← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

ويبطل الوقف على نفس الواقف، ولو مع شريك غير وارث، مثل: وقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل ما يخصه، وكذا ما يخص الشريك، إلا أن يحوزه الشريك قبل المانع، فإن وقف على نفسه، ثم على أولاده وعقبه، رجع حبساً (وقفاً) بعد موته، على عقبه إن حازوا قبل المانع، وإلا بطل، أي يبطل الوقف على النفس، أما على غيره فيصح، سواء تقدم الوقف على النفس أو تأخر أو توسط، كأن قال: وقفت على نفسي، ثم عقبي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي، أو وقفت على زيد ثم على نفسي ثم على عمرو. هذا إن وقف في صحته، فإن وقف في مرضه، صح، من الثلث. و أوضح الشافعية (١) أنه يشترط في الوقف على معين إمكان تمليكه حال الوقف عليه بكونه موجوداً في الخارج، فلا يصح الوقف على معدوم وهو الجنين لعدم صحة تملكه في الحال، سواء أكان مقصوداً أم تابعاًً، فلو كان له أولاد وله جنين عند الوقف لم يدخل، ولا يصح الوقف على ولده، وهو لا ولد له، ولا على فقير أولاده، ولا فقير فيهم، ولا يصح الوقف على مجهول كالوقف على رجل غير معين، أو على من يختاره فلان؛ لأن الوقف تمليك منجز، فلم يصح في مجهول كالبيع والهبة. ولايصح الوقف على العبد نفسه؛ لأنه ليس أهلاً للملك. لكن لو أطلق الوقف على العبد فهووقف على سيده، كما في الهبة والوصية. ولو أطلق الوقف على بهيمة أو قيده بعلفها، لغا الوقف عليها؛ لأنها ليست أهلاً للملك بحال، كما لا تصح الهبة لها ولا الوصية. ولا يصح في الأصح الوقف على نفسه أو على مرتد أو حربي، لتعذر تمليك

стр. 7387

الإنسان ملكه لنفسه؛ لأن الملك حاصل له، وتحصيل الحاصل محال، ولأن المرتد والحربي عرضة للقتل فلا دوام له، والوقف صدقة جارية، فكما لا يوقف ما لا دوام له، لا يوقف على من لا دوام له أي مع كفره. ولا يصح الوقف قطعاً على الحربيين والمرتدين؛ لأنه جهة معصية، كما سأبين. ويجوز للواقف أن يشرط النظر لنفسه كما سيأتي. ويصح الوقف من مسلم أو ذمي على ذمي معين، كصدقة التطوع، وهي جائزة عليه فهو في موضع القربة، ولكن يشترط في صحة الوقف عليه ألا يظهر فيه قصد معصية، فلو قال: وقفت على خادم الكنيسة لم يصح، كما لو وقف على حُصرها، وأن يكون مما يمكن تمليكه: فيمتنع وقف المصحف وكتب العلم الشرعي عليه. والجماعة المعينون من أهل الذمة كالواحد. والمعاهد والمستأمن في الأوجه كالذمي إن حل بدارنا ما دام فيها، فإذا رجع لدار الحرب، صرف إلى من بعده، كما تصرف غلة الوقف إلى من بعد الذمي الموقوف عليه إذا لحق بدار الحرب. و مذهب الحنابلة (١) إجمالاً كالشافعية: يشترط أن يقف على من يملك ملكاً مستقراً، وأن يكون معلوماً موجوداً، فلا يصح الوقف على من لا يملك كالعبد مطلقاً، والميت، والحمل في البطن أصالة، والمَلَك والجن والشياطين؛ لأنهم لا يملكون، والعبد القن (الخالص العبودية) لا يملك ملكاً لازماً، والمكاتب وإن كان يملك، لكن ملكه ضعيف غير مستقر. والحمل لا يصح تمليكه بغير الإرث والوصية، لكن يصح الوقف على الحمل تبعاً لغيره، مثل وقفت على أولادي أو على أولاد فلان، وفيهم حمل، فيشمله الوقف.

стр. 7388

ولا يصح الوقف على مرتد وحربي ؛ لأن أموالهم مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة، فما يتجدد لهم أولى بالأخذ، والوقف لا يجوز أن يكون مباح الأخذ؛ لأنه تحبيس الأصل. ولا يصح الوقف على مجهول، كرجل ومسجد ونحوهما، ولا على أحد هذين الرجلين أو المسجدين، لتردده. ولا يصح الوقف على معدوم أصالة، مثل وقفت على من سيولد لي، أو لفلان، أو على من يحدث لي أو لفلان؛ لأنه لا يصح تمليك المعدوم. ويصح الوقف على المعدوم تبعاً، كوقفت على أولادي ومن سيولد لي، أو على أولاد زيد ومن يولد له، أو على أولادي ثم أولادهم أبداً. وهذا خلافاً للشافعية. ولا يصح الوقف على بهيمة ؛ لأنها ليست أهلاً للملك. ويصح الوقف على ذمي أو على أهل الذمة ؛ لأنهم يملكون ملكاً محترماً، ويجوز أن يتصدق عليهم، فجاز الوقف عليهم كالمسلمين، ودليل جواز وقف المسلم على الذمي: ما روي أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف الذمي عليه، جاز أن يقف عليه المسلم كالمسلم. ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين، صح أيضاً؛ لأن الوقف عليهم، لا على الموضع. و الوقف على النفس باطل ؛ لأن من وقف شيئاً وقفاً صحيحاً، فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها؛ لأن الوقف تمليك إما للرقبة أو المنفعة، وكلاهما لا يصح هنا، إذ لا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه، كبيعه ماله من نفسه، فإن فعل بأن وقف على نفسه ثم على ولده، صرف الوقف في الحال إلى من بعده. لكن للواقف إن وقف على غيره كإنسان أو مسجد الانتفاع بالموقوف في حالات هي ما يأتي:

стр. 7389

١) - أن يقف شيئاً للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجداً، فله أن يصلي فيه، أو مقبرة فله الدفن فيها، أو بئراً للمسلمين، فله أن يستقي منها، أو سقاية أوشيئاً يعم المسلمين، فيكون كأحدهم، وهذا لا خلاف فيه، وقد روي عن عثمان ﵁: أنه سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين. ٢) - أن يشترط الواقف في الوقف أن ينفق منه على نفسه، لما روى أحمد عن حِجْر المدري: أن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر، ولأن عمر ﵁ لما وقف قال: ولا بأس على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقاً غير متمول فيه، وكان الوقف في يده إلى أن مات، ولأنه إذا وقف وقفاً عاماً كالمساجد والسقايات والرباطات والمقابر، كان له الانتفاع به، فكذلك ههنا. ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته، أو مدة معلومة معينة، وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه، فإن عمر ﵁، لم يقدر ما يأكل الوالي أو يطعم، إلا بقوله: «بالمعروف». ولم يجز مالك والشافعي ومحمد بن الحسن انتفاع الواقف بوقفه؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة، وكما لو أعتق عبداً بشرط أن يخدمه، ولأن ما ينفقه على نفسه مجهول، فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئاً، واشترط أن ينتفع به. ٣) - أن يشرط الواقف أن يأكل من الوقف أهله، فيصح الوقف والشرط؛ لأن النبي ﷺ شرط ذلك في صدقته. وإن شرط أن يأكل منه وليه ويطعم صديقاً، جاز؛ لأن عمر ﵁ شرط ذلك في صدقته التي استشار فيها رسول الله ﷺ .

стр. 7390

فإن وليها الواقف، كان له أن يأكل، ويطعم صديقاً؛ لأن عمر ولي الصدقة. وإن وليها أحد من أهله، كان له الولاية؛ لأن حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته، بعد موته، ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر. شروط الجهة الموقوف عليها: يشترط في الموقوف عليه غير المعين ما يأتي (١): الشرط الأول - أن يكون معلوماً وأن يكون جهة خير وبر يحتسب الإنفاق عليها قربة لله تعالى: وهذا متفق عليه في المسلم فقط، بأن يكون الموقوف عليه قربة في ذاته، والجهة تتملك الموقوف حكماً. والبر: اسم جامع للخير، وأصله: الطاعة لله تعالى، والمراد اشتراط معنى القربة في الصرف إلى الموقوف عليه؛ لأن الوقف قربة وصدقة، فلا بد من وجودها فيما لأجله الوقف، إذ هو المقصود، مثل الوقف على الفقراء والعلماء والأقارب، أو على غير آدمي كالمساجد والمدارس، والمشافي (البيمارستانات) والملاجئ، والحج والجهاد وكتابة الفقه والقرآن، والسقايات (٢) والقناطر وإصلاح الطرق، وذكر الحنفية أنه يصح وقف الأكسية على الفقراء، فتدفع إليهم شتاء، ثم يردونها بعده. وإن وقف مصحفاً على أهل مسجد للقراءة جاز، إن كانوا يحصون،

стр. 7391

ويستوي فيه الأغنياء والفقراء. وإن وقفه على المسجد، جاز ولا يكون محصوراً فيه، ويجوز نقله منه إلى مسجد آخر، كما يجوز نقل كتب الأوقاف من محلها للانتفاع بها. ويصح الوقف على طلبة العلم؛ لأن الغالب فيهم الفقر. ولا يصح عند الحنفية الوقف على الأغنياء وحدهم؛ لأنه ليس بقربة. الوقف على الأغنياء: ويصح الوقف في الأصح عند الشافعية على جهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء وأهل الذمة والفسقة، نظراً إلى أن الوقف تمليك، والوقف كله قربة. ويصح بالاتفاق الوقف على أهل الذمة، ولأن الصدقة تجوز على الأغنياء. وحد الفقر والغنى بحسب المقرر في الزكاة، فمن تصح له الزكاة لفقره، يصح له الوقف لفقره أيضاً، وما لا فلا. والغني: من تحرم عليه الزكاة، إما لملكه أو لقوته وكسبه أو كفايته بنفقة غيره. ويصح عند المالكية الوقف على الأغنياء، كما ذكر الشافعية. ولا يصح عند الحنابلة الوقف على مباح كتعليم شعر مباح، ولا على مكروه كتعليم منطق لانتفاء القربة، ولا على الأغنياء كما سيأتي. ولا يصح بالاتفاق وقف المسلم على جهة معصية كأندية الميسر ودور اللهو وجمعيات الإلحاد والضلال، لأنه ليس قربة في نظر الإسلام. وهناك أمثلة أخرى للمعصية من كتب المذاهب. فلا يصح وقف المسلم عند الحنفية على بيعة أو كنيسة، لعدم كونه قربة في ذاته.

стр. 7392

ولا يصح الوقف في مذهب المالكية على كنيسة، أو صرف الغلة في ثمن خمر أو حشيشة، أو سلاح لقتال غير جائز. والوقف على شرَبة الدخان باطل، وإن قالوا بجواز شربه. ولا يصح الوقف من مسلم أو ذمي في رأي الشافعية على جهة معصية أو مالا قربة فيه كعِمارة وترميم الكنائس ونحوها من متعبدات الكفار للتعبد فيها، أو حصرها، أو قناديلها أو خدامها، أو كتب التوراة والإنجيل، أو السلاح لقطاع الطريق؛ أو لمن يرتد عن الدين؛ لأنه إعانة على معصية، والقصد بالوقف القربة إلى الله تعالى، فهما متصادمان. أما عمارة كنائس لا للتعبد فيها وإنما لنزول المارّة، فيصح الوقف عليها. ولا يصح الوقف لدى الحنابلة من مسلم أو ذمي على كنائس وبيوت نار وبيع وصوامع وأديرة، ومصالحها كقناديلها وفرشها ووقودها وسدنتها؛ لأنه - كما ذكر الشافعية - إعانة على معصية. وللإمام أن يستولي على كل وقف وُقف على هذه الجهات، ويجعلها على جهة قربات، إذا لم يعلم ورثة واقفها، وإلا فللورثة أخذها. ويصح الوقف على من ينزل الكنائس والأديرة ونحوها، أو على من يمر بها أو يجتاز من أهل الذمة فقط. ولا يصح الوقف لديهم - كما قال الشافعية - على كتابة التوراة والإنجيل، ولو كان الوقف من ذمي، لوقوع التبديل والتحريف، وقد روي من غير وجه: «أن النبي ﷺ غضب لما رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة» ولا على كتب البدعة. ولا يصح وقف الستور، وإن لم تكن حريراً، لغير الكعبة كوقفها على الأضرحة؛ لأنه ليس بقربة.

стр. 7393

والوصية كالوقف في كل ما ذكر، فتصح فيما يصح الوقف عليه، وتبطل فيما لا يصح عليه. ولا يصح لديهم الوقف على طائفة الأغنياء وقطاع الطرق وجنس الفسقة والمغنين، ولا على التنوير على قبر، ولا على تبخيره، ولا على من يقيم عنده، أو يخدمه أويزوره زيارة فيها سفر؛ لأن المذكور ليس من البر. ولايصح الوقف أيضاً على بناء مسجد على القبر، ولا وقف البيت الذي فيه القبر مسجداً، لقول ابن عباس: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» (١). ولا يصح الوقف على زخرفة المساجد ولا على عمارة القبور؛ لأنه إضاعة للمال وإتلاف له في غير منفعة. وقف غير المسلم: اتفق فقهاؤنا على بطلان وقف غير المسلم على جهة معصية ليست قربة في دينه ولا في دين الإسلام، كالمراقص وأندية القمار. واختفلوا فيما تختلف فيه أنظار الأديان (٢): قال الحنفية: يشترط في وقف الذمي أن يكون الموقوف عليه قربة عندنا وعندهم، أي في نظر الإسلام وفي اعتقاد الواقف معاً، كالوقف على الفقراء أو على مسجد القدس؛ لأنه قربة في اعتقاد الواقف وفي نظر الإسلام. أما وقف غير المسلم على المسجد فغير صحيح؛ لأنه وإن كان قربة في نظر الإسلام ليس قربة في اعتقاد الواقف.

стр. 7394

وكذلك وقف غير المسلم الذمي على كنيسة أو بيعة غير صحيح؛ لأنه وإن كان قربة في اعتقاد الواقف، لكنه ليس قربة في نظر الإسلام. وقال ابن رشد من المالكية: إذا وقف الذمي على كنيسة، فإن كان على ترميمها أو (مرمتها - إصلاحها) أو على الجرحى أو المرضى التي فيها، فالوقف صحيح معمول به. فإن ترافعوا إلينا لنحكم في أوقافهم، حكم الحاكم بينهم بحكم الإسلام من صحة الوقف وعدم بيعه. وإن كان الوقف على عباد الكنائس، حكم ببطلانه، فالعبرة إذن بكون الوقف قربة في اعتقاد الواقف فقط في الأحوال الجائزة. والمعتمد لدى المالكية قول آخر لابن رشد: وهو بطلان وقف الذمي على الكنيسة مطلقاً، وبطلان وقف الكافر لنحو مسجد ورباط ومدرسة من القرب الإسلامية، فالعبرة إذن بكون الوقف على جهة خيرية عندنا وعندهم، كما قال الحنفية. وقال الشافعية والحنابلة: العبرة بكون الوقف قربة في نظر الإسلام. سواء أكان قربة في اعتقاد الواقف أم لا. فيصح وقف الكافر على المسجد؛ لأنه قربة في نظر الإسلام، ولا يصح وقفه على كنيسة أو بيت نار ونحوهما؛ لأنه ليس قربة في نظر الإسلام. وأخذ القانون المصري (م ٧) بمذهب الحنفية، وبقول بعض المالكية، فنص على أن: وقف غير المسلم صحيح، ما لم يكن على جهة محرمة في شريعته وفي الشريعة الإسلامية.

стр. 7395

الشرط الثاني - لأبي حنيفة ومحمد (١): أن يجعل آخر الوقف الأهلي بجهة لا تنقطع أبداً، فإن لم يذكر آخره لم يصح عندهما؛ لأن التأبيد شرط جواز الوقف، وتسمية جهة تنقطع توقيت له معنى، فيمنع الجواز، ولأنه يصبح حينئذ وقفاً على مجهول، فلم يصح، كما لو وقف على مجهول في ابتداء الوقف. وقال أبو يوسف: ليس هذا بشرط، بل يصح وإن سمى جهة تنقطع، ويكون بعدها للفقراء، وإن لم يسمِّهم، إذ لم يثبت هذا الشرط عن الصحابة، ولأن قصد الواقف أن يكون آخره للفقراء، وإن لم يسمهم، فكان تسمية هذا الشرط ثابتاً دلالة وضمناً، والثابت دلالة كالثابت نصاً. وأخذ الجمهور (٢) غير الحنفية بقول أبي يوسف، أما المالكية فلم يشترطوا تأبيد الوقف، وقالوا: إن انقطع وقف مؤبد على جهة، بانقطاع الجهة التي وقف عليها، رجع وقفاً لأقرب فقراء عصبة الواقف، مع تساوي الذكر والأنثى، ولو شرط الواقف في وقفيته أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقدم الابن ثم ابنه، ثم الأب، ثم الأخ فابنه، ثم الجد، فالعم فابنه، فإن لم يوجدوا فللفقراء على المشهور. وللشافعية قولان صحح صاحب المهذب أنه: إن وقف وقفاً مطلقاً ولم يذكر سبيله، يصح؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فصح مطلقاً كالأضحية. والأظهر لدى الشافعية أنه لايصح الوقف بدون بيان المصرف كما سيأتي في شروط الصيغة.

стр. 7396

لكن إن عيَّن سبيل الوقف، فلا بد من أن يكون على سبيل لا ينقطع أو لا ينقرض، كالفقراء والمجاهدين وطلبة العلم وما أشبهها. وقال الحنابلة: إن كان الوقف غير معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين، ولا لجهة غير منقطعة، فإن الوقف يصح؛ لأنه تصرف معلوم المصرف، فصح، كما لو صرح بمصرفه المتصل، ولأن الإطلاق إذا كان له عرف، حمل عليه، كنقد البلد وعرف المصرف. واتفق الشافعية والحنابلة مع الرأي السابق للمالكية على أن الموقوف يصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأن مقتضى الوقف الثواب على التأبيد، فحمل فيما سماه على شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد، فإذا انقرض المسمى، صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لأنه من أعظم جهات الثواب. والأصح عند الشافعية أنه يختص المصرف وجوباً بفقراء قرابة الرحم، لا الإرث، فيقدم ابن بنت على ابن عم. والدليل عليه: قول النبي ﷺ : «لا صدقة، وذو رحم محتاج» (١) وحديث سلمان بن عامر عن النبي ﷺ : «الصدقة على المسلمين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» (٢). والراجح لدى الحنابلة، والشافعية في أحد القولين: أنه لا يختص صرف

стр. 7397

الوقف حينئذ بالفقراء من أقارب الواقف، بل يشترك فيه الفقراء والأغنياء؛ لأن الوقف لا يختص بالفقراء، وإنما الغني والفقير في الوقف سواء. فإن لم يكن للواقف أقارب، أو كان له أقارب، فانقرضوا، صرف إلى الفقراء والمساكين وقفاً عليهم؛ لأن القصد به الثواب الجاري على وجه الدوام. المبحث الرابع - ألفاظ الوقف وشروط صيغة الوقف: صيغة الوقف: ينعقد الوقف - كما تبين في ركن الوقف - بالإيجاب وحده ولو لمعين عند الحنفية والحنابلة، وكذا إذا كان على غير معين باتفاق العلماء، وبالإيجاب والقبول عند المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إذا كان على معين. و ألفاظ الوقف الخاصة به عند الحنفية (١): مثل أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين، أو موقوفة لله تعالى، أو على وجه الخير، أو البر. والمفتى به عملا ًبالعرف هو ما قال أبو يوسف من الاكتفاء بلفظ (موقوفة) بدون ذكر تأبيد أو ما يدل عليه، كلفظ: صدقة، أو لفظ المساكين، ونحوه كالمسجد، وذلك إذا لم يكن وقفاً على معين كزيد، أو أولاد فلان، فإنه لا يصح حينئذ بلفظ (موقوفة) لمنافاة التعيين للتأبيد، ولذا فرق بين لفظ (موقوفة) وبين (موقوفة على زيد) حيث أجاز الأول دون الثاني؛ لأن الأول يصرف إلى الفقراء عرفاً، فإذا ذكر الولد صار مقيداً، فلا يبقى العرف، إلا أن تعيين المسجد لا يضر؛ لأنه مؤبد، والتأبيد من حيث المعنى شرط باتفاق الحنفية على الصحيح. ثبوت الوقف بالضرورة: قد يثبت الوقف بالضرورة كما تقدم، مثل أن

стр. 7398

يوصي بغلة هذه الدار للمساكين أبداً، أو لفلان وبعده للمساكين أبداً، فإن الدار تصير وقفاً بالضرورة، كأنه قال: إذا مت فقد وقفت داري على كذا. لكن إذا علق الوقف بالموت، كإذا مت فقد وقفت داري على كذا، فالصحيح أنه كوصية تلزم من الثلث بالموت، لا قبله، حتى ولو كان وقفاً على وارثه، وإن رده الورثة الموقوف عليهم، أو وارث آخر. لكن إذا ردوه تقسم غلة الثلث الذي صار وقفاً كالثلثين بقية التركة، فتصرف مصرف الثلثين على الورثة كلهم مادام الموقوف عليه حياً، أما إذا مات فتقسم غلة الثلث الموقوف على من يصير له الوقف. وإذا مات بعض الموقوف عليهم، فإنه ينتقل سهمه إلى ورثته ما بقي أحد من الموقوف عليه حياً. وإذا قال: وقفت الدار في حياتي، وبعد وفاتي مؤبداً، جاز، لكن عند الإمام أبي حنيفة: ما دام حياً هو نذر بالتصدق بالغلة، فعليه الوفاء، وله الرجوع، ولو لم يرجع حتى مات، جاز من الثلث. وإذا أقَّت الوقف بشهر أو سنة بطل باتفاق الحنفية، لعدم توافر شرط التأبيد، ولو وقف على رجل بعينه، عاد بعد موته لورثة الواقف. و المذهب لدى المالكية (١): ينعقد الوقف إما بلفظ صريح، مثل: وقفت أو حبست أو سبَّلْت؛ أو بلفظ غير صريح، مثل: تصدقت إن اقترن بقيد؛ أو كان على جهة لا تنقطع؛ أو كان على مجهول محصور (٢). مثال المقترن بقيد يدل على المراد: تصدقت به على ألا يباع ولا يوهب، أو تصدقت به على فلان طائفة بعد طائفة، أو عقبهم أو نسلهم، فإن لم يقيد بقيد فهو ملك لمن تصدق به عليه. ومثال

стр. 7399

الجهة غير المنقطعة: إما على غير معين كتصدقت أو وقفت على الفقراء، أو على جهة كالتصدق به على المساجد. ومثال المجهول المنحصر: التصدق به على فلان وعقبه ونسله؛ لأن قوله (وعقبه) وما في معناه يدل على التأبيد. وقد يكفي الفعل لانعقاد الوقف كالإذن للناس بالصلاة في الموضع الذي بناه مسجداً. وينوب عن الصيغة: التخلية بين الموقوف والموقوف عليه، كجعله مسجداً أو مدرسة أو رباطاً أو بئراً أو مكتبة، وإن لم يتلفظ بالوقف، وتعتبر التخلية حوزاً (قبضاً) حكمياً. و مذهب الشافعية (١): لا يصح الوقف إلا بلفظ، ويكون الوقف إما بلفظ صريح مثل وقفت كذا على كذا، أو أرضي موقوفة عليه، لاشتهاره لغة وعرفاً، والتسبيل والتحبيس صريحان أيضاً على الصحيح، لتكررهما شرعاً، واشتهارهما عرفاً، ولم ينقل عن الصحابة وقف إلا بهما. ولو قال: تصدقت بكذا صدقة محرمة، أو موقوفة، أو لا تباع ولا توهب، فهو صريح في الأصح المنصوص في الأم؛ لأن لفظ التصدق مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف. لكن هذا اللفظ صريح بغيره، وما قبله صريح بنفسه. ولو قال: تصدقت فقط، فهو ليس بصريح في الوقف، ولا يحصل به الوقف، وإن نواه، لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع والصدقة الموقوفة، لكن إن أضافه إلى جهة عامة كالفقراء ونوى الوقف، فيحصل الوقف. ويكون اللفظ صريحاً.

стр. 7400

وإما أن يكون الوقف بلفظ غير صريح: مثل حرمته للفقراء، أو أبَّدته عليهم، فهو في الأصح كناية؛ لأنهما لا يستعملان مستقلين، وإنما يؤكد بهما الألفاظ السابقة. والأصح أن قوله: جعلت البقعة مسجداً، تصير به مسجداً، وإن لم يقل (لله) لأن المسجد لا يكون إلا وقفاً، فأغنى لفظه عن لفظ الوقف ونحوه. ولو بنى مسجداً في موات، ونوى جعله مسجداً، فإنه يصير مسجداً، ولم يحتج إلى لفظ، فهذا مستثنى من اشتراط اللفظ للوقف. و رأي الحنابلة (١): الوقف إما بلفظ صريح أو كناية. فالصريح: مثل: وقفت وحبَّست وسبَّلت، ويكفي أحدهما، لاستعماله شرعاً وعرفاً. والكناية مثل: تصدقت، وحرّمت، وأبّدت، لأنه لفظ مشترك، فإن الصدقة تستعمل في الزكاة، وفي صدقة التطوع، والتحريم صريح في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره. ولا يصح الوقف بالكناية إلا بأحد أمور أربعة هي: ١ - نية المالك. ٢ - أو اقتران لفظ الكناية بأحد الألفاظ الخمسة وهي الألفاظ الصرائح الثلاث، ولفظا التحريم والتأبيد، فيقول: تصدقت بكذا صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو مؤبدة، أو محرمة. ٣ - أو وصف الكناية بصفات الوقف، فيقول: تصدقت به صدقة لاتباع أو لا توهب، أو لا تورث.

стр. 7401

٤ - أو يقرن الكناية بحكم الوقف، كأن يقول: تصدقت بأرضي على فلان، والنظر لي أيام حياتي، أو النظر لفلان، ثم من بعده لفلان. ويصح الوقف أيضاً بفعل دال على الوقف عرفاً، مثل أن يجعل أرضه مقبرة، ويأذن بالدفن فيها إذناً عاماً، أو يبني بنياناً على هيئة مسجد، ويأذن للناس في الصلاة فيه إذناً عاماً؛ لأن الإذن الخاص قد يقع على غير الموقوف، فلا يفيد دلالة الوقف، أو يؤذن ويقام فيما بناه مسجداً؛ لأن الأذان والإقامة فيه كالإذن العام في الصلاة فيه. ولو جعل سفل بيته مسجداً وانتفع بعلوه أو بالعكس، ولو لم يذكر استطراقاً، صح الوقف، ويستطرق إليه بحسب العادة. أو يبني بيتاً لقضاء حاجة الإنسان، أي بالبول والغائط والتطهير، ويفتح بابه إلى الطريق للناس. أو يملأ خابية أو نحوها من الماء على الطريق أو في المسجد ونحوه، لدلالة الحال على تسبيله. شروط صيغة الوقف: يشترط في الوقف ذاته أو في صيغة الوقف عند الفقهاء ما يأتي (١). الشرط الأول - التأبيد: فلا يصح الوقف عند الجمهور غير المالكية بما يدل على التأقيت بمدة؛ لأنه إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى مدة. وإنما لا بد من اشتماله على معنى التأبيد، ولا يشترط التلفظ به، كالوقف على من لم ينقرض

стр. 7402

قبل قيام الساعة، كالفقراء، أو على من ينقرض، ثم على من لا ينقرض كزيد، ثم الفقراء. فإن اقترنت الصيغة بما يدل على تأقيت الوقف، مثل: وقفت هذا على كذا سنة أوشهراً مثلاً، فباطل هذا الوقف، لفساد الصيغة؛ لأن المقصود من شرعية الوقف هو التصدق الدائم، وهو يقتضي أن يكون إنشاء الوقف على سبيل التأبيد. وبناء عليه، شرط الحنفية أن يكون الموقوف عقاراً؛ لأنه هو الذي ينتفع به على وجه التأبيد، ولم يجيزوا وقف المنقول إلا تبعاً للعقار، أو ورد به النص، أو جرى العرف بوقفه. واشترطوا أيضاً أن يكون آخر مصارف الوقف الأهلي جهة بر لا تنقطع، ليدوم التصدق ويستمر. أما المالكية فلم يشترطوا التأبيد في الوقف، وأجازوا الوقف سنة أو أكثر لأجل معلوم، ثم يرجع ملكاً للواقف أو لغيره، توسعة على الناس في عمل الخير. أما القانون المصري (م ٥) رقم (٤٨ لسنة ١٩٤٦)، فإنه جعل الوقف من حيث تأبيده وتوقيته ثلاثة أقسام: ١ - وقف لا يصح إلا مؤبداً، وتوقيته باطل: وهو وقف المسجد والوقف على المسجد. وهذا رأي الجمهور غير المالكية. ٢ - وقف يجوز كونه مؤقتاً ومؤبداً: وهو الوقف على غير المسجد كالمشافي والملاجئ والمدارس والفقراء ونحو ذلك. وهذا مأخود من مذهب المالكية للتوسعة على الناس في عمل الخير. ٣ - وقف لا يكون إلا مؤقتاً وتأبيده باطل: وهو الوقف الأهلي، فإن وقَّته بسنين وجب ألا تزيد على ستين سنة من وفاة الواقف، وإن وقَّته بطبقات وجب ألا

стр. 7403

تزيد على طبقتين من الموقوف عليهم بعد الواقف. ولا سند لذلك التأقيت إلا المصلحة. ثم ألغي الوقف الأهلي في سورية سنة (١٩٤٩)، وفي مصر سنة (١٩٥٢) بالقانون رقم (١٨٠). الشرط الثاني - التنجيز: بأن يكون منجزاً في الحال غير معلَّق بشرط ولا مضاف إلى وقت في المستقبل؛ لأنه عقد (التزام) يقتضي نقل الملك في الحال، فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والهبة، في رأي الجمهور غيرالمالكية. الصيغة المنجزة: هي التي تدل على إنشاء الوقف وترتب آثاره في الحال أي في وقت صدورها. و الصيغة المعلقة: هي التي لا تدل على إنشاء الوقف من حين صدورها، بل تدل على تعليق التصرف بأمر يحدث في المستقبل، مثل إذا جاء زيد فقد وقفت، أوإذا جاء غداً أو رأس الشهر أو إذا كلمت فلاناً، فأرضي هذه صدقة موقوفة، يكون الوقف باطلاً عند الجمهور غير المالكية. و صيغ التعليق ثلاث: أـ إن كان التعليق على أمر متردد بين الوجود وعدم الوجود، فلا يصح الوقف بها، مثل إن قدم ابني من السفر، فقد وقفت داري على كذا؛ لأن الوقف يقتضي نقل الملك، والتمليكات لا تقبل التعليق على أمر في المستقبل. وعلل الشافعية عدم صحة تعليق الوقف على شرط مستقبل بأنه عقد (التزام) يبطل بالجهالة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع. ب - إن كان التعليق على موت الواقف، صح الوقف بالاتفاق، مثل وقفت داري بعد موتي على الفقراء؛ لأنه تبرع مشروط بالموت، فصح كما لو قال: قفوا

стр. 7404

داري بعد موتي على كذا؛ لأن عمر وصى، فكان في وصيته: «هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثَمْغاً صدقة» (١). ويكون الوقف المعلق بالموت لازماً، من حين قوله: هو وقف بعد موتي، وينفذ من غير إجازة الورثة، إن خرج من ثلث التركة. جـ - إن كان التعليق على أمر محقق عند صدوره، صح الوقف أيضاً، مثل إن كانت هذه الأرض ملكي - وكانت ملكه وقت التكلم - فهي وقف على كذا؛ لأن التعليق صوري والصيغة فيها منجزة في الحقيقة. فهذا تعليق بكائن أو موجود للحال فلا ينافي عدم صحته معلقاً بالموت؛ لأن التعليق بالشرط الكائن تنجيز. وقال الشافعية: الظاهر صحة الوقف بقوله: جعلته مسجداً إذا جاء رمضان. والصيغة المضافة إلى زمن في المستقبل: هي التي تدل على إنشاء الوقف في الحال، ولكن تؤخر ترتيب حكمه إلى زمن مستقبل، مثل جعلت منزلي هذا وقفاً على كذا في أول العام الهجري المقبل. وحكم هذه الصيغة عند الحنفية على التفصيل التالي: إن كان الزمن المستقبل المضاف إلىه الوقف هو ما بعد الموت، فالوقف باطل عند أبي حنيفة، والصحيح أنه وصية لازمة بوقف من الثلث بالموت، لا قبله. وإن كان الزمن المستقبل غير زمن الموت، مثل أول السنة الهجرية، فالصحيح من الروايتين عند الحنفية أن الوقف يصح، كما تصح الإجارة المضافة للمستقبل، والوقف يشبه الإجارة لأنه مثلها تمليك المنفعة، فيصح الوقف لو قال: داري صدقة وموقوفة غداً.

стр. 7405

والحاصل أنه لايجوز عند الجمهور تعليق الوقف على شرط في الحياة، مثل إذا جاء رأس الشهر فداري وقف. وقال المالكية عن هذا الشرط: لايشترط في الوقف التنجيز، فيجوز مع التعليق كأن يقول: هو حبس على كذا بعد شهر أو سنة، أو يقول: إن ملكت دار فلان فهي وقف. الشرط الثالث - الإلزام: لايصح عند الجمهور غير المالكية تعليق الوقف بشرط الخيار أو بخيار الشرط، معلوماً كان أو مجهولاً، بأن يقف شيئاً ويشرط لنفسه أو لغيره الرجوع فيه متى شاء، ويبطل الوقف كالهبة والعتق. لكن استثنى الحنفية وقف المسجد، فلو اتخذ مسجداً على أنه بالخيار، جاز والشرط باطل. الشرط الرابع - عدم الاقتران بشرط باطل: الشروط عند الحنفية ثلاثة: أ - شرط باطل: وهو ماينافي مقتضى الوقف، كأن يشترط إبقاء الموقوف على ملكه، وحكمه: أنه يبطل به الوقف، لمنافاته حقيقة الوقف. وكذا لو شرط لنفسه الرجوع في الوقف متى شاء، يبطل به الوقف لمنافاته حكم الوقف وهو اللزوم. ولو شرط بيع الوقف وصرف ثمنه لحاجته، بطل الوقف. ب - شرط فاسد: وهو مايخل بالانتفاع بالموقوف، أو بمصلحة الموقوف عليه، أو يخالف الشرع. مثال الأول: أن يشترط صرف الريع إلى المستحقين، ولو احتاج الموقوف إلى التعمير، فهو فاسد؛ لأنه يخل بالانتفاع بالموقوف. ومثال الثاني: أن يشترط ألا يعزل الناظر من أولاده ولو خان، فهوفاسد؛ لأنه يخل بمصلحة الموقوف عليه. ومثال الثالث: أن يخصص جزءاً من الريع لارتكاب جريمة، فهو شرط فاسد؛ لأنه يخالف الشريعة. وحكمه: أنه لايبطل الوقف، بل يصح ويبطل الشرط.

стр. 7406

جـ - شرط صحيح: هو كل شرط لاينافي مقتضى الوقف، ولايخل بالمنفعة، ولا يصادم الشرع، مثل اشتراط البدء من الريع بأداء الضرائب المستحقة، أوالبدء بالتعمير قبل الصرف إلى المستحقين. وحكمه: أنه يجب اتباعه وتنفيذه. أما القانون المصري (م ٦) رقم (٤٨ لسنة ١٩٤٦) فقد نص على أنه: «إذا اقترن الوقف بشرط غير صحيح، صح الوقف، وبطل الشرط» والشرط غير الصحيح يشمل الشرط الفاسد والباطل. وهذا رأي الصاحبين في الشرط الفاسد، ورأي لأبي يوسف في الشرط الباطل. و قال المالكية: إذا اشترط الواقف على مستحق الوقف إصلاحه أو دفع ضريبة بغير حق لحاكم ظالم، صح الوقف وألغي الشرط، ويصح في الأصح الإصلاح ودفع التوظيف من غلة الموقوف. كذلك لو شرط عدم البدء بإصلاح الموقوف أو عدم البدء بنفقته التي يحتاج إليها كنفقة الحيوان، صح الوقف، وبطل الشرط، وأنفق عليه من غلة الموقوف. و مذهب الشافعية: إن شرط الواقف أن يبيع الوقف، أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء، بطل الوقف على الصحيح كشرط الخيار السابق. ووافقهم الحنابلة فقالوا: إن شرط الواقف في الوقف شرطاً فاسداً كخيار فيه، أو بشرط تحويل الوقف عن الموقوف عليه إلى غيره، بأن قال: وقفت داري على كذا، على أن أحولها عن هذه الجهة، أو عن الوقفية بأن أرجع فيها متى شئت، أو بأن يخرج من شاء من أهل الوقف، ويدخل من شاء من غيرهم، لم يصح الوقف. وكذا إن شرط هبته أو بيعه متى شاء، أو متى شاء أبطله، لم يصح الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف. ولو شرط البيع عند خراب الوقف

стр. 7407

وصرف الثمن في مثله، أو شرطه للمتولي بعده (وهو من ينظر في الوقف) فسد الشرط فقط، وصح الوقف مع إلغاء الشرط، كما في الشروط الفاسدة في البيع. الشرط الخامس عند الشافعية: بيان المصرف: فلو اقتصر الواقف على قوله: وقفت كذا، ولم يذكر مصرفه، فالأظهر بطلانه، لعدم ذكر مصرفه، وهذا بخلاف الوصية، فإنها تصح وتصرف للمساكين؛ لأن غالب الوصايا للمساكين، فحمل الإطلاق عليه، بخلاف الوقف. وصحح صاحب المهذب القول الثاني وهو صحة الوقف بدون ذكر جهة الصرف؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فصح مطلقاً كالأضحية. ولم يشترط الجمهور غير الشافعية ذكر جهة المصرف، قال المالكية: لايشترط في الوقف تعيين المصرف في محل صرفه، فجاز أن يقول: وقفته لله تعالى، من غير تعيين من يصرف له، وصرف فيما يصرف له في غالب عرفهم، وإلا يكن غالب في عرفهم، فالفقراء يصرف عليهم، هذا إذا لم يختص الموقوف بجماعة معينة، وإلا صرف لهم، ككتب العلم. مقتضى ألفاظ الوقف التي يعبر بها عن الموقوف عليهم: قد تصدر عن الواقف ألفاظ كالولد والعقب والنسل والذرية والقرابة والآل والأهل، فما المراد منها في المذاهب (١)؟.

стр. 7408

أ - الولد والأولاد: إن قال الواقف: وقفت على ولدي أو على أولادي، تناول بالاتفاق ولد الصلب ذكورهم وإناثهم. أما لو قال: ولدي وولد ولدي، أو أولادي وأولاد أولادي، أو بنيّ وبني بنيّ، تناول الذكور والإناث من الأولاد، والراجح عند المالكية أنه لايتناول من أولاد الأولاد سوى الذكور دون الإناث. قال الحنابلة: إذا وقف على أولاد رجل وأولاد أولاده، استوى فيه الذكر والأنثى؛ لأنه تشريك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية. والمستحب أن يقسم الواقف الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال القاضي أبو يعلى: المستحب التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن القصد القربة على وجه الدوام، وقد استووا في القرابة. وإذا فضل بعضهم على بعض فهو على ماقال. ويوزع الوقف بطناً بعد بطن، أي للأقرب فالأقرب. ب - الذرية والنسل والعقب: لو قال الواقف: على ذريتي أو نسلي أو عقبي، يشمل بالاتفاق أولاد الذكور دون أولاد الإناث، أي أولاد البنات، إلا بتصريح أو بقرينة كما قال الحنابلة. جـ - الآل والجنس وأهل البيت: يدخل فيهم العصبة من الأولاد والبنات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات. واختلف في دخول الأخوال والخالات. وقال الحنفية: آله وجنسه وأهل بيته: كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام، وهو الذي أدرك الإسلام، أسلم أم لا. وذكر الحنفية: أنه يشمل الغني والفقير. والأصل عند الحنفية: أن الصغير يعد غنياً بغنى أبويه وجديه فقط، والرجل والمرأة بغنى فروعها، وزوجها فقط، لكن قال الخصاف: والصواب عندي إعطاؤهم وإن كان تفرض نفقتهم على غيرهم.

стр. 7409

د - القرابة: أعم ماسبق، ويدخل فيه كل ذي رحم محرم من الواقف، من قبل الرجال والنساء، سواء المحرم أو غير المحرم على الأصح عند المالكية. ورأى الحنفية: أن قرابته وأرحامه وأنسابه: كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أبويه، سوى أبويه وولده لصلبه، فإنهم لايسمون قرابة اتفاقاً، وكذا من علا منهم أو سفل عند أبي حنيفة ومحمد. ولا يكون الصرف لأقل من اثنين عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: يمكن الاكتفاء بواحد. وعبارة الشافعية: إن وقف على جماعة من أقرب الناس إليه، صرف إلى ثلاثة من أقرب الأقارب. وإن قيده بفقرائهم، اعتبر الفقر عند الحنفية وقت وجود الغلة، وهو المجوِّز لأخذ الزكاة، فلو تأخر صرف الغلة سنين لعارض، فافتقر الغني، واستغنى الفقير، شارك المفتقر وقت القسمة الفقير وقت وجود الغلة؛ لأن الصِلات إنما تملك حقيقة بالقبض، وطروء الغنى والموت لايبطل ما استحقه. وإذا قال: الأقرب فالأقرب: فالمراد أقرب الناس رحماً، لا بالإرث والعصوبة. وإذا قال: الصلحاء الأقارب، فالصالح كما قال ابن عابدين: من كان مستوراً، ولم يكن مهتوكاً ولا صاحب ريبة، وكان مستقيم الطريقة، سليم الناحية، كامن الأذى، قليل الشر، ليس بمعاقر للنبيذ، ولاينادم عليه الرجال، ولا قذافاً للمحصنات، ولامعروفاً بالكذب. فهذا هو الصلاح، ومثله أهل العفاف والخير والفضل. وإذا قال: الأحوج فالأحوج من القرابة، فيراد به من يملك الأقل من مائة درهم، فإن صار معه مائة درهم يقسم بينهم جميعاً بالسوية.

стр. 7410

هـ - مراحل الإنسان: كما تقدم في الوصية. إن الطفل والصبي والصغير: من لم يبلغ، فإن بلغ فلا شيء له. والشاب والحَدَث: من البلوغ لتمام الأربعين، فإن أتم الأربعين فلا شيء له. والكَهْل: من تمام الأربعين لتمام الستين. والشيخ: من فوق الستين لآخر العمر. وليس فوق الشيخ شيء. ويشمل ذلك كله الذكر والأنثى، كالأرمل يشمل الذكر والأنثى. وسبيل الله ونحوه: ذكر الحنابلة أنه إن وقف على سبيل الله أو ابن السبيل أو الغارمين، فهم الذين يستحقون السهم من الزكوات؛ لأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع. وسبيل الله هو الغزو والجهاد في سبيل الله. الوقف الدائم من حيث الاتصال والانقطاع: الوقف المؤبد إذا انقطع الموقوف عليه في حلقة من حلقاته أو اتصل أربعة أنواع (١): ١ - إن كان معلوم الابتداء، والانتهاء غير منقطع، أي متصل الابتداء والانتهاء: مثل الوقف على المساكين أو على طائفة لايجوز بحكم العادة انقراضهم، صحيح بالاتفاق. أما إن كان منقطع الابتداء والانتهاء كالوقف على ولده، ولا ولد له، فالوقف باطل؛ لأن الولد الذي لم يخلق لايملك، فلا يفيد الوقف عليه شيئاً.

стр. 7411

٢ - إن كان متصل الابتداء غير معلوم الانتهاء: مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين، ولا لجهة غير منقطعة، الوقف صحيح عند الجمهور؛ لأنه تصرف معلوم المصرف عرفاً، وينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف، كما تقدم؛ لأن مقتضى الوقف الثواب، فحمل فيما سماه على شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد. وقال محمد بن الحسن وبرأيه يفتى عند الحنفية: لايصح هذا الوقف، إذ لابد كما عرفنا من بيان جهة قربة لاتنقطع؛ لأن الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعاً، صار وقفاً على مجهول، فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء. ٣ - إن كان الوقف منقطع الابتداء، متصل الانتهاء: مثل أن يقف على من لايجوز الوقف عليه، كنفسه أو عبده، أو كنيسة أو مجهول غير معين، فيه رأيان عند الشافعية والحنابلة: رأي: إنه باطل؛ لأن الأول باطل، ورأي: إنه يصح، وإذا قيل: إنه صحيح، صرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه. ٤ - إن كان الوقف صحيح الطرفين - الابتداء والانتهاء، منقطع الوسط، مثل أن يقف على ولده، ثم على غير معين، ثم على المساكين: فيه رأيان كمنقطع الانتهاء، وقيل عند الشافعية والحنابلة: إنه يصح، وقيل: إنه يبطل. وإن كان منقطع الطرفين صحيح الوسط، كرجل وقف على نفسه، ثم على أولاده، ثم على الكنيسة، ففي صحته رأيان، ومصرفه إلى مصرف الوقف المنقطع.

стр. 7412

الفَصْلُ الخامس: إثبات الوقف شرعاً وقانوناً: المقرر شرعاً أن الشهادة إحدى طرق إثبات الوقفية، ويشترط في ادعاء الوقف: بيان الوقف ولو كان قديماً، ويقبل في إثباته الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال، والشهادة بالشهرة والتسامع بأن يقول الشاهد: أشهد بالتسامع وتقبل شهادة التسامع لبيان المصرف، كقولهم على مسجد كذا، ولبيان مستحقين، ولاتقبل لإثبات شرائطه في الأصح. أما صك الكتابة فلا يصلح حجة؛ لأن الخط يشبه الخط. واشتراط تحديد العقار الموقوف لايطلب لصحة الوقف؛ لأن الشرط كونه معلوماً، وإنما هو شرط لقبول الشهادة الوقفية (١). وعلى هذا كان عمل المحاكم الشرعية في مصر وسورية، ثم نصت المادة الأولى من قانون الوقف المصري رقم (٤٨ لسنة ١٩٥٢) على اشتراط إشهاد رسمي من الواقف، أمام إحدى المحاكم الشرعية التي بدائرتها أعيان الوقف كلها أو أكثرها، سداً للباب أمام الدعاوى الباطلة لإثبات الوقفيات بشهادات الزور، وهذا يتفق مع الحكم القانوني الذي يشترط التسجيل في السجل العقاري لكل تصرف واقع على العقار، أياً كان العقار، وأياً كان التصرف الواقع عليه. وذكر الخصاف حكم الوقف إذا انقطع ثبوته فقال: إن الأوقاف التي تقادم أمرها، ومات شهودها، فما كان لها من رسوم في دواوين القضاة، وهي في أيديهم، أجريت على رسومها الموجودة في دواوينهم استحساناً إذا تنازع أهلها فيها. وما لم يكن لها رسوم في دواوين القضاة، فمن أثبت حقاً فيها عند التنازع حكم له به.

стр. 7413

الفَصْلُ السَّادس - مبطلات الوقف: يبطل الوقف إذا اختل شرط من شروطه السابقة. وذكر المالكية مبطلات الوقف وأهمها مايأتي (١): ١ - حدوث مانع: مثل إن مات الواقف أو أفلس، أو مرض مرضاً متصلاً بموته قبل القبض بطل الوقف، ورجع للوارث في حال الموت، وللدائن في الإفلاس، فإن أجازه نفذ، وإلا بطل. ٢ - إن سكن الواقف الدار قبل تمام عام بعد أن حيز عنه، أو أخذ غلة الأرض لنفسه، بطل التحبيس. ٣ - الوقف على معصية ككنيسة وكصرف غلة الموقوف على خمر أو شراء سلاح لقتال حرام، باطل. ٤ - الوقف على حربي باطل، ويصح على ذمي. وهذا متفق عليه. ٥ - الوقف على نفسه ولو مع شريك غير وارث، مثل وقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل مايخصه، وكذا مايخص الشريك. ٦ - الوقف على أن النظر للواقف، يبطل لما فيه من التحجير. ٧ - الجهل بسبق الوقف عن الدين إن كان الوقف على محجوره: فمن وقف على محجوره (أي الذي يشرف عليه) وقفاً وحازه له، وعلى الواقف دين، ولم يعلم هل الدين قبل الوقف أو بعده، فإن الوقف يبطل، ويباع لتسديد الدين، تقديماً للواجب على التبرع، عند الجهل بالسبق، مع ضعف الحوز (القبض).

стр. 7414

٨ - عدم التخلية (أي عدم ترك الواقف) بين الناس وبين الموقوف عليه الذي هو مثل المسجد والرباط والمدرسة قبل حصول المانع، فإنه يبطل الوقف، ويكون ميراثاً. ٩ - وقف الكافر لنحو مسجد ورباط ومدرسة وغيرها من القرَب الإسلامية. وهذا رأي الحنفية أيضاً. ويكره على الراجح كراهة تنزيه الوقف على البنين دون البنات؛ لأنه يشبه عمل الجاهلية من حرمان البنات من إرث أبيهن، فإن حدث الوقف نفذ ولم يفسخ على الأصح. ويكره اتفاقاً هبة الرجل لبعض ولده ماله كله، أو جُلَّه. وكذا يكره أن يعطي ماله كله لأولاده، ليقسم بينهم بالسوية بين الذكور والإناث. فإن قسمه بينهم على قدر مواريثهم، فهو جائز. ويصح الوقف بالاتفاق على العكس وهو وقفه على بناته دون بنيه. موقف القانون من انتهاء الوقف: نص القانون المصري رقم (٤٨ لسنة ١٩٥٢) في المواد (١٦ - ١٨) على انتهاء الوقف بانتهاء المدة المعينة، أو بانقراض الموقوف عليهم، وكذلك ينتهي في كل حصة بانقراض أهلها قبل انتهاء المدة المعينة أو قبل انقراض الطبقة التي ينتهي الوقف بانقراضها. وذلك ما لم يدل كتاب الوقف على عود هذه الحصة إلى باقي الموقوف عليهم أو بعضهم، فإن الوقف في هذه الحالة لاينتهي إلا بانقراض هذا الباقي أو بانتهاء المدة. وينتهي الوقف أيضاً للتخرب والضآلة بقرار من المحكمة بناء على طلب ذي الشأن.

стр. 7415

ويصير الوقف المنتهي ملكاً للواقف إن كان حياً، وإلا فلمستحقه وقت الحكم بانتهائه. الفَصْلُ السَّابع - نفقات الوقف: نفقة الوقف من ريعه بالاتفاق، مع اختلافات في شرط الواقف وغيره. مذهب الحنفية (١): الواجب أن يبدأ من ريع الوقف أي غلته، بعمارته بقدر مايبقى الوقف على الصفة التي وقف عليها، وإن خرب بني على صفته، سواء شرط الواقف النفقة من الغلة أو لم يشرط؛ لأن قصد الواقف صرفه الغلة مؤبداً، ولاتبقى دائمة إلا بالعمارة، فيثبت شرط العمارة اقتضاء، ولأن الخراج بالضمان. وإن وقف داراً على سكنى ولده، فالعمارة على من له السكنى من ماله؛ لأن الغرم بالغنم، فإن امتنع من له السكنى من العمارة، أو عجز بأن كان فقيراً، آجرها الحاكم لمن شاء، وعمرها بأجرتها كعمارة الواقف، ثم ردها بعد العمارة إلى من له السكنى؛ لأن عمارتها رعاية الحقين: حق الواقف وحق صاحب السكنى. ولا يجبر الممتنع على العمارة، لما فيه من إتلاف ماله. ولا تصح إجارة من له السكنى، بل المتولي أو القاضي. ولا عمارة على من له الاستغلال؛ لأنه لا سكنى له، وإنما عمارته على من له السكنى، فلو سكن لا تلزمه الأجرة الظاهرة، لعدم الفائدة، إلا إذا احتيج للعمارة، فيأخذها المتولي ليعمر بها. وما انهدم من بناء الوقف وآلته: وهي الأداة التي يعمل بها كآلة الحراثة في ضيعة الوقف، أعاده الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج الوقف إليه، وإن استغنى

стр. 7416

عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها، حتى لا يتعذر عليه الصرف وقت الحاجة. وإن تعذر إعادة عينه، بيع وصرف ثمنه إلى المرمَّة (الإصلاح) صرفاً للبدل إلى مصرف المبدل. ولايجوز أن يقسم المنهدم وكذا بدله بين مستحقي الوقف؛ لأنه جزء من العين الموقوفة، ولا حق لهم فيها، إنما حقهم في المنفعة، فلا يصرف لهم غير حقهم. و مذهب المالكية (١) مثل الحنفية: يجب على الناظر إصلاح الوقف إن حصل به خلل من غلته، وإن شرط الواقف خلافه، فلا يتبع شرطه في الإصلاح؛ لأنه يؤدي إلى إتلافه وعدم بقائه، وهو لا يجوز. ويكري الناظر دار السكنى الموقوفة إن حصل بها خلل، ويخرج الساكن منها، إن لم يصلحها بعد أن طلب منه الإصلاح، فإذا أصلحت رجعت بعد مدة الإجارة للموقوف عليه. وإن أصلحها لم يخرج منها. فإن لم تكن للموقوف غلات، فينفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن يترك حتى يخرب، ولا يلزم الواقف النفقة. وينفق على خيول الجهاد ودوابه من بيت المال، ولا يلزم الواقف بشيء من نفقتها، ولا تؤجر لينفق عليها من غلتها. فإن لم يكن بيت مال للمسلمين أو لم يمكن التوصل إليه، بيع الحيوان، وعوِّض به سلاح ونحوه مما لا نفقة له. و مذهب الشافعية والحنابلة (٢): أن نفقة الموقوف ومؤن تجهيزه وعمارته من

стр. 7417

حيث شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف؛ لأنه لما اتبع شرطه في سبيل الوقف، وجب اتباع شرطه في نفقته. فإن لم يمكن فمن غلة الموقوف أو منافعه كغلة العقار؛ لأن الحفاظ على أصل الوقف لا يمكن إلا بالإنفاق عليه من غلته، فكان الإنفاق من ضرورته. فإذا تعطلت منافعه، فالنفقة ومؤن التجهيز لا العمارة عند الشافعية من بيت المال. وأما عند الحنابلة: فإن تعطلت منافع الحيوان، فنفقته على الموقوف عليه؛ لأنه ملكه، ويحتمل وجوبها في بيت المال، ويجوز بيعه، كما سأبين. وقال المالكية والحنابلة والشافعية عن زكاة الموقوف (١): إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم فحصل لبعضهم من ثمر الشجر أو حب الأرض نصاب وهو خمسة أوسق، فعليهم الزكاة؛ لأنهم يملكون الناتج. وإذا صار الوقف للمساكين فلا زكاة فيه. وأوجب الإمام مالك الزكاة على الواقف في الموقوف على غير المعين نحو الفقراء والمساكين إذا كان خمسة أوسق، بناء على أنه ملك الواقف، فيزكي على ملكه. وأما الموقوف على المعينين، فيشترط في حصة كل واحد منه خمسة أوسق. الفَصْلُ الثَّامن: استبدال الوقف وبيعه حالة الخراب: يقصد بالوقف دوام الانتفاع به، وتحصيل الثواب والأجر بنفعه، فإذا آل إلى الخراب، فماذا يكون مصيره؟ أجاز الفقهاء استبداله وبيعه للضرورة بشروط وقيود وتفصيلات لديهم.

стр. 7418

قال الحنفية (١): للمسجد بمجرد القول (أي الوقف) على المفتى به صفة الأبدية، فلا تنسلخ عنه صفة المسجدية ولو استغني عنه، فلو خرب المسجد وليس له ما يعمر به، وقد استغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر، يبقى مسجداً عند أبي حنيفة وأبي يوسف أبداً إلى قيام الساعة، وبرأيهما يفتى، فلا يعود إلى ملك الباني وورثته، ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، سواء أكانوا يصلون فيه أم لا. ولا يحل وضع جذوع على جدار المسجد، ولو دفع الأجرة. وقال محمد: إذا انهدم الوقف وليس له من الغلة ما يعمر به، فيرجع إلى الباني أو ورثته. ويجري الخلاف المذكور في بسط المسجد وحصره وقناديله إذا استغني عنها، ينقل عند أبي يوسف في رواية عنه إلى مسجد آخر، ويرجع إلى مالكه عند محمد إذا خرج عن الانتفاع المقصود للواقف بالكلية. وعلى هذا الخلاف: في الرباط (٢) والبئر إذا لم ينتفع بهما، فيصرف على قول لأبي يوسف في رواية ثانية عنه وقف المسجد والرباط والبئر والحوض إلى أقرب مسجد أو رباط أو حوض إليه. لكن المفتى به في تأبيد المسجد قول الشيخين كما تقدم: وهو أنه لا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، وإذا خرب المسجد يبقى مسجداً أبداً. لكن في آلات المسجد نحو القنديل والحصير بخلاف أنقاضه: الفتوى على قول محمد وهو ردها إلى واقفها أو إلى ورثته. وأما أنقاضه فيفتى فيها كما ذكر

стр. 7419

بقول أبي يوسف وأبي حنيفة وهو أن المسجد لا يعود ميراثاً ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، أي لا تعود عندهما الأنقاض للواقف أو ورثته عند إمكان البيع. وإذا وقف الواقف وقفين على المسجد، أحدهما على العمارة، والآخر إلى إمامه أو مؤذنه، فللحاكم إذا قل المخصص للإمام ونحوه أن يصرف من فاضل وقف المصالح والعمارة إلى الإمام والمؤذن باستصواب أهل الصلاح من أهل المحلة، إن كان الوقف متحداً؛ لأن غرضه إحياء وقفه، وهو يحصل بهذا النقل؛ لأنهما حينئذ كشيء واحد. ففي حال اتحاد الواقف والجهة يجوز المناقلة. وإن اختلف أحدهما (الواقف والجهة) بأن بنى رجلان مسجدين أو رجل مسجداً ومدرسة، ووقف عليهما أوقافاًً، لا يجوز للحاكم نقل مخصص أحدهما للآخر. بيع أنقاض المسجد ونحوه: إذا انهدم وقف، ولم يكن له شيء يعمر منه، ولا أمكن إجارته ولا تعميره، ولم تبق إلا أنقاضه من حجر وطوب وخشب، صح بيعه بأمر الحاكم، ويشترى بثمنه وقف مكانه، فإذا لم يمكن الشراء، رده إلى ورثة الواقف إن وجدوا، وإن لم يوجدوا يصرف للفقراء. والبيع بإذن القاضي وصرف ثمنه إلى بعض المساجد مبني على قول لأبي يوسف في رواية ثانية عنه، والرد إلى الورثة أو إلى الفقراء على قول محمد، وهو جمع حسن، حاصله أنه يعمل بقول أبي يوسف حيث أمكن، وإلا فبقول محمد. والخلاصة: الاتجاه في الفتوى عند مشايخ الحنفية بيع الأنقاض وصرف ثمنها إلى مسجد آخر أو رباط آخر؛ لأن غرض الواقف انتفاع الناس بالموقوف، وكيلا يأخذها المتغلبون.

стр. 7420

جعل شيء من المسجد طريقاً وبالعكس: إذا جعل الباني بدون اعتراض أهل المحلة شيئاً من الطريق مسجداً لضيقه، ولم يضر بالمارين، جاز؛ لأنهما للمسلمين. وكذا العكس وهو ما إذا جعل في المسجد ممراً، جاز لكل أحد أن يمر فيه، حتى الكافر، إلا الجنب والحائض والدواب. ويجوز للإمام جعل الطريق مسجداً، لا عكسه، لجواز الصلاة في الطريق، ولا يجوز أن يتخذ المسجد طريقاً. حالات الاستبدال: الاستبدال عند الحنفية ثلاثة أنواع: الأول - أن يشرطه الواقف لنفسه أو لغيره، أو لنفسه وغيره، بأن شرط الواقف في وقفيته الاستبدال بالموقوف أرضاً أخرى، أو شرط بيعه، جاز الاستبدال على الصحيح، ويشتري بالثمن أرضاً أخرى إذا شاء، فإذا فعل، صارت الأرض الثانية كالأولى في شرائطها. الثاني - ألا يشرطه الواقف، بأن شرط عدمه أو سكت، لكن صار الموقوف بحيث لا ينتفع به بالكلية، بألا يحصل منه شيء أصلاً، أو لا يفي بمؤنته، فهو أيضاً جائز على الأصح إذا كان بإذن القاضي، وكان رأيه المصلحة فيها. الثالث - ألا يشرطه الواقف أيضاً، ولكن فيه نفع في الجملة، وبدله خير منه ريعاً ونفقاً. وهذا لايجوز استبداله على الأصح المختار. شروط الاستبدال: إذا كان الوقف عقاراً غير مسجد، فالمعتمد أنه يجوز للقاضي الاستبدال به للضرورة بلا شرط الواقف، بشروط ستة: ١ - أن يخرج الموقوف عن الانتفاع به بالكلية، أي يصبح عديم المنفعة.

стр. 7421

٢ - ألا يكون هناك ريع للوقف يعمر به. ٣ - ألا يكون البيع بغبن فاحش. ٤ - أن يكون المستبدل قاضي الجنة: وهو ذو العلم والعمل، لئلا يؤدي الاستبدال إلى إبطال أوقاف المسلمين، كما هو الغالب في الزمن الأخير. ٥ - أن يستبدل به عقار لا دراهم ودنانير، لئلا يأكلها النظار؛ ولأنه قل أن يشتري بها الناظر بدلاً. وأجاز بعضهم الاستبدال به نقوداً، ما دام المستبدل قاضي الجنة. ٦ - ألا يبيعه القاضي لمن لا تقبل شهادته له، ولا لمن له عليه دين، خشية التهمة والمحاباة. فإذا لم تتوافر هذه الشروط كان بيع الوقف باطلاً لا فاسداً. وإذا صح بيع الحاكم بطل وقفية ما باعه، ويبقى الباقي على ما كان. وهناك مسائل أربع يجوز فيها استبدال العامر من الأرض وهي: الأولى - لو شرطه الواقف. الثانية - إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء، حتى صار بحراً، فيضمن القيمة، ويشتري المتولى بها أرضاً بدلاً. الثالثة - أن يجحده الغاصب ولا بينة، وأراد دفع القيمة، فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً. الرابعة - أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة أحسن مكاناً، فيجوز على قول أبي يوسف، وعليه الفتوى.

стр. 7422

مذهب المالكية في بيع الموقوف: ذكر المالكية (١) أن الأوقاف بالنسبة لبيعها ثلاثة أقسام: أحدها - المساجد: لا يحل بيعها أصلاً بالإجماع. الثاني - العقار لا يباع وإن خرب، ولا يجوز الاستبدال به غيره من جنسه، كاستبداله بمثله غير خرب، ولا يجوز بيع أنقاضه من أحجار أو أخشاب، لكن إن تعذر عودها في الموقوف، جاز نقلها في مثله. ويجوز بيع العقار الموقوف في حالة واحدة: وهي أن يشترى منه بحسب الحاجة لتوسعة مسجد أو طريق. الثالث - العروض والحيوان إذا ذهبت منفعتها، كأن يهرم الفرس، ويخلَق الثوب، بحيث لا ينتفع بهما، يجوز بيع الموقوف وصرف ثمنه في مثله، فإن لم تصل قيمته إلى شراء شيء كامل، جعلت في نصيب من مثله. فمن وقف شيئاً من الأنعام لينتفع بألبانها وأصوافها وأوبارها، فنسلها كأصلها في الوقف، فما فضل من ذكور نسلها عن النزو، وما كبر من إناثها، فإنه يباع، ويعوض عنه إناث صغار، لتمام النفع بها. وهذا قول ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يباع أصلاً. الخلو: بناء على ما قرره المالكية من منع بيع الوقف وأنقاضه، ولو خرب، هل يجوز للناظر إذا خرب الوقف وتعذر عوده لإنتاج غلة وأجرة، بأن لم يجد ما يعمر به من ريع الوقف، ولا أمكنه إجارته بما يعمره: أن يأذن لمن يعمره من عنده

стр. 7423

ببناء أو غرس على أن البناء أو الغراس يكون للباني أو الغارس ملكاً وخلواً يباع ويورث عنه؛ لأن العمارة تكون لصاحبها، ويجعل في نظير الأرض الموقوفة حُكراً (مبلغاً دائماً) يدفع للمستحقين أو لخدمة المسجد؟ أفتى بعضهم وهو الشيخ الخرشي بالجواز، وأجازه الحنفية (١)، وهذا هو الذي يسمى خلواً، وقال الدردير شارح متن خليل: وهي فتوى باطلة قطعاً، وحاشا المالكية أن يقولوا بذلك؛ لأن منفعة الموقوف موقوفة، لا تملك بهذا العمل. مذهب الشافعية في بيع الموقوف: قال الشافعية (٢): ١ - إذا انهدم مسجد أو خرب وانقطعت الصلاة فيه، وتعذرت إعادته، أو تعطل بخراب البلد مثلاً، لم يعد إلى ملك أحد، ولم يجز التصرف فيه بحال ببيع أو غيره؛ لأن ما زال الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، كما لو أعتق عبداً، ثم مرض مرضاً مزمناً، لايعود ملكاً لسيده. وتصرف غلة وقفه لأقرب المساجد إليه إذا لم يتوقع عوده، وإلا حفظ. وإن خيف على المسجد السقوط، نقض، وبنى الحاكم بأنقاضه مسجداً آخر، إن رأى ذلك، وإلا حفظه. والبناء بقربه أولى. ولا يبني به بئراً، كما لا يبني بأنقاض بئر خربت مسجداً، بل بئراً أخرى، مراعاة لغرض الواقف ما أمكن. ولو وقف الواقف على قنطرة، فاحترقت الوادي، واحتيج إلى قنطرة أخرى، جاز نقلها إلى محل الحاجة.

стр. 7424

وغلة وقف الثغر (وهو الطرف الملاصق من بلادنا لبلاد الكفار) إذا حصل فيه الأمن، يحفظه الناظر، لاحتمال عوده ثغراً. ويدخر من زائد غلة المسجد على ما يحتاج إليه ما يعمره، بتقدير هدمه، ويشتري له بالباقي عقاراً ويقفه؛ لأنه أحفظ له. وتقدم عمارة الموقوف على حق الموقوف عليهم، لما فيها من حفظ الوقف. ويصرف ريع الموقوف على المسجد وقفاً مطلقاً أو على عمارته: في مصالح المسجد من بناء وتجصيص وسلم ومظلات للتظليل بها، ومكانس يكنس بها، ومساحي ينقل بها التراب، وأجرة قيِّم، لا أجرة مؤذن وإمام وحصر ودهن؛ لأن القيِّم يحفظ العمارة، بخلاف الباقي. فإن كان الوقف لمصالح المسجد، صرف من ريعه لمن ذكر، لا في التزويق والنقش، بل لو وقف عليها لم يصح. ٢ - الأصح جواز بيع حُصْر المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا تضيع ويضيق المكان به من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل تصفيتها تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، ويصرف ثمنها في مصالح المسجد. فإن صلحت لغير الإحراق كاتخاذ ألواح أو أبواب منها، فلا تباع قطعاً. والأصح جواز بيع نخلة موقوفة جفت إذا لم يمكن الانتفاع بجذعها بإجارة وغيرها، وبهيمة زمِنت؛ لأن ما لا يرجى منفعته، فكان بيعه أولى من تركه، بخلاف المسجد، فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع، فيصلى فيه.

стр. 7425

وقيمة المبيع لها حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف أو منقطع الآخر، وهو أن تصرف لأقرب الناس إلى الواقف، فإن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين، أو مصالح المسلمين. فإن أمكن الانتفاع بجذع الشجرة الموقوفة الجافة بإجارة وغيرها، لم ينقطع الوقف على المذهب، إدامة للوقف في عينها، ولا تباع ولا توهب، للخبر السابق عن عمر في أول بحث الوقف. والحاصل أن الشافعية في الجملة والمالكية أشد الآراء في عدم جواز بيع الوقف. و مذهب الحنابلة (١): أـ إذا خرب الوقف وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انصرف أهل القرية عنه، وصار في موضع لايصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضع، أو تشعب جميعه، فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه. واستدلوا بما روي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد، لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل. وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعاً. ولأن فيما ذكر استبقاء الوقف بمعناه، عند تعذر إبقائه بصورته، فوجب البيع. ب - وإذا بيع الوقف، فأي شيء اشتري بثمنه، مما يرد على أهل الوقف،
следующие страницы →