← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

رأس المال، كسائر الديون وأولى، فإن أوصى بها من رأس المال، أو من الثلث، عمل به، ويكمل الواجب من رأس المال، كما لو قال: اقضوا ديني من الثلث، فلم يف الثلث به. وإن أطلق الوصية بحجة الإسلام، بأن لم يقيدها برأس مال ولا ثلث، فمن رأس المال. ويحج عنه من الميقات المخصص لبلده؛ لأنه لو كان حياً، لم يلزمه سواه، ولا يخرج من مال المحجوج عنه إلا ما كان مستحقاً عليه. فإن أوصى أن يحج عنه من دويرة أهله امتُثل. وإن أوصى بالحج من الثلث، وعجز عنه، فمن حيث أمكن. وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصح، سواء حجة الإسلام وعمرته، أو حجة النذر وعمرته، من مال نفسه، وإن لم تجب على الميت حجة الإسلام وعمرته قبل موته لعدم استطاعته. وتصح الوصية في الأظهر بحج تطوع أو عمرة تطوع، لجواز النيابة فيه؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة في فرضها، فتدخل النيابة في نفلها، كأداة الزكاة. ويُحَج عن الميت من بلده أو الميقات، إن وسعه الثلث، وإلا فمن حيث أمكن، وإن لم يقيد الموصي بل أطلق الوصية بالحج عنه، يحج عنه من الميقات في الأصح، حملاً على أقل الدرجات. و قال الحنابلة (١): تخرج حجة الفريضة من رأس المال، ولو لم يوص بها، كما قال الشافعية، وإن أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه تطوعاً بألف، صرف من الثلث مؤنة حجة بعد أخرى لمن يحج عنه راكباً أو راجلاً، يدفع الوصي لكل واحد قدر ما يحج به من النفقة حتى نهاية الألف؛ لأن الميت وصى بجميعه في جهة قربة، فوجب صرفه فيها، كما لو وصى به في سبيل الله. ولا يجوز أن يدفع

стр. 7247

إلى واحد أكثر من نفقة المثل؛ لأنه أطلق التصرف في المعاوضة، فاقتضى عوض المثل، كالتعويض في البيع والشراء. فلو لم تكف الألف للحج، حج به من حيث يبلغ؛ لأن الموصي قد عين صرفه ذلك في الحج، فصرف فيه بقدر الإمكان. ولا يصح للوصي أن يحج بالألف؛ لأنه منفِّذ، كالتوكيل في التصدق، لا يصح للمأمور أن يأخذ منه شيئاً. ولا يصح أيضاً للوارث أن يحج بالألف؛ لأن ظاهر كلام الموصي جعله لغيره. فإن عين الموصي أن يحج عنه الوارث بالنفقة، جاز. ويجزئ الحج عن الموصي في هذه الحالة من الميقات عملاً بأدنى الحالات، والأصل عدم وجوب الزائد. وإن قال: حجوا عني بألف، ولم يقل: واحدة، لم يحج عنه إلا حجة واحدة، وما فضل للورثة. وإن قال: حجوا عني بألف، دفع الألف إلى من يحج عنه حجة واحدة عملاً بمقتضى وصيته، وتنفيذاً لها. فإن عين الموصي أحداً في الوصية، فقال: يحج عني فلان حجة بألف، فهو وصية له، فإن حج أعطي الألف قبل التوجه، وإن أبى الحج بطلت في حقه، ويحج عنه بأقل ما يمكن من النفقة، والبقية للورثة في فرض ونفل. ولا يعطى المال إلا أيام الحج احتياطاً للمال، ولأنه معونة في الحج، فليس مأذوناً فيه قبل وقته. وللنائب الموصى به تأخير الحج لعذر كمرض ونحوه.

стр. 7248

ولو قال الشخص: حجوا عني حجاً، ولم يذكر قدراً من المال، دفع إلى من يحج قدر نفقة المثل فقط؛ لأن الإطلاق لا يقتضي الزيادة عليه. ولو وصى بثلاث حجج إلى ثلاثة، صح صرفها في عام واحد. فإن تلف المال في الطريق بيد النائب، فهو من مال الموصي غير مضمون على النائب؛ لأنه مؤتمن كالوديع، وليس على النائب في حال تلف المال إتمام الحج. والوصية بالصدقة بمال أفضل من الوصية بحج التطوع، بعكس الحنفية؛ لأن صدقة التطوع أفضل من الحجة. ٢ - الوصية للحمل: بينت في بحث الشروط أن الوصية تصح بالحمل وللحمل إذا تحقق وجوده وقت الوصية (١)، فالوصية بالحمل: كما إذا أوصى - في الماضي - بما في بطن جاريته، ولم يكن منه، لكن بشرط أن يعلم أنه موجود في البطن وقت الوصية، بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية. ومثاله اليوم: الوصية بما في بطن الفرس أو الشاة أو الناقة. والوصية للحمل: مثل أن يقول: أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة، بشرط علمه بوجوده وقت الوصية على النحو السابق. اتفق الفقهاء على صحة الوصية للحمل بعين أو بمنفعة؛ لأن الوصية كالميراث ينتقل الملك فيها بالخلَفية، والحمل يرث، فيصح أن يوصي له.

стр. 7249

ويشترط في صحة الوصية للحمل عند الجمهور غير المالكية ما يأتي: ١ - أن يثبت وجوده في بطن أمه عند إنشاء الوصية: فإن لم يثبت وجوده، كانت الوصية باطلة. ولم يشترط المالكية هذا الشرط؛ لأنه تصح الوصية عندهم لمن سيكون من حمل موجود أو سيوجد. والتحقق من وجود الحمل وقت إنشاء الوصية يكون عند الحنفية بما يأتي: أـ إذا أقر الموصي بوجود الحمل وقت الوصية، وجاءت به أمه لأقل من سنتين من وقت الوصية، سواء أكانت زوجة أم معتدة من طلاق أو وفاة. ب - فإذا لم يوجد إقرار بالحمل: اشترط أن يولد حياً لأقل من ستة أشهر من تاريخ الوصية إذا كانت الأم زوجة أو معتدة من طلاق رجعي، أي بأن كان زوجها حياً؛ لأن هذه المدة أقل مدة الحمل شرعاً، فإن جاءت به لستة أشهر فأكثر، فلا تصح الوصية. وإن كان زوجها ميتاً اشترط أن يولد حياً لأقل من سنتين من يوم الوفاة، أو الفرقة إذا كانت معتدة من وفاة أو فرقة بائنة، بدليل ثبوت نسبه، أي إذا جاءت به في تلك المدة ثبت نسبه من أبيه. أما الشافعية والحنابلة: فوافقوا الحنفية في الحالة الأولى، فصححوا الوصية للحمل وبالحمل إذا أتت به أمه لأقل من ستة أشهر منذ التكلم بالوصية، إذا كانت ذات زوج. وخالفوا الحنفية في الحالة الثانية فيما إذا لم تكن الأم ذات زوج، فصححوا الوصية للحمل إذا انفصل حياً لأربع سنين من تاريخ الوصية، فإذا ولد لأكثر من أربع سنين من حين الفرقة، وأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، لم تصح الوصية له، لاحتمال حدوثه بعد الوصية.

стр. 7250

والحاصل أنه يحكم بوجود الحمل باتفاق المذاهب الثلاثة إذا ولد لستة أشهر من تاريخ الوصية، ويحكم بوجوده عند الحنفية لسنتين من حين الفرقة، وفي المذهبين الآخرين لأربع سنين من تاريخ الفرقة. ٢ - أن يولد حياً حياة مستقرة بظهور علامات الحياة من بكاء وصراخ وشهيق ونحوها من الخبرة الطبية باتفاق المالكية والشافعية والحنابلة، وهوما أخذ به القانون المصري (م ٣٥) والسوري (م ٢٣٦) وعند الحنفية أن يولد أكثره حياً. وتوقف غلة الموصى به منذ وفاة الموصي إلى أن ينفصل الحمل حياً، فتكون له (١). ٣ - أن يوجد على الصفة التي عينها الموصي: فإذا كانت الوصية لحمل من شخص معين، اشترط لصحة الوصية أن يثبت نسب الحمل شرعاً من الشخص المعين. وهو مذهب الشافعية الذي أخذ به القانون. تعدد الحَمْل: إذا ولدت المرأة أكثر من ولد في وقت واحد، أو في وقتين بينهما أقل من ستة أشهر، كانت الوصية لهم جميعاً إذا ولدوا أحياء، ويقسم الموصى به بينهم بالتساوي. وإن ولد أحدهما حياً والآخر ميتاً، كانت الوصية للحي دون الميت. وإن مات أحدهما بعد ولادته حياً، كان نصيبه لورثته إذا كان الموصى به عيناً كدار، لأنه ملكها ملكاً تاماً، وإن كان منفعة عادت إلى ورثة الموصي؛ لأن الوصية بالمنافع تنتهي بالموت، ما لم يوجد شرط آخر، فيعمل به (٢). أما القانون (المصري م ٣٥، والسوري م ٢٣٦) فإنه عدل عن المقرر فقهاً في كيفية التحقق من الحمل:

стр. 7251

ففي حالة إقرار الموصي بوجود الحمل: أن يولد لسنة شمسية (٣٦٥ يوماً) فأقل من تاريخ الإيصاء، عملاً برأي محمد بن عبد الحكم المالكي، فإنه جعل أقصى مدة الحمل سنة قمرية، وبما قرره الأطباء من أن الحمل لا يمكث أكثر من سنة شمسية. وإذا لم يوجد إقرار بالحمل: اشترط أن يولد حياً لـ (٢٧٠) يوماً في القانون المصري، ولتسعة أشهر فأقل في القانون السوري من حين الوصية، إذا كانت الحامل زوجة أو معتدة من طلاق رجعي. وهذا أخذ بالغالب في مدة الحمل شرعاً. واشترط أن يولد حياً لسنة شمسية (٣٦٥ يوماً) فأقل من حين وجوب العدة، إذا كانت المرأة معتدة لوفاة أو فرقة بائنة. ٣ - الوصية للمعدوم: يرى الجمهور (١) غير المالكية أن الوصية للمعدوم: (وهو من لم يكن موجوداً حين الوصية، وسيوجد بعد وفاة الموصي) باطلة؛ لأن من شرائط الموصى له كونه موجوداً وقت الوصية إذا كان معيناً بالاسم أو بالإشارة مثل: أوصيت لخالد، أو لهذا، فلا تصح الوصية لمن سيكون أو لميت؛ لأن الوصية تمليك، فلا تصح للمعدوم، بخلاف الموصى به؛ فإنه يملك فلم يعتبر وجوده؛ ولأن الوصية كالميراث، ولا يرث المتوفى إلا من كان موجوداً، فكذلك الوصية. فإن كان الموصى له معرَّفاً بالوصف كطلبة العلم، اشترط وجوده وقت وفاة الموصي.

стр. 7252

أما المالكية (١): فأجازوا الوصية للمعدوم وهو أن يوصى لميت علم الموصي بموته حين الوصية، وتصرف في وفاء ديونه ووصاياه، ثم لوارثه إن لم يكن عليه دين، فإن لم يكن وارث بطلت الوصية، ولاتعطى لبيت المال. وأخذ القانون المصري والسوري (٢) بهذا الرأي، تعميماً للانتفاع بالوصية وتحقيقاً لرغبات الموصين في إيصال الخير وبر الناس. أحكام الوصية للمعدوم في القانون: تصح الوصية قانوناً للمعدوم، كقوله: أوصيت لمن سيولد لخالد، ولما يشمل الموجود والمعدوم كقوله: أوصيت لأولاد خالد، أي الموجود منهم أو من سيوجد. وتكون الوصية للمعدوم إما بالأعيان أو بالمنافع، ولكلٍ أحكام في تنفيذ الوصية. ١ ً) - الوصية بالأعيان للمعدوم ممن يحصون: إذا كانت الوصية بالأعيان كدار أو أرض لقوم يحصون: وهم مئة فأقل، كانت غلة الموصى به ملكاً لمن وجد من الموصى لهم عند وفاة الموصي، إلى أن يوجد غيرهم، فإذا وجد غيرهم شاركهم فيما سيكون من غلة تلك العين. ومتى صارت الرقبة والغلة ملكاً للموصى لهم، فإنها تقسم على الأحياء منهم والأموات، ويكون نصيب من مات منهم لورثته من بعده، يقسم بينهم قسمة الميراث (٣).

стр. 7253

وإن لم يوجد أحد من المستحقين عند وفاة الموصي، تكون غلة الموصى به لورثة الموصي. وعند اليأس من وجود أحد من المستحقين - كأن يموت خالد الموصى لأولاده دون أن يترك ولداً - تكون العين الموصى بها ملكاً لورثة الموصي (١). ٢) - الوصية بالمنفعة للمعدوم ممن يحصون: أما إن كانت الوصية بالمنفعة لهؤلاء، فإن ملكية الرقبة تكون لورثة الموصي في كل حال، وليس للموصى لهم سوى المنفعة. فإذا وجد واحد من الموصى لهم عند وفاة الموصي أو بعده استحق جميع الغلة، وإن وجد آخر اشترك معه فيما سيكون من الغلة، وهكذا حكم من سيوجد. وإن لم يوجد أحد من الموصى لهم تكون الغلة ملكاً لورثة الموصي (٢). وإذا انقرض بعض الموصى لهم وبقي البعض الآخر، تكون الغلة لمن بقي منهم، ما لم يكن في الوصية ما يفيد غير ذلك، كأن يصرح الموصي بعودة نصيب الميت إلى ورثة الموصي (٣). ٣) - الوصية بالمنفعة للطبقات: أجاز القانون المصري (م ٢٩) الوصية بالمنفعة للطبقتين الأوليين فقط من ذرية الموصى له، وتبطل فيما زاد عليهما. واعتمد القانون في حالة الجواز على مذهب

стр. 7254

المالكية، وفي حالة البطلان على رأي ابن أبي ليلى الذي يمنع الوصية بالمنافع مطلقاً. وحصر القانون السوري (م ٢٣٢/ ١) الوصية للذرية لطبقة واحدة، كيلا تنقلب الوصية إلى وقف ذُرِّي (أهلي) وهذا ملغى قانوناً، فإذا انقرضت الطبقة الأولى من أولاد فلان الموصى لذريته، عادت العين تركة للموصي، إلا إذا كان قد أوصى بها أو ببعضها لغيرهم (١). والسبب في نفرة القانون من استمرار الوصية للطبقات: هو ضعف الأنصبة عند تكاثر الذرية، وهذا يؤدي إلى الإهمال والنزاع بين المستحقين وخراب الأعيان الموصى بمنفعتها. ونص القانون المصري في المادة نفسها على أنه إذا كانت الوصية مرتبة الطبقات، كالوصية لأولاد عامر، ثم من بعدهم لأولادهم، فتصرف الغلة لأهل الطبقة الأولى بحسب نص الموصي، وإلا فعلى عدد الرؤوس. وعند انقراضها تصرف للطبقة الثانية. وإذا كانت الوصية غير مرتبة الطبقات، فإن الغلة توزع على من يوجد من الطبقتين على حسب نص الموصي، فإن لم يوجد نص، فعلى عدد الرؤوس، فإن انقرضوا جميعاً، عادت المنفعة إلى ورثة الموصي. ٤ - الوصية لجماعة محصورين: اتفق الفقهاء على صحة الوصية لقوم محصورين: إما بالاسم، مثل أحمد وخالد وعلي، أو بالإشارة كالوصية لهؤلاء، أو بالوصف مثل طلاب العلم من أولاد فلان، أو المرضى من عائلته، أو بالجنس كبني فلان وهم يحصون.

стр. 7255

أولاً - فإن كانت الوصية لمعينين بأسمائهم، قسمت عليهم بحسب نص الموصي، فإن لم يوجد نص، قسمت على عدد الرؤوس بالتساوي (١). ومن مات منهم بعد الاستحقاق، كان نصيبه لورثته إن كان الموصى به عيناً، ولباقي الموصى لهم إن كان الموصى به منفعة؛ لأن المنافع عند الحنفية لا تورث. وإذا بطلت الوصية لبعض المعينين بموته مثلاً: فالمقرر لدى الحنفية أن من دخل في الوصية ثم خرج منها لفقدان شرط أو لزوال أهلية، رجع نصيبه إلى ورثة الموصي. وإن كان لم يدخل في الوصية أصلاً قسم نصيبه على من بقي من الموصى لهم. ويتحدد وقت الدخول في الوصية عند إنشاء الوصية إن كان الموصى له معيناً بالاسم أو الإشارة، ووقت وفاة الموصي إن كان معرفاً بالوصف أو بالجنس. لكن القانون المصري (م ٣٣) أخذ بمذهب الشافعية في حال بطلان الوصية، فقضى في الوصية لمعينين: أن يعود إلى تركة الموصي ما أوصى به لمن كان غير أهل للوصية حين وفاة الموصي، سواء أكان قد صح الإيجاب له ثم مات قبل الموصي، أم لم يصح الإيجاب له من أول الأمر. ثانياً - وإن كانت الوصية لمحصورين معروفين بالوصف أو الجنس: فيقسم الموصي به لهم على حسب نص الموصي، وإلا فعلى عدد الرؤوس، كما في الحالة الأولى.

стр. 7256

وإن مات واحد منهم بعد استحقاق الوصية، كان الموصى به تركة لورثته إن كان عيناً. فإن كان منفعة كان نصيبه عند الحنفية لباقي الموصى لهم؛ لأن المنافع لا تورث عندهم، كما ذكر في الحالة الأولى. وإذا بطلت الوصية لبعض الموصى لهم كموته موت الموصي، أو رده الوصية بعد موته، وزع الموصى به على الباقين، وهذا هو المقرر في القانونين المصري (م ٣١) والسوري (م ٢٣٤). كيفية توزيع الوصية المشتركة: الوصية المشتركة: هي أن يكون الموصى له مجموعاً مشتركاً من معين وجماعة محصورة، وجماعة غير محصورة، وجهة بر، كالوصية بثلث ماله لخالد، ولأولاده الأربعة، وللفقراء، وللمستشفى. نص القانون المصري (م ٣٢) والسوري (م ٢٣٥) على كيفية توزيع الثلث الموصى به، بأن تقسم الوصية في هذا المثال سبعة أسهم، ويعتبر لكل معين ولكل فرد من أفراد الجماعة المحصورين ولكل جماعة غير محصورة ولكل جهة برّ سهم، فيعطى لخالد سهم، ولكل ولد من أولاده، سهم، وللفقراء سهم، وللمستشفى سهم. وبه اعتبر لفظ «الفقراء» كشخص واحد، أخذاً برأي الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف (١). وقال الشافعية (٢): لو أوصى لزيد والفقراء، فالمذهب أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقل شيء متموَّل.

стр. 7257

وقال الحنابلة (١): لو أوصى لزيد وللفقراء، قسم بين زيد والفقراء نصفين، نصف له ونصف للفقراء. هذا إذا كان أولاد خالد حين وفاة الموصي أربعة، فإن ولد له بعدئذ خامس، أخذ قانوناً بمبدأ الوصية لما يشمل الموجود والمعدوم (م ٢٣١ سوري) وهو المستمد من مذهب المالكية، فيوزع الموصى به ثمانية أسهم، وهكذا يزداد عدد الأصل الموزع منه، حتى اليأس من وجود أولاد آخرين، فيعطى لخالد سهم، ولكل ولد من أولاده سهم، وللفقراء سهم، وللمستشفى سهم. ٥ - الوصية لجماعة غير محصورين: أذكر رأي المذاهب هنا ببيان كل مذهب على حدة: يرى الحنفية (٢): أنه يشترط أن يكون الموصى له معلوماً، فتكون الوصية لمجهول باطلة؛ لأن الوصية تمليك عند الموت، فلا بد من أن يكون الموصى له معلوماً في ذلك الوقت حتى يقع الملك له، ويمكن تسليم الموصى به إليه. وبناء عليه: لا تصح الوصية مثلاً بثلث ماله للمسلمين؛ لأن المسلمين لا يحصون، إلا إذا كان في لفظ الوصية ما ينبئ عن حاجة الموصى لهم، كأن يوصي للفقراء والمساكين واليتامى والمحاربين ومشوهي الحرب؛ لأن الوصية حينئذ تكون صدقة وقربة إلى الله تعالى، والله سبحانه واحد معلوم، فيقع المال لله ، ثم يتملك الفقراء بتمليك الله تعالى لهم، وإن كانوا لا يحصون. ومن لا يحصى أو غير المحصورين في رأي محمد من الحنفية المفتى به

стр. 7258

والمعمول به في المحاكمة الشرعية: هم الأكثر من مائة، فإن كانوا مائة فأقل، فهم يحصون. ومصرف الوصية في غير المحصورين: هم أهل الحاجة منهم، ولا يلزم الصرف إلى جميعهم، ولا تعميم المحتاجين جميعاً، ولا التسوية بينهم في العطاء، بل تقسم بحسب اجتهاد منفذ الوصية. وإذا كانت الوصية لمن لا يحصون بالأموال، فإنها توزع على المحتاجين، وتثبت لهم ملكيتها بالقبض. وإن كانت بالمنافع تصير وقفاً، وتوزع غلتها على من اتصف بصفة الوصية. و رأى المالكية (١): أنه تصح الوصية لقوم غير معينين كالفقراء، ويدخل معهم المساكين (٢) وبالعكس، عملاً بالعرف، أي أن الفقير والمسكين إذا افترقا اجتمعا في الحكم، وإذا اجتمعا افترقا، فهما لفظان غير مترادفين. وهذا أيضاً مذهب الأئمة الآخرين. و ذهب الشافعية والحنابلة (٣): إلى أنه تصح الوصية لغير معين: بأن أوصى لجهة عامة كالفقراء، أو لمعين غير محصور كالهاشمية والمطلبية. ويجوز عند الشافعية الاقتصار في التوزيع على ثلاثة منهم، ولا تجب التسوية بينهم، ويجوز عند الحنابلة الاقتصار على واحد. واتفق الكل على أن الوصية لغير معين، تلزم بدون حاجة إلى القبول.

стр. 7259

والخلاصة: أن الحنفية أجازوا الوصية لقوم غير محصورين إذا كان في لفظ الوصية ما ينبئ عن حاجة الموصى لهم. والجمهور أجازوا ذلك مطلقاً. وقد عدل القانون المصري (م ٣٠) والسوري (م ٢٣٣/ ١) عن مذهب الحنفية في الوصية لمن لا يحصى، فأجازها، وإن لم يذكر في لفظ الوصية مايفيد الاحتياج؛ لأن معنى القربة موجود في الوصية على كل حال، سواء صرح الموصي بذلك أم لا. وأخذ بما اتفقوا عليه في نهاية المادة إذ نص على أنه: يترك أمر توزيعها بينهم لاجتهاد من له تنفيذ الوصية دون التقيد بالتعميم أو المساواة. المقصود ببعض ألفاظ الموصى لهم في الوصية لقوم مخصوصين: أورد الفقهاء بعض العبارات التي ترد في الوصايا وتتعلق بالموصى لهم، فما المراد بها عندهم (١). الجيران: من أوصى لجيرانه: فهم الملاصقون له عند أبي حنيفة؛ لأن الجوار عبارة عن القرب، وحقيقة ذلك في الملاصق، وما بعده بعيد بالنسبة إليه. وقال الصاحبان استحساناً: هم الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محلة الموصي، ويجمعهم مسجد المحلة. وقول الإمام هو الصحيح عند الحنفية. وقال المالكية: تشمل الوصية جيرانه الملاصقين له من الجهات الست (الأربع والعلو والسفل) والجيران المقابلين له إذا كان بينهما شارع صغير. وقال الشافعية والحنابلة: هم أربعون داراً من كل جانب من جوانب الدار الأربعة، لقوله ﷺ : «الجار: أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا» (٢).

стр. 7260

وتقسم الوصية على عدد الدور لا على عدد السكان. ولا يدخل في الوصية عند الحنابلة إلا من كان موجوداً عندها، فمن يتجدد من الجيران بين الوصية والموت لا يدخل فيها، وكذلك لا يستحق من يتجدد عن تنفيذ الوصية. وجيران المسجد عند الحنابلة وفي قول عند الشافعية: من يسمع النداء، لحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (١)، مع قوله ﷺ للأعمى لما سأله أن يرخص له في الصلاة في بيته: «هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب» (٢) والراجح عند الشافعية أن جيران المسجد كجيران الدار فيما لو أوصى لجيرانه. الأصهار والأختان: من أوصى لأصهاره: فالوصية في عرف المتقدمين لكل ذي رحم محرم من امرأته، كآبائها وأعمامها وأخوالها وأخواتها. وأما في عرفنا فيختص بأبويها. وجزم بعضهم بالأول، والمعول في تقديري على العرف. ومن أوصى لأختانه: فالختن: زوج كل ذات رحم محرم منه، كأزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته. وكان المشهور في ديارنا الشامية: أن يختص الصهر بأبي الزوجة، والختن: بزوج البنت، أما اليوم فيطلق على زوج البنت، وهو مرادف لكلمة الختن. الأقارب والأرحام: من أوصى لأقربائه أو لأرحامه: فالوصية عند أبي حنيفة للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه سواء الكافر والمسلم والصغير والكبير، ولا يدخل فيهم الوالدان والولد؛ لأنهم لا يسمون أقارب، ومن سمى والده قريباً كان منه عقوقاً؛ لأن القريب من تقرب بوسيلة غيره، وتقرب الوالد

стр. 7261

والولد بنفسه لا بغيره. وتكون الوصية للاثنين فصاعداً؛ لأنه ذكر بلفظ الجمع، وأقل الجمع في الوصية اثنان، كما في الميراث. والخلاصة: يراد بالأقرب من توافرت فيه شروط أربعة: هي أن يكون المستحق مثنى (اثنين فأكثر)، وأن يكون المستحق أقرب إلى الموصي بحيث لا يوجد من يحجبه، وأن يكون ذا رحم محرم من الموصي، وألا يكون وارثاً من الموصي. وقال المالكية: يختص في الوصية للأهل والأرحام من الموصي أقارب أبيه غير الورثة، إن كان له ذلك، لشبه الوصية بالإرث من حيث تقدم العصبة على ذوي الأرحام. وإن لم يكن للموصي أقارب لأب غير ورثة، دخل في الوصية أقارب لأمه كأبيها وعمها لأبيها أو لأمها وأخيها وابن عمتها. ويقدم الأحوج فالأحوج منهم، فإن استووا في الحاجة سوي بينهم في الإعطاء. وإن قال: أوصيت لأقارب فلان، شمل الوارث منهم لفلان وغير الوارث. وقال الشافعية: إن وصى لأقارب زيد، دخل كل قرابة له، وإن بعد، عملاً بعموم اللفظ مسلماً كان أو كافراً، غنياً أو فقيراً، إلا الأصل (أي الأب والأم فقط) والفرع (أولاد الصلب فقط) فلا يدخلان في الأصح، - كما قال الحنفية - إذ لا يسمون أقارب عرفاً، أما الأجداد والأحفاد فيدخلون لشمول الاسم لهم. ولا تدخل قرابة أم في الوصية للأقارب في وصية العرب في الأصح، إذا كان الموصي عربياً، فإنهم لا يفتخرون بها ولا يعدّونها قرابة. والمعتمد أن هذه القرابة تدخل، كما قال الحنفية. والأصح تقديم ابن على أب، وأخٍ على جد؛ لأنه أقوى إرثاً وتعصيباً. ولا يرجح بذكورة ووراثة، بل يستوي الأب والأم والابن والبنت. ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن.

стр. 7262

ولو أوصى لأقارب نفسه، لم تدخل ورثته في الأصح، كما ذكر المالكية، لأن الوارث لا يوصى له غالباً عملاً بعرف الشرع، فيختص بالباقين. ومذهب الحنابلة كالشافعية إلا أنهم قالوا: لا يدخل في الوصية للقرابة أو أهل القرابة الكفار، فهي للمسلمين خاصة، ولا شيء للكفار، لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء:١١/ ٤] فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلماً، وإذا لم يدخلوا في وصية الله تعالى مع عموم اللفظ، فكذلك في وصية المسلم، ولأن ظاهر حاله أنه لا يريد الكفار، لما بينه من عداوة الدين، وعدم الوصلة المانع من الميراث ووجوب النفقة على فقيرهم. الأهل: إذا أوصى لأهله، فأبو حنيفة يخص الأهل بالزوجة؛ لأن الأهل حقيقة في الزوجة، قال تعالى: ﴿وسار بأهله﴾ [القصص:٢٩/ ٢٨] ﴿فقال لأهله: امكثوا﴾ [طه:١٠/ ٢٠] ويؤيده العرف. وقال الصاحبان: يشمل الأهل كل من في نفقته ما عدا خدمه؛ لأن اللغة تستعمل الأهل في أقارب الرجل وعشيرته، قال تعالى: ﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته﴾ [النمل:٥٧/ ٢٧]. والأولى الاعتماد على العرف. آل بيته: إذا أوصى بكذا لآل بيته، شمل قبيلته؛ لأن الآل هو القبيلة التي ينسب إليها، ويدخل فيها كل آبائه الذين لايرثون إلى أقصى أب له في الإسلام إلا الأب الأول - الأصل، فليس من أهل بيته. ولا يدخل فيها أولاد البنات وأولاد الأخوات وقرابة الأم؛ لأن الولد ينسب لأبيه، لا لأمه. أهل جنسه: إذا أوصى لأهل جنسه، شمل أهل بيت أبيه؛ لأن المراد بالجنس في مثله النسب، والنسب إلى الآباء.

стр. 7263

العلويون: إذا أوصى للعلويين وهم أولاد علي: فلا تصح الوصية عند الحنفية؛ لأن العلويين لا يمكن حصرهم، وليس فيه ما يشعر بالحاجة. وقال الشافعية: تصح الوصية وتنفذ بقسمة الموصى به على ثلاثة منهم فأكثر، كالوصية على الفقراء والمساكين. وهكذا تنفذ الوصية في كل جمع معين غير منحصر، تقسم بين ثلاثة منهم. وقال الحنابلة: يستحب تعميم من أمكن منهم. في سبيل الله: المشهور في الوصية في سبيل الله اختصاصها بالغزاة المجاهدين وحجاج بيت الله الحرام. العلماء: قال الشافعية: العلماء في الوصية لهم: أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه ونحوهم، ولا يدخل في علماء الشرع: المقرئ والأديب والمعبر للرؤيا والطبيب والمهندس والحاسب ونحوهم، وكذا علماء الكلام عند الأكثرين؛ لأن أهل العرف لا يعدونهم منهم. ويكفي عند الشافعية لتنفيذ الوصية أن تصرف لثلاثة من أهل كل علم. وقال الحنابلة: إذا أوصى لأهل العلم شملت الوصية من اتصف به، وأهل القرآن: حفظته. مراحل الإنسان: يراد بالمراهق: هو الطفل الذي قارب البلوغ، جاء في القاموس، راهق الغلام: قارب الحلم. ويراد بالطفل: من لم يميز. والصبي والغلام واليافع: من لم يبلغ. وكذا اليتيم، فمن أوصى لأيتام بني فلان بكذا، دخل في الوصية اليتيم الذي مات أبوه قبل بلوغ الحلم، سواء أكان غنياً أم فقيراً ذكراً أم أنثى، بشرط أن يحصى عددهم عند الحنفية.

стр. 7264

والشاب والفتى: من البلوغ إلى الثلاثين. والكهل: من الثلاثين إلى الخمسين. والشيخ: من الخمسين إلى السبعين. ثم الهرم إلى آخر العمر. المطلب الخامس - أحكام الموصى به: عرفنا في شروط الموصى به: أنه يشترط أن يكون مالاً أو متعلقاً بالمال؛ لأن الوصية إيجاب الملك أو إيجاب ما يتعلق بالملك من البيع والهبة والصدقة. ويخصص البحث هنا لبيان حكم الوصية بمعين أو بجزء شائع، الوصية بالمعدوم أو معجوز التسليم، الوصية بالمجهول، الوصية بالمنافع، الوصية بالتصرف في عين، الوصية بالحقوق، الوصية بتقسيم التركة، الوصية بالمرتبات، الزيادة في الموصى به. ١ - الوصية بمعين أو بجزء شائع وحكم هلاك الموصى به: تجوز الوصية بالمشاع وبالمقسوم المعين؛ لأنها تمليك جزء من ماله، فجاز في المشاع والمقسوم كالبيع (١). والمعين إما عين بذاتها أو نوع من المال. وورد في القانون المصري (م ٤٧ - ٤٩) والقانون السوري (م ٢٤٣ - ٢٤٥) بيان أحكام الوصية بمعين أو بمشاع، وماذا يترتب على هلاك الموصى به أو استحقاقه، أخذاً من مذهب الحنفية في الغالب (٢). أـ فإذا كانت الوصية بعين بذاتها: كأن يوصي بداره في بلد كذا، تعلقت

стр. 7265

الوصية بهذه العين، فإذا هلكت أو استحقت أو خرجت عن ملك الموصي في حياته، بطلت الوصية، لفوات محلها. وإن مات الموصي وهي في ملكه، كانت جميعها للموصى له، إن خرجت من ثلث المال، فإن لم تخرج من الثلث كان له منها مايخرج من الثلث. وإن تعلق بها حق خاص - كحق المرتهن - واستوفى دينه منها، كان للموصى له أن يرجع بقيمتها من التركة. ب - إذا كانت الوصية بنوع من أمواله: كغنمه أو أفراسه أو دوره، فهلكت أو استحقت، بطلت الوصية أيضاً؛ لأن الوصية تعلقت بنوع معين من المال وقت الإيصاء، وقد زال من الوجود، فبطلت لفوات محل الوصية. جـ - إذا كانت الوصية بجزء شائع في شيء معين بذاته: كالوصية بنصف دار معينة، تعلقت الوصية بهذا الجزء من تلك العين، فإذا هلكت جميعها، أو استحقت، بطلت الوصية، لفوات محلها. وإن هلك بعضها أو استحق، أخذ الباقي إن كان يخرج من الثلث، وإلا أخذ منه مقدار مايخرج من الثلث. د - إذا كانت الوصية بجزء شائع في نوع معين من أمواله: كأن يوصي بربع أغنامه أو بنصف دوره، تعلقت الوصية بالموجود عند إنشاء الوصية، فإن هلك جميعه أو استحق، أخذ نصف الباقي حال الوصية بالنصف إذا كان يخرج من الثلث، وإلا أخذ منه بمقدار الثلث. وتكون الوصية قانوناً بعدد شائع كخمس من أفراسه، كالوصية بحصة شائعة فيه، فإذا هلك بعضها، كان له خمس الباقي، وهو أخذ برأي ابن الماجشون من المالكية. أما الحنفية فقالوا: لو لم يبق إلا الخمس أي القدر المسمى، فإنه يأخذه، إذا كان يخرج من الثلث.

стр. 7266

٢ - الوصية بالمعدوم أو بمعجوز التسليم (١): تصح الوصية عند الجمهور غير الحنفية بالمعدوم كأن يوصي بما تحمله الجارية أو الشجرة؛ لأن المعدوم يجوز أن يملك بعقد السلم أو المساقاة، فجاز أن يملك بالوصية، ولأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر، رفقاً بالناس وتوسعة، فتصح بالمعدوم كما تصح بالمجهول، وتصح بما يعجز عن تسليمه كآبق وشارد وطير بهواء ولبن بضرع. وقال الحنفية: إن كان الموصى به معدوماً، فلا بد من أن يكون قابلاً للتمليك بعقد من العقود، فلا تجوز الوصية استحساناً بما تلد أغنامه؛ لأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد المساقاة. وتصح الوصية بما تثمر نخيله هذا العام أو أبداً، وإن كان الموصى به معدوماً؛ لأنه يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد المساقاة (المعاملة) فالوصية بالمعدوم جائزة اتفاقاً، وإن اختلفوا في بعض الأمثلة. وتجوز الوصية اتفاقاً بما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر والعبد الآبق؛ لأن الموصى له يخلف الميت في ثلثه، كما يخلفه الوارث في ثلثه، فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء، جاز أن يخلفه الموصى له. لكن قال الحنفية: لا تصح الوصية بما في البطن والضرع، وبما على الظهر من الصوف، وبما سيحدث من اللبن والولد؛ لأنه يشترط وجود الموصى به عند موت الموصي، فلو مات الموصي ولم يكن الموصى به موجوداً وقت موته، بطلت الوصية. أما في الوصية بالثمرة فليس وجودها عند موت الموصي بشرط استحساناً؛ لأن اسم الثمرة يقع على الموجود، والحادث، والحادث منها يحتمل دخوله تحت عقد المعاملة

стр. 7267

والوقف. أما الولد والصوف ونحوهما فلا تدخل تحت عقد من العقود ولا يجري فيه الإرث، فلا يدخل تحت الوصية، لأن الوصية إنما تجوز فيما يجري فيه الإرث أو فيما يدخل تحت عقد من العقود في حال الحياة، والحادث من الولد وأمثاله لا يجري فيه الإرث، ولا يدخل تحت عقد من العقود، فلا يدخل تحت الوصية. والخلاصة: أن الحنفية لا يجيزون الوصية بما سيحدث، وأجازها الجهمور. ٣ - الوصية بالمجهول: اتفق الفقهاء على اشتراط كون الموصى له معلوماً، أي معيناً، إما بالشخص كزيد، أو بالنوع كالمساكين، فلو قال: أوصيت بالثلث لفلان أو فلان، بطلت للجهالة. واتفقوا أيضاً على عدم اشتراط كون الموصى به معلوماً، فتجوز الوصية بالمجهول (١)، كالوصية بجزء أو سهم من ماله؛ لأن الوصية تبرع محض، فلا تضر فيها الجهالة بالمتبرع به. ومثل الشافعية والحنابلة للوصية بالمجهول: بالحمل في البطن واللبن في الضرع وخادم أو عبد من عبيده. وقد عرفنا أن الحنفية لا يجيزون الوصية بما في البطن أو باللبن في الضرع. فإن بيَّن الموصي في حال حياته مراده من هذه الألفاظ، عمل به. وإن مات قبل أن يبين، بيَّن الورثة عند أبي حنيفة والشافعية والحنابلة، وأعطوا الموصى له ما شاؤوا، في الوصية بجزء؛ لأن الورثة قائمون مقام الموصي،

стр. 7268

فإليهم البيان. أما في الوصية بسهم من ماله: فيعطى الموصى له أقل سهام الورثة زائداً على الفريضة بحيث لا يزيد على السدس، فله في الحد الأدنى السدس. وقال المالكية: يعطى الموصى له المجهول سهماً واحداً من سهام التركة، ثم يقسم الباقي على الورثة، فيدخل الضرر على الجميع. ٤ - الوصية بالمنافع: يثير هذا البحث معرفة أمور عديدة: هي المقصود بالمنافع، وهل تعتبر المنافع أموالاً، وحكم الوصية بالمنافع، وتقدير المنفعة، وطريق الانتفاع بالمنفعة، وكيفية استيفاء المنفعة المشتركة، وانتهاء الوصية بالمنفعة، وملكية العين الموصى بمنفعتها والتصرف فيها، ونفقة العين الموصى بمنفعتها (١). أـ المقصود بالمنافع: تطلق المنفعة في رأي الحنفية على الخدمة وسكنى الدار وغلتها، وعلى غلة الأرض والبستان وثمرته، والغلة: هي كل ما يحصل من ريع الأرض وكرائها (٢) وأجرة الغلام ونحوها. وفرق الحنفية بين الوصية بالغلة والوصية بالثمرة، فقالوا: يدخل في تعبير الغلة ما كان موجوداً عند وفاة الموصي وما سيحدث منها مدة حياة الموصى له.

стр. 7269

أما الثمرة: فتشمل فقط الموجود عند وفاة الموصي. ويظهر أن سبب التفرقة بينهما هو العرف. أما غير الحنفية: فلم يفرقوا بين الغلة والثمرة، وأن كلاً منهما يشمل الموجود عند وفاة الموصي وما يحدث بعدئذ. أما القانون المصري (م ٥٥) والسوري (٢٤٩) فإنه اختار مذهب الجمهور، فجعل الوصية بالثمرة كالوصية بالغلة، تشمل الموجود وقت موت الموصي وما سيحدث، ما لم تدل قرينة على خلاف ذلك. ووسع القانون - كما جاء في مذكرته التفسيرية - معنى المنافع، فأراد بالمنافع ما ذكره الحنفية، وهو أنها تشمل المنافع المحضة للعين كسكنى الدار وزرع الأرض، وبدلها كأجرة الدار والأرض، وما يخرج منها كثمرة البستان والشجر. وتشمل الوصية بالمنافع كل ما ذكر، وتشمل أيضاً قانوناً الوصية بالتصرف في عين، والوصية بالإقراض، والوصية بالحقوق، والوصية بتقسيم التركة، والوصية بالمرتبات. ب - هل تعد المنافع أموالاً ذات قيمة؟ للفقهاء رأيان في الحكم: مذهب الحنفية: ليست المنافع أموالاً متقومة بنفسها، وإنما تصير استحساناً مالاً متقوماً بالعقد عليها كالإجارة والوصية؛ لأن المال عندهم ما يقبل الإحراز والادخار لوقت الحاجة، والمنافع أعراض متجددة، تكسب زمناً فزمناً، وبعد اكتسابها لا يبقى لها وجود، فلا يمكن إحرازها. وتتقوم بالعقود لورود النص وجريان العرف به. وإذا لم تعتبر المنفعة مالاً فهي ملك؛ لأن الملك ما يتصرف فيه بوصف الاختصاص.

стр. 7270

ومذهب الجمهور: المنافع أموال متقومة مضمونة كالأعيان؛ لأن الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها. والقانون أخذ برأي الجمهور، وأفتى متأخرو الحنفية باعتبار المنافع أموالاً متقومة، وإن لم يرد عليها عقد في ثلاثة أنواع: المال المعدّ للاستغلال (١)، والأوقاف، وأموال الأيتام، وقد بحثت هذا الموضوع في الإجارة والغصب والضمان. حـ - حكم الوصية بالمنافع من حيث الجواز وعدمه: اتفق أئمة المذاهب الأربعة على جواز الوصية بالمنافع؛ لأنها كالأعيان في تمليكها بعقد المعاوضة والإرث، فصحت الوصية بها كالأعيان، حتى إن الحنفية الذين لايعتبرون المنافع أموالاً أجازوا الإيصاء بها؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة ببدل، ويكون العقد إجارة، وبغير بدل ويكون العقد إعارةً، فكذا بعد الممات بالوصية، كما في الأعيان. وتخرج من ثلث المال، فإن لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث. د - تقدير المنفعة: عرفنا أن الوصية تنفذ من ثلث التركة، فإذا كانت بالأعيان قدرت الأعيان بنفسها وخرجت من الثلث. وأما إن كانت بالمنافع، فكيف تقدر المنفعة؟ للفقهاء رأيان: الأول - للحنفية والمالكية: هو النظر إلى الأعيان التي أوصي بمنفعتها أياً

стр. 7271

كانت مدة الانتفاع، فإن كانت رقابها (ذواتها) تخرج من الثلث، جازت ونفذت، وإن لم تخرج من الثلث، نفذ منها بقدر الثلث فقط، وتوقف الزائد على إجازة الورثة. فالمعتبر عندهم قيمة العين الموصى بمنفعتها، لا قيمة المنفعة مستقلة. فإذا أوصى شخص بمنفعة داره، وكان لا يخرج من ثلث التركة إلا نصف هذه الدار، كان للموصى له منافع نصف الدار فقط. والدليل على رأيهم: أن الوصية بالمنافع يترتب عليها منع العين الموصى بمنفعتها عن الوارث، وتفويت المقصود منها، وهو الانتفاع بها، والمقصود من الأعيان منفعتها، فإذا بقيت العين على ملك الوارث، صارت بمنزلة العين التي لا منفعة لها، فوجب أن يخرج الممنوع منفعته - وهو العين - من ثلث المال. والثاني - للشافعية والحنابلة (١): أن الوصية بالمنفعة تقدر بقيمة المنفعة الموصى بها في مدة الوصية؛ لأنها هي الموصى بها. إلا أن الحنابلة قالوا: إن كانت الوصية مقيدة بمدة معلومة، قدرت بقيمة المنفعة نفسها في تلك المدة. وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله، ففيها قولان في المذهب: أحدهما - كما في المذهب الحنفي والمالكي: تقوَّم الرقبة (الذات) بمنفعتها، وتخرج من الثلث. والثاني - تقوم الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له، فإذا كانت قيمة الشيء كله مائة، وقيمة الرقبة وحدها عشرة، علمنا أن قيمة المنفعة تسعون.

стр. 7272

أما القانون المصري (م ٦٢) والسوري (م ٢٥٣) فقد أخذ برأي تفصيلي من مجموع الرأيين وهو قريب الشبه بمذهب الحنابلة، فقضى بأن المنفعة إن كانت مؤبدة أو مطلقة، أو لمدة حياة الموصى له، أو لمدة تزيد على عشر سنين، فإنها تقدر بقيمة العين الموصى بكل منافعها أو ببعضها. وهذا موافق للرأي الأول وللقول الأول عند الحنابلة في الوصية المطلقة؛ لأن أمل الورثة في الانتفاع بالعين معدوم أو بعيد التحقق. وإن كانت الوصية بالمنافع لمدة لا تزيد على عشر سنين، فإنها تقدر بقيمةالمنفعة الموصى بها في هذه المدة. وهذا موافق لرأي الشافعية، ولرأي الحنابلة في الوصية المقيدة؛ لأن الأمل في عودة العين إلى الورثة قريب التحقق. وإن كانت الوصية بحق من الحقوق كحق الشِرْب أو حق المرور أو حق التعلي، قدر المنفعة (في المادة ٦٣ مصري) بالفرق بين قيمة العين محملة بالحق الموصى به، وبين قيمتها بدونه، والفرق بين القيمتين هو الوصية. وهذا موافق للقول الثاني في الوصية المطلقة لدى الحنابلة، وهو مذهب الشافعية. هـ - طريق الانتفاع بالمنفعة: للانتفاع طريقان: أحدهما - الاستغلال المشروع: بأن يؤجر مالك منفعة العين الموصى له بمنفعتها لغيره في مقابل أجرة يأخذها منه لنفسه. والثاني - الاستعمال الشخصي: بأن يستوفي هو المنافع بنفسه. وطريق الانتفاع بالمنفعة الموصى بها يختلف بحسب نص الوصية:

стр. 7273

فإن لم تكن الوصية مقيدة بنوع خاص من الانتفاع، كان للموصى له باتفاق الفقهاء أن ينتفع على الوجه الذي يختاره، إما بالاستعمال الشخصي بأن يسكن الدار أو يزرع الأرض بنفسه، وإما بالاستغلال: بأن يؤجر الدار والأرض لغيره، وينتفع بالأجرة. أما إذا قيد الموصي الموصى له بنوع من أنواع الانتفاع، فهناك رأيان: يرى الحنفية: أن الموصى له يتقيد بالقيد المنصوص عليه في حال الاستعمال الشخصي، فمن أوصي له بالسكنى مثلاً، لا يملك الاستغلال بلا خلاف؛ لأنه ملك المنفعة بغير عوض، فليس له أن يملِّكها غيره بعوض. أما العكس وهو من أوصي له بالاستغلال، فالراجح أن له السكنى؛ لأن من ملَّك غيره السكنى، ملكها بنفسه من باب أولى. وقيل: ليس له السكنى، إذ قد يكون في سكناه بنفسه ضرر بالميت، والحق هو القول الأول، لما في هذه الحجة من تكلف واحتمال بعيد. ويرى الشافعية والحنابلة: أن الموصى له يملك الانتفاع على أي وجه شاء، سواء بالاستعمال الشخصي أم بالاستغلال، ولو نص على العكس؛ لأن الموصى له ملك المنفعة بعقد الوصية، ومن ملك المنفعة ساغ له الانتفاع بها على أي نحو شاء، كما لو ملك حق المنفعة بالإجارة. وهذا الرأي هو الراجح، وهو الذي أخذ به القانون المصري (م ٥٤) والسوري (م ٢٤٨) لأن غرض الموصي إنما هو نفع الموصى له، ودفع حاجته، وهذا أدرى بمصلحته.

стр. 7274

وـ كيفية استيفاء المنفعة المشتركة: إذا كانت المنفعة مشتركة بين الموصى له وبين ورثة الموصي، كالوصية بنصف منفعة داره، أو مشتركة بين عدد من الموصى لهم كالوصية بمنفعة دار لثلاثة أشخاص، فتستوفى المنفعة من طريق القسمة بإحدى وسائل ثلاث (١): الأولى - أن تقسم غلة المنفعة بين المشتركين: فتؤجر الدار أو تزرع الأرض مثلاً، وتقسم الغلة بنسبة حصة كل واحد منهم. الثانية - أن تقسم العين بنفسها بينهم، فيأخذ كل واحد منهم سهمه في المنفعة، بشرط كون تلك العين قابلة للقسمة، وألا يترتب على قسمتها ضرر للورثة، ولو مع بقاء المنفعة الأصلية. الثالثة - أن تقسم العين الموصى بها قسمة مهايأة زمانية أو مكانية: الزمانية: أن تعطى لأحد الشركاء كل العين مدة من الزمان، ينتفع بها، ثم يأخذها الشريك الآخر بقدر تلك المدة، فينتفع بها. والمكانية: أن يأخذ كل شريك جزءاً من العين في وقت واحد ينتفع بها، ثم يتبادل الشريكان كل جزء مرة أخرى، فيحل كل واحد محل الآخر فيما كان ينتفع به. وإذا كانت الوصية بحق لا يمكن قسمته ولا المهايأة فيه، أو حدث اختلاف، اجتهد القاضي في كيفية توزيع المنفعة بحسب قواعد الشريعة العامة. ونص القانون المصري (م ٥٧) والسوري (م ٢٥٠) على هذه الطرق الثلاث المذكورة.

стр. 7275

ز - انتهاء الوصية بالمنفعة: نص القانون السوري (م ٢٥٢) على أن الوصية بالمنفعة تبطل أو تسقط في الحالات التالية: أـ بوفاة الموصى له قبل استيفاء المنفعة الموصى بها كلها أو بعضها؛ لأن المنافع في الوصية لا تورث. ب - بتملك الموصى له العين التي أوصي له بمنفعتها. جـ - بتنازله عن حقه فيها لورثة الموصي، بعوض أو بغير عوض، أما التنازل بعوض فهو من قبيل المصالحة على ترك نظير المال، وأما التنازل بغير عوض فهو من قبيل إبراء الورثة منها. د - باستحقاق العين؛ لأنه تبين أن العين الموصى بمنفعتها لم تكن مملوكة للموصي. ونص القانون المصري (م ٥٩) على بطلان الوصية بالمنفعة قبل تمامها بما يأتي: أـ بمضي المدة المعينة للانتفاع قبل وفاة الموصي، أو بموت الموصى له المعين قبل بدء المدة. ب - بإسقاط الموصى له حقه في المنفعة لورثة الموصي، بعوض أو بغير عوض. جـ - باستحقاق العين الموصى بمنفعتها، أو بشرائها من الموصى له.

стр. 7276

متى يستحق الموصى له المنفعة الموصى بها؟ نص القانون المصري (م ٥٠) والسوري (م ٢٤٦) على أحوال استحقاق الموصى له المنفعة بحسب المدة. فإذا كانت الوصية بالمنفعة مقيدة بمدة محددة البدء والنهاية، كسنتين من أول عام كذا إلى نهاية عام كذا، استحق الموصى له المنفعة في هذه المدة فقط، فإذا انقضت المدة المذكورة قبل وفاة الموصي بطلت الوصية. وإذا انقضى بعضها استحق الموصى له المنفعة في باقيها. وهذا موافق لمذهب الحنفية. وإذا كانت الوصية بمنفعة مقدرة بمدة معينة كسنة دون تحديد بدء الانتفاع، استحق الموصى له المنفعة منذ وفاة الموصي. وهذا موافق لمذهب الشافعية. أما الحنفية فيقولون: تبدأ المدة من وقت القسمة؛ لأنه وقت تنفيذ الوصية واستقرار الملك. منع الموصى له من الانتفاع: نص القانون المصري (م ٥١) والسوري (م ٢٤٧) على أحوال ثلاث قد يحدث فيها منع الموصى له من الانتفاع بالعين الموصى له بمنفعتها، وذلك إما بسبب من جهة أحد ورثة الموصي، أو جميعهم، أو من جهة الموصي نفسه، أو لعذر قاهر للموصى له. الصورة الأولى - إذا كان المنع من بعض الورثة: ضمن للموصى له بدل المنفعة في تلك المدة. الصورة الثانية - إذا كان المنع من جميع الورثة: كان للموصى له الخيار بين الانتفاع بالعين مدة أخرى، وبين أن يضمنهم بدل المنفعة عن تلك المدة.

стр. 7277

الصورة الثالثة - إذا كان المنع من جهة الموصي: كأن يكون الموصي قد أجر الدار الموصى بمنفعتها لمدة معينة، ثم مات قبل أن تنتهي مدة الإجارة، أو كان المنع لعذر قاهر حال بين الموصى له وبين الانتفاع كأن يكون سجيناً أوغائباً، أو كانت الدار مغصوبة، استحق الموصى له المنفعة بالعين مدة أخرى. وهذه الأحكام مستمدة من مذهب الشافعية. أما الحنفية فقالوا: إن كان المنع من أحد الورثة، ضمن للموصى له بدل المنفعة؛ لأنه متعدٍ في هذه الحالة، فيضمن نتيجة تعديه. وإن كان المنع من جميع الورثة ضمنوا له بدل المنفعة أيضاً، لوجود التعدي منهم جميعاً. وليس للموصى له في الحالتين أن يطالب بمدة أخرى للانتفاع، بعد فوات المدة المحددة. وإذا كان المنع بسبب آخر، لا من قبل الورثة، وفاتت مدة الانتفاع المحددة، فلا شيء عليهم، لعدم وجود تعدٍ منهم؛ لأن الموصى به أمانة في يدهم، والأمانة لاتضمن إلا بالتعدي. ح - ملكية العين الموصى بمنفعتها والتصرف فيها: أما ملكية العين: فتكون بحسب مدة الوصية: فإن كانت الوصية مؤبدة أو مطلقة من غير ذكر مدة، وكانت لجهة لا يظن انقطاعها، أصبحت رقبة العين وقفاً، وتكون الغلة للموصى لهم على التأبيد. وأما إن كانت الوصية بالمنفعة لمدة محددة، أو لمعين أو لمحصورين أو لجهة يظن انقطاعها، فإن العين تبقى ملكاً لورثة الموصي، وأما الغلة فهي للموصى لهم

стр. 7278

إلى انقراضهم، أو إلى انتهاء المدة المحددة في الوصية، ثم تعود المنافع إلى ملك الورثة، تبعاً للعين. وأما حق التصرف بالعين الموصى بمنفعتها ففيه رأيان: رأي الحنفية: أنه ليس لمالك العين حق التصرف بها من بيع ونحوه، ويكون التصرف موقوفاً على إجازة الموصى له، لتعلق حقه بها، فإن أذن أسقط حقه. ورأي الجمهور: أنه يجوز لمالك الرقبة حق التصرف بها، بالبيع ونحوه، ولكن يبقى للموصى له حق الانتفاع بالعين، ويستوفيه على ملك المشتري؛ بدليل أن العين تورث عن مالكها، مع بقاء الوصية، ولا ضرر على الموصى له بانتقال ملكية العين؛ لأن حقه في المنفعة وهي لا تختلف باختلاف المالكين، وفي إباحة التصرف بالعين لمالكها رعاية لحقه. وأخذ القانون المصري (م ٦٠) والسوري (م ٢٥١/ ٢) برأي الجمهور. ط - نفقة العين الموصى بمنفعتها: للفقهاء رأيان في نفقة العين: رأي الحنفية، وفي الأصح عند الحنابلة: أن ما تحتاج إليه العين الموصى بمنفعتها من نفقات، ومايفرض عليها من ضرائب، تكون على صاحب المنفعة ولو لم تثمر العين أو لم تغل في سنة ما؛ لأنه صاحب الفائدة منها، كالزوج، إذ الغرم بالغنم أوالخراج بالضمان، فله نفعه، فكان عليه ضره وغرمه. وإذا أهمل صاحب المنفعة القيام بما يلزم لبقاء العين صالحة للانتفاع بها، أو لم يدفع ما عليها من ضرائب، فأداها صاحب الرقبة، كان ما دفعه حقاً له في غلة العين، يستوفيه منها قبل الموصى له.

стр. 7279

أما إذا كانت العين غير صالحة للانتفاع بها، كأرض بور، فإن نفقة إصلاحها وضرائبها على صاحب الرقبة. ورأي الشافعية في الأصح: أن النفقة والضريبة على مالك الرقبة، كالمأجور تكون نفقاته وضرائبه على المالك. وأخذ القانون المصري (م ٥٨) والسوري (م ٢٥٠/ ١) بالرأي الأول. ٥ - الوصية بالتصرف في عين (١): قد يوصي الإنسان ببيع بعض أمواله من التركة، أو بإجارة بعض عقاراته، فإذا كان الثمن المسمى أو بدل الإيجار بقدر ثمن المثل أو أجر المثل، أو كان بأقل من المثل بمقدار يخرج من الثلث، أو يزيد عن ثلث التركة زيادة يسيرة يتغابن الناس فيها، نفذت الوصية من غير توقف على إجازة الورثة، إذ لا ضرر عليهم في الوصية، ويعتبر هذا النقص وصية في حدود الثلث، فلا يحتاج إلى إجازة الورثة. أما إذا كان النقص يزيد على ثلث التركة زيادة كبير - وهو ما يعبر عنه بالغبن الفاحش - فيتوقف تنفيذ الوصية على إجازة الورثة، ما لم يقبل الموصى له بدفع القدر الزائد على الثلث، فإن أجاز الورثة أو دفع الموصى له للورثة القدر الزائد على الثلث، نفذت الوصية، وإلا بطلت. وأخذ القانون المصري (م ٥٦) والسوري (م ٢٤٠) بهذه الأحكام المتفق عليها بين الفقهاء.

стр. 7280

٦ - الوصية بالإقراض: قد يوصي الإنسان بإقراض شخص مقداراً معلوماً من المال مدة معلومة، من غير ربا. فيطبق مبدأ النفاذ من الثلث، وهو ما نصت عليه المادة (١٢) من قانون الوصية المصري، والمادة (٢١٨) من القانون السوري. فإن كان المال الموصى بإقراضه يخرج من ثلث التركة، نفذت الوصية من غير توقف على الإجازة. وإن كان أكثر من الثلث، نفذت في حدود الثلث، وكانت موقوفة في الزائد على إجازة الورثة. وليس للورثة مطالبة المستقرض بالدين قبل حلول الأجل الذي عينه الموصي؛ لأن الأجل في القرض، وإن كان لا يلزم به المقرض عند الحنفية (١)، وأن له أن يطالب المقترض بالقرض في أي وقت شاء، فإنهم قالوا بلزوم أجل القرض في أربع حالات: الأولى - مالو أوصى شخص بإقراض آخر مبلغاً من المال إلى سنة مثلاً، فيلزم الأجل. الثانية - ما لو كان القرض مجحوداً، فأجله صاحبه، فإن الأجل يكون لازماً. الثالثة - ما لو حكم القاضي بلزومه، بالاعتماد على مذهب مالك وابن أبي ليلى فإنه يلزم أيضاً. الرابعة - في الحوالة: ما لو أحال المدين الدائن على آخر فأجله المقرض، أوأحاله على مديون مؤجل دينه؛ لأن الحوالة مبرئة، أي تبرأ بها ذمة المحيل،

стр. 7281

ويثبت بها للمحال أي المقرض دين على المحال عليه بحكم الحوالة، فهو في الحقيقة تأجيل دين، لا قرض. ٧ - الوصية بالحقوق: تصح الوصية بالاتفاق بحقوق الارتفاق التي تنتقل بالإرث، كحق الشِّرب، والمسيل والمجرى والتعلي (١) ونحوها، غير أن الوصية بحق الشرب والمجرى والمسيل لا تجوز قانوناً إلا تبعاً للأرض الموصى بها أو لمالك أرض ينتفع بها. وأجاز القانون المصري (م ١١) الوصية بحق المنفعة التي يملكها المستأجر، أخذاً من مذهب الشافعية والجمهور غير الحنفية، كأن يستأجر شخص أرضاً لمدة عشر سنوات، ثم يوصي بما بقي من مدة الإجارة؛ لأن الإجارة عند الجمهور لا تنفسخ بموت أحد العاقدين. أما الحنفية فلا يجيزون هذه الوصية؛ لأن الإجارة عندهم تبطل بموت أحد العاقدين. وأجاز هذا القانون أيضاً أخذاً من مذهب المالكية الوصية بحق الخلو: وهو حق الأولوية في استئجار عقار موقوف، ومثاله أن يحتاج الوقف إلى عمارة، وليس له مال يعمر به، فيتقدم من يقوم بعمارته، مقابل أن يكون له الأولوية في استئجاره، فلو أوصى هذا الشخص بما ثبت له من هذا الحق، صحت الوصية. ٨ - الوصية بقسمة التركة: قد يوصي الإنسان بوصية تتضمن تقسيم التركة بين الورثة، بمقدار نصيب كل واحد منهم في التركة، ليضمن بالقسمة عدم وقوع خلاف أو نزاع بينهم، وليحقق لكل واحد نصيبه بدون استغلال أو محاباة. فهل تعدّ هذه الوصية ملزمة؟

стр. 7282

يرى جمهور الفقهاء: أن هذا التقسيم لا يلزم الورثة، فلهم أن يقبلوه أو يرفضوه؛ لأن القيمة المالية لأعيان التركة قد تكون متساوية، لكن المصلحة فيها متفاوتة متغايرة، فكما لا يجوز إبطال حق الوارث في قدر حقه، لا يجوز إبطاله في عين هذا الحق أيضاً. ويرى بعض فقهاء الشافعية والحنابلة (١) - وإن كان الأصح في المذهب هو الرأي السابق - أن هذا التقسيم من المورث جائز، ويلزم به الورثة، ما دامت القسمة عادلة، فخصص لكل وارث ما يساوي قيمة نصيبه، وبقدر حصته، ولا يفتقر التقسيم إلى إجازة الورثة؛ لأن حق كل وارث إنما هو في القيمة، لا في عين معينة من أعيان التركة، بدليل أن المورث لو باع في مرض موته التركة كلها بثمن المثل، صح بيعه ونفذ. وأخذ القانون المصري (م ١٣) والسوري (م ٢١٩) بالرأي الثاني، فأجاز تقسيم التركة، وألزم الورثة بالتقسيم بوفاة الموصي. لكن القانون المصري خلافاً لجمهور الفقهاء أجاز المفاضلة بين الورثة إذا كانت الزيادة تخرج من ثلث التركة، بناء على الحكم الذي أخذ به: وهو جواز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير حاجة لإجازة الورثة. ونص القانونان في نفس المادة السابقة على أنه إذا زادت حصة بعض الورثة عن استحقاقه في التركة، كانت الزيادة وصية، وجرى على الزيادة حكم الوصية للوارث.

стр. 7283

٩ - الوصية بالمرتبات: أجاز فقهاء المالكية والحنفية والشافعية بالمرتب من رأس مال التركة، وهي من قبيل الوصية بالأعيان: لأنها وصية بمقدار معلوم من المال يقسط سنوياً أو شهرياً أو يومياً، ولا يختلف عن الوصية بمقدار من المال إلا في التقسيط. وكذلك تجوز الوصية بالمرتب من غلة التركة، وهي من قبيل الوصية بالمنافع؛ لأنها وصية بجزء من غلات بعض الأعيان. وتقدر الوصية أولاً لتعرف نسبتها إلى التركة، فإن خرجت من الثلث نفذت، وإن زادت على الثلث توقفت على إجازة الورثة. ويختلف تنفيذ هذه الوصية بحسب كون الوصية في مدة معينة أم مدى الحياة. أـ فإن كانت الوصية بمرتب في مدة معينة، سواء أكانت من رأس مال التركة أم من غلة التركة، فيحبس عند جمهور الحنفية والمالكية ثلث التركة، ليؤخذ منه ومن غلاته كل شهر المقدار الذي سماه الموصي، ولو كان الثلث أكثر من الوصية. وقال أبو يوسف: يحبس من الثلث ما يغل المرتب في المدة المعلومة، وما زاد على ذلك لا يحبس؛ لأن المطلوب ضمان تنفيذ الوصية. وأخذ القانون المصري (م ٦٤) برأي قريب من رأي أبي يوسف، فنص على أنه يوقف من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة. ب - أما إن كانت الوصية بمرتب مدى الحياة: فهي أيضاً كالوصية في مدة معينة من حيث التقدير والتنفيذ.

стр. 7284

وتقدر مدة حياة الموصى له عند مالك وأبي يوسف بالسن الغالبة لأهل زمانه، فيحبس من الثلث ما يكفي لنفقة تلك المدة. وجعل القانون المصري (م ٦٦) أمر تقدير مدة الحياة لأهل الخبرة من الأطباء. فإذا مات الموصى له قبل انتهاء المدة التي قدرها له الأطباء، انتهت الوصية. وإذا عاش بعد انتهاء المدة المحددة، كان له عند أكثر الفقهاء الرجوع بالمرتب على الورثة. وقال ابن القاسم المالكي: لا يحق له أن يرجع على الورثة بشيء في المدة الزائدة. وأخذ القانون بهذا الرأي. جـ - الوصية بمرتب لجهة بر دائمة: إن كانت الوصية لجهة بر دائمة مدة معينة: فإن تقدير الوصية وتنفيذها يكون على الوجه الذي سبق في الوصية لمعين لمدة معلومة. وإن كانت الوصية مطلقة أو مؤبدة: فإنه يوقف من أعيان التركة ما يغل المرتب في حدود ثلث التركة، ويتوقف الزائد على إجازة الورثة. فإذا فاضت غلات العين عن المرتب المقدر كان الفائض للجهة الموصى لها، وإذا نقصت الغلة عن المرتب فليس لها الرجوع على ورثة الموصي. وهذا كله ما نصت عليه المادة ٦٨ من القانون المصري. د - الوصية بمرتب للطبقات: إذا كانت الوصية بمرتب لفلان ثم من بعده لأولاده فتصح بشرطين في القانون المصري (م ٧٠):

стр. 7285

أحدهما - ألا تتجاوز الوصية طبقتين، فإن زادت كانت باطلة في حق الزائد. الثاني - وجود جميع أفراد الموصى لهم عند وفاة الموصي. فإن أوصى لفلان ثم لأولاده من بعده، ولم يكن له أولاد عند وفاة الموصي، ثم ولد له، فلا يستحق الأولاد الجدد شيئاً. وإذا كانت الوصية بمرتب للطبقات مدى الحياة، قدرت حياة الموجودين بمعرفة الأطباء. وإن كان فيهم جنين قدرت حياته بستين سنة. وتقدر مدة الوصية بأطولهم عمراً، فلو قدرت حياة أحد الأولاد وقت وفاة الموصي بعشرين سنة، وحياة آخر بخمسين، اعتبرت مدة الوصية خمسين سنة. وإذا مات الأب بعد مضي (٦٣) سنة شمسية من وقت وفاة الموصي، لم يستحق أولاده شيئاً في الوصية. ١٠ - حكم الزيادة في الموصى به: إذا طرأت زيادة في الموصى به من قبل الموصي بعد الإيصاء، فلايعد ذلك رجوعاً عن الوصية في المذهب المالكي، وأخذ القانون المصري بهذا الحكم وقررأحوال الزيادة في المواد (٧١ - ٧٥) وأحكامها، وتابعه القانون السوري في المواد (٢٥٤ - ٢٥٦) وأبين هنا هذه الأحوال والأحكام وهي أربعة: الحال الأولى - الزيادة غير المستقلة بنفسها: إذا زاد الموصي في العين الموصى بها شيئاً لا يستقل بنفسه كترميم الدار وتجصيصها، فيلتحق بالموصى به، وتكون العين كلها وصية، وليس للورثة أي حق فيها؛ لأن هذه الزيادة ليست لها قيمة مالية منفصلة عن العين.
следующие страницы →