحنفية في نفقة الأقرباء ما عدا توزيع النفقات عند تعدد من تجب عليه النفقة، وإيجابها بها لهم بدون تقييد بالمحرمية، فإنه أخذ ذلك من المذهب الحنبلي. وها هي نصوص القانون:
(م ١٥٤) - نفقة كل إنسان في ماله، إلا الزوجة فنفقتها على زوجها.
(م ١٥٥) -
١ - إذا لم يكن للولد مال، فنفقته على أبيه، ما لم يكن فقيراً عاجزاً عن النفقة والكسب لآفة بدنية أو عقلية.
٢ - تستمر نفقة الأولاد إلى أن تتزوج الأنثى، ويصل الغلام إلى الحد الذي يكتسب فيه أمثاله.
(م ١٥٦) -
١ - إذا كان الأب عاجزاً عن النفقة، غير عاجز عن الكسب، يكلف بنفقة الولد من تجب عليه عند عدم الأب.
٢ - تكون هذه النفقة ديناً للمنفق على الأب يرجع عليه بها إذا أيسر.
(م ١٥٧) -
١ - لا يكلف الأب بنفقة زوجة ابنه إلا إذا تكفل بها.
٢ - يكون إنفاق الأ ب في هذه الحالة ديناً على الولد، إلى أن يوسر.
стр. 7182
(م ١٥٨) - يجب على الولد الموسر ذكراً كان أو أنثى، كبيراً كان أو صغيراً نفقة والديه الفقراء، ولوكانا قادرين على الكسب، ما لم يظهر تعنت الأب في اختيار البطالة على عمل أمثاله كسلاً أو عناداً.
(م ١٥٩) - تجب نفقة كل فقير عاجز عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية، على من يرثه من أقاربه الموسرين بحسب حصصهم الإرثية.
(م ١٦٠) - لا نفقة مع اختلاف الدين إلا للأصول والفروع.
(م ١٦١) - يقضى بنفقة الأقارب من تاريخ الادعاء، ويجوز للقاضي أن يحكم بنفقة الأولاد على أبيهم عن مدة سابقة للادعاء، على ألا تتجاوز أربعة أشهر.
стр. 7183
البَابُ الرَّابع: الوَصايا (١)
يتضمن بحث الوصايا (١) ثلاثة فصول:
الأول - في الوصية، والثاني - في تصرف مريض الموت، والثالث - في الوصاية.
أما الفصل الأول فيشتمل على سبعة مباحث:
المبحث الأول - معنى الوصية ومشروعيتها وركنها وكيفية انعقادها.
المبحث الثاني - شروط الوصية.
المبحث الثالث - أحكام الوصية (صفتها من حيث اللزوم وعدمه، أثرها في التمليك، أحكام الوصي، أحكام الموصى له، أحكام الموصى به، مقدار الوصية، الوصية للوارث، الوصية بمثل نصيب وارث، الوصية بالأجزاء، تنفيذ الوصية).
المبحث الرابع - مبطلات الوصية.
المبحث الخامس - تزاحم الوصايا.
المبحث السادس - الوصية الواجبة قانوناً.
المبحث السابع - إثبات الوصية.
стр. 7184
الفَصْلُ الأوّل: الوصيّة يشتمل على تمهيد وسبعة مباحث:
تمهيد:
تاريخ الوصية: الوصية نظام قديم، لكنه اقترن في بعض العهود بالظلم والإجحاف، فعند الرومان: كان لرب العائلة حق التصرف بطريق الوصية تصرفاً غير مقيد بشيء، فقد يوصي لأجنبي، ويَحْرِم أولاده من حق الميراث. ثم انتهى الأمر إلى وجوب الاحتفاظ للأولاد بربع ميراث أبيهم، بشرط ألا يكونوا قد أتوا في سلوكهم مع مورثهم ما يوغر صدره إيغاراً شديداً.
وعند العرب في الجاهلية: كانوا يوصون للأجانب تفاخراً ومباهاة، ويتركون الأقارب في الفقر والحاجة (١).
وجاء الإسلام فصحح وجهة الوصية على أساس الحق والعدل، فألزم الناس أصحاب الأموال قبل تشريع الميراث بالوصية للوالدين والأقربين، فكانت الوصية في مبدأ الإسلام واجبة بكل المال للوالدين والأقربين بقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين﴾ [البقرة:١٨٠/ ٢].
стр. 7185
وحينما نزلت آيات سورة النساء بتشريع المواريث تفصيلاً، قيدت الوصية المشروعة في الإسلام بقيدين:
الأول - عدم نفاذ للوارث إلا بإجازة الورثة، لقوله ﷺ في خطبة عام حجة الوداع: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (١) أما الوالدان فصار لهما نصيب مفروض من التركة، وصارت الوصية مندوبة لغير الوارثين.
الثاني - تحديد مقدارها بالثلث: لقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص الذي أراد الإيصاء بثلثي ماله أو بشطره، إذ لا يرثه إلا ابنة له: «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» (٢).
أما الزائد عن الثلث فهو من حق الورثة، لا ينفذ تصرف المورث فيه إلا بموافقتهم ورضاهم.
المبحث الأول - معنى الوصية ومشروعيتها وركنها وكيفية انعقادها وأثره (٣):
أولاً - معنى الوصية ونوعاها: الوصية هي الإيصاء، وتطلق لغة بمعنى العهد
стр. 7186
إلى الغير في القيام بفعل أمر، حال حياته أو بعد وفاته، يقال: أوصيت له أو إليه: جعلته وصياً يقوم على من بعده. وهذا المعنى اشتهر فيه لفظ: الوصاية.
وتطلق أيضاً على جعل المال للغير، يقال: وصيت بكذا أو أوصيت، أي جعلته له. والوصايا جمع وصية تعم الوصية بالمال، والإيصاء أو الوصاية والوصية في اصطلاح الفقهاء: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المُملَّك عيناً أم منفعة. وبه تميزت عن التمليكات المنجزة لعين كالبيع والهبة، ولمنفعة كالإجارة، والإضافة لغير الموت كالإجارة المضافة لوقت في المستقبل كأول الشهر المقبل. وتميزت عن الهبة التي هي تبرع أو تمليك بغير عوض بكونها بعد الموت، والهبة حال الحياة. وشمل التعريف الإبراء عن الدين؛ لأن الإبراء تمليك الدين لمن عليه الدين.
هذا ما أريده هنا وهو كون الوصية عقداً أو تصرفاً في المال، وقد عرفها بعض الفقهاء بما هوأعم مما ذكر، فقال: هي الأمر بالتصرف بعد الموت، وبالتبرع بمال بعد الموت. فشمل الوصية لإنسان بتزويج بناته أو غسله أو الصلاة عليه إماماً.
نوعاها: تصح الوصية مطلقة ومقيدة، ف المطلقة: أن يقول: أوصيت لفلان بكذا. و المقيدة أو المعلَّقة: أن يقول: إن مت من مرضي هذا أو في هذه البلدة، أو في هذه السفرة، فلفلان كذا. فإن تحقق الشرط صحت، وإلا بأن برئ من مرضه، أو لم يمت في تلك البلدة أو السفرة، بطلت، لعدم وجود الشرط المعلَّق عليه.
وعرَّف الوصيةَ قانون الأحوال الشخصية السوري وقانون الوصية المصري بأنها «تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت».
جاء في المذكرة التفسيرية للقانون المصري:
стр. 7187
وقد عدل عن لفظ «تمليك» الوارد في تعريف الحنفية إلى لفظ «تصرف» (١) ليشمل جميع مسائل الوصية.
فهو يشمل ما إذا كان الموصى به مالاً أو منفعة، والموصى له من أهل التملك، كالوصية لمعين بالاسم أو بالوصف، وهو ممن يحصون، أو معيناً بالوصف ممن لا يحصون كالوصية للفقراء، وما إذا كان الموصى له جهة من جهات البر كالملاجئ والمدارس.
ويشمل ما إذا كان الموصى به إسقاطاً فيه معنى التمليك كالوصية بالإبراء من الدين، وما إذا كان الموصى به إسقاطاً محضاً بإبراء الكفيل من الكفالة، وما إذا كان الموصى به حقاً من الحقوق التي ليست مالاً ولا منفعة ولا إسقاطاً، ولكنه مالي لتعلقه بالمال، كالوصية بتأجيل الدين الحالّ، والوصية بأن يباع عقاره مثلاً من فلان.
والمراد بالتركة: كل ما يخلف فيه الوارث المورث، مالاً كان أو منفعة، أو حقاً من الحقوق الأخرى المتعلقة بالمال التي تنتقل بالموت من المورث إلى الوارث.
ثانياً - مشروعية الوصية: هذا يشمل أدلة المشروعية وسببها أو حكمتها، ونوع حكمها الشرعي.
أما أدلة المشروعية: فهي الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ، إن ترك
стр. 7188
خيراً، الوصيةُ للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين﴾ [البقرة:١٨٠/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء:١١/ ٤]. ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ [النساء:١٢/ ٤]. فالآية الأولى دلت على مشروعية الوصية للأقارب، والآيتان الأخريان جعلت الميراث حقاً مؤخراً عن تنفيذ الوصية وأداء الدين، لكن الدين مقدم على الوصية، لقول علي ﵁: «إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء:١١/ ٤]، وأن النبي ﷺ قضى أن الدين قبل الوصية» (١).
وأما السنة: فحديث سعد بن أبي وقاص السابق: «الثلث والثلث كثير»، وحديث «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم، بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» (٢)، وحديث «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» (٣)، وخبر ابن ماجه: «المحروم: من حرم الوصية، من مات على وصية، مات على سبيل وسنة، وتقى وشهادة، ومات مغفوراً له».
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على جواز الوصية.
وأما المعقول: فهو حاجة الناس إلى الوصية زيادة في القربات والحسنات، وتداركاً لما فرط به الإنسان في حياته من أعمال الخير.
стр. 7189
و سبب المشروعية أو حكمتها: هو سبب كل التبرعات، وهو تحصيل فائدة الخير في الدنيا، ونوال الثواب في الآخرة. لذا شرعها الشارع تمكيناً من العمل الصالح، ومكافأة من أسدى للمرء معروفاً، وصلة للرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خلة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن الضعفاء والبؤساء والمساكين. وذلك بشرط التزام المعروف أو العدل، وتجنب الإضرار في الوصية، لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين، غير مضار﴾ [النساء:١٢/ ٤]. ولحديث ابن عباس ﵄: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (١)، والعدل المطلوب: قصرها على مقدار ثلث التركة المحدد شرعاً. أما عدم نفاذ الوصية لوارث إلا بإجازة الورثة الآخرين، فهو لمنع التباغض والتحاسد وقطيعة الرحم.
و نوع حكم الوصية الشرعي: هو الندب أو الاستحباب، فهي مندوبة ولو لصحيح غير مريض؛ لأن الموت يأتي فجأة، فلا تجب الوصية على أحد بجزء من المال، إلا على من عليه دين أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه، فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه الوصية.
والدليل على عدم وجوب الوصية: أن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم وصية، ولأنها تبرع أو عطية لا تجب في حال الحياة، فلا تجب بعد الممات، كعطية الفقراء الأجانب غير الأقارب. أما الآية السابقة: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين .. ﴾ [البقرة:١٨٠/ ٢] فمنسوخة بقوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ [النساء:٧/ ٤] كما قال ابن عباس. وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث.
стр. 7190
وبعد نسخ وجوب الوصية يبقى الاستحباب في حق من لا يرث، للأحاديث السابقة، التي منها: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم».
والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذي لا يرثون إذا كانوا فقراء، باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾ [الإسراء:٢٦/ ١٧] وقوله سبحانه: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾ [البقرة:١٧٧/ ٢] فبدأ بهم، ولقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، من المؤمنين والمهاجرين، إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً﴾ [الأحزاب:٦/ ٣٣] وفسر بالوصية.
ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل، فكذلك بعد الموت. فإن أوصى لغيرهم، وتركهم، صحت وصيته في قول أكثر العلماء.
وقد تصبح الوصية مكروهة أو حراماً.
وبه يتبين أن الوصية أربعة أنواع بحسب صفة حكمها الشرعي:
١ - واجبة: كالوصية برد الودائع والديون المجهولة التي لا مستند لها، وبالواجبات التي شغلت بها الذمة كالزكاة، والحج والكفارات، وفدية الصيام والصلاة ونحوها. وهذا متفق عليه. قال الشافعية: يسن الإيصاء بقضاء الحقوق من الدين ورد الودائع والعواري وغيرها، وتنفيذ الوصايا إن كانت، والنظر في أمر الأطفال ونحوهم كالمجانين ومن بلغ سفيهاً. وتجب الوصية بحق الآدميين كوديعة ومغصوب إذا جهل ولم يعلم.
٢ - مستحبة: كالوصية للأقارب غير الوارثين، ولجهات البر والخير والمحتاجين، وتسن لمن ترك خيراً (وهو المال الكثير عرفاً) بأن يجعل خُمسه لفقير قريب، وإلا فلمسكين وعالم وديِّن.
стр. 7191
٣ - مباحة: كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب، فهذه الوصية جائزة.
٤ - مكروهة تحريما ً عند الحنفية: كالوصية لأهل الفسوق والمعصية. وتكره بالاتفاق لفقير له ورثة، إلا مع غناهم فتباح.
وقد تكون حراما ً غير صحيحة اتفاقاً كالوصية بمعصية، كبناء كنيسة أو ترميمها، وكتابة التوراة والإنجيل وقراءتهما، وكتابة كتب الضلال والفلسفة وسائر العلوم المحرمة، والوصية بخمر أو الإنفاق على مشروعات ضارة بالأخلاق العامة، وتحرم أيضاً بزائد على الثلث لأجنبي، ولوارث بشيء مطلقاً، والصحيح من المذهب عند الحنابلة أن الوصية بالزائد عن الثلث مكروهة، أو لوارث حرام.
والأفضل تعجيل الوصايا لجهات البر في الحياة، وعدم تأخيرها لما بعد الوفاة؛ لأنه لا يأمن إذا أوصى أن يفرط به بعد موته، ولما روى أبو هريرة ﵁، قال: «سئل رسول الله ﷺ : أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الروح الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (١).
وعلى هذا تكون الصدقة في حال الحياة أفضل من الوصية؛ لأن المتصدق يجد ثواب عمله أمامه، ولصريح حديث أبي هريرة المتقدم.
ثالثاً - أركان الوصية: قال صاحب الدر المختار من الحنفية: ركن الوصية: الإيجاب فقط من
стр. 7192
الموصي، بأن يقول: أوصيت لفلان بكذا، ونحوه من الألفاظ. وأما القبول من الموصى له فهو شرط، لا ركن؛ أي أنه شرط في لزوم الوصية وثبوت ملك الموصى به.
وهذا قول زفر، وهو الراجح لدى الحنفية؛ لأن ملك الموصى له بمنزلة ملك الوارث؛ لأن كل واحد من الملكين ينتقل بالموت، ولا يحتاج ملك الوارث إلى قبول، فيقاس عليه ملك الموصى له. وهذا هو الذي أخذ به قانون الأحوال الشخصية السوري (م ٢٠٧)، والمصري (م ١) وبه تكون الوصية تصرفاً ينشأ بإرادة منفردة.
وقال الكاساني في البدائع: ركن الوصية عند أئمة الحنفية الثلاثة: الإيجاب والقبول، كسائر العقود مثل الهبة والبيع، إذ لا يثبت ملك إنسان باختياره من غير قبوله وسعيه، ولأن إثبات الملك له من غير قبوله يؤدي إلى الإضرار به، بخلاف الميراث، فإن الملك فيه ثبت جبراً من الشارع، فلا يشترط فيه القبول.
والمراد بالقبول: ما يكون صريحاً مثل قبلت، أو دلالة كموت الموصى له بعد موت الموصي بلا قبول ولا رد. ولا يصح قبول الوصية إلا بعد موت الموصي، فإن قبل الموصى له بعد موت الموصي، ثبت له ملك الموصى به، سواء قبضه أو لم يقبضه. فإن مات بعد موت الموصي قبل القبول أو الرد، انتقل الموصى به إلى ملك ورثته (١). وإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها، بطلت. هذا ما ذكره الكاساني والقدوري، والراجح لدى الحنفية أن الوصية تنشأ بإرادة الموصي.
ونص القانون المصري (م ٢٠ - ٢٤) على أحكام من مذهب الحنفية وغيره، مفادها: أن الوصية تلزم بقبولها من الموصى له بعد وفاة الموصي، وهو رأي
стр. 7193
الحنفية. ويقبل عن الجنين والصغير والمحجور عليه من له الولاية على مالهم، أخذاً من مذهب الشافعية في الجنين، ومن مذهب المالكية في المحجور عليه.
ويقبل عن جهات البر كالمؤسسات العلمية والدينية والملاجئ والمشافي ونحوها من يمثلها شرعاً أو قانوناً. ولا يعتبر القبول من الموصى لهم كطلبة المدرسة والموجودين بالملجأ أو المستشفى، أخذاً من مذهب الشافعية والإمامية.
ونصت المادة (٢٠) على أنه إذا لم يكن لجهات البر من يمثلها كالفقراء والحج ونحوهما، فإن الوصية تلزم بلا قبول. ولا خلاف فيه بين المذاهب.
وفي المادة (٢١) يقوم الوارث مقام الموصى له إذا مات قبل القبول أو الرد، أخذاً من مذهب الشافعية.
ويصح القبول قبل الموت ويصح متراخياً، عملاً بمذهب الحنفية. أما رد الموصى له الوصية كلها أو بعضها قبل الموت فهو باطل.
ونصت المادة (٢٣) على أن مطابقة القبول للإيجاب ليست شرطاً في لزوم الوصية. وتلزم الوصية فيما قبل، وتبطل فيما رد، وهو مذهب الحنفية.
وقال الجمهور: للوصية أركان أربعة: موص، وموصى له، وموصى به، وصيغة. والصيغة تنعقد بالإيجاب من الموصي كقوله: أوصيت له بكذا أو ادفعوا إليه أو أعطوه بعد موتي، والقبول من الموصى له المعين، ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي، ولا يشترط الفور في القبول بعد الموت. وإن كانت الوصية لجهة عامة كمسجد أو لغير معين كالفقراء، فإنها تلزم بالموت بلا قبول. نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (٢٢٥) على أن: «الوصية لغير معين لا تحتاج إلى قبول ولا ترتد برد أحد».
стр. 7194
رابعاً - كيفية انعقاد الوصية أو طرق إنشائها وأثر العقد: تنعقد الوصية شرعاً بأحد طرق ثلاثة: العبارة، أو الكتابة، أو الإشارة المفهمة، ونصت القوانين عليها (١).
أما العبارة: فلا خلاف بين الفقهاء في انعقاد الوصية باللفظ الصريح مثل: أوصيت لفلان بكذا، وغير الصريح الذي يفهم منه الوصية بالقرينة، مثل جعلت له بعد موتي كذا، أو اشهدوا أني أوصيت لفلان بكذا.
والقبول كما عرفنا يكون عند الجمهور غير الحنفية بعد الموت، فلا عبرة به في حياة الموصي. وإذا مات الموصى له، قام وارثه مقامه بالقبول. ويصح عند الحنفية قبل الموت.
ويكون القبول من الموصى له إذا كان بالغاً رشيداً، فإن لم يكن كذلك، قبل وليه عنه. وإذا كان الموصى له غير معين كالوصية للمسجد أو للفقراء والمساكين، لزمت الوصية بمجرد موت الموصي، بدون قبول، لتعذره في هذه الحالة. ولناقص الأهلية كالمميز والمحجور عليه لسفه أو غفلة قبول الوصية عند الحنفية.
وأما الكتابة: فلا خلاف أيضاً في أن الوصية تنعقد بها إذا صدرت من عاجز عن النطق، كالأخرس، ومثله عند الحنفية والحنابلة معتقل اللسان إذا امتدت عقلته، أو صار ميؤوساً من قدرته على النطق.
أما عند الشافعية فتصح وصية معتقل اللسان مطلقاً كالأخرس بالكتابة أو الإشارة كالبيع، وهذا هو المأخوذ به قانوناً.
стр. 7195
وتنعقد الوصية بالكتابة من قادر على النطق (١) إذا ثبت أنه خط الموصي بإقرار وارث، أو بيِّنة تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن.
هذا هو الراجح لدى الحنابلة، وقال الحنفية والمالكية: إذا كتب الشخص وصيته بيده، ثم أشهد، فقال: اشهدوا على ما في هذا الكتاب، جاز.
وقال الشافعية: الكتابة كناية، أي تنعقد الوصية بها مع النية، كالبيع، واشترطوا لإثبات الكتابة بالشهادة أن يُطْلع الموصي الشهود على ما في كتابه، فإن لم يطلعهم على ما في كتابه، لم تنعقد وصيته.
والدليل على جواز الاكتفاء بالكتابة: أن الكتابة لا تقل في بيان المراد عن العبارة، بل هي أقوى منها عند الحاجة إلى الإثبات.
وأما الإشارة المفهمة: فتنعقد بها الوصية من الأخرس أو معتقل اللسان، بشرط أن يصير معتقل اللسان عند الحنفية والحنابلة ميؤوساً من نطقه، بأن يموت كذلك. وإذا كان العاجز عن النطق عالماً بالكتابة، فلا تنعقد وصيته إلا بالكتابة؛ لأن دلالتها على المقصود أدق وأحكم، وهذا هو المأخوذ به قانوناً.
وتنعقد الوصية بالإشارة المفهمة أيضاً ولو من قادر على النطق عند المالكية.
والخلاصة: أن الناطق تنعقد وصيته بالعبارة (اللفظ) وبالكتابة، وكذا بالإشارة المفهمة عند المالكية، والأخرس ونحوه تنعقد وصيته بالعبارة، أو الكتابة،
стр. 7196
أو الإشارة إذا كان عاجزاً عن الكتابة، فإن كان عالماً بالكتابة فلا تنعقد وصيته إلا بالكتابة في رأي الأكثرين. أما القانون فقرر أنه لا تنعقد وصية الناطق إلا بالعبارة أو الكتابة ولا تنعقد بإشارته، وهو مذهب الحنفية. وأما الأخرس ومعتقل اللسان والمريض الذي لا يستطيع النطق، فإن كان عالماً بالكتابة فلا تنعقد وصيته إلا بها، وأما إذا كان لا يعرف الكتابة، فإن وصيته تنعقد بإشارته.
القبول المطلوب: للفقهاء رأيان فيه:
الأول - للحنفية: وهو أن القبول المطلوب: هو عدم الرد، فيكفي إما القبول الصريح، مثل قبلت الوصية أو رضيت بها، أو القبول دلالة، بأن يتصرف في الموصى به تصرف الملاك، كالبيع والهبة والإجارة.
ويملك الموصى له الموصى به بالقبول إلا في مسألة: وهي أن يموت الموصي، ثم يموت الموصى له قبل القبول، فيدخل الموصى به في ملك ورثته؛ لأن الوصية قد تمت من جانب الموصي بموته تماماً لا يلحقه الفسخ من جهته، وإنما توقف لحق الموصى له، فإذا مات دخل في ملكه، كما لو مات المشتري في أثناء الخيار الممنوح له قبل إجارة البيع. وقد أخذ القانون السوري (م/٢٢٦) برأي الحنفية في الاكتفاء بعدم الرد.
الثاني - للجمهور: لا بد من القبول بالقول أو ما يقوم مقامه من التصرفات الدالة على الرضا، ولا يكتفى بعدم الرد؛ لأنه غير القبول المطلوب. وقد أخذ قانون الوصية المصري بهذا الرأي في المادة (٢٠).
هل تشترط الفورية في القبول؟
اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط كون القبول في مدة معينة، ولا تشترط
стр. 7197
الفورية في القبول أو الرد، بل هو على التراخي، فيجوز بعد الوفاة، ولو إلى مدة طويلة؛ لأن الفور إنما يشترط في العقود المنجزة التي يرتبط القبول فيها بالإيجاب كالبيع، وليست الوصية منها، لكن رأى الشافعية أن للوارث الحق في مطالبة الموصى له بالقبول أو الرد، فإن امتنع بعدالمطالبة، كان امتناعه رداً للوصية، وهذا معقول؛ لأن فيه دفع الضرر عن الورثة. وقال الحنابلة: إن امتنع من قبول ورد، حكم عليه بالرد وسقط حقه.
ورعاية لدفع هذا الضرر اشترط القانون السوري (ف ١/م ٢٢٧) أن يكون رد الوصية خلال ثلاثين يوماً من وفاة الموصي، أو من حين علم الموصى له بالوصية إن لم يكن عالماً حين الوفاة. وهذا من قبيل السياسة الشرعية، منعاً للإضرار بالورثة أو بالتركة.
وجعل القانون المصري (م ٢٢) الحق لمن له تنفيذ الوصية طلب القبول أو الرد بإعلان رسمي، وحدد مدة الإجابة بثلاثين يوماً، فإن لم يجب بالقبول أو الرد، اعتبر ذلك منه رداً، فتبطل الوصية، ما لم يكن له عذر مقبول. وهو مأخوذ من مذهب الشافعية والحنابلة.
تجزؤ الرد ورد البعض دون البعض:
قد يتجزأ الرد، فيقبل الموصى له بعض الموصى به ويرد البعض الآخر كما إذا أوصي له بدار وأرض زراعية، فقبل الدار ورد الأرض الزراعية أو بالعكس، نفذت الوصية فيما قبله، وبطلت فيما رده؛ لأنه أدرى بمصلحته، ولا ضرر على غيره في التجزئة، فيقبل ما يطيب له، ويرد ما لا يرغب فيه، أي أنه لا يلزم مطابقة القبول للإيجاب.
стр. 7198
وإذا كانت الوصية لجماعة، فقبل بعضهم، ورد الآخرون، لزمت الوصية لمن قبل، وبطلت لمن رد؛ لأن بطلانها في نصيب من رد لا يؤثر في صحتها في نصيب من قبل.
لكن إذا شرط الموصي عدم التجزئة، وجب العمل بالشرط، لأن شرط الموصي محترم ما لم يخالف الشريعة.
وقد نصت القوانين على هذه الأحكام (١).
الرجوع عن الرد أو القبول:
إذا حصل الرد أو القبول، لم يجز بعدئذ الرجوع عن الرد إلى القبول، أو عن القبول إلى الرد، إلا إذا أجاز الورثة ذلك، فإن قبل الورثة جميعاً أو قبل أحدهم الرد، فسخت الوصية، وعاد الموصى به إلى التركة، وإذا أبى الورثة الرد، فلا عبرة به، وتبقى الوصية نافذة. هذا ما قرره القانون (٢) عملاً بالمذهب الحنفي الذي يجيز الرد بعد القبول، وتفسخ الوصية بشرط أن يقبل الورثة منه الرد، كلهم أو بعضهم، ولو كان واحداً.
وقال الشافعية والحنابلة (٣): لا يصح الرد بعد القبول والقبض؛ لأن الملك قد ثبت بالقبول، واستقر بالقبض، فلا يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فأشبه رده لسائر ملكه، إلا أن يرضى الورثة بالرد، فيكون منه لهم هبة مبتدأة، تفتقر إلى شروط الهبة.
стр. 7199
أما إن حصل الرد بعد القبول وقبل القبض، ففيه عند الشافعية وجهان: المنصوص عليه أنه يصح الرد؛ لأنه تمليك من جهة الآدمي من غير بدل، فصح رده قبل القبض كالوقف. ويصح الرد عند الحنابلة إن كان الموصى به مكيلاً أو موزوناً؛ لأنه لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه، فأشبه رده قبل القبول. وإن كان غير ذلك لم يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليه، فهو كالمقبوض.
وفي كل موضع صح الرد فيه، فإن الوصية تبطل بالرد، وترجع إلى التركة، فتكون للورثة جميعهم؛ لأن الأصل ثبوت الحكم لهم.
والراجح رأي الشافعية والحنابلة بعدم صحة الرد بعد القبول وإن لم يوجد قبض، إلا على أنه تبرع مبتدأ، فيأخذ حكم التبرعات المنشأة، لثبوت ملك الموصى له بالتلقي عن الموصي، لا عن الورثة، وإن أخذ القانون برأي الحنفية.
ويحصل الرد بقوله: رددت الوصية أو لا أقبلها وما في معناه.
من يملك القبول والرد:
أـ اتفق الفقهاء على أن الموصى له المعين يملك بنفسه القبول والرد إذا كان كامل الأهلية رشيداً؛ لأنه صاحب الولاية على نفسه.
ب - واتفقوا أيضاً على أن الموصى له إذا كان فاقد الأهلية وهو المجنون والمعتوه والصبي غير المميز، ليس له القبول والرد؛ لأن عبارته ملغاة، وإنما يقبل وليه عنه أويرد.
جـ - واتفقوا أيضاً على أن الموصى له غير المعين لا يحتاج إلى قبول ولا رد، وإنما تلزم الوصية بمجرد إيجاب الموصي. وقد أخذ به القانون السوري (م ٢٢٥)، أما القانون المصري (م ٢٠)، فجعل حق القبول والرد عن المؤسسات والجهات
стр. 7200
والمنشآت لمن يمثلها قانوناً، فإن لم يكن لها من يمثلها قانوناً، لزمت الوصية من غير حاجة إلى قبول.
د - واختلف الفقهاء في ناقص الأهلية وهو الصبي غير المميز، والمحجور عليه بسبب السفه أو الغفلة:
فقال الحنفية: له القبول؛ لأن الوصية نفع محض له كالهبة والاستحقاق في الوقف، وليس له ولا لوليه الرد؛ لأنه ضرر محض، فلا يملكونه.
وقال الجمهور: أمر القبول والرد عن ناقص الأهلية لوليه، يفعل ما فيه الحظ والمصلحة.
موت الموصى له بلا قبول ولا رد:
إذا مات الموصى له بعد موت الموصي، بلا قبول ولا رد، فتصح الوصية عند الحنفية (١) استحساناً؛ لأن موته يعتبر قبولاً دلالة، ولأن الشرط عدم الرد، فتتم الوصية، ويدخل الموصى به في ملك ورثة الموصى له.
وينتقل حق القبول والرد إلى ورثة الموصى له عند الجمهور (٢)، بعد موت الموصي، فمن قبل منهم أورد، فله حكمه؛ لأنه حق ثبت للمورث، فثبت للوارث بعد موته، لقوله ﵊: «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته».
وقت ثبوت ملكية الموصى به للموصى له:
حكم الوصية بمعنى الأثر المترتب على الشيء: هو انتقال ملكية الموصى به
стр. 7201
إلى الموصى له ملكاً جديداً بقبول الموصى له بعد وفاة الموصي، وبه تلزم الوصية بالاتفاق.
واتفق الفقهاء على أن الموصي إذا حدد موعداً للملكية كابتداء شهر كذا، تبدأ به؛ لأن شرط الموصي يراعى ما لم يخالف مقاصد الشرع. أما إذا لم يعين الموصي وقتاً لابتداء الملكية، فإن قبل الموصى له عقب الوفاة، ثبت له الملك بالوفاة مباشرة، أما إذا تراخى القبول عن الوفاة فقد اختلفوا في وقت ثبوت الملكية على رأيين: رأي الحنفية والشافعية، ومشهور مذهب المالكية: بالقبول مستنداً إلى موت الموصي، أي أن له أثراً رجعياً، ورأي بعض المالكية والحنابلة: بالقبول وحده.
قال الحنفية (١): القبول ليس بشرط لصحة الوصية، وإنما هوشرط ثبوت الملك للموصى له، فقبول الموصى له شرط لإفادة الملك للموصى له، حتى لا يملك قبل القبول إلا في مسألة واحدة هي كما عرفنا: حال موت الموصي ثم موت الموصى له قبل القبول.
ومتى قبل الموصى له ثبتت ملكيته من تاريخ وفاة الموصي إذا كان قدر الثلث، فإن لم يقبل بعد الموت، كانت الوصية موقوفة على قبوله: ليست في ملك الوارث، ولا في ملك الموصى له، حتى يقبل أو يموت بلا قبول ولا رد.
وكذلك قال الشافعية (٢): الأظهر أن ملك الموصى له موقوف، فإن قبل بان أنه ملكه بالموت، وإن لم يقبله بان أنه للوارث، أي أنهم كالحنفية تبتدئ الملكية عندهم من وقت وفاة الموصي، ولكن لا تثبت إلا بالقبول. والمشهور عند
стр. 7202
المالكية (١) مراعاة الأمرين وهو أن الملك يثبت من وقت القبول ووقت الموت معاً، فبالقبول تبين أنه ملك الموصى به من حين الموت.
ورأى بعض المالكية والحنابلة (٢) على الصحيح: أن الموصى له لا يملك الموصى به إلا بالقبول، إذا كانت الوصية لمعين، كما يملك الشيء المعقود عليه في سائر العقود، ولأن القبول من تمام السبب، والحكم لا يتقدم سببه. فتثبت الملكية بالقبول، ولا يستند وجودها إلى ما قبله.
والراجح لدي هو الرأي الأول، فيثبت الملك مستنداً إلى وقت الوفاة؛ لأن ذلك هو الذي قصده الموصي بوصيته، وهذا ما أخذ به القانون السوري (٣).
وتظهر ثمرة الخلاف في ملك زوائد الموصى به وغلته الحادثة في المدة ما بين الموت والقبول، كنسل الحيوان وثمرة البستان وأجرة الدار وصوف الغنم ونحوها من الزوائد المنفصلة. أما الزوائد المتصلة كالسمن، فهي بالاتفاق للموصى له إذا احتملها الثلث.
فعلى الرأي الأول: تكون الزوائد بعد الموت وقبل القبول ملكاً لورثة الموصي، وعليهم نفقتها. لكن اختلف الحنفية مع الشافعية أصحاب الرأي الأول في اعتبار الزوائد من الثلث، فقال الحنفية: تعتبر من أصل الموصى به، فيشترط ألا تزيد مع الأصل عن الثلث.
وقال الشافعية: يعتبر ذلك نماءً زائداً عن أصل الموصى به، فلا تدخل في حساب الثلث، فتكون للموصى له. وهذا هو الأرجح؛ لأن هذا الزائد حدث على ملك الموصى له، فيسلم له، وبه أخذ القانون.
стр. 7203
تعليق الوصية على شرط:
لا تكون الوصية منجزة حال الحياة؛ لأنها بطبيعتها عقد مضاف إلى ما بعد الموت، فكل العقود تقبل التنجيز إلا الوصية والإيصاء، لكون مفهومهما الإضافة إلى المستقبل.
وقد نص القانون المصري والسوري (١) على صحة إضافة الوصية إلى المستقبل، وتعليقها بالشرط، وتقييدها به إذا كان الشرط صحيحاً.
أما إضافة الوصية إلى المستقبل: فهذا صحيح، كأن يوصي بسكنى داره لفلان اعتباراً من بدء السنة التالية لوفاته، أو من بدء الشهر الفلاني بعد الوفاة. والوصية والإيصاء لا يكونان إلا مضافين إلى المستقبل.
وأما تقييد الوصية بشرط صحيح: فهو جائز أيضاً على أن يتقيد تنفيذ الوصية بهذا الشرط المقترن بها. والشرط الصحيح بحسب رأي ابن تيمية وابن القيم الذي أخذ به القانون: هو كل ما كان فيه مصلحة مشروعة للموصي، أو للموصى له، أو لغيرهما، ولم يكن منهياً عنه، ولا مخالفاً لمقاصد الشريعة (٢). وهو متفق مع مذهب الحنفية، مع تقييد الشرط الصحيح بقيدين: أولهما - أن يكون الشرط مشتملاً على مصلحة. والثاني - ألا يكون منهياً عنه ولا منافياً لمقاصد الشريعة، وكأن القانون جعل من مجموع رأي الحنفية وهذين الإمامين رأياً ثالثاً مقبولاً في ذاته.
مثال المصلحة للموصي: أن يوصي لفلان بكذا على أن يدفع ضرائب الدولة المستحقة، أو على أن يقوم بالإشراف على أولاده الصغار، أو على أن يبدأ في تنفيذ الوصايا بحقوق الله من فدية صيام وصلاة ونحوها.
стр. 7204
ومثال المصلحة للموصى له: أن يوصي لفلان بأرضه أو داره على أن تكون نفقات إصلاحها أو ترميمها في تركة الموصي، أو على أن تكون رسوم التسجيل في السجل العقاري من تركة الموصي.
ومثال المصلحة لأجنبي غير الموصي والموصى له: أن يوصي لفلان بداره على أن يسقي من مائها حديقة جاره، أو أن يوصي بمنفعة دار لجهة خيرية على أن يكون حق السكنى لمن لم يجد مأوى من ذريته.
فإن كان الشرط غير صحيح شرعاً، لغا الشرط وصحت الوصية، كأن يوصي لفلان بمبلغ من المال على ألا يتزوج، تصح الوصية وله أن يتزوج. فهذا شرط مصادم لمقاصد الشريعة. وكذلك يلغو الشرط من باب أولى إن كان ممنوعاً شرعاً، كأن يوصي لفلان بمبلغ كذا على أن ينفق بعضه في حفلة مشروب مسكر أو لذة حرام.
وأما تعليق الوصية على شرط (١): فيجوز تعليقها بشرط في الحياة كالطلاق ونحوه، وبشرط بعد الموت؛ لأن ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة، فإذا جاز تعليقها على شرط في الحياة، جاز بعد الموت (٢). وبه عرف أن الوصية من العقود التي تقبل التعليق على الشرط بالاتفاق.
المبحث الثاني - شروط الوصية:
للوصية شروط صحة يتوقف عليها صحة الوصية، وشروط نفاذ يتوقف
стр. 7205
عليها نفاذ الوصية وترتب آثارها، وتلك الشروط إما في الموصي أو في الموصى له، أو في الموصى به، أبحثها في مطالب ثلاثة:
المطلب الأول - شروط الموصي:
يشترط في الموصي شروط صحة وشرط نفاذ:
أما شروط الصحة في الموصي فهي ما يأتي (١):
١ - أن يكون أهلاً للتبرع: وهو المكلف (البالغ العاقل)، الحر، رجلاً كان أو امرأة، مسلماً أو كافراً.
وقد اتفق على اشتراط العقل، فلا تصح وصية المجنون والمعتوه والمغمى عليه؛ لأن عبارتهم ملغاة لا يتعلق بها حكم. واتفقوا على اشتراط الحرية، فلا تصح وصية العبد؛ لأنها تبرع، وهو ليس من أهل التبرع، ولأنه لا يملك شيئاً حتى يملّكه لغيره.
واتفق الحنفية، والشافعية في أرجح القولين عندهم على اشتراط البلوغ، فلا تصح وصية الصبي المميز وغير المميز، ولو كان مميزاً مأذوناً له في التجارة؛ لأن الوصية من التصرفات الضارة ضرراً محضاً، إذ هي تبرع، كما أنها ليست من أعمال التجارة.
وأجاز المالكية والحنابلة وصية المميز وهو ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها، دون غير المميز، إذ اعقل المميز القربة؛ لأنها تصرف تمحض نفعاً له، فصح منه
стр. 7206
كالإسلام والصلاة، كما أن الحنفية أجازوا وصية المميز (وهو من أتم السابعة) إذا كانت لتجهيزه وتكفينه ودفنه؛ لأن عمر ﵁ أجاز وصية صبي من غسان له عشر سنين أوصى لأخواله، ولأنه لا ضرر على الصبي في جواز وصيته؛ لأن المال سيبقى على ملكه مدة حياته، وله الرجوع عن وصيته؛ كما سأبين.
وتجوز وصية المحجور عليه لسفه بالاتفاق، فقال الحنفية: تصح وصية المحجور عليه (١) إذا كانت بالقُرَب وأبواب الخير، من ثلث ماله؛ إذ ليس في تلك الوصية إضرار به، بل هي مفيدة له، لما يترتب عليها من الثواب. أما الوصية في غير القُرَب كالوصية لغني غير فاسق، فإنها لا تجوز.
وكذلك قال المالكية: تصح وصية المحجور عليه السفيه والصغير؛ لأن الحجر عليهما لحق أنفسهما، فلو منعا من الوصية، لكان الحجر عليهما لحق غيرهما.
والمذهب لدى الشافعية جواز وصية المحجور عليه بسفه، لصحة عبارته. وأما وصية المحجور عليه لفلس فموقوفة على إجازة الغرماء، فإن أمضوها جازت، وإن ردوها بطلت.
وقال الحنابلة: تصح وصية المحجور عليه لسفه بمال؛ لأنها تمحضت نفعاً له من غير ضرر، فصحت منه كعباداته، ولأنه كما قال الحنفية والمالكية إنما حجر عليه لحفظ ماله، وليس في الوصية إضاعة له؛ لأنه إن عاش، كان ماله له، وإن مات كان ثوابه له، وهو أحوج إليه من غيره. ولا تصح الوصية من المحجور عليه لسفه على أولاده؛ لأنه لا يملك أن يتصرف عليهم بنفسه، فوصيته أولى.
وتصح الوصية من المحجور عليه لفلس؛ لأن الحجر عليه لحظ الغرماء، ولا ضرر عليهم؛ لأنه إنما تنفذ وصيته في ثلث ماله بعد وفاء ديونه.
стр. 7207
أما السكران: فلا تصح وصيته عند الجمهور، لعدم العقل فهو كالمجنون. وأجاز الشافعية وصية السكران المتعدي بسكره وهو من عصى بسكره، ولا تصح وصية غير المتعدي بسكره.
وتصح بالاتفاق وصية الكافر ولو حربياً، فليس الإسلام شرطاً لصحة الوصية، إلا أن يوصي بخمر أو خنزير لمسلم.
وغني عن البيان أنه يشترط في الموصي كونه مالكاً، فهذا داخل في اشتراط أهلية التبرع، فكل من ملك التصرف في ماله بالبيع والهبة، ملك الوصية بثلثه في وجوه البر، لحديث سعد بن أبي وقاص السابق (١).
٢ - أن يكون راضياً مختاراً: لأن الوصية إيجاب ملك، فلا بد فيه من الرضا، كإيجاب الملك بسائر الأشياء والتصرفات من بيع وهبة ونحوهما، فلا تصح وصية الهازل والمكره والمخطئ؛ لأن هذه العوارض تفوِّت الرضا، والرضا لابد منه في عقود التمليكات.
شرط نفاذ الوصية في الموصي:
يشترط في الموصي لنفاذ الوصية: ألا يكون مديناً بدين مستغرق لجميع تركته؛ لأن إيفاء الدين مقدم على تنفيذ الوصية بالإجماع كما بان سابقاً، وقد تعلق بالمال حق للغير وهو الدائن، فتكون الوصية في هذه الحالة موقوفة على إجازة أصحاب الحق، فإذا أجازوها نفذت، وإلا بطلت.
стр. 7208
وقد اتفق القانون (١) مع الفقه في شرط نفاذ الوصية، وفي شرط كون الموصي أهلاً للتبرع قانوناً، فلا تصح وصية المجنون ولا المعتوه، ولا الصبي ولو كان مميزاً، أخذاً برأي الحنفية، والشافعية في الأرجح.
أما وصية المحجور عليه لسفه أو غفلة، فهي جائزة بإذن القاضي، فإذا أذن نفذت، وإلا بطلت، سواء أكانت الوصية في وجوه الخير أم لا.
المطلب الثاني - شروط الموصى له:
يشترط في الموصى له شروط صحة وشروط نفاذ (٢).
أما شروط الصحة فهي ما يأتي: في الجهة العامة أو الشخص المعنوي ألا تكون جهة معصية، وفي الشخص الطبيعي أو الإنسان: ١ - أن يكون موجوداً. ٢ - معلوماً. ٣ - أهلاً للتملك والاستحقاق. ٤ - غير حربي عند المالكية، وغير حربي في دار الحرب عند الحنفية، وألا يوصى بالسلاح لأهل الحرب عند الشافعية، فصارت شروط الموصى له ستة.
الوصية لجهة معصية: ألا يكون الموصى له جهة معصية إذا كان الموصي مسلماً. فإذا كان الموصى له جهة معصية بطلت الوصية باتفاق الفقهاء، كالوصية
стр. 7209
لأندية القمار والمراقص، وإقامة القباب على المقابر، أو النياحة على الموتى، وعمارة كنيسة أو ترميمها، وكتابة التوراة والإنجيل وقراءتهما، وكتابة كتب السحر والضلال والفلسفة الممنوعة وسائر العلوم المحرمة؛ وبالسلاح لأهل الحرب، وبآلات اللهو والطرب؛ لأن الوصية شرعت صلة أو قربة، فلا يصح أن تكون في معصية، فإذا وقعت كذلك كانت باطلة اتفاقاً، لأنها وصية بمحرم شرعاً.
فإن كانت الوصية في ذاتها مباحة شرعاً، لكن الباعث عليها محرم، كالوصية لأهل الفسق ليستعينوا بها على فسقهم، ففيها رأيان: بحسب الخلاف في مبدأ سد الذرائع:
يرى الحنفية والشافعية: أن الوصية صحيحة، عملاً بظاهر العقد، فلم يشتمل لفظ الوصية على محرم، ويترك أمر النية والقصد لله تعالى.
ويرى المالكية والحنابلة ومنهم ابن تيمية وابن القيم: أن مثل هذه الوصايا تكون باطلة؛ لأن العبرة في العقود بالقصد والنية، والباعث حينئذ مناف لمقاصد الشريعة، فتكون باطلة. وهذا ما أخذ به القانون (١).
الوصية للمعدوم (٢): أن يكون الموصى له موجوداً وقت الوصية تحقيقاً أو تقديراً: فإن لم يكن موجوداً، لا تصح الوصية؛ لأن الوصية للمعدوم لا تصح؛ لأنها تمليك، والتمليك لا يجوز للمعدوم. فلا تجوز الوصية عند الجمهور لميت، وقال مالك: إن علم أنه ميت فهي جائزة، وهي لورثته بعد قضاء ديونه وتنفيذ
стр. 7210
وصاياه. ووجود الموصى له إما حقيقة كإنسان موجود حي، أو تقديراً كالحمل. ويعرف وجود الحمل إذا ولدته أمه حياً لأقل من ستة أشهر (وهي أقل مدة الحمل) حين الإيصاء.
الوصية للحمل وبالحمل: تصح الوصية بالحمل وللحمل إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ التكلم بالوصية.
أما الوصية بالحمل: فتصح إذا كان مملوكاً، بأن يكون حمل بهيمة مملوكة للموصي؛ لأن الغرر والخطر لا يمنع صحة الوصية، فإذا انفصل ميتاً بطلت الوصية، وإن انفصل حياً وعلمنا وجوده حال الوصية أو حكما بوجوده، صحت الوصية، وإن لم يكن كذلك لم تصح لجواز حدوثه.
وأما الوصية للحمل فصحيحة أيضاً بلا خلاف؛ لأن الوصية كالميراث، والحمل يرث، فتصح الوصية له، فإذا ورث الحمل، فالوصية له أولى، فإن انفصل الحمل ميتاً، بطلت الوصية؛ لأنه لا يرث. وإن وضعته حياً، صحت الوصية له. ويحسن إيراد عبارات الفقهاء في شأن الوصية للحمل وبالحمل.
قال الزيلعي والشلبي وصاحب الدر والهداية من الحنفية: تصح الوصية للحمل وبالحمل إن ولدته أمه حياً لأقل مدة الحمل وهي ستة أشهر من وقت الوصية (١)، إذا كان زوج الحامل حياً، أي في حال الوصية للحمل، فإذا كان ميتاً، فالشرط أن تأتي به حياً لأقل من سنتين من وقت الموت. أما إن أتت به ميتاً، فلا تجوز الوصية.
стр. 7211
وإن كانت المرأة معتدة من طلاق بائن فالشرط أيضاً أن تأتي به لأقل من سنتين من تاريخ الطلاق. ومثله: لو أقر الموصي بأنها حامل، فتثبت الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم أوصى، لثبوت الحمل بإقرار الموصي.
و قال الشافعية: تصح الوصية لحمل وتنفذ إن انفصل حياً، وعلم وجوده عند الوصية، بأن انفصل لدون ستة أشهر إن كانت ذات زوج؛ لأن الظاهر وجوده عند الوصية. وتصح الوصية بما تحمله البهيمة أو الشجرة وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر، واللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة، فجاز أن يملك بالوصية، ولأن الموصى له كالوارث، والوارث يخلف الميت في هذه الأشياء.
و قال الحنابلة: تصح الوصية بالحمل إذا كان مملوكاً، وتصح الوصية للحمل إن أتت به حياً لأقل من ستة أشهر، حال الوصية، أي كما قال الشافعية.
وكذلك اتفق الشافعية والحنابلة على أن المرأة إن كانت بائناً غير ذات زوج (أي ليست فراشاً لزوج فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له. وإن أتت به لأقل من ذلك، صحت الوصية له؛ لأن الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة.
و قال المالكية: تصح الوصية للموصى له، سواء أكان موجوداً حين الوصية، أم منتظر الوجود كالحمل، وتصح لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد إن استهل صارخاً ونحوه، مما يدل على تحقق حياته، لكن في قول لا يستحق شيئاً من غلة الموصى به؛ لأنه لا يملك إلا بعد وضعه حياً، فتكون الغلة لوارث الموصي. وفي القول الآخر: توقف وتدفع للموصى له إذا استهل كالموصى به. ويوزع
стр. 7212
الشيء الموصى به لمن سيكون إن ولدت أكثر من واحد، بحسب العدد أي الذكر كالأنثى عند الإطلاق، فإن نص الموصي على تفضيل، عمل به. مثال الوصية لمن سيوجد: «أوصيت لمن سيكون من ولد فلان». فيكون لمن يولد له، سواء أكان موجوداً، بأن كان حملاً حين الوصية، أم غير موجود أصلاً، فيؤخر الموصى به للوضع على كل حال.
وتصح الوصية عندهم لميت علم الموصي بموته حين الوصية، ويصرف الشيء الموصى به في وفاء دين الميت إن كان عليه دين، وإن لم يكن عليه دين فلوارثه، فإن لم يكن عليه دين، ولا وارث له، بطلت الوصية، ولا يأخذها بيت المال. وإن أوصى لميت وهو يظنه حياً، بطلت الوصية اتفاقاً.
والخلاصة: أن الجمهور يشترطون وجود الموصى له حين الوصية، وتصح الوصية للحمل إن ولد حياً لأقل من ستة أشهر من تاريخ إنشاء الوصية.
أما المالكية فلا يشترطون هذا الشرط، ويجيزون أيضاً الوصية للحمل الذي سيوجد، وإن لم يكن موجوداً عند الوصية، فلا يشترط عندهم إذن وجود الموصى له حين الوصية، ولا عند موت الموصي. وأرجح رأي الجمهور لأن تمليك غير الموجود لا معنى له، ولما يترتب على جواز هذه الوصية من حبس المال مدة طويلة انتظاراً لمن سيوجد في المستقبل.
أما القانون: فقانون الوصية المصري (م ٦) اشترط أن يكون الموصى له موجوداً إذا كان معيناً، وهذا متفق مع رأي الجمهور، فإن لم يكن معيناً كطلبة العلم، لايشترط أن يكون موجوداً عند الوصية، ولا وقت موت الموصي، وهو مأخوذ من مذهب الإمام مالك، كما قالت المذكرة التفسيرية. وكذلك أخذ هذا القانون في الفقرة الأولِى المادة (٢٦) من مذهب مالك جواز الوصية بالأعيان
стр. 7213
للمعدوم، ولما يشمل الموجود والمعدوم ممن يحصون. وتبطل الوصية إذا تعذر وجود الموصى له في المستقبل. ونصت المادة الثامنة على جواز الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد مستقبلاً، كالوصية للملجأ الذي سيبنى في الحي الفلاني.
والقانون السوري (م ٢١٢، ف/ب) اشترط أن يكون الموصى له موجوداً عند الوصية وحين موت الموصي، إن كان معيناً. وفي المادة (٢٣٦) الموافقة للمادة (٣٥) من القانون المصري نص على ما يلي:
١ - تصح الوصية للحمل المعين وفقاً لما يلي:
أـ إذا أقر الموصي بوجود الحمل حين الإيصاء، يشترط أن يولد حياً لسنة (أي شمسية) فأقل من ذلك الحين.
ب - إذا كانت الحامل معتدة من وفاة أو فرقة بائنة، يشترط أن يولد حياً لسنة أيضاً من حين وجوب العدة.
جـ - إذا لم يكن الموصي مقراً ولا الحامل معتدة، يشترط أن يولد حياً لتسعة أشهر فأقل من حين الوصية.
د - إذا كانت الوصية لحمل من شخص معين، يشترط مع ما تقدم أن يثبت نسب الولد من ذلك الشخص.
٢ - توقف غلة الموصى به منذ وفاة الموصي إلى أن ينفصل الحمل، فتكون له. ونصت المادة (٢١٤) على أنه: تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد في المستقبل، فإن تعذر وجودها صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة.
стр. 7214
الوصية للمجهول: أن يكون الموصى له معلوماً غير مجهول: أي ألا يكون مجهولاً جهالة لا يمكن رفعها وإزالتها؛ لأن هذه الجهالة تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له، فلا تفيد الوصية، ولأن الوصية تمليك عند الموت - في رأي الجمهور غير الحنابلة - فلا بد من أن يكون الموصى له معلوماً في ذلك الوقت، حتى يقع الملك له، ويمكن تسليم الموصى به إليه.
فلو أوصى إنسان لمحمد أو خالد بالثلث، أو لجماعة لا يحصون من المسلمين (١) كثلث ماله للمسلمين، ولم يوصفوا بما يشعر بالحاجة كفقراء المسلمين، كانت الوصية باطلة عند الحنفية، لجهالة الموصى له جهالة تمنع من تسليم الموصى به إليه. وكذلك لو أوصى لأحد رجلين، لا تصح عند أبي حنيفة والشافعية وباقي المذاهب، لعدم تعيين الموصى له (٢).
أما لو أوصى لجماعة بلفظ ينبئ عن حاجتهم، فتصح الوصية عند الحنفية؛ لأنها وصية بالصدقة، وهي إخراج المال إلى الله تعالى، وهو واحد معلوم، فيقع الموصى به لله، ثم يتملكها المحتاجون بتمليك الله لهم. جاء في رد المحتار أن معنى كون الموصى له معلوماً: أن يكون معيناً شخصاً كزيد، أو نوعاً كالمساكين والفقراء.
وقد أخذ القانون المصري والسوري (٣) بهذا الشرط، وهو كون الموصى له
стр. 7215
معلوماً، إلا أنه أجاز الوصية لمن لا يحصى كأهل دمشق أو القاهرة خلافاً لمذهب الحنفية، وأخذاً بمذهب المالكية والحنابلة، سواء اشتملت الوصية على ما ينبئ عن الحاجة أو لا. أما الشافعية فهم كالحنفية لأنه يجب عندهم أن يكون الموصى له معيناً إن كان غير جهة.
وقد نصت المادة (٢١٣) من القانون السوري على ما يلي:
١ - الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة، تصرف في وجوه الخير.
٢ - الوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية والعلمية وسائر المصالح العامة، تصرف على عمارتها ومصالحها وفقرائها، وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المصرف بعرف أو قرينة. وهذا قريب من نص المادة السابعة من القانون المصري.
والراجح لدي ما أخذ به القانون؛ لأن معنى القربة موجود في مثل هذه الوصية على كل حال، سواء صرح الموصي بقصده أم سكت.
الوصية للدابة: يشترط أن يكون الموصى له أهلاً للتمليك والاستحقاق: وهذا شرط متفق عليه. فلا تصح الوصية لما ليس أهلاً للملك، كأن أوصى لدابة أو فرس غيره، وقصد تمليكها، أو أطلق، فهي باطلة عند الحنفية والشافعية والمالكية؛ لأن مطلق اللفظ للتمليك، والدابة لا تملك، أما لو قال: لعلف هذه الدابة، صح، مراعاة لظاهر لفظ الموصي، لا إلى قصده. ولا يشترط عند الحنفية القبول في هذه الحالة، لأنها حينئذ كالميراث، فلا يشترط فيها القبول لتعذره كالوقف على الفقراء والمساكين. وقال الشافعية: يشترط قبول مالك الدابة.