ويثبت بها للمحال أي المقرض دين على المحال عليه بحكم الحوالة، فهو في الحقيقة تأجيل دين، لا قرض.
٧ - الوصية بالحقوق:
تصح الوصية بالاتفاق بحقوق الارتفاق التي تنتقل بالإرث، كحق الشِّرب، والمسيل والمجرى والتعلي (١) ونحوها، غير أن الوصية بحق الشرب والمجرى والمسيل لا تجوز قانوناً إلا تبعاً للأرض الموصى بها أو لمالك أرض ينتفع بها.
وأجاز القانون المصري (م ١١) الوصية بحق المنفعة التي يملكها المستأجر، أخذاً من مذهب الشافعية والجمهور غير الحنفية، كأن يستأجر شخص أرضاً لمدة عشر سنوات، ثم يوصي بما بقي من مدة الإجارة؛ لأن الإجارة عند الجمهور لا تنفسخ بموت أحد العاقدين. أما الحنفية فلا يجيزون هذه الوصية؛ لأن الإجارة عندهم تبطل بموت أحد العاقدين.
وأجاز هذا القانون أيضاً أخذاً من مذهب المالكية الوصية بحق الخلو: وهو حق الأولوية في استئجار عقار موقوف، ومثاله أن يحتاج الوقف إلى عمارة، وليس له مال يعمر به، فيتقدم من يقوم بعمارته، مقابل أن يكون له الأولوية في استئجاره، فلو أوصى هذا الشخص بما ثبت له من هذا الحق، صحت الوصية.
٨ - الوصية بقسمة التركة:
قد يوصي الإنسان بوصية تتضمن تقسيم التركة بين الورثة، بمقدار نصيب كل واحد منهم في التركة، ليضمن بالقسمة عدم وقوع خلاف أو نزاع بينهم، وليحقق لكل واحد نصيبه بدون استغلال أو محاباة. فهل تعدّ هذه الوصية ملزمة؟
стр. 7282
يرى جمهور الفقهاء: أن هذا التقسيم لا يلزم الورثة، فلهم أن يقبلوه أو يرفضوه؛ لأن القيمة المالية لأعيان التركة قد تكون متساوية، لكن المصلحة فيها متفاوتة متغايرة، فكما لا يجوز إبطال حق الوارث في قدر حقه، لا يجوز إبطاله في عين هذا الحق أيضاً.
ويرى بعض فقهاء الشافعية والحنابلة (١) - وإن كان الأصح في المذهب هو الرأي السابق - أن هذا التقسيم من المورث جائز، ويلزم به الورثة، ما دامت القسمة عادلة، فخصص لكل وارث ما يساوي قيمة نصيبه، وبقدر حصته، ولا يفتقر التقسيم إلى إجازة الورثة؛ لأن حق كل وارث إنما هو في القيمة، لا في عين معينة من أعيان التركة، بدليل أن المورث لو باع في مرض موته التركة كلها بثمن المثل، صح بيعه ونفذ.
وأخذ القانون المصري (م ١٣) والسوري (م ٢١٩) بالرأي الثاني، فأجاز تقسيم التركة، وألزم الورثة بالتقسيم بوفاة الموصي. لكن القانون المصري خلافاً لجمهور الفقهاء أجاز المفاضلة بين الورثة إذا كانت الزيادة تخرج من ثلث التركة، بناء على الحكم الذي أخذ به: وهو جواز الوصية للوارث في حدود الثلث من غير حاجة لإجازة الورثة.
ونص القانونان في نفس المادة السابقة على أنه إذا زادت حصة بعض الورثة عن استحقاقه في التركة، كانت الزيادة وصية، وجرى على الزيادة حكم الوصية للوارث.
стр. 7283
٩ - الوصية بالمرتبات:
أجاز فقهاء المالكية والحنفية والشافعية بالمرتب من رأس مال التركة، وهي من قبيل الوصية بالأعيان: لأنها وصية بمقدار معلوم من المال يقسط سنوياً أو شهرياً أو يومياً، ولا يختلف عن الوصية بمقدار من المال إلا في التقسيط.
وكذلك تجوز الوصية بالمرتب من غلة التركة، وهي من قبيل الوصية بالمنافع؛ لأنها وصية بجزء من غلات بعض الأعيان.
وتقدر الوصية أولاً لتعرف نسبتها إلى التركة، فإن خرجت من الثلث نفذت، وإن زادت على الثلث توقفت على إجازة الورثة.
ويختلف تنفيذ هذه الوصية بحسب كون الوصية في مدة معينة أم مدى الحياة.
أـ فإن كانت الوصية بمرتب في مدة معينة، سواء أكانت من رأس مال التركة أم من غلة التركة، فيحبس عند جمهور الحنفية والمالكية ثلث التركة، ليؤخذ منه ومن غلاته كل شهر المقدار الذي سماه الموصي، ولو كان الثلث أكثر من الوصية.
وقال أبو يوسف: يحبس من الثلث ما يغل المرتب في المدة المعلومة، وما زاد على ذلك لا يحبس؛ لأن المطلوب ضمان تنفيذ الوصية.
وأخذ القانون المصري (م ٦٤) برأي قريب من رأي أبي يوسف، فنص على أنه يوقف من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة.
ب - أما إن كانت الوصية بمرتب مدى الحياة: فهي أيضاً كالوصية في مدة معينة من حيث التقدير والتنفيذ.
стр. 7284
وتقدر مدة حياة الموصى له عند مالك وأبي يوسف بالسن الغالبة لأهل زمانه، فيحبس من الثلث ما يكفي لنفقة تلك المدة.
وجعل القانون المصري (م ٦٦) أمر تقدير مدة الحياة لأهل الخبرة من الأطباء.
فإذا مات الموصى له قبل انتهاء المدة التي قدرها له الأطباء، انتهت الوصية. وإذا عاش بعد انتهاء المدة المحددة، كان له عند أكثر الفقهاء الرجوع بالمرتب على الورثة.
وقال ابن القاسم المالكي: لا يحق له أن يرجع على الورثة بشيء في المدة الزائدة. وأخذ القانون بهذا الرأي.
جـ - الوصية بمرتب لجهة بر دائمة: إن كانت الوصية لجهة بر دائمة مدة معينة: فإن تقدير الوصية وتنفيذها يكون على الوجه الذي سبق في الوصية لمعين لمدة معلومة.
وإن كانت الوصية مطلقة أو مؤبدة: فإنه يوقف من أعيان التركة ما يغل المرتب في حدود ثلث التركة، ويتوقف الزائد على إجازة الورثة. فإذا فاضت غلات العين عن المرتب المقدر كان الفائض للجهة الموصى لها، وإذا نقصت الغلة عن المرتب فليس لها الرجوع على ورثة الموصي.
وهذا كله ما نصت عليه المادة ٦٨ من القانون المصري.
د - الوصية بمرتب للطبقات: إذا كانت الوصية بمرتب لفلان ثم من بعده لأولاده فتصح بشرطين في القانون المصري (م ٧٠):
стр. 7285
أحدهما - ألا تتجاوز الوصية طبقتين، فإن زادت كانت باطلة في حق الزائد.
الثاني - وجود جميع أفراد الموصى لهم عند وفاة الموصي. فإن أوصى لفلان ثم لأولاده من بعده، ولم يكن له أولاد عند وفاة الموصي، ثم ولد له، فلا يستحق الأولاد الجدد شيئاً.
وإذا كانت الوصية بمرتب للطبقات مدى الحياة، قدرت حياة الموجودين بمعرفة الأطباء. وإن كان فيهم جنين قدرت حياته بستين سنة.
وتقدر مدة الوصية بأطولهم عمراً، فلو قدرت حياة أحد الأولاد وقت وفاة الموصي بعشرين سنة، وحياة آخر بخمسين، اعتبرت مدة الوصية خمسين سنة. وإذا مات الأب بعد مضي (٦٣) سنة شمسية من وقت وفاة الموصي، لم يستحق أولاده شيئاً في الوصية.
١٠ - حكم الزيادة في الموصى به:
إذا طرأت زيادة في الموصى به من قبل الموصي بعد الإيصاء، فلايعد ذلك رجوعاً عن الوصية في المذهب المالكي، وأخذ القانون المصري بهذا الحكم وقررأحوال الزيادة في المواد (٧١ - ٧٥) وأحكامها، وتابعه القانون السوري في المواد (٢٥٤ - ٢٥٦) وأبين هنا هذه الأحوال والأحكام وهي أربعة:
الحال الأولى - الزيادة غير المستقلة بنفسها:
إذا زاد الموصي في العين الموصى بها شيئاً لا يستقل بنفسه كترميم الدار وتجصيصها، فيلتحق بالموصى به، وتكون العين كلها وصية، وليس للورثة أي حق فيها؛ لأن هذه الزيادة ليست لها قيمة مالية منفصلة عن العين.
стр. 7286
ويلحق بها: الزيادة البسيطة التي يتسامح فيها عادة، كزيادة حمام أو غرفة صغيرة في البناء تكون العين مع الزيادة وصية. كما يلحق بها الزيادة المستقلة بنفسها إذا قصد الموصي إلحاقها بالوصية بقرينة من القرائن.
الحال الثانية - الزيادة المستقلة بنفسها:
إذا زاد الموصي في العين شيئاً يستقل بنفسه كغرس الأرض والبناء عليها، أو كانت الزيادة غير المستقلة مما لا يتسامح فيها عادة، أصبح الورثة شركاء مع الموصى له في كل العين الموصى بها مع زوائدها، وتكون حصة الورثة بمقدار قيمة الزيادة قائمة، أي قيمة الغراس والبناء قائماً بدون الأرض.
الحال الثالثة - الزيادة بالهدم والبناء الجديد:
إذا هدم الموصي العقار الموصى به، وأعاد بناءه مع تغيير معالمه، كأن يكون الموصى به داراً، فأعاد بناءها بنمط آخر أو بمواد أخرى، كانت الدار بحالتها الجديدة وصية بدل الأولى، لا حق للورثة في شيء منها.
أما إن أعاد بناء الدار على نحو آخر لا يعده العرف تجديداً للأول، كأن كانت من طابق واحد، فجعلها عمارة ذات طبقات، كانت العمارة كلها شركة بين الموصى له والورثة، ويكون نصيب الموصى له فيها بقيمة أرضه، ونصيب الورثة بقيمة البناء قائماً.
وكذلك إن ضم إلى الأرض القديمة أرضاً أخرى، كانت العمارة الجديدة شركة أيضاً، وتكون حصة الوصية هي قيمة الأرض الموصى بها؛ لأنه بإزالة البناء قد انحصرت الوصية في الأرض. وتكون حصة الورثة هي قيمة البناء قائماً وقيمة الأرض غير الموصى بها.
стр. 7287
الحال الرابعة - إدماج البناءين:
إذا جعل الموصي البناء الموصى به مع بناء آخر وحدة سكنية واحدة، لا يمكن معها تسليم العين الموصى بها منفردة، كأن كانتا دارين أوصى بإحداهما، ثم جعلهما داراً واحدة، اشترك الموصى له مع الورثة، بقدر قيمة الدار الموصى بها قبل هذا التغيير والضم.
المطلب السادس - مقدار الوصية:
علمنا في بحث شروط الوصية أن حق الإنسان في الإيصاء مقيد بحدود ثلث التركة، بنص الحديث النبوي: «الثلث والثلث كثير» فمقدار الوصية هو الثلث:
أـ فإذا كان للموصي وارث: فيرى جمهور الفقهاء غير الظاهرية والمالكية: أن الوصية لا تنفذ في الزائد عن الثلث إلا بإجازة الورثة. فإن أجازوها نفذت، وإلا بطلت؛ لأن الله أعطى الموصي حق التصرف في الثلث فقط، حماية لحق الورثة، فإذا أسقطوا حقهم زال المانع من نفاذ الوصية، بدليل: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء».
وإذا أجازها البعض دون البعض نفذت في حق المجيز، وبطلت في حق غيره. وتقسم التركة حينئذ على فرض الإجازة وعلى فرض عدم الإجازة، فمن أجاز أخذ نصيبه على التقسيم الأول، ومن لم يجز أخذ نصيبه على التقسيم الثاني.
ويرى المالكية والظاهرية: أن الوصية لاتنفذ في الزائد عن الثلث، وإن أجازها الورثة، عملاً بظاهر حديث سعد: «الثلث والثلث كثير».
ب - وإذا لم يكن للموصي وارث: نفذت الوصية في رأي الحنفية بالزائد،
стр. 7288
ولو كان الموصى به جميع المال؛ لأن المنع كان لحق الورثة، وحيث لا وارث، لم يتعلق بالزائد حق لأحد، فتنفذ الوصية فيه.
وقال الجمهور - كما بان سابقاً - لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث مطلقاً؛ لأن الزائد حق المسلمين، ولا مجيز عنهم، فلا تنفذ الوصية.
وأخذ القانون المصري (م ٣٧/ ٢) والسوري (م ٢٣٨/ ٤) بالرأي الأول، فتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله من غير توقف على إجازة أحد.
إجازة الورثة للزائد عن الثلث:
لا تنفذ الوصية فيما زاد عن الثلث إلا بإجازة الورثة، وأوضح هنا أموراً في الإجازة (١).
أولاً - وقت الإجازة: يرى أئمة المذاهب الأربعة أن الإجازة لا تكون مقبولة وملزمة إلا بعد موت الموصي، فلو حدثت الإجازة أو الرد في حياة الموصي لم يعتبر ذلك؛ لأن ملك التركة لا يثبت للورثة إلا بعد موت المورث، فتعتبر إجازتهم وردهم بعد ثبوت الملك لهم. لكن قال المالكية: إذا أجاز الوارث حال مرض الموصي مرضاً مخوفاً قائماً بالموصي، ولم يصح صحة بيّنة بعده، أي بعد المرض الذي أجاز فيه الوارث، لزمته الإجازة إلا لعذر بجهل، وهو أنه يجهل لزوم الإجازة في المرض.
ثانياً - من يملك الإجازة والرد: يشترط فيمن يجيز أو يرد شرطان سبق ذكرهما وهما:
стр. 7289
الأول - أن يكون المجيز من أهل التبرع: بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً، فلا تصح إجازة الصبي والمجنون والمعتوه والمحجور عليه لسفه أوعته أوغفلة؛ لأن الإجازة إسقاط لحق، فتكون تبرعاً، فلا يملكها إلا من يملك التبرعات.
وليس للولي أيضاً أن يجيز الوصية؛ لأن تصرفه منوط بالمصلحة، والتبرع بالمال ليس بمصلحة.
الثاني - أن يكون المجيز عالماً بمايجيزه: فلا تلزم إجازة الوارث إذا لم يكن عالماً بما أوصى به الموصي، فإن علم بالوصية وأجازها نفذت.
ثالثاً - جهة تلقي الملك بعد الإجازة:
للفقهاء رأيان في بيان جهة تلقي الموصى له الملك بعد إجازة الورثة:
يرى الجمهور على الراجح عند الشافعية: أن الموصى له يتملك الزائد عن الثلث من قبل الموصي، لا من قبل المجيز، وتكون إجازة الورثة تنفيذاً أي إمضاء لتصرف الموصي بالزائد، لا عطية مبتدأة، لأن الوصية تصرف من الموصي في ملكه، وإنما توقف نفاذها لتعلق حق الورثة بتلك الزيادة، وهذا التعلق لا يمنع كون الموصي قد تصرف في ملكه.
وقال المالكية، وفي قول ضعيف للشافعي: يتملك الموصى له الجزء الزائد عن الثلث من قبل المجيز بطريق الهبة المبتدأة، لتعلق حقه بهذه الزيادة، فتكون إجازته عطية مبتدأة، ويكون التمليك من جهته. وكذلك الوصية للوارث هي عطية مبتدأة.
وتظهر ثمرة الخلاف: في وجوب تسليم الموصى به، فعلى الرأي الأول:
стр. 7290
يجبر الوارث على تسليم العين الموصى بها، وعلى الرأي الثاني: لا يجبر على تسليم الموصى به، لأن الإجازة هبة، والموهوب لا يملك إلا بالقبض، وقبله يكون في ملك الواهب، ولا يجبر الإنسان على تسليم ملكه.
وقت تقدير الثلث:
اختلف الفقهاء على رأيين في وقت تقدير ثلث التركة، أهو عند الوفاة أم عند القسمة؟
مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة): يكون تقدير الثلث يوم قسمة التركة وفرز الأنصباء؛ لأنه وقت استقرار الملك وتنفيذ الوصية وإعطاء كل ذي حق حقه. ويترتب عليه أن ما يحدث قبل القسمة من نقص في قيمة التركة أو هلاك في الأعيان يكون من حصص الجميع.
ومذهب الشافعية: يكون تقدير الثلث وقت الوفاة؛ لأنه وقت ثبوت الملك للموصى له. فكل زيادة في الموصى به المعين بعد الوفاة من ولد وثمرة وأجرة تكون ملكاً خالصاً للموصى له، ولا تحتسب من الثلث؛ لأنها نماء ملكه.
والمفهوم من القانون المصري (م ٢٥) هو الأخذ بالرأي الثاني؛ لأن المادة نصت صراحة على فحوى مذهب الشافعيةوهو أن الملك يثبت للموصى له بالقبول من حين الموت، وأن زوائد الموصى به تكون ملكاً للموصى له، ولا تدخل في تقدير الثلث؛ لأنها نماء ملكه.
المطلب السابع - الوصية للوارث:
بحثت هذا الموضوع في شرط نفاذ الوصية المتعلق بالموصى له، وبينت رأي الأكثرين بعدم صحة ونفاذ الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة.
стр. 7291
وأما قانون الوصية المصري في المادة (٣٧) فأجاز الوصية لوارث من غير توقف على إجازة الورثة أخذاً برأي الشيعة الإمامية. ونص المادة هو:
«تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ من غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث، ولا تنفذ في الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، وكانوا من أهل التبرع، عالمين بما يجيزونه.
وتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله، أو بعضه، من غير توقف على إجازة الخزانة العامة».
جاء في المذكرة التفسيرية: صحة الوصية للوارث بما لا يزيد على الثلث مذهب جمهور الفقهاء (١)، ونفاذها يؤخذ من الآية الكريمة: ﴿كتب عليكم إذا حضر﴾ [البقرة:١٨٠/ ٢] وهو رأي فريق من المفسرين ومنهم أبو مسلم الأصفهاني.
المطلب الثامن - الوصية بمثل نصيب وارث:
هذا نوع من الوصية بالمجهول، والفقهاء اتفقوا (٢) على أن الوصية تصح بمثل نصيب وارث، من غير تعيين، أو بمثل نصيب وارث معين، كالوصية بمثل نصيب ابنه أو بنته أو أخته. أو بمثل نصيب وارث معدوم، كالوصية لفلان بمثل نصيب ابن لو كان؛ لأن ذلك وصية بمثل نصيب المذكور، ومثل الشيء غيره.
فإن كان الورثة يتساوون في الميراث كالبنين، فله مثل نصيب أحدهم، ويجعل كواحد منهم، زاد عليهم.
стр. 7292
وإن كانوا يتفاضلون فله عند الجمهور (غير المالكية) مثل نصيب أقلهم ميراثاً؛ لأنه نصيب أحدهم، فهو اليقين، وما زاد فمشكوك فيه.
وقال المالكية وابن أبي ليلى وزفر وداود الظاهري: يعطى مثل نصيب أحدهم إذا كانوا يتساوون: من أصل المال، ويقسم الباقي بين الورثة؛ لأن نصيب الوارث قبل الوصية من أصل المال، فلو أوصى بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، فالوصية بجميع المال إن أجاز الابن الوصية، وإلا فللموصى له ثلث التركة فقط، وإن كان له ابنان فالوصية بالنصف، وإن كانوا ثلاثة فالوصية بالثلث.
واختلف الفقهاء في الوصية بنصيب وارث معين عند الوفاة: كأن يوصي بنصيب ابن أو بنت عند موته.
الذي رآه أئمة الحنفية الثلاثة، والشافعية في الراجح: أن الوصية باطلة؛ لأنها وصية بمال الغير، لأن نصيب الابن ما يصيبه بعد الموت، بخلاف الوصية بمثل نصيب ابنه؛ لأن مثل الشيء غيره.
ورأى زفر والمالكية والحنابلة: أن الوصية صحيحة، ويكون ذلك كالوصية بمثل نصيبه؛ لأن الغرض من ذكر نصيب الابن هو التقدير به، وليس الغرض منه الوصية بما سيكون للابن بعد الموت، حتى يكون موصياً بمال الغير، وهذا سائغ لغة وعرفاً، وأخذ به القانون المصري (م ٤٠).
مقدار ما يستحقه الموصى له في هذه الوصايا:
الطريق الموصل إلى معرفة المقدار الموصى به يختلف بحسب كل حالة.
الحالة الأولى - أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث معين موجود عند وفاة الموصي:
تقسم التركة بين الورثة، ثم يزاد على أصل المسألة نصيب الموصى له. فلو
стр. 7293
أوصى إنسان بمثل نصيب ابن ومات عن ثلاثة أبناء، فيكون أصل الفريضة من ثلاثة أسهم، لكل ابن سهم، ثم يزاد على أصل الفريضة سهم رابع هو سهم الموصى له، فتصبح المسألة من أربعة. ولا حاجة إلى إجازة الورثة؛ لأن نصيب الموصى له أقل من الثلث.
ولو أوصى إنسان آخر بمثل نصيب ابنه، ومات عن ابن وبنت، كانت الفريضة من ثلاثة أسهم، للابن سهمان، وللبنت سهم واحد، ثم يزاد على أصل الفريضة للموصى له سهمان مثل نصيب الابن، فتصير خمسة أسهم، للموصى له منها سهمان. وبما أن نصيبه أكثر من الثلث، فيتوقف نفاذ الوصية في الجزء الزائد على الإجازة.
الحالة الثانية - أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث غير معين:
إما أن يكون الورثة متساوين في السهام أو متفاوتين فيها، ففي حال التساوي: يزاد على أصل الفريضة مثل سهام أحدهم.
وفي حال التفاوت: يزاد عند الجمهور (غير المالكية) كما تقدم مثل سهام أقلهم نصيباً.
مثال الحال الأولى: أن يترك الموصي بنتين وأختاً شقيقة، فتكون المسألة من ثلاثة، للأخت سهم، ولكل من البنتين سهم، ثم يزاد سهم رابع، فيصبح مجموع السهام أربعة.
ومثال الحال الثانية: أن يترك الموصي بنتين وأختاً شقيقة وزوجة، فيكون أصل المسألة من (٢٤)، للبنتين الثلثان (١٦) سهماً، وللزوجة الثمن (٣) أسهم، وللأخت الباقي (٥) أسهم، ثم يزاد على أصل الفريضة مثل نصيب أقلهم سهاماً للموصى له، وهو (٣) أسهم نصيب الزوجة، فتصير السهام (٢٧).
стр. 7294
الحالة الثالثة - أن تكون الوصية بمثل نصيب وارث معدوم:
مثل: أوصيت لفلان بنصيب ابن لو كان أو بمثل نصيب ابن لو كان. إذ لا فرق عند غير الحنفية والشافعية كما تقدم.
فتقسم التركة على الموجودين من الورثة بالفعل، ثم يزاد عليها مثل نصيب الابن المعدوم، فيكون للموصى له إن كان في حدود الثلث، أو أجيز الزائد من قبل الورثة، كما ذكر في الحالة الأولى.
الحالة الرابعة - أن تكون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة ولآخر بسهم معلوم شائع:
كالوصية بمثل نصيب ابنه لشخص، وبربع التركة لشخص آخر.
الطريق لاستخراج الوصيتين في الصحيح عند الحنفية والحنابلة: أن تقدر الوصية بمثل نصيب الوارث بما تساويه من سهام التركة، كأنه لا وصية غيرها، ثم يقسم ثلث التركة بين الوصيتين، بالمحاصة إن لم يسعهما ولم يجز الورثة.
فلو أوصى رجل بمثل نصيب ابنه لشخص، وبربع ماله لشخص آخر، ومات وترك ابنين، كانت الفريضة من اثنين، يزاد عليهما سهم للموصى له بمثل النصيب، فيكون له الثلث، ويكون هنا وصيتان: إحداهما بثلث المال، والآخر بربعه، فاحتجنا إلى حساب له ثلث وربع، وأقل ذلك اثنا عشر، ثلثه للموصى له بمثل النصيب وهو أربعة أسهم، وربعه للموصى له بالربع وهو ثلاثة، والباقي للابنين بالتساوي.
ولما كان مجموع الوصيتين هنا أكثر من ثلث التركة، توقف نفاذها على إجازة
стр. 7295
الورثة، فإن لم يجيزوا، قسم الثلث بين الموصى لهما أسباعاً، أربعة سهام لصاحب الثلث وثلاثة لصاحب الربع.
وأخذ القانون المصري (م ٤٠ - ٤٢) بهذه الأحكام.
المطلب التاسع - الوصية بالأجزاء:
بينت في بحث الوصية بالمجهول: أن من أوصي له بجزء أو حظ أو نصيب أو قسط أو شيء، فلورثة الموصي عند الجمهور أن يعطوه ما شاؤوا من متمول.
ويعطى عند المالكية سهماً واحداً من سهام التركة، ثم يقسم الباقي على الورثة.
المطلب العاشر - تنفيذ الوصية:
إذا كانت موجودات التركة كلها مالاً حاضراً، لا غائب منها ولا دين لها على أحد، تنفذ الوصية من جميع المال، سواء أكان الموصى به نقوداً مرسلة، أي مبلغاً غير معين كألف دينار مثلاً، أم شيئاً معيناً كدار معينة، أم سهماً شائعاً كربع التركة أو ثلثها، فتقدر التركة جميعها، ويأخذ الموصى له سهمه من كل المال.
أما إذا كان بعض مال التركة حاضراً، وبعضها ديوناً، أو مالاً غائباً، فإن تنفيذ الوصية يختلف بحسب الأحوال، إذ قد يكون في التركة دين على أجنبي، أو دين على وارث (١).
أولاً - أن يكون في التركة دين على أجنبي، أو مال غائب: لها أربعة أحوال:
стр. 7296
الحال الأولى - أن يكون الموصى به مالاً مرسلاً كألف دينار مثلاً: فإن كان الموصى به يخرج من ثلث المال الحاضر من التركة، أخذه الموصى له، إذ لا ضرر في أخذه على الورثة، حيث يبقى لهم ثلثا المال الحاضر.
وإن كان لا يخرج من الثلث، استوفى الموصى له منه بقدر ثلث الموجود، وكان الباقي للورثة، وكلما حضر شيء، استوفى الموصى له ثلثه حتى يكمل حقه. وهذا رأي الحنفية.
الحال الثانية - أن يكون الموصى به عيناً معينة كدار معينة أو نقود معينة كهذه النقود أو النقود الوديعة عند فلان.
الحكم في هذه الحال كالحكم في المسألة السابقة، وهو رأي المالكية؛ لأن بقاء العين موقوفة يؤخر القسمة، وقد يضر التأخر بالورثة، وفي تملكهم الباقي من العين نفي الضرر عنهم، ولا ضرر فيه على الموصى له لأنه يستعيض عن باقي حصته بقيمته. فإذا كانت الدار تساوي ألفاً، والموجود من التركة الحاضرة ألف وخمس مئة، وهناك ألف وخمس مئة غائبة، استحق الموصى له نصف الدار وهو ما يساوي ثلث الحاضر، ويكون النصف الباقي للورثة، وكلما حضر شيء من المال الغائب أخذ الموصى له ثلثه حتى يستوفي قيمة النصف الذي استولى عليه الورثة.
أخذ القانون المصري (م ٤٣) والسوري (م ٢٤١) بالمقرر في هاتين الحالتين، الأولى من مذهب الحنفية، والثانية من مذهب المالكية لأنه أيسر وأسهل.
ويرى الحنفية في الحال الثانية: أن الموصى له يأخذ من العين المعينة بمقدار ثلث المال الحاضر، ويكون الباقي من تلك العين موقوفاً، فإذا حضر شيء من المال الغائب، أخذ الموصى له من باقي العين ما يساوي ثلث الذي حضر، حتى يستوفي العين كلها، فإن هلك المال الغائب كان باقي العين ملكاً للورثة؛ لأن الوصية
стр. 7297
تعلقت بهذه العين، فتنفذ فيها الوصية ما دام التنفيذ ممكناً، تنفيذاً لإرادة الموصي، ويظل باقي العين موقوفاً إلى أن يتبين أمر المال الغائب، فإذا حضر نفذت الوصية في العين كلها، وإن لم يحضر كان الباقي للورثة.
وعليه يكون النصف الباقي في المثال السابق موقوفاً، فإذا حضر شيء من المال الغائب، أخذ الموصي من باقي الدار مايساوي ثلث المال الذي حضر.
الحال الثالثة - أن تكون الوصية بسهم شائع في التركة كالربع أو الثلث:
ففي هذه الحال يكون الموصى له شريكاً للورثة في جميع المال حاضره وغائبه، دينه وعينه، فيستوفي سهمه من المال الحاضر، أي ربعه مثلاً، وكلما حضر شيء من المال الغائب، استوفى سهمه منه، وهو الربع في هذا المثال.
وهذا متفق عليه فقهاً، وقد أخذ به القانون المصري (م ٤٤) والسوري (م ٢٤٢).
الحال الرابعة: أن تكون الوصية بسهم شائع في نوع من المال كربع منازله في الجهة الفلانية، أو ربع أمواله التجارية أو ديونه على التجار.
أـ فإن كان النوع الموصى بسهم فيه حاضراً: أخذ الموصى له سهمه منه إن خرج من الثلث، فإن لم يخرج أخذ منه بمقدار الثلث، وكان الباقي للورثة. وكلما حضر شيء من الدين أو المال الغائب أخذ الموصى له من ذلك النوع ما يساوي ثلث الذي حضر، إلى أن يستوفي سهمه منه.
فإن تصرف الورثة في الجزء الباقي من النوع الموصى بسهم فيه، أو أحدثوا فيه تحسيناً، وكان في رده للموصى له ضرر بهم، كان لهم الحق في إعطاء الموصى له قيمة الباقي من الوصية.
стр. 7298
ب - وإن كان النوع الموصى بسهم فيه غائباً، أو بعضه حاضراً والآخر غائباً: فقال الحنابلة وزفر: يأخذ الموصى له في هذه الحال نسبة سهمه في الجزء الحاضر من ذلك النوع فقط، وكلما حضر شيء من المال الغائب، أخذ بنسبة سهمه منه، ويكون الباقي للورثة.
وقال الحنفية ما عدا زفر: يأخذ الموصى له كل ما يحضر من المال الغائب أو الدين، إلى أن يستوفي حقه كله، ولا يشاركه أحد من الورثة في شيء منه ما دام يخرج من ثلث الحاضر من التركة.
أخذ القانون المصري (م ٤٥) بالرأي الأول.
ثانياً - أن يكون في التركة دين على وارث: لها أحوال ثلاث:
الحال الأولى - أن يكون الدين مؤجلا ً:
حكمه حكم الدين الذي على الأجنبي في جميع الأحوال السابقة، فلا يأخذ الموصى له إلا حصته في المال الحاضر وفي حدود الثلث، فإذا حل أجل الدين كمل له مقدار الوصية.
الحال الثانية - أن يكون الدين قد حل أداؤه عند الوفاة أو عند القسمة، وكان أقل من نصيب الوارث المدين في التركة أو مساوياً.
فتقع المقاصة بين الدين وسهام المدين إن كان الدين من جنس الحاضر من التركة، ويعتبر الدين بهذه المقاصة مالاً حاضراً.
فلو أوصى بألف وترك ولدين أحدهما مدين بألف، وترك ثلاثة آلاف، تقسم التركة ثلاثة أسهم، لكل من الولدين سهم، وللموصى له سهم، ويعتبر
стр. 7299
الدين حاضراً، فيأخذ الموصى له ألفاً، ويأخذ الولد غير المدين ألفاً، ولا يأخذ الولد المدين شيئاً، إذ تقع المقاصة بين نصيبه من التركة وبين ما عليه من الدين، وسقط سهمه من التركة.
وإذا كان الدين من غير جنس الحاضر من التركة، لا تقع المقاصة، ولكن يعتبر نصيب الوارث المدين من التركة محجوزاً كالرهن لاستيفاء الدين، فإذا أدى ما عليه تسلم نصيبه، وإن لم يؤده باع القاضي نصيبه، ووفى الدين المستحق للتركة من ثمنه.
الحال الثالثة - أن يكون الدين مستحق الأداء، أي قد حل وقت أدائه عند قسمة التركة، ونصيب الوارث لا يفي به:
في هذه الحال يكون الزائد عن النصيب كالدين على أجنبي، أي يعد مالاً غائباً، والذي يقابل مقدار نصيبه يعد مالاً حاضراً، فيأخذ الموصى له من الوصية بمقدار ثلث الحاضر كله. ثم يأخذ ثلث ما يستوفى من القدر الزائد من الدين، حتى يستوفي وصيته.
هذه الأحكام مأخوذة من مذهب الحنفية، وأخذ بها القانون المصري (م ٤٦) والسوري (م ٢٤٢/ ٢ - ٣) وأضاف كل منهما أن أنواع النقد وأوراقه تعتبر جنساً واحداً في المقاصة.
المبحث الرابع - مبطلات الوصية:
تبطل الوصية بأسباب: إما من الموصي كرجوعه عن الوصية أو زوال أهليته، أو ردته، وإما من الموصى له وهو رد الوصية أو موته، أو قتل الموصي، وإما من
стр. 7300
الموصى به وهو هلاك العين الموصى بها أو استحقاقها. وهذه الأسباب مايلي (١):
١ - زوال أهلية الموصي بالجنون المطبق ونحوه: تبطل الوصية عند الحنفية بالجنون المطبق ونحوه كالعته، سواء اتصل بالموت أو لم يتصل بأن أفاق قبل الموت؛ لأن الوصية عقد غير لازم كالوكالة، فيكون لبقائه حكم ابتدائه، ولما كان المجنون غير أهل لإنشاء الوصية في الابتداء؛ لأن قوله غير ملزم، كان طروء الجنون المطبق مبطلاً له.
والجنون المطبق: ما دام شهراً فأكثر، وهو رأي أبي يوسف الذي أخذ به القانون. وعند محمد: هو ما امتد سنة. والعته مثل الجنون. فإن لم يطبق الجنون لا تبطل الوصية؛ لأنه في هذه الحالة يشبه الإغماء، وغير مبطل للعقد؛ لأنه غير مزيل للعقل، كما لا تبطل بالحجر على الموصي للسفه أو الغفلة.
أخذ القانون المصري (م ١٤، ١٦) والسوري (م ٢٢٠/أ) بتلك الأحكام، لكنه اعتبر الجنون المطبق مبطلاً إذا اتصل بالموت.
أما الجمهور غير الحنفية: فلم يبطلوا الوصية بالجنون، سواء أكان مطبقاً أم لا، وسواء اتصل بالموت أو لم يتصل، متى كان كامل الأهلية (بالغاً عاقلاً) وقت إنشائها؛ لأن العقود والتصرفات تعتمد في صحتها على تحقق الأهلية وقت إنشائها فقط، ولا يؤثر زوالها بعدئذ في صحة العقد أو التصرف، بدليل أن البيع والإجارة والوقف وغيرها لا تبطل بالجنون الطارئ. وهذا هو الراجح لدي؛ لأن كمال الأهلية يطلب عند الانعقاد. أما احتمال رجوع الموصي عن الوصية لولا جنونه فهو احتمال ضعيف.
стр. 7301
٢ - ردة الموصي: عند الحنفية والشافعية، وكذا ردة الموصى له عند المالكية إذا مات مرتداً ولم يرجع إلى الإسلام؛ لأن ملكه موقوف على الأصح، ولم يتعرض القانون للردة، لقلة وقوعها، وعملاً بمذهب الحنابلة القائلين بصحة وصية المرتد.
٣ - تعليق الوصية على شرط لم يحصل: كأن قال: إن مت من مرضي هذا، أو من سفري هذا، فلفلان كذا، فلم يمت، فتبطل الوصية؛ لأنه علقها على الموت في المرض والسفر، ولم يحصل. وقد صرح المالكية والحنفية والحنابلة به.
٤ - الرجوع عن الوصية: تبطل به بالاتفاق؛ لأنها عقد غير لازم، فيجوز للموصي الرجوع فيها متى شاء؛ لأن الذي وجد منه الإيجاب فقط، ولأنها عقد لا يثبت حكمه إلا بعد موت الموصي، فلا يترتب على الإيجاب أي حق للموصى له قبل ذلك، فيكون بالخيار بين الإمضاء والرجوع.
والرجوع إما أن يكون صريحاً أو دلالة:
الرجوع الصريح: ما كان بلفظ هو نص في الرجوع، مثل قول الموصي: رجعت عن وصيتي لفلان، أو تركتها، أو أبطلتها، أو نقضتها، أو ما أوصيت به لفلان هو لورثتي، ونحوه. وهذا متفق عليه فقهاً وقانوناً؛ لأنه صريح في عدول الموصي عن وصيته، وهو يملك العدول متى شاء.
ولا يعد رجوعاً: (ندمت على الوصية التي أوصيت بها لفلان) أو (تعجلت) أو (أخرت الوصية) لأن التأخير لا يستلزم السقوط كتأخير الدين عن المدين، وكذلك (كل وصية أوصيت بها لفلان فهي حرام) لا يدل على الرجوع، أو تغيير الموصى له من زيد لخالد مثلاً، بل يكون الموصى به مشتركاً.
стр. 7302
ولا يكون جحود الوصية رجوعاً في رأي محمد، وهو ما أخذ به القانون، ويعد رجوعاً عند أبي يوسف والمالكية، كما أبنت في بحث صفة الوصية.
و الرجوع دلالة: كل تصرف أو فعل في الموصى به يفيد رجوعه عن الوصية. وهو يشمل ما يأتي:
أولاً - كل تصرف قولي يخرج العين عن ملك الوصي: كأن يبيع الشيء الموصى به، أويهبه، أويتصدق به أو يجعله مهراً أو وقفاً. وهذا متفق عليه فقهاً وقانوناً.
لكن هل تعود الوصية بعودة الملك إلى الموصي؟ رأيان:
مذهب الجمهور: متى بطلت الوصية لخروج الموصى به عن ملك الموصي، فلا تعود بعدئذ بعودة الملك؛ لأن الإقدام على التصرف قرينة قاطعة في ذاته على الرجوع.
ومذهب المالكية: إذا عاد الموصى به إلى ملك الموصي، عادت الوصية من غير حاجة إلى إيصاء جديد. والظاهر رجحان الرأي الأول، الذي أخذ به القانون، لفوات المحل المعقود عليه، بزوال ملكيته عنه.
ثانياً - كل فعل في العين الموصى بها يدل على الرجوع عن الوصية، وهوأنواع ثلاثة: نوع يدل على الرجوع بالاتفاق: وهو استهلاك العين الموصى بها في المعنى، كذبح الشاة الموصى بها، وغزل القطن الموصى به، ونسج الغزل، ونحوه مما يغير حقيقة الشيء، ويصبح شيئاً آخر غير الموصى به، ويلحق به ما لو تغير الشيء بنفسه تغيراً أزال اسمه كصيرورة العنب زبيباً والبيض فراخاً ونحوه.
وكذلك لو تغير الشيء بفعل الموصي تغيراً أزال اسمه كنسج الغزل وصوغ
стр. 7303
المعدن وطحن الحنطة وتفصيل البفتة (١) وتذرية الحب يعد رجوعاً حتى عند المالكية.
و نوع لا يدل على الرجوع بالاتفاق ؛ وهو كل فعل تابع للعين أو في صفة من صفاتها بحيث لا يحدث تغييراً في حقيقة العين ولا يزيل اسماً عنها، مثل جزّ الصوف، وحلب اللبن، وسقي الزرع أو الشجر، وتشذيب الأشجار، وتجصيص الدار وزخرفتها وترميمها؛ لأن هذه الأفعال تعلقت بأمر خارج عن عين الموصى به، فلا تدل على الرجوع. فهذه الأفعال والتصرف في الموصى به بحيث لا يخرجه عن ملك الموصي كالإجارة والإعارة لا تعد رجوعاً.
و نوع مختلف فيه بين الفقهاء: وهو إحداث زيادة في الموصى به لا يمكن تسليم العين بدونها، كصبغ الثوب، وبناء الأرض وزرعها شجراً، ولتّ الطحين بالسمن.
وخلط الموصى به بما لا يمكن تمييزه إلا بمشقة، كخلط الدقيق بالسكر، وخلط القمح الموصى به بقمح آخر أو بشعير.
عند الجمهور: يعتبر المذكور من قبيل الرجوع دلالة. وعند المالكية: لا يعتبر ما ذكر رجوعاً إلا بقرينة أخرى تدل على إرادة الرجوع.
والقانون أخذ بمذهب المالكية فيما يعتبر من الأفعال رجوعاً وما لا يعتبر، على النحو الذي أبنته في صفة الوصية. ولقد حققت مذهب المالكية في أن تغيير اسم الشيء كتذرية الحب ونسج الغزل وصوغ المعدن وتفصيل البفتة (٢) وحشو
стр. 7304
القطن الموصى به إذا كان لا يخرج منه بعد الحشو يعد رجوعاً. لكن القانون لم يعتبر رجوعاً الفعل الذي يزيل اسم الموصى به أو يغير معظم صفاته إلا إذا دلت قرينة أو عرف على أن الموصي يقصد به الرجوع عن الوصية.
٥ - رد الوصية: تبطل الوصية إذا ردها الموصى له بعد وفاة الموصي، كما أوضحت في بحث صيغة العقد.
٦ - موت الموصى له المعين قبل موت الموصي: تبطل به الوصية باتفاق المذاهب الأربعة؛ لأن الوصية عطية، وقد صادفت المعطى ميتاً، فلا تصح كالهبة للميت، ولأن الوصية لا تلزم إلا بوفاة الموصي وقبول الموصى له.
وكذلك تبطل الوصية عند الجمهور غير الحنفية إذا مات الموصى له بعد موت الموصي قبل القبول. وعند الحنفية: لا تبطل لأن القبول معناه عندهم عدم الرد. وتبطل الوصية عند الجمهور بموت الموصى له، سواء علم الموصي بموته أم لم يعلم. وللمالكية تفصيل سبق ذكره.
٧ - قتل الموصى له الموصي: تبطل الوصية عند الحنفية والحنابلة للقاتل، سواء أكان القتل قبل وصية أم بعدها، حتى لو أجاز الورثة الوصية، وأجازها الموصي بعد القتل وقبل الموت. وقد فصلت الكلام فيه وبينت رأي الفقهاء الآخرين في بحث شروط الموصى له.
٨ - هلاك الموصى به المعين أو استحقاقه: تبطل الوصية إذا كان الموصى به معيناً بالذات، وهلك قبل قبول الموصى له؛ لفوات محل حكم الوصية، ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه، كما لو أوصى بهذه الشاة، فهلكت، تبطل الوصية؛ لأن الوصية تعلقت بعين قائمة وقت الإيصاء، وقد فاتت بعدئذ، ففات محل الوصية.
стр. 7305
وكذلك تبطل الوصية إذا كانت بجزء شائع في شيء معين بذاته أو من نوع معين من أمواله، كأن يوصي بنصف هذه الدار، أو يوصي بفرس من أفراسه العشرة المعلومة، فهلكت، أو بنصف دوره، فهدمت، فلا شيء للموصى له، لفوات محل الوصية.
وتبطل الوصية أيضاً باستحقاق العين الموصى بها، سواء أكان الاستحقاق قبل موت الموصي أم بعده؛ لأن بالاستحقاق تبين أن الوصية كانت في غير ملكه، فتبطل.
وأخذ القانون المصري (م ١٥) والسوري (م ٢٤٤، ٢٤٥) بهذه الأحكام، فقررا بطلان الوصية بهلاك الموصى به المعين أو باستحقاقه.
٩ - تبطل الوصية لوارث عند المالكية ولو أجازها الورثة، لحديث «لا وصية لوارث».
المبحث الخامس - تزاحم الوصايا:
تزاحم الوصايا: أن تتعدد، ويضيق الثلث عنها ولم يجز الورثة، أو يجيزوا ولا تتسع التركة لتنفيذ كل الوصايا.
ولا يخلو حال تعدد الوصايا من أحد أمور ثلاثة:
١ - إما أن تكون كلها للعباد، كخالد وبكر وعمرو.
٢ - وإما أن تكون كلها لله تعالى كالإيصاء بفدية صيام وصدقة تطوع وعمارة مسجد ونحوها.
٣ - وإما أن تكون مشتركة من النوعين السابقين، بأن يكون بعضها لله، والبعض الآخر للعباد. فكيف تنفذ الوصايا؟
стр. 7306
للفقهاء آراء (١):
فصل الحنفية في هذا الموضوع: فأبانوا قواعد حل التزاحم بين الوصايا.
١ - قاعدة التزاحم في الوصايا بين العباد:
إذا أوصى شخص بعدة وصايا لأشخاص معينين، وزادت الوصايا في مجموعها عن الثلث، ولم تجز الورثة الزائد، أو أجازوا ولم تتسع التركة لتنفيذ الوصايا، فيكون لها حالتان:
الأولى - أن تكون كل وصية من الوصايا لا تتجاوز الثلث: كسدس المال لشخص، والربع لآخر، والثلث لثالث. يضرب كل سهم في الثلث، أي يأخذ كل واحد من الوصية بنسبة وصيته من الثلث، ويقسم ثلث التركة على تسعة، فيعطى الأول اثنين من السهام، والثاني ثلاثة، والثالث أربعة. وهذا متفق عليه بين أبي حنيفة وصاحبيه، وبه أخذ القانون.
الثانية: أن تكون إحدى الوصايا زائدة على الثلث: كثلث لواحد ونصف لآخر:
قال أبو حنيفة: يقسم الثلث بينهما مناصفة؛ لأن الوصية إذا زادت عن الثلث ولم تجز الورثة، تكون باطلة في القدر الزائد، فيكون هناك وصيتان كلتاهما بالثلث تتزاحمان فيه، فيكون ثلث التركة بين الموصى لهما نصفين. وهذا هو المفتى به عند الحنفية.
стр. 7307
وقال الصاحبان وبقية الأئمة وبه أخذ القانون المصري (م ٨٠) والسوري (م ٢٥٨): يقسم الثلث بينهما بنسبة أنصبائهم في الوصية، كالحالة الأولى، ولا يلغى الزائد على الثلث - كما قال أبو حنيفة - لأنه يلزم مراعاة رغبة الموصي بقدر الإمكان، في تفضيل بعض الموصى لهم على بعض.
واستثنى أبو حنيفة ثلاث حالات: هي المحاباة، والدراهم المرسلة، والسعاية، وافق فيها الصاحبين
في القسمة بحسب السهام، وليس مناصفة (١)، أوضح هنا الحالتين الأوليين، أما الثالثة فلا حاجة لبيانها بالعبيد، فهي غير واقعية الآن.
أما المحاباة: فهي محاباة بعض الناس في ثمن البيع، كأن يوصي شخص بأن تباع سيارته التي تساوي قيمتها ثلاثة آلاف بألف والسيارة التي تعادل قيمتها ستة آلاف بألفين، علماً بأنه لا مال له سواهما، فهو يريد الوصية بفرق السعرين، فيقسم الثلث وهو الثلاثة الآلاف بينهما أثلاثاً، ثلثه للأول، وثلثاه للثاني.
وأما الدراهم المرسلة (٢): فهي أن يوصي لشخص بأربع مئة دينار، ولآخر بثمان مئة، وتركته كلها ألف ومائتا دينار، ولم تجز الورثة، فكأنه أوصى لواحد بالثلث، ولآخر بالثلثين. فيقسم الثلث بينهما أثلاثاً، للأول ثلثه، وللآخر ثلثاه.
وسبب الاستثناء في رأي أبي حنيفة: أن الموصي لم يصرح في وصيته بما يبطلها وهو الزيادة على الثلث، وإنما جاء البطلان من الواقع بطريق المزاحمة وضيق التركة وعدم وفاء ثلثها بالوصيتين، ومن الممكن أن يظهر له مال فوق هذا المقدار، فلا تبطل الوصية.
стр. 7308
٢ - التزاحم بين الوصايا في حقوق الله تعالى:
إذا أوصى بوصايا تزيد عن الثلث، وكلها من حقوق الله تعالى، فإما أن تكون متحدة الرتبة، أو متفاوتة الرتبة، أو مختلطة.
فإذا كانت متحدة الرتبة بأن كانت كلها فرائض كالحج والزكاة أو كلها واجبات أو كلها مندوبات: يقدم فيها في رأي أبي حنيفة وصاحبيه ما بدأ به الميت أولاً، فإذا أوصى بحج وزكاة، قدم الحج. وإذا أوصى بكفارة يمين وكفارة ظهار، قدمت الوصية الأولى، فإن فضل شيء من الثلث فللثانية.
وإذا كانت متفاوتة الرتبة: كأن كان بعض الوصايا بالفرائض، وبعضها بالواجبات كصدقة الفطر عند الحنفية. وبعضها بالمندوبات كحج التطوع، قدم الفرض ثم الواجب ثم المندوب.
٣ - التزاحم بين وصايا حق الله وحق العباد:
يحدث ذلك كما إذا أوصى للحج والزكاة والكفارة من الناس، فإنه يقسم الثلث بينهما أرباعاً، ويعطى لكل جهة الربع، فيكون للحج ربع الثلث، وللزكاة ربع الثلث، وللكفارة ربع الثلث، ولخالد ربع الثلث.
وعند استواء القربات في القوة يقدم منها ما بدأ به الموصي، أو الأقوى عبادة أو تقسم على الجميع بالتساوي، على حسب ما ذكرته من الآراء.
نص القانون المصري (م ٨٠) والسوري (م ٢٥٨، ٢٥٩) على الأحكام السابقة في تزاحم الوصايا عدولاً عن رأي أبي حنيفة إلى رأي الصاحبين.
أما المذاهب الأخرى: فمتفقة مع رأي الصاحبين: فإذا كانت الوصايا التي
стр. 7309
يضيق عنها الثلث مستوية تتحاص في الثلث، أي يقسَّط الثلث على الجميع بنسبة كل منها. فمن أوصى لاثنين: لأحدهما بنصف ماله، وللآخر بثلث ماله، ورد الورثة الزائد، فإنهما يقتسمان الثلث بينهما أخماساً.
وإذا أجاز الورثة الوصية، كأن أوصى بنصف ماله لشخص، ولآخر بجميع ماله، قسم المال بينهما أثلاثاً: يأخذ الموصى له بالنصف ثلثه، والباقي يأخذه الموصى له بالكل.
وإذا كان بعض الوصايا أهم من بعض، قدم الأهم على الأضعف.
وعلم سابقاً أن الوصية بالزائد عن الثلث تبطل عند المالكية على المشهور، ولو أجازها الورثة، وعند الإجازة يعتبر الزائد على الثلث عطاء جديداً من الورثة، لاتنفيذاً لوصية الميت، فيشترط فيه أن يكون الوارث المجيز أهلاً للتبرع، ولا بد فيه من القبول، ولا بد من حيازة الموصى له قبل حصول مانع للمجيز.
المبحث السادس - الوصية الواجبة قانونا ً:
مستندها الفقهي ومسوغاتها، من تجب له، شروط وجوبها، مقدار الوصية الواجبة، طريقة استخراجها من التركة (١).
المستند الفقهي للوصية الواجبة ومسوغاتها: بينت أن الوصية للأقارب مستحبة عند الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة، ولا تجب على الشخص إلا بحق لله أو للعباد.
стр. 7310
ويرى بعض الفقهاء كابن حزم الظاهري والطبري وأبي بكر بن عبد العزيز من الحنابلة: أن الوصية واجبة ديانة وقضاء للوالدين والأقربين الذين لا يرثون، لحجبهم عن الميراث، أو لمانع يمنعهم من الإرث كاختلاف الدين، فإذا لم يوص الميت للأقارب بشيء وجب على ورثته أو على الوصي إخراج شيء غير محدد المقدار من مال الميت وإعطاؤه للوالدين غير الوارثين.
أخذ القانون المصري (م ٧٦ - ٧٩) والسوري (م ٢٥٧) بالرأي الثاني، فأوجب الوصية لبعض المحرومين من الإرث وهم الأحفاد الذين يموت آباؤهم في حياة أبيهم أو أمهم، أو يموتون معهم ولو حكماً كالغرقى والحرقى.
ففي نظام الإرث الإسلامي لا يستحق هؤلاء الحفدة شيئاً من ميراث الجد أو الجدة، لوجود أعمامهم أو عماتهم على قيد الحياة.
لكن قد يكون هؤلاء الحفدة في فقر وحاجة، ويكون أعمامهم أو عماتهم في غنى وثروة.
فاستحدث القانون نظام الوصية الواجبة لمعالجة هذه المشكلة تمشياً مع روح التشريع الإسلامي في توزيع الثروة على أساس من العدل والمنطق، إذ ما ذنب ولد المتوفى (ابن المحروم) في الحرمان من نصيب والده الذي توفي مبكراً قبل والده، ويكون قد ساهم في تكوين ثروة الجد بنصيب ملحوظ، فيجتمع عليهم الحاجة وفقد الوالد. وبما أن الأحفاد غير ورثة في حال موت أبيهم، فلولي الأمر قصر صفة غير الوارث عليهم للمصلحة، ولأنهم أولى الناس بمال الجد.
فإذا لم يوص الجد أو الجدة لهؤلاء الحفدة بمثل نصيب أصلهم، تجب لهم الوصية بإيجاب الله تعالى بمثل هذا النصيب على ألا يزيد على الثلث، لقوله
стр. 7311
تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموتُ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقاً على المتقين﴾ [البقرة:١٨٠/ ٢].
وبما أن هذه الوصية لا تتوافر لها مقومات الوصية الاختيارية لعدم الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له، فهي أشبه بالميراث، فيسلك فيها مسلك الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحجب الأصل فرعه، ويأخذ كل فرع نصيب أصله فقط.
من تجب له هذه الوصية: أوجب القانون المصري هذه الوصية لأولاد الابن مهما نزلوا، وللطبقة الأولى فقط من أولاد البنت.
وأوجبها أيضاً لفروع من مات مع أبيه أو أمه في حادث واحد، ولا يدرى أيهم سبقت إليه المنية، كالغرقى والهدمى والحرقى، ونحوهم؛ لأن من جهل وقت وفاتهم لا يرث فقهاً أحدهم الآخر، فلا يرث الفرع أصله في تلك الحالة، فتجب الوصية لذرية ذلك الفرع قانوناً.
وكما تجب للأحفاد الذين مات أبوهم أو أمهم حقيقة، تجب أيضاً لمن حكم بموت أبيه أوأمه، كالمفقود الذي غاب أربع سنين فأكثر في مظنة هلاك، كالحرب ونحوها.
أما القانون السوري فإنه قصر هذه الوصية على أولاد الابن فقط، ذكوراً وإناثاً، دون أولاد البنت؛ لأن هؤلاء لا يحرمون من الميراث في هذه الحالة لوجود أخوالهم أو خالاتهم، وإنما هم من ذوي الأرحام الذين يرثون في رأي الحنفية عند عدم ذوي الفروض والعصبات.
والأولى الأخذ بما ذهب إلىه القانون المصري تسوية بين فئتين من جنس واحد، سواء لطبقة واحدة أم لأكثر.
стр. 7312
شروط وجوب هذه الوصية: اشترط القانون المصري والسوري لوجوب هذه الوصية شرطين:
الأول - أن يكون فرع الولد غير وارث من المتوفى: فإن ورث منه، ولو ميراثاً قليلاً، لم يستحق هذه الوصية.
الثاني - ألا يكون المتوفى قد أعطاه ما يساوي الوصية الواجبة، بغير عوض عن طريق آخر كالهبة أو الوصية. فإن أعطاه ما يستحقه بهذه الوصية فلا تجب له. وإن أعطاه أقل منها، وجب له ما يكمل مقدار الوصية الواجبة. وإذا أعطى بعض المستحقين دون البعض الآخر، وجب للمحروم وصية بقدر نصيبه.
مقدار الوصية الواجبة:
يستحق الأحفاد حصة أبيهم المتوفى في القانون المصري لو أن أصله مات في حياته، على ألا يزيد النصيب عن الثلث، فإن زاد عنه كان الزائد موقوفاً على إجازة الورثة. هذا هو مقدار الوصية الواجبة في القانون. أما الفقهاء القائلون بوجوب الوصية للوالدين والأقربين غيرالوارثين فلم يحددوا مقدار هذه الوصية. وبناء على ما حدده القانون، إن مات شخص عن ابن وبنتين وأولاد ابن متوفى في حياة أبيه، فيستحق هؤلاء الأحفاد ما كان يستحقه أبوهم لو كان حياً، وهو هنا ثلث التركة. وفي السوري: يستحقون حصتهم مما يرث أبوهم.
وإن توفي عن ابن وبنت وأولاد بنت توفيت في حياة أبيها، فيأخذ أولاد البنت - في القانون المصري، لا السوري - نصيب أمهم وهو هنا ربع التركة.
وإن مات عن ابن وبنت وأولاد ابن مات في حياة أبيه، فإن ماكان يستحقه الابن المتوفى وهو خمسا التركة، هو أكثر من الثلث، فلا يأخذ أولاده إلا الثلث.
стр. 7313
تقديم هذه الوصية: نص القانون على أن الوصية الواجبة مقدمة على غيرها من الوصايا الاختيارية الأخرى في الاستيفاء من ثلث التركة. والوصية الاختيارية: هي ما أنشأه الموصي باختياره قبل وفاته من وصايا، ولو كانت واجبة ديانة كالوصية بفدية الصوم والصلاة؛ لأنها آكد منها، إذ أن لها مطالباً من جهة العباد.
فإن استوعب الثلث جميع الوصايا - الواجبة والاختيارية - نفذت كلها، وإن لم يستوعبها نفذت الوصية الواجبة أولاً، ثم بقية الوصايا بحسب أحكام تزاحم الوصايا.
الفرق بين القانون السوري والقانون المصري في مقدار الوصية الواجبة:
نصت المادة (٢٥٧) - الفقرة (أ) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ما يلي:
أـ الوصية الواجبة لهؤلاء الأحفاد تكون بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم عن أصله المتوفى على فرض موت أبيهم إثر وفاة أصله المذكور، على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة.
وهذا النص واضح في أن حصة الحفيد: هي ما يأخذه من أبيه المتوفى فيما لو فرض وظل على قيد الحياة. أما نص المادة (٧٦) من قانون الوصية المصري المأخوذ منه أحكام المادة (٢٥٧) من قانون الأحوال الشخصية السوري، فيقتضى إعطاء الحفيد كامل حصة أبيه المتوفى، من ثلث التركة، مقدماً حق الوصية الواجبة على بقية الوصايا الاختيارية، وليس هو ما يأخذه من حصة أبيه.
ويتضح الفرق بالمثالين التاليين:
стр. 7314
المثال الأول على الطريقة السورية:
يلاحظ أن ما أخذه الحفيد وهو (١٦٣٢) أقل من ثلث التركة؛ لأن للبنات الثلثين من حصة والدهن، والمسألة الجامعة (٦٩١٢) مكبرة إلى ستة أضعاف. صورة ٧٥٦٨
стр. 7315
المثال الثاني على الطريقة المصرية:
يلاحظ أنه لم يعط في هذه المسألة لبنات الابن الـ ٣ (الحفدة) كامل نصيب أبيهن لتجاوزه ثلث التركة، بل اقتصر على ثلث التركة وهو (٣٨٤) من أصل (١١٥٢) أي (٢٣٠٤) من أصل (٦٩١٢)، وهذا التصحيح أيسر من الطريقة السورية، ولكن التزام النص القانوني في سورية هو الذي أوجب العمل بما ذكر في المثال الأول. أما في مصر فيعطى الأحفاد نصيب الوالد في حدود الثلث، لا النسبة الإرثية من الأب، وهذا الثلث أو كامل نصيب الوالد إذا كان أقل من الثلث يوزع بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين. صورة ٧٥٦٩
стр. 7316
طريقة استخراج الوصية الواجبة:
لم ينص القانون على طريقة استخراج الوصية الواجبة، ولكنه أرشد إلى ضرورة مراعاة الأمور التالية:
١ - ألا يزيد المقدار المستخرج عن ثلث التركة.
٢ - أن يكون بمقدار نصيب الأب المتوفى في حياة أبيه.
٣ - أن يكون التنفيذ على اعتبار أن الخارج وصية، لا ميراث، فيخرج من جميع التركة، لا من الثلث فقط.
والطريقة: هي أن يفرض المتوفى في حياة والده حياً،، ويعطى نصيبه، ثم يخرج ذلك النصيب من التركة، بشرط ألا يزيد على الثلث، ويعطى للأحفاد. ثم يقسم باقي التركة بين الورثة، من غير نظر إلى الولد المتوفى الذي فرض حياً.
كأن يتوفى شخص ويترك ثلاثة أبناء وبنت ابن متوفى، وأباً وأماً. يفرض أولاً وجود الابن الذي توفي في حياة أبيه، فيكون للأب السدس، ولكل واحد من الأبناء الأربعة السدس، ثم يخرج نصيب الابن المتوفى من أصل التركة، فيعطى لبنته وصية واجبة. ثم يقسم باقي التركة على الورثة الموجودين بالفعل بحسب الفريضة الشرعية، فيكون للأب سدس الباقي، وللأم مثل ذلك، ويوزع ما بقي بين الأبناء الثلاثة أثلاثاً.
المبحث السابع - إثبات الوصية:
يندب بالاتفاق كتابة الوصية، وبدؤها بالبسملة والثناء على الله بالحمد ونحوه والصلاة على النبي ﷺ ، ثم إعلان الشهادتين كتابة أو نطقاً بعد البسملة والحمدلة والصلولة، ثم الإشهاد على الوصية لأجل صحتها ونفوذها.
стр. 7317
وقد بينت في المبحث الأول أن الوصية تنعقد بالعبارة وبالكتابة، وكذا بالإشارة المفهمة عند المالكية. ونص القانون المصري (م ٢/أ) والسوري (٢٠٨) على طرق إنشاء الوصية، وذكر أنها تنعقد بالعبارة أو الكتابة لمن قدر عليهما. فإن لم يكن قادراً عليهما انعقدت الوصية بالإشارة المفهمة الدالة على ذلك، وأخذ القانون بمذهب الشافعية، فسوى في حالة العجز عن الكتابة أو العبارة بين العجز الأصلي كالخرس، والعجز بسبب طارئ كالمرض. واعتبرت الإشارة حجة للحاجة إليها في إثبات حقوق العباد.
وتثبت الوصية بطرق الإثبات الشرعية كالشهادة والكتابة. أما الكتابة: فمعتبرة عند الحنفية (١) إذا كانت مستبينة مرسومة أي مسطرة على ورق ونحوه، ومعنونة أي مصدَّرة بالعنوان: وهو أن يكتب في صدر الكتاب من فلان إلى فلان، فإن لم تكن مستبينة كالكتابة على الهواء والرَّقْم على الماء فلا تعتبر، وإن كانت مستبينة غير مرسومة كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار، فهي كناية لابد فيها من النية. ولكن لايقضى بالخط المجرد عندهم إلا في مسائل: كتاب أهل الحرب بطلب الأمان إلى الإمام، ودفتر السمسار والصراف والبياع.
وأما الشهادة على كتاب الوصية: فتكون عند الحنفية والشافعية (٢) بعد
قراءته على الشهود، فيسمع الشهود من الموصي مضمونه، أو تقرأ عليه فيقر بما فيها؛ لأن الحكم لايجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع. لكن تنعقد الوصية عند الشافعية بالكتابة بأن نوى بالمكتوب الوصية، وأعرب بالنية نطقاً، أو أقرَّ بها ورثته بعد موته. ولاتثبت الوصية بالخط المجرد عند الحنفية والشافعية لإمكان التزوير وتشابه الخطوط.
стр. 7318
ومذهب المالكية (١): تثبت الوصية إن كانت بخط الموصي، مع الإشهاد عليها، وإن لم يقرأها على الشهود، ولم يفتح كتاب الوصية، وتنفذ الوصية حيث أشهد بقوله للشهود: اشهدوا بما في هذه، ولم يوجد فيها محو، حتى ولو بقي كتاب الوصية عند الموصي ولم يخرجه حتى مات.
فإن ثبت لدى القاضي أن ما اشتملت عليه الورقة بخط الموصي، أو قرأها على الشهود لكنه لم يشهد الموصي على الوصية في الصورتين، بأن لم يقل: اشهدوا على وصيتي، أو لم يقل: نفذوها، لم تنفذ بعد موته، لاحتمال رجوعه عنها. فإن قال الموصي للشهود: اشهدوا، أو قال: أنفذوها، نفذت.
ومذهب الحنابلة في الأرجح (٢): من كتب وصيةً، ولم يشهد عليها، حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، فتثبت الوصية ويقبل ما فيها بالخط الثابت أنه خط الموصي، بإقرار ورثته، أو ببينة تعرف خطه تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن أو تغير حال الموصي، أو بأن عرف خطه وكان مشهور الخط، لقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» ولم يذكر أمراً زائداً على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها، ولأنه ﷺ «كتب إلى عماله وغيرهم» ملزماً العمل بتلك الكتابة، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده، ولأن الكتابة تنبئ عن المقصود فهي كاللفظ.
وإن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما في هذه الورقة، أو قال: هذه وصيتي فاشهدوا علي بها: لا تثبت حتى يسمعوا منه ما فيه، أو يقرأ عليه فيقر بما فيه. وهذا موافق لقول الحنفية والشافعية.
стр. 7319
والخلاصة: أنه لا بد عند الجمهور لإثبات الوصية من سماع الشهود مضمونها، أو قراءتها على الموصي فيقر بما فيها. ويكفي عند المالكية الإشهاد عليها، وإن لم تقرأ على الشهود، أو لم يفتح كتاب الوصية.
وتثبت الوصية لدى الحنابلة بالكتابة وحدها إذا كان الموصي مشهور الخط وعرف خطه. وأخذ القانون بهذا الرأي.
وخالف القانون المصري (م ٢/ ٢) آراء الفقهاء في سماع الدعوى، فلم يعتبر الوصية بالشهادة المقررة في رأي الفقهاء عند إنكار دعوى الوصية أو الرجوع القولي عنها بعد وفاة الموصي، وإنما اشترط لسماع الدعوى بعد وفاة الموصي عند الإنكار أن تكون الوصية ثابتة بورقة رسمية، أو بورقة عرفية كتبت جميعها بخط المتوفى وعليها توقيعه، أو كانت بإمضاء مصدق عليه. وهذا احتياط من القانون نظراً لفساد الزمان، وعدم التعويل على كثير من الشهادات بسبب انتشار شهادة الزور.
جاء في المذكرة التفسيرية: الحكم هنا مأخوذ مما ذكره علي بن عبد السلام التسولي المالكي من أن الإشهاد على عقود التبرعات شرط في صحتها، ومن القاعدة الشرعية: وهي أن لولي الأمر أن يأمر بالمباح، لما يراه من المصلحة العامة، ومتى أمر به وجبت طاعته، وفي رأي بعض الفقهاء: أمره ينشئ حكماً شرعياً. فعقد الوصية، وهو من عقود التبرعات، يجوز أن يكون بإشهاد كتابي، ويجوز أن يكون بإشهاد شفوي، وإذا رأى ولي الأمر أن يكون بإشهاد كتابي على الوجه المبين في المادة، يجب على الكافة أن يعملوا به.
стр. 7320
الفَصْلُ الثَّاني: حكم تبرّعات المريض مرض الموت هل تعتبر تبرعات المريض مرض الموت في حكم الوصية؟ مريض الموت: في رأي الشافعية والحنابلة (١) هو من تحقق فيه شرطان:
أحدهما - أن يتصل بمرضه الموت. فلو صح في مرضه الذي تبرع فيه ثم مات بعد ذلك، فحكم عطيته حكم عطية الصحيح؛ لأنه ليس بمرض الموت.
الثاني - أن يكون مخوفاً، والمرض المخوف: هو ما ألزم صاحبه الفراش، كالجذام والطاعون والفالج النصفي أو الكلي في انتهائه ولم تطل مدته، والحمى المؤقتة يوماً أو يومين، وإسهال يوم أو يومين. فهذا حكم صاحبه حكم الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه في العادة.
وقد أوضحت شروط مريض الموت في بحث النظريات الفقهية في المذاهب الأخرى، وتبين أن الحنفية حددوا مدة مرض الموت بسنة إذا لم يتزايد، فإن كان يتزايد فهو مرض موت ولو استمر سنين كثيرة.
أما تبرعات مريض الموت: فهي إما منجزة وإما مضافة لما بعد الموت (٢).