← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38726

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (776 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أولا: حقيقة التسمية يجب البدء أولاً ببيان حقيقة التسمية، وبيان صحة نسبتها إلى العلم، فهل هي كذلك؟ لقد انخدع الناس بتسمية العلمانية بهذا الاسم، ولا يزال أنصارها يتبجحَّون بها ويتطاولون بتعاليمها مغترين بها حيث وجدت لها سوقا رائجة لدى فئات ممَّن قلَّت معرفتهم أو كانت لهم أهدافاً شريرة ضد الدين لعزله عن قيادة البشر أو التحاكم إليه لإحلال تعاليم عَبدَة الأوثان وأصحاب الأحقاد محله. وحين انطلقت هذه التسمية في أوربا كان يُقصَد بها عندهم حسب ترجمتها الصحيحة فصل الدين عن السياسة، أو الفصل الكامل بينه وبين الحياة الاجتماعية، على أساس أنه لا يجتمع العلم مع الدين بزعمهم، وقد كذبوا في ذلك وقلبوا الحقيقة، فإن الدين والعلم حميمان يكمل أحدهما الآخر ويقويه، أما نسبتهم مذهبهم إلى العلم فإن الحقيقة تدل على أنه لا علاقة بين العلم وبين هذه الفكرة الضالة، بل إن تسميتها علمانية إنما هو بسبب سوء الترجمة من معناها الغربي الذي هو الابتعاد عن الدين، أو من باب الخداع والتضليل إذ كان الأولى أن تكون ترجمتها وتسميتها أيضاً هي "اللادينية" لأن مفهومها الأصلي هو هذا وليس نسبة إلى العلم. وما أقوى التشابه بين تسميتهم العلمانية بهذا الاسم نسبة إلى العلم، وبين تسميتهم الاشتراكية العلمية بهذا الاسم كذلك، كلاهما تمسح بالعلم وهو بريء منهما، وكلاهما خداع للناس وتضليل. وبعض الباحثين ذهب إلى أن "علمانية" بكسر العين وسكون اللام معناها العلم الذي هو ضد الجهل، وأما "علمانية" بفتح العين وسكون اللام فمعناها العالم أو الدنيا في مقابل الآخرة، وتأتي علمانية أيضاً بمعنى دهري وهو تفسير لكلمة "لائيك" الفرنسية وهو تعبير نشره اليهود في فرنسا فيما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر الميلاديين (١). المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٨١

стр. 142

ثانيا: التعريف الصريح للعلمانية الواقع أن دارس العلمانية سيلاحظ تعريفات كثيرة، إلا أن أصدق تلك التعريفات وأقربها إلى حقيقة العلمانية هو: أن العلمانية مذهب هدَّام يُراد به فصل الدين عن الحياة كلها وإبعاده عنها. أو هي إقامة الحياة على غير دين إما بإبعاده قهراً ومحاربته علناً كالشيوعية، وإما بالسماح به وبضده من الإلحاد كما هو الحال في الدول الغربية التي تسمي هذا الصنيع حرية وديمقراطية أو تدين شخصي. بينما هو حرب للتدين، ذلك أن حصر الدين في نطاق فردي بعيداً عن حكم المجتمع وإصلاح شؤونه هو مجتمع لا ديني لأنه أقام حياته الاجتماعية والثقافية وسائر معاملاته على إقصاء الدين (١)، وهو حال الحضارة الغربية الجديدة ونظامها، وهذا هو الواقع الصحيح، ولا عبرة بمراوغتهم في زعمهم أنهم يرعون التدين، فإنها مجرد خداع للمتدينين، فإن تسميتهم لهذا الإلحاد علماً هو من باب فرحهم بمعرفتهم ظاهراً من الحياة الدنيا، وأين هو من العلم الحقيقي الذي يوصل صاحبه إلى معرفة ربه ودينه وإلى السعادة في الدنيا والآخرة. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٨٣

стр. 143

ثالثا: نشأة العلمانية وموقف دُعاتها من الدين وبيان الأدوار التي مرت بها لقد قامت العلمانية اللادينية على الإلحاد وإنكار وجود الله تعالى وإنكار الأديان، وهي ردة في حق من يعتنقها من المسلمين مهما كان تعليله لها، وكانت العلمانية عند قيامها في مرحلتها الأولى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تنظر إلى الدين على أنه ينبغي أن يكون أمراً شخصياً لا شأن للدولة به إلا ما يتعلق بجباية الضرائب للكنيسة، ولعل هذا كان خداعا لأهل الدين، ثم اشتدت المواجهة للدين على النحو الذي تطورت إليه بعد ذلك، وكان الخلاف محتدماً ما بين رجال الدين ورجال العلمانية على السلطة، مما جعلهم ينادون بفصل الدين عن الدولة ليستقل كل فريق بسلطته. حتى إذا جاء القرن التاسع عشر، وهي المرحلة الثالثة، إذ بالعلمانيين يتجهون اتجاها منافياً لكل مظاهر الدين والتدين، وأحلوا الجانب المادي محل الدين، وبدأ الصراع يشتد بين العلمانيين اليساريين الناشئين وبين رجال الدين الكنسي المتقهقر، إلى أن أُقصِيَ الدين تماماً، ولم يعد للإيمان بالغيب أي مكانة في النفوس، إذ حل محله الإيمان بالمادي المجرد المحسوس (١). ورغم وضوح الإلحاد في المذهب العلماني فقد ظهر من يزعم زوراً وكذباً أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين، وأخذ بعض الجاهلين والمتجاهلين يرددون هذا الفكر المغالط كالاشتراكيين تماماً، على أنه لا ينبغي أن يغيب عن ذهن القارئ أن حرب الغرب للدين وأهله إنما جاءهم من دين مُحرَّف معادٍ لكل مفهوم للحياة الجديدة، لأن النصرانية التي جاء بها المسيح ﵇ قد اندثرت وحُرفِّت وضاع إنجيله بعد رفعه بفترة قصيرة، فتزعم الديانة بولس اليهودي الحاقد، فجاءت خرافية مصادمة للعقل والمنطق والواقع، ومن هنا وجد أقطاب العلمانية أن الدين – وهو تعميم خاطئ – لا يمكن أن يساير حضارتهم الناشئة، وأن رجال دينهم طغاة الكنيسة لا يمكن أن يتركوهم وشأنهم – وهو ما حدث بالفعل – وعلى إثر ذلك قامت المعركة بين الدين وأقطاب العلمانية، ونشط العلمانيون في بسط نفوذهم، وساعدتهم على ذلك عامة الشعوب الأوربية التي أذاقتها الكنيسة الذل والهوان والالتزام بدين لا يقبله عقل أو منطق، فوجدوا في الالتجاء إلى رجال الفكر العلمانيين خير وسيلة للخروج عن أوضاعهم. وإذا كان القارئ يرى أن للغرب حجتهم في رفض ذلك الدين البولسي الجاهلي، فإنه سيرى حتماً أن انتشار العلمانية في بلاد المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال، ولا سبب له إلا قوة الدعاية العلمانية وجهل كثير من المسلمين بدينهم وجهلهم كذلك بما تبيته العلمانية للدين وأهله واتباعا للدعايات البرَّاقة. الأدوار التي مرت بها العلمانية في نشأتها وقد ذكر الدكتور العرماني أن العلمانية قد مرت في تطورها بأدوار هي كما يلي: الدور الأول وقد كان دور الصراع الدموي مع الكنيسة، وسُمي هذا الدور بعصر التنوير أو بداية عصر النهضة الأوربية، ويعود سببه إلى تأثر الأوربيين بالمسلمين أثر اختلاطهم بهم عن طريق طلب العلم في الجامعات الإسلامية، وقد ذاق علماء الغرب في هذا الدور ألوانا من العذاب على أيدي رجال الكنيسة إثر ظهور الاكتشافات العلمية هناك ووقوف رجال الكنيسة ضد تلك الاكتشافات وجهاً لوجه. الدور الثاني ظهور العلمانية الهادئة وتغلب رجالها على المخالفين من رجال الكنيسة، وفيه تم عزل الدين عن الدولة وانحصرت مفاهيم الكنيسة في الطقوس الدينية فقط بعيدة عن الحياة الاجتماعية كلها. الدور الثالث وفيه اكتملت قوة العلمانية ورجالها، وحلَّ الإلحاد المادي محل الدين تماماً (٢). ثم برزت الرأسمالية وغيرها من الروافد المقوية للإلحاد العلماني، فاكتمل تطويق الدين ورجاله واعتبر الدين عدواً للحضارة، وصار محل سخرية الجميع في رد فعل عارم يريد أن يكتسح كل شيء أمامه مما كان موجودا ليفسح الطريق أمام الوضع الجديد المتمرد على كل الأوضاع التي قبله. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٨٤

стр. 144

رابعا: أسباب قيام العلمانية (١) قامت العلمانية أول ما قامت في أوروبا وذلك لأسباب عديدة منها: أولاً: الطغيان الكنسي: فالكنيسة طغت، وتجبرت، وأصبحت تفرض على الناس العقائد الباطلة التي لا تتفق مع نقل ولا عقل، كعقيدة العشاء الرباني، وعقيدة التثليث، وعقيدة الخطيئة الموروثة، والصلب والفداء. كما أنها أصبحت تحرم، وتحلل، حسب ما يتفق وأهواء رجال الدين. وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله مثل حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلة. ولم تتردد الكنيسة في استعمال هذه الحقوق واستغلالها، فحق الغفران أدى إلى المهزلة التاريخية صكوك الغفران السالفة الذكر، وحق الحرمان عقوبة معنوية بالغة كانت شبحاً مخيفاً للأفراد والشعوب في آن واحد؛ فأما الذين تعرضوا له من الأفراد فلا حصر لهم، منهم الملوك أمثال: فردريك، وهنري الرابع الألماني، وهنري الثاني الإنجليزي، ورجال الدين المخالفين مثل: أريوس حتى لوثر، والعلماء والباحثون المخالفون لآراء الكنيسة من برونو إلى آرنست رينان وأضرابه. أما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حصل خلاف بين الملك يوحنا ملك الإنجليز، وبين البابا، فحرمه البابا وحرم أمته، فعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، وعاش الناس حالة من الهيجان، والاضطراب، حتى عاد يوحنا صاغراً يقر بخطيئته، ويطلب الغفران من البابا. ولما رأى البابا ذُلَّه، وصدق توبته رفع الحرمان عنه وعن أمته. أما التَّحلَّة؛ فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة _ مصلحتها _ ذلك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد لاسيما بعد أن اتضح للكنيسة الأثر الإسلامي الظاهر في الآراء المخالفة، فأنشأت ذلك الغول البشع، والشبح المرعب، الذي أطلق عليه اسم (محاكم التفتيش) تلك المحاكم التي عملت على إبادة المسلمين، أو المخالفين لآراء الكنيسة. ولا يكاد المؤرخون الغربيون يتعرضون للحديث عنها إلا ويصيبهم الاضطراب، وتتفجر كلماتهم رعباً، فما بالك بالضحايا الذين أزهقت أرواحهم، والسجناء الذين أذاقتهم ألوان المر والنكال. وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب، وآلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، وكان الزبانية يبدأون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجياً حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم. وكان لدى المحكمة آلات تعذيبية أخرى منها آلة على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، يلقون الضحية في التابوت، ثم يطبقونه عليه، فيتمزق جسمه إرباً إرباً، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب، ثم تشد، فتقصه قطعة قطعة، وتغرز في أثداء النساء حتى تنقطع كذلك، وصور أخرى تتقزز منها النفوس، وتشمئز لذكرها. كل ما سبق جعل الناس يؤمنون بالمسيحية قسراً دون أن يتجرأ أحد على مناوءتها أو مخالفتها. أضف إلى ما سبق ما حصل من طغيان الكنيسة السياسي، حيث فرضت وصايتها على الملوك، وجعلت معيار صلاحهم معلقاً بما يقدمون للكنيسة من طاعة وانقياد. أضف إلى ذلك الطغيان المالي، ويمكن تلخيص مظاهر الطغيان الكنيسي في هذا المجال بما يلي: ١_ الأملاك الإقطاعية: حيث أصبحت الكنيسة أكبر مُلاَّك الأراضي، وأكبر الإقطاعيين في أوروبا.

стр. 145

٢_ الأوقاف: فلقد كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافاً للكنيسة، بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة، وبناء الكنائس، وتجهيز الحروب الصليبية. إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق. ٣_ العشور: حيث فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة العشور، وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على عشر ما تغله الأراضي الزراعية، والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين. ٤_ ضريبة السنة الأولى: فالكنيسة لم تقنع بالأوقاف، والعشور، بل فرضت الرسوم، والضرائب الأخرى، لاسيما في الحالات الاستثنائية؛ كالحروب الصليبية، والمواسم المقدسة، وظلت ترهق كاهل رعاياها. فلما تولى البابا حنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هي (ضريبة السنة الأولى). وهي مجموع الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية، والإقطاعية تدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة مورداً مالياً جديداً. ٥_ الهبات والعطايا: وذلك أن الكنيسة كانت تحظى بالكثير من العطايا والهبات، يقدمها الأثرياء الإقطاعيون؛ تملقاً ورياءاً، أو بدافع من الصدقة والإحسان. ٦_ العمل المجاني _السخرة_: وذلك بقيام بعض الناس بالعمل لخدمة الكنيسة بالمجان مدة محددة، هي في الغالب يوم واحد في الأسبوع دون مقابل. ثانياً: الصراع بين الكنيسة والعلم: فلقد قام الصراع بين الكنيسة والحقائق العلمية على أشده، فلقد كانت الكنيسة هي المصدر الوحيد للمعرفة، فلما ظهرت بعض الحقائق العلمية التي تخالف ما تقرره الكنيسة كنظرية كوبرنيق (١٥٤٣م) الفلكية، ومن بعده (جردانو برونو) وغيرها من النظريات _ حصل الصراع بين الكنيسة وبين العلم، ومن هنا اصطدمت حقائق العلم بزيوف الكنيسة؛ فقامت الكنيسة بالقبض عليهم، وتكذيبهم، ومحاربة أفكارهم. ومن ثم نشأت الفكرة القائلة: إن العلم لا صلة له بالدين، وإن الدين يحارب العلم. ثالثاً: الاضطرابات والثورات التي قامت في أوروبا: كالثورة الفرنسية، وغيرها، تعد من أسباب قيام العلمانية. رابعاً: شيوع المذاهب والأنظمة الاجتماعية والنظريات الهدامة كنظرية التطور وغيرها. خامساً: الخواء الروحي عند الأوروبيين؛ ذلك؛ لأن النصرانية المحرفة لا تزكي الروح، ولا تخلص أتباعها من الأسئلة القاتلة داخل النفوس حول الكون، والإله، والمصير، وما إلى ذلك. سادساً: غياب المنهج الصحيح عن الساحة الأوروبية، وهو الإسلام. سابعاً: تقصير أمة الإسلام في أداء رسالتها تجاه البشرية. ثامناً: خلو الأناجيل المحرفة من أي تصوُّر محدد لنظام سياسي، أو اجتماعي، أو اقتصادي، أو علمي. تاسعاً: المكر اليهودي الذي يحرص على إنشاء المذاهب الهدامة، أو احتوائها؛ رغبة من اليهود في إفساد البشرية وجعلها حمراً يمتطونها. كل هذه العوامل جعلت من الدين رمزاً للتسلط، والتجبر، والطغيان، والجهل والخرافة، ومحاربة العلم؛ فما الحل إذاً؟ الحل الذي ارتأوه أن الدين حجر عثرة أمام التطور، والمطلوب نبذه وإقصاؤه عن الحياة، ومن هنا قامت العلمانية. وكان جديراً بهؤلاء الذين قاوموا هذه الكنيسة أن يبحثوا عن المنهج الحق الذي يشجع العلم ولا يقف ضده، بل هو دين العلم ألا وهو الإسلام. ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل، ولله في ذلك حكمة. فهذه أسباب قيام العلمانية، وتلك مسوغاتها. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٧٨

стр. 146

خامسا: صور العلمانية للعلمانية صورتان، كل صورة منهما أقبح من الأخرى: الصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية: وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها، إلا أن الحكم بكفرها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين، فلا ينطلي - بحمد الله - أمرها على المسلمين، ولا يُقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه، (وخطر هذه الصورة من العلمانية من حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف)، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين، ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب، أو السجن أو القتل. الصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة (١) وهي علمانية لا تنكر وجود الله، وتؤمن به إيمانًا نظريًا: لكنها تنكر تدخل الدين في شؤون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا، (وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة) من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله، وعدم ظهور محاربتها للتدين (٢) يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الكفرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك. ومثل هذه الأنظمة العلمانية اليوم، تحارب الدين حقيقة، وتحارب الدعاة إلى الله، وهي آمنة مطمئنة أن يصفها أحد بالكفر والمروق من الدين؛ لأنها لم تظهر بالصورة الأولى، وما ذلك إلا لجهل كثير من المسلمين، نسأل الله أن يعلمنا وسائر المسلمين، وأن يفقه الأمة في دينها حتى تعرف حقيقة هذه الأنظمة المعادية للدين. ولهذا فليس من المستبعد أو الغريب عند المسلم الفاهم لدينه أن يجد في كلمات أو كتابات كثير من العلمانيين المعروفين بعلمانيتهم ذكر الله ، أو ذكر رسوله – ﷺ أو ذكر الإسلام، وإنما تظهر الغرابة وتبدو الدهشة عند أولئك الذين لا يفهمون حقائق الأمور.

стр. 147

والخلاصة: أن العلمانية بصورتيها السابقتين كفر بواح لاشك فيها ولا ارتياب، وأن من آمن بأي صورة منها وقبلها فقد خرج من دين الإسلام والعياذ بالله، وذلك أن الإسلام دين شامل كامل، له في كل جانب من جوانب الإنسان الروحية، والسياسية، والاقتصادية، والأخلاقية، والاجتماعية، منهج واضح وكامل، ولا يقبل ولا يُجيز أن يشاركه فيه منهج آخر، قال الله تعالى مبينًا وجوب الدخول في كل مناهج الإسلام وتشريعاته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً [البقرة: ٢٠٨]. وقال تعالى مبينًا كفر من أخذ بعضًا من مناهج الإسلام، ورفض البعض الآخر، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:٨٥]. والأدلة الشرعية كثيرة جدًا في بيان كفر وضلال من رفض شيئًا محققًا معلومًا أنه من دين الإسلام، ولو كان هذا الشيء يسيرًا جدًا، فكيف بمن رفض الأخذ بكل الأحكام الشرعية المتعلقة بسياسة الدنيا - مثل العلمانيين - من فعل ذلك فلاشك في كفره. والعلمانييون قد ارتكبوا ناقضًا من نواقض الإسلام، يوم أن اعتقدوا أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه، وأن حكم غيره أفضل من حكمه (١). قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " ويدخل في القسم الرابع - أي من نواقض الإسلام - من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سببًا في تخلف المسلمين، أو أنه يُحصر في علاقة المرء بربه، دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى " المصدر: العلمانية وثمارها الخبيثة – محمد شاكر الشريف

стр. 148

سادسا: آثار العلمانية في الغرب على الرغم من أن الحضارة العلمانية الغربية قد قدمت للإنسان كل وسائل الراحة وكل أسباب التقدم المادي، إلا أنها فشلت في أن تقدم له شيئاً واحداً وهو السعادة والطمأنينة والسكينة، بل العكس قدمت للإنسان هناك مزيداً من التعاسة والقلق والبؤس والتمزق والاكتئاب، وذلك لأن السعادة والسكينة أمور تتعلق بالروح، والروح لا يشبعها إلا الإيمان بخالقها، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه؛ قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:٤] أي جعل الطمأنينة والوقار في قلوب المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما أطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت، زادهم إيماناً مع إيمانهم وكيف تنزل السكينة في قلوب أناس أقاموا حضارتهم على غير أساس من الإيمان بالله تعالى وشرعه؟ بل الذي يحصل لهم هو مزيد من القلق والتعاسة والضيق والخوف يقول الله ﵎: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥]. وبهذا يتبين لنا حالة القلق الرهيب التي تعيشها المجتمعات التي تسير على غير هدى الله وشرعه، على الرغم من تقدمها المادي، ووصولها إلى أرقى أساليب التقنية الحديثة. وهذا ما أيده الواقع الملموس في البلاد التي ابتعدت عن شرع الله، فالإنسان إنما يكون في حالة طيبة نفسياً وبدنياً عندما تقوى صلته بالله تعالى، ويلتزم بأوامره ويجتنب نواهيه. ولذلك يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "في القلب شعث - أي تمزق وتفرق - لا يلمهُ إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً" (١). إن إبعاد الدين عن مجالات الحياة في المجتمعات الغربية كان - ولا يزال - من أهم الأسباب التي أدت إلى الإفلاس والحيرة والضياع. وإن مما نتج عن ذلك مما هو مشاهد وملموس ما يلي: الولوغ والانغماس في المشروبات الروحية والإدمان على المخدرات. ٢ - الأمراض العصبية والنفسية. ٣ - الجرائم البشعة بمختلف أنواعها كالسرقات، والاغتصاب، والشذوذ الجنسي، والقتل وغيرها. ٤ - تأجيج الغرائز الجنسية بين الجنسين. ٥ - انتشار الأمراض المخيفة كالزهري، والسيلان، وأخيراً يبتلي الله تلك المجتمعات بالطاعون الجديد وهو مرض "الإيدز". ٦ - الانتحار. إن الغرب يعيش حياة الضنك والقلق، فلا طمأنينة له ولا راحة، ولا انشراح لصدور أهله، بل صدورهم في ضيق وقلق وحيرة، وما ذلك إلا لضلالهم وبعدهم عن الله، وإن تنعموا ظاهراً في الحياة الدنيا. قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:٧]. المصدر: العلمانية لبندر بن محمد الرباح

стр. 149

سابعا: الرد على من زعم أنه لا منافاة بين العلمانية وبين الدين ما أكثر المغالطات التي توجه إلى خلط المفاهيم إما عن جهل بالحقائق وإما عن معرفة وطوية مبيتة شريرة. ومن العجيب حقاً أن يتبجح مُنشئوا العلمانية بأنها حرب على الأديان وتذويب للمجتمعات في بوتقة اللادينية، ثم يأتي بعد ذلك من يحاول تغطية هذا المفهوم الواضح فيدَّعي التوافق بينها بحجة أن العلمانية والدين يجتمعان في الحث على نبذ التأخر – حسب مفهومهم – وعلى الحث على العلم والاكتشافات والتجارب، والدعوة إلى الحرية، أو أن العلمانية تخدم جوانب إنسانية بينما الدين يخدم جوانب إلهية .. إلخ تُرهاتهم، ولنا أن نقول للمغالطين أن العلمانية لم تظهر في الأساس إلا بسبب الخلافات الشديدة بين دينهم وبين علمانيتهم، وإلا فما الذي أذكى الخصومة بين الدين والعلمانية عندهم؟ نعم إن الدين الصحيح يدعو إلى نبذ التأخر والأخذ بالعلم ومعرفة الاكتشافات والبحث والتجارب ويدعو إلى الحرية، لكنه لا يجعل تلك الأمور بديلاً عن الخضوع للتعاليم الربانية أو الاستغناء عنها وإحلال المخترعات محل الإله ، بل يحكم على كل من يعتقد ذلك بالإلحاد ومحاربة الدين علناً، وهو ما سلكته العلمانية بالنسبة لنبذها للدين. والدين الصحيح لا يفصل بين السياسة والحكم بما أنزل الله تعالى، ولا يجعل قضية التدين قضية شخصية مزاجية، ولا يبيح الاختلاط ولا السفور وإعلان الحرب على القيم والأخلاق، بينما العلمانية لم تقم في الأساس إلا على تكريس البعد عن الدين – النصراني – وإباحة الشهوات بكل أشكالها. فأي وفاق بينهما؟!! كذلك فإن الدين لا يبيح لأي شخص أن يُشرَِّع للناس من دون الله تعالى، ولا أن يتحاكموا إلى غير شرع الله تعالى، وهذا بخلاف العلمانية، كما أن التوافق بين شيئين في بعض الجوانب لا يجعلهما متماثلين حتماً. أما هل يوجد وفاق بين الإسلام بخصوصياته وبين العلمانية؟ فإنها إذا كانت العلمانية لا تتوافق مع بعض المذاهب الوضعية الجاهلية وتقف ضد نفوذها، أفيمكن أن تتوافق مع الإسلام بخصوصه، إن الذين يتصورون ذلك لا يحترمون عقولهم ولا مشاعر الآخرين، أليس الإسلام هو العدو اللدود لجميع الجاهليات مهما اختلفت أسماؤها في حزم وصرامة دون أي تحفظ لا يختلف في ذلك مسلمان؟ وكيف تتفق العلمانية على الشرك بالله ، وبين الإسلام القائم على عبادة الله وحده لا شريك له ذلاً وخضوعاً وحكماً في كل شيء. لقد قامت العلمانية من أول يوم على محاربة الدين وعدم التحاكم إليه، وعلى الخضوع لغير الله تعالى إما الطبيعة وإما في عبادة بعضهم بعضاً بعد أن ابتعدوا عن الدين وعن الخضوع لرب العالمين وأشركوا معه سبحانه فئة من البشر يسمونهم بالمشرعين أو القانونيين، ويقدمون كل ما يقرره هؤلاء وينفرون عن ذكر الشريعة الإلهية والرسل والرسالات لأنها بزعمهم لا تقدم الحلول الناجحة كالتي اخترعوها، متناسين هذه الفوضى الفكرية والأخلاقية والاقتصادية .. الخ، الفوضى التي تعيشها المجتمعات العلمانية ونقضها اليوم ما أثبتته بالأمس وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢]. ولعل الذي حمل بعض القائلين بأن العلمانية لا تحارب الدين ما يرونه من عدم تعرض العلمانيين لسائر أهل العبادات بخلاف النظام الشيوعي، ولكن يجب أن تعرف أن أساس العلمانية لا ديني، ولعل تركهم لأهل العبادات إنما هي خطة أو فترة مؤقتة. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٨٧

стр. 150

ثامنا: بداية ظهور العلمانية في بلاد الإسلام لا تكاد تعثر في الأزمنة الماضية على مسلم يشن الحرب على الإسلام، ويتنكر له خصوصاً في مجال النظام السياسي. بل إن زمن هذه الحرب حديث جداً لا يزيد على قرنين من الزمان؛ فقد بدأ مع بداية انتشار الفكر العلماني الذي دعت إليه الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م. ومن ذلك الحين، وبفعل مجموعة من الأسباب التي مر الحديث عنها _ بدأ ذلك الفكر يسري إلى بلاد المسلمين، وبدأ التوجه العلماني اللاديني في بعض الدوائر يؤتي ثماره، وينتج نتائجه في العديد من مجالات الحياة، ويمهد لقيام العلمانية. ولقد كانت تظهر بعض المقولات، أو الفقرات في كتابات بعض الناس لتعلن عن الفكرة العلمانية غير أنها كانت فقرات قصيرة متداخلة مع كلام كثير قد لا يفطن لها الكثيرون بحيث يمرون عليها دون أن يلقوا لها بالاً. بل ربما عدوها من سقطات الكتاب، دون أن يتبين لهم ما وراءها. وظل الحال على هذا المنوال حيناً من الدهر حتى أفصحت العلمانية _ في المجال السياسي _ عن نفسها إفصاحاً كاملاً، وذلك على المستويين العملي، والنظري. أما المستوى العملي فيتمثل فيما قام به مصطفى كمال أتاتورك من إلغاء الخلافة الإسلامية، وإقامة النظام السياسي العلماني على أنقاضها. أما على المستوى النظري فيتمثل فيما أقدمت عليه العلمانية من تقديم فكرتها أو نظريتها السياسية في عزل الدين عن الدولة، وذلك في أول كتابة من نوعها في ديار المسلمين على يد شيخ أزهري، وقاضٍ شرعي وهو علي عبدالرازق. وهذا الصنيع كان إيذاناً لإلغاء الخلافة على المستوى الفكري النظري. (١) صنيع أتاتورك في قيام العلمانية، وإلغاء الخلافة (٢) مر في الفقرة الماضية _ بإيجاز _ حديث عن أتاتورك، وأنه كان أول من طبق العلمانية على المستوى العملي؛ فالعلمانية في تركيا قامت على أنقاض الخلافة الإسلامية، على يد اليهودي مصطفى كمال أتاتورك الذي كان يتظاهر بالتدين، ويصلي في مقدمة الجنود، ويتملق العلماء، وعندما تمكن نفذ خطته اللئيمة على النحو التالي: ١_ إلغاء الخلافة الإسلامية. ٢_ فصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية، فحطم بذلك الدولة الإسلامية العظيمة. ٣_ أعلن العلمانية الإلحادية، وأشاع أن الدين علاقة قلبية بين العبد وبين الله. ٤_ اضطهد العلماء أبشع اضطهاد، وقتل منهم العشرات، وعلقهم بأعواد الشجر. ٥_ أغلق كثيراً من المساجد، وحرم الآذان، والصلاة باللغة العربية. ٦_ أجبر الشعب على تغيير الزي الإسلامي، ولُبْس الأوروبي. ٧_ ألغى الأوقاف، ومنع الصلاة في جامع أيا صوفيا، وحوَّله إلى متحف. ٨_ ألغى المحاكم الشرعية، وفرض القوانين الوضعية المدنية السويسرية. ٩_ فرض العطلة الأسبوعية يوم الأحد بدلاً من يوم الجمعة. ١٠_ ألغى استعمال التاريخ الهجري، واستبدل به التاريخ الميلادي. ١١_ حرم تعدد الزوجات، والطلاق، وساوى بين الذكر والأنثى بالميراث. ١٢_ شجع الشباب والفتيات على الدعارة، والفجور وأباح المنكرات، وقد كان قدوة في انحطاط الخلق، وإدمان الخمر، وممارسة البغاء والشذوذ. ١٣_ قضى على التعليم الإسلامي، ومنع تدريس القرآن الكريم واستبدل بالحروف العربية الحروف اللاتينية. ١٤_ فتح باب تركيا لعلماء اليهود. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٨٦

стр. 151

تاسعا: العلمانية في البلاد الإسلامية العلمانية في مصر (١) اتجهت العلمانية في مصر اتجاهاً فكرياً في الثلاثينات من هذا القرن الميلادي، وقد كان لها مقدمات وإرهاصات أدت إلى ظهورها كحملة نابليون، وكصنيع محمد علي وأبنائه. وبدأ هذا الاتجاه العلماني يأخذ مكانه بوجه خاص أيام الاحتلال البريطاني، وقد خطت مصر خطواتٍ في العلمانية، وبرز دعاة إليها في كثير من جوانب الحياة أمثال: ١_ قاسم أمين في الجانب الأخلاقي، والاجتماعي. ٢_ طه حسين في الجانب الفكري، والثقافي، والأدبي. ٣_ الشيخ علي عبد الرازق في الجانب السياسي والتشريعي وسيأتي الحديث عنه. وغيرهم كثير كسلامة موسى، وسعد زغلول، ولطفي السيد. وبالرغم من هذه الاتجاهات القوية إلا أنها لم تكن ذات أثر في واقع الشعب المصري والدولة المصرية إلا بعد الثورة التي قام بها عبد الناصر عام١٩٥٢م والتي بثت ما يسمى بالعلمانية، وأقامت الدولة نظامها عليها، ثم جاء من بعده السادات، وأصَّلها ودعم وجودها. ثم سرت العدوى إلى أكثر أقطار العالم العربي والإسلامي. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٨٨ في الهند: حتى سنة ١٧٩١م كانت الأحكام وفق الشريعة الإسلامية ثم بدأ التدرج من هذا التاريخ لإلغاء الشريعة الإسلامية بتدبير الإنجليز وانتهت تماما في أواسط القرن التاسع عشر. في الجزائر: ألغيت الشريعة الإسلامية عقب الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٣٠ م في تونس: أدخل القانون الفرنسي فيها سنة ١٩٠٦م. في المغرب: أدخل القانون الفرنسي فيها سنة ١٩١٣م. في العراق والشام: ألغيت الشريعة أيام إلغاء الخلافة العثمانية وتم تثبيت أقدام الإنجليز والفرنسيين فيها المصدر: العلمانية لبندر بن محمد الرباح

стр. 152

عاشرا: هل العالم الإسلامي اليوم في حاجة إلى العلمانية ؟ مما لا يصح أن يختلف فيه اثنان أن العالم الإسلامي ليس بحاجة إلى العلمانية بجميع صورها وأشكالها، وذلك لأمور كثيرة، من أهمها: ١ - كمال الدين الإسلامي: وقد شهد بذلك أصدق القائلين ورب العالمين، عالم الغيب والشهادة، فقد قال في كتابه الكريم الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]، وقال النبي ﷺ : ((تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)) (١).فالإسلام دين كامل ونعمة تامة رضيه الله لأمة محمد ﷺ ، وقد اتضح بما لا شك فيه حتى عند أعداء الإسلام أن هذا الدين هو الدين الصحيح والمنهج السليم لسعادة البشرية وتحقيق آمالهم في الحياة السعيدة والأمن والأمان، قال الفيلسوف "برناردشو": إني أعتقد أن رجلاً كمحمد لو تسلَّم زمام الحكم المطلق في العالم أجمع لتم له النجاح في حكمه ولقاده إلى الخير ولحلَّ مشاكله على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة" (٢). وقد جربه المسلمون حينما كانوا يطبقونه قولاً وعملاً، فكانوا سادة العالم والمنقذين للبشرية من الجهل والخرافات والظلم والتوجه الحق لعبادة فاطر السماوات والأرض ونبذ عبادة من عداه، ولهذا ولغيره فإنه لا يوجد أدنى مبرر لأي مسلم أن يُعرض عنه ويتخذ العلمانية اللادينية الجاهلية عقيدة ومنهجاً له إلا مَن سفه نفسه، ومن المؤسف أن يتكاثر السفهاء ممّن ينتمون إلى الإسلام للتهافت على موائد العلمانية القذرة وأن يزجوا بأنفسهم في الظلمات بعد أن وصلوا إلى النور وأن ينحدروا إلى الهاوية بعد أن وصلوا إلى قمة الأمان، وكأنهم لم يسمعوا بأنين أصحاب الحضارات الجاهلية والظلم الفادح الذي يتجرعون غصصه والخوف الشديد الذي يعيشونه، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، وكأنهم لم ينتفعوا بما جرَّبه غيرهم من طلب العز بغير الإسلام وما وصلوا إليه من الذل والحقارة. ومن كمال الإسلام أنه لم يدع أي أمر يحتاج الناس إليه إلا وبينَّه أتم بيان وأوضح حكم سواء أكان ذلك في الاعتقادات أو في المعاملات، ويطول الكلام لو أردنا أن نستقصي أمثلة ذلك، بل يحتاج إلى دراسة خاصة، كما يلاحظ القارئ الكريم من خلال جهود علماء المسلمين قديما وحديثاً في بيانهم لكل ذلك على هدى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ تجد ذلك الشمول في الإسلام لجميع جوانب الحياة عقيدة وسلوكاً في كل ما يتعلق بحياة الناس الدينية والدنيوية، وعلى سبيل المثال انظر بيانه للشرك وأقسامه، والتوحيد وأقسامه، وتثبيت المراقبة الذاتية في قلب كل مسلم، والحث على الإخلاص في كل شأن وحسن المعاملة وتثبيت الفضائل والتنفير عن الرذائل والأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، والتكافل الاجتماعي الحقيقي والمساواة بين الناس. فلم يخلُ أي جانب من جوانب الأعمال القلبية والحسية من وقوف الإسلام عنده وبيانه بصورة واضحة ترغيباً وترهيباً.

стр. 153

تجد فيه التنفير عن الرياء والغلظة والحسد والنفاق والكبر وسوء الظن والكذب والبهتان والغيبة والنميمة وشهادة الزور والغش وقذف المحصنات الغافلات وظلم النفس وظلم الآخرين وعدم الرفق بالإنسان أو الحيوان وتحريم غمط الناس وإخلاف الوعد .. إلى آخر الصفات فتنشأ في النفس المراقبة الذاتية لله تعالى التي ينتج عنها الإخلاص الذي هو مصدر كل خير وينتج عنها الخوف من الله تعالى، بينما هذه الصفات مفقودة في العلمانية، وفاقد الشيء لا يعطيه. ولهذا نجد أن الجرائم في العالم العلماني منتشرة بشكل مخيف دون أن تجد لها الأحكام الرادعة في غياب الخوف من الله تعالى وعدم مراقبته، فلا تجد فيها الدعوة إلى التواصل والتراحم والعطف على الضعفاء والمساكين وصلة الرحم وحسن الجوار والمعاملة بالتي هي أحسن، كما يظهر فيها النقص الواضح في قضايا المعاملات سواء كانت في البيوع أو النواحي الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية وسائر المعاملات، فلا يوجد ذلك الإحساس الطيب بين الفرد ونفسه وبينه وبين قرابته، وبينه وبين سائر المجتمع، وعلى هذا فإننا نقول وبكل تأكيد واطمئنان أنه لا توجد أي حاجة أو مبرر للالتفات إلى الجاهلية العلمانية وقوانينها البشرية القائمة على التناقض والاضطراب، بل ليس فيها ما يغري بها عند أصحاب العقول والهمم الرفيعة طلاب الحق والمعرفة. ٢ - لأنها لا تتفق مع الإسلام، وقد سبق الرد على من زعم وجود التوافق بينهما. ٣ - ولأنها لا تصل إلى بلد إلا وأنتجت من الشقاء والفوضى في الحكم والأخلاق والقيم وسائر السلوك ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ٤ - ولقد ثبت فشلها في إسعاد المجتمعات التي ابتُليت بها، فلماذا يجربها من ليس في حاجة إلى شيء من تعاليمها، ولماذا يدخل نفسه في شقاء لا مبرر له، والعاقل من اتعظ بغيره. ٥ - ولأن المسلم لا يجوز له الشك في صحة تعاليم الإسلام الحنيف، ولا أن يفضل القوانين الوضعية على الشريعة الإسلامية. ٦ - ولأن وجودها في أوربا وفي سائر المجتمعات الجاهلية كان له ما يبرره لفساد الحال فيها كما تقدم، بخلاف الأوطان الإسلامية التي أشرقت تعاليم الإسلام بها. ٧ – ولأن عقيدة الإسلام واضحة تمام الوضوح في بيان أمر الألوهية والنبوات وكل ما يتعلق بأمر البشر والتشريع، فالله تعالى واحد لا شريك له لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٣ - ٤] والأنبياء بشر أرسلهم الله ليسوا بأبناء الله تعالى ولا شركاء له، والبشر كلهم عبيد لله تعالى لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا [النساء:١٧٢] والتشريع كله لله تعالى الذي لا محاباة فيه ولا مجاملة لأحد على حساب أحد كما هو حال القوانين الوضعية. ٨ - ليس في الإسلام حجر على أي شخص أن يتصل بربه مباشرة وبلا واسطة، إذ الكل عبيد له سبحانه، أقربهم إليه أتقاهم له، بخلاف ما كانت عليه الكنيسة إذ لا وصول فيها إلى الله تعالى إلا من خلال رجال الدين الرهبان والقسس الذين هم نواب عن المسيح الرب ويمثلونه – بزعمهم – مما أثار ثائرة المفكرين الغيورين على مستقبل حياتهم وحياة أبنائهم. ٩ - ليس في الإسلام رجال دين ورجال دنيا، أو رجال تشريع وقانون، أو رجال طبقات مسخرة، وغير ذلك من أوضاع الجاهلية، فالناس في الإسلام كلهم في درجة واحدة في الأصل والتكليف لا يتفاضلون إلا بعلمهم وعملهم الصالح، فلا مزية بينهم إلا في هذا الميدان، وبالتالي فلا يوجد فيه ما يبرر وجود تلك العداوات والعنصريات التي توجد في النظم الجاهلية العنصرية.

стр. 154

١٠ - الإسلام يحترم العلم ويحث على طلبه بكل الوسائل كما يحترم العلماء ويثني عليهم إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر:٢٨] قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:٩]، وميدان العلم في الإسلام فسيح يشمل كل جوانب المعرفة، سواء ما يتعلق منها بالدين ومعرفته أو بالأمور الدنيوية ومعرفتها من طب وزراعة وتجارة وصناعة وغير ذلك، بينما في الديانة النصرانية لا علم إلا ما أشار إليه الكتاب المقدس، ولا حق إلا ما تفوَّه به رجال الدين مهما كان الأمر، ومن هنا كان العلم عند المسلمين يدعو إلى الإيمان، بخلاف ما عند النصارى ورجال العلمانية المحاربين للدين باسم العلم. ومن الغريب أن تجد في العالم الغربي اللاديني أن الذين ينادون بالعلمانية اللادينية هم أنفسهم الذين يساعدون الاتجاه الديني عند النصارى في دعم التنصير والاستشراق، وهم الذين يمدون الكنائس بالأموال السخية في سبيل نشر الفكر الغربي، بينما العلمانية في البلاد الإسلامية أُريد لها أن تقوم على قطع كل صلة للمسلم بدينه، إذ كانت القسمة هكذا إما أن تكون شخصاً علمانياً مثقفاً متطوراً، وإما أن تكون دينياً جامداً متخلفاً، ومن هنا نشأ بُغضُ الدين الإسلامي في قلوب الحمقى ممن ركن إلى هذه الخدع الإجرامية الغربية النصرانية، فلماذا لم يظهر هذا التمايز اليوم بصراحة في الغرب النصراني الذي تسلل إلى زعامته كبار المنصرين، والذي اتخذ من التنصير والاستشراق ستارا كثيفاً بسط نفوذه في العالم الإسلامي. لماذا أصبح المندهشون من الحضارة الغربية وهم ينتسبون إلى الإسلام يستحي أحدهم أن يقول أنا متطور ومثقف ومسلم في آن واحد، وديني هو الدين الذي دعا إلى العلم وعزَّز القائمين عليه وأكرمهم غاية الإكرام. وفي كل ما تقدم وغيره عظة لكل عاقل، إذ يزداد المؤمن إيماناً بدينه وبنبيه ﷺ ، ويعرف أهداف العلمانية وما تسعى إليه من حرب الإسلام والمسلمين وسائر السلوك الحسن. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٩٨

стр. 155

حادي عشر: انتشار العلمانية في ديار المسلمين وبيان أسباب ذلك عرفت مما سبق أن المسلمين ليس بهم حاجة إلى العلمانية، ومع ذلك فقد انتشرت العلمانية في ديار المسلمين انتشاراً قوياً، وأوجد لها أعداء الإسلام عملاء من أهل كل بلد ينوبون عنهم في نشرها بالحيل أحياناً وبالقوة أحياناً أخرى، وكان هؤلاء النواب أشد من ملاحدة الغرب شراسة وإلحاداً، وأشد جرأة وتعسفا لأبناء جنسهم في إرغامهم على قبول اللادينية وربوا عليها أجيالهم، وأصبحت في كثير من البلدان أمراً مسلماً به، وحلت محل الإسلام في كل ناحية مع التظاهر عند البعض بالتزام الإسلام. والأمثلة لا تخفى على القارئ، فقد أصبحت تركيا دولة علمانية لا دينية على يد المجرم "أتاتورك"، الذي قطع كل صلة لتركيا بالإسلام والمسلمين، والذي كان على يديه إسقاط آخر خليفة مسلم في الدولة العثمانية، وإسقاط الدستور الإسلامي واستبداله بالقانون المدني السويسري، وقانون الجزاء الإيطالي، والقانون التجاري الألماني، وغيرها من القوانين الوضعية الجاهلية، وتعهد بإخماد كل حرمة إسلامية، وربط تركيا مباشرة بالدول الغربية، وكان من نتائج ذلك أن تمزق المسلمون ولم تعد لهم جامعة تجمعهم ولا رابطة تربطهم، وهو ما تحقق لأعداء المسلمين من المستعمرين، ولا يزال حكام تركيا يتزلفون إلى الغرب، ولم تكن تركيا وحدها هي الضحية، بل كانت كل الدول الإسلامية التي كانت خاضعة للاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي، أو غيرهما، دخلتها العلمانية من أوسع الأبواب، وأدخلت تلك الدول كلها في ظلمات العلمانية، وأقصي عنها التشريع الإسلامي بالقوة مثل ما حصل في الهند على يد البريطانيين، وفي تونس على يد الفرنسيين، وقويت العلمانية كذلك في مصر وأصبح لها كتاب يدافعون عنها، بعضهم كان ينتسب إلى الأزهر مثل "علي عبد الرزاق"، و"خالد محمد خالد" الذي يُقال إنه رجع عن ذلك. ولا تزال الدول الإسلامية في مد وجزر في تقبل العلمانية أو ردها، وإن كانت الأكثرية قد انخدعت ببريق العلمانية ومنجزاتها الحضارية المزعومة، بل لقد أصبح الكثير من الزعماء يراهن على بقائه في الزعامة في تزلفه لأقطاب العلمانية اللادينية في الشرق أو في الغرب، وبما يقدمه من خدمات في استيراد العلمانية ومحاربة الشريعة الإسلامية وممثليها، ولا يكتفون بهذا الإجرام، بل يضيفون إليه أن الشعوب هي التي تطلب ذلك، والساسة يذبحون الشعوب بأيدي الشعوب، ويتم كل ذلك دون أن تعلم الشعوب شيئا عما يجري في الخفاء وراء الكواليس في الشرق أو في الغرب، مع أن كل عمل إنما ينفذ باسم الشعب، وأين الشعب وأين ما يجري وراء الكواليس. الأسباب التي أدت إلى انتشار العلمانية في بعض ديار المسلمين مما لا شك فيه أن انتشار العلمانية اللادينية أو غيرها من المذاهب الباطلة إنما تنتشر في غفلة العقل وخواء النفس عن التمسك بالمعتقد الصحيح، وفي الوقت الذي يرى فيه الإنسان حسنا ما ليس بالحسن من جراء الدعايات البراقة أو الضغوط الشديدة. وفيما يلي نبين بعض تلك الأسباب التي أدت إلى انتشار العلمانية في ديار المسلمين، ويمكن أن يكون من أول الأسباب كلها:

стр. 156

جهل المسلمين بدينهم: فلقد مرت بالمسلمين فترات ساد فيها الجهل وتغلبت الخرافات وقل فيها الإقبال على العلم والتعلم حتى وصل الحال إلى إمكان عَدِّ الذي يقرأون ويكتبون في البلد الواحد، وحتى الكثير من هؤلاء القرَّاء والكتاب قد لا يقرأ أحدهم إلا القرآن الكريم من المصحف دون فهم ولا تدبر، وأقفل باب الاجتهاد حين غلب الجهل وقلَّ العلماء المجددون وجمدوا على التعصب للآراء وتشعبوا إلى مذاهب فكرية وطوائف متعارضة يحتدم بينها التنافس المنحرف لا لشيء إلا لأجل بسط النفوذ واكتساب الأتباع، وهذا الانحراف مثلته الصوفية بأجلى مظاهره حيث نام الناس على ترديد أوراد جوفاء في معظمها للتبرك وزهد كاذب عن الدنيا وملذاتها. والناس في نظر أقطاب الصوفية أصبحوا مذنبين مقصرين في جنب الله، وحصل عند بعض المتصوفة المسلمين ما حصل للنصارى في نشوء طغيان رجال الكنيسة في تجريمهم للناس وتحطيم معنوياتهم والضغط عليهم للتمسك برجال الدين أصحاب الجاه العريض عند الله، فبهم وحدهم أزمَّة الأمور وبرضاهم يرضى الله وبسخطهم يسخط. واخترع الصوفية في مقابل هذا الغلو النصراني مقالتهم المشهورة "من لم يكن له شيخ، فشيخه الشيطان"، واخترعوا أشد من صكوك الغفران عند النصارى، وهو ضمان القطب الصوفي الجنة لمن يريد، ووصل الهوس بأتباع التصوف إلى الكسل التام والخمول المخزي بحجة التوكل على الله وترك حطام الدنيا إلى غير ذلك من مسالك الصوفية. وعلى كل حال فإن تلك الأوضاع الشائنة التي كان فيها المسلمون مضافا إليها سرعة انتشار الجهل، مضافا إليها النهضة العلمية التجريبية التي شهدتها أوربا، كل ذلك وغيره قد أثر تأثيرا قويا في لي أعناق كثير من المسلمين إلى التأثر بالحضارة الغربية، فذهبوا يحاولون جاهدين تقريب تلك الحضارة الغربية إلى الحضارة الإسلامية على حساب الحضارة الإسلامية بحجة الانفتاح والاستفادة مما وصل إليه الغرب الذي تطور إلى أن وصل إلى الحال الذي يُنظر إليه بعين الإكبار عند المغترين بزخرف الحياة الدنيا، وقد اقتبس الكثير من المسلمين كثيرا من المفاهيم الأوربية وقدموها للمسلمين على أنها حلولا لمشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، وأنها تتماشى مع الإسلام، وانخدع بذلك الكثير من المثقفين ومن غير المثقفين، وكأننا نسير إلى تحقيق ما أخبر عنه النبي من اتباع المسلمين سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى في كل شيء، حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخله المسلم محاكاة وتقليدا دون وعي وتبصُّر. ولقد زاد انبهار المسلمين بما عند الغرب، فقد أصبح التغريب من الأدلة القوية على التمدن والتحضر، وأن تلك العلمانية الملحدة هي التي أوصلت أوربا إلى صنع الطائرة والصاروخ، وغير ذلك من الدعايات التي أجاد حبكها العلمانيون وأفراخهم في البلدان الإسلامية الذين يصورون العالم الإسلامي وكأن السبل قد انسدت عليهم والطرق قد انقطعت بهم ولم يبق لهم إلا منفذ واحد يتنفسون منه وهو منخر الحضارة الغربية العلمانية العاتية.

стр. 157

ومن المعروف أن الحقد الصليبي، وخصوصا نصارى العرب جمرة مشتعلة لا تنطفئ إلا أن يشاء الله تعالى، ولقد أخبرنا الله في كتابه الكريم أن اليهود والنصارى لا يمكن أن يرضوا عن المسلم حتى يتبع ملتهم ويتخلى عن دينه الإسلامي، فقال عن ذلك ومؤكدا عليه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:١٢٠]، ولقد وقف النصارى ضد الإسلام منذ بزوغ فجره إلى اليوم وكان بين النصارى وبين أتباع الإسلام من الحروب وسفك الدماء ما لا يعلمه إلا الله، ولا يقف عدو للإسلام إلا وقف النصارى إلى جانبه مؤيدين له، ولا يجهل طلاب العلم شراسة الحروب الصليبية التي خاض غمارها جحافل الصليب يؤجج نارها طغاة الكنيسة الذي كانوا يضمنون الجنة لكل من حمل صليبه وسيفه لحرب المسلمين التي كانوا يسمونها جهادا في سبيل الله وحربا مقدسة. وقد استمرت عداوة العالم الغربي النصراني للإسلام والمسلمين راسخة في قلوب النصارى حتى بعد أن أدار العالم الغربي ظهره للنصرانية إذ لم تمنعهم عداوتهم للدين النصراني من شدة تعصبهم لما وقع في أسلافهم تحت السيوف المسلمة، فقد أصبحت عداوتهم للإسلام أمراً موروثاً بالفطرة، واستحكمت العداوة إلى الحد الذي أصبح من المستحيل أن يبقى أدنى عطف في قلوب النصارى على أي مسلم، ولكنهم ينافقون المسلمين بأنواع النفاق كلها تحت مسمَّيات عديدة، واشتد العداء للإسلام بسبب وقوفه ضد مطامعهم وضد طغيانهم الجديد الذي أعقب طغيان رجال الكنيسة، وبسبب دعوة الإسلام إلى التحرر من كل الخرافات والأوهام وإلى تحريمه الذل للكفار والاستكانة لهم، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة الظاهرة والخفية. ولقد اتخذت عداوة النصارى للإسلام ومحاربتهم له أشكالا مختلفة ومظاهر عدة، ابتداء بحمل السلاح وتجييش الجيوش النظامية إلى الالتجاء للخداع والمكر المتمثل في غزوهم الفكري للعالم الإسلامي تحت عدة أقنعة من التنصير إلى الاستشراق إلى استجلاب أبناء المسلمين وتنصيرهم بطرقهم المختلفة من بناء المدارس لهم والمستشفيات وإنشاء شتى المرافق التي قدمنا ذكرها، ونشطوا في ذلك نشاطا عاليا أثمر فيما بعد استيلاءهم على العالم الإسلامي حسيِّا ومعنويا، وعلت حضارتهم المادية التي يفاخرون بها على حضارة الإسلام، علت في قلوب مريضة أصيبت بالانبهار بما عند الغرب من صناعة وفكر ونظام، سهل بعد ذلك تسرب العلمانية إلى عقول وجهاء وأصحاب نفوذ صاروا ربائب لأكابر وجهاء العلمانية.

стр. 158

وقد توالت الهزائم على العالم الإسلامي فلا يخرجون من هزيمة إلا إلى أخرى، وأصاب المسلمين الوهن والاستخزاء أمام العبقرية الأوربية، ونجح الجزء الأكبر من المخططات اللادينية، وتضافرت الجهود وأشغلوا المسلمين بأحداث هامشية فيما بينهم لا تخدم أي شكل من أشكال المصالح العامة. وكانت أكبر الخطط الناجحة هي تلك التي اتفق عليها زعماء الغرب من ضرب المسلمين بعضهم ببعض والاتجاه بالحرب وجهة أخرى ليس فيها جيوش ولا آلات حربية، وإنما هي حرب الإسلام ذاته عن طريق الغزو الفكري بدون إثارة المسلمين والتفنن في إطلاق الشعارات البراقة على أعمال العلمانيين والمنصرين في البلاد الإسلامية في أشكال مساعدات إنسانية وثقافية واجتماعية واقتصادية، وما إلى ذلك من الأسماء التي ظاهرها الرحمة وباطنها دمار الإسلام والمسلمين (١). أما الاحتلال الشيوعي الماركسي: ففي الشرق الإسلامي قامت الشيوعية الماركسية باحتلال أراضي المسلمين هناك وقتلت أهلها قتلا ذريعا، وقامت الصين بنفس العمل أيضا حينما احتلت أجزاء من الأراضي الإسلامية، وكان الجميع يتباهون بقتل وتشريد المسلمين ونشر الرعب والفساد، فتوالت على المسلمين النكبات من كل جانب، ولولا لطف الله تعالى وتكفله بحفظ دينه وكتابه لكان العالم الإسلامي في مهب الريح، فلقد فعل الشيوعيون بالمسلمين وبممتلكاتهم أفعالا يندى لها الجبين، فكانوا يهدمون المساجد والبيوت على من فيها في حقد لا نظير له، والحمد لله الذي أقر أعين المسلمين بموت الشيوعية واندحارها في عقر دارها، سنة الله في الباطل الذي يكون له صولة ثم يضمحل – كما سيأتي الحديث عن هذا المذهب الهدَّام وأتباعه الأبالسة. أما بالنسبة للاحتلال اليهودي لأراضي فلسطين: فلقد كان له تأثير واضح نجح رويدا رويدا من وراء ستار كما هو شأن اليهود الذين يجيدون المؤامرات السرية ضد كل المخالفين لهم، وهم وإن لم يكن لهم مستعمرات كثيرة واضحة، فإن لهم مستعمرات هي أشد خطراً من المستعمرات الظاهرة، فلم يكن السبب في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية هو ما تقدم من الأسباب فقط، وإنما انضاف إليها هذا التيار الخطير الهدام والمتمثل في دور اليهود الحاقدين الذي أخبر الله في كتابه الكريم عن شدة عداوتهم للإسلام والمسلمين، وأنهم لا يزالون على عداوتهم إلى الأبد، قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ [المائدة:٨٢]، وجاءت السنة النبوية لتؤكد ذلك، فقد أخبر الرسول ﷺ عن خبث اليهود ومكرهم بالمسلمين في عدة أحاديث، منها ((ما خلى يهودي بمسلم إلا وهم بقتله)) (٢).

стр. 159

وجاءت أفعال اليهود تجاه المسلمين – قديما وحديثا – لتؤكد مصداق كل ما ورد من أوصافهم العدائية في الكتاب والسنة وأقوال الناس عنهم، وجاءت كذلك أقوال عقلاء الناس من مسلمين وغير مسلمين لتؤكد على خطر اليهود على البشرية كلها، واطلع الناس على ما جاء في "التلمود" من تعاليم ضد الجوييم أو الأمميين، واطلعوا على "بروتوكولات حكماء صهيون" الجهنمية فهالهم الأمر، واتضح لكل ذي بصيرة أن اليهود من أشد الناس عداوة للبشرية، ومن أشدهم مكرا، ولقد استعمر اليهود كثيرا من البشر عن طريق منظماتهم ونواديهم، ومنها الماسونية، والشيوعية، وسائر تلك الأفكار، ويكفي في تصور شدة مكر اليهود استحواذهم على النصارى وإدخالهم في حظيرتهم إلى الحد الذي جعل النصارى يتنكرون لما هو من صميم عقائدهم الأساسية وهو قتل اليهود للمسيح ﵇ – كما تزعمه مصادرهم – فقد أصدر زعماء النصارى بيانا بتبرئة اليهود من هذا القتل، وما ذاك إلا للضغط اليهودي، كما أنهم أصمُّوهم وأعموهم عما دونه أحبار اليهود ضد النصارى من عداء شديد إلى حد استحلال دمائهم وأكلها في عيد فصحهم كما فعلوا بالأب "توما" وخادمه "عمَّار" في القضية المشهورة التي حدثت ببلاد الشام القرن الماضي. والذي يهمنا من هذا إنما هو الإشارة إلى تأثير اليهود في نشر العلمانية اللادينية في البلاد الإسلامية، وسيتضح للقارئ مدى هذا التأثير بمجرد قراءته لـ "بروتوكولات حكماء صهيون" وما جاء في "التلمود" وفي تعاليمهم السرية التي يتواصون فيها بالقضاء على كل الأديان – ما عدا دينهم – وأن ذلك سيتم بتشجيعهم لكل حركة معادية للدين ولكل فكرة تحارب الفضيلة، فنشروا الفساد الأخلاقي بكل أشكاله تحت مسمى الحرية، وحاربوا الأديان تحت مسميات مختلفة. وما إن ظهرت اللادينية إلا وتلقفها اليهود ونشروها بكل وسائلهم الكثيرة ودعاياتهم المؤثرة، حتى ركن كثير ممن ينتسب إلى الإسلام إلى تلك الدعايات وتحولوا إلى جنود لخدمة اليهود من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وقد حذرنا الله تعالى من الركون إلى أعداء ديننا بقوله : وَلاَ تَرْكَنُواْ إلى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ [هود:١١٣]، وقد وضحت هذه النار في الشعوب الإسلامية الذين تنكروا لدينهم وتقبلوا العلمانية، وضحت في معيشتهم وفي أمنهم وفي تكاتفهم، بل وفي كل شؤون حياتهم، فكانت أمرا مخزيا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا [الأحزاب:٦٢] ولا يزال اليهود أداة تخذيل وإغواء لكل الأمم – وخصوصا الأمة الإسلامية – التي تمثل عدوهم اللدود الأبدي، ذلك العدو الذي تآمروا عليه منذ بزوغ فجره إلى اليوم، ولكن كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]، وما تمجيدهم للعلمانية ولأقطابها وذمهم للإسلام ولتعاليمه إلا جزءا من عداوتهم له، وجزءا من مخططاتهم للقضاء عليه. ولن يتم الله لهم ذلك إن شاء الله إلى الأبد وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:٨].

стр. 160

ومن الأسباب لانتشار العلمانية أيضا هذه البعثات لأبناء المسلمين التي تُرسل إلى الغرب للدراسة – إلا من رحم الله منهم – ذلك أن الطالب يذهب باعتباره تلميذا مستفيدا لا مناظرا مدافعا، فيشبع من هناك بما قد أعد له وفق مخطط محكم، وحينما يتم دراسته ويرجع إلى بلده الإسلامي لاشك أنه يرجع بغير الفكر الذي ذهب به، إذ لابد وأن يتأثر ولو باتجاه واحد على الأقل أو شبهة لا يستطيع دفعها عن نفسه مهما حاول التماسك والتوفيق بيد الله تعالى. بل إن كثيرا من الذين ذهبوا للدراسة في الدول الكافرة العلمانية يرجعون بقلوب غير التي ذهبوا بها معهم فيتمنون لو أن مجتمعهم الإسلامي يتحول في لحظة إلى صورة طبق الأصل عن تلك المجتمعات الكافرة التي ألفوها وأُشربوا حبها، وقد صرَّح كثير منهم بإعجابه بالحضارة الأوربية، واعتقدوا أن لا مخرج للمسلمين إلى السعادة وامتلاك القوة إلا بتقليد الغرب في كل صغيرة وكبيرة، كالطهطاوي وأحمد خان، وعلي عبد الرزاق، وطه حسين. فرجع كثير من طلاب العلم من المسلمين الذي ذهبوا إلى الدول الأوربية للدراسة وهم متضلعون من تعاليم العلمانية ومقتنعون بها، وإذا رجع الفكر إلى تاريخ المسلمين الأوائل فإن صاحبه يشعر بالحزن والأسى، لأن ماضي المسلمين كان هو النور المشرق، وكان العلم وأهله وكتبه كلها عند المسلمين وفي جامعاتهم، في الوقت الذي كانت فيه أوربا في حمئة الجهل، فانقلب الحال رأسا على عقب حينما زهد كثير من المسلمين عن تعاليم دينهم ورغبوا في الحضارة الغربية وزخرفها، فأصبح بعض المسلمين ينظر إلى العلوم الغربية بنفس الإكبار الذي كان ينظر به الغرب إلى العلوم الإسلامية. ومن الأسباب أيضا استغلال العلمانيون قيام النعرات الجاهلية من قومية ووطنية ودعوى نبذ التخلف، وما إلى ذلك، وقد استجاب لهم الكثير، البعض بحسن نية، والأكثرون بخبث نية وتخطيط بارع للكيد للإسلام والمسلمين. وما إن سرت نخوة الجاهلية في عروق القوميين والوطنيين والتقدميين إلا وسرى معها التعالي والرجوع إلى الأمجاد الجاهلية المزعومة التي كانت العلمانية تصفق لها وتصف أهلها بشتى نعوت المدائح والعبقريات الفذة. كما أن أولئك الثائرون قد أتوا على الأخضر واليابس ورأوا أن بناء مجدهم يتطلب إقصاء تعاليم الدين والسير خلف ركب الحضارة الأوربية الذي تولد من قيام العلمانية الجديدة والسير في طرقاتها حذو القذة بالقذة. ومنها الترابط بين العلمانيين في الغرب وأتباعهم في ديار المسلمين، ومساندة بعضهم بعضا وإمدادهم بأسباب القوة التي تمكنهم من اعتلاء المناصب في بلدانهم بعد أن باعوا ضمائرهم وأصبحوا عملاء لهم، فضلا عن الضغط الذي تتعرض له الحكومات الإسلامية لإفساح المجال واسعا أمام طلائع العلمانيين، بل وتشغيلهم بحكم ما يحملون من شهادات أوربية – يجب أن تكون محل الاهتمام والتقدير لأنها صادرة عن موطن التقدم والرقي كما يصورونها في أذهان عامة المسلمين المنهزمين في أنفسهم. وقد ظهر ذلك واضحا في معاملة هؤلاء المستغربون، فإن لهم الأولوية في الوظائف وزيادة الرواتب، كما نسمع من أخبارهم. وإذا أبى إلا التحدث بالإنجليزية فهو نور على نور ودلالة على تقدمه ومعرفته، ولقد نشر هؤلاء مبادئ العلمانية الشريرة بكل وسيلة وكان لهم أكبر الأثر في الدعاية للعلمانية ومبادئها بين عامة المسلمين، وقد ظهر ذلك التأثير في سلوك العالم الإسلامي في المظاهر الآتية في الصفحة التالية المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٠٥

стр. 161

ثاني عشر: مظاهر العلمانية في بلاد المسلمين تمهيد: كانت العلمانية في بداية ظهورها تهدف إلى تحقيق غرض وهو من أهم الأغراض التي أشغلت أذهان القائمين عليها، ألا وهو فصل الدين عن السياسة والحكم على طريقة ما ينسبه الكتاب المقدس إلى نبي الله عيسى ﵇ "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وبغض النظر عن صحة هذه المقولة عن عيسى ﵇ فإن العلمانيين وهم في محاولتهم الأولى لتصديع الدين المسيحي وجدوا أن هذا النص من الأمور المساعدة لهم، وقد جدوا وناضلوا حتى تم لهم ما يهدفون إليه من فصل الدين عن الدولة، وبالأحرى عزل رجال الكنيسة عن الدولة، ولم يعد دينهم صالحا للحكم بين الناس في شؤون حياتهم، بل تولاه التشريع الجديد المسمى العلمانية في قوانينها الوضعية. ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى طور آخر وهو عدم السماح بالدين في كل مظاهر الحياة، ولم تعد مقولة "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"قائمة في أذهان زعماء العلمانية الجامحة، فحورب الدين حربا شعواء تحت الكراهية الشديدة لطغاة الكنيسة الذين يمثلونه – حسب مفهوم أقطاب العلمانية – هذا ما حصل في العالم النصراني ومبرراته، وهو ما يمثله دعاة العلمانية في البلدان الإسلامية التي تم لهم الحكم فيها. وما دام الأمر قد وصل إلى محاربة الدين وإقصائه نهائيا، فلا بد أن يوجد البديل له في كل مظاهر الحياة، وهو ما وقع بالفعل، فطورت العلمانية لتشمل بعد ذلك الحكم، والاقتصاد، والعلم، والتاريخ، والحياة الاجتماعية، ومظاهر السلوك والأخلاق، وصور الآداب والفنون .. أي أنها أصبحت دينا قائما بذاته ملأ الفراغ الذي خلفه إقصاء الدين النصراني عن المجتمعات. ولم يعد الناس بحاجة إلى الدين في أي قضية من القضايا التي تصادفهم، لأن المارد الجديد قد سد كل الحاجات ولبَّى كل المطالب التي تواجه الفرد في حياته اليومية كلها، في الحكم وفي سائر متطلبات الحياة الاجتماعية الجديدة، وأصبح دعاة العلمانية كلهم على خط واحد وهدف واحد مع اختلافهم في الوسائل من بلد إلى آخر، وفيما يلي بيان ذلك في المسائل الآتية: الأولى: العلمانية في الحكم أما العلمانية في الحكم فمن الطبيعي أن لا يجد الحاكم العلماني أدنى ضرورة إلى الاستعانة بحكم الدين في أية قضية، وذلك أولا لجهله بالدين وعدم معرفته به، وثانيا للعداء الشديد المستحكم الحلقات بين الدين وبين آراء المفكرين العلمانيين الذين يتصورون أنه لا تتم السعادة الحقيقية للشعوب إلا إذا أُقصي الدين تماما عنهم وحكموا أنفسهم بأنفسهم بعيدين عن التأثر بأحكام الدين التي لا ترحم الفقير ولا تجبر الكسير، بل تحابي وتمالئ الظالمين من أصحاب المناصب والجاه، كما ظهر ذلك جليا مما رأوه من ترابط المصالح بين رجال الدين وأصحاب الجاه والحكم، لتآمر الجميع على إخضاع الناس واستنزاف خيراتهم – وهو ما حصل بالفعل حين اشتد طغيان رجال الكنيسة – وساعدهم – خوفا منهم – أباطرة الحكم الذين استفادوا هم بدورهم من رجال الكنيسة في إقناع العامة بأن الحكام هم من اختيار الله وأنهم يمثلون الله في الأرض، وطاعتهم هي عينها طاعة الله تعالى، وعصيانهم عصيان له، وأن السعادة كلها في يد البابا الممثل المباشر للرب المسيح!!!

стр. 162

وكانت النتيجة أن الثائرين نظروا إلى رجال الدين على أنهم مخادعين متآمرين هم والحكام على استعباد الناس وإذلالهم – وهو صحيح – فتم وضع القوانين والتشريعات الجاهلية بدلاً عن كل الشرائع الإلهية التي تمثلها الكنيسة الظالمة والبابا المتغطرس، فجاءت الأحكام العلمانية خليطا مشوها من شتى الأفكار والحضارات الجاهلية وظنوا أنهم وجدوا الحل المناسب لحياتهم الاجتماعية، وأنهم وجدوا السعادة التي ينشدونها والأحكام العادلة التي يتمنونها في ظل العلمانية الوضعية التي تنقض اليوم ما أبرمته بالأمس. وقصر بهم العزم أن يبحثوا عن مصدر العدل الحقيقي والأحكام المتناسقة التي يسبق العقل إلى تصديقها قبل الواقع، وقد قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء:٨٢]، ولقد وجدوا في علمانيتهم اختلافا كثيرا وتناقضا فاحشا في الأحكام، ولكن طبع على قلوبهم وصار حالهم كما عبر عنه الشاعر: لفح الهجير نعيم إن رضيت به ... وناعم الظل إن أنكرت رمضاء وفيما يلي نشير إلى الحكم في الإسلام لكي يقارن العاقل بين حكم الجاهلية وقوانينها وبين عدل هذا النور لأنه كما قيل "وبضدها تتميز الأشياء" وليرى القارئ الكريم أكذوبة من زعم أن الإسلام يفرق بين الدين والسياسة في الحكم، سواء كان هؤلاء يتظاهرون بالإسلام أم لا. الثانية: هل يوجد فرق في الإسلام بين الدين والسياسة لا يمكن لأي شخص عرف الإسلام – مهما قلت معرفته به أن يقول أن الإسلام يفرق بين الدين والحكم، بحيث يكون الدين لله والحكم للشعب أو القانون أو مجلس التشريع أو الحزب أو غير ذلك من الإطلاقات العلمانية الباطلة، لأن الإسلام يعتبر جميع البشر عبيدا لخالقهم، ولا مزية لأحد على آخر إلا بالتقوى، ويحرم أن يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله، وأن من رضي بالتحاكم إلى غير الله فهو طاغوت خارج عن الفطرة محارب لله ظالم لنفسه، متعد لما ليس له، وسيحاسبه الله تعالى عن ذلك. وفي الإسلام البيان التام الشامل لكل جوانب الحياة سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية .. الخ، بينها الله تعالى في قواعد شاملة وأحكاما جامعة وأمر الناس بفهمها واستخراج كل ما يصادفهم من أحكام وتشريع على ضوئها من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه ﷺ ، فالمشرع في الإسلام هو الله وحده، وما نطق به رسوله والمنفذ للأحكام الشرعية هم الحكام الذين تختارهم الأمة ويرضون بحكمهم لتنفيذ الشرع الشريف، وهؤلاء الحكام ليسوا طبقة فوق البشر، أو لهم صفات إلهية – كما كان يتصور الجاهلون قديما – وإنما هم منفذون فقط، وأن كل مسلم مطالب بأن يعرف الأحكام الشرعية وأمور العبادات والاقتصاد وغير ذلك من أمور الحياة، وبعض آخر يطلب الإسلام من كل أتباعه أن يكونوا صالحين لتنفيذ أحكام الله في كل قضية تعرض للشخص، ومعنى هذا أنه لا يوجد في الإسلام تلك الدعوى النصرانية التي بنى عليها اللادينيون فكرهم، وهي "أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" فهذه الإزدواجية لا مكان لها في الإسلام، وإنما الذي فيه هو تساوي الناس في التكليف أمام الله ومطالبتهم جميعا بتنفيذ أحكام الشريعة وطاعة ولاة أمورهم في غير معصية الله ورد ما يختلفون فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ ، وبهذا تصلح الحياة وتستقيم الأمور ويحصل التنافس في فعل الخير، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠].

стр. 163

وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:٥٨]. وقال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥]. ومعلوم أن الرسول ﷺ كانت مهمته هي بيان الدين، ومع ذلك أمره الله أن يحكم بين الناس بالعدل، لأن معرفة الدين هي الطريق الصحيح إلى الحكم بالعدل، ولم يقتصر الأمر على الرسول ﷺ ، بل شمل غيره من أمته، فقد أمرهم الله أن يحكموا بالعدل حينما يرتضيهم الناس للتحاكم إليهم، وعلى هذا فلا فرق بين الدين والحكم أو السياسة، ومن فرَّق بينهما فلجهله أو لميله إلى العلمانية اللادينية. ولقد كان خلفاء المسلمين هم العُبَّاد، والزهاد، والقواد، والخطباء، والقضاة بين الناس، بل نجد الإسلام يجعل الحكم أوسع مما يتصوره العلمانيون إذ يوجب على جماعة المسلمين مهما كانت قلتهم أن يختاروا لهم أميرا منهم يرجعون إليه عند الاختلاف. قال رسول الله ﷺ : ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) (١). ومعلوم أن هذا الأمير متدين ملتزم للحكم بما أنزل الله، وعلى طريقة العلمانية لابد أن يكون هذا الأمير غير متدين مستهتر بأحكام الشرع يتم انتخابه بأي طريقة كانت، ولا تسأل بعد ذلك عن الفضل الذي يتميز به عليهم ليكون أميرا لهم إذا لم يكن ملتزما لمنهج الله في حكمه، مراقبا لربه، مخلصا في أداء عمله بالعدل الإلهي. إنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية نص واحد يثبت التفرقة بين الدين والحكم، لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ولا في أقوال علماء الإسلام، بل نجد أنه لا شرعية لحاكم لا يتخذ الدين منهجا له. ولا يوجد كذلك نص واحد يثبت أن أحدا من خلفاء المسلمين من الصحابة أصدر حكما على طريقة الفصل بين الدين والحكم، أو اعتذر عن أي حكم أصدره بأن سياسة الحكم اقتضته، حتى وإن كان مخالفا للدين، بل كانت طريقتهم أن كل حكم يخالف الدين يعتبر حكما جاهليا باطلا، وذلك للتلازم التام بين الدين والحكم، واستمر الأمر على ذلك حتى نبغت فتنة دعاة العلمانية الغربية وإذا بضعفاء الإيمان والمخدوعين من المسلمين يتأثرون بتلك الدعايات ويطالبون مجتمعاتهم بالسير في أثر أولئك في الوقت الذي جهلوا فيه – أو تجاهلوا – أن للغرب أسبابه الظاهرة في مناداتهم بالعلمانية وإقصاء الدين الذي مثله طغاة الكنيسة ردحا من الزمن، وكان على الشعوب الغربية كالكابوس الثقيل، وتغافل هؤلاء عن أن الإسلام ليس فيه شيء من ذلك، بل فيه العدل والنور، وإنه صلح عليه حال من قبلنا، وسيصلح به حالنا لو حكمناه واكتفينا به عن الأنظمة الجاهلية البشرية التي هي محل النقص دائما.

стр. 164

الثالثة: العلمانية والاقتصادأما العلمانية والاقتصاد والدين، فلقد كان الاقتصاد هو العصى السحرية (١) التي أسهمت في قيام المذهب العلماني، فقد كانت الحالة الاقتصادية في أوربا في أتعس وضع وأبأس حال بسبب الوضع الاجتماعي المتخلف الذي أنتجته الديانة النصرانية وحكامها ممثلة في البابوات وأصحاب الجاه والسلطان الذين كانوا لا يهمهم إلا ضمان استرقاق الشعوب النصرانية وإذلالها لطواغيت رجال الدين وأباطرة الدولة، ولتكن حالتهم بعد ذلك إلى النار، فالدولة ليست مسؤولة عن الفقراء والبائسين. فنشط النظام الإقطاعي واستبداد الطبقة العليا بمن دونها حسب النظام الجاهلي، وكان النظام الاقتصادي مكبلا بتعاليم الكنيسة تحليلا وتحريما، وكان قائما على ظلم الكادحين وشره رجال الكنيسة الذين احتووا جل مصادر الاقتصاد مضافا إلى ذلك صنوف الضرائب المفروضة على الفلاحين وغيرهم الذين كانوا يسخرون كلهم كما يسخر العبيد. وعاش المجتمع النصراني اقتصادا ظالما متناقضا غاية التناقض منهم نخبة – الحاكم والرهبان - في الثريا، ومنهم قسم – بقية الشعوب – في الثرى لا يملكون إلا ما يسد رمقهم في أحسن الظروف، وفشا النظام الإقطاعي بأجلى صوره وأصبح فيه الأرقاء لا يزيد أحدهم عن كونه إحدى القطع أو إحدى البهائم التي يملكها صاحب الإقطاعية من طبقة النبلاء، وأوضاع أخرى بشعة وظلم واستبداد لا نظير له، ولا ينكر شيء منها، وبطالة وكسادا في كل نواحي الحياة، والملاحظ أن شياطين العلمانية قد فسروا كل تلك الأوضاع على أنها إحدى نتائج التدين، وأن الدين هو وراء هذه الأوضاع السيئة كلها بمباركته لرجال الكنيسة هذا التسلط والجبروت، فإذا بالنظريات الإلحادية تقوم على محاربة وجود الله تعالى ومحاربة رجال الدين وأن الاقتصاد ينبغي أن يتحرر عن كل أغلال الكنيسة وأن يتجه صوب الأفكار التحررية التي يجود بها زعماء التحررية بعيدا عن الدين، وفي الوقت نفسه لم يكن لدى رجال الدين الكنسي ما يسعفهم بالدفاع عن دينهم إزاء هذه المسامير التي تدق في نعشه. وتكاثرت السكاكين على هذا الثور الميت وارتفعت الأصوات من كل مكان تندد بالدين وبطرقه الاقتصادية الجائرة، وتدعو إلى سرعة الانفلات عن تعاليمه التي أصبحت بالية ولم تعد صالحة في عصر التطور وظهور النور، وبالتالي فلا سلطة لله تعالى ولا لرجال الكنيسة على المارد الجديد الذي هب ليدفع الظلم الذي رضيه الله – حسب زعم أقطاب العلمانية – لرجال الكنيسة، وبخبث حول هؤلاء الأقطاب العداء لرجال الدين وللأوضاع السيئة إلى العداء للدين نفسه، وتحميله كل تلك المآسي دون أن يكلفوا أنفسهم البحث عن حقيقة هذا الدين الذي اتسع لقبول تلك المآسي كلها، وهل هو دين صحيح أم هو باطل وضلال وتلفيق من كبار المخادعين النصارى، فلم يهتموا بالالتفات لذلك لحاجة في أنفسهم لكي يحملوا الدين تلك الأوضاع الاقتصادية المتردية. والواقع أنه حينما أقصى العلمانيون الدين عن أي مجال من مجالات الحياة الاقتصادية على أساس أنه لا يحقق الخير لأتباعه ولا يرفع الظلم عنهم، لم يأتوا هم أيضا ببديل يرفع ذلك الكابوس، بل تخبطوا في حلقات مفرغة وعاشوا أوضاعا غاية في الفساد لم يكن الرابح فيها غير المرابين والمحتكرين وتجار الرقيق وأصحاب الشره المادي الذين لا يبالون بأحد ولا توجد فيهم أدنى عاطفة على الفقراء والضعفاء الذين لم يصلوا إلى معرفة حذق المرابين وعباد المال أو لم يكن لهم من المال ما يوصلهم إلى تلك المسالك الثعلبية.

стр. 165

وعاش عامة الناس في تعاسة رغم تزاحم النظريات الاقتصادية – سنة الله في الخارجين عن شرعه – ولم تنقذهم من تلك الحال لا الرأسمالية بنظامها الشره الذي أطلق للناس الحبل على الغارب على طريقة "من عز بز ومن غلب استلب" ولا الشيوعية الماركسية التي كبلت الناس وجعلتهم عبيدا يكدحون للدولة في مقابل ما تعطيهم لسد حاجة الجوع، ولا العلمانية التي لا يلوي فيها أحد على أحد. مع أنهم ملؤوا الدنيا صراخا وعويلا على العمل لإخراج الفقراء من فقرهم وإيجاد اقتصاد حر مزدهر يوازي الجنة التي وعد بها الرسل أتباعهم بزعمهم، ورغبوا الناس في عبادة الإله الجديد في الإلحاد، وهو المادة ورؤوس الأموال، ولكن اتضح لكل ذي عينين أن المناداة شيء والواقع شيء آخر. وإذا بتلك الأنظمة المعادية للدين لم تقدم حقيقة للناس إلا آمالا خيالية وإلا الإلحاد والإفلاس والغبن الفاحش وانتزاع احترام الدين والتدين من قلوب أتباعه وإحلال ضلالاتهم بدلا عن ضلالات الدين النصراني البولسي، وصح عليهم المثل القائل: "إنك لا تجني من الشوك العنب"، وظهر سوء الاقتصاد وسوء التوزيع للثروات وسوء التكافل الاجتماعي جلياً في العلمانية، ولكنهم لا يعرفون بديلا منقذا في حال استكبارهم عن طريقة الإسلام في نظامه الاقتصادي. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧١٨ الرابعة: العلمانية في التربية والثقافة قبل أن يصطدم الغرب المتحضر بالشرق المتخلف كانت التربية في الأخيرة متأخرة أسلوباً وموضوعاً، وكانت الثقافة جامدة ومحدودة. كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري الذي دونه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية تلك البقايا التي تسمى "الكتب الصفراء " أو الثقافة التقليدية، وفي أحسن الأحوال "الثقافة الأصلية " - كما في بلاد المغرب -. ...... ولنأخذ شاهداً قريباً لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه. كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج ولا غضاضة. وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم - منهم والده - وإن كان مستواهم متخلفاً بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة، في حين يمثل أولئك - الغربيون - طلائع متقدمة لحضارة فتية. ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريماً لها ولكن عجزاً وتهاوناً يميلها الواقع المنهار من كل ناحية. وفي فترة الركود العلمي تلك ولدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير ثم استساغت الانغلاق وفسرت الدين نفسه تفسيراً ضيقاً وحددت علومه تحديداً نابعاً من واقعها المظلم لا من حقيقة الدين وجوهره. ...... وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين غريباً خاصاً بالكفار.

стр. 166

من هذا الخطأ التاريخي تقريباً نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها. وقد حاول محمد علي في أول الأمر أن يدخل العلوم الحديثة ضمن مناهج الأزهر، إلا أنه خشي معارضة الأزهريين، فقام على الفور بإنشاء نظامه التعليمي الحديث، وهكذا انقسم التعليم في مصر إلى نظام ديني ونظام مدني حديث (١) "ولما كان اللقاء بين شيخ الأزهر "وجومار" (٢) مستحيلاً فقد كان لا بد من الصراع بين أتباع وثقافة كل منهما، ورأى أبناء جومار أن القضاء على الأزهر يكون ببقائه جامداً معزولاً عن الحياة ومتغيراتها. استصدروا من الخديوى إسماعيل سنة ١٨٧٢ "القانون الخاص بتنظيم الأزهر وإصلاحه "وتنص فقرة ب منه على:"تحديد الدراسات التي تعطى بالأزهر بإحدى عشرة مادة هي: الفقه وأصول الدين والتوحيد والحديث والتفسير والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق (٣) (٣) " ووافق ذلك في نفوس علماء الأزهر، وبذلك قطع الطريق أمام وعي ذاتي لإصلاح الأزهر حقيقة. أما المدارس الحديثة التي أنشأها محمد علي وأولاده فقد كانت مجالاتها أرحب وفرصها أوسع، وكانت البعثات إلى الخارج قائمة على قدم وساق. والناحية الأشد خطورة هي الوسائل التي ينتهجها كلا النظامين التعليميين: النظام الديني "كما سمي " يقوم في الكتاتيب المتفرقة في القرى والأمصار للمرحلة الابتدائية، والجامع الأزهر للمرحلة العليا. والكتاتيب يدرس فيها "فقهاء" (٤) يجتمع حولهم الطلبة في مظاهر ريفية يحملون الألواح القديمة والمصاحف، والفقيه يتوسطهم بعمامته وفي يده عصا طويلة، ويقوم بتلقينهم بطريقة تغاير روح التربية الإسلامية المأثورة التي كانت في عصرها أرقى أساليب التربية العالية. يتحدث "جب "عن شيء من ذلك قائلاً:"وكانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشأها محمد علي والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا". ويذكر أن منها "مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم الفذ رفاعة الطهطاوي (١٨٠١ - ١٨٧٣م) وهو تلميذ جومار البار. فالاستعمار -كما قال أحد شعراء المسلمين في الهند - أذكى من فرعون الذي استخدم سياسة قتل الأولاد، ولم يفتح لهم مدارس وكليات تقتلهم من حيث لا يشعرون كما فعل المستعمرون. (٨) فقد افتتحوا مدارس غربية قلباً وقالباً في المراكز الثقافية الكبرى للعالم الإسلامي ورسموا المخططات لاستئصال التعليم الأصلي. من هذه المدارس الكليات التبشيرية التي أنشئت في لاهور وبيروت واستنبول والقاهرة وغيرها، عدا المدارس الأقل شأناً التي انتشرت في الهند وبلاد الشام ومصر وبصفة أظهر في بلاد المغرب. ومما لا شك فيه أن هذه المدارس كان لها أعظم الأثر في توجيه النهضة الفكرية وجهة لا دينية وتوسيع الهوة بين التعليم الديني واللاديني كما شجع الاستعمار واحتضن الحركات الفكرية والأدبية التي قام بها النصارى - لا سيما الشاميون - حيث كانت جمعياتهم وصحفهم في الشام ومصر من أشد أجنحة التغريب تأثيراً. أما احتواء التعليم الأصلي والسيطرة عليه فأقوى الشواهد عليه المخطط البطيء الماكر، الذي وضعه كرومر ووزيره القسيس دنلوب في مصر، والذي استخدم أحدث ما وصلت إليه التربية وعلم النفس في عصره لإخراج جيل ممسوخ قابل للاستعباد.

стр. 167

"فتح دنلوب مدارس حكومية ابتدائية تدرس العلوم "المدنية" وتعلم اللغة الإنجليزية - لغة الاستعمار - وتخرج موظفين كتبه في الدواوين التي يحتلها ويديرها الإنجليز، يقبضون رواتب تعد بالجنيهات لا بالقروش. "ولم يكن الأمر في حاجة إلى مزيد من الإغراء. فمن ذا الذي يبعث بابنه بعد اليوم إلى الأزهر إلا الفقراء العاجزون عن دفع المصروفات، وهو له المستقبل المضمون في وظيفة الحكومة حيث "يرطن " بلغة السادة المستعمرين؟ "وانصرف الناس القادرون – من ذوات أنفسهم – عن الأزهر، واتجهوا إلى مدارس الحكومة بعد الثورة الأولى التي أثارها الحس الباطني المسلم على هذه المدارس "الكافرة" التي لا تعلم القرآن ولا تعد الدين، وأصبح هؤلاء المتعلمون "طبقة "جديدة تستمد طبقيتها من أنها من أبناء الأسر أولاً، ومن مركزها الاجتماعي في وظيفة الحكومة ثانياً، ومن التشجيع الظاهر والخفي الذي تلقاه من سلطات الاستعمار بعد هذا وذاك " (٩). وبالإضافة إلى أسلوب التربية السيئ المتعمد لم يشأ دنلوب أن تخلو المدارس تماماً من الدين - ولو فعل ذلك لكان أفضل - بل قرر مادة "دين" لكنه جعلها مادة ثانوية في قيمتها الدراسية ثم أن حصصها كانت "توضع في نهاية اليوم المدرسي وقد كل التلاميذ وملوا وحنوا إلى الانفلات من سجن المدرسة البغيض إلى فسحة الشارع أو رحب البيت، وكانت هذه الحصص توكل إي أسن مدرس في المدرسة، يسعل ويتفل، ويمثل أمام التلاميذ ضعف الحياة الفانية المنهارة ... فيرتبط الدين في وجدانهم بالعجز والفناء والشيخوخة، كما يرتبط بالملل والضجر والنفور" (١٠). وقرر كذلك - لغاية خبيثة - مادة "لغة عربية" وفي الوقت الذي كان فيه مدرس اللغة الإنجليزية يتقاضى مرتباً شهرياً اثني عشر جنيهاً كاملة كان زميله مدرس اللغة العربية لا يقبض سوى أربعة جنيهات، مما جعل الفرق بينهما في المكانة الاجتماعية شاسعاً، وجعل اللغة العربية في ذاتها موضع الاحتقار والازدراء (١١). وليس أنكى من ذلك إلا المناهج التي كانت تدرس في مدار الحكومة والتي كانت مملوءة بالطعن والسموم فيما يتعلق بالإسلام وتاريخه وحضارته، ومفعمة بالتقدير والإكبار الذي يصل درجة التقديس فيما يتعلق بأوروبا وتاريخها وحضارتها. ومن بين طلاب هذه المدارس تنتقى نخبة معينة للابتعاث إلى أوروبا وهناك يتم المسخ الكامل لها، لكي تعود إلى بلادها فتقبض على مقاليد الفكر والثقافة وتوجهها حسب إرادة السادة المستعمرين. ....... لم يمض على سيطرة الاستعمار فترة من الزمن حتى كان العالم الإسلامي خاضعاً لتأثير التربية والفكر خضوعاً يتفاوت حسب الأقاليم المختلفة. ففي تركيا - التي لم تحتل احتلالاً مباشراً - بلغ التأثير ذروته في الردة العقائدية والفكرية العنيفة التي انتهجها أتاتورك لطمس الإسلام بيد من حديد. وفي الهند فقدت الثقافة الإسلامية ريادتها وتقوقعت في المؤسسات الأهلية الصغيرة، وضاع كثير من نشاطها في زحمة الصراع الداخلي والخارجي. أما في العالم العربي فلعل أصدق وصفة لحاله هو ما قاله "توينبي " من أن الصراع الفكري فيه بين الأفكار الغربية والإسلام لم ينتج عملاً غربياً ناجحاً مثل ذلك الذي في تركية وإنما كان نتاجه هجيناً لا هو غربي ولا هو إسلامي (١٣) "

стр. 168

وقد قال أحد المستشرقين "إن في القاهرة مائتي مطبعة وسبع عشرة، تصدر ما معدله كتاب أو نشرة واحدة في اليوم " ثم يستدرك موضحاً أن "أكثرية ما يصدر هو ترجمات للقصص الغربية " (١٤) وهذا يعطينا الدليل على مدى ما وصلت إليه الهجنة، فإن أمة تتجه إلى القصص الغرامية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى ترجمة العلوم التطبيقية والأخذ بأسباب النهضة لجديرة بهذا الوصف. وقد أخرج هذا الهجين الممسوخ دعوات ونتائج سيئة نذكر منها على سبيل التمثيل ما يلي: ١ - الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز: وقد تزعم هذا الاتجاه كثير من هجناء الفكر ..... , ٢ - احتقار الماضي الإسلامي وتربية الأجيال تربية لا دينية حديثة: ولنأخذ مثالاً على هذا ما قاله مؤلف كتاب (مصر ورسالتها): "عندما فتح العرب مصر عام ٦٤٠م كانت ولاية بيزنطية تحكم من القسطنطينية وعندما غزا الفرنسيون مصر عام ١٧٩٨م وجدوها ولاية عثمانية تحكم من نفس القسطنطينية التي حملت اسماً جديداً وهو استنبول أو الأستانة، ولم يكن حالها عام ١٧٩٨م بأحسن من حالها عام ٦٤٠م، كان الناس في بؤس وذل وكان البلد في خراب ". فكأن عشر قرناً من تاريخ هذا البلد ضاعت سدى، كأن هذه السنوات الكثيرة قد انقضت ونحن نيام بعيدين (كذا) عن الوجود!. "شيء لم يحدث في تاريخ بلد مثل مصر أبداً، تصور اثني عشر قرناً ونصف تذهب سدى! قد يقال قد قامت خلالها دول وأمجاد ... ولكنها تلاشت كأن لم تغن بالأمس وعاد المصري - وهو مدار هذا التاريخ ومقياسه - بالضبط كما كان في أواخر عصر الرومان .. " "ما الذي حدث؟ “. "الذي حدث أننا تخلينا عن رسالتنا (!) واتجهنا بكليتنا نحو الشرق فاختل ميزان تاريخنا وكان ذلك الانكسار العظيم (١٨) ". وبناء على هذه الأفكار طولب بتربية الأجيال الجديدة تربية لا صلة لها بذلك الماضي، وها هي ذي بعض نصوص من نشرة مؤتمر التربية العربي المسمى "الحلقة الدراسية العربية الأولى للتربية وعلم النفس": "يجب أن تعمل التربية العربية على خلق خصائص جديدة في الشخصية العربية الناشئة بحيث تستأصل منها رواسب العصر التركي والاستغلال الاستعماري وتصنع بدلاً منها خصائص مضادة تتحقق بها القومية العربية الشاملة في المستقبل القريب. فالمواطن العربي يجب أن يكون شخصاً تقدمياً يؤمن بفلسفة التغير والتطور يجب أن يعتبر نفسه مسؤولاً عن المستقبل لا عن الماضي ومسؤولاً أمام الأجيال القادمة لا أمام رفات الموتى ... (١٩) "!!. ٣ - تطوير الأزهر (تطويعه): كان الأزهر - رغم تخلفه ورغم تقصيره في إبراز الثقافة الإسلامية المتكاملة - قلعة إسلامية يحسب لها أعداء الإسلام كل حساب، وكان فيه رجال يلتهبون غيرة على الإسلام ويجابهون الطاغوت - داخلياً كان أم خارجياً - بكل جرأة. فهو الذي قاوم الحملة الفرنسية وقتل أحد منسوبيه قائدها، وهو الذي تزعم الثورة الشعبية سنة ١٩٩١، وفوق هذا كان رابطة إسلامية عامة تهتز لما يحدث على الرقعة الإسلامية الكبيرة .. ولذلك ظل الأزهر سنين طويلة محط المقت ومصب اللعنات من قبل دعاة التغريب واللادينية، حتى جعلوه رأس المشاكل الثقافية في مصر والعقبة الؤود في سبيل النهضة!. وأعظم من تجرأ على الأزهر في القرن الماضي - عن حسن نية وربما عن شعور بالنقص - هو خريجه الشهير الشيخ محمد عبده.

стр. 169

٤ - الدعوة إلى العامية: ليست اللغة العربية أداة الثقافة الإسلامية فحسب، بل هي مقوم من مقومات الشخصية الإسلامية للفرد والمجتمع، وليس غريباً أن يشن المستشرقون والمبشرون عليها هجمات شرسة تتعلق بألفاظها وتراكيبها ومقدرتها على مسايرة العصر، فقد كانوا يرمون هدم القرآن بهدم لغته ليصبح كالإنجيل اللاتيني لا يقرؤه إلا رجال الدين غير أن المؤسف حقاً هو أن يتصدى لمقاومة العربية أناس يحملون أسماء إسلامية كانت الفصحى سبب بروزهم الفكري، ويكتبون بها سمومهم الرامية إلى إلغائها، وأن يعد ذلك جزء من التفكير الاصطلاحي وهدفاً من أهداف المصلحين .......... لقد كان كل دعاة العامية أناساً مشبوهين وصلتهم بالدوائر الاستعمارية واضحة وذلك ما يؤكد أنها كانت جزء من المخطط اليهودي الصليبي للقضاء على الإسلام، بل إنه من المؤكد أن الدعوة العامية إنما ظهرت أصلاً من أفكار المستعمرين وفي أحضان المبشرين يتضح ذلك من أسماء دعاتها الأوائل أمثال "بوريان وماسبيرو (٣٥) " وجدير بالذكر أن الذي خلف عبد العزيز فهمي في المجمع اللغوي هو توفيق الحكيم الذي دعا إلى قاعدة "سكن تسلم " (٣٦) وليس مثل هذه الدعوى أسى إلا أن تفتح كليات اللغة العربية والآداب في البلاد العربية الباب لما أسموه "التراث أو الأدب الشعبي " وأن تحضر فيه رسائل جامعية عليا. على أن الفكرة لم تقتصر على مصر فقد كان لها أذيال في الشام منهم المتطرف كسعيد عقل ومنهم المتدرج كبعض المهجرين. ٥ - اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب: لم يقتصر الأمر على مناهج كرومر ودنلوب، فقد كان أذيال الفكر الغربي لا يقلون عنهما رغبة في صبغ مصر والعالم الإسلامي بالصبغة اللادينية الغربية. وقد كان من أهداف أعداء الإسلام ما أوصى به مؤتمر القاهرة التبشيري المنعقد سنة ١٩٦٠ من وجوب إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعة الفرنسية لمناهضة الأزهر والذي قالوا أنه "يتهدد كنيسة المسيح بالخطر ". وقد قام الأذيال بتنفيذ المهمة إذ أنه بعد انتهاء المؤتمر بسنتين تقريباً أسس سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وزملاؤهم الجامعة المصرية، وكان النص الأول من شروط إنشائها هو: ألا تختص بجنس أو دين بل تكون لجميع سكان مصر على اختلاف جنسياتهم وأديانهم فتكون واسطة للألفة بينهم (٣٧) " ٦ - استيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب: كانت فلسفة كومت الوضعية في فرنسا ونظرية داروين غفي إنجلترا من أعظم النظريات التي تأثر بها الفكر الغربي - كما سبق - وقد عاصرت اليقظة المنبهرة في العالم الإسلامية هاتين النظريتين وهما في أوج عظمتهما فتأثرت بهما أبلغ التأثر، ومن ثم سارت النهضة الفكرية والأدبية الحديثة مساراً غربياً حتى آل الأمر إلى الواقع الفكري والأدبي المعاصر، على أن الأدب خاصة تأثر -بالرومانسية التي اكتهلت في تلك الفترة، وفي هذا القرن استوردت الواقعية واللامعقول بمدارسه المتعددة. المصدر: العلمانية لسفر الحوالي ص٥٨٨ - ٦١٢ وقد لخص المستشار علي جريشة علمنة التعليم فيما يلي: أولا: القضاء على التعليم الديني: (أ) التطويق من الخارج: ١ - الإزدراء بالتعليم الديني. ٢ - إزدراء معلمه وطلابه. ٣ - قفل الوظائف اللامعة في وجوه خريجيه. ٤ - خفض رواتبهم. (ب) التطويق من الداخل: ١ - تقليص التعليم الديني. ٢ - ازدياد التعليم العلماني. ثانيا: نشر التعليم العلماني: اهتمام الدولة به. الابتعاث. المدارس الأجنبية. الاختلاط (١). العلمانية في الاجتماع والأخلاق:

стр. 170

كانت الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامي قد انحرفت منذ بضعة قرون، لكن صورة الانحراف لم تبلغ أوجها إلا في مطلع العصر الحديث حيث أصبح المجتمع في أخلاقه وتقاليده وعاداته ينطلق من منطلقات غير إسلامية إذ غلبت الأعراف الجاهلية والعواطف المتهورة والعادات المستحدثة على الأخلاق الإسلامية الأصيلة، غير أن الناس بحكم العاطفة الدينية الموروثة وبما جبلوا عليه من الغيرة على فضائل الخلق كانوا ينسبون كل قيم وموازين وأعراف مجتمعهم للدين، أو على الأقل -يلتمسون لها فيه أصولاً، ورسخ ذلك الانحراف المتمسح للدين حتى أصبح هو الواقع الذي كان لدى الناس استعداداً للوقوف في وجه من يحاول تغييره سواء أكان مجدداً إسلامياً أم مفسداً أجنبياً، وهم - على أي حال - يبررون موقفهم بالاستناد إلى الدين. وفي القرن الماضي احتك المجتمع الإسلامي المنحرف بالمجتمع الغربي الشارد عن الدين، ومنذ اللحظة الأولى أحس الغرب - المغرور بتقدمه المادي - بتفوقه الاجتماعي على الشرق الذي لا شك أنه كان فيه من الفضائل ما يفتقده الغرب، لكن نظرة الغالب إلى المغلوب لا تسمح بالرؤية الصحيحة عادة، لا سيما والروح الصليبية من ورائها. وبالمقابل أحس المجتمع الشرقي بالانبهار القاتل واستشعر النقص المرير، ولم يتردد الغربيون الكفرة في القول بأن سبب تخلف الشرقيين هو الإسلام فقد استمدوا ذلك من الوهم الذي كان يسيطر على أولئك بأنهم مسلمون حقاً! وهكذا كان الطريق مفتوحاً لمهاجمة الأخلاق وتدمير مقومات المجتمع من خلال مهاجمة ذلك الواقع المتخلق الذي لا يمثل الإسلام، وكان النموذج الغربي المشاهد - الذي فصل الأخلاق عن الدين -يزيد الأمر قوة ووضوحاً. وإذا علمت قوى الصليبية الحاقدة - من مستعمرين ومبشرين ومستشرقين - أن البؤرة التي تتجمع فيها أصول أخلاق ومقومات المجتمع وغيره - فقد وضعت المخططات الماكرة لسلب هذه الميزة من المسلمين بإفساد المرأة المسلمة وإشاعة الدياثة بينهم. ولما كانت الأمة الإسلامية هي المسؤولة - أولاً وآخراً - عن كل هذا، ولما كان الجانب الذاتي من المشكلة هو الأخطر والأهم، فسوف نوليه جل اهتمامنا. ........ ومنذ أيام محمد علي ابتدأت حركة الابتعاث إلى الدول الأوروبية، وكان من أشهر المبتعثين الأوائل الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي يعد كذلك من رواد الإصلاح. هذا الشيخ المبتعث كتب عن مدينة باريس "باريز "كتاباً يصف فيه لأبناء أمته الحياة الاجتماعية في فرنسا آنذاك، تعرض فيه لوصف النوادي والمراقص فقال: "والغالب أن الجلوس للنساء ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثم كرسي خال قام لها رجل وأجلسها ولا تقوم امرأة لتجلسها، فالأنثى دائما في المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم أن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء البيت " (٣). هذا الكلام يوحي لقارئه بدلالات نذكر منها اثنتين: ١ - إن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء، فها هو المجتمع يمارس ألوان الدياثة التي لا يرضاها الدين طبعاً ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء ولا يشم منها رائحة العهر بل هي معدودة في باب الأدب. وقد نمت هذه الفكرة وترعرعت حتى قيل صراحة: إن الحجاب وسيلة لستر الفواحش وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة، ومن ثم فلا علاقة بين الدين والأخلاق.

стр. 171

٢ - إن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي يحافظ على العرض لكنه يحتقر المرأة - حسب الواقع آنذاك - وبذلك نصل إلى المفهوم الذي وجد في أوربا نفسه وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين فما لم ينبذ الدين فلن تحصل على هذه الحقوق وقريب من قصد رفاعة ما قصده أحمد فارس الشدياق إذ وصف بأسلوبه المقامي الخاص الحياة الغربية ووضع المرأة فيها في كتابه (الساق على الساق) (٥) ". على أن الحركة التي تقوم على الوعي لا على السذاجة لم تكن منطلقة من آراء هذين - رفاعة والشدياق - وأمثالهما، بل من أفكار شخصية أخرى هي شخصية جمال الدين الأسد أبادي المعروف بالأفغاني. كان جمال الدين متأثراً بشعارات الماسونية - التي رفعتها الثورة الفرنسية - لا سيما شعار المساواة، واعتقد أن من أعظم علل الشرق أن المرأة فيه ليست متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات، وكان من تلاميذه الذين سرت فيهم هذه الفكرة محمد عبده، وقاسم أمين الذي كان مترجماً لجمعية العروة الوثقى (٦) وقد سبق الحديث عن الأول أما الأخير فهو مبتعث إلى فرنسا للدراسة يقول عنه مؤرخ حياته: "ويعود قاسم إلى قاعة المحاضرات بجامعة مونبليه وهو أشد رغبة في تعريف المزيد عن الحياة في أوروبا، وهناك يجد زميلته "سلافاً" ... فلا يتردد في سؤالها أن تصحبه إلى المجتمعات الفرنسية وتقبل هي في سرور باد، وصحبته فتاته إلى كثير من الحفلات وتعرف إلى كثير من الأسر فوجد حياة اجتماعية تختلف عن الحياة في مصر، وجد السفور بدل الحجاب والاختلاط بدل العزلة والثقافة بدل الجهالة" (٧). وعاد قاسم إلى مصر يحمل إلى أمته فكرة خطرة عرضها أصدقائه فتردد بعضهم وأيده أكثرهم وخاصة الزعماء مثل: سعد زغلول ومصطفى كامل وأحمد لطفي السيد (٨) وكذلك علي شعراوي زوج هدى شعراوي - الملقبة بزعيمة الحركة النسائية وغيرهم ممن قال عنهم كرومر "أسميهم حباً في الاختصار أتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده" (٩). وأظهر قاسم فكرته تلك في كتابيه (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة) وعند صدور الأول شك كثيرون في كونه كاتبه لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة الأقوال الفقهية والأدلة الشرعية التي كان مثل قاسم قليل البضاعة منها، ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة أحد رجلين إما كرومر وإما محمد عبده (١٠) ويحل لطفي السيد الأشكال في كتابه قصة حياتي إذ يقول: "إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب (تحرير المرأة) في جنيف عام ١٨٩٧م قبل أن ينشره على الناس " (١١). وجاء مثل هذا في كتاب (قاسم أمين) أيضا (١٢). وعلى أية حال فقد ظهر كتابه (تحرير المرأة) الذي يمكن تلخيص أفكاره فيما يلي: ١ - إن المرأة مساوية للرجل في كل شيء و"إن تفوقه البدني سببه استعمال الأعضاء" (١٣) - ويتضح من هذا تعريضه بالقرآن الكريم وتأثره بالدرواينية -. ٢ - "إن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الإسلامية لا للتعبد ولا للأدب بل هما من العادات القديمة السابقة على الإسلام والباقية بعده "وهي عادة عرضت على المسلمين " من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء"لكن طوعاً لمقتضيات الاجتماع وجرياً على سنة التقدم والترقي " (١٤). ٣ - إن الحجاب ليس عائقاً عن التقدم فحسب بل هو مدعاة للرذيلة وغطاء للفاحشة في حين أن الاختلاط يهذب النفس ويميت دوافع الشهوة !.

стр. 172

وقد حرص قاسم على تبرئه نفسه من تهمة الدعوة إلى تقليد الغرب في مناداته بهذه الفكرة (١٥) مدعياً أن الدافع الوحيد هو الحرص على الأمة والغيرة على الدين والوطن، فهو يزعم أن أصل فكرته هو الرد على "داركور" المستشرق الذي هاجم الحجاب، ولست أدري ماذا ترك قاسم لداركور ! لكن كتابه الثاني "المرأة الجديدة "يكذب ادعاءاته تلك فهو يقول فيه: "هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أصولها وفروعها وآثارها، وإذا أتى ذلك الحين - ونرجو ألا يكون بعيداً -انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس وعرفنا قيمة التمدن الغربي وتيقناً أن من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسساً على العلوم العصرية " (١٦). وقد طبق ذلك في بيته فأحضر لابنتيه مربيتين - إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية (١٧) وظل قاسم حريصاً على دعوته داعياً إلى فكرته "إلى آخر نسمة من حياته القصيرة ففي ليلة وفاته بالسكتة القلبية في ٢٣ أبريل ١٩٠٨م كان يقدم طالبات رومانيات في نادي المدار العليا " (١٨). وقد ناصر قاسماً وأيده كثير من الزعماء والأدباء والصحفيين، منهم غير من ذكرنا سلفاً الشاعر ولي الدين يكن الذي يقول من قصيدة له: أزيلي الحجاب عن الحسن يوماً ... وقولي مللتك يا حاجبه فلا أنا منك ولا أنت مني ... فرح ذاهباً ها أنا ذاهبة (١٩) والشاعر العراقي الزهاوي، ومن ذلك قوله: هزأوا بالبنات والأمهات ... وأهانوا الزوجات والأخوات هكذا المسلمون في كل صقع ... حجبوا للجهالة المسلمات سجنوهن في البيوت فشلوا ... نصف شعب يهم بالحركات منعوهن أن يرين ضياء ... فتعودن عيشة الظلمات إن هذا الحجاب في كل أرض ... ضرر للفتيان والفتيات وكانت الصحافة أعظم المؤيدين للفكرة التي انتشرت في بلاد الشام والمغرب على أثر نجاحها في مصر. أما بلاد الشام فمن الواضح أن الدعوة فيها تعرقلت بالنسبة لمصر حتى إن أول كتاب يتحدث عنها لم يصدر إلا سنة ١٩٢٨م أي بعد وفاة قاسم بعشرين سنة، وهو الكتاب الذي ألفته - أو ألف باسم - نظيرة زين الدين بعنوان "السفور والحجاب " ولعل مما يثير الانتباه أن الذي قرظه هو علي عبد الرازق صاحب (الإسلام وأصول الحكم) وكان مما قال: "إني لأحسب مصر قد اجتازت بحمد الله طور البحث النظري في مسألة السفور والحجاب إلى طور العمل والتنفيذ، فلست تجد بين المصريين إلا المخلفين منهم من يتساءل اليوم عن السفور هو من الدين أم لا ومن العقل أم لا ومن ضروريات الحياة الحديثة أم لا بل نجدهم حتى الكثير من الرجعيين المحجبين منهم يؤمنون بأن السفور دين وعقل وضرورة لا مناص لحياة المدينة عنها". هذا من الوجهة النظرية أما التطبيق الواقعي للفكرة فقد حمل العبء الأكبر منه الحركة التي أسميت "حركة النهضة النسائية " وأشهر رائداتها: هدى شعراوي وسيزا نبراوي سكرتيرتها، وباحثة البادية ومنيرة ثابت، وقد التف حولهن عصبة ممن خلعن رداء الحياء وسخرن أنفسهن لخدمة الدوائر الصليبية. في ذلك الجو العاصف انبرت هدى ورفيقاتها للدفاع عن حقوق الوطن وطرد المحتلين ولكن بماذا؟ لقد خرجن في مظاهرة ومزقن الحجاب وأحرقنه في ميدان عام، وكان هذا أعظم إسهام منهن في الثورة، وإذ حدث أن الجنود البريطانيين - لحاجة في نفس يعقوب - طوقوا الشوارع ساعة المظاهرة واعتدوا على بعض المتظاهرات – فقد بدا ذلك في أعين الشعب محاولة من بريطانيا لمنع المرأة المصرية من التحرر، وبذلك اكتسبت الحركة صفة البطولة الوطنية!! (٢٣). وتظهر الحقيقة أجلى وأوضح إذ علمنا أنه في تلك الفترة نفسها كان أتاتورك يهدم الإسلام تحت زيف البطولة الوطنية أيضاً.

стр. 173

لقد اعتبرت هذه البطولة مبرراً كافياً للانقضاض على الأخلاق بل لمهاجمة أحكام الإسلام علانية، إذ ردد دعاة الإباحية قولهم: أليس الجنس اللطيف الذي أدى دوره في الثورة الوطنية بإخلاص جديراً بأن يتساوى في كل شيء مع الجنس الخشن؟ أتريدون أن تقدم المرأة للوطن كل شيء ولا يقدم الوطن لها شيئاً؟. ولكن الحق لم يلبث أن انكشف وإذا بالحركة النسائية في حقيقتها حركة عملية مريبة ترتبط خارجياً بالدوائر الاستعمارية وداخلياً بالزعماء المصطنعين. ....... وكان من ثمرة الحركة النسائية ولادة الصحافة النسائية، فقد صدرت مجلة "فتاة الشرق " قبل الحرب العظمى الأولى، ومما تجدر الإشارة إليه أن كل عدد من أعدادها يحوي نماذج وصوراً لأزياء الشهر (٣٠). التي ظهرت في أوروبا، الأمر الذي مهد لوقوع المرأة المسلمة في شباك مصيدة الأزياء اليهودية كما وقعت المرأة النصرانية في الغرب. وأسهمت المجلات غير النسائية بنصيبها في الحركة فكانت "الهلال " ومثلها المقتطف والعصور تنشر إلى جانب المناقشات الفكرية للموضوع صور المتبرجات من شرقيات وغربيات وتحيطها بهالة من التعظيم تغري القارئات بمحاكاتهن. وفي المجال التعليمي حرص لطفي السيد وطه حسين وأتباعهما على أن يكون التعليم مختلطاً فيه الذكور والإناث واشتد الصراع في الجامعة من أجل ذلك، وكتب الرافعي "شيطان وشيطانه" رداً على طه حسين وسهير القلماوي، كما كتب مقالاً يحيي فيه طلبة الجامعة الذين رفضوا الاختلاط (٣١) ولكن الانتصار كتب لدعاة الاختلاط، فقد كان في صفهم الزعماء السياسيون – ومعظم الصحف، وكل القوى الدخيلة من مبشرين ومستشرقين في الجامعة وغيرها، إذ أن هذه القوى مجتمعة فزعت لظهور الحركة الإسلامية الطلابية وحاربتها أشد الحرب. ولم يقنع الكتاب النسائيون بما حققته الدعوة من مكاسب ونجاح ولعل مرد ذلك إلى أن الأسياد ينتظرون المزيد، بل ظلت الحرب النفسية مستمرة فبعضهم يغرق في المبالغة والوهم حتى يجعل وضع المرأة هو المسئول عن مشكلات مصر من أولها إلى آخرها، كما قال سلامة موسى: "تعدد مشكلاتنا يوهم اختلافها في الأصل وإنها لا يتصل بعضها ببعض، ولكن المتأمل المفكر يستطيع أن يجد النقطة البؤرية لجميع هذه المشكلات والنقطة البؤرية الوحيدة هنا هي أن نظامنا الإقطاعي في نظرته للعائلة ومركز المرأة والأخلاق الأبوية والنظرة الاجتماعية، كل هذا يعود إلى مشكلة واحدة هي أن آراءنا الإقطاعية القديمة التي ورثنا معظمها عن الدولة الرومانية الملعونة (لا يريد أن يعترف بالإسلام) لم تعد تصلح للحياة العصرية وأن متاعبنا وأرزاءنا واصطداماتنا تنبع من هذا الكفاح الذي نكافحه نحو ديمقراطية جديدة نتخلص بها من الحياة الإقطاعية ") ٣٢). أما إسماعيل مظهر فقد جمع شبهاته القديمة وآراء غيره ونسقها في كتاب أسماه (المرأة في عصر الديمقراطية) جاء فيه: .......... "لقد اتخذ الرجعيون الذين يرهبون التطور فرقا من أوهام سلطت عليهم أو رغبة في بسط سلطانهم على النساء من بضعة نصوص أشير بها إلى حالات قامت في عصور غابرة سبيلاً إلى استعباد النساء استعباداً أبدياً، لقد حضت المرأة في ذلك العصر أن تقر في بيتها وان لا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى " (٣٤) ثم أخذ يناقش كلا الدليلين: "إن المعنى الذي يستخلصه أصحاب الرجعية من حض المرأة على أن تقر في البيت معنى غامض كل الغموض الذي يكتنفه فإنهم لا يريدون أن يفسروه حتى تتحدد المعاني القائمة في نفوسهم منه.

стр. 174

أما إذا أرادوا أن تكون المرأة سجينة البيت فكيف يوفقون بين هذا المعنى وبين حاجات الحياة الضرورية؟ وإذا أرادوا أن يكون تفسيره أن تقر المرأة في البيت إذا لم يكن لها ما يشغلها خارجه، فلذلك هو الواقع في حياتنا الحديثة " (٣٥). " ... ولكن المصيبة التي أصابنا بها أولئك المستغرقين (كذا) في النظر في الحياة بمنظار القبلية البدائية، أنهم يعتقدون أن كل تجمل تبدو به المرأة هو تبرج وأنه تبرج الجاهلية الأولى، ذلك في حين أن كلمة "التبرج"ليس لها حدود التمرينات الرياضية، وفي حين أنه لم يصلنا عنهم وصف شامل لتبرج الجاهلية الأولى!!! ". " ... فغالب الظن بل الأرجح تغليباً أن المقصود به (أي التبرج عادة ألفت في الأزمان الأولى كانت في نشأتها شعيرة من شعائر الوثنية، أي شعيرة دينية، فإن البغاء على ما يعرف الآن من تاريخه وتطوره قد نشأ في أوله نشأة دينية، فكان شعيرة من شعائر التقرب من الآلهة ". ثم يقول: "فلما جاء الإسلام .. عطف إلى ناحية المرأة فاعتبرها نصف إنسان وأضفى عليها من الكرامة والاحترام ذلك القدر الذي لا يزال حتى الآن موضع انبهار كل المشترعين " غير أن خمسة عشر قرناً من الزمان كافية في الواقع لأن تهيئ العقلية الإنسانية إلى خطوات أخرى في التشريع للمرأة ... ". "ومن هذه الناحية لا أرى ما يمنع مطلقاً من أن ترفع المرأة إلى منزلة المساواة بالرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية: في الميراث وفي قبول الشهادة وفي العمل وفي الاستقلال الفكري والاقتصادي، وبالجملة في جميع الأشياء التي تكمل بها إنسانيتها، ذلك بأنها إنسان" (٣٦). ثم تلاه خالد محمد وكتابه (الديمقراطية أبداً) وكان نصيب المرأة من الديمقراطية شيئين: ١ - حق المرأة في وقف تعدد الزوجات، وعلى ذمته ينسب إلى محمد عبده أنه قال "يجب تحريم التعدد الآن عملاً بحيث لا ضرر ولا ضرار" (٣٧). ٢ - تأميم الطلاق-على حد تعبيره - (٣٨). ........ وهكذا ظل الناعقون يصيحون من كل مكان ويسلكون كل اتجاه -فكرياً أم عملياً - حتى آل الأمر إلى الواقع المؤلم الذي عبر عنه أوفى تعبير "جان بول رو "بقوله: "إن التأثير الغربي الذي يظهر في كل المجالات ويقلب رأساً على عقب المجتمع الإسلامي لا يبدو في جلاء أفضل مما يبدو في تحرير المرأة " (٤٠) لقد عمت الفوضى الأخلاقية العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه على تفاوت في ذلك، وتولى الجيل الذي رباه المستعمرون تربية جيل جديد أكثر مسخاً وانحلالاً، وحوربت أحكام الله على يد أبطال الاستقلال أكثر مما حوربت بأيدي المستعمرين، ولنستمع إلى "رو"وهو يقرر ذلك قائلاً: "في تركية سنة ١٩٢٩م صدر قانون مدني على غرار قانون "نوشاتيل" المدني السويسري فحرم تعدد الزوجات وقضى على الحجاب والحريم ونظرة الطلاق، وفي برهة وجيزة جعل من المرأة التركية شقيقة المرأة السويسرية وصنوها " (٤١). "وفي الجزائر أوحت الثورة للنساء بالكفاح فخرجت العذارى المحاربات من بيوتهن ونزعن الحجاب لأول مرة منذ أن اعتنقت بلادهن الإسلام، وهنا تكون المعركة النضالية قد فعلت ما عجز السلام عن فعله " أي كما فعلت الثورة الشعبية المصرية ". وفي تونس "أعلن السيد بورقيبة عدة قرارات هي بمثابة ثورة تعدد الزوجات وجعل السن الدنيا لزواج الفتاة الخامسة عشرة ثم تحرير المواطنين والمواطنات الذين تخطوا العشرينات من عمرهم من موافقة الوالدين إذا ما أرادوا عقد الزواج، وفي نفس الوقت أعلن السيد بورقيبة ... بأن الطلاق لا بد من أن يخضع للمحاكم (٤٣) ... " هذا وقد نشرت مجلة العربي في استطلاع لها عن تونس صورة للوحات الدعاية المنصورية في الشوارع ففي كل ميدان لوحتان إحداهما تمثل أسرة ترتدي الزي المحتشم مشطوبة بإشارة (×) والأخرى تمثل أسرة متفرنجة ومكتوب تحتها "كوني مثل هؤلاء "! إلى جانب ذلك يأتي التعليم المختلط والنوادي المختلطة والشواطئ (البلاجات) المختلطة، وتأتي الأزياء الخليعة المستوردة من بيوت اليهود في الغرب، وتأتي موانع الحمل ووسائل الإجهاض. إلى جانب ذلك يكون الاختلاط الفاضح في دوائر الحكومة والمؤسسات وفي وسائل المواصلات وفي الشقق والمساكن وفي كل مكان في معظم أقطار العالم الإسلامي. إن التربية غير السليمة لا يمكن أن تنتج إلا جيلاً غير سليم، وها هو ذا الجيل المعاصر المنكود تتجاذبه الشهوات والشبهات وتمزقه التناقضات والغوايات، وتغتاله النزوات المتهورة القاتلة، فلا يستطيع إلا أن يسلم نفسه ذليلاً لشياطين الجن والإنس ينهشون فكره وجسمه ويلهبون ظهره بسياطهم حتى يسقط شلوا ممزقاً على مذبح الفسق والإباحية. والعجيب حقاً أنه مع هذه النذر كلها لا تزال الدعوات المحمومة على أشدها ولا تزال الموجه في عنفوانها ولا تزال الصيحات تتعالى من كل مطالبة بنبذ التقاليد وفصل الأخلاق عن الدين. المصدر: العلمانية لسفر الحوالي ص٦٢١ - ٦٤٤

стр. 175

ثالث عشر: وسائل تحقيق العلمانية (١) سلك العلمانيون في سبيل تحقيق مآربهم أهدافاً عديدة ملائمة لكل زمان ومكان منها ما يلي: ١_ إغراء بعض ذوي النفوس الضعيفة، والإيمان المزعزع بمغريات الدنيا من المال والمناصب. ٢_ السيطرة على وسائل الإعلام؛ ليبثوا سمومهم من خلالها. ٣_ رفع قيمة الأقزام والمنحرفين وذلك من خلال الدعاية المكثفة لهم، وتسليط الضوء عليهم، وإظهارهم بمظهر العلماء المفكرين، وأصحاب الخبرات الواسعة والقرائح المتفتقة، ويهدفون من وراء ذلك إلى أن يكون كلام هؤلاء مقبولاً عند الناس. ٤_ لبس الحق بالباطل وذلك من خلال طَرْقِ العديد من الموضوعات باسم الإسلام، كالاختلاط وغيره. ٥_ القيام بتربية بعض الناس على أعينهم في محاضن العلمانية في البلاد الغربية، وإعطائهم ألقاباً علمية مثل: درجة الدكتوراه، أو درجة الأستاذية؛ فيحصل على هذه الشهادة بعد أن يفقد شهادة _ لا إله إلا الله _ وبعد رجوعهم يصبحون أساتذة للجامعات، ويتولون العديد من المنابر؛ ليمارسوا تحريف الدين، وتزييفه، والتلبيس على الناس، وتوجيههم الوجهة التي يريدونها. ٦_ اتباع سياسة النفس الطويل والتدرج في طرح الأفكار. ٧_ الإكثار من الأحاديث عن موضوعات معينة بهدف إقناع الناس بها انطلاقاً من قاعدة (ما تكرر تقرر). ٨_ إشغال الناس بتوافه الأمور حتى لا يدركوا حقيقة العلمانيين. ٩_ تشويه التاريخ الإسلامي، وإبراز الجوانب السلبية، مع كتمان الجوانب المشرقة المضيئة بهدف قطع حاضر الأمة عن ماضيها. ١٠_ الهجوم على الأئمة الأعلام، بل الطعن في الصحابة والتابعين باسم الموضوعية. ١١_ إحياء النعرات الجاهلية، والتغني بالوثنيات القديمة. ١٢_ الطعن في اللغة العربية ووصفها بالجمود، حتى يكرهها المسلمون ويستصعبوها وبالتالي ينقطعون عن فهم تراث أسلافهم، وفهم نصوص الشرع، وكلام الأئمة. ١٣_ تفسير القرآن ونصوص الشرع تفسيراً عصرياً بحسب ما يروق لهم، ويناسب أهواءهم. ١٤_ إنشاء المدارس والجامعات، والمراكز الثقافية الأجنبية، والتي تكون في حقيقة الأمر خاضعة لإشراف الدول العلمانية. ١٥_ الحديث بكثرة عن المسائل الخلافية واختلاف العلماء وتضخيم ذلك الأمر؛ حتى يخيل للناس أن الدين كله اختلافات، وأنه لا اتفاق بين العلماء في شيء مما يوقع في النفس أن الدين لا شيء فيه يقيني مجزوم به، وإلا لما وقع الخلاف، وهم بذلك يريدون صرف الناس عن الدين. ١٦_ تصوير أهل العلم في كثير من وسائل الإعلام على أنهم طبقة منحرفة خلقياً، وأنهم طلاب دنيا ومناصب ونساء، وذلك بهدف الحط من قيمتهم، وتزهيد الناس بهم. ١٧_ الهجوم المستمر على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وتصويرهم بأبشع الصور، ودعوى أن ذلك تدخل في شؤون الخاصة. ١٨_ استغلال الأخطاء الفردية أو الجماعية من قبل بعض الأفراد من المسلمين أو الجماعات الإسلامية وتضخيمها واتخاذها غرضاً ينفذون من خلاله إلى رمي الإسلام والطعن فيه. ١٩_ تمجيد الغرب، وتعظيم دوره، بهدف إزالة الفوارق، وتحطيم حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين. ٢٠_ الاتكاء على بعض القواعد الشرعية _ المنضبطة بقواعد وضوابط الشريعة _ بقوة، ووضعها في غير محلها كقاعدة: (تغير الفتوى باختلاف المكان والزمان) وغيرها. ٢١_ اقتباس وجلب المناهج اللادينية من الغرب، وبثها في الصفوف الدراسية، وحذف النصوص التي تخالف أهوائهم. ٢٢_ الهجوم على السنة النبوية وحملتها. ٢٣_ الاحتفاء بالفتاوى الشاذة، ونشرها، وترويجها كالفتاوى التي تبيح الربا، والسفور أو غير ذلك. هذه وسائل تحقيق العلمانية إجمالاً، مع أنه لا يلزم من قال بشيء من ذلك، أو دعا إليه أن يُصنَّف، أو يوصم بالعلمانية؛ فقد يكون مجتهداً، أو جاهلاً، أو متأولاً. المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٥٠٢

стр. 176

رابع عشر: فشل الأحزاب العلمانية العربية تكونت العديد من الأحزاب والتجمعات العلمانية أو المتأثرة بها في الوطن العربي خلال القرن العشرين، وانتهت إلى الفشل الذريع في تحقيق الديمقراطية وحرية الرأي والتقدم التكنولوجي والغنى وحقوق الإنسان وهذا لا يمنع تحقيقها لبعض الإنجازات وتحقيق بعض الإنجازات لا يعني أنها ناجحة فلا يوجد شيء شر كله إلا نار جهنم واستخدمت كلمة متأثرين بالعلمانية لأن أغلب هذه الأحزاب لم تعلن تبنيها للعلمانية ولكنها عاشت بطريقة علمانية بعيدة عن الإسلام وأهدافه وعلمائه. وتعاملت مع الواقع من خلال منهج يتعامل مع الشعارات الوطنية وأهداف الحرية والمساواة والعدل والتحرير والخطابات الحماسية وترك الأمور للقيادة السياسية للحزب أو حتى للفرد الأول في الحزب سواء كان حاكما أو معارضا وجاءت نهاية هذه الأحزاب في الغالب بأيدي أصحابها نتيجة تبنيهم للعلمانية، أو تأثرهم بها، فهم مختلفون حتى ولو اتفقوا على بعض الأهداف العامة والتي عادة لا يختلف معها أي مخلص كاستقلال الأوطان وإنصاف الفقراء أو غير ذلك وهذا أدى من أول الطريق إلى ظهور الاختلافات الكثيرة الفكرية والسياسية بين العلمانيين في التعامل مع الواقع والأحداث مما أوجد الصراع والانشقاقات والتصفيات بين أعضاء الحزب الواحد لأن الأحزاب العلمانية لا تتبنى عقيدة أن القتل حرام، أو السجن بلا ذنب حرام حتى في التعامل مع المنتمين لها، وليس لها مبادئ أخلاقية هي ملتزمة بها بل كل صفحات الأخلاق غير موجودة في أدبيات هذه الأحزاب أو توجهاتها فقد أصبح أصحابها إما قاتلا أو مقتولا أو هاربا أو معزولا وانتهى الأمر فيها إلى تحكم فردي أو عائلي أو عشائري أو عسكري أو تحالف مع أجانب أو منافقين وأصبح هدفها الوحيد البقاء في المناصب وفتنة المناصب والمال فتنة عظيمة واقرءوا إن شئتم اعترافات كثيرة لأفرادها في مقالات ومقابلات وكتب لتقتنعوا بأن الرابطة العلمانية ضعيفة وأن العلمانية هي منبع الضعف والاختلاف والجهل والضياع، ولتقتنعوا أن الشعوب لم تتجاوب مع هذه الأحزاب إلا في حالات محدودة وهو تجاوب مع مصلحة الأوطان أكثر من أي شئ آخر ولتقتنعوا بأن هذه الأحزاب أصبحت فعليا نموذجا مثاليا للاستبداد والضعف والنفاق والغموض وانتهاك حقوق الإنسان وفشلوا أيضا اقتصاديا، وأصبحت دولهم من أكثر الدول فقرا وتخلفا، وانتشرت فيها الرشاوى والسرقات ولم يقتصر فشل الأحزاب العلمانية داخل أوطانها بل أيضا اختلفت وتصارعت مع جيرانها أحيانا كثيرة، وساهمت في تطوير الإنتاج العالمي بمصطلحات جديدة للشتم والسخرية والانهزامية، وهذا وغيره جعل المواطن العربي العادي يترحم على أيام الاستعمار، وعلى أنظمة قديمة اتهمت بالرجعية والعمالة قال الدكتور فؤاد زكريا عما حدث في الثمانينات من القرن العشرين (فإن التقدميين، والديمقراطيين، والعلمانيين، لم يكن لهم دور في هذا التحريك المفاجئ للأحداث بل كان يبدأ في الوقت الذي حدثت فيه المفاجأة أنهم وصلوا إلى طريق مسدود لا مخرج منه) وما أكثر ما ينتقد العلمانيون العرب دولنا العربية والإسلامية وتاريخنا وشريعتنا، ونقول لهم بأن البديل الذي تسعون إليه تم تطبيقه في الغرب والشرق وأثبت فشله واضحا في حروب عالمية، وشهوات ومخدرات وشقاء شخصي وتعاسة أسرية، وما تدعون إليه تم تطبيقه في العديد من الدول العربية خلال القرن العشرين وفشل فشلا ذريعا، وليس هدفنا إحراج أحد بذكر أمثلة تفصيلية فالمتأمل في واقع بعض الدول العربية يقتنع بذلك، وهذه تجارب واقعية، وكان كثير من قياداتها مخلصون وصادقون ولكن حققوا الفشل الكبير!!.

стр. 177

لماذا أيها العلمانيون الجدد تريدون تكرار نفس الخطأ؟ لماذا لا تسألون العلمانيين القدماء أو من تأثر بالعلمانية لماذا فشلتم؟ لماذا لم تطبقوا الديمقراطية؟ لماذا لم تفتحوا الأبواب للحرية؟ لماذا لم تحققوا التقدم الاقتصادي؟ ولماذا لم تسألوهم لماذا تصارعتم واختلفتم ولجأتم للقتل والتعذيب والسجن فيما بينكم وفي تعاملكم مع الشعوب؟ ومشكلة العلمانيين الجدد أنهم لا يعتبرون أي نظام عربي قديم أو حديث يمثلهم سواء كان رأسماليا، أو اشتراكيا، أو شيوعيا، أو عرقيا، أو غير ذلك، هم فعلا يتكلمون عن سراب وأحلام وأوهام وظنون وتوقعات لأن ما يريدون لم ينجح أحد في تطبيقه ومع هذا يصرون عليه. وهم يفعلون ذلك لأن الله أعمى بصائرهم، وهم يفعلون ذلك لأن من طبيعتهم الاختلاف حتى مع أنفسهم وأساتذتهم، فكلما جاءت أمة لعنت أختها. أتمنى أن يستمعوا لما نقول لهم ولا يضعوا أصابعهم في آذانهم!! ... قولوا لنا: لماذا انتهيتم إلى جزر معزولة وأفراد يائسين ومتذمرين وقلقين؟ وقولوا لنا كم من فتنة سياسية وفكرية كنتم أنتم وراءها؟ وكم من الاختلاف والتنافر والغضب زرعتموه في الشعوب؟ ويا ليتكم تؤمنون بالديمقراطية وتحتكموا للشعوب، وإذا فعلتم ذلك فلن تجدوا تأييد لكم فاقتنعوا بحكم الشعوب ووفروا جهودكم. ونحن أمة ذات عقيدة إسلامية، وذات فكر صحيح وواقعي ومعتدل، أخرج الله البشر به من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، وهو الفكر الذي جاء به الأنبياء جميعا وسار عليه الصالحون في كل زمان ومكان، ودخلت علينا في القرن العشرين عقائد علمانية تريد أن تغير عقائدنا، ومبادئنا، فتتهمنا بالتخلف والرجعية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتأثر بعض شبابنا بالأفكار العلمانية خاصة منهم من درس في أمريكا وأوربا فعادوا ليشعلوا الفتنة في الأمة، وكان شيئا طبيعيا أن يغضب كل مسلم واع من هؤلاء، ويدخل في صراع معهم لأن مكانة الإسلام عندنا مقدسة، ولأننا أمة نكره الكفر والشرك، ونريد أن نحاربه أينما وجد فكيف نرضى به في أرضنا؟! وسيكون الفكر الإسلامي هو المنتصر إن شاء الله سواء كان الحسم سلميا أو عنيفا ليس فقط لأن المسلمين أصبحوا يزدادون كل يوم في وعيهم وثقافتهم وخبرتهم السياسية والإدارية بل أيضا لأن العلمانيين بحكم طبيعة الفكر العلماني متفرقون ومتناقضون وانعزاليون ويتصارعون فيما بينهم، واتفاقاتهم سطحية وكثير منهم تركوا " النضال " وقضايا الإصلاح واكتفوا بالتنظير والكلام والجدل وتوزيع الاتهامات، فليست لديهم قواعد شعبية، ولا بناء فكري واضح، ولم يعودوا يمثلون للشعوب القدوة في الشجاعة والتضحية والوعي والعلم!!. المصدر: العلمانية في ميزان العقل لعيد الدويهس

стр. 178

خامس عشر: العلمانيون هم أهل الفتنة واليأس قد يدري العلمانيون أو من تأثر بالعلمانية والأغلب أنهم لا يدرون أنهم أحد أكبر أعداء شعوبنا وأمتنا لأنهم أشعلوا كثيرا من الفتن العقائدية والسياسية والاجتماعية مما أدى إلى تفرق أمتنا وشعوبنا إلى أفراد وجماعات وحكومات وتجمعات متناقضة ومتنافرة والتفرق هو العمود الفقري للضعف والهزيمة والتخلف. قال تعالى: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال:٤٦] وإليكم الأدلة:- ١ - مطالبات العلمانيين بحرية التهجم على الدين، وفصل الدين عن الدولة، ورفض تطبيق الشريعة، وحماية الروايات الجنسية (بحجة الإبداع الأدبي)، وتقليد الغرب في بعض عقائده وعاداته واحتفالاته .. إلخ أدت إلى فتن عقائدية واجتماعية والى إشغال الشعوب بقضايا محسومة، ومن المعروف أن الاختلاف العقائدي هو أكثر الأنواع تدميراً للوحدة الشعبية، وأكثرها زرعاً للكراهية والتنافر، وتم استغلال هذه الاختلافات من بعض من فسدت ضمائرهم وأخلاقهم، فزادوا في انحرافاتهم واعتداءاتهم على مصالح الوطن والأمة، وأحب أن أذكر أن العلمانيين العرب الحقيقيين قلة قليلة وضعيفة جداً، ولكنهم نجحوا في الهدم وإثارة الشبهات والتشويش على أبصار وعقول فئات أخرى نتيجة جهل الشعوب، وضعف وعيهم واتصالاتهم، فإذا كنا كمسلمين عرفنا بفضل الله الحق من الباطل، والهداية من الضلال في القضايا العقائدية والتشريعية، فإن العلمانيين يريدون أن نقف ونفكر ونتساءل أين الحق وأين الباطل؟ وما هي الحرية؟ وما هو العدل؟ وهذا بحد ذاته فتنة ناهيك عن إضاعة الجهد والوقت. ٢ - لازال وسيبقى العلمانيون ضعيفين فكرياً وسياسياً، فهم أولاً قليلو العدد، وثانياً متناقضون فكرياً وسياسياً، وفيهم الرأسمالي والاشتراكي والشيوعي وغير ذلك، وأحياناً يسمون القوى المتحالفة غير الدينية، وهذا الضعف انعكس في قدراتهم على تحقيق إنجازات طيبة سواء على مستوى الحكومات، أو الأحزاب، أو حتى النقابات والاتحادات الطلابية. ومن وصل منهم إلى الحكم فشل في تحقيق الإنجازات الطيبة مع ضخامة الموارد التي كانت تحت سيطرتهم سواء كانت بشرية أو مادية. ولا شك أن الضعف الفكري والسياسي سيحد كثيراً من القدرة على وضع رؤية للإصلاح، ووضع الخطط الاستراتيجية والشاملة للتنمية. ومعرفتهم بضعفهم جعلتهم يبحثون عن أي "قوة" ليستفيدوا منها في إعطاء وزن لهم، ولهذا وجدناهم يتحالفون مع حكومات اشتراكية ويسارية، ثم مع حكومات يمينية، وكانوا ضد أمريكا، واليوم أغلبيتهم معها فكرياً وسياسياً، ولم يمانعوا أن تستند قوتهم على أعراق معينة، أو تكتلات سياسية، أو حتى شعارات فكرية، فالمهم أن يبقوا ويعيشوا حتى ولو تنكروا لبديهيات مبادئهم المحدودة، وهذا التقلب أفقد الناس الثقة بهم، كما أدى إلى فتن وضبابية إلى درجة أننا لم نعد نعرف من يحارب من؟! وماذا يريد هذا أو ذاك؟! ومن هو عدو الأمة ومن هو صديقها؟!

стр. 179

٣ - قدرة العلمانيين الكبيرة لأنهم أبناء الفلاسفة في توجيه الاتهامات، وإثارة الشكوك مما جعلهم يتهمون الحكومات والجماعات والأحزاب والأفراد بتهم متنوعة، فهذا متطرف، وهذا عميل، وهذا ضعيف، وهذا حرامي، وهذا كذاب، وهذا أحمق، وهذا إرهابي، وهكذا .. فحتى الأعمال الخيرية لم تسلم من تشويه أهدافها مع أن أعمالها ظاهرة جداً في كفالة الأيتام، ومساعدة الفقراء، وبناء المدارس والمستوصفات والمساجد، ولم يقتصر التشكيك على الواقع ومن فيه بل امتد حتى تاريخنا، وأخذوا يكذبون كل ما فيه من إيجابيات، ويصدقون كل ما كتب عنه من سلبيات، بل يضيفون لها سلبيات جديدة، ولو صدقنا هذه الاتهامات لفقدنا ثقتنا في كثير مما في واقعنا من حكومات وتجمعات وأفراد ومؤسسات، ولتركنا العمل، وتقاعسنا عن المشاركة في البناء، ومن جهل العلمانيين ظنهم أن هذه الاتهامات لن يكون لها نتائج مريرة تفسد الود والوحدة والاحترام والتفاؤل، ومن طبيعة البشر أن يكرهوا من يتهمهم حتى ولو كان صادقاً، فكيف لو كان كاذباً أو جاهلاً يتبع الظنون؟ وكثيرا ما يكون الكلام أشد فتكاً في النفوس والشعوب من الرصاص، ويشعل من الكراهية والعنف الشيء الكثير، ويؤدي إلى التفرق والضعف، ونحن لسنا ضد الحوار العلمي الهادئ الباحث عن الحق والموضوعية والاعتدال ولكننا ضد اتهامات كاذبة وباطلة لعقائدنا وقيمنا وتاريخنا. ٤ - قال الدكتور فؤاد زكريا "أما التجارب التاريخية، فلم تكن إلا سلسلة طويلة من الفشل إذ كان الاستبداد هو القاعدة والظلم هو أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم والعدل والإحسان والشورى وغيرها من مبادئ الشريعة لا تعدو أن تكون كلاماً يقال لتبرير أفعال حاكم يتجاهل كل ماله صلة بهذه المبادئ السامية" أي قارئ لهذا الكلام سيصاب باليأس والتشاؤم إذا صدقه، ولكن الحقيقة غير ذلك فقد حققنا سلاسل من النجاح فأنشأنا دولا عظمى، وحققنا الوحدة السياسية لعالمنا العربي عدة مرات، وحققنا كثيرا من العدل والرحمة والشورى .. الخ وحققنا انتصارات عسكرية وتطوراً اقتصاديا وعلميا وثقافيا، فالخلافة العثمانية كانت دولة عظمى لعدة قرون، وغير ذلك كثير، فهل حققنا هذا من خلال الاستبداد والظلم!! ولا شك أن الشورى طبقت مرات كثيرة، وكذلك العدل، وأغلب دولنا كانت العلاقة فيها طيبة بين الحكومات والشعوب وكان هناك مبادئ وأعراف تفرض العدل والاحتكام إلى الشريعة، وكلنا يعرف أن التكافل الاجتماعي قوي في المجتمع المسلم، ومن المعروف أن الإنجازات الطيبة التي تم تحقيقها كثيرة في عصرنا الحالي، ولكن العلمانيين يشككون فيها، أو في أصحابها، فهم يحطمون الأمة باليأس، ولاشك أن الهزيمة النفسية هي من أخطر أعداء الأوطان والأمم، فهي أخطر من الهزائم العسكرية والتخلف التكنولوجي والفقر، ويريد منا أعداؤنا أن نيأس وأن يشك بعضنا في بعض وهذا ما يفعله العلمانيون، بل وما يصرون عليه حتى لا تكاد تجدهم يمدحون أحدا في الأمة، وأمة لا تثق في حكوماتها وعلماء الإسلام وقيادتها لا شك أنها أمة ستبقى ضعيفة، فلابد أن نحذر من البيئة الملوثة التي صنعها العلمانيون فقتلت الحماس والبناء، والعلمانيون هم طابور خامس من حيث يدرون أو لا يدرون.!! المصدر: العلمانية في ميزان العقل لعيد الدويهس

стр. 180

سادس عشر: نتائج العلمانية في العالم العربي والإسلامي قد كان لتسرب العلمانية إلى المجتمع الإسلامي أسوأ الأثر على المسلمين في دينهم ودنياهم. وهاهي بعض الثمار الخبيثة للعلمانية: ١ - رفض الحكم بما أنزل الله ، وإقصاء الشريعة عن كافة مجالات الحياة، والاستعاضة عن الوحي الإلهي المُنزَّل على سيد البشر محمد بن عبدالله ﷺ ، بالقوانين الوضعية التي اقتبسوها عن الكفار المحاربين لله ورسوله، واعتبار الدعوة إلى العودة إلى الحكم بما أنزل الله وهجر القوانين الوضعية، اعتبار ذلك تخلفًا ورجعية وردة عن التقدم والحضارة، وسببًا في السخرية من أصحاب هذه الدعوة واحتقارهم، وإبعادهم عن تولي الوظائف التي تستلزم الاحتكاك بالشعب والشباب، حتى لا يؤثروا فيهم. ٢ - تحريف التاريخ الإسلامي وتزييفه، وتصوير العصور الذهبية لحركة الفتوح الإسلامية، على أنها عصور همجية تسودها الفوضى، والمطامع الشخصية. ٣ - إفساد التعليم وجعله خادمًا لنشر الفكر العلماني وذلك عن طريق: أ - بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية بالنسبة للتلاميذ، والطلاب في مختلف مراحل التعليم. ب - تقليص الفترة الزمنية المتاحة للمادة الدينية إلى أقصى حد ممكن. جـ - منع تدريس نصوص معينة لأنها واضحة صريحة في كشف باطلهم. د - تحريف النصوص الشرعية عن طريق تقديم شروح مقتضبة ومبتورة لها، بحيث تبدو وكأنها تؤيد الفكر العلماني، أو على الأقل أنها لا تعارضه. هـ - إبعاد الأساتذة المتمسكين بدينهم عن التدريس، ومنعهم من الاختلاط بالطلاب، وذلك عن طريق تحويلهم إلى وظائف إدارية أو عن طريق إحالتهم إلى المعاش. وجعل مادة الدين مادة هامشية، حيث يكون موضعها في آخر اليوم الدراسي، وهي في الوقت نفسه لا تؤثر في تقديرات الطلاب. ٤ - إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة، وهم المسلمون، وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد، وصهر الجميع في إطار واحد، وجعلهم جميعًا بمنزلة واحدة من حيث الظاهر، وإن كان في الحقيقة يتم تفضيل أهل الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان على أهل التوحيد والطاعة والإيمان. فالمسلم والنصراني واليهودي والشيوعي والمجوسي والبرهمي كل هؤلاء وغيرهم، في ظل هذا الفكر بمنزلة واحدة يتساوون أمام القانون، لا فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار الاستجابة لهذا الفكر العلماني. وفي ظل هذا الفكر يكون زواج النصراني أو اليهودي أو البوذي أو الشيوعي بالمسلمة أمرًا لا غبار عليه، ولا حرج فيه، كذلك لا حرج عندهم أن يكون اليهودي أو النصراني أو غير ذلك من النحل الكافرة حاكمًا على بلاد المسلمين. وهم يحاولون ترويج ذلك في بلاد المسلمين تحت ما سموه بـ (الوحدة الوطنية). بل جعلوا (الوحدة الوطنية) هي الأصل والعصام، وكل ما خالفوها من كتاب الله أو سنة رسوله – ﷺ طرحوه ورفضوه، وقالوا: (هذا يعرض الوحدة الوطنية للخطر!!). ٥ - نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية، وتشجيع ذلك والحض عليه: وذلك عن طريق: أ - القوانين التي تبيح الرذيلة ولا تعاقب عليها، وتعتبر ممارسة الزنا والشذوذ من باب الحرية الشخصية التي يجب أن تكون مكفولة ومصونة. ب - وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وإذاعة وتلفاز التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة، ونشر الرذيلة بالتلميح مرة، وبالتصريح مرة أخرى ليلاً ونهارًا. جـ - محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات. ٦ - محاربة الدعوة الإسلامية عن طريق:
следующие страницы →