طريقة استخراج الوصية الواجبة:
لم ينص القانون على طريقة استخراج الوصية الواجبة، ولكنه أرشد إلى ضرورة مراعاة الأمور التالية:
١ - ألا يزيد المقدار المستخرج عن ثلث التركة.
٢ - أن يكون بمقدار نصيب الأب المتوفى في حياة أبيه.
٣ - أن يكون التنفيذ على اعتبار أن الخارج وصية، لا ميراث، فيخرج من جميع التركة، لا من الثلث فقط.
والطريقة: هي أن يفرض المتوفى في حياة والده حياً،، ويعطى نصيبه، ثم يخرج ذلك النصيب من التركة، بشرط ألا يزيد على الثلث، ويعطى للأحفاد. ثم يقسم باقي التركة بين الورثة، من غير نظر إلى الولد المتوفى الذي فرض حياً.
كأن يتوفى شخص ويترك ثلاثة أبناء وبنت ابن متوفى، وأباً وأماً. يفرض أولاً وجود الابن الذي توفي في حياة أبيه، فيكون للأب السدس، ولكل واحد من الأبناء الأربعة السدس، ثم يخرج نصيب الابن المتوفى من أصل التركة، فيعطى لبنته وصية واجبة. ثم يقسم باقي التركة على الورثة الموجودين بالفعل بحسب الفريضة الشرعية، فيكون للأب سدس الباقي، وللأم مثل ذلك، ويوزع ما بقي بين الأبناء الثلاثة أثلاثاً.
المبحث السابع - إثبات الوصية:
يندب بالاتفاق كتابة الوصية، وبدؤها بالبسملة والثناء على الله بالحمد ونحوه والصلاة على النبي ﷺ ، ثم إعلان الشهادتين كتابة أو نطقاً بعد البسملة والحمدلة والصلولة، ثم الإشهاد على الوصية لأجل صحتها ونفوذها.
стр. 7317
وقد بينت في المبحث الأول أن الوصية تنعقد بالعبارة وبالكتابة، وكذا بالإشارة المفهمة عند المالكية. ونص القانون المصري (م ٢/أ) والسوري (٢٠٨) على طرق إنشاء الوصية، وذكر أنها تنعقد بالعبارة أو الكتابة لمن قدر عليهما. فإن لم يكن قادراً عليهما انعقدت الوصية بالإشارة المفهمة الدالة على ذلك، وأخذ القانون بمذهب الشافعية، فسوى في حالة العجز عن الكتابة أو العبارة بين العجز الأصلي كالخرس، والعجز بسبب طارئ كالمرض. واعتبرت الإشارة حجة للحاجة إليها في إثبات حقوق العباد.
وتثبت الوصية بطرق الإثبات الشرعية كالشهادة والكتابة. أما الكتابة: فمعتبرة عند الحنفية (١) إذا كانت مستبينة مرسومة أي مسطرة على ورق ونحوه، ومعنونة أي مصدَّرة بالعنوان: وهو أن يكتب في صدر الكتاب من فلان إلى فلان، فإن لم تكن مستبينة كالكتابة على الهواء والرَّقْم على الماء فلا تعتبر، وإن كانت مستبينة غير مرسومة كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار، فهي كناية لابد فيها من النية. ولكن لايقضى بالخط المجرد عندهم إلا في مسائل: كتاب أهل الحرب بطلب الأمان إلى الإمام، ودفتر السمسار والصراف والبياع.
وأما الشهادة على كتاب الوصية: فتكون عند الحنفية والشافعية (٢) بعد
قراءته على الشهود، فيسمع الشهود من الموصي مضمونه، أو تقرأ عليه فيقر بما فيها؛ لأن الحكم لايجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع. لكن تنعقد الوصية عند الشافعية بالكتابة بأن نوى بالمكتوب الوصية، وأعرب بالنية نطقاً، أو أقرَّ بها ورثته بعد موته. ولاتثبت الوصية بالخط المجرد عند الحنفية والشافعية لإمكان التزوير وتشابه الخطوط.
стр. 7318
ومذهب المالكية (١): تثبت الوصية إن كانت بخط الموصي، مع الإشهاد عليها، وإن لم يقرأها على الشهود، ولم يفتح كتاب الوصية، وتنفذ الوصية حيث أشهد بقوله للشهود: اشهدوا بما في هذه، ولم يوجد فيها محو، حتى ولو بقي كتاب الوصية عند الموصي ولم يخرجه حتى مات.
فإن ثبت لدى القاضي أن ما اشتملت عليه الورقة بخط الموصي، أو قرأها على الشهود لكنه لم يشهد الموصي على الوصية في الصورتين، بأن لم يقل: اشهدوا على وصيتي، أو لم يقل: نفذوها، لم تنفذ بعد موته، لاحتمال رجوعه عنها. فإن قال الموصي للشهود: اشهدوا، أو قال: أنفذوها، نفذت.
ومذهب الحنابلة في الأرجح (٢): من كتب وصيةً، ولم يشهد عليها، حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، فتثبت الوصية ويقبل ما فيها بالخط الثابت أنه خط الموصي، بإقرار ورثته، أو ببينة تعرف خطه تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن أو تغير حال الموصي، أو بأن عرف خطه وكان مشهور الخط، لقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» ولم يذكر أمراً زائداً على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها، ولأنه ﷺ «كتب إلى عماله وغيرهم» ملزماً العمل بتلك الكتابة، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون من بعده، ولأن الكتابة تنبئ عن المقصود فهي كاللفظ.
وإن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما في هذه الورقة، أو قال: هذه وصيتي فاشهدوا علي بها: لا تثبت حتى يسمعوا منه ما فيه، أو يقرأ عليه فيقر بما فيه. وهذا موافق لقول الحنفية والشافعية.
стр. 7319
والخلاصة: أنه لا بد عند الجمهور لإثبات الوصية من سماع الشهود مضمونها، أو قراءتها على الموصي فيقر بما فيها. ويكفي عند المالكية الإشهاد عليها، وإن لم تقرأ على الشهود، أو لم يفتح كتاب الوصية.
وتثبت الوصية لدى الحنابلة بالكتابة وحدها إذا كان الموصي مشهور الخط وعرف خطه. وأخذ القانون بهذا الرأي.
وخالف القانون المصري (م ٢/ ٢) آراء الفقهاء في سماع الدعوى، فلم يعتبر الوصية بالشهادة المقررة في رأي الفقهاء عند إنكار دعوى الوصية أو الرجوع القولي عنها بعد وفاة الموصي، وإنما اشترط لسماع الدعوى بعد وفاة الموصي عند الإنكار أن تكون الوصية ثابتة بورقة رسمية، أو بورقة عرفية كتبت جميعها بخط المتوفى وعليها توقيعه، أو كانت بإمضاء مصدق عليه. وهذا احتياط من القانون نظراً لفساد الزمان، وعدم التعويل على كثير من الشهادات بسبب انتشار شهادة الزور.
جاء في المذكرة التفسيرية: الحكم هنا مأخوذ مما ذكره علي بن عبد السلام التسولي المالكي من أن الإشهاد على عقود التبرعات شرط في صحتها، ومن القاعدة الشرعية: وهي أن لولي الأمر أن يأمر بالمباح، لما يراه من المصلحة العامة، ومتى أمر به وجبت طاعته، وفي رأي بعض الفقهاء: أمره ينشئ حكماً شرعياً. فعقد الوصية، وهو من عقود التبرعات، يجوز أن يكون بإشهاد كتابي، ويجوز أن يكون بإشهاد شفوي، وإذا رأى ولي الأمر أن يكون بإشهاد كتابي على الوجه المبين في المادة، يجب على الكافة أن يعملوا به.
стр. 7320
الفَصْلُ الثَّاني: حكم تبرّعات المريض مرض الموت هل تعتبر تبرعات المريض مرض الموت في حكم الوصية؟ مريض الموت: في رأي الشافعية والحنابلة (١) هو من تحقق فيه شرطان:
أحدهما - أن يتصل بمرضه الموت. فلو صح في مرضه الذي تبرع فيه ثم مات بعد ذلك، فحكم عطيته حكم عطية الصحيح؛ لأنه ليس بمرض الموت.
الثاني - أن يكون مخوفاً، والمرض المخوف: هو ما ألزم صاحبه الفراش، كالجذام والطاعون والفالج النصفي أو الكلي في انتهائه ولم تطل مدته، والحمى المؤقتة يوماً أو يومين، وإسهال يوم أو يومين. فهذا حكم صاحبه حكم الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه في العادة.
وقد أوضحت شروط مريض الموت في بحث النظريات الفقهية في المذاهب الأخرى، وتبين أن الحنفية حددوا مدة مرض الموت بسنة إذا لم يتزايد، فإن كان يتزايد فهو مرض موت ولو استمر سنين كثيرة.
أما تبرعات مريض الموت: فهي إما منجزة وإما مضافة لما بعد الموت (٢).
стр. 7321
١ - التبرعات المنجزة: مثل المحاباة (١) والهبة المقبوضة والصدقة والعتق والوقف والإبراء من الدين والعفو عن الجناية الموجبة للمال. وحكمها: أنه لا خلاف بين العلماء في أنها إن صدرت في حال الصحة من غير محجور عليه، فهي من رأس المال.
وإن صدرت في مرض مخوف اتصل به الموت، فهي من ثلث المال في قول الجمهور، للحديث السابق: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم»، ولأن الظاهر من هذه الحال الموت، فكانت عطيته فيها في حق ورثته كالوصية، فلا تتجاوز الثلث.
وحكي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنها من رأس المال.
٢ - أما التبرعات أو العطايا المضافة لما بعد الموت: فلها حكم الوصية، يتوقف نفاذها على الثلث، أو على إجازة الورثة إن زادت على الثلث، بالاتفاق، لما روى أحمد عن أبي زيد الأنصاري: «أن رجلاً أعتق ستة أعبد عند موته، ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله ﷺ ، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة» (٢).
أما القانون المدني المصري (م ٩١٦) والسوري (م ٨٧٧) فقد جعلا التبرعات المنجزة من المريض مرض الموت في حكم الوصية، بسبب ظهور قصد التبرعات منها، ولما يحيط بها من دلائل وقرائن أحوال تدل على ذلك، وهذا يكفي لجعل التصرف القانوني مضافاً إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكام الوصية من كل وجه.
стр. 7322
الفَصْلُ الثّالث: الوصاية المبحث الأول - أنواع الأوصياء (١):
الوصي في الجملة أنواع ثلاثة: وصي الخليفة، ووصي القاضي، والوصي المختار.
أما وصي الخليفة: فهو من يوصي له الخليفة بالبيعة إذا كان صالحاً للخلافة. ويجوز الاستخلاف شرعاً، قال في المهذب (٢): من تثبت له الخلافة على الأمة، جاز له أن يوصي بها إلى من يصلح لها؛ لأن أبا بكر ﵁ وصى إلى عمر، ووصى عمر ﵁ إلى أهل الشورى ﵃، ورضيت الصحابة ﵃ بذلك.
يفهم منه أنه لا بد من بيعة الوصي من قبل الأمة.
وأما وصي القاضي أو الحاكم: فهو الذي يعينه القاضي للإشراف على شؤون القصَّر المالية.
وأما الوصي المختار: فهو الذي يختاره الشخص في حياته قبل موته للنظر في تدبير شؤون القاصر المالية. والاسم الوصاية. ويلاحظ أن قبول الوصاية للقوي
стр. 7323
عليها قربة؛ لأنه تعاون على البر والتقوى، ولقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة:٢٢٠/ ٢]. وقال الحنفية والحنابلة: وترك ذلك أولى لمافيه من الخطر.
والكلام هنا في أحكام الوصي المختار وشروطه فيما يمس شؤون القاصرين، وهو المأمور بالتصرف بعد الموت، ويُعنون له عادة في كتب الفقه بالموصى إليه. وقد بحثت في الحجر أهم أحكامه.
المبحث الثاني - أركان الوصاية:
الوصاية لها جوانب أو أركان أربعة بتعبير غير الحنفية: هي موص، ووصي، وموصى فيه، وصيغة. وسأذكر بالترتيب أحكام هذه الأركان (١).
١ - الموصي: تنفذ الوصية بالاتفاق من كل حر مكلف (بالغ عاقل) مختار. ويصح في رأي الشافعية إيصاء السكران، وكذا يشترط كون الموصي رشيداً، فالأب المحجور عليه لا وصية له على ولده بسبب الصغر أو السفه. ويصح عند المالكية والحنابلةإيصاء المميز.
ويشترط عند الشافعية في الموصي أيضاً في أمر الأ طفال: أن تكون له ولاية عليهم من جهة الشرع، وهو الأب والجد وإن علا، فلا يصح الإيصاء عليهم من الأخ والعم والوصي والقيم، وكذا الأم على المذهب. ولا يجوز للأب على الصحيح نصب وصي على الأطفال ونحوهم، والجد حي حاضر، بصفة الولاية عليهم؛ لأن ولايته ثابتة شرعاً، فليس له نقل الولاية عنه، كولاية التزويج.
стр. 7324
وقال الشافعية والحنابلة: ليس للوصي إيصاء لغيره إلا أن يؤذن له فيه، فإن أذن له به، جاز له في الأظهر عند الشافعية.
وأجاز المالكية للأم الإيصاء على أولادها بشروط: هي أن يكون المال قليلاً قلة نسبية كستين ديناراً، وأن يورث المال عنها بأن كان المال لها وماتت، وألا يكون للموصى عليه ولي من أب أو وصي أب أو وصي قاضٍ. فإن كثر المال، فليس لها الإيصاء، ولو كان المال للولد من غير الأم كأبيه أو من هبة، فليس لها الإيصاء، بل ترفع الأمر للحاكم. وإن كان للولد ولي آخر من أب أو وصي، فلا وصية لها على أولادها.
٢ - الوصي: شرط الوصي تكليف (بلوغ وعقل) وحرية، وعدالة ولو ظاهرة، وخبرة بشؤون التصرف في الموصى به (وهو الرشد المالي) وأمانة وإسلام.
فلا يصح الإيصاء إلى صبي ومجنون؛ لأنه في ولاية الغير، فكيف يلي أمر غيره.
ولا إلى عبد ولو بإذن سيده عند الحنفية والشافعية، لأن الرقيق لا يتصرف في مال أبيه، فكيف يصلح وصياً لغيره، وأجاز المالكية والحنابلة وصاية العبد بإذن سيده، لأنه أهل للرعاية على المال، لقوله ﷺ : «والخادم راع في مال سيده، وهو مسؤول عنه» (١).
ولا إلى فاسق أو خائن؛ لأن الوصاية، ولاية وائتمان. وإذا كان الوصي عدلاً، ثم طرأ عليه الفسق، فإنه يعزل، فإن تصرف فتصرفه مردود.
стр. 7325
ولا يصح إلى غير رشيد لا يهتدي إلى التصرف الحسن في الموصى به لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل، إذ لا مصلحة في تولية أمثال هؤلاء.
ولا يصح إلى غير أمين، فلو ثبتت خيانته وجب عزله عن الوصية، ولا إلى كافر من مسلم، إذ لا ولاية لكافر على مسلم، ولأنه متهم، قال تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ [النساء:١٤١/ ٤] وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم، لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم﴾ [آل عمران:١١٨/ ٣].
لكن تجوز وصية الذمي إلى ذمي أو إلى مسلم فيما يتعلق بأولاد الكفار، بشرط كون الذمي عدلاً في دينه، كما يجوز أن يكون ولياً لهم، وكذلك بشرط كون المسلم عدلاً.
وإذا كان العدل ضعيفاً أو عاجزاً يضم إليه قوي أمين.
ولم يشترط الحنابلة لصحة الإيصاء القدرة على العمل، فيصح الإيصاء إلى ضعيف.
وأجاز الحنابلة وصية المنتظر: وهو من تنتظر أهليته بأن يجعله وصياً بعد بلوغه، أو بعد حضوره من غيبته ونحوه كالإفاقة من الجنون وزوال الفسق والسفه، والإسلام.
ولا تشترط الذكورة ولا البصر، فيصح كون المرأة وصياً؛ لأنها من أهل الشهادة، ولأن سيدنا عمر ﵁ أوصى إلى ابنته حفصة ﵂ (١)، وأم الأطفال أولى من غيرها من النساء، عند توافر الشروط السابقة،
стр. 7326
لوفور شفقتها. ويصح كون الأعمى وصياً، لأنه من أهل الشهادة، فجازت الوصية إليه كالبصير، ولأنه متمكن من التوكيل لغيره فيما لا يتمكن من مباشرته بنفسه.
تعدد الأوصياء: يجوز تعدد الأوصياء، فيمكن أن يوصى لاثنين بلفظ واحد، مثل جعلتكما وصيين، أو بلفظين في زمن أوزمنين، لما روي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ جعلت النظر في وقفها إلى علي كرم الله وجهه، فإن حدث به حدث رفعه إلى ابنيها، فيليانها.
وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، سواء أكان التعيين بعقد واحد أم بعقدين في رأي الحنفية والمالكية (١) إلا بتصريح الموصي بجواز الانفراد، وإلا عند الحنفيةإذا أجاز أحدهما تصرف صاحبه، وعليهما التعاون في التصرفات، فلا يستقل أحدهما ببيع أو اشتراء أو نكاح أو غيرها إلا بتوكيل. فإن مات أحدهما أو اختلفا في أمر كبيع أوشراء أو تزويج نظر الحاكم عند المالكية فيما فيه الأصلح من استقلال الحي في الوصاية أو جعل غيره معه، أو رد فعل أحدهما حال الاختلاف أو إمضائه. وليس لأحد الوصيين إيصاء لغيره في حياته بلا إذن من صاحبه، فإن أذن له جاز. وليس لهما قَسْم المال الذي أوصاهما عليه. وقال الحنفية: إن أوصى الموصي في حال الموت أوالجنون أو ما يوجب العزل إلى آخر أو إلى الحي من الوصيين عمل بإيصائه، وإن لم يوص ضم القاضي إليه غيره.
وكذلك قرر الشافعي والحنابلة (٢): ليس لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف إلا بتصريح الموصي بالانفراد؛ لأن الموصي لم يرض إلا بتصرفهما، وانفراد
стр. 7327
أحدهما يخالف ذلك. فإن أجاز الموصي لأحدهما الانفراد بالتصرف جاز، لرضا الموصي به، فإن ضعف أحدهما أو فسق أو مات، في حال رضا الموصي بالانفراد، جاز للآخر أن يتصرف، ولا يقام مقام الآخر غيره؛ لأن الموصي رضي بنظر كل واحد منهما وحده.
أما في حال الإيصاء لهما فإن ضعف أحدهما ضم إليه من يعينه، وإن فسق أحدهما أو مات، أقام الحاكم من يقوم مقامه؛ لأن الموصي لم يرض بنظر أحدهما منفرداً، ولا يجوز للحاكم أن يفوض جميع التصرف إلى الثاني؛ لأن الموصي لم يرض باجتهاده وحده، فهم في ذلك كالحنفية.
وهذا في الوصايا غير المعينة، أما رد الأعيان المستحقة كالمغصوبات والودائع والأعيان الموصى بها وقضاء دين يوجد جنسه في التركة، فلأحد الوصيين الاستقلال به.
واستثنى الحنفية من مبدأ بطلان انفراد أحد الوصيين عشر حالات للضرورة؛ هي شراء كفن الموصي، وتجهيزه، والخصومة في حقوقه؛ لأنهما لا يجتمعان عليه عادة، ولو اجتمعا لم يتكلم إلا أحدهما غالباً.
وشراء حاجة الطفل مما لا بد منه كالطعام والكسوة؛ لأن في تأخيره لحوق ضرر به.
وقبول الهبة للطفل؛ لأن في تأخيره خشية الفوات.
وإعتاق عبد معين، لعدم الاحتياج فيه إلى الرأي، بخلاف إعتاق ما ليس بمعين، فإنه محتاج إليه.
ورد وديعة وتنفيذ وصية معينتين، إذ لا حاجة إلى التشاور.
стр. 7328
وبيع ما يخاف تلفه، وجمع أموال ضائعة.
وزاد بعض الحنفية سبعة أخرى: وهي رد المغصوب، والمشترى شراء فاسداً، وقسمة كيلي أو وزني مع شريك الموصي، وطلب دين، وقضاء دين بجنس حقه، وحفظ مال اليتيم؛ إذ كل من وقع في يده وجب عليه حفظه، ورد ثمن المبيع ببيع من الموصي، وإجارة نفس اليتيم في أعمال حرة.
واتفق الحنفية والشافعية على أنه إذا اختلف الوصيان في حفظ المال، فإنه يقسم بينهما نصفين إن كان قابلاً للقسمة، وإلا فيتهايآن زماناً أو يودعانه عند آخر؛ لأن لهما ولاية الإيداع.
وقال الحنابلة: لا يقسم المال بينهما؛ لأنهما شريكان في الحفظ الملازم للشركة في التصرف، وإنما يجعل المال في مكان تحت أيديهما، فإن تعذر ذلك ختما عليه، ودفع إلى أمين القاضي.
٣ - الموصى فيه:
لا يصح الإيصاء إلا في تصرف معلوم يملك الموصي فعله، ليعلم الوصي ما أوصي به إليه، ليحفظه ويتصرف فيه؛ ولأن الإيصاء كالوكالة، والوصي يتصرف بالإذن، فلم يجز إلا في معلوم يملكه الموصي، مثل الإيصاء في قضاء الدين، وتوزيع الوصية والنظر في أمر غير رشيد من طفل ومجنون وسفيه، ورد الودائع إلى أهلها، واستردادها ممن هي عنده، ورد مغصوب، وإيصاء إمام بخلافة، وإقامة حد قذف، وهذا الأخير عند الحنابلة والشافعية (١)، ويستوفيه الوصي للموصي نفسه، لا إلى الموصى إليه.
стр. 7329
ويصح عند الحنابلة الإيصاء بتزويج بنت ولو صغيرة دون تسع، ولوصي الأب إجبارها إذا كانت بكراً، أو ثيباً دون تسع، كالأب؛ لأنه نائبه كوكيله. ولا يصح عند الشافعية الإيصاء بتزويج طفل وبنت مع وجود الجد؛ لأن الصغير والصغيرة لا يزوجهما غير الأب والجد، ولحديث: «السلطان ولي من لا ولي له» (١) لكن إن بلغ الصبي، واستمر نظر الوصي عليه لسفه، اعتبر إذنه في نكاحه.
ومتى خصّ وصايته بحفظ أو نحوه أو عمَّ اتبع قوله، وإن أطلق الإيصاء في أمر الأطفال، ولم يذكر التصرف، كان له التصرف في المال وحفظه اعتماداً على العرف.
٤ - الصيغة:
تنعقد الوصاية بالإيجاب والقبول بالاتفاق، كأن يقول الموصي: أوصيت إليك أو فوضت إليك ونحوهما، كأقمتك مقامي في أمر أولادي بعد موتي، أوجعلتك وصياً. وتكفي إشارة الأخرس وكتابته، ومثله عند الشافعية الناطق معتقل اللسان؛ بأن أشار بالوصية برأسه أو بقوله: نعم بعد قراءة كتاب الوصية عليه؛ لأنه عاجز كالأخرس.
ويشترط في الإيصاء القبول؛ لأنه عقد تصرف، فأشبه الوكالة، ويكون القبول على التراخي في الأصح عند الشافعية (٢)، وهو موافق لمذهب الحنفية.
стр. 7330
وذكر الحنفية (١): أن الوصي إذا رد الوصاية بعلم الموصي صح الرد، فإن لم يعلم لا يصح الرد بغيبته، لئلا يصير مغروراً من جهته. وإن سكت الموصى إليه، فمات الموصي فله الرد والقبول، إذ لا تغرير هنا. وإن سكت الموصى إليه ثم رد بعد موت الموصي، ثم قبل، صح الإيصاء، إلا إذا نفذ قاض رده، فلا يصح قبوله بعدئذ. ويلزم عقد الوصية ببيع شيء من التركة وإن جهل الشخص كونه وصياً، فإن علم الوصي بالوصاية ليس بشرط في صحة تصرفه.
ويصح عند الحنفية والحنابلة قبول الوصي الإيصاء إليه في حياة الموصي؛ لأنه إذن في التصرف، فصح قبوله بعد العقد كالوكالة. بخلاف الوصية بالمال، فإنها تمليك في وقت، فلم يصح القبول قبله. ويصح القبول أيضاً بعد موت الموصي؛ لأنها نوع وصية، فيصح قبولها حينئذ كوصية المال، ومتى قبل صار وصياً. ويقوم فعل التصرف مقام اللفظ، كما في الوكالة، بالاتفاق، ولا يشترط القبول لفظاً.
ولا يصح في الأصح عند الشافعية قبول الوصي ورده في حياة الموصي؛ لأنه لم يدخل وقت التصرف كالوصية له بالمال، فلو قبل في حياته، ثم رد بعد وفاته لفات العقد، أما لو رد في حياته ثم قبل بعد وفاته صح العقد.
ويجوز في الإيصاء التوقيت والتعليق (٢)، مثال الأول: أوصيت إليك سنة أو إلى بلوغ ابني أو إلى قدوم زيد. ومثال الثاني: إذا مت فقد أوصيت إليك؛ لأن الوصاية تحتمل الجهالات والأخطار، فكذا التوقيت والتعليق، ولأن الإيصاء كالإمارة، وقد أمَّر النبي ﷺ زيد بن حارثة على سرية في غزوة مؤتة، وقال: «إن أصيب زيد، فجعفر، وإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة» (٣).
стр. 7331
المبحث الثالث - أحكام تصرفات الوصي:
١) - البيع والشراء:
قال الحنفية (١): يصح بيع الوصي وشراؤه من أجنبي بما يتغابن فيه الناس عادة، وهو الغبن اليسير؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه، لا بما لا يتغابن فيه عادة وهو الغبن الفاحش (٢)؛ لأن ولايته مقيدة بالمصلحة، فليس للوصي بيع شيء من مال اليتيم بغبن فاحش، ويصح له البيع بالغبن اليسير.
وإن باع الوصي، أو اشترى مال اليتيم لنفسه: فإن كان وصي القاضي لا يجوز مطلقاً؛ لأنه وكيله. وإن كان وصي الأب، جاز عند أبي حنيفة بشرط توافر منفعة ظاهرة للصغير: وهي قدر النصف زيادة أو نقصاً. ولم يجز مطلقاً عند الصاحبين.
ويجوز للأب بيع مال صغير من نفسه بمثل القيمة، وبما يتغابن فيه عادة، وهو الغبن اليسير، وإلا فلا يجوز.
وهذا كله في المنقول. ويجوز للوصي البيع على الكبير الغائب في غير العقار، ويجوز له مطلقاً بيع العقار لوفاء دين، أو لخوف هلاك العقار. فإن كان الموصى عليه الكبير حاضراً، فليس للوصي التصرف في التركة أصلاً، إلا إذا كان على الميت دين، أو أوصى بوصية، ولم تقض الورثة الديون، ولم ينفذوا الوصية من مالهم، فإنه يبيع التركة كلها إن كان الدين محيطاً بها، وبمقدار الدين إن لم يحط بها، وله بيع ما زاد على الدين أيضاً عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين،
стр. 7332
وبقولهما يفتى. وينفِّذ الوصية بمقدار الثلث، ولو باع لتنفيذها شيئاً من التركة جاز بمقدارها باتفاق الحنفية.
ويجوز للوصي بيع عقار صغير من أجنبي، لا من نفسه، بضعف قيمته، أو لنفقة الصغير، أو أداء دين الميت، أو لتنفيذ وصية مرسلة (١) لانفاذ لها إلا منه، أو لكون غلاته لا تزيد على مؤنته (تكاليفه) أو لخوف خرابه، أو نقصانه، أو كونه في يد متغلب، كأن استرده منه الوصي، ولا بينة له، وخاف أن يأخذه المتغلب منه بعدئذ، تمسكاً بما كان له من اليد، فللوصي بيعه، وإن لم يكن لليتيم حاجة إلى ثمنه.
هذا إذا كان الوصي لا من قبل أم أو أخ ونحوهما من الأقارب غير الأب والجد والقاضي، فإن المعين من قبل أم أوأخ ونحوهما لا يملك بيع العقار مطلقاً، ولا شراء غير طعام وكسوة.
أما الأب المحمود عند الناس أو مستور الحال، فله في الأصح بيع عقار ولده الصغير بدون المسوغات المذكورة، لتوافر الشفقة الكاملة عنده على ولده.
وللأب أو الجد بيع مال الصغير من الأجنبي بمثل قيمته إذا لم يكن فاسد الرأي. فإن كان فاسد الرأي، لم يجز بيعه العقار؛ وللصغير نقض البيع بعد بلوغه، إلا إذا باعه بضعف القيمة. وكذلك لا يجوز له في الرواية المفتى بها بيع المنقول إلا بضعف القيمة.
ويملك الأب والجد بيع مال أحد طفليه للآخر، ولا يجوز ذلك للوصي.
وليس للوصي أن يتجر في مال اليتيم لنفسه، فإن فعل تصدق بالربح في رأي
стр. 7333
أبي حنيفة ومحمد، ويجوز له أن يتجر في مال اليتيم لليتيم، ولا يجبر على تنمية مال اليتيم.
وأجاز الجمهور غير الحنفية للوصي التصرف في مال الصغير بحسب المصلحة للصغير أو للحاجة.
أما الموصى عليه الكبير فقال المالكية (١): ليس لوصي الميت في حال الحضر أن يبيع التركة أوشيئاً منها لقضاء دين أو تنفيذ وصية إلا بحضرة الكبير (٢) الموصى عليه، إذ لا تصرف للوصي في مال الكبير، فإن غاب الكبير أوأبى من البيع نظر الحاكم في شأن البيع، فإما أن يأمر الوصي بالبيع أو يأمر من يبيع معه للغائب، أو يقسم ما ينقسم. فإن لم يرفع الأمر للحاكم، وباع الوصي رد بيعه إن كان المبيع قائماً، فإن فات بيد المشتري بهبة أو صبغ ثوب، أو نسج غزل، أو أكل طعام، وكان قد أصاب وجه البيع، فالمستحسن إمضاء البيع.
أما في حال السفر، فلو مات شخص فلوصيه بيع متاعه. وعروضه؛ لأنه يثقل حمله.
وقال الحنابلة (٣): إن دعت الحاجة لبيع بعض العقار، لحاجة صغار، وفي بيع بعضه ضرر، مثل أن ينقص الثمن على الصغار، باع الوصي العقار كله على الصغار، وعلى الكبار إن أبوا البيع، أو كانوا غائبين؛ لأن الوصي قائم مقام الأب، وللأب بيع الكل، فالوصي كذلك، ولأنه وصي يملك بيع البعض، فملك بيع الكل، كما لو كان الكل صغاراً، أو الدين مستغرقاً، ولأن الدين متعلق بكل جزء من التركة.
стр. 7334
٢) - التوكيل والإيصاء للغير:
أجاز الحنفية والمالكية (١) إيصاء الوصي لغيره، ووصي الوصي سواء أوصي إليه في مال الوصي أو في مال موصيه، هو وصي في التركتين.
ولم يجز الشافعية والحنابلة (٢) للوصي الإيصاء لغيره إلا بإذن الموصي؛ لأن الوصي يتصرف بالإذن، فلم يملك الوصية، كالوكيل.
وكذلك لا يجوز عند هذا الفريق الثاني للوصي توكيل غيره إلا فيما لم تجر به العادة أن يتولاه بنفسه، كما هو الشأن في الوكيل، كأن كان ما عهد إليه بالوصية فيه كثير الجوانب، متعدد الجهات، بحيث يحتاج الوصي إلى من يعينه على أدائه، وكذلك لو كان العمل شاقاً لا يقدر مثله على القيام به، ويحتاج إلى شخص قوي يؤديه، أو كان العمل يفتقر إلى مهارة كالهندسة ونحوها، فيجوز له توكيل غيره ممن يقوم بمثل هذه الأمور (٣).
٣) - المضاربة بمال الموصى عليه، واقتضاء الدين، والإنفاق بالمعروف والختان، وإخراج زكاة الفطر، وضمان القرض:
قال المالكية (٤): للوصي دفع مال الموصى عليه للغير يعمل فيه قراضاً (مضاربة) بجزء من الربح، أو إبضاعاً: أي بدفع دراهم لمن يشتري بها سلعة، كمتاع من بلد المنشأ من غير ربح، لاشتماله على نفع للصبي، وللوصي ألا يدفع؛ إذ لا يجب عليه تنمية مال اليتيم، كما تبين عند الحنفية في الاتجار.
стр. 7335
وللوصي اقتضاء الدين ممن هو عليه، بل يجب عليه ذلك.
وللوصي تأخير الدين إذا كان حالاً لمصلحة في التأخير.
وللوصي الإنفاق على الطفل الذي في وصايته بالمعروف، بحسب حال الطفل والمال من قلة أو كثرة، وله الإنفاق عليه في ختانه وعُرْسه. وله دفع نفقة لموصى عليه، إن قلَّت مما لا يخاف عليه إتلافه، كجمعة أو شهر، فإن خاف إتلافه دفع له مياومة أي يوماً فيوماً. وهذا متفق عليه. وأضاف الحنفية: وللوصي الإنفاق على اليتيم في تعلم القرآن والأدب إن تأهل لذلك، وإلا فلينفق عليه بقدر ما يتعلم القراءة الواجبة في الصلاة.
وللوصي إخراج زكاة فطر الموصى عليه عنه وعمن تلزمه نفقته من مال اليتيم كأمه الفقيرة. وله إخراج زكاته من حرث وماشية ونقد وعروض تجارية.
وقال الحنفية (١): لا يملك الوصي ومثله الأب إقراض مال اليتيم، فإن أقرض ضمن، ويملك القاضي ذلك. ولو أخذ الوصي المال قرضاَ لنفسه، لا يجوز ويكون ديناً عليه.
٤) - القسمة عن الموصى له:
قال الحنفية (٢): تصح قسمة الوصي حال كونه نائباً عن ورثة كبار غيَّب أو صغار، مع الموصى له بالثلث، ولا رجوع للورثة على الموصى له إن ضاع قسطهم مع الوصي، لصحة قسمته حينئذ.
وأما قسمته عن الموصى له الغائب، أو الحاضر بلا إذنه، مع الورثة ولو
стр. 7336
صغاراً فلا تصح، وحينئذ فيرجع الموصى له بثلث ما بقي من المال إذا ضاع قسطه؛ لأنه كالشريك مع الوصي، ولا يضمن الوصي؛ لأنه أمين.
وصح قسمة القاضي، وأخذه قسط الموصى له، إن غاب الموصى له، وهذا في المكيل والموزون؛ لأن القسمة فيهما إفراز. أما في غيرهما فلا تجوز القسمة لأنها مبادلة كالبيع، وبيع مال الغير لا يجوز، فكذا القسمة.
ويملك الأب لا الجد قسمة مال مشترك بينه وبين الصغير، بخلاف الوصي.
وقال المالكية (١) كالحنفية: لا يقسم الوصي على غائب من الورثة، بلا حاكم، فإن قسم بدون حاكم نقضت القسمة، والمشترون للتركة أو بعضها التي باعها الوصي من غير حضور الكبير أو وكيله، ومن غير رفع الأمر للحاكم، العالمون بالأمر، حكمهم حكم الغاصب لا غلة لهم، ويضمنون ما يتلف حتى بسبب سماوي.
وكذلك قال الحنابلة (٢): مقاسمة الوصي للموصى له نافذة على الورثة؛ لأنه نائب عنهم، ففعله كفعلهم، ومقاسمة الوصي للورثة على الموصى له لا تنفذ؛ لأنه ليس نائباً عنه، كتصرف الفضولي.
٥) - إقرار الوصي بدين على الميت، وهل الوصي أولى بالولاية أو الجد؟ قال الحنفية (٣): لا يجوز للوصي الإقرار بدين على الميت، ولا بشيء من تركته أنه لفلان؛ لأنه إقرار على الغير إلا أن يكون المقر وارثاً، فيصح في حصته.
ولو أقر الوصي بعين لآخر، ثم ادعى أنه للصغير لا يسمع إقراره.
стр. 7337
ووصي الأب أحق عند الحنفية بمال الطفل من جده، فإن لم يكن للأب وصي، فالجد، ويكون ترتيب الولاية في مال الصغير على النحو التالي: للأب ثم وصيه، ثم وصي وصيه ولو بعُد، فلو مات الأب ولم يوص فالولاية لأبي الأب ثم وصيه، ثم وصي وصيه، فإن لم يكن فللقاضي ومنصوبه. وقد سبق بيان ترتيب الأولياء عند غير الحنفية.
٦) - دفع المال للمحجور وترشيد المحجور:
قال الحنفية (١): لو دفع الوصي المال إلى اليتيم قبل ظهور رشده (٢) بعد البلوغ والإدراك، فضاع المال، ضمن الوصي عند الصاحبين؛ لأنه دفعه إلى من ليس له أن يدفع إليه. وظهور الرشد يكون بالبينة. أما إذا ظهر رشده ولو قبل الإدراك، فدفع إليه فلا يضمن.
وقال أبو حنيفة بعدم الضمان إذا دفعه إليه بعد خمس وعشرين سنة؛ لأن له حينئذ ولاية الدفع إليه.
وكذلك قال المالكية (٣): مثل الصاحبين: لا يقبل قول الوصي في الدفع لمال المحجور بعد الرشد إلا ببينة، ولو طال الزمن بعد الرشد، قال تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم، فأشهدوا عليهم، وكفى بالله حسيباً﴾ [النساء:٦/ ٤].
وقال الحنفية: الأصل أن كل شيء كان الوصي مسلطاً عليه، فإنه يصدق فيه، ومالا فلا، فيقبل قول الوصي فيما يدعيه من الإنفاق بلا بينة إلا في مسائل أهمها ما يأتي:
стр. 7338
إذا ادعى قضاء دين الميت من ماله بعد بيع التركة، قبل قبض ثمنها. أو أن اليتيم استهلك في صغره مال شخص آخر، فدفع ضمانه، أو أذن له بتجارة، فلحقته ديون، فقضاها عنه، أو ادعى أداء خراج أرضه وكان ادعاؤه في وقت الادعاء أي يوم الخصومة لا يصلح للزراعة، أوأنفق على محرمه الذي مات.
أو أنفق على اليتيم في ذمته، أو من مال نفسه حال غيبة ماله، وأراد الرجوع.
أو أنه زوَّج اليتيم امرأة، ودفع مهرها من ماله، وهي الآن ميتة، ولم يقر اليتيم بالزواج. فإن أقر اليتيم بالتزويج، فللوصي الرجوع بالمهر، سواء أكانت المرأة حية أم ميتة.
أو اتجر الوصي وربح، ثم ادعى أنه كان مضارباً.
ففي هذه الأحوال يكون القول لليتيم، والوصي ضامن، إلا أن يبرهن بالبينة.
ويرى الحنابلة (١): أن الوصي لا يقبل قوله إلا ببينة كمدعي الدين، إلا في حال الضرورة كنفقات التجهيز والتكفين في السفر.
٧) - شهادة الأوصياء:
قال أبو حنيفة (٢): تبطل شهادة الوصيين لوارث صغير بمال مطلقاً (٣)،
стр. 7339
ولوارث كبير بمال الميت، وتصح شهادتهما بغير مال الميت لانقطاع ولايتهما عنه، فلا تهمة حينئذ؛ لأن الميت أقام الوصي مقام نفسه في تركته لا في غيرها.
أما بطلان الشهادة للوارث الصغير، فلأن للوصي ولاية التصرف في ماله، فتكون شهادة الوصيين مظهرة ولاية التصرف لأنفسهما في المشهود به، وأما بطلان الشهادة للوارث الكبير، فلأن للوصي ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول عند غيبة الوارث، فتحققت التهمة. وهذا هو الراجح لدى الحنفية.
وقال الصاحبان: إن شهد الوصيان لوارث كبير، جازت الشهادة في الوجهين، أي سواء بمال الميت أو بغير مال الميت؛ لأنه لا يثبت لهما ولاية التصرف في التركة إذا كانت الورثة كباراً، فعريت الشهادة عن التهمة.
٨) - رجوع الوصي على مال اليتيم:
قال الحنفية (١): يرجع الوصي في مال الطفل إذا باع ما أصابه من التركة، وهلك ثمنه معه، فاستحق المال المبيع، ثم يرجع الطفل على الورثة بحصته، لانتقاض القسمة باستحقاق ما أصابه.
٩) - فض النزاع بين الوصي والموصى عليه:
الوصي أمين في رأي جمهور الفقهاء (٢)، فلا يضمن هلاك مال الموصى عليه، ويقبل قوله بيمينه إذا بلغ الصبي واختلف هو والوصي في النفقة أو مقدارها.
стр. 7340
وبناء عليه قال الشافعية: فلو قال الوصي: أنفقت عليك، وقال الصبي: لم تنفق علي، فالقول قول الوصي؛ لأنه أمين، وتتعذر عليه إقامة البينة على النفقة.
وإن اختلفا في قدر النفقة، فقال الوصي: أنفقت عليك في كل سنة مائة دينار، وقال الصبي: بل أنفقت علي خمسين ديناراً، فإن كان ما يدعيه الوصي من النفقة بالمعروف، فالقول قوله؛ لأنه أمين، وإن كان أكثر من النفقة بالمعروف، فعليه الضمان؛ لأنه فرط في الزيادة.
وإن اختلفا في المدة: فقال الوصي: أنفقت عشر سنين، وقال الصبي: خمس سنين، ففيه وجهان، قال أكثر الشافعية: إن القول قول الصبي؛ لأنه اختلاف في مدة، الأصل عدمها. وقال الاصطخري: إن القول قول الوصي، كما لو اختلفا في قدر النفقة.
وإن اختلفا في دفع المال إلى الولد بعد البلوغ والرشد، صدق الولد بيمينه على الصحيح، لمفهوم آية: ﴿فأشهدوا عليهم﴾ [النساء:٦/ ٤].
١٠) - جُعْل الوصي وانتفاعه بمال الموصى عليه: قال الحنفية (١): الصحيح أنه لا أجر لوصي الميت، لكن له استحساناً الأكل من مال اليتيم إذا كان محتاجاً لما يأتي، وإذا امتنع عن القيام بالوصية إلا بأجر لا يجبر على العمل؛ لأنه متبرع، ولا جبر على المتبرع. فإذا رأي القاضي أن يجعل له أجرة المثل فلا مانع منه.
وله الأكل من مال اليتيم وركوب دوابه بقدر الحاجة، لقوله تعالى: ﴿ومن كان فقيراً، فليأكل بالمعروف﴾ [النساء:٦/ ٤].
стр. 7341
أما وصي القاضي فإن نصبه بأجر مثله، جاز.
وذكر الحنابلة (١) أنه يجوز أن يجعل الموصي أو الحاكم للوصي جُعْلاً معلوماً كالوكالة.
١١) - عزل الوصي:
اتفق الفقهاء على أن الوصي ينعزل بالحالات التالية (٢):
أولاً - بإرادة الموصي أو الوصي أو القاضي: للموصي عزل الوصي متى شاء، وللوصي عزل نفسه في حياة الموصي وبعد موته، كالوكالة؛ لأن العقد غير لازم، وينعزل الوصي بعزل الموصي وإن لم يبلغه العزل بخلاف الوكيل عند أبي حنيفة. وينعزل أيضاً بعزل القاضي وإن جار القاضي في العزل، ولكنه يأثم. وجواز عزل الوصي نفسه مقيد بما إذا لم تتعين عليه الوصية، ولم يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاض وغيره، فحينئذ ليس له عزل نفسه.
ثانياً - بالعجز التام أو الخيانة: لو ظهر للقاضي عجز الوصي أصلاً، استبدل به غيره ويجب عزل الوصي بالخيانة.
ثالثاً - بالموت أو الجنون أو الفسق، لاستحالة التصرف بالموت. وعدم المصلحة في الجنون والفسق.
رابعاً - بانتهاء الغاية من الوصاية أو انتهاء مدتها: فمن أوصي له في شيء
стр. 7342
معين، لم يصر وصياً في غيره، وتنتهي الوصاية بانتهاء الغاية منها، وبانتهاء المدة المقررة لها؛ لأن الوصي يتصرف بالإذن، فكان تصرفه على حسب الإذن.
١٢) - الإنفاق للضرورة:
قال الحنابلة (١): إن مات إنسان لا وصي له، ولا حاكم ببلده الذي مات فيه، أو مات في صحراء ونحوها كجزيرة لا عمران بها، جاز لمسلم حضره حيازة تركته، وتولي أمر تجهيزه، ويفعل الأصلح في التركة من بيع وحفظ وحمل للورثة؛ لأنه موضع ضرورة لحفظ مال المسلم عليه. ويكفنه من تركته إن كان له تركة، وإن لم يكن له تركة جهزه من عنده، ورجع بما جهزة بالمعروف على تركته حيث كانت، أو على من يلزمه كفنه إن لم يترك شيئاً، لأنه قام عنه بواجب. وذلك إن نوى الرجوع أو استأذن حاكماً في تجهيزه. فإن نوى التبرع فلا رجوع له، كما لا رجوع له إن لم ينو تبرعاً ولا رجوعاً.
стр. 7343
البَابُ الخامس: الوَقْف فيه عشرة فصول:
الأول - تعريف الوقف ومشروعيته وصفته وركنه.
الثاني - أنواع الوقف ومحله.
الثالث - حكم الوقف ومتى يزول ملك الواقف؟.
الرابع - شروط الوقف.
الخامس - إثبات الوقف شرعاً وقانوناً.
السادس - مبطلات الوقف،
السابع - نفقات الوقف.
الثامن - استبدال الوقف وبيعه حالة الخراب.
التاسع - الوقف في مرض الموت.
العاشر - ناظر الوقف (تعيينه، وشروطه، ووظيفته، وعزله).
وأبدأ ببيانها مستعيناً بالله تعالى.
стр. 7344
الفَصْلُ الأوّل: تعريف الوقف ومشروعيَّته وصفته وركنه: أولاً - تعريف الوقف: الوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى واحد، وهو لغة: الحبس عن التصرف. يقال: وقفت كذا: أي حبسته، ولا يقال: أوقفته إلا في لغة تميمية، وهي رديئة، وعليها العامة. ويقال: أحبس لا حبَس، عكس وقف، فالأولى فصيحة، والثانية رديئة. ومنه: الموقف لحبس الناس فيه للحساب. ثم اشتهر إطلاق كلمة الوقف على اسم المفعول وهوا لموقوف. ويعبر عن الوقف بالحبس، ويقال في المغرب: وزير الأحباس.
والوقف شرعاً له في المذاهب تعاريف ثلاثة:
التعريف الأول - لأبي حنيفة (١): وهو حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصدُّق بالمنفعة على جهة الخير. وبناء عليه لا يلزم زوال الموقوف عن ملك الواقف ويصح له الرجوع عنه، ويجوز بيعه؛ لأن الأصح عند أبي حنيفة أن الوقف جائز غير لازم كالعارية، فلا يلزم إلا بأحد أمور ثلاثة (٢):
١ - أن يحكم به الحاكم المولى لا المحكَّم، بأن يختصم الواقف مع الناظر، لأنه يريد أن يرجع بعلة عدم اللزوم، فيقضي الحاكم باللزوم، فيلزم؛ لأنه أمر مجتهد فيه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف.
٢ - أو أن يعلقه الحاكم بموته: فيقول: إذا مت فقد وقفت داري مثلاً على كذا، فيلزم كالوصية من الثلث بالموت، لا قبله.
стр. 7345
٣ - أن يجعله وقفاً لمسجد، ويفرزه عن ملكه، ويأذن بالصلاة فيه: فإذا صلى فيه واحد، زال ملكه عن الواقف عند أبي حنيفة. أما الإفراز فلأنه لا يخلص لله تعالى إلا به، وأما الصلاة فيه، فلأنه لا بد من التسليم عنده وعند محمد، وتسليم الشيء بحسب نوعه، وهو في المسجد بالصلاة فيه.
وقد استدل أبو حنيفة على رأيه بدليلين:
١ - قوله ﵊: «لا حبس عن فرائض الله» (١) فلو كان الوقف يخرج المال الموقوف عن ملك الواقف، لكان حبساً عن فرائض الله؛ لأنه يحول بين الورثة وبين أخذ نصيبهم المفروض.
لكن لا يدل هذا الحديث مع ضعفه على مقصود الإمام، لأن المراد به إبطال عادة الجاهلية بقصر الإرث على الذكور الكبار، دون الإناث والصغار.
٢ - ما روي عن القاضي شريح أنه قال: «جاء محمد ﷺ ببيع الحبس» فإذا جاء الرسول ﷺ بذلك، فليس لنا أن نستحدث حبساً آخر، إذ الوقف تحبيس العين، فهو غير مشروع.
ولكن لا دلالة أيضاً في هذا القول على مطلوب الإمام؛ لأن الحبس الممنوع هو ماكان يحبس للأصنام والأوثان، وقد جاء الرسول ﷺ ببيعه وإبطاله قضاء على الوثنية. أما الوقف فهو نظام إسلامي محض. قال الإمام الشافعي: «لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت، إنما حبس أهل الإسلام».
стр. 7346
التعريف الثاني - للجمهور وهم الصاحبان وبرأيهما يفتى عند الحنفية، والشافعية والحنابلة في الأصح (١): وهو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره، على مصرف مباح موجود - أو بصرف ريعه على جهة بر وخير - تقرباً إلى الله تعالى. وعليه يخرج المال عن ملك الواقف، ويصير حبيساً على حكم ملك الله تعالى (٢)، ويمتنع على الواقف تصرفه فيه، ويلزم التبرع بريعه على جهة الوقف. واستدلوا لرأيهم بدليلين:
١ - حديث ابن عمر: «أن عمر أصاب أرضاً من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله، أصبتُ أرضاً بخيبر، لم أُصب مالاً قط أنفسَ عندي منه، فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبَّست أصلها وتصدقت بها، فتصدَّق بها عمر، على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، في الفقراء وذوي القربى والرّقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطْعِم غير متموِّل» (٣) أي غير متخذ منها مالاً أي ملكاً. قال ابن حجر في الفتح: «وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف».
وهو يدل على منع التصرف في الموقوف؛ لأن الحبس معناه المنع، أي منع العين عن أن تكون ملكاً، وعن أن تكون محلاً لتصرف تمليكي. لكن يلاحظ أن هذا الحديث لا يدل على خروج المال الموقوف عن ملك الواقف.
стр. 7347
٢ - استمر عمل الأمة منذ صدر الإسلام إلى الآن على وقف الأموال على وجوه الخير، ومنع التصرف فيها من الواقف وغيره.
التعريف الثالث - للمالكية (١): وهو جعل المالك منفعة مملوكة، ولو كان مملوكاً بأجرة، أو جعل غلته كدراهم، لمستحق، بصيغة، مدة ما يراه المحبِّس. أي إن المالك يحبس العين عن أي تصرف تمليكي، ويتبرع بريعها لجهة خيرية، تبرعاً لازماً، مع بقاء العين على ملك الواقف، مدة معينة من الزمان، فلا يشترط فيه التأبيد. ومثال المملوك بأجرة: أن يستأجر داراً مملوكة أو أرضاً مدة معلومة، ثم يقف منفعتها لمستحق آخر غيره في تلك المدة. وبه يكون المراد من «المملوك» إما ملك الذات أو ملك المنفعة.
الوقف عند المالكية لايقطع حق الملكية في العين الموقوفة، وإنما يقطع حق التصرف فيها. واستدلوا على بقاء الملك في العين الموقوفة بحديث عمر المتقدم، حيث قال له الرسول ﵊: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها» ففيه إشارة للتصدق بالغلة، مع بقاء ملكية الموقوف على ذمة الواقف، ومنع أي تصرف تمليكي فيه للغير، بدليل فهم عمر: «على ألا تباع، ولا توهب، ولاتورث».
وهذا يشبه ملك المحجور عليه لسفه أي تبذير، فإن ملكه باق في ماله، ولكنه ممنوع من بيعه وهبته. وهذا الرأي أدق دليلاً، ولكن التعريف الثاني أشهر عند الناس.
واتفق العلماء في وقف المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق، لا ملك لأحد فيها، وأن المساجد لله تعالى.
стр. 7348
ثانياً - مشروعية الوقف وحكمته أو سببه: الوقف عند الجمهور غير الحنفية سنة مندوب إليها، فهو من التبرعات المندوبة، لقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران:٩٢/ ٣] وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] فهو بعمومه يفيد الإنفاق في وجوه الخير والبر، والوقف: إنفاق المال في جهات البر.
ولقوله ﷺ في حديث عمر المتقدم: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها» وقوله ﵊: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له» (١) والولد الصالح: هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد.
وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف، وكان وقف عمر مئة سهم من خيبر أول وقف في الإسلام على المشهور. وقال جابر ﵁: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ له مقدرة إلا وقف.
والوقف من خصائص الإسلام، قال النووي: وهو مما اختص به المسلمون، قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية داراً ولا أرضاً فيما علمت.
ويلاحظ أن القليل من أحكام الوقف ثابت بالسنة، ومعظم أحكامه ثابت باجتهاد الفقهاء بالاعتماد على الاستحسان والاستصلاح والعرف.
وحكمة الوقف أو سببه: في الدنيا بر الأحباب، وفي الآخرة تحصيل الثواب، بنية من أهله (٢).
стр. 7349
وقال الحنفية: الوقف مباح بدليل صحته من الكافر، وقد يصبح واجباً بالنذر، فيتصدق بالعين الموقوفة أو بثمنها. ولو وقفها على من لا تجوز له الزكاة كالأصول والفروع، جاز في الحكم، أي صح الوقف في حكم الشرع لصدوره من أهله في محله، لكن لا يسقط به النذر؛ لأن الصدقة الواجبة لا بد من أن تكون لله تعالى على الخلوص، وصرفها إلى من لا تجوز شهادته له: فيه نفع له، فلم تخلص لله تعالى، كما لو صرف إليه الكفارة أو الزكاة، وقعت صدقة، وبقيت في ذمته (١).
ثالثاً - صفة الوقف: الوقف عند أبي حنيفة جائز غير لازم، يجوز الرجوع عنه، فهو تبرع غير لازم، إلا فيما استثناه سابقاً، وهو بمنزلة الإعارة غير اللازمة، فله أن يرجع فيه متى شاء، ويبطل بموته، ويورث عنه، كما هو المقرر في حكم الإعارة (٢).
وهو عند محمد بن الحسن والشافعية والحنابلة (٣): إذا صح صار لازماً لاينفسخ بإقالة ولا غيرها، وينقطع تصرف الواقف فيه، ولا يملك الرجوع عنه، ويزول ملكه عن العين الموقوفة، لحديث عمر المتقدم: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها، لاتباع ولا توهب ولا تورث» وهو بمنزلة الهبة والصدقة. فلا بد فيه لترتيب آثاره الشرعية من تسليمه إلى الجهة الموقوف عليها، كسائر التبرعات. ولا يجوز عند محمد وقف مشاع قابل للقسمة.
ورأى أبو يوسف: أن الوقف إسقاط ملك، كالطلاق والإعتاق فإنه إسقاط
стр. 7350
للملك عن الزوجة والعبد، فيتم بمجرد التلفظ، ولا يشترط فيه التسليم، ويصح وقف المشاع القابل للقسمة من غير إفراز، وهذا هو المفتى به عند الحنفية؛ لأنه أحوط وأسهل.
والوقف عند المالكية (١): إن صح لزم، ولا يتوقف على حكم الحاكم، حتى لو لم يحز (يقبض) وحتى لو قال الواقف: ولي الخيار، فإن أراد الواقف الرجوع فيه، لا يمكَّن، وإذا لم يُحَز أجبر على إخراجه من تحت يده للموقوف عليه. وهو في حال الحياة من قبيل الإعارة اللازمة، وبعد الوفاة من قبيل الوصية بالمنفعة، وعليه ليس للواقف في حال الصحة الرجوع عن الوقف قبل حصول المانع، ويجبر على القبض (التحويز) إلاإذا شرط لنفسه الرجوع، فله ذلك، أما الواقف في حال المرض، فله الرجوع فيه؛ لأنه كالوصية.
رابعاً - ركن الوقف: قال الحنفية (٢): ركن الوقف هي الصيغة، وهي الألفاظ الدالة على معنى الوقف، مثل أرضي هذه موقوفة مؤبدة على المساكين ونحوه من الألفاظ، مثل: موقوفة لله تعالى، أو على وجه الخير، أو البر، أو موقوفة فقط، عملاً بقول أبي يوسف، وبه يفتى للعرف. وقد يثبت الوقف بالضرورة مثل: أن يوصي بغلة هذه الدار للمساكين أبداً، أو لفلان وبعده للمساكين أبداً، فتصير الدار وقفاً بالضرورة، إذ كلامه يشبه القول: إذا مت فقد وقفت داري على كذا.
ركن الوقف عندهم: هو الإيجاب الصادر من الواقف الدال على إنشاء الوقف. وهذا على أن معنى الركن: هو جزء الشيء الذي لا يتحقق إلا به. ويكون
стр. 7351
الوقف بناء عليه كالوصية تصرفاً يتم بإرادة واحدة هي إرادة الواقف نفسه، وهي التي يعبر عنها بإيجاب الواقف.
وقال الجمهور (١): للوقف أركان أربعة: هي الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة: باعتبار أن الركن: ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءاً منه أم لا.
أما القبول من الموقوف عليه: فليس ركناً في الوقف عند الحنفية على المفتى به، والحنابلة كما ذكر القاضي أبو يعلى، ولا شرطاً لصحة الوقف ولا للاستحقاق فيه، سواء أكان الموقوف عليه معيناً أم غير معين، فلو سكت الموقوف عليه، فإنه يستحق من ريع الوقف، فيصير الشيء وقفاً بمجرد القول؛ لأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلم يطلب فيه القبول، كالعتق، لكن إذا كان الموقوف عليه معيناً، كالوقف على خالد أو محمد، ورد الوقف، فلا يستحق شيئاً من ريع الوقف وإنما ينتقل إلى من يليه ممن عينه الواقف بعده متى وجد، فإن لم يوجد عاد الموقوف للواقف أو لورثته إن وجدوا وإلا فلخزانة الدولة، ولكن لا يبطل الوقف برده، ويكون رده وقبولهما وعدمهما واحداً كالعتق؛ لأن ركن الوقف وهو إيجاب الواقف قد تحقق. أخذ القانون المصري (م ٩) رقم (٤٨) لسنة (١٩٤٦) بهذا الرأي، حيث لم يجعل القبول شرطاً للاستحقاق، والمادة (١٧) بينت انتهاء الوقف. ولكن قال الحنفية: لو وقف لشخص بعينه، ثم للفقراء، اشترط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء. ومن قبل فليس له الرد بعده، ومن رده أول الأمر ليس له القبول بعده.
стр. 7352
ويعد القبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة ركناً إذا كان الوقف على معين إن كان أهلاً للقبول، وإلا فيشترط قبول وليه كالهبة والوصية.
واشترطت المادة التاسعة المذكورة قبول الممثل القانوني إذا كان الوقف على جهة لها من يمثلها قانوناً كالأزهر أوالجامعة. وهذا من قبيل سد الذرائع أمام تدخل الواقفين بشؤون هذه الجهة، أو محاولة السيطرة عليها لأغراض معينة بقصد العبث والفساد. فإن لم يقبل من يمثل الجهة، انتقل الاستحقاق لمن يليها متى وجد، وإن لم يوجد أصلاً، أخذ الموقوف حكم الوقف المنتهي المبين في المادة ١٧.
الفَصْلُ الثَّاني: أنواع الوقف ومحلّه: ينقسم الوقف بحسب الجهة الأولى التي وقف عليها في الابتداء على نوعين: خيري، وأهلي أو ذُرّي (١).
أما الوقف الخيري: فهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية، ولو لمدة معينة، يكون بعدها وقفاً على شخص معين أو أشخاص معينين. كأن يقف أرضه على مستشفى أو مدرسة، ثم من بعد ذلك على نفسه وأولاده.
وأما الوقف الأهلي أو الذُّرِّي: فهو الذي يوقف في ابتداء الأمر على نفس الواقف أو أي شخص أو أشخاص معينين، ولو جعل آخره لجهة خيرية، كأن يقف على نفسه، ثم على أولاده، ثم من بعدهم على جهة خيرية.
ونص القانون المصري م (١٨٠) لسنة ١٩٥٢ م، والقانون السوري لسنة (١٩٤٩) على انتهاء أو إلغاء الوقف الأهلي لتصفية مشكلاته المعقدة. وبقي الوقف الخيري جائزاً.
стр. 7353
وأما محل الوقف: فهو المال الموجود المتقوم (١) من عقار: أرض أو دار بالإجماع، أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح، لقوله: «وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، فإنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله» (٢)، واتفقت الأمة على وقف الحصر والقناديل في المساجد من غير نكير.
ويصح وقف الحلي للبس والإعارة؛ لأنه عين الانتفاع بها دائماً، فصح وقفها كالعقار، ولما روى الخلال بإسناده عن نافع قال: ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً، فحبسته على نساء آل الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته.
وشرط الحنفية في الوقف المنقول: أن يكون تابعاً للعقار، أو جرى به التعامل عرفاً، كوقف الكتب وأدوات الجنازة.
ويصح وقف المشاع من عقار أو منقول؛ لأن عمر ﵁ وقف مئة سهم في خيبر مشاعاً (٣).
وقد وضع الحنابلة وغيرهم ضابطاً لما يجوز وقفه، وما لا يجوز، فقالوا: الذي يجوز وقفه هو كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به، مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً كالعقار والحيوانات والسلاح والأثاث وأشباه ذلك.
وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف مثل الدنانير والدراهم (النقود) وما ليس بحلي، والمأكول والمشروب والشمع وأشباهه، لا يصح وقفه في قول جماعة من الفقهاء؛
стр. 7354
لأن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه الوقف؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به على الدوام. إلا أن متقدمي الحنفية أجازوا وقف الدنانير والدراهم والمكيل والموزون، لكن الظاهر أنه لا يجوز الآن لعدم التعامل به كما سيأتي.
ولا يصح وقف الحمل؛ لأنه تمليك منجز، فلم يصح في الحمل وحده، كالبيع.
قال ابن جزي المالكي: يجوز تحبيس العقار كالأرضين والديار والحوانيت والجنات، والمساجد، والآبار، والقناطر والمقابر، والطرق وغير ذلك. ولا يجوز تحبيس الطعام لأن منفعته في استهلاكه، ولكن نص الإمام مالك وتبعه الشيخ خليل على جواز وقف الطعام والنقد، وهو المذهب وينزل رد بدله منزلة بقاء عينه.
و بيان الرأي الفقهي في بعض أنواع المال الموقوف:
١ - وقف العقار: يصح وقف العقار (١) من أرض ودور وحوانيت وبساتين ونحوها بالاتفاق (٢)؛ لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه، مثلما تقدم من وقف عمر ﵁ أرضه في خيبر، ولأن العقار متأبد يبقى على الدوام.
لكن بين الحنفية أنه لا يشترط لصحة الوقف تحديد العقار؛ لأن الشرط كونه معلوماً، أو إذا كانت الدار مشهورة معروفة، صح وقفها كما قال ابن الهمام في
стр. 7355
الفتح، وإن لم تحدد، استغناء بشهرتها عن تحديدها. وأفتى متأخرو الحنفية استثناء من قولهم بعدم تقوم المنافع بضمان غصب عقار الوقف وغصب منافعه أو إتلافها، كما إذا سكن فيه شخص بلا إذن أو أسكنه ناظر الوقف بلا أجر، وعليه أجر المثل، ولو كان غير معد للاستغلال، صيانة للوقف، كما أنه يفتى بضمان مال اليتيم والمال المعد للاستغلال، وبكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه.
٢ - وقف المنقول: اتفق الجمهور (١) غير الحنفية على جواز وقف المنقول مطلقاً، كآلات المسجد كالقنديل والحصير، وأنواع السلاح والثياب والأثاث، سواء أكان الموقوف مستقلاً بذاته، ورد به النص أو جرى به العرف، أم تبعاً لغيره من العقار، إذ لم يشترطوا التأبيد لصحة الوقف، فيصح كونه مؤبداً أو مؤقتاً، خيرياً أو أهلياً.
وأخذ القانون المصري (م ٨) بهذا الرأي، فأجاز وقف العقار والمنقول.
ولم يجز الحنفية (٢) وقف المنقولومنه عندهم البناء والغراس إلا إذا كان تبعاً للعقار، أو ورد به النص كالسلاح والخيل، أو جرى به العرف كوقف الكتب والمصاحف والفأس والقدوم والقدور (الأواني) وأدوات الجنازة وثيابها، والدنانير والدراهم، والمكيل والموزون، والسفينة بالمتاع، لتعامل الناس به، والتعامل - وهو الأكثر استعمالاً - يترك به القياس، لخبر ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن» ولأن الثابت بالعرف ثابت بالنص، هذا مع العلم أن وقف البناء صار متعارفاً، بخلاف ما لا تعامل فيه كثياب ومتاع، وهذا قول محمد، المفتى به. ويباع المكيل والموزون ويدفع ثمنه مضاربة أو مباضعة، كما يفعل في وقف النقود، وما خرج من الربح يتصدق به في جهة الوقف.