← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

وإن كانت المرأة معتدة من طلاق بائن فالشرط أيضاً أن تأتي به لأقل من سنتين من تاريخ الطلاق. ومثله: لو أقر الموصي بأنها حامل، فتثبت الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم أوصى، لثبوت الحمل بإقرار الموصي. و قال الشافعية: تصح الوصية لحمل وتنفذ إن انفصل حياً، وعلم وجوده عند الوصية، بأن انفصل لدون ستة أشهر إن كانت ذات زوج؛ لأن الظاهر وجوده عند الوصية. وتصح الوصية بما تحمله البهيمة أو الشجرة وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر، واللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة، فجاز أن يملك بالوصية، ولأن الموصى له كالوارث، والوارث يخلف الميت في هذه الأشياء. و قال الحنابلة: تصح الوصية بالحمل إذا كان مملوكاً، وتصح الوصية للحمل إن أتت به حياً لأقل من ستة أشهر، حال الوصية، أي كما قال الشافعية. وكذلك اتفق الشافعية والحنابلة على أن المرأة إن كانت بائناً غير ذات زوج (أي ليست فراشاً لزوج فأتت به لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له. وإن أتت به لأقل من ذلك، صحت الوصية له؛ لأن الولد يعلم وجوده إذا كان لستة أشهر، ويحكم بوجوده إذا أتت به لأقل من أربع سنين من حين الفرقة. و قال المالكية: تصح الوصية للموصى له، سواء أكان موجوداً حين الوصية، أم منتظر الوجود كالحمل، وتصح لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد إن استهل صارخاً ونحوه، مما يدل على تحقق حياته، لكن في قول لا يستحق شيئاً من غلة الموصى به؛ لأنه لا يملك إلا بعد وضعه حياً، فتكون الغلة لوارث الموصي. وفي القول الآخر: توقف وتدفع للموصى له إذا استهل كالموصى به. ويوزع

стр. 7212

الشيء الموصى به لمن سيكون إن ولدت أكثر من واحد، بحسب العدد أي الذكر كالأنثى عند الإطلاق، فإن نص الموصي على تفضيل، عمل به. مثال الوصية لمن سيوجد: «أوصيت لمن سيكون من ولد فلان». فيكون لمن يولد له، سواء أكان موجوداً، بأن كان حملاً حين الوصية، أم غير موجود أصلاً، فيؤخر الموصى به للوضع على كل حال. وتصح الوصية عندهم لميت علم الموصي بموته حين الوصية، ويصرف الشيء الموصى به في وفاء دين الميت إن كان عليه دين، وإن لم يكن عليه دين فلوارثه، فإن لم يكن عليه دين، ولا وارث له، بطلت الوصية، ولا يأخذها بيت المال. وإن أوصى لميت وهو يظنه حياً، بطلت الوصية اتفاقاً. والخلاصة: أن الجمهور يشترطون وجود الموصى له حين الوصية، وتصح الوصية للحمل إن ولد حياً لأقل من ستة أشهر من تاريخ إنشاء الوصية. أما المالكية فلا يشترطون هذا الشرط، ويجيزون أيضاً الوصية للحمل الذي سيوجد، وإن لم يكن موجوداً عند الوصية، فلا يشترط عندهم إذن وجود الموصى له حين الوصية، ولا عند موت الموصي. وأرجح رأي الجمهور لأن تمليك غير الموجود لا معنى له، ولما يترتب على جواز هذه الوصية من حبس المال مدة طويلة انتظاراً لمن سيوجد في المستقبل. أما القانون: فقانون الوصية المصري (م ٦) اشترط أن يكون الموصى له موجوداً إذا كان معيناً، وهذا متفق مع رأي الجمهور، فإن لم يكن معيناً كطلبة العلم، لايشترط أن يكون موجوداً عند الوصية، ولا وقت موت الموصي، وهو مأخوذ من مذهب الإمام مالك، كما قالت المذكرة التفسيرية. وكذلك أخذ هذا القانون في الفقرة الأولِى المادة (٢٦) من مذهب مالك جواز الوصية بالأعيان

стр. 7213

للمعدوم، ولما يشمل الموجود والمعدوم ممن يحصون. وتبطل الوصية إذا تعذر وجود الموصى له في المستقبل. ونصت المادة الثامنة على جواز الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد مستقبلاً، كالوصية للملجأ الذي سيبنى في الحي الفلاني. والقانون السوري (م ٢١٢، ف/ب) اشترط أن يكون الموصى له موجوداً عند الوصية وحين موت الموصي، إن كان معيناً. وفي المادة (٢٣٦) الموافقة للمادة (٣٥) من القانون المصري نص على ما يلي: ١ - تصح الوصية للحمل المعين وفقاً لما يلي: أـ إذا أقر الموصي بوجود الحمل حين الإيصاء، يشترط أن يولد حياً لسنة (أي شمسية) فأقل من ذلك الحين. ب - إذا كانت الحامل معتدة من وفاة أو فرقة بائنة، يشترط أن يولد حياً لسنة أيضاً من حين وجوب العدة. جـ - إذا لم يكن الموصي مقراً ولا الحامل معتدة، يشترط أن يولد حياً لتسعة أشهر فأقل من حين الوصية. د - إذا كانت الوصية لحمل من شخص معين، يشترط مع ما تقدم أن يثبت نسب الولد من ذلك الشخص. ٢ - توقف غلة الموصى به منذ وفاة الموصي إلى أن ينفصل الحمل، فتكون له. ونصت المادة (٢١٤) على أنه: تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد في المستقبل، فإن تعذر وجودها صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة.

стр. 7214

الوصية للمجهول: أن يكون الموصى له معلوماً غير مجهول: أي ألا يكون مجهولاً جهالة لا يمكن رفعها وإزالتها؛ لأن هذه الجهالة تمنع من تسليم الموصى به إلى الموصى له، فلا تفيد الوصية، ولأن الوصية تمليك عند الموت - في رأي الجمهور غير الحنابلة - فلا بد من أن يكون الموصى له معلوماً في ذلك الوقت، حتى يقع الملك له، ويمكن تسليم الموصى به إليه. فلو أوصى إنسان لمحمد أو خالد بالثلث، أو لجماعة لا يحصون من المسلمين (١) كثلث ماله للمسلمين، ولم يوصفوا بما يشعر بالحاجة كفقراء المسلمين، كانت الوصية باطلة عند الحنفية، لجهالة الموصى له جهالة تمنع من تسليم الموصى به إليه. وكذلك لو أوصى لأحد رجلين، لا تصح عند أبي حنيفة والشافعية وباقي المذاهب، لعدم تعيين الموصى له (٢). أما لو أوصى لجماعة بلفظ ينبئ عن حاجتهم، فتصح الوصية عند الحنفية؛ لأنها وصية بالصدقة، وهي إخراج المال إلى الله تعالى، وهو واحد معلوم، فيقع الموصى به لله، ثم يتملكها المحتاجون بتمليك الله لهم. جاء في رد المحتار أن معنى كون الموصى له معلوماً: أن يكون معيناً شخصاً كزيد، أو نوعاً كالمساكين والفقراء. وقد أخذ القانون المصري والسوري (٣) بهذا الشرط، وهو كون الموصى له

стр. 7215

معلوماً، إلا أنه أجاز الوصية لمن لا يحصى كأهل دمشق أو القاهرة خلافاً لمذهب الحنفية، وأخذاً بمذهب المالكية والحنابلة، سواء اشتملت الوصية على ما ينبئ عن الحاجة أو لا. أما الشافعية فهم كالحنفية لأنه يجب عندهم أن يكون الموصى له معيناً إن كان غير جهة. وقد نصت المادة (٢١٣) من القانون السوري على ما يلي: ١ - الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة، تصرف في وجوه الخير. ٢ - الوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية والعلمية وسائر المصالح العامة، تصرف على عمارتها ومصالحها وفقرائها، وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المصرف بعرف أو قرينة. وهذا قريب من نص المادة السابعة من القانون المصري. والراجح لدي ما أخذ به القانون؛ لأن معنى القربة موجود في مثل هذه الوصية على كل حال، سواء صرح الموصي بقصده أم سكت. الوصية للدابة: يشترط أن يكون الموصى له أهلاً للتمليك والاستحقاق: وهذا شرط متفق عليه. فلا تصح الوصية لما ليس أهلاً للملك، كأن أوصى لدابة أو فرس غيره، وقصد تمليكها، أو أطلق، فهي باطلة عند الحنفية والشافعية والمالكية؛ لأن مطلق اللفظ للتمليك، والدابة لا تملك، أما لو قال: لعلف هذه الدابة، صح، مراعاة لظاهر لفظ الموصي، لا إلى قصده. ولا يشترط عند الحنفية القبول في هذه الحالة، لأنها حينئذ كالميراث، فلا يشترط فيها القبول لتعذره كالوقف على الفقراء والمساكين. وقال الشافعية: يشترط قبول مالك الدابة.

стр. 7216

أما الحنابلة فقالوا: لو قصد الموصي الإنفاق على فرس زيد أو دابته، ولو لم يقبل الموصى له، تصح الوصية؛ لأن العبرة في العقود للمعاني والمقاصد. ويصرف الموصى به في علف الدابة، فإن مات الفرس قبل الإنفاق عليه، كان الباقي لورثة الموصي، ويتولى الوصي أو القاضي عند الحنابلة، لا صاحب الفرس الإنفاق عليه. وبناء على هذا الشرط، قال أبو حنيفة: لو قال: أوصيت بثلث مالي لله تعالى، فالوصية باطلة. وقال محمد: جائزة، وعليه الفتوى، ويصرف في وجوه البر. ولو أوصى للمسجد أو للمسجد الحرام أو للمدرسة ونحوها من جهات الوقف بشيء، لم يجز عند الحنفية، إلا أن يقول: ينفق على المسجد إنشاء وترميماً؛ لأنه قربة. وعند محمد والشافعية: يصح مطلقاً، سواء قال: ينفق أم لا، ويصرف على مصالحه، كالمثال السابق، تصحيحاً لكلامه. وقال المالكية والحنابلة: تصح الوصية لمسجد ونحوه كرباط وثغر وسور على البلد، وتصرف في مصالحه ونفقاته التي يحتاجها من إضاءة وحصر وسجاد، وما زاد على ذلك، فيصرف على خدمته من إمام ومؤذن ونحوهما. الوصية للقاتل: ألا يكون الموصى له قاتلاً الموصي في رأي الحنفية والحنابلة: فإن قتله بأن أصابه بجرح فأوصى له، ثم مات، كانت الوصية باطلة. وإن أوصى له أولاً، ثم حدث القتل، كان مانعاً من استحقاق الوصية. فالقتل يمنع صحة الوصية ابتداء واستمراراً؛ لأن القتل يمنع الميراث، فيمنع الوصية، معاملة له بنقيض مقصوده، ولخبر «ليس لقاتل وصية» (١). والقتل مانع من صحة الوصية

стр. 7217

لحق الشرع، سواء أجاز الورثة أم لا، وهذا رأي أبي يوسف، وبه أخذ القانون. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا أجاز الورثة الوصية، أو لم يكن للموصي ورثة، كانت الوصية جائزة نافذة؛ لأن المنع لحق الورثة. والرأي الأول أرجح. لكن اختلف الحنفية والحنابلة في نوع القتل المانع من الوصية والميراث: فقال الحنابلة في الأصح: القتل بغير حق، سواء أكان عمداً أم خطأ، مباشرة أم تسبباً، يمنع الميراث ويبطل الوصية، لأن الميراث آكد من الوصية، فتكون الوصية أولى. وقال الحنفية: القتل المانع من الإرث والوصية: هو الصادر من البالغ العاقل، عدواناً بغير حق أو عذر شرعي، إذا كان مباشرة لا تسبباً، سواء أكان عمداً أم خطأ، فالقتل من المجنون والصبي، والقتل بحق كالقتل قصاصاً أو حداً أو بسبب البغي، أو بعذر كالدفاع عن النفس والعرض، والقتل بالتسبب، كما لو دل الموصى له الشخص القاتل على مكان الموصي ولم يشترك معه في القتل، كل ذلك لا يمنع الإرث والوصية. فالقتل بالتسبب عندهم لا يمنع إرثاً ولا وصية. أما الشافعية فقالوا: الأظهر أن الوصية تصح للقاتل ولو تعدياً، فلو قتل الموصى له الموصي ولو تعدياً، استحق الموصى به؛ لأن الوصية تمليك بعقد، فأشبهت الهبة، وخالفت الإرث. وأما المالكية: فعندهم تفصيل وهو أن الوصية تصح لقاتل، سواء أكان القتل عمداً أم خطأ إذا علم الموصي بمن قتله، ولم يغير وصيته، أو أوصى بعد الضرب، مع علمه بأن الموصى له هو الضارب؛ لأن المانع من صحة الوصية: هو استعجال الموصى له الشيء قبل أوانه، فيعاقب بالحرمان، لا يتحقق إلا إذا كان القتل لاحقاً للوصية. وإذا كان الموصي عالماً بالضرب، ثم أوصى له، دل على أنه عفا عنه وقصد الإحسان إليه.

стр. 7218

وبه يتبين أنه لا يشترط عند المالكية ألا يكون الموصى له قاتلاً، بشرط أن تقع الوصية بعد الضربة وأن يعرف المقتول قاتله. فإن ضرب شخص غيره ضربة قاتلة عمداً أو خطأ، ثم أوصى له بعد الضربة بشيء، صحت الوصية. أما إذا أوصى له قبل أن يضربه، ثم ضربه فأماته، فإن الوصية تبطل، سواء عرف القاتل ولم يغير الوصية، أم لم يعرفه، على الراجح؛ لأن فيها شبهة استعجال الوصية كالميراث. ففي هذه الحال الأخيرة يتفق مذهبهم مع الحنفية والحنابلة، وفي الحال الأولى أي وقوع الوصية بعد الضربة يكون مذهبهم كالشافعية، ويكون لدينا رأيان: رأي الحنفية والحنابلة: أن القتل يبطل الوصية، ورأي الشافعية والمالكية: أن القتل لا يبطل الوصية. أما القانون المصري في المادة (١٧) والسوري في المادة (٢٢٣) فقد أخذا برأي الحنفية والحنابلة في أن القتل مانع من استحقاق الوصية، وأخذاً برأي المالكية في تحديد نوع القتل المانع من الإرث والوصية وهو القتل قصداً أو عمداً (١)، سواء أكان القاتل فاعلاً أصلياً أم شريكاً، أم شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام على الموصي ونفذ الحكم، إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلاً بالغاً من العمر خمس عشرة سنة عند الجمهور، واثنتي عشرة سنة عند الحنفية. وهذا يشمل القتل مباشرة وتسبباً عملاً بمذهب الشافعية، ويكون القاتل مستحقاً الوصية إذا كان مجنوناً أو معتوهاً ونحوهما، أو ولداً دون الخامسة عشرة، أو قاتلاً بحق أو بعذر كالقاتل دفاعاً عن النفس أو الشرف، والقاضي الذي يصدر حكم الإعدام، والجلاد الذي ينفذ الحكم.

стр. 7219

الوصية لأهل الحرب: يشترط في الموصى له في المعتمد عند المالكية ألا يكون حربياً، وعند الحنفية ألا يكون حربياً في دار الحرب (١)، سواء أكانت الوصية من مسلم أم ذمي وإن أجاز الورثة؛ لأنها تقوية وإعزاز له، وإعانة على حرب المسلمين، وتصبح في النهاية ميراثاً لا صدقة، وفيها ضرر عام بالمسلمين. وأجاز الحنفية عملاً بكتاب الأصل لمحمد الوصية للحربي المستأمن في دار الإسلام؛ لأنه في عهدنا، فأشبه الذمي الذي هو في عهدنا، قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة:٨/ ٦٠ - ٩]. وروي عن أبي حنيفة: أنه لاتجوز الوصية للحربي المستأمن، كما لا يجوز صرف الكفارة والنذر وصدقة الفطر والأضحية إلى الحربي المستأمن، لما فيه من الإعانة على الحراب. ولا تجوز عند الحنفية الوصية للمرتد من المسلم. وأجاز الشافعية في الأصح والحنابلة الوصية للمرتد، والحربي المعين، لالعامة الحربيين، سواء أكان بدارنا أم لا، وذلك بما له تملكه، لا كسيف ورمح أي بغير السلاح مطلقاً، قياساً على جواز الهبة له والصدقة عليه. وقال الحارثي من الحنابلة: الصحيح من القول: أنه - أي الكافر مرتداً أو حربياً - إذا لم يتصف بالقتال أو المظاهرة علينا، صحت الوصية، وإلا لم تصح. ويؤكذ هذا الرأي أن أسماء

стр. 7220

بنت أبي بكر أذن لها النبي ﷺ في صلة أمها (١)، وأذن لعمر أيضاً في كسوة أخ مشرك له بمكة (٢). اتحاد الدين: لا يشترط اتحاد الدين بين الموصي والموصى له لصحة الوصية، فتجوز وصية المسلم لغير المسلم، وتجوز وصية غير المسلم لأهل ملته ولغير أهل ملته، كاليهودي للمسيحي وبالعكس، والمسلم لليهودي أو المسيحي وبالعكس؛ لأن غير المسلمين في دار الإسلام لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين. ونص القانون المصري (م ٩) والقانون السوري (م ٢١٥) على أنه: ١ - تصح الوصية للأشخاص مع اختلاف الدين والملة بينهم وبين الموصي. ٢ - إذا كان الموصى له أجنبياً تشترط المعاملة بالمثل. أي أن اختلاف الدين لا يمنع صحة الوصية، وكذا اختلاف الدارين إذا كانت بلاد الموصى له لا تمنع الوصية لمثل الموصي، عملاً بمبدأ المساواة والمعاملة بالمثل، فتجوز الوصية إذا كانت دولة الموصي تجيز مثلها، وتمنع إن لم تجز مثلها. وصايا غير المسلمين - أهل الذمة: عرفنا أنه تصح وصية الذمي للمسلم وبالعكس اتفاقاً؛ لأن غير المسلمين بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات، في الحياة وبعد الممات. فإذا أوصى ذمي غير مسلم بوصية، فلها ثلاث حالات ذكرها الحنفية (٣):

стр. 7221

١ - إذا كان الموصى به أمراً هو قربة في شريعتنا وشريعته، كالصدقة على فقراء المسلمين أو فقراء الذميين أو بعمارة المسجد الأقصى، أو ببناء مدرسة أو مشفى ونحو ذلك، جازت الوصية اتفاقاً؛ لأن هذا مما يتقرب به المسلمون وأهل الذمة على حد سواء. ٢ - إذا كان الموصى به شيئاً هو قربة عندنا، وليس بقربة عنده، كأن أوصى ببناء مسجد للمسلمين أو بأن يحج عنه، فهذه وصية باطلة باتفاق الحنفية؛ لأنه لا يعتقد حقاً بكون الموصى به قربة إلى الله تعالى. ٣ - إذا كان الموصى به قربة عنده، لا عندنا، كأن أوصى ببناء كنيسة أو معبد، أو بالذبح لعيد في ملته، فالوصية صحيحة عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر في وصيته ما هو قربة عنده في عقيدته، لذا بطلت وصيته لبناء مسجد؛ لأنها ليست قربة عنده. وهذا هو الراجح. وقال الصاحبان: هي وصية باطلة؛ لأنها وصية في شريعتنا بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح. وقال الأئمة الآخرون (١) بقول الصاحبين: تبطل الوصية بمعصية (وهي ما ليس بقربة) ولو من ذمي؛ لأنها إعانة على المعصية. شرط نفاذ الوصية في الموصى له: الوصية للوارث: يشترط لنفاذ الوصية ألا يكون الموصى له وارثاً للموصي عند موت الموصي، إذا كان هناك وارث آخر لم يجز الوصية. فإن أجاز بقية الورثة

стр. 7222

الوصية لوارث، نفذت الوصية، فتكون الوصية للوارث موقوفة على إجازة بقية الورثة، لقوله ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (١) وقوله أيضاً: «لا تجوز وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» (٢)، ولأن في إيثار بعض الورثة من غير رضا الآخرين ما يؤدي إلى الشقاق والنزاع، وقطع الرحم وإثارة البغضاء والحسد بين الورثة. ومعنى الأحاديث أن الوصية للوارث لا تنفذ مطلقاً، مهما كان مقدار الموصى به، إلا بإجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت، وإلا بطلت، وإن أجازها بعضهم دون بعض، جازت في حصة المجيز، وبطلت في حق من لم يجز، لولاية المجيز على نفسه دون غيره. وهذا شرط لنفاذ الوصية عند الجمهور، فإنهم قرروا أن الوصية صحيحة لكن لا تجوز الوصية لوارث ولا تنفذ إذا لم يجزها الورثة. وقال المالكية: الوصية باطلة لحديث «لا وصية لوارث» فإن أجاز الورثة ما أوصي به للوارث أو الزائد على الثلث، فعطية مبتدأة منهم، لا تنفيذ لوصية الموصي. و يشترط لصحة الإجازة شرطان: الأول - أن يكون المجيز من أهل التبرع عالماً بالموصى به: بأن يكون بالغاً عاقلاً غير محجور عليه لسفه أو عته أو مرض موت، وأن يكون عالماً بالموصى به، فلا تجوز إجازة صغير ومجنون ومريض مرض موت، ولا تصح إجازة وارث لم يعلم بما أوصى به الموصي. وقال الحنابلة: لو أجاز مريض فمن ثلثه (٣).

стр. 7223

الثاني - أن تكون الإجازة بعد موت الموصي: فلا عبرة بإجازة الورثة حال حياة الموصي، فلو أجازوها حال حياته، ثم ردوها بعد وفاته، صح الرد وبطلت الوصية، سواء أكانت الوصية للوارث، أم لأجنبي بما زاد عن ثلث التركة. وهذا رأي الحنفية والشافعية والحنابلة. وكذلك قال المالكية. وفي الجملة كما ذكر ابن جزي: إذا أجاز الورثة الوصية بالثلث لوارث أو بأكثر من الثلث، بعد موت الموصي، لزمهم، فإن أجازوها في صحته لم تلزمهم، وإن أجازوها في مرضه، لزمت من لم يكن في عياله، دون من كان تحت نفقته. وهناك قول آخر رجحه الحطاب أن الإجازة تلزم. من الوارث الذي يجيز؟ العبرة بتحديد كونه وارثاً باتفاق المذاهب هو وقت موت الموصي، لا وقت إنشاء الوصية، فلو كان غير وارث عند الوصية، ثم صار وارثاً بأمر حادث وقت الموت، صارت الوصية موقوفة، ولو كان وارثاً عند إنشاء الوصية، ثم أصبح عند الموت غير وارث، بسبب حجبه مثلاً، كانت الوصية نافذة؛ لأن العبرة في الإرث وعدمه هو وقت وفاة الموصي؛ ولأن هذا الوقت هو أوان ثبوت حكم الوصية الذي هو ثبوت ملك الموصى به. القائلون بمشروعية الوصية للوارث: رأى الشيعة الزيدية، والشيعة الإمامية، والإسماعيلية (١): أن الوصية للوارث جائزة بدون توقف على إجازة الورثة، لظاهر قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ - إن ترك خيراً - الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين﴾ [البقرة:١٨٠/ ٢] ونسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز. ورد

стр. 7224

عليهم بأن حديث ابن عباس صرح بنفي الجواز إلا إذا أجازت الورثة، وبأن الآية المذكورة منسوخة بالسنة، أو بآية الفرائض. وأخذ قانون الوصية المصري لسنة ١٩٤٦ (م ٣٧) بهذا الرأي مخالفاً رأي جمهور الفقهاء. فأجاز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير إجازة الورثة. والتزم القانون السوري (م ٢٣٨/ ٢) برأي الجمهور وهو أن الوصية للوارث لا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة. مانعو الوصية للوارث مطلقاً: قال المزني والظاهرية (١): لا تصح الوصية للوارث، ولو أجازها الورثة؛ لأن الله منع من ذلك، فليس للورثة أن يجيزوا ما أبطل الله على لسان رسوله، فإذا أجازوها، كان هبة مبتدأ منهم، لا وصية من الموصي؛ لأن المال حينئذ صار للورثة، فحكم الموصي فيما استحقوه بالميراث باطل، لقول رسول الله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (٢) فليس لهم إجازة الباطل، لكن إن أحبوا أن ينفذوا الوصية من مالهم باختيارهم، فلهم التنفيذ، ولهم حينئذ أن يجعلوا الأجر لمن شاؤوا. المطلب الثالث - شروط الموصى به: للموصى به شروط صحة وشرطا نفاذ. أما شروط الصحة فهي ما يأتي (٣):

стр. 7225

١ - أن يكون مالاً. ٢ - متقوماً. ٣ - قابلاً للتمليك. ٤ - مملوكاً للموصي إذا كان معيناً. ٥ - ألا يكون بمعصية. وتفصيلها فيما يلي: ١ - أن يكون الموصى به مالاً قابلاً للتوارث: لأن الوصية تمليك، ولا يملك غير المال. والمال الموصى به يشمل الأموال النقدية من دراهم ودنانير، والعينية من عقارات ودور وأشجار وعروض تجارية وحيوان ولباس وأثاث ونحوها، والديون التي فيها ذمة الغير والحقوق المستحقة في الغنيمة، والحقوق المقدرة بمال وهي حقوق الارتفاق من مرور وشِرب ومسيل، والمنافع كسكنى الدار وزراعة الأرض وغلة البستان التي ستحدث في المستقبل وركوب الدابة أو السيارة ونحوها مما يصح بيعه وهبته. والمنافع حتى عند الحنفية وإن كانت لا تورث عندهم، فإنه يصح التعاقد عليها حال الحياة، فيصح الإيصاء بها؛ لأن المقصود تمليك المنفعة بعد الموت. وأما غير الحنفية فقالوا: تصح الوصية بالمنافع؛ لأنها كالأعيان في الملك بالعقد والإرث، فكانت كالأعيان في الوصية. وإذا لم يكن الموصى به مالاً كالدم والميتة وجلدها قبل الدباغ بطلت الوصية؛ لأنه ليس محلاً للملك.

стр. 7226

وأجاز الشافعية الوصية بجلد ميتة قابل للدباغ وميتة تصلح طعماً للجوارح. ٢ - أن يكون المال الموصى به متقوماً في عرف الشرع: أي يباح الانتفاع به شرعاً. فلا تصح الوصية من مسلم ولا لمسلم بمال غير متقوم، أي لا يجوز شرعاً الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب والسباع التي لا تصلح للصيد، لعدم نفعها وتقومها في نظر الإسلام. وتصح الوصية بها من مسيحي لمثله لتقومها في اعتقاده. ولا تجوز الوصية بما لا يقبل النقل كالقصاص وحد القذف وحق الشفعة. ولا تصح الوصية لنائحة على ميت، ولا الوصية بلهو أو إعطاء مال على مالا يحل كقتل نفس، ولا الوصية لمن يصوم عنه أو يصلي عنه، وتصح الوصية مع الخلاف على قراءة القرآن على الميت. وتجوز الوصية عند الحنفية بالكلب المعلم والسباع التي تصلح للصيد، لتقومها عندهم، ولأنها مضمونة بالإتلاف، ويجوز بيعها وهبتها. وكذلك تصح الوصية عند الشافعية والحنابلة بما فيه نفع مباح من غير المال، ككلب صيد وكلب ماشية وكلب زرع وحرث ونحوها من السباع الصالحة للصيد؛ لأن فيها نفعاً مباحاً، وتقر اليد عليها، والوصية تبرع، فصحت في غير المال كالمال. وتصح الوصية بزيت متنجس لغير مسجد؛ لأن فيه نفعاً مباحاً، وهو الاستصباح به، ولا تصح الوصية به لمسجد؛ لأنه لا يجوز الاستصباح به فيه. وتصح الوصية عند الشافعية بنحو زبل ينتفع به كسماد، وبخمر محترمة: وهي ما عصرت بقصد الخلية لا بقصد الخمرية. وتصح أيضاً بطبل يحل الانتفاع به كطبل حرب: وهو ما يضرب به للتهويل، وطبل حجيج: وهو ما يضرب به للإعلام بنزول وارتحال.

стр. 7227

وتصح الوصية بإناء ذهب أو فضة؛ لأنها مال يباح الانتفاع به في غير حال الاستعمال بجعله حلياً للنساء أو ببيعه ونحوهما. ٣ - أن يكون قابلاً للتمليك وإن كان معدوماً وقت الوصية: أي أن يكون الموصى به مما يصح تملكه بعقد من العقود شرعاً أو بالإرث؛ لأن الوصية تمليك، وما لا يقبل التمليك لا يصح الإيصاء به. فتصح الوصية بعين ماله نقداً أو سلعة؛ لأنه يملك بالهبة أو بالبيع، وبمنفعة ماله كسكنى الدار وركوب الدابة؛ لأنها تملك بالإجارة. وبدينه الذي على فلان؛ لأن هذه في الحقيقة وصية بالعين، أي بالدراهم التي في ذمة المدين. وتصح الوصية بما تثمر نخيله أبداً؛ لأن شراء المنتجات الزراعية قبل وجودها جائز شرعاً من طريق عقد السلم. وتجوز الوصية بما في بطن بقرته أوغنمه؛ لأنه مما يملك بالإرث. لكن لو أوصى بما ستلد أغنامه لا يجوز عند الحنفية؛ لأنه لا يقبل التمليك بعقد من العقود في الشريعة، فالذي يجيزه الحنفية إذن هو المعدوم المحتمل وجوده، ولا يشترط وجود الموصى به في الحال. وقال الجمهور: تصح الوصية بالمعدوم مطلقاً؛ لأنه يقبل التمليك في حال حياة الموصي بعقد المساقاة، فتصح الوصية به. والذي أجازه الحنفية من الوصية بما يقبل التمليك، يشترط وجوده في المستقبل، لكن وقت وجوده يختلف عندهم بحسب نوع المال: فإن كان المال معيناً بالذات كدار معينة ومزرعة معينة، فيشترط وجوده عند الوصية.

стр. 7228

وإن كان شائعاً في كل المال، كالوصية بثلث ماله أو ربعه، فالشرط وجوده عند موت الموصي؛ لأنه وقت تنفيذ الوصية. وإن كان شائعاً في بعض المال، كالوصية بثلث غنمه، فإن كان له غنم وقت الوصية، اشترط وجوده وقت الوصية، كالنوع الأول، وإن لم يكن له غنم أصلاً وقت الوصية، فهو كالشائع في كل المال، يعتبر فيه الموجود عند الموت؛ لأنه ليس شيئاً معيناً حتى تتقيد به الوصية. والشرط عند الجمهور (غير الحنفية) بصفة عامة: وجود الموصى به وقت موت الموصي. أما دليل الجمهور القائلين بأنه تصح الوصية بالمعدوم مطلقاً كثمر البستان مدة معينة أو دائماً، وبما تحمل دوابه وأغنامه، فهو أن المعدوم يجوز أن يملك بعقد السلم والمساقاة، فجاز أن يملك بالوصية. وأما الحنفية الذين لم يجيزوا استحساناً الوصية بما ستلد أغنامه؛ فلأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد من العقود. واتفق الكل على أنه تجوز الوصية بالمجهول وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر؛ لأن الموصى له يخلف الميت في ثلثه، كما يخلفه الوارث في ثلثه، فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء، جاز أن يخلفه الموصى له. واتفقوا على أنه تجوز الوصية بالمشاع والمقسوم؛ لأن الإيصاء تمليك جزء من ماله، فجاز في المشاع والمقسوم كالبيع. وهذا كله يدل على أن الوصية أوسع العقود كما قال الفقهاء. ٤ - أن يكون الموصى به مملوكاً للموصي عند إنشاء الوصية إذا كان معيناً بالذات ؛ لأن الوصية بمعين إيجاب للملك في المعين، فلا بد من أن يكون مملوكاً له وقت الوصية، فالوصية بملك الغير لا تصح.

стр. 7229

فمن قال: وصيت بمال زيد، فلا تصح الوصية عند الجمهور، ولو ملك الموصي مال زيد بعد الوصية، لفساد الصيغة بإضافة المال إلى غيره. أما القانون بالنسبة لشروط الموصى به السابقة: فقد نصت المادة العاشرة من قانون الوصية المصري على ما يلي: ١ - أن يكون الموصى به مما يجري فيه الإرث أو يصح أن يكون محلاً للتعاقد حال حياة الموصي. ٢ - أن يكون متقوماً إذا كان مالاً. ٣ - أن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات. ونص القانون السوري (م ٢١٦) على أنه يشترط في الموصى به: أـ أن يكون قابلاً للتمليك بعد موت الموصي، ومتقوماً في شريعته. ب - أن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات. ونصت المادة (٢١٧) على أنه: تصح الوصية بالحقوق التي تنتقل بالإرث، ومنها حق المنفعة بالعين المستأجرة بعد وفاة المستأجر. ونصت المادة (٢١٨) على أنه: تصح الوصية بإقراض الموصى له قدراً معلوماً من المال، ولا تنفذ فيما زاد من هذا المقدار على ثلث التركة، إلا بإجازة الورثة. ٥ - ألا يكون الموصى به معصية أو محرماً شرعاً: لأن القصد من الوصية تدارك ما فات في حال الحياة من الإحسان، فلا يجوز أن تكون معصية، وللمعصية أمثلة من كل مذهب:

стр. 7230

فمن أمثلة الحنفية (١): الوصية بطعام تجتمع له النائحات بعد موته، أو بتطيين القبر، أو ضرب قبة أو تشييد بناء عليه، أو دفنه في داره، أو المغالاة في كفنه والوصية بقراءة على القبور أو في المنازل، فكل تلك الوصايا باطلة، لعدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن. أما ما أفتى به المتأخرون، فهو ليس جواز الاستئجار على جميع الطاعات، وإنما جواز الاستئجار على ما تقضي به الضرورة وخشية الضياع، كالاستئجار لتعليم القرآن أو الفقه أو الأذان أو الإمامة خشية التعطل لقلة رغبة الناس في الخير، ولا ضرورة في استئجار شخص يقرأ على القبر أو غيره. ولو جاز الاستئجار على كل طاعة، لجاز على الصوم والصلاة والحج، مع أنه باطل بالإجماع - كما قال ابن عابدين. وكل ما ذكر لا يمنع من التطوع بقراءة القرآن على القبور، فلو زار إنسان قبر صديق أو قريب له، وقرأ عنده شيئاً من القرآن، فهو حسن، أما الوصية بالقراءة فلا معنى لها. لكن بطلان الوصية لتطيين القبر والقراءة مبني على القول بكراهة ذلك. والمختار عندهم عدم الكراهة. هذا حكم الوصية بنفس المعصية وهو البطلان لعدم توافر كل من الوصية للصلة أو القرابة، أما الوصية لأهل الفسوق والمعصية فهي مكروهة، لبقاء معنى الصلة في الوصية. ووصية المسلم لبِيعة أو كنيسة باطلة؛ لأنها معصية، ولو أوصى الذمي للبيعة أو للكنيسة أن ينفق عليها في إصلاحها، أو أوصى ليذبح لعيدهم جازت الوصية

стр. 7231

عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم لا ما هو قربة حقيقية؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقية، وقال الصاحبان: الوصية بما ذكر باطلة؛ لأن الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح. والوصية بالمصاحف لتوقف في المسجد باطلة عند أبي حنيفة، صحيحة عند محمد. وإذا أوصى بفرش فراش تحته في قبره، فقيل: تصح كالزيادة في الكفن، وقيل: لا تصح لأنه ضياع مال من غير جدوى. وإذا أوصى بطلاء قبره بالجبس ونحوه، فقيل: إن كان لتقوية القبر وإخفاء الرائحة فيجوز، وإلا فلا. وإذا أوصى باتخاذ طعام في المآتم، فيصح بشرط أن يأكل منه المسافرون والبعيدون عن جهة المتوفى. ومن أمثلة المعصية عند المالكية (١): الإيصاء بمال يُشترى به خمر لمن يشربها، أو يُدفع لمن يقتل نفساً بغير حق، والإيصاء ببناء مسجد أو مدرسة في أرض موقوفة مقبرة، والإيصاء لمن يصلي عنه أو يصوم عنه، والإيصاء باتخاذ قنديل من ذهب أو فضة ليعلق في قبر نبي أو ولي ونحوه، فإنه من ضياع الأموال في غير ما أمر به الشارع، وللورثة أن يفعلوا به ما شاؤوا. والوصية بنياحة عليه بعد موته، أو بلهو محرم في عرس أو بإعطاء مال على مالا يحل كقتل نفس، والوصية بضرب قبة على قبر، مباهاة، فكل ما ذكر تبطل الوصية به، ولا ينفذ، ويرجع ميراثاً. والوصية ببناء قبة عليه، وهو ليس من أهلها، أو يوصي بإقامة مولد على الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة من اختلاط النساء بالرجال، والنظر للمحرم ونحوه من المنكر. وكأن يوصي بكتابة جواب سؤال القبر وجعله معه في كفنه أو قبره.

стр. 7232

لكن أجاز المالكية الوصية لمن يقرأ على قبره، فإنها نافذة، كالوصية بالحج عنه، وتصح الوصية بالكفن والحمل والدفن والغسل ونحوها مما تصح الإجارة عليه، وتجوز الوصية للمسجد وينفق على مصالحه. ومن أمثلة المعصية أو ما لا قربة فيه عند الشافعية (١): الوصية للكنيسة، والوصية بالسلاح لأهل الحرب، أو ببناء موضع لبعض المعاصي كالخمارة، أو لمشاغب مفسد لإفساد التركة، فكل تلك الوصايا باطلة، لمنافاتها مقتضى ما شرعت له الوصية من البر وتدارك الحسنات. و من الوصايا الباطلة عند الشافعية والحنابلة (٢): الوصية بطبل لهو لا يحل الانتفاع به في حال الحرب ونحوها، أو بمزمار وطنبور وعود لهو، وكذا آلات اللهو كلها، ولو لم يكن فيها أوتار؛ لأنها مهيأة لفعل المعصية. والوصية بكتب السحر والتنجيم والتعزيم وكتب البدع المضلة؛ لأنها إعانة على معصية. وتصح الوصية بعمارة المسجد ومصالحه، بشرط أن يقبل الناظر، وتصح الوصية بقراءة القرآن على القبر؛ لأن ثواب القراءة يصل إلى الميت إذا وجد واحد من ثلاثة أمور: القراءة عند قبره، أو الدعاء له عقب القراءة، أو نية حصول الثواب للميت. و من أمثلة المعصية أو الفعل المحرم سواء أكان الموصي مسلماً أم ذمياً عند الحنابلة: الوصية بما نهي عنه مما يعمل على القبور من بناء غير مأذون فيه، وهو ما زاد على شبر، والوصية ببناء كنيسة أو بيت نار للمجوس أو عمارتها أو الإنفاق

стр. 7233

عليهما. وتكون الوصية باطلة. لكن تصح الوصية للمسجد على أن تصرف في مصالحه، وتصح بكتابة العلم والقرآن؛ لأنه قربة نافعة. ما يشترط في الموصى به لنفاذ الوصية: يشترط لنفاذ الوصية في الموصى به شرطان: الحجر بسبب الدين المستغرق: ١ - ألا يكون مستغرقاً بالدين: لأن الديون - كما تقدم - مقدمة في وجوب الوفاء لها على الوصية، بعد تجهيز الميت وتكفينه. وتقديم الوصية في القرآن في آية: ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾ [النساء:١٢/ ٤] لا يدل على تقدمها في الرتبة عليه، وإنما هو للتنبيه إلى أهمية الوصية ووجوب تنفيذها من الورثة. فإن أجاز الغرماء (الدائنون) وصية المدين، نفذت، وإلا بطلت. الوصية بالزائد عن الثلث: ٢ - ألا يكون الموصى به زائداً على ثلث التركة إذا كان للموصي وارث: لإجماع العلماء على وجوب الاقتصار في الوصية على الثلث، بمقتضى الثابت في السنة في حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم وغيره: «الثلث والثلث كثير». وتكون الزيادة عن الثلث موقوفة على الإجازة، فإن أجاز الورثة الزائد عن الثلث لأجنبي، نفذت الوصية، وإن ردوا الزيادة بطلت. ولا تعتبر الإجازة إلا بالشرطين السابقين في الوصية للوارث: أن تكون بعد وفاة الموصي، وأن يكون المجيز من أهل التبرع عالماً بالموصى به.

стр. 7234

وإن أجاز بعضهم دون بعض نفذت في حصة المجيز فقط، وبطلت في حصة غيره. أما إذا لم يكن للموصي وارث، فإن الوصية بأكثر من الثلث تكون عند الحنفية صحيحة نافذة، ولو كان الموصى به جميع المال؛ لأن المانع من نفاذ الوصية في الزائد عن الثلث إنما هو تعلق حق الورثة بتلك الزيادة، فلا تنفذ إلابرضاهم. فإذا لم يكن هناك ورثة لم يبق حق لأحد. وقال المالكية والشافعية: إذا أوصى بما زاد عن الثلث، فإن لم يكن له وارث، بطلت الوصية فيما زاد على الثلث؛ لأن ماله ميراث للمسلمين، ولا مجيز له منهم، فبطلت. وإن كان له وارث، كانت الوصية عند الشافعية والحنابلة (١) والحنفية موقوفة على إجازته ورده، فإن ردها رجعت الوصية إلى الثلث، وإن أجازها صحت، وتكون الوصية بالزائد عن الثلث باطلة عند المالكية. استحباب الوصية بما دون الثلث: الأولى ألا يستوعب الإنسان الثلث بالوصية، ويستحب أن يوصي بدون الثلث، سواء أكان الورثة أغنياء أم فقراء (٢)؛ لقول النبي ﷺ : «الثلث والثلث كثير» ولأن في التنقيص صلة القريب بترك ماله عليهم، بخلاف استكمال الثلث؛ لأنه استيفاء تمام حقه، فلا صلح ولا مِنَّة، وترك الوصية عند فقر الورثة وعدم استغنائهم بحصصهم أحبّ، كما بان في حكم الوصية شرعاً.

стр. 7235

المبحث الثالث - أحكام الوصية: للحكم إطلاقات ثلاثة: يطلق الحكم، ويراد به إما الحكم التكليفي المتعلق بالفعل وجوباً وإباحة وغيرهما، أو حكم الشرع على الشيء بعد وجوده، أي الصفة الشرعية له صحة وبطلاناً، ونفاذاً ولزوماً وغيره، أو الأثر الشرعي المترتب على الشيء من حيث نقل الملكية وغيره. وقد بحثت حكم الوصية بالمعنى الأول، وأبحث هنا أحكامها بالمعنيين الأخيرين. المطلب الأول - صفة الوصية شرعاً والرجوع عنها: تكون الوصية صحيحة إذا استوفت شروط صحتها، وباطلة إذا تخلف منها شرط، كالوصية من عديم الأهلية مثل المجنون والمعتوه، والوصية لجهة معصية، والوصية بخمر أو خنزير لمسلم، وتكون نافذة إذا توافر فيها شروط النفاذ، وموقوفة على إجازة صاحب الحق، كالوصية لوارث أو بزائد عن الثلث لأجنبي. واتفق الفقهاء (١) على أن الوصية عقد غير لازم، وأنه يجوز للموصي في حال حياته الرجوع عنها كلها أو بعضها، سواء وقع منه الإيصاء في حال صحته أو مرضه؛ لقول عمر ﵁: «يغير الرجل ما شاء في وصيته» (٢) ولأنها عطية أو تبرع لم يتم، ينجز بالموت، فجاز الرجوع عنها قبل تنجيزها، ولأن القبول يتوقف على الموت، والإيجاب يصح إبطاله قبل القبول كما في البيع.

стр. 7236

واتفقوا أيضاً على أن الرجوع عن الوصية يكون إما بالقول الصريح، أو بالدلالة أو ما يجري مجرى الصريح قولاً أو فعلاً. ومن أمثلة الرجوع الصريح: أن يقول الموصي: نقضت الوصية أو أبطلتها أو رجعت فيه، أو فسختها أو أزلتها، ونحوها من الصرائح. ومن أمثلة مايجري مجرى الصريح أن يقول: هو حرام على الموصى له، أو هذا لوارثي. أو يقوم بتصرف في الموصى به يدل على رجوعه كالبيع والإصداق، والهبةوالرهن مع قبض أم لا، واستهلاك الشيء كذبح الشاة الموصى بها أو كلها، وخلط الموصى به بغيره خلطاً يعسر تمييزه، وطحن حنطة وعجن دقيق وغزل قطن ونسج غزل، وقطع ثوب قميصاً، وصوغ معدن من ذهب أو فضة، وبناء وغراس في ساحة .. إلا أن المالكية لا يعتبرون الفعل أو التصرف رجوعاً إلا إذا ذهب بجوهر الموصى به وحقيقته أو كان استهلاكاً له، أو دل دليل على أن الموصي قصد به الرجوع عن الوصية، فهم يوافقون الجمهور في الرجوع بصريح القول، وبالفعل الاستهلاكي من أكل وذبح وإحراق، ولكنهم لا يعتبرون رجوعاً: خلط الشيء بغيره خلطاً يعسر تمييزه، وزيادة الموصى به زيادة متصلة، وحصد الزرع الموصى به ودرسه بدون تذرية على المعتمد؛ لأنه لم يزل عنه اسم الزرع. فالخلط المذكور وزيادة الموصى به لا تعد رجوعاً عند المالكية خلافاً لغيرهم. ويعتبر عند الحنفية رجوعاً في الأصح المفتى به كما في الذخيرة والمبسوط وهو قول أبي يوسف: جحود الوصية أي إنكارها بأن قال الموصي: لم أوص؛ لأن

стр. 7237

إنكاره الوصية دليل على عدم رضاه عنها، وهو ينبئ عن قصده الرجوع فيها. ولا يعد الجحود عند محمد (١) والشافعية والحنابلة رجوعاً عن الوصية؛ لأنها عقد، فلا تبطل بالجحود كسائر العقود. ويعد التوكيل في البيع والعرض على البيع أو الرهن أو الهبة، وبناء وغرس الأرض الموصى بها وانهدام الدار كلها أو بعضها رجوعاً عند الشافعية والحنابلة، ولا يعد رجوعاً عندهم زرع الأرض بما لا تبقى أصوله كلبس الثوب، كما لا يعتبر رجوعاً بالاتفاق خلط الموصى به بحيث لا يعسر تمييزه عن بعضه كخلط الحنطة بالفاصولياء، ولبس الثوب الموصى به وغسله، والسكنى في المكان الموصى به، وإجارته أو إعارته، وتحسينه كالتجصيص وإعادة بناء السقف. الرجوع عن الوصية في القانون: فرق القانون بين الوصية الاختيارية والوصية الواجبة، فاعتبر الوصية الواجبة لازمة بمجرد إنشائها، بل ولو لم ينشئها، أما الوصية الاختيارية فلا تلزم إلا بموت الموصي. ونص قانون الوصية المصري (م ١٨، ١٩) وقانون الأحوال الشخصية السوري (فقرة د/م ٢٢٠، و/م ٢٢١، ٢٢٢) على مبدأ الرجوع عن الوصية وحالاته. وافق هذا القانون اتفاق الفقهاء على جواز الرجوع عن الوصية صراحة أو دلالة، كما وافق اتفاقهم على حالات الرجوع الصريح، وعلى ما يعتبر رجوعاً عن الوصية من كل فعل أو تصرف يدل بقرينة أو عرف على الرجوع عنها، ما لم

стр. 7238

يصرح بأنه لم يقصد الرجوع. ويعد من الرجوع دلالة: كل تصرف يزيل ملك الموصي عن الموصى به، واستهلاك الموصى به كأكل أو ذبح. وأخذ القانون بالمذهب المالكي في عدم اعتبار خلط الشيء بغيره خلطاً يعسر تمييزه، وزيادة الموصى به زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها كزيادة غرفة أو حمام أو مطبخ إلا بدلالة قرينة أو عرف على الرجوع، وأخذ برأي الجمهور (غير الحنفية) بعدم اعتبار الجحود (أي إنكار الوصية) رجوعاً. وليس من الرجوع قانوناً الفعل الذي يزيل اسم الموصى به أو يغير معظم صفاته إلا إذا دلت قرينة أو عرف على أن الموصي يقصد به الرجوع عن الوصية. المطلب الثاني - الأثر المترتب على الوصية: عرفنا في بحث صيغة الوصية أنه يترتب على الوصية ثبوت الملك للموصى له في الموصى به، من الوقت الذي حدده الموصي لابتداء الملكية إن حدد ميعاداً، أما إن لم يحدد ميعاداً: فإن كانت الوصية لجهة عامة ترتب الأثر بالفعل من وقت وفاة الموصي. وإن كانت الوصية لشخص معين ترتب الأثر بالفعل عند الجمهور غير الحنابلة من وقت القبول بعد وفاة الموصي مستنداً إلى تاريخ الوفاة، ومن وقت القبول فقط عند الحنابلة كما تقدم. فإن لم يقبل الموصى له، لم يتملك الموصى به، وعاد إلى ملك الورثة. ونص القانون السوري (م/٢٣٠) والمصري (م/٢٥) على استحقاق الموصى به من حين الموت، ما لم يحدد نص الوصية ثبوت الاستحقاق في وقت معين. وتكون زوائد الموصى به حين الموت ملكاً للموصى له، وعلى الموصى له نفقة الموصى به منذ استحقاقه له.

стр. 7239

المطلب الثالث - أحكام الموصي: بناء على ما ذكر في شروط الوصية، أفضل الكلام في حكم وصية المدين وغير المسلم. وصية المدين: تنشأ وصية المدين صحيحة، ولو كان الدين مستغرقاً لجميع ماله؛ لأن تعلق الدين بالتركة إنما يكون عند الوفاة، وعند الوفاة يظهر أثر الدين في الوصية (١). أـ فإن كانت التركة مدينة بدين مستغرق: كان تنفيذ الوصية موقوفاً على براءة ذمة الموصي من كل الدين أو من بعضه، سواء أكانت براءته بسبب إسقاط الدائنين لحقوقهم أم إجازتهم الوصية، أم بتبرع شخص آخر بأداء الدين عن المدين. وإذا برئت ذمة المدين من كل الدين، كانت الوصية نافذة في ثلث جميع التركة، وإذا برئت من بعض الدين دون البعض، كانت الوصية نافذة في ثلث ما أبرئ منه، وغير نافذة في الباقي. ب - وإن كانت التركة مدينة بدين غير مستغرق: فإن الوصية تكون نافذة بدون توقف على إجازة أحد في الثلث الخالي من الدين؛ لأنه لم يتعلق به حق لأحد. ووافق القانون المصري (م ٣٨، ٣٩) والسوري (م ٢٣٨/ ٣، ٤) على هذه الأحكام المأخوذة من الفقه الحنفي وغيره، فلا تنفذ وصية المدين المستغرق ماله بالدين إلا بإجازة الدائن كامل الأهلية أوبسقوط الدين. وتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له، بكل ماله من غير توقف على إجازة أحد.

стр. 7240

وصية غير المسلم: تصح الوصية من المسلم وغيره؛ لأنها نوع من البر، وهو مرغوب فيه في كل الأديان. وتجوز كما تقدم وصية المسلم للكافر، والكافر للمسلم، فليس الإسلام شرطاً لصحة الوصية، فتصح وصية الذمي بمال للمسلم وللذمي، وبالعكس (١)، للمبدأ الشرعي المعروف: «فإذا قبلوا عقد الذمة، فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين» (٢). ونص القانون السوري (م ٢١٥/ ١) والمصري (م ٣/ ٢) على أنه تصح الوصية للأشخاص مع اختلاف الدين والملة بينهم وبين الموصي. وغير المسلم يشمل الذمي والحربي والمرتد. ١ - وصية الذمي (٣): اتفق الفقهاء على جواز وصيته: لأنه من أهل التمليك، ويملك التصرف بماله كما يشاء بالبيع والهبة والوصية ونحوها. وتكون وصيته كالمسلم جائزة نافذة في حدود ثلث التركة، ولا تنفذ في الزائد عن الثلث، مراعاة لحق الورثة. وله أن يوصي لذمي مثله، أو مستأمن، أو مسلم، وليس له عند الحنفية أن يوصي لحربي في دار الحرب، لما في الوصية من إعانة وتقوية للأعداء.

стр. 7241

وتصح وصيته عند الحنفية لكل جهة هي قربة في اعتقاده، إلا إذا كانت محرَّمة في شريعته وشريعة الإسلام، أو كانت قربة في شريعة الإسلام دون شريعته. والذي هو قربة في الشريعتين: الوصية للفقراء وعمارة بيت المقدس وبناء مسجد لمسلمين معينين. وما هو قربة في شريعته دون شريعة المسلمين: الوصية ببناء كنيسة، أوبإطعام خنزير لفقراء ملته. وما هو قربة في شريعة المسلمين دون شريعته: الوصية ببناء مسجد لمسلمين غير معينين. وما هو محرم في الشريعتين: الوصية باتخاذ أندية للقمار أو المراقص. وتصح الوصية عند أبي حنيفة في الحالتين الأوليين؛ لأن المعتبر ما هو قربة عنده لا ما هو قربة حقيقة؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقية، ولا تصح في الحالتين الأخريين. وأخذ القانون المصري والسوري بهذه الأحكام ما عدا الوصية بما هو قربة في شريعة المسلمين، كبناء مسجد لمسلمين غير معينين، فقد جوزها القانون أخذاً بمذهب الشافعية. ٢ - وصية الحربي (١): تصح الوصية للحربي ومن الحربي مستأمناً كان أو في دار الحرب عند

стр. 7242

الشافعية والحنابلة، ولا تصح له حال كونه في دار الحرب وتصح له إذا كان مستأمناً عند الحنفية، ولا تصح له مطلقاً عند المالكية. وأجاز القانون أخذاً برأي الشافعية والحنابلة الوصية للحربي، إذا كانت دولته تبيح الوصية للموصي، عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل. ويصح من وصاياه ما تجيزه قوانين بلاده، ويبطل ما لا تجيزه. أما المستأمن: فحكمه عند الحنفية حكم الذمي، فتصح الوصية له، ومنه لمسلم أو ذمي. فإن كان ورثته معه في دار الإسلام، فلا تنفذ وصيته بأكثر من الثلث إلا بإجازتهم في الزائد. وإن كان ورثته في دار الحرب فتنفذ وصيته في المال كله، إذ لا حق للورثة في ماله بسبب اختلاف الدارين، واختلاف الدارين يمنع التوارث. أما القانون: فأجاز التوارث مع اختلاف الدارين بشرط المعاملة بالمثل، فيجوز إن أجازت دولته التوارث، ولا يجوز إن منعت دولته التوارث. وعليه لا تنفذ وصاياه في الزائد على الثلث إلا بإجازة الورثة. ٣ - وصية المرتد (١): تصح وصية المرتد في غير محرَّم شرعاً عند المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن وصية الكافر للمسلم صحيحة، والمرتد كافر. والمحرم شرعاً كانتفاع المسلم بالخمر والخنزير. لكنهم قالوا: تكون موقوفة؛ كبقية تصرفاته من معاوضات وتبرعات؛ لأنه مال تعلق به حق الغير، فإن عاد إلى الإسلام نفذت، وإن مات أو قتل لردته بطلت، تغليظاً عليه بقطع ثوابه، بخلاف وصية المريض.

стр. 7243

وفرق الحنفية بين المرأة والرجل، فقالوا: تصح وصايا المرأة، وتكون نافذة، كما تصح جميع تصرفاتها؛ لأنها لا تقتل عندهم بسبب الردة. أما الرجل المرتد: فوصيته موقوفة، فإن عاد إلى الإسلام ومات عليه نفذت وصاياه كجميع تصرفاته، وإن مات على الردة بطلت وصاياه وتصرفاته جميعها. وأخذ القانون بمذهب الجمهور. المطلب الرابع - أحكام الموصى له: الموصى له إما أن يكون متحقق الوجود عند الوصية، أو مرجح الوجود عندها كالحمل، أو أن يكون معدوماً. والموجود إما شخص طبيعي أو جهة عامة. وأبحث هنا حكم الوصية للجهات العامة، وللحمل، وللمعدوم، ولجماعة محصورين أو غير محصورين. ١ - حكم الوصية للجهات العامة: اتفق الفقهاء (١) على صحة الوصية لجهة عامة كالمساجد ومدارس العلم والمشافي والمكتبات والملاجئ ونحوها، سواء أكان الموصى به عيناً كمكتبة، أم منفعة كأجرة دار أو محل تجاري، بنحو دائم أو مؤقت (٢). ويصرف الموصى به بحسب شرط الموصي إذا لم يصادم مقاصد الشريعة، فإن لم يوجد شرط من الموصي يصرف على إصلاح وعمارة الجهة الموصى لها إنشاء

стр. 7244

وترميماً وخدمة من إمام ومؤذن في المسجد، وشؤون المتعلمين في دور العلم؛ لأن العرف يحمله على ذلك، ويصرفه القيِّم في أهم مصالح الجهة باجتهاده؛ لأن قصد المسلم من هذه الوصية التقرب إلى الله ، بإخراج ماله إلى الله تعالى، لا التمليك إلى أحد، ولا تصرف في الأصح لفقراء المسجد. وكذلك تصح الوصية لأعمال البر (١) مطلقاً من غير تحديد جهة معينة، وتصرف في أي جهة خيرية، كعمارة الوقف وسراج المسجد، دون تزيينه لأنه إسراف. وتصح الوصية في سبيل الله، وتصرف للجهاد ومتطلباته، ويجوز صرفها لحاج منقطع. ولو قال: أوصي بثلث مالي لله تعالى، صح عند محمد وهو المفتى به عند الحنفية، وتصرف لوجوه البر؛ لأنه وإن كان كل شيء لله تعالى، لكن المراد التصدق لوجهه تعالى، تصحيحاً لكلامه بقرينة الحال. ونص القانون المصري (م ٧، ٨) والقانون السوري (م ٢١٣، ٢١٤) على وفق المقرر لدى الفقهاء من الأحكام المذكورة: (م ٢١٣): ١ - الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة: تصرف في وجوه الخير. ٢ - الوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية والعلمية وسائر المصالح العامة: تصرف على عمارتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين المصرف بعرف أو قرينة.

стр. 7245

(م ٢١٤) - تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد في المستقبل، فإن تعذر وجودها، صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة. الوصية بالحج: تصح الوصية بالحج اتفاقاً؛ لأنه من أعمال البر. قال الحنفية (١): إذا أوصى بحجة الإسلام، أحج عنه رجلاً راكباً من بلده إن كفته النفقة، وإلا فمن حيث تكفي؛ لأن المستطيع لا يلزم أن يحج ماشياً، فوجب عليه الإحجاج على الوجه الذي لزمه وهو من بلده، ولذا يعتبر فيه من المال ما يكفيه من بلده. ولو قال رجل: أنا أحج عنه ماشياً لا يجزي المحجوج عنه. ولو كان في المال المدفوع وفاء بنفقات الركوب، فمشى النائب، واستبقى النفقة لنفسه، فهو مخالف ضامن للنفقة؛ لأنه لم يحصل ثوابها له. وإن مات حاج في طريقه، وأوصى بالحج عنه، يُحَج من بلده راكباً، وهو المعتمد، ومن حيث مات استحساناً إن كفته نفقته، وإلا فمن حيث تكفي. ومن لا وطن له يحج عنه من حيث مات إجماعاً. وتصح الوصية بحج التطوع: ومن قال: أحجوا عني بثلث مالي أو بألف، وهو يكفي حججاً، فإن صرح بحجة واحدة اتبع التصريح، ورد الفضل الزائد إلى الورثة، وإن لم يصرح، حج عنه حججاً بأشخاص في سنة واحدة، وهو الأفضل، أو في كل سنة. وآخر القولين لأبي حنيفة: أن حج النفل أفضل من الصدقة. و قال الشافعية (٢): حجة الإسلام وإن لم يوص بها، تحسب على المشهور من

стр. 7246

رأس المال، كسائر الديون وأولى، فإن أوصى بها من رأس المال، أو من الثلث، عمل به، ويكمل الواجب من رأس المال، كما لو قال: اقضوا ديني من الثلث، فلم يف الثلث به. وإن أطلق الوصية بحجة الإسلام، بأن لم يقيدها برأس مال ولا ثلث، فمن رأس المال. ويحج عنه من الميقات المخصص لبلده؛ لأنه لو كان حياً، لم يلزمه سواه، ولا يخرج من مال المحجوج عنه إلا ما كان مستحقاً عليه. فإن أوصى أن يحج عنه من دويرة أهله امتُثل. وإن أوصى بالحج من الثلث، وعجز عنه، فمن حيث أمكن. وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصح، سواء حجة الإسلام وعمرته، أو حجة النذر وعمرته، من مال نفسه، وإن لم تجب على الميت حجة الإسلام وعمرته قبل موته لعدم استطاعته. وتصح الوصية في الأظهر بحج تطوع أو عمرة تطوع، لجواز النيابة فيه؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة في فرضها، فتدخل النيابة في نفلها، كأداة الزكاة. ويُحَج عن الميت من بلده أو الميقات، إن وسعه الثلث، وإلا فمن حيث أمكن، وإن لم يقيد الموصي بل أطلق الوصية بالحج عنه، يحج عنه من الميقات في الأصح، حملاً على أقل الدرجات. و قال الحنابلة (١): تخرج حجة الفريضة من رأس المال، ولو لم يوص بها، كما قال الشافعية، وإن أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه تطوعاً بألف، صرف من الثلث مؤنة حجة بعد أخرى لمن يحج عنه راكباً أو راجلاً، يدفع الوصي لكل واحد قدر ما يحج به من النفقة حتى نهاية الألف؛ لأن الميت وصى بجميعه في جهة قربة، فوجب صرفه فيها، كما لو وصى به في سبيل الله. ولا يجوز أن يدفع

стр. 7247

إلى واحد أكثر من نفقة المثل؛ لأنه أطلق التصرف في المعاوضة، فاقتضى عوض المثل، كالتعويض في البيع والشراء. فلو لم تكف الألف للحج، حج به من حيث يبلغ؛ لأن الموصي قد عين صرفه ذلك في الحج، فصرف فيه بقدر الإمكان. ولا يصح للوصي أن يحج بالألف؛ لأنه منفِّذ، كالتوكيل في التصدق، لا يصح للمأمور أن يأخذ منه شيئاً. ولا يصح أيضاً للوارث أن يحج بالألف؛ لأن ظاهر كلام الموصي جعله لغيره. فإن عين الموصي أن يحج عنه الوارث بالنفقة، جاز. ويجزئ الحج عن الموصي في هذه الحالة من الميقات عملاً بأدنى الحالات، والأصل عدم وجوب الزائد. وإن قال: حجوا عني بألف، ولم يقل: واحدة، لم يحج عنه إلا حجة واحدة، وما فضل للورثة. وإن قال: حجوا عني بألف، دفع الألف إلى من يحج عنه حجة واحدة عملاً بمقتضى وصيته، وتنفيذاً لها. فإن عين الموصي أحداً في الوصية، فقال: يحج عني فلان حجة بألف، فهو وصية له، فإن حج أعطي الألف قبل التوجه، وإن أبى الحج بطلت في حقه، ويحج عنه بأقل ما يمكن من النفقة، والبقية للورثة في فرض ونفل. ولا يعطى المال إلا أيام الحج احتياطاً للمال، ولأنه معونة في الحج، فليس مأذوناً فيه قبل وقته. وللنائب الموصى به تأخير الحج لعذر كمرض ونحوه.

стр. 7248

ولو قال الشخص: حجوا عني حجاً، ولم يذكر قدراً من المال، دفع إلى من يحج قدر نفقة المثل فقط؛ لأن الإطلاق لا يقتضي الزيادة عليه. ولو وصى بثلاث حجج إلى ثلاثة، صح صرفها في عام واحد. فإن تلف المال في الطريق بيد النائب، فهو من مال الموصي غير مضمون على النائب؛ لأنه مؤتمن كالوديع، وليس على النائب في حال تلف المال إتمام الحج. والوصية بالصدقة بمال أفضل من الوصية بحج التطوع، بعكس الحنفية؛ لأن صدقة التطوع أفضل من الحجة. ٢ - الوصية للحمل: بينت في بحث الشروط أن الوصية تصح بالحمل وللحمل إذا تحقق وجوده وقت الوصية (١)، فالوصية بالحمل: كما إذا أوصى - في الماضي - بما في بطن جاريته، ولم يكن منه، لكن بشرط أن يعلم أنه موجود في البطن وقت الوصية، بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية. ومثاله اليوم: الوصية بما في بطن الفرس أو الشاة أو الناقة. والوصية للحمل: مثل أن يقول: أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة، بشرط علمه بوجوده وقت الوصية على النحو السابق. اتفق الفقهاء على صحة الوصية للحمل بعين أو بمنفعة؛ لأن الوصية كالميراث ينتقل الملك فيها بالخلَفية، والحمل يرث، فيصح أن يوصي له.

стр. 7249

ويشترط في صحة الوصية للحمل عند الجمهور غير المالكية ما يأتي: ١ - أن يثبت وجوده في بطن أمه عند إنشاء الوصية: فإن لم يثبت وجوده، كانت الوصية باطلة. ولم يشترط المالكية هذا الشرط؛ لأنه تصح الوصية عندهم لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد. والتحقق من وجود الحمل وقت إنشاء الوصية يكون عند الحنفية بما يأتي: أـ إذا أقر الموصي بوجود الحمل وقت الوصية، وجاءت به أمه لأقل من سنتين من وقت الوصية، سواء أكانت زوجة أم معتدة من طلاق أو وفاة. ب - فإذا لم يوجد إقرار بالحمل: اشترط أن يولد حياً لأقل من ستة أشهر من تاريخ الوصية إذا كانت الأم زوجة أو معتدة من طلاق رجعي، أي بأن كان زوجها حياً؛ لأن هذه المدة أقل مدة الحمل شرعاً، فإن جاءت به لستة أشهر فأكثر، فلا تصح الوصية. وإن كان زوجها ميتاً اشترط أن يولد حياً لأقل من سنتين من يوم الوفاة، أو الفرقة إذا كانت معتدة من وفاة أو فرقة بائنة، بدليل ثبوت نسبه، أي إذا جاءت به في تلك المدة ثبت نسبه من أبيه. أما الشافعية والحنابلة: فوافقوا الحنفية في الحالة الأولى، فصححوا الوصية للحمل وبالحمل إذا أتت به أمه لأقل من ستة أشهر منذ التكلم بالوصية، إذا كانت ذات زوج. وخالفوا الحنفية في الحالة الثانية فيما إذا لم تكن الأم ذات زوج، فصححوا الوصية للحمل إذا انفصل حياً لأربع سنين من تاريخ الوصية، فإذا ولد لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له، لاحتمال حدوثه بعد الوصية.

стр. 7250

والحاصل أنه يحكم بوجود الحمل باتفاق المذاهب الثلاثة إذا ولد لستة أشهر من تاريخ الوصية، ويحكم بوجوده عند الحنفية لسنتين من حين الفرقة، وفي المذهبين الآخرين لأربع سنين من تاريخ الفرقة. ٢ - أن يولد حياً حياة مستقرة بظهور علامات الحياة من بكاء وصراخ وشهيق ونحوها من الخبرة الطبية باتفاق المالكية والشافعية والحنابلة، وهوما أخذ به القانون المصري (م ٣٥) والسوري (م ٢٣٦) وعند الحنفية أن يولد أكثره حياً. وتوقف غلة الموصى به منذ وفاة الموصي إلى أن ينفصل الحمل حياً، فتكون له (١). ٣ - أن يوجد على الصفة التي عينها الموصي: فإذا كانت الوصية لحمل من شخص معين، اشترط لصحة الوصية أن يثبت نسب الحمل شرعاً من الشخص المعين. وهو مذهب الشافعية الذي أخذ به القانون. تعدد الحَمْل: إذا ولدت المرأة أكثر من ولد في وقت واحد، أو في وقتين بينهما أقل من ستة أشهر، كانت الوصية لهم جميعاً إذا ولدوا أحياء، ويقسم الموصى به بينهم بالتساوي. وإن ولد أحدهما حياً والآخر ميتاً، كانت الوصية للحي دون الميت. وإن مات أحدهما بعد ولادته حياً، كان نصيبه لورثته إذا كان الموصى به عيناً كدار، لأنه ملكها ملكاً تاماً، وإن كان منفعة عادت إلى ورثة الموصي؛ لأن الوصية بالمنافع تنتهي بالموت، ما لم يوجد شرط آخر، فيعمل به (٢). أما القانون (المصري م ٣٥، والسوري م ٢٣٦) فإنه عدل عن المقرر فقهاً في كيفية التحقق من الحمل:
следующие страницы →