الوقف بناء عليه كالوصية تصرفاً يتم بإرادة واحدة هي إرادة الواقف نفسه، وهي التي يعبر عنها بإيجاب الواقف.
وقال الجمهور (١): للوقف أركان أربعة: هي الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة: باعتبار أن الركن: ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءاً منه أم لا.
أما القبول من الموقوف عليه: فليس ركناً في الوقف عند الحنفية على المفتى به، والحنابلة كما ذكر القاضي أبو يعلى، ولا شرطاً لصحة الوقف ولا للاستحقاق فيه، سواء أكان الموقوف عليه معيناً أم غير معين، فلو سكت الموقوف عليه، فإنه يستحق من ريع الوقف، فيصير الشيء وقفاً بمجرد القول؛ لأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلم يطلب فيه القبول، كالعتق، لكن إذا كان الموقوف عليه معيناً، كالوقف على خالد أو محمد، ورد الوقف، فلا يستحق شيئاً من ريع الوقف وإنما ينتقل إلى من يليه ممن عينه الواقف بعده متى وجد، فإن لم يوجد عاد الموقوف للواقف أو لورثته إن وجدوا وإلا فلخزانة الدولة، ولكن لا يبطل الوقف برده، ويكون رده وقبولهما وعدمهما واحداً كالعتق؛ لأن ركن الوقف وهو إيجاب الواقف قد تحقق. أخذ القانون المصري (م ٩) رقم (٤٨) لسنة (١٩٤٦) بهذا الرأي، حيث لم يجعل القبول شرطاً للاستحقاق، والمادة (١٧) بينت انتهاء الوقف. ولكن قال الحنفية: لو وقف لشخص بعينه، ثم للفقراء، اشترط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء. ومن قبل فليس له الرد بعده، ومن رده أول الأمر ليس له القبول بعده.
стр. 7352
ويعد القبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة ركناً إذا كان الوقف على معين إن كان أهلاً للقبول، وإلا فيشترط قبول وليه كالهبة والوصية.
واشترطت المادة التاسعة المذكورة قبول الممثل القانوني إذا كان الوقف على جهة لها من يمثلها قانوناً كالأزهر أوالجامعة. وهذا من قبيل سد الذرائع أمام تدخل الواقفين بشؤون هذه الجهة، أو محاولة السيطرة عليها لأغراض معينة بقصد العبث والفساد. فإن لم يقبل من يمثل الجهة، انتقل الاستحقاق لمن يليها متى وجد، وإن لم يوجد أصلاً، أخذ الموقوف حكم الوقف المنتهي المبين في المادة ١٧.
الفَصْلُ الثَّاني: أنواع الوقف ومحلّه: ينقسم الوقف بحسب الجهة الأولى التي وقف عليها في الابتداء على نوعين: خيري، وأهلي أو ذُرّي (١).
أما الوقف الخيري: فهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية، ولو لمدة معينة، يكون بعدها وقفاً على شخص معين أو أشخاص معينين. كأن يقف أرضه على مستشفى أو مدرسة، ثم من بعد ذلك على نفسه وأولاده.
وأما الوقف الأهلي أو الذُّرِّي: فهو الذي يوقف في ابتداء الأمر على نفس الواقف أو أي شخص أو أشخاص معينين، ولو جعل آخره لجهة خيرية، كأن يقف على نفسه، ثم على أولاده، ثم من بعدهم على جهة خيرية.
ونص القانون المصري م (١٨٠) لسنة ١٩٥٢ م، والقانون السوري لسنة (١٩٤٩) على انتهاء أو إلغاء الوقف الأهلي لتصفية مشكلاته المعقدة. وبقي الوقف الخيري جائزاً.
стр. 7353
وأما محل الوقف: فهو المال الموجود المتقوم (١) من عقار: أرض أو دار بالإجماع، أو منقول ككتب وثياب وحيوان وسلاح، لقوله: «وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، فإنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله» (٢)، واتفقت الأمة على وقف الحصر والقناديل في المساجد من غير نكير.
ويصح وقف الحلي للبس والإعارة؛ لأنه عين الانتفاع بها دائماً، فصح وقفها كالعقار، ولما روى الخلال بإسناده عن نافع قال: ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً، فحبسته على نساء آل الخطاب، فكانت لا تخرج زكاته.
وشرط الحنفية في الوقف المنقول: أن يكون تابعاً للعقار، أو جرى به التعامل عرفاً، كوقف الكتب وأدوات الجنازة.
ويصح وقف المشاع من عقار أو منقول؛ لأن عمر ﵁ وقف مئة سهم في خيبر مشاعاً (٣).
وقد وضع الحنابلة وغيرهم ضابطاً لما يجوز وقفه، وما لا يجوز، فقالوا: الذي يجوز وقفه هو كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به، مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً كالعقار والحيوانات والسلاح والأثاث وأشباه ذلك.
وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف مثل الدنانير والدراهم (النقود) وما ليس بحلي، والمأكول والمشروب والشمع وأشباهه، لا يصح وقفه في قول جماعة من الفقهاء؛
стр. 7354
لأن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح فيه الوقف؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به على الدوام. إلا أن متقدمي الحنفية أجازوا وقف الدنانير والدراهم والمكيل والموزون، لكن الظاهر أنه لا يجوز الآن لعدم التعامل به كما سيأتي.
ولا يصح وقف الحمل؛ لأنه تمليك منجز، فلم يصح في الحمل وحده، كالبيع.
قال ابن جزي المالكي: يجوز تحبيس العقار كالأرضين والديار والحوانيت والجنات، والمساجد، والآبار، والقناطر والمقابر، والطرق وغير ذلك. ولا يجوز تحبيس الطعام لأن منفعته في استهلاكه، ولكن نص الإمام مالك وتبعه الشيخ خليل على جواز وقف الطعام والنقد، وهو المذهب وينزل رد بدله منزلة بقاء عينه.
و بيان الرأي الفقهي في بعض أنواع المال الموقوف:
١ - وقف العقار: يصح وقف العقار (١) من أرض ودور وحوانيت وبساتين ونحوها بالاتفاق (٢)؛ لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه، مثلما تقدم من وقف عمر ﵁ أرضه في خيبر، ولأن العقار متأبد يبقى على الدوام.
لكن بين الحنفية أنه لا يشترط لصحة الوقف تحديد العقار؛ لأن الشرط كونه معلوماً، أو إذا كانت الدار مشهورة معروفة، صح وقفها كما قال ابن الهمام في
стр. 7355
الفتح، وإن لم تحدد، استغناء بشهرتها عن تحديدها. وأفتى متأخرو الحنفية استثناء من قولهم بعدم تقوم المنافع بضمان غصب عقار الوقف وغصب منافعه أو إتلافها، كما إذا سكن فيه شخص بلا إذن أو أسكنه ناظر الوقف بلا أجر، وعليه أجر المثل، ولو كان غير معد للاستغلال، صيانة للوقف، كما أنه يفتى بضمان مال اليتيم والمال المعد للاستغلال، وبكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه.
٢ - وقف المنقول: اتفق الجمهور (١) غير الحنفية على جواز وقف المنقول مطلقاً، كآلات المسجد كالقنديل والحصير، وأنواع السلاح والثياب والأثاث، سواء أكان الموقوف مستقلاً بذاته، ورد به النص أو جرى به العرف، أم تبعاً لغيره من العقار، إذ لم يشترطوا التأبيد لصحة الوقف، فيصح كونه مؤبداً أو مؤقتاً، خيرياً أو أهلياً.
وأخذ القانون المصري (م ٨) بهذا الرأي، فأجاز وقف العقار والمنقول.
ولم يجز الحنفية (٢) وقف المنقولومنه عندهم البناء والغراس إلا إذا كان تبعاً للعقار، أو ورد به النص كالسلاح والخيل، أو جرى به العرف كوقف الكتب والمصاحف والفأس والقدوم والقدور (الأواني) وأدوات الجنازة وثيابها، والدنانير والدراهم، والمكيل والموزون، والسفينة بالمتاع، لتعامل الناس به، والتعامل - وهو الأكثر استعمالاً - يترك به القياس، لخبر ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن» ولأن الثابت بالعرف ثابت بالنص، هذا مع العلم أن وقف البناء صار متعارفاً، بخلاف ما لا تعامل فيه كثياب ومتاع، وهذا قول محمد، المفتى به. ويباع المكيل والموزون ويدفع ثمنه مضاربة أو مباضعة، كما يفعل في وقف النقود، وما خرج من الربح يتصدق به في جهة الوقف.
стр. 7356
لكن قال ابن عابدين (١): وقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفاً في زمن المتقدمين، ولم نسمع به في زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن، ولئن وجدنا قليلاً لا يعتبر، لأن التعامل هو الأكثر استعمالاً.
والسبب في عدم جواز وقف المنقول عندهم: أن من شرط الوقف التأبيد، والمنقول لا يدوم.
٣ - وقف المشاع: يجوز عند الجمهور غير المالكية وقف المشاع الذي لا يحتمل القسمة، مع الشيوع، كحصة سيارة؛ لأن الوقف كالهبة، وهبة المشاع غير القابل للقسمة جائزة.
ولم يجز المالكية وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة؛ لأنه يشترط الحوز عنده لصحة الوقف، وهذا أحد قولين مرجحين في المذهب.
أما المشاع القابل للقسمة: فقال أبو يوسف ويفتى بقوله: يجوز وقفه؛ لأن القسمة من تمام القبض، والقبض عنده ليس بشرط لتمام الوقف، فكذا تتمته، وهذا موافق لرأي المالكية والشافعية والحنابلة.
وقال محمد، وأكثر المشايخ أخذوا بقوله: لا يجوز وقف المشاع؛ لأن أصل القبض عنده شرط لتمام الوقف، فكذا ما يتم به، والقبض لا يصح في المشاع.
قال القاضي أبو عاصم: قول أبي يوسف من حيث المعنى أقوى، إلا أن قول
стр. 7357
محمد أقرب إلى موافقة الآثار. ولما كثر المصحح من الطرفين، وكان قول أبي يوسف فيه ترغيب للناس في الوقف وهو جهة بر، أطبق المتأخرون من أهل المذهب، على أن القاضي الحنفي والمقلد يخير بين أن يحكم بصحته وبطلانه، وإذا كان الأكثر على ترجيح قول محمد، وبأيها حكم صح حكمه ونفذ، فلا يسوغ له ولا لقاض غيره أن يحكم بخلافه، كما صرح به غير واحد. وقال في البحر: وصح وقف المشاع إذا قضي بصحته؛ لأنه قضاء في مجتهد فيه (١). وهذا هو المعتمد الذي جرى عليه صاحب الدر المختار، وهو يتمشى مع قوله: ولا يتم الوقف حتى يقبض الموقوف؛ لأن تسليم كل شيء بما يليق به، في المسجد بالإفراز، وفي غيره بنصب المتولي وبتسليمه إياه، وحتى يفرز، فلا يجوز وقف مشاع يقسم، خلافاً لأبي يوسف.
أما غير الحنفية (٢) فقال المالكية: يصح وقف المشترك الشائع فيما يقبل القسمة، ولا يصح فيما لا يقبل القسمة.
وقال الشافعية والحنابلة: يصح وقف المشاع ولو لم يقبل القسمة، ويجبر عليها الواقف إن أرادها الشريك، ويجبر الواقف على البيع إن أراد شريكه، ويجعل ثمنه في مثل وقفه، بدليل أن عمر وقف مئة سهم من خيبر بإذن رسول الله ﷺ ، وهذا صفة المشاع؛ لأن القصد حبس الأصل، وتسبيل المنفعة، والمشاع كالمقسوم في ذلك.
стр. 7358
أما القانون فإنه أخذ في المادة (٨) بالرأي الأول، ونص على أنه لا يجوز وقف الحصة الشائعة في عقار غير قابل للقسمة إلا إذا كان الباقي منه موقوفاً، واتحدت الجهة الموقوفة عليها، أو كانت الحصص مخصصة لمنفعة عين موقوفة.
٤ - وقف حق الارتفاق: قال الشافعية والحنابلة (١): يجوز وقف علو الدار دون سفلها، وسفلها دون علو؛ لأنهما عينان يجوز وقفهما، فجاز وقف أحدهما دون الآخر، ولأنه يصح بيع العلو أو السفل، ولأنه تصرف يزيل الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف، فجاز كالبيع.
وقال الحنفية: لا يصح وقف الحقوق المالية، مثل حق التعلي وباقي حقوق الارتفاق؛ لأن الحق ليس بمال عندهم.
٥ - وقف الإقطاعات: الإقطاعات: هي أرض مملوكة للدولة، أعطتها لبعض المواطنين ليستغلها ويؤدي الضريبة المفروضة عليها، مع بقاء ملكيتها للدولة.
فإذا وقف المقطع له هذه الأرض لا يصح وقفه، لأنه ليس مالكاً لها. وكذلك لا يجوز للحكام والولاة والأمراء وقف شيء من هذه الإقطاعات إلا إذا كانت الأرض مواتاً، أو ملكها الإمام، فأقطعها رجلاً. ويجوز لمن أحيا الأرض الموات من الأفراد وقفها؛ لأنه ملكها بالإحياء، ووقف ما يملك (٢).
стр. 7359
قال في الدر المختار: وأغلب أوقاف الأمراء بمصر، إنما هوإقطاعات يجعلونها مشتراة صورة من وكيل بيت المال.
ولو وقف السلطان من بيت المال، لمصلحة عمت، يجوز ويؤجر.
ويجوز للسلطان أن يأذن بوقف أرض على مسجد من أراضي البلاد المفتوحة عنوة التي لم تقسم بين الغانمين، إذ لو قسمت صارت ملكاً لهم حقيقة؛ لأنها تصير ملكاً للغانمين بالفتح والقسمة، فيجوز أمر السلطان فيها. أما الأراضي المفتوحة صلحاً فلا ينفذ أمر السلطان بوقفها؛ لأنها تبقى ملكاً لملاكها الأصليين (١).
وكذا قال الشافعية (٢): لو وقف الإمام شيئاً من أرض بيت المال، صح.
٦ - وقف أراضي الحوز: أرض الحوز: هي أرض مملوكة لبعض الأفراد، ولكنهم عجزوا عن استغلالها، فوضعت الحكومة يدها عليها لتستغلها وتستوفي منها ضرائبها. فلا يصح وقفها؛ لأنها ليست مالكة لها، وإنما ما تزال ملكاً لأصحابها.
٧ - وقف الإرصاد: الإرصاد: أن يقف أحد الحكام أرضاً مملوكة للدولة لمصلحة عامة كمدرسة أو مستشفى. وقد عرف أن هذا جائز بحكم الولاية العامة، ولكن يسمى هذا إرصاداً لا وقفاً حقيقة.
стр. 7360
٨ - وقف المرهون: قال الحنفية (١): يصح للراهن وقف المرهون؛ لأنه يملكه، لكن يبقى حق المرتهن متعلقاً بالمرهون، فإن وفى الدين تطهرت وخلصت العين المرهونة من تعلق حق المرتهن بها، وإلا فله أن يطلب إبطال الوقف وبيع المرهون. وبناء عليه: يجبر القاضي الراهن على دفع ما عليه إن كان موسراً، أما إن كان معسراً فيبطل الوقف ويبيع العين المرهونة فيما عليه من الدين. وكذا لو مات، فإن كان له ما يوفي الدين، ظل الشيء موقوفاً، وإلا بيع وبطل الوقف.
وقال الجمهور غير الحنفية (٢): لا يصح وقف المرهون.
٩ - وقف العين المؤجرة: قال الحنفية والحنابلة (٣): لا يملك المستأجر وقف منفعة العين المستأجرة، لأنه يشترط لديهم التأبيد، والإجارة مؤقتة غير مؤبدة. وكذلك قال الشافعية (٤): مالك المنفعة دون الرقبة كالمستأجر والموصى له بالمنفعة لا يصح وقفه إياها، لكن لو وقف المستأجر بناء أو غراساً في أرض مستأجرة له، فالأصح جوازه، ويكفي دوام الوقف إلى قيام مالك الأرض بالقلع بعد مدة الإجارة. والمستعير والموصى له بالمنفعة مثل المستأجر في الحكم. ويصح عندهم للمؤجر وقف الأرض المؤجرة.
وقال المالكية (٥): للمستأجر وقف منفعة المأجور مدة الإجارة المقررة له، إذ
стр. 7361
لايشترط لديهم تأبيد الوقف، وإنما يصح لمدة معينة. ولا يصح للمؤجر وقف المأجور.
وأجاز الحنفية والحنابلة للمؤجر وقف العين المؤجرة؛ لأنه وقف ما يملك، ويبقى للمستأجر الحق في الانتفاع بالعين المستأجرة إلى انتهاء مدة الإجارة، أو تراضيه مع المؤجر على فسخ الإجارة قبل انتهاء مدتها.
والخلاصة: يصح عند الجمهور للمؤجر وقف العين المؤجرة، ولا يصح وقفها عند المالكية، ويصح عند المالكية للمستأجر وقف منفعة المأجور، ولا يصح وقفها عند الجمهور.
الفَصْلُ الثَّالث: حكم الوقف، ومتى يزول ملك الواقف؟
حكم الوقف: أي الأثر المترتب على حدوث الوقف من الواقف. ويختلف الأثر المترتب باختلاف الآراء الفقهية (١):
ف عند أبي حنيفة: أثر الوقف هو التبرع بالريع غير لازم، وتظل العين الموقوفة على ملك الواقف، فيجوز له التصرف بها كما يشاء، وإذا تصرف بها اعتبر راجعاً عن الوقف، وإذا مات الواقف ورثها ورثته، ويجوز له الرجوع في وقفه متى شاء، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه كيفما يشاء، وسأخصص بعد بيان المذاهب في حكم الوقف بحثاً عن الرجوع في وقف المسجد وغيره بناء على هذا الرأي.
стр. 7362
و عند الصاحبين وبرأيهما يفتى: إذا صح الوقف خرج عن ملك الواقف، وصار حبيساً على حكم ملك الله تعالى، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه، بدليل انتقاله عنه بشرط الواقف (المالك الأول) كسائر أملاكه.
وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه ولا قسمته، إلا أن يكون الوقف مشاعاً فللشريك بناء على جوازه عند أبي يوسف أن يطلب فيه القسمة، فتصح مقاسمته؛ لأن القسمة تمييز وإفراز، ويغلب في الوقف معنى الإفراز في غير المكيل والموزون الذي يغلب فيه معنى المبادلة، نظراً وملاحظة لمصلحة الوقف. والمفتى به وهو قول الصاحبين جواز قسمة المشاع إذا كانت القسمة بين الواقف وشريكه المالك، أو الواقف الآخر أو ناظره إن اختلفت جهة وقفهما.
و يرى المالكية: أن الموقوف يظل مملوكاً للواقف، لكن تكون المنفعة ملكاً لازماً للموقوف له، فهم كأبي حنيفة، ودليل قول النبي ﷺ : «حبّس الأصل، وسبِّل الثمرة».
و الأظهر في مذهب الشافعية: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى، أي ينفك عن اختصاص الآدمي، فلا يكون للواقف ولا للموقوف عليه، ومنافعه ملك للموقوف عليه، يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة، ويملك الأجرة وفوائده كثمرة وصوف ولبن، وكذا الولد في الأصح، فهم كالصاحبين.
وقال الحنابلة في الصحيح من المذهب: إذا صح الوقف زال به ملك الواقف؛ لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة، فأزال الملك كالعتق. وأما خبر «حبّس الأصل وسبل الثمرة» فالمراد به أن يكون محبوساً لا يباع ولا يوهب ولا يورث.
стр. 7363
وينتقل الملك عندهم في الوقف إلى الله تعالى إن كان الوقف على مسجد ونحوه كمدرسة ورباط وقنطرة وفقراء وغزاة وما أشبه ذلك، وينتقل الملك في العين الموقوفة إلى الموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً كزيد وعمرو، أو كان جمعاً محصوراً كأولاده أو أولاد زيد؛ لأن الوقف سبب يزيل التصرف في الرقبة، فملكه المنتقل إليه كالهبة.
متى يزول الملك عن الوقف؟ يزول الملك عن الموقوف في رأي أبي حنيفة (١) بأحد أربعة أسباب:
١ - بإفراز مسجد.
٢ - أو بقضاء القاضي؛ لأنه مجتهد فيه أي يسوغ فيه الاجتهاد والاختلاف بين الأئمة، فيكون الحكم فيه رافعاً للخلاف.
٣ - أو بالموت إذا علق به، مثل إذا مت فقد وقفت داري على كذا، فالصحيح أنه كوصية تلزم من الثلث بالموت، لا قبله.
٤ - أو بقوله: وقفتها في حياتي، وبعد وفاتي مؤبداً، وهو جائز عند أئمة الحنفية الثلاثة، لكن عند الإمام ما دام حياً هو نذر بالتصدق بالغلة، فعليه الوفاء، وله الرجوع، فإن لم يرجع حتى مات، نفذ الوقف من الثلث.
وفي الأمرين الأولين: يزول الملك ويلزم الوقف في حياة الواقف بلا توقف على موته، فاللزوم حالي، كما يلزم أيضاً بالموت.
أما في الأمرين الآخرين: فيزول الملك ويلزم الوقف بموت الواقف، لكن في
стр. 7364
حال الحياة يجوز للواقف الرجوع عن الوقف ما دام حياً، غنياً أو فقيراً، بأمر قاض أو غيره.
ولا يتم الوقف بناء على القول بلزومه وبناء على رأي محمد حتى يقبض ويفرز؛ لأنه كالصدقة، ولأن تسليم كل شيء بما يليق به، ففي المسجد بالإفراز، وفي غيره بنصب الناظر (المتولي) بتسليمه إياه، ولا يجوز وقف مشاع يقسم عند محمد، ويجوز عند أبي يوسف، كما تقدم؛ لأن التسليم عنده ليس بشرط، بسبب كون الوقف عنده كالإعتاق.
واشترط المالكية (١) لصحة الوقف: القبض كالهبة، فإن مات الواقف أو مرض مرض موت أو أفلس قبل القبض (الحوز) بطل الوقف.
وقال الشافعية (٢): الوقف عقد (٣) يقتضي نقل الملك في الحال، علماً بأن الوقف على معين يشترط فيه عندهم القبول متصلاً بالإيجاب إن كان من أهل القبول، وإلا فقبول وليه كالهبة والوصية، أما الوقف على جهة عامة كالفقراء أو على مسجد أو نحوه، فلا يشترط فيه القبول جزماً لتعذره.
وكذلك قال الحنابلة (٤) كالشافعية: يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد التلفظ به؛ لأن الوقف يحصل به، لحديث عمر المتقدم: «إن شئت حبَّست أصلها، وتصدقت بها» ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرده كالعتق.
стр. 7365
ويصح في رأي الحنابلة قسمة الوقف عن غيره، باعتبار أن القسمة إفراز على الصحيح على التفصيل الآتي: تجوز القسمة إن لم يكن فيها رد، وكذا إن كان فيها رد من جانب أصحاب الوقف؛ لأن الرد شراء شيء من غير الوقف، أما إن كان فيها رد من غير أصحاب الوقف، فلا تجوز؛ لأنه شراء بعض الوقف، وبيعه غير جائز.
ويطبق التفصيل السابق إن كان المشاع وقفاً على جهتين، فأراد أهله قسمته، فلا تجوز إن كان فيها رد بأي حال.
ومتى جازت القسمة في الوقف، وطلبها أحد الشريكين أو ولي الوقف، أجبر الآخر؛ لأن كل قسمة جازت من غير رد ولا ضرر، فهي واجبة.
موقف القانون من الرجوع في وقف المسجد وغير المسجد (١):
أما الرجوع في وقف المسجد: فقد نص القانون المصري رقم (٤٨ لسنة ١٩٤٦) (م ١١) على أنه: «لا يجوز الرجوع ولا التغيير في وقف المسجد، ولا فيما وقف عليه».
والمراد بما وقف على المسجد: ما وقف عليه ابتداء من أول الأمر، لا ما وقف عليه انتهاء، بأن وقف على جهة ما أولاً، ثم من بعدها يكون وقفاً على المسجد، تطبيقاً للقانون رقم (٧٨ لسنة ١٩٤٧).
وأخذ القانون هذا الحكم بعدم جواز الرجوع مما اتفق عليه الفقهاء، حتى أبو حنيفة، فإنه وافق الصاحبين على أنه لا يجوز الرجوع في وقف المسجد، ويعد
стр. 7366
تصرف الواقف لازماً، فلا يجوز للواقف ولا لورثته الرجوع والتغيير فيه؛ لأن وقف المسجد حين يتم يصير خالصاً لله تعالى، وأن المساجد لله، وخلوصه لله تعالى يقتضي عدم جواز الرجوع فيه.
أما الرجوع في وقف غير المسجد: فقد أخذ القانون بمذهب أبي حنيفة في حياة الواقف، وبمذهب الصاحبين وباقي الأئمة بعد وفاة الواقف.
ففي حياة الواقف: نصت المادة (١١) من القانون المصري على أنه: «للواقف أن يرجع في وقفه كله أو بعضه، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه، ولو حرم نفسه من ذلك، على ألا ينفذ التغيير إلا في حدود هذا القانون» فهذا يدل على جواز الرجوع عن الوقف والتغيير فيه، ولم يقل بذلك إلا أبو حنيفة.
وأما بعد وفاة الواقف: فسكت عنه القانون، وما سكت عنه يعمل فيه بالراجح من مذهب أبي حنيفة، والراجح فيه مذهب الصاحبين: وهو أن الوقف تبرع لازم، لا يجوز الرجوع فيه.
أما الرجوع عن الأوقاف قبل العمل بهذا القانون: فقد نصت المادة (١١) على أنه «لا يجوز له الرجوع ولا التغيير فيما وقفه قبل العمل بهذا القانون، وجعل استحقاقه لغيره، إذا كان قد حرم نفسه وذريته من هذا الاستحقاق، ومن الشروط العشرة بالنسبة له، أو ثبت أن هذا الاستحقاق كان بعوض مالي أو لضمان حقوق ثابتة قِبَل الواقف».
ففي حالة حرمان نفسه وذريته من الاستحقاق: يعتبر عمل الواقف قرينة قاطعة على أنه تصرف هذا التصرف في مقابل يمنعه من الرجوع، ولا حاجة حينئذ إلى تحقيق أو إثبات.
стр. 7367
وفي حالة كون الاستحقاق بعوض مالي: مثل أن يقف المدين على الدائن وأولاده، ويحرم الواقف نفسه وأولاده من ذلك، يكون الوقف في مقابل عوض.
وفي حالة كون الاستحقاق لضمان حقوق ثابتة قِبَل الواقف: مثل بيع شخص لقريبه عقاراً بيعاً صورياً، ثم وقف القريب هذا العقار على قريبه الذي باعه له، يترتب على الرجوع إضرار بالناس، وتضييع لحق أصحاب الحقوق، ويكون إثبات ذلك بجميع الأدلة القانونية، ومنها القرائن.
الشروط العشرة:
أباحت المادة الثانية عشرة من قانون الوقف المصري رقم (٤٨ لسنة ١٩٤٦) للواقف أن يشترط لنفسه الشروط العشرة في وقفه، وأن يشترط تكرارها، واعتبرتها صحيحة، ونصها:
«للواقف أن يشترط لنفسه لا لغيره الشروط العشرة أو ما يشاء منها وتكرارها، على ألا تنفذ إلا في حدود هذا القانون» أما اشتراط الواقف الشروط العشرة لغيره فهو شرط باطل عملاً بهذه المادة.
وكلمة الشروط العشرة محدثة الاستعمال في المعنى المراد هنا، ولم ترد في كلام الفقهاء، ولكنها استعملت في هذا المعنى من أمد بعيد في كتب الواقفين وفي فتاوى بعض المتأخرين وفي لغة المحاكم، حتى أصبح مدلولها محدوداً ومنضبطاً، وصارت كلمة اصطلاحية.
والشروط العشرة في هذا الاصطلاح: هي الإعطاء، والحرمان، و الإدخال، و الإخراج، و الزيادة، و النقصان، و التغيير، والإبدال، و الاستبدال، والبدل أو التبادل أو التبديل (١).
стр. 7368
والإعطاء: معناه إدخال من يشاء في الوقف كمصرف استثنائي، ويلزم من استعماله حرمان المصرف الأصلي من الغلة أو بعضها في المدة التي يستحقها من أدخله في الوقف.
والإدخال: معناه إدخال غير موقوف عليه، وجعله من أهل الوقف ليكون مستحقاً من وقت الإدخال أو بعد ذلك. وقد يصاحب هذا الشرط مصرف استثنائي وقد لا يصاحبه.
والإخراج: هو جعل الموقوف عليه من غير أهل الوقف أبداً أو لمدة معينة يكون بعدها من أهله. ومفهومه مغاير لمفهوم الحرمان، وقد يجتمع المفهومان، فالإخراج إلى الأبد حرمان، والحرمان إلى الأبد إخراج.
والزيادة: تفضيل بعض الموقوف عليهم على الباقين بشيء يميزه به حين توزيع الغلة، أو أن يجعل في نصيبه فضلاً على بقية الأنصباء على الدوام.
والنقصان: هو إعطاء بعض الموقوف عليهم أقل مما أعطى الآخرين عند التوزيع، حيث لم تكن هناك أنصبة معينة أو تخفيض ما سبق أن عينه له.
والتغيير: هذا الشرط أعم من الشروط السابقة ويتناولها جميعها، وذكره بعدها يكون بمثابة إجمال بعد تفصيل، فلو لم يذكر سواه، لملك من شرط له كل ما تفيده الشروط الستة السابقة مجتمعة. وإذا أردف التغيير بالتبديل اعتبره المتأخرون توكيداً لمعناه، إلا إذا أمكن صرفه لمعنى آخر لم يذكر، كالاستبدال فإنه يصرف إليه، فإن التأسيس خير من التأكيد.
والاستبدال: أطلق الفقهاء كلمة الاستبدال، وأرادوا بها بيع الموقوف عقاراً كان أو منقولاً بالنقد، وشراء عين بمال البدل لتكون موقوفة مكان العين التي
стр. 7369
بيعت، والمقايضة على عين الوقف بعين أخرى. ولكن طرأ عرف آخر للمؤلفين من زمن بعيد، فأطلقوا الاستبدال على شراء عين بمال البدل لتكون وقفاً، والإبدال على بيع الموقوف بالنقد، والتبادل أو البدل على المقايضة.
الفصل الرابع - شروط الوقف:
يشترط لصحة الوقف شروط في الواقف، وفي الموقوف، وفي الموقوف عليه، وفي صيغة الوقف.
المبحث الأول - شروط الواقف:
يشترط في الواقف لصحة الوقف ونفاذه ما يأتي (١):
وهو أهلية التبرع كباقي التبرعات من هبة وصدقة وغيرها؛ لأن الوقف تبرع، ويمكن تحليل هذا الشرط إلى أربعة شروط هي:
١ - أن يكون الواقف حراً مالكاً: فلا يصح وقف العبد؛ لأنه لا ملك له، ولا يصح وقف مال الغير ولا يصح وقف الغاصب المغصوب؛ إذ لا بد في الواقف من أن يكون مالكاً الموقوف وقت الوقف ملكاً باتاً، أو بسبب فاسد كالمشترى شراء فاسداً والموهوب بهبة فاسدة بعد القبض في رأي الحنفية، وألا يكون محجوراً عن التصرف، وينقض وقف استحق بملك أو شفعة وإن جعله مسجداً، ووقف مريض أحاط دينه بماله، ووقف محجور عليه لسفه أو دين. ولو أجاز المالك وقف فضولي، جاز.
стр. 7370
٢ - أن يكون عاقلاً: فلا يصح وقف المجنون؛ لأنه فاقد العقل، ولا وقف المعتوه؛ لأنه ناقص العقل، ولا وقف مختل العقل بسبب مرض أو كبر؛ لأنه غير سليم العقل؛ لأن كل تصرف يتطلب توافر العقل والتمييز.
٣ - أن يكون بالغاً: فلا يصح وقف الصبي، سواء أكان مميزاً أم غير مميز؛ لأن البلوغ مظنة كمال العقل، ولخطورة التبرع.
ويعرف البلوغ كما تقدم في مبحث النظريات الفقهية: إما بظهور العلامات الطبيعية كالاحتلام والعادة الشهرية، وإما ببلوغ سن الخامسة عشرة في رأي الأكثرين، أو سبع عشرة في رأي أبي حنيفة.
ويشترط القانون لصحة التبرع بلوغ سن الرشد: وهو إتمام (٢١) سنة في القانون المصري، وإتمام (١٨) سنة في القانون السوري.
٤ - أن يكون رشيدا ًغير محجور عليه بسفه أو فلس أو غفلة ولو بالولي، كسائر التصرفات المالية. فلا يصح الوقف من السفيه والمفلس أو المغفل عند الجمهور، وقال الحنفية: لا ينفذ وقف المدين المفلس إلا بإجازة الدائنين، فعدم الحجر عليه شرط نفاذ عندهم، لا شرط صحة.
رأي الحنفية في وقف المدين: فصَّل الحنفية في وقف المدين على النحو الآتي:
أـ إذا كان الدين غير مستغرق لماله، ووقف ما زاد على ما يفي دينه، فوقفه صحيح نافذ، لعدم مصادمة حق الدائنين.
ب - إذا كان الدين مستغرقاً لماله: توقف نفاذ وقفه على إجازة الدائنين، سواء حجر عليه أم لم يحجر عليه، وسواء في حال مرض الموت، أم في حال الصحة،
стр. 7371
وهذا في الحالة الأخيرة بحسب رأي متأخري الحنفية حماية لمصالح الدائنين، فإن أجازوه نفذ الوقف، وإن لم يجيزوه بطل. لكن الإجازة في حال مرض الموت لاتكون إلا بعد الموت، إذ لا يعرف كونه في مرض الموت إلا بعد الموت. وهذا موافق لما نص عليه القانون المدني المصري (م ٢٣٨/ ٢) والقانون المدني السوري (م ٢٣٩/ ٢) من أن تصرف المدين إذا كان تبرعاً، لا ينفذ في حق الدائن.
وقف المريض مرض الموت: تبين لدينا في بحث الحجر على المريض أن المذاهب متفقة على حجر المريض لحق الورثة في تبرعاته فقط فيما يزيد عن ثلث تركته، حيث لا دين عليه، فلا تصح تبرعاته من وقف وصدقة وهبة ووصية فيما زاد على ثلث ماله رعاية لحق الورثة في التركة، أما في حدود الثلث فما دونه، فيجوز تبرعه ومنه وقفه رعاية لمصلحته، في تحقيق الأجر والثواب له، بدليل ما رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعودني عام حَجّة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، فقلت: بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: الثلث، والثلث كبير أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وسيأتي تفصيل آراء الفقهاء في الموضوع.
وقف المرتد: قال الحنفية (١): هناك حالتان:
الأولى - لو وقف المرتد في حال ردته، فوقفه موقوف عند الإمام أبي حنيفة، فإن عاد إلى الإسلام، صح، وإلا بأن مات أو قتل على ردته أو حكم بلحاقه بدار الحرب، بطل.
стр. 7372
الثانية - لو وقف ثم ارتد - والعياذ بالله تعالى - بطل وقفه، حتى وإن عاد إلى الإسلام ما لم يجدد وقفه بعد عوده، لحبوط عمله بالردة. وعلى هذا التفصيل يفهم قولهم: تبطل أوقاف امرئ بارتداد.
ويصح عندهم وقف المرتدة؛ لأنها لا تقتل، إلا أن يكون على حج أو عمرة ونحو ذلك، فلا يجوز.
وقف الكافر: أجاز الشافعية وقف الكافر ولو لمسجد، ويثاب على صدقاته في الدنيا، ولكن لا حظ له من الثواب في الآخرة، لما أخرجه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعَم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها».
وقف المكره: اشترط الشافعية والمالكية والحنابلة في الواقف أن يكون مختاراً، فلا يصح الوقف من مكره، إذ لا تصح عبارته.
وقف الأعمى: لا يشترط البصر، فيصح وقف الأعمى، لصحة عبارته.
وقف غير المرئي: لا يشترط كون الموقوف معلوماً للواقف، فيصح وقف ما لم يره، كما أبان الشافعية (١).
شرط الواقف كنص الشارع: اتفق الفقهاء على هذه العبارة وهي أن شرط الواقف كنص الشارع، واختلفوا في مدلولها ومداها.
стр. 7373
فقال الحنفية (١): قولهم «شرط الواقف كنص الشارع» (٢) أي في الفهم والدلالة ووجوب العمل به، وقد يراد بذلك في المفهوم، أي لا يعتبر مفهومه كما لا يعتبر في نصوص الشارع، عملاً بما هو مقرر عندهم من أن مفهوم المخالفة المسمى دليل الخطاب غير معتبر في النصوص، وهو يشمل أقساماً خمسة: هي مفهوم الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، واللقب، أي الاسم الجامد كثوب مثلاً.
والمراد بعدم اعتبار مفهوم المخالفة في النصوص: أن مثل قولك: أعط الرجل العالم، أو أعط زيداً إن سألك، أو أعطه إلى أن يرضى، أو أعطه عشرة، أو أعطه ثوباً، لا يدل على نفي الحكم عن المخالف للمنطوق، بمعنى أنه لا يكون منهياً عن إعطاء الرجل الجاهل، بل هو مسكوت عنه، وباق على العدم الأصلي، حتى يأتي دليل يدل على الأمر بإعطائه، أو النهي عنه. وكذا بقية المفاهيم.
لكن يعتبر المفهوم في روايات الكتب المعبر عنه بقولهم: «مفهوم التصنيف حجة» لأن الفقهاء يقصدون بذكر الحكم في المنطوق نفيه عن المفهوم غالباً، كقولهم: تجب الجمعة على كل ذكر حر، بالغ، عاقل، مقيم، فإنهم يريدون بهذه الصفات نفي الوجوب عن مخالفها، ويستدل به الفقيه على نفي الوجوب عن المرأة والعبد والصبي إلخ.
فعلى رأي الأصوليين من الحنفية في أصل المذهب: «لا يعتبر المفهوم في
стр. 7374
الوقف» أي أن شرط الواقف لا يدل على نفي ما يخالفه، لكن المتأخرين من الحنفية قالوا: يعتبر المفهوم في غير النصوص الشرعية، عملاً بما هو معتبر في متفاهم الناس وعرفهم، فوجب اعتبار المفهوم في كلام الواقف؛ لأنه يتكلم على عرفه.
وبناء عليه: كما أن مفهوم التصنيف حجة، يعتبر المفهوم في عرف الناس والمعاملات والعقليات، ويكون التحقيق أن لفظ الواقف ولفظ الموصي والحالف والناذر وكل عاقد، يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافقت لغة العرب ولغة الشرع أم لا.
والخلاصة: أنه عند الأصوليين من الحنفية لا يعتبر المفهوم في الوقف، ولكن في رأي المتأخرين يحمل كلام الواقف على عرف زمانه. فلو قال: وقفت على أولادي الذكور يصرف إلى الذكور منهم بحكم المنطوق، وأما الإناث فلا يعطى لهن، لعدم ما يدل على الإعطاء، إلا إذا دل في كلامه دليل على إعطائهن، فيكون مثبتاً لإعطائهن ابتداء، لا بحكم المعارضة، وبهذا يكون رأي المتأخرين؛ يعتبر المفهوم في غير النصوص الشرعية مما هو في متفاهم الناس وعرفهم وفي المعاملات والعقليات.
ورتب الحنفية على هذه القاعدة: أن كل ما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص، والحكم به حكم بلا دليل، سواء أكان كلام الواقف نصاً أم ظاهراً؛ لأنه يجب اتباعه، عملاً بقول المشايخ: شرط الواقف كنص الشارع.
ويراعى شرط الواقف في إجارة الموقوف، فإذا شرط الواقف ألا يؤجر الموقوف أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجارها، وكانت إجارتها أكثر من سنة أنفع للفقراء، فليس للقيم الناظر أن يؤجرها أكثر من سنة، بل يرفع الأمر
стр. 7375
للقاضي، حتى يؤجرها؛ لأن له ولاية النظر للفقراء والغائب والميت. فإن لم يشترط الواقف مدة أو فوض الرأي بما يراه القيم خيراً وأنفع للفقراء، فللقيم ذلك بلا إذن القاضي.
وإن اشترط الواقف بيع الموقوف وصرف ثمنه لحاجته، أو إخراجه من الوقف إلى غيره، أوأن يهبه ويتصدق بثمنه، أو أن يهبه لمن شاء، أو أن يرهنه متى بدا له ويخرجه عن الوقف، بطل الوقف. أما إن اشترط الواقف شرطاً فاسداً فيصح الوقف ويبطل الشرط. والشرط الفاسد: ما يكون منافياً لعقد الوقف أو يكون غير جائز شرعاً، أو لا فائدة فيه، كاشتراط الرجوع في وقف المسجد متى شاء، وكالوقف على المفسدين وفي وجوه الفساد، وكاشتراط صرف الريع لمن يقرأ عند قبره أو في داره أو في مسجد معين نظير قراءته، وكاشتراط الواقف صرف الريع على ذريته في خصوص النفقة والكسوة أو صنع الخبز وتقديمه لطلبة العلم.
المسائل السبع التي يجوز فيها مخالفة شرط الواقف: ذكر الحنفية سبع مسائل يجوز فيها مخالفة شرط الواقف وهي ما يأتي:
الأولى - لو شرط الواقف عدم الاستبدال بالموقوف شيئاً آخر.
الثانية - إذا شرط أن القاضي لا يعزل الناظر، فله عزل غير الأهل.
الثالثة - شرط ألا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجار سنة، أو كان في الزيادة نفع للفقراء، فللقاضي المخالفة، دون الناظر.
الرابعة - لو شرط أن يقرأ على قبره، فالتعيين باطل على القول بكراهة القراءة على القبر، والمختار خلافه.
الخامسة - شرط أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا،
стр. 7376
فللقيم التصدق على سائل في مسجد آخر، أو خارج المسجد، أو على من لا يسأل.
السادسة - لو شرط للمستحقين خبزاً ولحماً معيناً كل يوم، فللقيم دفع القيمة نقداً، والراجح أن الخيار لهم دلالة.
السابعة - تجوز الزيادة من القاضي على راتب الإمام المعلوم إذا كان لا يكفيه، وكان عالماً تقياً.
وقال المالكية (١): اتبع شرط الواقف - أي وجوباً - إن جاز ولو كان مكروهاً، ولم يمنع شرعاً، فإن لم يجز لم يتبع، فإن اشترط تخصيص الغلة لأهل مذهب من المذاهب الأربعة، أو بتدريس فئة في مدرسته أو بتخصيص إمام في مسجده، أو تخصيص ناظر، اتبع شرطه، لأنه جائز.
وكذلك قرر الشافعية (٢): اتبع شرط الواقف كسائر الشروط المتضمنة للمصلحة، فلو وقف بشرط ألا يؤجر الموقوف أصلاً أو ألا يؤجر أكثر من سنة، صح الوقف. ويستثنى حال الضرورة، كما لو شرط ألا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت، وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين، جاز إجارتها في عقود مستأنفة، وإن شرط الواقف ألا يستأنف؛ لأن المنع في هذه الحالة يفضي إلى تعطيله، وهو مخالف لمصلحة الوقف.
وإذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة كالشافعية اختص، كالمدرسة والرِّباط إذا شرط في وقفهما اختصاصهما بطائفة، اختصا بهم جزماً. وكذا لو خص المقبرة بطائفة اختصاصهم بهم عند الأكثرين.
стр. 7377
وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة والتسوية والتفضيل والتقديم والتأخير، والجمع والترتيب، وإدخال من شاء بصفة، وإخراجه بصفة؛ لأن الصحابة ﵃ وقفوا وكتبوا شروطهم، فكتب عمر بن الخطاب ﵁ صدقة للسائل والمحروم والضيف ولذي القربى وابن السبيل وفي سبيل الله. وكتب علي كرم الله وجهه بصدقته: «ابتغاء مرضاة الله ليولجني الجنة، ويصرف النار عن وجهي، ويصرفني عن النار، في سبيل الله وذي الرحم والقريب والبعيد، لا يباع ولا يورث»، وكتبت فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ لنساء رسول الله ﷺ ، وفقراء بني هاشم وبني المطلب.
وذكر الحنابلة (١) أيضاً: أنه يرجع وجوباً إلى شرط الواقف، ولو كان الشرط مباحاً غير مكروه، ويعمل بالشرط في عدم إيجار الوقف، وفي قدر المدة، فإذا شرط ألا يؤجر أكثر من سنة، لم تجز الزيادة عليها، لكن عند الضرورة يزاد بحسبها، كما قال الشافعية.
ويرجع إلى شرط الواقف في قسمة الريع على الموقوف عليه، أي في تقدير الاستحقاق، مثل على أن للأنثى سهماً، وللذكر سهمين أو بالعكس.
ويرجع أيضا إلى شرطه في تقديم وتأخير وفي جمع وفي ترتيب وفي تسوية وفي تفضيل، نحو وقفت على زيد وعمرو وبكر، ويبدأ بالدفع إلى زيد، أو يؤخر زيد، أو يقف على أولاده وأولادهم جاعلاً الاستحقاق في حالة واحدة، أو يقف على أولادهم ثم أولادهم، جاعلاً استحقاق بطن مرتباً على آخر، أو يسوي بين المستحقين كقوله: الذكر والأنثى سواء، أو يفضل بينهم، كقوله للذكر مثل حظ الأنثيين ونحوه.
стр. 7378
فإن جهل شرط الواقف، عمل بأسلوب صرف من تقديم ممن يوثق به إن أمكن، فإن تعذر وكان الوقف على عمارة أوإصلاح، صرف بقدر الحاجة، وإن كان على قوم عمل بعادة جارية أي مستمرة إن كانت، ثم عمل بعرف مستقر في مقادير الصرف؛ لأن الغالب وقوع الشرط بحسب العرف. فإن لم يكن عرف، فيصرف بالتساوي.
وإن شرط الواقف إخراج من شاء من أهل الوقف بصفة كالغنى أو الفسق أو إدخاله بصفة كالفقر أو الصلاح، أو الأمرين معاً إخراجاً وإدخالاً، عمل به، كأنه جعل الاستحقاق معلقاً بصفة.
ولا خلاف في أنه إن شرط أن يبيع الموقوف متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه، لم يصح الشرط ولا الوقف؛ لأنه ينافي مقتضى الوقف.
وإن شرط الواقف إخراج من شاء من أهل الوقف، وإدخال من شاء من غير أهل الوقف، لم يصح الوقف، لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف، فأفسده، كما لو شرط ألا ينتفع الموقوف عليه بالموقوف.
وإن خصص مقبرة أو رباطاً أو مدرسة، أو إمامتها أو خطابتها بأهل بلد، أو مذهب كالحنابلة أو قبيلة، تخصصت كما قال الشافعية إعمالاً للشرط، إلا أن يقع بأهل بدعة، أو ألا ينتفع به، أو عدم استحقاق مرتكب الخير.
أما وقف الأمراء والسلاطين فلا يتبع شرطهم إلا إن كان فيه مصلحة للمساكين، كمدرس كذا وطالب كذا.
والخلاصة: اتفقت المذاهب على وجوب العمل بشرط الواقف كنص
стр. 7379
الشارع. وقال بعض الفقهاء: نصوص الواقف كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل. وهذا منافٍ للمبدأ المقرر: أن الواقف والموصي والحالف والناذر وكل عاقد يحمل قوله على العادة في خطابه.
المبحث الثاني - شروط الموقوف:
اتفق الفقهاء على اشتراط كون الموقوف مالاً متقوماً، معلوماً، مملوكاً للواقف ملكاً تاماً، أي لا خيار فيه.
ويحسن بيان شروط الموقوف في كل مذهب على حدة، لتنوعها.
فقال الحنفية (١): يشترط في الموقوف أربعة شروط هي ما يأتي:
١ - أن يكون الموقوف مالاً متقوماً عقاراً: فلا يصح وقف ما ليس بمال كالمنافع وحدها دون الأعيان، وكالحقوق المالية مثل حقوق الارتفاق؛ لأن الحق ليس بمال عندهم.
ولايصح وقف ما ليس بمال متقوم شرعاً كالمسكرات وكتب الضلال والإلحاد، إذ لا يباح الانتفاع به، فلا يتحقق المقصود من الوقف وهو نفع الموقوف عليه ومثوبة الواقف.
ولا يصح وقف المنقول مقصوداً؛ لأن التأبيد شرط جواز الوقف، ووقف المنقول لا يتأبد، لكونه على شرف الهلاك. لكن يجوز وقفه تبعاً لغيره، كوقف حقوق الارتفاق من شرب ومسيل وطرق تبعاً للأرض. ويجوز استحساناً وقف ما جرت العادة بوقفه كوقف الكتب وأدوات الجنازة ووقف المرجل لتسخين الماء،
стр. 7380
ووقف المرّ والقدوم في الماضي لحفر القبور، لتعامل الناس به، وما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن.
ولا يجوز عند أبي حنيفة وقف الكُراع (الخيول) والسلاح في سبيل الله تعالى؛ لأنه منقول، ولم تجر العادة به، ويجوز وقفها عند الصاحبين، ويباح عندهما بيع ما هرم منها أو صار بحال لا ينتفع به، فيباع ويرد ثمنه في مثله، للحديث المتقدم: «أما خالد فقد احتبس أكراعاً وأفراساً في سبيل الله تعالى».
٢ - أن يكون الموقوف معلوماً: إما بتعيين قدره كوقف دونم أرض (ألف متر مربع) أو بتعيين نسبته إلى معين كنصف أرضه في الجهة الفلانية. فلا يصح وقف المجهول؛ لأن الجهالة تفضي إلى النزاع.
ولا يشترط لديهم تحديد العقار، ويشترط قانوناً في مصر بيان حدوده وأطواله ومساحته.
٣ - أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين وقفه ملكاً تاماً: أي لا خيار فيه؛ لأن الوقف إسقاط مِلْك، فيجب كون الموقوف مملوكاً. فمن اشترى شيئاً بعقد بيع فيه خيار للبائع ثلاثة أيام، ثم وقفه في مدة الخيار، لم يصح الوقف؛ لأنه وقف مالا يملك ملكاً تاماً، لأن هذا البيع غير لازم.
٤ - أن يكون الموقوف مفرزاً، غير شائع في غيره إذا كان قابلاً للقسمة: لأن تسليم الموقوف شرط جواز الوقف عند محمد، والشيوع يمنع القبض والتسليم.
ولم يشترط أبو يوسف والشافعية والحنابلة هذا الشرط، فأجازوا وقف المشاع؛ لأن التسليم ليس بشرط أصلاً، بدليل وقف عمر ﵁ مئة سهم بخيبر.
стр. 7381
أما القانون المصري رقم (٤٨ لسنة ١٩٤٦): فقد أخذ برأي أبي يوسف في جواز وقف المشاع القابل للقسمة على جهة خيرية كمستشفى أو مدرسة، إذ لو حصل نزاع أمكن القضاء عليه بالقسمة والإفراز.
وأخذ هذا القانون برأي الإمام أبي حنيفة وصاحبيه في عدم صحة وقف الحصة الشائعة لتكون مسجداً أو مقبرة إلا بعد إفرازها؛ لأن شيوعها يمنع خلوصها لله تعالى، ويجعلها عرضة لتغيير جهة الانتفاع بها، فتتحول إلى حانوت أو أرض مزروعة، ونحوها، وهو أمر مستنكر شرعاً.
وأخذ أيضاً برأي المالكية (١) في المادة (٨) بعدم جواز وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة؛ لأن شيوع الموقوف في غيره قد يحول دون استغلاله، وقد يكون مثاراً للمنازعات، ولكن استثنى القانون ثلاث حالات، أجاز فيها وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة وهي:
الأولى - أن يكون باقي الحصة الشائعة موقوفاً، واتحدت الجهة الموقوف عليها الحصة الأخرى.
الثانية - أن تكون الحصة الشائعة جزءاً من عين مخصصة لمنفعة شيء موقوف، كجرَّار موقوف لأراضي وقفية.
الثالثة - أن تكون الحصة الشائعة حصةأو أسهماً في شركات مالية، بشرط أن تكون طرق استغلال أموال الشركة جائزة شرعاً من صناعة أو زراعة أو تجارة، فإن كانت محرمة شرعاً كالطرق الربوية فلا يصح وقف أسهمها (٢).
стр. 7382
واشترط المالكية (١) في الموقوف: أن يكون مملوكاً لا يتعلق به حق الغير، مفرزاً إذا كان غير قابل للقسمة، ويشمل المملوك ذات الشيء أو منفعته، كما يشمل الحيوان، فيصح أن يوقف على مستحق للانتفاع بخدمته أو ركوبه أو الحمل عليه، ويشمل أيضاً الطعام والدنانير والدراهم، وينزل رد بدله منزلة بقاء عينه، لكن المذهب جواز وقف الطعام والنقود كما بينت.
فلا يصح وقف مرهون، ومأجور حال تعلق حق الغير به، أي بأن أراد الواقف وقف المذكور من الآن، مع كونه مرتهناً أو مستأجراً؛ لأن في وقفه إبطال حق المرتهن منه، أما لو وقف ما ذكر قاصداً وقفه بعد الخلاص من الرهن والإجارة، صح الوقف؛ إذ لا يشترط لديهم في الوقف التنجيز.
واشترط الشافعية والحنابلة (٢) أن يكون الموقوف عيناً معينة (معلومة) - لا ما في الذمة - مملوكة ملكاً يقبل النقل بالبيع ونحوه، يمكن الانتفاع بها عرفاً كإجارة ولو حصة مشاعة منها، ويدوم الانتفاع بها انتفاعاً مباحاً مقصوداً.
فلا يصح وقف المنفعة وحدها دون الرقبة، كمنفعة العين المستأجرة، أوالمنفعة الموصى له بها، والوقف الملتزم في الذمة كقوله: وقفت داراً، أو ثوباً في الذمة، ولا وقف أحد داريه، ولاما لا يملك إلا إذا وقف الإمام شيئاً من أرض بيت المال، فإنه يصح، ولا ما لا يقبل النقل أو البيع كأم الولد والحمل، فلا يصح وقفه منفرداً، وإن صح عتقه. ولا يصح وقف حر نفسه، لأن رقبته غير مملوكة.
ولا يصح وقف مالا فائدة فيه أو ما لا منفعة منه، كوقف كلب وخنزير وسباع
стр. 7383
البهائم وجوارح الطير التي لا تصلح للصيد، والمراد بالفائدة: اللبن والثمرة ونحوهما، لكن يستثنى - كما ذكر الشافعية - وقف الفحل للضراب، فإنه جائز ولا تجوز إجارته.
ولا يصح وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام والشراب غيرالماء، والشمع والريحان؛ لأن منفعة المطعوم في استهلاكه، ولأن الشمع يتلف بالانتفاع به، فهو كالمأكول والمشروب، ولأن المشمومات والرياحين وأشباهها تتلف على قرب من الزمان، فأشبهت المطعوم. ولا يصح وقف ما كان الانتفاع به غير مباح كوقف آلات الملاهي؛ لأن المنفعة القائمة منه غير مباحة، ولاوقف الدراهم والدنانير، للتزيين، فإنه لا يصح على الأصح المنصوص، لأنه انتفاع غير مقصود. أما الماء فيصح وقفه، ويصح وقف دهن على مسجد ليوقد فيه؛ لأن تنوير المسجد مندوب إليه.
واستيفاء منفعة الموقوف: إما بتحصيل المنفعة كسكنى الدار وركوب الدابة وزراعة الأرض، أو بتحصيل العين كالثمرة من الشجر، والصوف والوبر والألبان والبيض من الحيوان.
ويصح كون الموقوف عقاراً كأرض، أو شجراً، أو منقولاً كالحيوان مثل وقف فرس على المجاهدين، وكالأثاث مثل بساط يفرش في مسجد ونحوه، وكالسلاح مثل سيف ورمح أو قوس على المجاهدين، وكالمصحف وكتب العلم ونحوه.
أما وقف العقار فلحديث عمر المتقدم بوقف مئة سهم من أرض خيبر، وأما الحيوان، فلحديث أبي هريرة مرفوعاً: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً، فإن شبعه وروثه، وبوله، في ميزانه حسنات» (١) وأما الأثاث والسلاح،
стр. 7384
فلقوله ﷺ : «أما خالد فقد حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله» (١) وما عدا المذكور فمقيس عليه؛ لأن فيه نفعاً مباحاً مقصوداً، فجاز وقفه كوقف السلاح.
وقد بينت في محل الوقف: أنه يصح عند الشافعية والحنابلة وقف المشاع مطلقاً وعند المالكية فيما يقبل القسمة، لحديث عمر أنه وقف مئة سهم من خيبر، فلو وقفه مسجداً ثبت فيه حكم المسجد في الحال عند التلفظ بالوقف، فيمنع منه الجنب والسكران ومن عليه نجاسة تتعدى، وتتعين القسمة في وقف المشاع مسجداً، لتعيينها طريقاً للانتفاع بالموقوف.
ويصح وقف الحلي للبس والإعارة، لحديث نافع السابق بوقف حفصة حلياً على نساء آل الخطاب.
ويصح وقف الدار ونحوها وإن لم يذكر حدودها إذا كانت معروفة للواقف.
ولا يصح عند الشافعية في الأصح وقف كلب معلَّم للصيد أو قابل للتعليم؛ لأنه غير مملوك.
ويصح عند الحنابلة وقف سباع البهائم وجوارح الطير التي تصلح للصيد؛ لإباحة الانتفاع به للضرورة.
المبحث الثالث - شروط الموقوف عليه:
الموقوف عليه: إما معين أو غيره، فالمعين: إما واحد أو اثنان أو جمع، وغير المعين أو الجهة: مثل الفقراء والعلماء والقراء والمجاهدين والمساجد والكعبة والرباط والمدارس والثغور وتكفين الموتى.
стр. 7385
شروط الوقف على معين: يشترط في الوقف على معين بالاتفاق كونه أهلاً للتملك، واختلف الفقهاء في الوقف على المعدوم والمجهول وعلى نفسه.
ذهب الحنفية (١) إلى أنه يصح الوقف على معلوم، أو معدوم، مسلم أو ذمي، أو مجوسي على الصحيح؛ لأن المجوس من أهل الذمة، ولا يصح وقف مسلم أو ذمي على كنيسة (بيعة) أو على حربي، أما عدم صحة وقف المسلم على بيعة: فلعدم كون هذا الوقف قربة في ذاته، وأما في الذمي فلعدم كونه قربة عندنا وعنده معاً، وأما الحربي فلأنا قد نهينا عن بر الحربيين. ويصح على المفتى به وهو قول أبي يوسف وغيره من أئمة الحنفية الوقف على نفس الواقف، أو على أن الولاية له.
و رأى المالكية (٢): أنه يصح الوقف على أهل التملك، سواء أكان موجوداً أم سيوجد كالجنين الذي سيولد، وسواء ظهرت قربة كالوقف على فقيرأم لم تظهر قربة، كما لو كان الموقوف عليه غنياً، أو لو كان الوقف من مسلم على ذمي وإن لم يكن كتابياً، ولا يصح الوقف على حربي، أو على بهيمة. وبناء عليه يصح الوقف لديهم على الموجود والمعدوم والمجهول والمسلم والذمي والقريب والبعيد، إلا أن الوقف على من سيولد غير لازم بمجرد عقده، بل يوقف لزومه وتوقف غلته إلى أن يوجد، فيعطاها، ما لم يحصل مانع من الوجود كموت ويأس من وجوده، فترجع الغلة للمالك أو ورثته إذا مات. وعلى هذا فللواقف بيع الوقف قبل ولادة الموقوف عليه.
стр. 7386
ويبطل الوقف على نفس الواقف، ولو مع شريك غير وارث، مثل: وقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل ما يخصه، وكذا ما يخص الشريك، إلا أن يحوزه الشريك قبل المانع، فإن وقف على نفسه، ثم على أولاده وعقبه، رجع حبساً (وقفاً) بعد موته، على عقبه إن حازوا قبل المانع، وإلا بطل، أي يبطل الوقف على النفس، أما على غيره فيصح، سواء تقدم الوقف على النفس أو تأخر أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي، ثم عقبي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو. هذا إن وقف في صحته، فإن وقف في مرضه، صح، من الثلث.
و أوضح الشافعية (١) أنه يشترط في الوقف على معين إمكان تمليكه حال الوقف عليه بكونه موجوداً في الخارج، فلا يصح الوقف على معدوم وهو الجنين لعدم صحة تملكه في الحال، سواء أكان مقصوداً أم تابعاًً، فلو كان له أولاد وله جنين عند الوقف لم يدخل، ولا يصح الوقف على ولده، وهو لا ولد له، ولا على فقير أولاده، ولا فقير فيهم، ولا يصح الوقف على مجهول كالوقف على رجل غير معين، أو على من يختاره فلان؛ لأن الوقف تمليك منجز، فلم يصح في مجهول كالبيع والهبة.
ولايصح الوقف على العبد نفسه؛ لأنه ليس أهلاً للملك. لكن لو أطلق الوقف على العبد فهووقف على سيده، كما في الهبة والوصية. ولو أطلق الوقف على بهيمة أو قيده بعلفها، لغا الوقف عليها؛ لأنها ليست أهلاً للملك بحال، كما لا تصح الهبة لها ولا الوصية.
ولا يصح في الأصح الوقف على نفسه أو على مرتد أو حربي، لتعذر تمليك
стр. 7387
الإنسان ملكه لنفسه؛ لأن الملك حاصل له، وتحصيل الحاصل محال، ولأن المرتد والحربي عرضة للقتل فلا دوام له، والوقف صدقة جارية، فكما لا يوقف ما لا دوام له، لا يوقف على من لا دوام له أي مع كفره. ولا يصح الوقف قطعاً على الحربيين والمرتدين؛ لأنه جهة معصية، كما سأبين. ويجوز للواقف أن يشرط النظر لنفسه كما سيأتي.
ويصح الوقف من مسلم أو ذمي على ذمي معين، كصدقة التطوع، وهي جائزة عليه فهو في موضع القربة، ولكن يشترط في صحة الوقف عليه ألا يظهر فيه قصد معصية، فلو قال: وقفت على خادم الكنيسة لم يصح، كما لو وقف على حُصرها، وأن يكون مما يمكن تمليكه: فيمتنع وقف المصحف وكتب العلم الشرعي عليه. والجماعة المعينون من أهل الذمة كالواحد.
والمعاهد والمستأمن في الأوجه كالذمي إن حل بدارنا ما دام فيها، فإذا رجع لدار الحرب، صرف إلى من بعده، كما تصرف غلة الوقف إلى من بعد الذمي الموقوف عليه إذا لحق بدار الحرب.
و مذهب الحنابلة (١) إجمالاً كالشافعية: يشترط أن يقف على من يملك ملكاً مستقراً، وأن يكون معلوماً موجوداً، فلا يصح الوقف على من لا يملك كالعبد مطلقاً، والميت، والحمل في البطن أصالة، والمَلَك والجن والشياطين؛ لأنهم لا يملكون، والعبد القن (الخالص العبودية) لا يملك ملكاً لازماً، والمكاتب وإن كان يملك، لكن ملكه ضعيف غير مستقر. والحمل لا يصح تمليكه بغير الإرث والوصية، لكن يصح الوقف على الحمل تبعاً لغيره، مثل وقفت على أولادي أو على أولاد فلان، وفيهم حمل، فيشمله الوقف.
стр. 7388
ولا يصح الوقف على مرتد وحربي ؛ لأن أموالهم مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة، فما يتجدد لهم أولى بالأخذ، والوقف لا يجوز أن يكون مباح الأخذ؛ لأنه تحبيس الأصل.
ولا يصح الوقف على مجهول، كرجل ومسجد ونحوهما، ولا على أحد هذين الرجلين أو المسجدين، لتردده.
ولا يصح الوقف على معدوم أصالة، مثل وقفت على من سيولد لي، أو لفلان، أو على من يحدث لي أو لفلان؛ لأنه لا يصح تمليك المعدوم. ويصح الوقف على المعدوم تبعاً، كوقفت على أولادي ومن سيولد لي، أو على أولاد زيد ومن يولد له، أو على أولادي ثم أولادهم أبداً. وهذا خلافاً للشافعية.
ولا يصح الوقف على بهيمة ؛ لأنها ليست أهلاً للملك.
ويصح الوقف على ذمي أو على أهل الذمة ؛ لأنهم يملكون ملكاً محترماً، ويجوز أن يتصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم كالمسلمين، ودليل جواز وقف المسلم على الذمي: ما روي أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف الذمي عليه، جاز أن يقف عليه المسلم كالمسلم. ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين، صح أيضاً؛ لأن الوقف عليهم، لا على الموضع.
و الوقف على النفس باطل ؛ لأن من وقف شيئاً وقفاً صحيحاً، فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها؛ لأن الوقف تمليك إما للرقبة أو المنفعة، وكلاهما لا يصح هنا، إذ لا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه، كبيعه ماله من نفسه، فإن فعل بأن وقف على نفسه ثم على ولده، صرف الوقف في الحال إلى من بعده. لكن للواقف إن وقف على غيره كإنسان أو مسجد الانتفاع بالموقوف في حالات هي ما يأتي:
стр. 7389
١) - أن يقف شيئاً للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجداً، فله أن يصلي فيه، أو مقبرة فله الدفن فيها، أو بئراً للمسلمين، فله أن يستقي منها، أو سقاية أوشيئاً يعم المسلمين، فيكون كأحدهم، وهذا لا خلاف فيه، وقد روي عن عثمان ﵁: أنه سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين.
٢) - أن يشترط الواقف في الوقف أن ينفق منه على نفسه، لما روى أحمد عن حِجْر المدري: أن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر، ولأن عمر ﵁ لما وقف قال: ولا بأس على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقاً غير متمول فيه، وكان الوقف في يده إلى أن مات، ولأنه إذا وقف وقفاً عاماً كالمساجد والسقايات والرباطات والمقابر، كان له الانتفاع به، فكذلك ههنا.
ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته، أو مدة معلومة معينة، وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه، فإن عمر ﵁، لم يقدر ما يأكل الوالي أو يطعم، إلا بقوله: «بالمعروف».
ولم يجز مالك والشافعي ومحمد بن الحسن انتفاع الواقف بوقفه؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة، وكما لو أعتق عبداً بشرط أن يخدمه، ولأن ما ينفقه على نفسه مجهول، فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئاً، واشترط أن ينتفع به.
٣) - أن يشرط الواقف أن يأكل من الوقف أهله، فيصح الوقف والشرط؛ لأن النبي ﷺ شرط ذلك في صدقته.
وإن شرط أن يأكل منه وليه ويطعم صديقاً، جاز؛ لأن عمر ﵁ شرط ذلك في صدقته التي استشار فيها رسول الله ﷺ .
стр. 7390
فإن وليها الواقف، كان له أن يأكل، ويطعم صديقاً؛ لأن عمر ولي الصدقة.
وإن وليها أحد من أهله، كان له الولاية؛ لأن حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته، بعد موته، ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر.
شروط الجهة الموقوف عليها: يشترط في الموقوف عليه غير المعين ما يأتي (١):
الشرط الأول - أن يكون معلوماً وأن يكون جهة خير وبر يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى: وهذا متفق عليه في المسلم فقط، بأن يكون الموقوف عليه قربة في ذاته، والجهة تتملك الموقوف حكماً.
والبر: اسم جامع للخير، وأصله: الطاعة لله تعالى، والمراد اشتراط معنى القربة في الصرف إلى الموقوف عليه؛ لأن الوقف قربة وصدقة، فلا بد من وجودها فيما لأجله الوقف، إذ هو المقصود، مثل الوقف على الفقراء والعلماء والأقارب، أو على غير آدمي كالمساجد والمدارس، والمشافي (البيمارستانات) والملاجئ، والحج والجهاد وكتابة الفقه والقرآن، والسقايات (٢) والقناطر وإصلاح الطرق، وذكر الحنفية أنه يصح وقف الأكسية على الفقراء، فتدفع إليهم شتاء، ثم يردونها بعده. وإن وقف مصحفاً على أهل مسجد للقراءة جاز، إن كانوا يحصون،