رابع عشر: فشل الأحزاب العلمانية العربية
تكونت العديد من الأحزاب والتجمعات العلمانية أو المتأثرة بها في الوطن العربي خلال القرن العشرين، وانتهت إلى الفشل الذريع في تحقيق الديمقراطية وحرية الرأي والتقدم التكنولوجي والغنى وحقوق الإنسان وهذا لا يمنع تحقيقها لبعض الإنجازات وتحقيق بعض الإنجازات لا يعني أنها ناجحة فلا يوجد شيء شر كله إلا نار جهنم واستخدمت كلمة متأثرين بالعلمانية لأن أغلب هذه الأحزاب لم تعلن تبنيها للعلمانية ولكنها عاشت بطريقة علمانية بعيدة عن الإسلام وأهدافه وعلمائه. وتعاملت مع الواقع من خلال منهج يتعامل مع الشعارات الوطنية وأهداف الحرية والمساواة والعدل والتحرير والخطابات الحماسية وترك الأمور للقيادة السياسية للحزب أو حتى للفرد الأول في الحزب سواء كان حاكما أو معارضا وجاءت نهاية هذه الأحزاب في الغالب بأيدي أصحابها نتيجة تبنيهم للعلمانية، أو تأثرهم بها، فهم مختلفون حتى ولو اتفقوا على بعض الأهداف العامة والتي عادة لا يختلف معها أي مخلص كاستقلال الأوطان وإنصاف الفقراء أو غير ذلك وهذا أدى من أول الطريق إلى ظهور الاختلافات الكثيرة الفكرية والسياسية بين العلمانيين في التعامل مع الواقع والأحداث مما أوجد الصراع والانشقاقات والتصفيات بين أعضاء الحزب الواحد لأن الأحزاب العلمانية لا تتبنى عقيدة أن القتل حرام، أو السجن بلا ذنب حرام حتى في التعامل مع المنتمين لها، وليس لها مبادئ أخلاقية هي ملتزمة بها بل كل صفحات الأخلاق غير موجودة في أدبيات هذه الأحزاب أو توجهاتها فقد أصبح أصحابها إما قاتلا أو مقتولا أو هاربا أو معزولا وانتهى الأمر فيها إلى تحكم فردي أو عائلي أو عشائري أو عسكري أو تحالف مع أجانب أو منافقين وأصبح هدفها الوحيد البقاء في المناصب وفتنة المناصب والمال فتنة عظيمة واقرءوا إن شئتم اعترافات كثيرة لأفرادها في مقالات ومقابلات وكتب لتقتنعوا بأن الرابطة العلمانية ضعيفة وأن العلمانية هي منبع الضعف والاختلاف والجهل والضياع، ولتقتنعوا أن الشعوب لم تتجاوب مع هذه الأحزاب إلا في حالات محدودة وهو تجاوب مع مصلحة الأوطان أكثر من أي شئ آخر ولتقتنعوا بأن هذه الأحزاب أصبحت فعليا نموذجا مثاليا للاستبداد والضعف والنفاق والغموض وانتهاك حقوق الإنسان وفشلوا أيضا اقتصاديا، وأصبحت دولهم من أكثر الدول فقرا وتخلفا، وانتشرت فيها الرشاوى والسرقات ولم يقتصر فشل الأحزاب العلمانية داخل أوطانها بل أيضا اختلفت وتصارعت مع جيرانها أحيانا كثيرة، وساهمت في تطوير الإنتاج العالمي بمصطلحات جديدة للشتم والسخرية والانهزامية، وهذا وغيره جعل المواطن العربي العادي يترحم على أيام الاستعمار، وعلى أنظمة قديمة اتهمت بالرجعية والعمالة قال الدكتور فؤاد زكريا عما حدث في الثمانينات من القرن العشرين (فإن التقدميين، والديمقراطيين، والعلمانيين، لم يكن لهم دور في هذا التحريك المفاجئ للأحداث بل كان يبدأ في الوقت الذي حدثت فيه المفاجأة أنهم وصلوا إلى طريق مسدود لا مخرج منه)
وما أكثر ما ينتقد العلمانيون العرب دولنا العربية والإسلامية وتاريخنا وشريعتنا، ونقول لهم بأن البديل الذي تسعون إليه تم تطبيقه في الغرب والشرق وأثبت فشله واضحا في حروب عالمية، وشهوات ومخدرات وشقاء شخصي وتعاسة أسرية، وما تدعون إليه تم تطبيقه في العديد من الدول العربية خلال القرن العشرين وفشل فشلا ذريعا، وليس هدفنا إحراج أحد بذكر أمثلة تفصيلية فالمتأمل في واقع بعض الدول العربية يقتنع بذلك، وهذه تجارب واقعية، وكان كثير من قياداتها مخلصون وصادقون ولكن حققوا الفشل الكبير!!.
стр. 177
لماذا أيها العلمانيون الجدد تريدون تكرار نفس الخطأ؟ لماذا لا تسألون العلمانيين القدماء أو من تأثر بالعلمانية لماذا فشلتم؟ لماذا لم تطبقوا الديمقراطية؟ لماذا لم تفتحوا الأبواب للحرية؟ لماذا لم تحققوا التقدم الاقتصادي؟ ولماذا لم تسألوهم لماذا تصارعتم واختلفتم ولجأتم للقتل والتعذيب والسجن فيما بينكم وفي تعاملكم مع الشعوب؟ ومشكلة العلمانيين الجدد أنهم لا يعتبرون أي نظام عربي قديم أو حديث يمثلهم سواء كان رأسماليا، أو اشتراكيا، أو شيوعيا، أو عرقيا، أو غير ذلك، هم فعلا يتكلمون عن سراب وأحلام وأوهام وظنون وتوقعات لأن ما يريدون لم ينجح أحد في تطبيقه ومع هذا يصرون عليه. وهم يفعلون ذلك لأن الله أعمى بصائرهم، وهم يفعلون ذلك لأن من طبيعتهم الاختلاف حتى مع أنفسهم وأساتذتهم، فكلما جاءت أمة لعنت أختها. أتمنى أن يستمعوا لما نقول لهم ولا يضعوا أصابعهم في آذانهم!! ... قولوا لنا: لماذا انتهيتم إلى جزر معزولة وأفراد يائسين ومتذمرين وقلقين؟ وقولوا لنا كم من فتنة سياسية وفكرية كنتم أنتم وراءها؟ وكم من الاختلاف والتنافر والغضب زرعتموه في الشعوب؟ ويا ليتكم تؤمنون بالديمقراطية وتحتكموا للشعوب، وإذا فعلتم ذلك فلن تجدوا تأييد لكم فاقتنعوا بحكم الشعوب ووفروا جهودكم. ونحن أمة ذات عقيدة إسلامية، وذات فكر صحيح وواقعي ومعتدل، أخرج الله البشر به من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، وهو الفكر الذي جاء به الأنبياء جميعا وسار عليه الصالحون في كل زمان ومكان، ودخلت علينا في القرن العشرين عقائد علمانية تريد أن تغير عقائدنا، ومبادئنا، فتتهمنا بالتخلف والرجعية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتأثر بعض شبابنا بالأفكار العلمانية خاصة منهم من درس في أمريكا وأوربا فعادوا ليشعلوا الفتنة في الأمة، وكان شيئا طبيعيا أن يغضب كل مسلم واع من هؤلاء، ويدخل في صراع معهم لأن مكانة الإسلام عندنا مقدسة، ولأننا أمة نكره الكفر والشرك، ونريد أن نحاربه أينما وجد فكيف نرضى به في أرضنا؟! وسيكون الفكر الإسلامي هو المنتصر إن شاء الله سواء كان الحسم سلميا أو عنيفا ليس فقط لأن المسلمين أصبحوا يزدادون كل يوم في وعيهم وثقافتهم وخبرتهم السياسية والإدارية بل أيضا لأن العلمانيين بحكم طبيعة الفكر العلماني متفرقون ومتناقضون وانعزاليون ويتصارعون فيما بينهم، واتفاقاتهم سطحية وكثير منهم تركوا " النضال " وقضايا الإصلاح واكتفوا بالتنظير والكلام والجدل وتوزيع الاتهامات، فليست لديهم قواعد شعبية، ولا بناء فكري واضح، ولم يعودوا يمثلون للشعوب القدوة في الشجاعة والتضحية والوعي والعلم!!.
المصدر: العلمانية في ميزان العقل لعيد الدويهس
стр. 178
خامس عشر: العلمانيون هم أهل الفتنة واليأس
قد يدري العلمانيون أو من تأثر بالعلمانية والأغلب أنهم لا يدرون أنهم أحد أكبر أعداء شعوبنا وأمتنا لأنهم أشعلوا كثيرا من الفتن العقائدية والسياسية والاجتماعية مما أدى إلى تفرق أمتنا وشعوبنا إلى أفراد وجماعات وحكومات وتجمعات متناقضة ومتنافرة والتفرق هو العمود الفقري للضعف والهزيمة والتخلف. قال تعالى: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال:٤٦] وإليكم الأدلة:-
١ - مطالبات العلمانيين بحرية التهجم على الدين، وفصل الدين عن الدولة، ورفض تطبيق الشريعة، وحماية الروايات الجنسية (بحجة الإبداع الأدبي)، وتقليد الغرب في بعض عقائده وعاداته واحتفالاته .. إلخ أدت إلى فتن عقائدية واجتماعية والى إشغال الشعوب بقضايا محسومة، ومن المعروف أن الاختلاف العقائدي هو أكثر الأنواع تدميراً للوحدة الشعبية، وأكثرها زرعاً للكراهية والتنافر، وتم استغلال هذه الاختلافات من بعض من فسدت ضمائرهم وأخلاقهم، فزادوا في انحرافاتهم واعتداءاتهم على مصالح الوطن والأمة، وأحب أن أذكر أن العلمانيين العرب الحقيقيين قلة قليلة وضعيفة جداً، ولكنهم نجحوا في الهدم وإثارة الشبهات والتشويش على أبصار وعقول فئات أخرى نتيجة جهل الشعوب، وضعف وعيهم واتصالاتهم، فإذا كنا كمسلمين عرفنا بفضل الله الحق من الباطل، والهداية من الضلال في القضايا العقائدية والتشريعية، فإن العلمانيين يريدون أن نقف ونفكر ونتساءل أين الحق وأين الباطل؟ وما هي الحرية؟ وما هو العدل؟ وهذا بحد ذاته فتنة ناهيك عن إضاعة الجهد والوقت.
٢ - لازال وسيبقى العلمانيون ضعيفين فكرياً وسياسياً، فهم أولاً قليلو العدد، وثانياً متناقضون فكرياً وسياسياً، وفيهم الرأسمالي والاشتراكي والشيوعي وغير ذلك، وأحياناً يسمون القوى المتحالفة غير الدينية، وهذا الضعف انعكس في قدراتهم على تحقيق إنجازات طيبة سواء على مستوى الحكومات، أو الأحزاب، أو حتى النقابات والاتحادات الطلابية. ومن وصل منهم إلى الحكم فشل في تحقيق الإنجازات الطيبة مع ضخامة الموارد التي كانت تحت سيطرتهم سواء كانت بشرية أو مادية. ولا شك أن الضعف الفكري والسياسي سيحد كثيراً من القدرة على وضع رؤية للإصلاح، ووضع الخطط الاستراتيجية والشاملة للتنمية. ومعرفتهم بضعفهم جعلتهم يبحثون عن أي "قوة" ليستفيدوا منها في إعطاء وزن لهم، ولهذا وجدناهم يتحالفون مع حكومات اشتراكية ويسارية، ثم مع حكومات يمينية، وكانوا ضد أمريكا، واليوم أغلبيتهم معها فكرياً وسياسياً، ولم يمانعوا أن تستند قوتهم على أعراق معينة، أو تكتلات سياسية، أو حتى شعارات فكرية، فالمهم أن يبقوا ويعيشوا حتى ولو تنكروا لبديهيات مبادئهم المحدودة، وهذا التقلب أفقد الناس الثقة بهم، كما أدى إلى فتن وضبابية إلى درجة أننا لم نعد نعرف من يحارب من؟! وماذا يريد هذا أو ذاك؟! ومن هو عدو الأمة ومن هو صديقها؟!
стр. 179
٣ - قدرة العلمانيين الكبيرة لأنهم أبناء الفلاسفة في توجيه الاتهامات، وإثارة الشكوك مما جعلهم يتهمون الحكومات والجماعات والأحزاب والأفراد بتهم متنوعة، فهذا متطرف، وهذا عميل، وهذا ضعيف، وهذا حرامي، وهذا كذاب، وهذا أحمق، وهذا إرهابي، وهكذا .. فحتى الأعمال الخيرية لم تسلم من تشويه أهدافها مع أن أعمالها ظاهرة جداً في كفالة الأيتام، ومساعدة الفقراء، وبناء المدارس والمستوصفات والمساجد، ولم يقتصر التشكيك على الواقع ومن فيه بل امتد حتى تاريخنا، وأخذوا يكذبون كل ما فيه من إيجابيات، ويصدقون كل ما كتب عنه من سلبيات، بل يضيفون لها سلبيات جديدة، ولو صدقنا هذه الاتهامات لفقدنا ثقتنا في كثير مما في واقعنا من حكومات وتجمعات وأفراد ومؤسسات، ولتركنا العمل، وتقاعسنا عن المشاركة في البناء، ومن جهل العلمانيين ظنهم أن هذه الاتهامات لن يكون لها نتائج مريرة تفسد الود والوحدة والاحترام والتفاؤل، ومن طبيعة البشر أن يكرهوا من يتهمهم حتى ولو كان صادقاً، فكيف لو كان كاذباً أو جاهلاً يتبع الظنون؟ وكثيرا ما يكون الكلام أشد فتكاً في النفوس والشعوب من الرصاص، ويشعل من الكراهية والعنف الشيء الكثير، ويؤدي إلى التفرق والضعف، ونحن لسنا ضد الحوار العلمي الهادئ الباحث عن الحق والموضوعية والاعتدال ولكننا ضد اتهامات كاذبة وباطلة لعقائدنا وقيمنا وتاريخنا.
٤ - قال الدكتور فؤاد زكريا "أما التجارب التاريخية، فلم تكن إلا سلسلة طويلة من الفشل إذ كان الاستبداد هو القاعدة والظلم هو أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم والعدل والإحسان والشورى وغيرها من مبادئ الشريعة لا تعدو أن تكون كلاماً يقال لتبرير أفعال حاكم يتجاهل كل ماله صلة بهذه المبادئ السامية"
أي قارئ لهذا الكلام سيصاب باليأس والتشاؤم إذا صدقه، ولكن الحقيقة غير ذلك فقد حققنا سلاسل من النجاح فأنشأنا دولا عظمى، وحققنا الوحدة السياسية لعالمنا العربي عدة مرات، وحققنا كثيرا من العدل والرحمة والشورى .. الخ وحققنا انتصارات عسكرية وتطوراً اقتصاديا وعلميا وثقافيا، فالخلافة العثمانية كانت دولة عظمى لعدة قرون، وغير ذلك كثير، فهل حققنا هذا من خلال الاستبداد والظلم!! ولا شك أن الشورى طبقت مرات كثيرة، وكذلك العدل، وأغلب دولنا كانت العلاقة فيها طيبة بين الحكومات والشعوب وكان هناك مبادئ وأعراف تفرض العدل والاحتكام إلى الشريعة، وكلنا يعرف أن التكافل الاجتماعي قوي في المجتمع المسلم، ومن المعروف أن الإنجازات الطيبة التي تم تحقيقها كثيرة في عصرنا الحالي، ولكن العلمانيين يشككون فيها، أو في أصحابها، فهم يحطمون الأمة باليأس، ولاشك أن الهزيمة النفسية هي من أخطر أعداء الأوطان والأمم، فهي أخطر من الهزائم العسكرية والتخلف التكنولوجي والفقر، ويريد منا أعداؤنا أن نيأس وأن يشك بعضنا في بعض وهذا ما يفعله العلمانيون، بل وما يصرون عليه حتى لا تكاد تجدهم يمدحون أحدا في الأمة، وأمة لا تثق في حكوماتها وعلماء الإسلام وقيادتها لا شك أنها أمة ستبقى ضعيفة، فلابد أن نحذر من البيئة الملوثة التي صنعها العلمانيون فقتلت الحماس والبناء، والعلمانيون هم طابور خامس من حيث يدرون أو لا يدرون.!!
المصدر: العلمانية في ميزان العقل لعيد الدويهس
стр. 180
سادس عشر: نتائج العلمانية في العالم العربي والإسلامي
قد كان لتسرب العلمانية إلى المجتمع الإسلامي أسوأ الأثر على المسلمين في دينهم ودنياهم.
وهاهي بعض الثمار الخبيثة للعلمانية:
١ - رفض الحكم بما أنزل الله ، وإقصاء الشريعة عن كافة مجالات الحياة، والاستعاضة عن الوحي الإلهي المُنزَّل على سيد البشر محمد بن عبدالله ﷺ ، بالقوانين الوضعية التي اقتبسوها عن الكفار المحاربين لله ورسوله، واعتبار الدعوة إلى العودة إلى الحكم بما أنزل الله وهجر القوانين الوضعية، اعتبار ذلك تخلفًا ورجعية وردة عن التقدم والحضارة، وسببًا في السخرية من أصحاب هذه الدعوة واحتقارهم، وإبعادهم عن تولي الوظائف التي تستلزم الاحتكاك بالشعب والشباب، حتى لا يؤثروا فيهم.
٢ - تحريف التاريخ الإسلامي وتزييفه، وتصوير العصور الذهبية لحركة الفتوح الإسلامية، على أنها عصور همجية تسودها الفوضى، والمطامع الشخصية.
٣ - إفساد التعليم وجعله خادمًا لنشر الفكر العلماني وذلك عن طريق:
أ - بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية بالنسبة للتلاميذ، والطلاب في مختلف مراحل التعليم.
ب - تقليص الفترة الزمنية المتاحة للمادة الدينية إلى أقصى حد ممكن.
جـ - منع تدريس نصوص معينة لأنها واضحة صريحة في كشف باطلهم.
د - تحريف النصوص الشرعية عن طريق تقديم شروح مقتضبة ومبتورة لها، بحيث تبدو وكأنها تؤيد الفكر العلماني، أو على الأقل أنها لا تعارضه.
هـ - إبعاد الأساتذة المتمسكين بدينهم عن التدريس، ومنعهم من الاختلاط بالطلاب، وذلك عن طريق تحويلهم إلى وظائف إدارية أو عن طريق إحالتهم إلى المعاش.
وجعل مادة الدين مادة هامشية، حيث يكون موضعها في آخر اليوم الدراسي، وهي في الوقت نفسه لا تؤثر في تقديرات الطلاب.
٤ - إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة، وهم المسلمون، وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد، وصهر الجميع في إطار واحد، وجعلهم جميعًا بمنزلة واحدة من حيث الظاهر، وإن كان في الحقيقة يتم تفضيل أهل الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان على أهل التوحيد والطاعة والإيمان.
فالمسلم والنصراني واليهودي والشيوعي والمجوسي والبرهمي كل هؤلاء وغيرهم، في ظل هذا الفكر بمنزلة واحدة يتساوون أمام القانون، لا فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار الاستجابة لهذا الفكر العلماني.
وفي ظل هذا الفكر يكون زواج النصراني أو اليهودي أو البوذي أو الشيوعي بالمسلمة أمرًا لا غبار عليه، ولا حرج فيه، كذلك لا حرج عندهم أن يكون اليهودي أو النصراني أو غير ذلك من النحل الكافرة حاكمًا على بلاد المسلمين.
وهم يحاولون ترويج ذلك في بلاد المسلمين تحت ما سموه بـ (الوحدة الوطنية).
بل جعلوا (الوحدة الوطنية) هي الأصل والعصام، وكل ما خالفوها من كتاب الله أو سنة رسوله – ﷺ طرحوه ورفضوه، وقالوا: (هذا يعرض الوحدة الوطنية للخطر!!).
٥ - نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية، وتشجيع ذلك والحض عليه: وذلك عن طريق:
أ - القوانين التي تبيح الرذيلة ولا تعاقب عليها، وتعتبر ممارسة الزنا والشذوذ من باب الحرية الشخصية التي يجب أن تكون مكفولة ومصونة.
ب - وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وإذاعة وتلفاز التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة، ونشر الرذيلة بالتلميح مرة، وبالتصريح مرة أخرى ليلاً ونهارًا.
جـ - محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات.
٦ - محاربة الدعوة الإسلامية عن طريق:
стр. 181
أ - تضييق الخناق على نشر الكتاب الإسلامي، مع إفساح المجال للكتب الضالة المنحرفة التي تشكك في العقيدة الإسلامية، والشريعة الإسلامية.
ب - إفساح المجال في وسائل الإعلام المختلفة للعلمانيين المنحرفين لمخاطبة أكبر عدد من الناس لنشر الفكر الضال المنحرف، ولتحريف معاني النصوص الشرعية، مع إغلاق وسائل الإعلام في وجه علماء المسلمين الذين يُبصِّرون الناس بحقيقة الدين.
٧ - مطاردة الدعاة إلى الله، ومحاربتهم، وإلصاق التهم الباطلة بهم، ونعتهم بالأوصاف الذميمة، وتصويرهم على أنهم جماعة متخلفة فكريًا، ومتحجرة عقليًا، وأنهم رجعيون، يُحاربون كل مخترعات العلم الحديث النافع، وأنهم متطرفون متعصبون لا يفقهون حقيقة الأمور، بل يتمسكون بالقشور ويَدعون الأصول.
٨ - التخلص من المسلمين الذين لا يهادنون العلمانية، وذلك عن طريق النفي أو السجن أو القتل.
٩ - إنكار فريضة الجهاد في سبيل الله، ومهاجمتها واعتبارها نوعًا من أنواع الهمجية وقطع الطريق.
وذلك أن الجهاد في سبيل الله معناه القتال لتكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا يكون في الأرض سلطان له القوة والغلبة والحكم إلا سلطان الإسلام، والقوم - أي العلمانيين - قد عزلوا الدين عن التدخل في شؤون الدنيا، وجعلوا الدين - في أحسن أقوالهم - علاقة خاصة بين الإنسان وما يعبد، بحيث لا يكون لهذه العبادة تأثير في أقواله وأفعاله وسلوكه خارج مكان العبادة.
فكيف يكون عندهم إذن جهاد في سبيل إعلاء كلمة الدين؟!!
والقتال المشروع عند العلمانيين وأذنابهم إنما هو القتال للدفاع عن المال أو الأرض، أما الدفاع عن الدين والعمل على نشره والقتال في سبيله، فهذا عندهم عمل من أعمال العدوان والهمجية التي تأباها الإنسانية المتمدنة!!
١٠ - الدعوة إلى القومية أو الوطنية، وهي دعوة تعمل على تجميع الناس تحت جامع وهمي من الجنس أو اللغة أو المكان أو المصالح، على ألا يكون الدين
عاملاً من عوامل التجميع، بل الدين من منظار هذه الدعوة يُعد عاملاً من أكبر عوامل التفرق والشقاق، حتى قال قائل منهم: (والتجربة الإنسانية عبر القرون الدامية، دلَّت على أن الدين - وهو سبيل الناس لتأمين ما بعد الحياة - ذهب بأمن الحياة ذاتها).
هذه هي بعض الثمار الخبيثة التي أنتجتها العلمانية في بلاد المسلمين، وإلا فثمارها الخبيثة أكثر من ذلك بكثير.
والمسلم يستطيع أن يلمس أو يدرك كل هذه الثمار أو جُلها في غالب بلاد المسلمين، وهو في الوقت ذاته يستطيع أن يُدرك إلى أي مدى تغلغلت العلمانية في بلدٍ ما اعتمادًا على ما يجده من هذه الثمار الخبيثة فيها.
المصدر: العلمانية وثمارها الخبيثة لمحمد شاكر الشريف
стр. 182
سابع عشر: لماذا نرفض العلمانية ؟
- أن الشرع لله ابتداء، وأن شريعة الله هي العليا .. وأن مقتضى ذلك ألا يكون معها شريعة أخرى، وإلا فمعنى ذلك هو الشرك، واتخاذ الآلهة مع الله، والعبادة للأرباب المتفرقين.
- إن العلمانية تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، وقبول التحليل والتحريم من غير الله كفر وشرك مخرج من الملة، فلا بد لنا من رفض العلمانية لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام.
- إن العلمانية ليست معصية ولكنها كفر بواح، وقبول الكفر والرضا به كفر .. ولذلك فلا بد لنا من رفض العلمانية وعدم الرضا بها لنبقى في دين الله، ونحقق لأنفسنا صفة الإسلام.
- إن الأنظمة العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة والتحاكم إلى إرادة الأمة بدلاً من الكتاب والسنة ـ هذه الأنظمة ـ تفتقد الشرعية وموقف المسلم منها يتحدد في عبارة واحدة ..
إنه يرفض هذه الأنظمة، ويرفض الاعتراف لها بأيّ شرعية.
- إن العلمانية هي أقصى درجات التخلف العقيدي، والذي تنشأ منه كل ألوان التخلف الأخرى .. وهذا التخلف يولّد احتياجاً، والاحتياج يولد تبعية .. ولذلك فنحن نرفض العلمانية لأنها سبب التخلف والتبعية.
- إن العلمانية يحكم في ظلها الأراذل والعملاء، وينتج عنها ظواهر اغتراب، وفقدان انتماء، فيؤدي ذلك إلى استنزاف الطاقات، وضياع الجهود، وفساد عريض .. ولذلك فلا بد أن نرفض العلمانية ليسقط حكم الأراذل والعملاء، ويتولى أولوا الألباب قيادة الأمة، فيكون ميلاداً جديداً للأمة الإسلامية، التي تستطيع أن تثب الوثبة القوية، وتنطلق الانطلاقة الواسعة، وتحطم الأغلال التي وضعها الأعداء على المارد الإسلامي.
المصدر: لماذا نرفض العلمانية لمحمد محمد بدري ص٨٥ - ٨٦ بتصرف
стр. 183
ثامن عشر: نظرة في كتاب (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ علي عبدالرازق
برغم ما في هجمة أتاتورك وجنايته على الإسلام من الضراوة والقسوة والشراسة - فإن جناية علي عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) أشد وأخطر؛ ذلك أن صنيع أتاتورك ردة صريحة، وخروج على الإسلام بقوة السلطان؛ فلا يكون لها أثر إلا بقدر بقاء القوة.
أما صنيع علي عبدالرازق فقد كان محاولة للتغيير في أصول الإسلام، ومسلماته.
وهذا - بلا ريب - يفعل فعله، ويمتد أثره؛ ليصبح هو التفسير الصحيح لعلاقة الإسلام بالسياسة والحكم.
وحينئذ توصد الأبواب - لو قُدِّر لهذه المحاولة أن تنجح - في وجه الإسلام، ويُحال بينه وبين القيادة والتوجيه لحياة الأمة المسلمة.
لقد كان كتاب علي عبدالرازق أول كتاب يقدمه رجل ينتمي إلى الإسلام، بل إلى العلم والقضاء معلناً عن نفسه بلا مواربة، مقدماً فيه الفكر العلماني في جرأة لا تعرف الحياء ولا الخجل.
ولم تكن كتابته مجرد فقرة قصيرة أو طويلة، بل ولم تكن مجرد مقال طويل يُنشر في إحدى الصحف.
وإنما كان كتاباً كاملاً يعرض منهجاً كلياً في معرفة الإسلام، وعلاقته بالحكم.
ومما يحسن التنبيه عليه أن الحكومة الكمالية حين ألغت الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤م - أصدر المجلس الوطني التركي رسالة شرح فيها وجهة نظره في إلغاء الخلافة.
إلا أن الرأي العام في العالم الإسلامي لم يقابل هذا العمل بالارتياح، بل أخذ بعض مفكري وعلماء الإسلام يتطارحون الرأي في إقامة الخلافة الإسلامية.
أما الرسالة التي أصدرها المجلس التركي فقد كانت بعنوان (الإسلام وسلطة الأمة) أو (الخلافة وسلطة الأمة).
وقد تُرجمت إلى العربية، وطُبعت بمطبعة المقتطف بمصر سنة ١٩٢٤م.
وبعد صدور هذا الكتاب سنة ١٩٢٥م أصدر علي عبدالرازق كتابه المذكور، وكان حينئذ قاضياً بمحكمة المنصورة الشرعية الابتدائية.
ويُلاحظ أن بين اسمي الكتاب ومضمونهما تشابهاً، إلا أن الكتاب الأول لم يبلغ ما بلغه كتاب علي عبدالرازق من القدح في علاقة الإسلام بالسياسة.
ومما يوضح الشبه بين الكتابين أنه قد جاء في كتاب (الإسلام وسلطة الأمة) ص٥ ما نصه: إن هذه المسألة - الخلافة - دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية، وإنها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة، ولم يرد بيان صريح في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية في كيفية نصب الخليفة وتعيينه، وشروط الخلافة ما هي .....
وقال علي عبدالرازق في ص١٦ ما نصه: "إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شيء من أمر هذا الدين مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] ثم لا تجد فيه ذكراً لتلك الإمامة العامة، أو الخلافة.
إن في ذلك لمجالاً للمقال! ليس القرآن وحده الذي أهمل تلك الخلافة، ولم يتصد لها، بل السنة كالقرآن - أيضاً - وقد تركتها ولم تتعرض لها ..
وفي رسالة المجلس الوطني التركي ص٤ ما نصه: إن الفرقة المسماة بالخارجية تنكر وجوب الخلافة، وتقول إن أمر نصب الخليفة وتعيينه، ليس واجباً على الأمة الإسلامية، بل هو جائز، ووجوده وعدم وجوده سيان ..
ويقول علي عبدالرازق في ص٣٣ ما نصه: فكيف وقد قالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام أصلاً، وكذلك قال الأصم من المعتزلة، وقال غيرهم - أيضاً - كما سبقت الإشارة إليه.
وحسبنا في هذا المقام نقضاً لدعوى الإجماع أن يثبت عندنا خلاف الأصم والخوارج وغيرهم، وإن قال ابن خلدون: إنهم شواذ.
وهكذا ردد علي عبدالرزاق في كتابه ما جاء في رسالة المجلس الوطني التركي، وزاد عليها شيئاً من فساد الفهم، وسوء الأدب في حق النبي " وحق كبار الصحابة.
стр. 184
وقد قابلت الدوائر الاستعمارية والمراكز التبشيرية المسيحية كتاب علي عبدالرازق بالترحيب والتصفيق، وذلك لخشيتها من كل فكرة ترمي إلى تكتل العالم الإسلامي، وارتياحها إلى نشر مثل هذه الآراء الخبيثة التي ضمنها علي عبدالرازق كتابه، تلك الآراء التي تخدم أهداف الاستعمار وتحقق آماله في السيطرة على الشعوب الإسلامية، وإذلالها إلى الأبد.
وقد كشف المؤلف عن نفسه الخبيثة في حديثه مع مراسل صحيفة (البورص إجبسيان) حينما سأله هذا المراسل:
- هل يمكن أن نعتبرك زعيماً للمدرسة؟
فأجاب: "لست أعرف ماذا تعني بالمدرسة؟ فإن كنت تريد بهذا أن لي أنصاراً؛ يسرني أن أصرح لك أن الكثيرين يرون رأيي، لا في مصر وحدها، بل في العالم الإسلامي بأسره".
وقد وصلتني رسائل التأييد من جميع أقطار العالم التي نفذ إليها الإسلام.
ولا ريب أني رغم الحكم، لا أزال مستمراً في آرائي وفي نشرها، لأن الحكم لا يعدل طريقة تفكيري.
وسأسعى إلى ذلك بكل الوسائل الممكنة كتأليف كتب جديدة، ومقالات في الصحف، ومحاضرات، وأحاديث.
والآراء التي أراد علي عبدالرازق أن ينشرها بين المسلمين، ويُؤلف فيها الكتب تتلخص في الطعن في حكومة النبي "، واتهام كبار الصحابة بأشنع التهم.
ولم يكن من بين هذه الآراء الحض على مكافحة الاستعمار، والجهاد في سبيل الاستقلال والحرية، ولا عجب في ذلك؛ فبيت عبدالرازق كان في ذلك الوقت من البيوت العريقة في خدمة الاستعمار؛ فقد أنشأ حسن عبدالرازق حزب الأمة سنة ١٩٠٨ لمحاربة الحركة الوطنية، وبعد سنة ١٩١٩م انضم آل عبدالرازق إلى حزب الأحرار الدستوريين الذي كان يعمل مع الإنجليز .. وسواء كان الكتاب المنسوب لعلي عبدالرازق من تأليفه هو - كما هو مدون على غلاف الكتاب - أو كان من تأليف بعض المستشرقين كما يذهب إلى ذلك آخرون (١) فإن الذي يعنينا هنا أن يُقال: إن العلمانية أعلنت الحرب بغير مواربة على النظام السياسي الإسلامي، وبدأت جولتها معه، التي ربما خُيِّل لأتباعها أنها الجولة الأولى والأخيرة، ولكن وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب: ٢٥]
لقد كان صدور ذلك الكتاب المنبوذ - والذي يعني عند مؤلفه ومن يشايعه إسقاط الخلافة والقضاء عليها من الناحية الشرعية - عام ١٩٢٥م، أي بعد عام واحد من إسقاط الخلافة والقضاء عليها واقعياً من قِبَلِ أتاتورك وأتباعه.
وبصدور ذلك الكتاب بدأت وقائع الجولة الأولى - الظافرة بإذن الله - من أهل الحق في الرد على أهل الباطل وضلالاتهم، وحمي الوطيس، وانتصب للحق أهله ودعاته، وظهرت الردود تلو الردود؛ لترد على الكائدين كيدهم في نحورهم، ولِتفضحَهم أمام أجيال الأمة المعاصرة واللاحقة، وتبين خيانتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، ومتابعتهم لأولياء الشيطان من اليهود والنصارى الحاقدين. فقام بالرد عليه السيد محمد رشيد رضا صاحب (مجلة المنار)، وكذلك الشيخ محمد شاكر (٢) وكيل الأزهر سابقاً، وكذلك الأستاذ أمين الرافعي، وقد أفتى بعض كبار العلماء من أمثال الشيخ محمد شاكر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت، والسيد محمد رشيد رضا بِرِدَّةِ علي عبدالرازق مؤلف الكتاب المذكور.
رد الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم)
стр. 185
كما ألف كبار العلماء كتباً في الرد عليه: فألَّف الشيخ محمد الخضر حسين (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) وألَّف الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية في وقته (حقيقة الإسلام وأصول الحكم) كما ألَّف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كتاب (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم).
ومن قبل ذلك فقد عقدت له محاكمة في الأزهر من قبل هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر وعضوية أربعة وعشرين عالماً من كبار العلماء، وبحضور علي عبدالرازق نفسه، وقد تمت مواجهته بما هو منسوب إليه في كتابه، واستمعت المحكمة لدفاعه عن نفسه، ثم خلصت الهيئة إلى القرار التالي: "حكمنا؛ نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ علي عبدالرازق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) من زمرة العلماء. كما حكم مجلس تأديب القضاة الشرعيين بوزارة الحقانية – العدل- بالإجماع بفصله من القضاء الشرعي. (١).
وإليك فيما يلي شيئاً من التفصيل عن تلك المحاكمة التي جرت؛ فقد انعقدت هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ محمد أبي الفضل الجيزاوي، شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت، صباح الأربعاء ٢٢ المحرم سنة ١٣٤٤هـ -أغسطس سنة ١٩٢٥م- وكان عدد أعضائها أربعة وعشرين عالماً، ولما مَثُلَ علي عبدالرازق أمام الهيئة حياها بقوله (السلام عليكم) فلم يرد عليه أحد، وبعد مناقشة طويلة أصدرت الهيئة حكمها بإدانة المتهم، وإخراجه من زمرة العلماء.
ويترتب على الحكم المذكور: محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى، وطرده من كل وظيفة، وقطع مرتباته في أي جهة كانت، وعدم أهليته للقيام بأية وظيفة عمومية، دينية كانت أو غير دينية.
أما حيثيات الحكم، فيمكن إيجازها فيما يلي:
١ - أن الشيخ علياً جعل الشريعة الإسلامية, شريعة روحية محضة, لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا.
وقد ردت الهيئة على هذا الزعم الباطل بأن الدين الإسلامي هو إجماع المسلمين على ما جاء به النبي ",من عقائد, وعبادات, ومعاملات لإصلاح أمور الدنيا والآخرة, وأن كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ", كلاهما مشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا, وأحكام كثيرة في أمور الآخرة.
وقالت الهيئة: وواضح من كلامه - المؤلف - أن الشريعة الإسلامية عنده شريعة روحية محضة, جاءت لتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه فقط, وأن ما بين الناس من المعاملات الدنيوية وتدبير الشؤون العامة فلا شأن للشريعة به, وليس من مقاصدها.
وهل في استطاعة الشيخ أن يشطر الدين الإسلامي شطرين, ويلغي منه شطر الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا, ويضرب بآيات الكتاب العزيز, وسنة رسول الله" عرض الحائط؟!
٢ - ومن حيث إنه زعم أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي " كان في سبيل الملك, لا في سبيل الدين, ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين.
فقد قال: " ... وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين, ولا يحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله".
ثم قال:" ... وإذا كان " قد لجأ إلى القوة والرهبة, فذلك لا يكون في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغ رسالته إلى العالمين, وما يكون لنا أن نفهم إلا أنه كان في سبيل الملك".
على أنه لا يقف عند هذا الحد, بل كما جوز أن يكون الجهاد في سبيل الملك, ومن الشؤون الملكية - جوز أن تكون الزكاة والجزية والغنائم, ونحو ذلك في سبيل الملك - أيضاً -.
وجعل كل ذلك على هذا خارجاً عن حدود رسالة النبي " فلم ينزل به وحي, ولم يأمر به الله – تعالى -.
стр. 186
والشيخ علي لا يمنع أن يصادم صريح آيات الكتاب العزيز, فضلاً عن صريح الأحاديث المعروفة, ولا يمنع أنه ينكر معلوماً من الدين بالضرورة.
وذكرت الهيئة الآيات الواردة في الجهاد في سبيل الله, والآيات الخاصة بالزكاة, وتنظيم الصدقات, وتقسيم الغنائم, وهي كثيرة.
٣ - ومن حيث إنه زعم أن نظام الحكم في عهد النبي " كان موضع غموض, أو إبهام, أو اضطراب, أو نقص, وموجباً للحيرة.
وقد رضي لنفسه بعد ذلك مذهباً, هو قوله: "إنما كانت ولاية محمد " على المؤمنين ولاية رسالة غير مشوبة بشيء من الحكم".
وهذه هي الطريقة الخطيرة التي خرج إليها, وهي أنه جرد النبي " من الحكم.
وما زعمه الشيخ علي مصادم لصريح القرآن الكريم, فقد قال الله - تعالى-: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا [النساء:١٠٥] ثم أوردت الهيئة آيات كثيرة تتضمن معنى الآية السابقة, وتنحو نحوها.
٤ - ومن حيث إنه زعم أن مهمة النبي ", كانت بلاغاً للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ.
ولو صح هذا لكان رفضاً لجميع آيات الأحكام الكثيرة الواردة في القرآن الكريم، ومخالفاً - أيضاً - صريح السنة.
ثم أوردت الهيئة كثيراً من الأحاديث التي تهدم مزاعم المؤلف, وختمت ذلك بقولها: "فهل يجوز أن يقال بعد ذلك في محمد ", إن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان، وإنه لم يكلف أن يأخذ الناس بما جاءهم به, ولا أن يحملهم عليه؟! ".
٥ - ومن حيث إنه أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام, وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا.
وقال إنه يقف في ذلك في صف جماعة غير قليلة من أهل القبلة, يعني بعض الخوارج والأصم؛ وهو دفاع لا يبرئه من أنه خرج على الإجماع المتواتر عند المسلمين، وحسبه في بدعته أنه في صف الخوارج, لا في صف جماهير المسلمين.
٦ - ومن حيث إنه أنكر أن القضاء وظيفة شرعية, وقال إن الذين ذهبوا إلى أن القضاء وظيفة شرعية جعلوه متفرعاً عن الخلافة, فمن أنكر الخلافة أنكر القضاء.
وكلامه غير صحيح, فالقضاء ثابت بالدين على كل تقدير, تمسكاً بالأدلة الشرعية التي لا يستطاع نقضها.
٧ - ومن حيث إنه زعم أن حكومة أبي بكر, والخلفاء الراشدين من بعده, ﵃, كانت لا دينية, ودفاع الشيخ علي بأن الذي يقصده من أن زعامة أبي بكر لا دينية أنها لا تستند على وحي, ولا إلى رسالة - مضحك موقع في الأسف, فإن أحداً لا يتوهم أن أبا بكر ﵁ كان نبياً يوحى إليه حتى يُعني الشيخ علي بدفع هذا التوهم.
لقد بايع أبا بكر, جماهير الصحابة من أنصار ومهاجرين, على أنه القائم بأمر الدين في هذه الأمة بعد نبيها محمد ".
وإن ما وصم به الشيخ علي أبا بكر من أن حكومته لا دينية, لم يُقْدِمْ على مثله أحد من المسلمين؛ فالله حسبه, ولكن الذي يطعن في مقام النبوة, يسهل عليه كثيراً أن يطعن في مقام أبي بكر وإخوانه الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين-
هذه خلاصة الحيثيات التي بنت عليها هيئة كبار العلماء حكمها السالف الذكر.
ومنذ ذلك الحين لم تنقطع الكتابات في الرد على كتاب علي عبدالرازق سواء كان ذلك على هيئة كتاب، أو مقال.
стр. 187
وقد حاول بعضهم مساندة علي عبدالرازق، وإعادة وجاهته وقدره عند الناس؛ فبعد اثنين وعشرين عاماً غيرت هيئة كبار العلماء رأيها في الشيخ علي عبدالرزاق؛ فبعد أن كان سنة ١٩٢٥ كافراً خارجاً على الإسلام, منكراً لكثير مما ورد في القرآن والسنة, إذا هو في سنة ١٩٤٧ مؤمن يستحق العطف، ويستوجب العفو انظر إلى ما نشرته صحيفة الأهرام في ٢٦/ ٢/١٩٤٧ تحت عنوان (العلماء يلوذون بالعرش في مسألة علي عبد الرزاق بك) وهو ما يلي:
"عندما أصابت الأزهر تلك الصدمة التي نزلت فجأة في شيخه الأكبر المغفور له الشيخ مصطفى عبدالرازق اتجهت نية كبار العلماء إلى تكريم ذكراه في شخص شقيقه الأستاذ علي عبد الرزاق بك, وذلك بأن يلوذوا بالسدة الملكية ملتمسين عفواً ملكياً عن أثر القرار الذي اتخذته هيئة كبار العلماء من قبل؛ فما اختمرت هذه الفكرة حتى أخذت سبيلها إلى التنفيذ, وأُعِدَّت صيغة الالتماس الذي يرفع في هذا الشأن, وحمله إلى القصر العامر جماعة كبار العلماء وأعضاء المجلس الأعلى للأزهر".
ومما هو جدير بالذكر؛ أنه روعي في رفع هذا الالتماس أن تتقدم به الهيئتان العلمية والتنفيذية في الأزهر: تمثل الأولى جماعة كبار العلماء, وتمثل الثانية المجلس الأعلى للأزهر, وأن يكون الملاذ في ذلك؛ هو جلالة صاحب العرش, بعد أن تبين أن جماعة كبار العلماء لا تملك بوضعها الحالي أن تتخذ قراراً جديداً بإلغاء قرارها الأول في مسألة الأستاذ علي عبد الرازق بك؛ إذ إن مثل هذا القرار يجب أن يصدر بأغلبية ثلثي أعضائها, على أن يكون من بينهم شيخ الأزهر، وذلك يقضي قراراً من عشرين عضواً, على حين أن الأحياء من أعضاء الجماعة لا يبلغون هذا العدد.
هذا ما نشرته الصحف ٢٦/ ٢/١٩٤٧, ومنه نرى أن علماء الأزهر, بما فيهم هيئة كبار العلماء كانوا مدفوعين من تلقاء أنفسهم إلى طلب العفو عن علي عبدالرازق, وأن هيئة كبار العلماء لم يتوافر فيها العدد القانوني الذي يمكنها من إلغاء قرارها الصادر في١٢ أغسطس سنة ١٩٢٥؛ فلذلك لجأت إلى الملك.
والحق أن هذا كله محض كذب وافتراء؛ فقد أراد الملك فاروق أن يعين علي عبد الرازق وزيراً للأوقاف؛ فأمر شيوخ الأزهر بأن يقوموا بهذه الحركة؛ فأطاعوا وتبرعوا بالكذب.
وفي يوم ٣ مارس سنة ١٩٤٧ نشرت الصحف مرسوماً بتعيين علي عبدالرازق وزيراً للأوقاف.
والعجب أن يكون تكريم ذكرى مصطفى على حساب الدين؛ هذا إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى القرار الصادر سنة ١٩٢٥، وإلى الضجة الهائلة التي أحدثها علماء الأزهر حول الكتاب ومؤلفه.
وعلى كل حال فإن الكتاب لقي وما زال يلقى الهوان، والرد عند كل مسلم أومضت في قلبه بارقة إيمان، وإخلاص.
بل إن بعض من تحمسوا للكتاب أول أمره، عادوا إلى مناوأته، وتخطئته. بل إن علي عبد الرازق نفسه عندما عرض عليه قبل وفاته عام ١٩٦٦م إعادة طبع الكتاب مرة أخرى رفض ذلك، كما أنه لم يحاول من قبلُ الردَّ على منتقديه وخصومه (١).
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٤٨٩
стр. 188
تاسع عشر: ماذا بقي للدين ؟
هذا هو السؤال الذي يراودنا الآن بعد تلك الرحلة الطويلة!
لقد رأينا كيف استؤصلت جذور الدين من كل مجال من مجالات الحياة: في السياسة والاقتصاد، وفي الاجتماع والأخلاق، وفي العلم والفن، فماذا بقي للدين بعد ذلك؟ هل بقي له شيء يذكر سواء على الصعيد النظري أو في واقع الحياة؟
أما على المستوى العلمي والفكري فإن أوروبا - شرقها وغربها- قد استبعدت بصفة مطلقة أن تكلف نفسها البحث في أية قضية من القضايا منطلقة من الدين أو متأثرة به، وأن تستفتي الدين في أي شأن من الشئون.
فالعداوة التقليدية المريرة بين الكنيسة والعلم قضت على كل احتمال من ذلك، والمبدأ الأساسي الذي قامت عليه الحياة الأوروبية المعاصرة هو عبادة الهوى وتحكيمه من دون الله، فالإنسان المعاصر الذي شب عن الطوق واستغنى عن الإله لم يعد بحاجة إلى الرجوع إليه ..
ليكتب أي باحث ما شاء: نظرية، نقداً، خرافة، لغواً ساقطاً، مجوناً، وفحشاً ... إلخ أي شيء، وليبد رأيه بكل حرية ما دام لا ينبع من المنطقة المحرمة: منطقة الدين، منطقة الحلال والحرام.
ومن هنا جاءت كلمة: جورج سانتياتا وهو يلخص المزاج الثقافي للعصر: "إن حياتنا بكاملها وعقلنا قد تشبعا بالتسرب البطيء الصاعد لروح جديدة هي روح ديمقراطية دولية متحررة وغير مؤمنة بالله".
وهكذا نجد الباحثين العلميين -حتى من كان منهم يذهب إلى الكنيسة يوم الأحد- يكتبون في كل التخصصات من منطلق العداوة العمياء للدين:
فالذي يتحدث في علم النفس يقول: إن الدين كبت ينبغي أن يحطم لكي لا يؤذي الكيان النفسي للفرد!
والذي يتحدث في الاقتصاد يقول: إن الاقتصاد الصناعي يحتاج إلى مجتمع متحرر من القيود الموروثة من المجتمع الزراعي ومن بينها كذلك احتجاز المرأة لمهمة الأمومة (إذ ينبغي - في المجتمع الصناعي- أن تخرج المرأة لتعمل!
والذي يتحدث في الاجتماع ينظر بعين السخرية إلى تلك السذاجة التي كانت تخيل للناس أن الدين فطري وأنه شيء منزل من السماء، ألا يعلم الناس أن البشر هم الذين ابتدعوا الدين أيام جهالتهم وسذاجتهم؟! انظروا إلى المجتمعات المتأخرة التي ما تزال تعيش في الأحراش في أفريقيا وأستراليا ... وستجدون بذرة الدين هناك في الجهل والسذاجة والخرافة والأسطورة ... ثم انظروا إلى التقدم الحضاري في القرن العشرين! أما تستحون من أن يكون في ضمائركم ووجداناتكم بقية مما ورثتموه عن سكان الغابات والأحراش؟!
والذي يتحدث عن العلوم ... العلوم البحتة، لا ينسى الدين كذلك! إنه يذكر الناس بيوم كان الناس متدينين، فكانوا لجهالتهم الشديدة ينسبون ما يحدث في الكون كله إلى الله! يا لجهالتهم! لم يكونوا يعرفون القوانين الطبيعية التي تحكم الكون ... أما نحن العلماء في القرن العشرين.
والذي يتحدث في الفن ... يزري بتلك الأيام التي كان التحدث عن الجنس فيها يعتبر عيباً تأباه الأخلاق! تباً لكم أيها المتأخرون! كم كنتم تحجبون من ألوان الجمال الممتع البهيج الأخاذ! انظروا إلينا نحن المتحررين! اليوم نحن نجعل الجنس فناً قائماً بذاته .. لحظة الجنس كون كامل ... تعالوا نتتبعه من جميع أقطاره ... تعالوا نصفه داخل النفوس وفي واقع الحياة ... تعالوا نكشف متعه ومباهجه ... تعالوا نُعري الناس ذكوراً وإناثاً، ونطلقهم ينشطون نشاط الجنس ... ونمسك الكاميرا للتسجيل.
والذي يتحدث في السياسة يرثى لحال الإنسان أيام القرون الأولى حين كان يحتكم ويخضع لقوانين غيبية لا يد له في وضعها، وكان محروماً باسم الطاعة الإلهية من كل حقوقه وحرياته!! إلى آخر من يكتبون ويبحثون.
هذا على صعيد الفكر والبحث، فماذا على صعيد الحياة العملية؟
стр. 189
إن الشرق الشيوعي يعترف صراحة بأنه قد قضى أو في سبيل القضاء على كل شكل من أشكال العبادة والمظاهر الدينية حتى الشخصي منها، ولذا فلا حاجة للحديث حوله، أما الغرب الرأسمالي الذي يقول: "إن علمانيته من الطراز اللاديني ( Non-Religious) وليست من الطراز المضاد للدين ( Anti -Religious) فإن الأمر في ظاهره يبدو مختلفاً بعض الشيء"
إن دعاة اللادينية من المخادعين والمخدوعين هناك يقولون: إنه لا ضرر على الدين من قيام الحياة على اللادين!! فالكنائس ستظل مفتوحة، بل إن عددها ليزداد، وهناك يوم الأحد حيث تقفل الدوائر الرسمية وغير الرسمية أبوابها في حين يكون وعاظ الكنائس ومنشدوها في ذروة نشاطهم، وهناك الحرية الشخصية التي لا تضع على حرية العقيدة أي قيد، وتتيح لأي متحمس للدين أن ينضم إلى سلك الرهبانية أو يشترك في جمعية خيرية أو يسافر ضمن بعثة تبشيرية إلى الخارج، وله الحق أن يوصي عند احتضاره بكل تركته وقفاً على الكنيسة.
كما أن من حق الكنيسة أن تقيم طقوسها ومراسمها وحفلاتها بلا اعتراض من الدولة، بل إن رجال الحكومة أحياناً يتشرفون بحضورها.
أما الزواج فلا تزال غالبية الجماهير ترى ولو نظرياً أن إقامة طقسه في الكنيسة أفضل من العقود المدنية أو الزواج بلا عقد.
وكل هذه الأمور - في نظرهم- تجعل الدين يحتفظ بمكانته ونفوذه -ضمن دائرته الخاصة بطبيعة الحال- وتتيح له أن يوجه أتباعه -في نطاق هذه الدائرة- كما يشاء، ومعنى ذلك أن المخاوف التي يبديها بعض الناس على الدين من جراء تعميم الإجراءات التطبيقية اللادينية على مستويات الحياة عامة لا مبرر لها إطلاقاً!
ومن نافلة القول أن نقول: إن الدين كما أنزله الله لا يصح بحال أن ينعزل في زاوية من زوايا الحياة أياً كانت، لكننا نقول بالنسبة لأوروبا: إنه حتى هذه الزاوية التي يوهم دعاة اللادينية الناس بأنهم تركوها للدين لم تظل دينية خالصة، بل طغت عليها موجة التحلل من الدين حتى أفقدتها معناها، وتركتها مظاهر صورية جوفاء لا أثر لها في مشاعر الناس ولا في سلوكهم.
المصدر: العلمانية لسفر الحوالي ص ٤٩٣ - ٤٩٧
стр. 190
مراجع للتوسع
- تهافت العلمانية، عماد الدين خليل.
- الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين.
- العلمانية، سفر بن عبد الرحمن الحوالي.
- تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة، محمد عبدالله عنان.
- الإسلام ومشكلات الحضارة، سيد قطب.
- الغارة على العالم الإسلامي، ترجمة محب الدين الخطيب ومساعد اليافي.
- الفكر الإسلامي في مواجهة الأفكار الغربية، محمد المبارك.
- الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، محمد البهي.
- الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه، د. يوسف القرضاوي.
- العلمانية: النشأة والأثر في الشرق والغرب، زكريا فايد.
- وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية للخروج من دائرة الكفر الاعتقادي، د. محمد شتا أبو سعد، القاهرة، ١٤١٣هـ.
- جذور العلمانية، د. السيد أحمد فرج دار الوفاء المنصورة ١٩٩٠م.
- علماني وعلمانية، د. السيد أحمد فرج – بحث ضمن المعجمية الدولية بتونس ١٩٨٦م.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 191
أولا: مفهوم مصطلح الليبرالية الليبرالية مصطلح أجنبي معرب مأخوذ من ( Liberalism) في الإنجليزية، و ( Liberalisme) في الفرنسية، وهي تعني " التحررية "، ويعود اشتقاقها إلى ( Liberaty) في الإنجليزية أو ( Liberate) في الفرنسية، ومعناها الحرية (١).
وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين مثل حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها.
ولهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية. ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته، تقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية: ((إن النظام الليبرالي الجديد (الذي ارتسم في فكر عصر التنوير) بدأ يضع الإنسان بدلا من الإله في وسط الأشياء، فالناس بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شيء، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم عبر فعل نظامي وعقلاني) (٢).وقول جميل صليبا: " ومذهب الحرية ( Liberalism) أيضا مذهب سياسي فلسفي يقرر أن وحدة الدين ليست ضرورية للتنظيم الاجتماعي الصالح، وأن القانون يجب أن يكفل حرية الرأي والاعتقاد " (٣).
وقد أطلق مصطلح "الليبرالية" على عدة أمور، من أهمها: حركة فكرية ضمن البروتستانتية المعاصرة، وقد أطلق على هذه الحركة اسم "الليبرالية" لأنها تعتمد على حرية التفكير، وانتهاج الفكر العقلاني في التعامل مع النصوص الدينية. يقول " براتراند رسل ": بدأ يظهر في أعقاب عصر الإصلاح الديني موقف جديد إزاء السياسة والفلسفة في شمال أوروبا، وقد ظهر هذا الموقف بوصفه رد فعل على فترة الحروب الدينية والخضوع لروما مركزا في إنجلترا وهولندا .. ويطلق على هذا الموقف الجديد تجاه مشكلات الميدان الثقافي والاجتماعي اسم الليبرالية، وهي تسمية أقرب إلى الغموض، يستطيع المرء أن يدرك في ثناياها عددا من السمات المميزة، فقد كانت الليبرالية أولا بروتستانتية في المحل الأول، ولكن ليس على الطريقة الكالفينية الضيقة، والواقع أنها أقرب بكثير إلى أن تكون تطورا للفكرة البروتستانتية القائلة: إن على كل فرد أن يسوي أموره مع الله بطريقته الخاصة، هذا فضلا عن أن التعصب والتزمت يضر بالأعمال الاقتصادية" (٤).
والبروتستانتية في حد ذاتها اختصرت الطريق أمام الليبرالية العقلانية المحضة، وهذه الحركة الفكرية داخلها أطلق عليها اسم الليبرالية مع أنها لازالت حركة دينية لأنها فسرت الدين بطريقة معينة جعلته متوافقا مع الليبرالية العلمانية. يقول منير البعلبكي: " كما يطلق لفظ " الليبرالية " كذلك على حركة في البروتستانتية المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية، وعلى مضمون النصرانية الروحي والأخلاقي، وقد كان من آثار هذه الحركة انتهاج الطريقة التاريخية في تفسير الأناجيل" (٥).
стр. 192
فقد نشأت الليبرالية كردة فعل غير واعية بذاتها ضد مظالم الكنيسة والإقطاع، ثم تشكلت في كل بلد بصورة خاصة، وكانت وراء الثورات الكبرى في العالم الغربي (الثورة الإنجليزية، والأمريكية، والفرنسية)، ولكن نقاط الالتقاء لم تكن واضحة بدرجة كافية، وهذا يتبين من تعدد اتجاهاتها وتياراتها. يقول "دونالد سترومبرج": "والحق أن كلمة الليبرالية مصطلح عريض وغامض، شأنه في ذلك شأن مصطلح الرومانسية، ولا يزال حتى يومنا هذا على حالة من الغموض والإبهام" (١).وفي الموسوعة الشاملة: "تعتبر الليبرالية مصطلحا غامضا لأن معناها وتأكيداتها تبدلت بصورة ملحوظة بمرور السنين" (٢).وتقول الموسوعة البريطانية: "ونادرا ما توجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض، بل إن بعضها تنهار بسببه" (٣).وإذا ذكر اسم " الليبرالية " فإنه – كما يقول رسل -: تسمية أقرب إلى الغموض، يستطيع المرء أن يدرك في ثناياها عددا من السمات المتميزة" (٤).
ومن أهم أسباب غموض مصطلح الليبرالية: غموض مبدأ الحرية:
حيث يعتمد مفهوم الليبرالية على الحرية اعتمادا تاما، ولا يمكن إخراج "الحرية" من المفهوم الليبرالي عند أي اتجاه يعتبر نفسه ليبراليا.
ولكن مفهوم، وكثرة كلام الناس فيه، لا يمكن تحديده وضبطه، لأن أصحاب الأفكار المختلفة في الحرية الليبرالية يعتمد كل واحد منهم على " الحرية " في الوصول لفكرته ....... وقد خرجت أفكار مضادة لليبرالية من رحم الحرية التي تعتبر المكون الأساسي لليبرالية مثل الفاشية، والنازية، والشيوعية، فكل واحدة من هذه المذاهب تنادي بالحرية، وتعتبر نفسها الممثل الشرعي لعصر التنوير، وتتهم غيرها بأنه ضد الحرية.
وقد حصل التنازع بين اتجاهات الليبرالية في تكييف " الحرية"، والبرامج المحققة لها، ومن هذا المنطلق جاء المفهوم السلبي، والمفهوم الإيجابي للحرية.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٢ - ١٨
стр. 193
ثانيا: الأسس الفكرية لليبرالية
تقوم الليبرالية على أسس فكرية هي القدر المشترك بين سائر اتجاهاتها وتياراتها المختلفة، ولا يمكن اعتبار أي فرد ليبراليا وهو لا يقر بهذه الأسس ولا يعترف بها، لأنها هي الأجزاء المكونة لهذا المذهب والمميزة له عن غيره.
وتنقسم هذه الأسس المكونة لليبرالية إلى قسمين:
ذاتية مميزة لليبرالية عن غيرها من المذاهب الفكرية الغربية التي ظهرت في عصر النهضة والتنوير، وهي أساسان هما: " الحرية " و " الفردية ".
مشتركة بين الليبرالية وغيرها من المذاهب الفكرية الغربية، وهي أساس واحد هو: "العقلانية"، فكل المذاهب التي ظهرت في أوروبا في العصر الحديث خرجت من الفكر العقلاني الذي يعتقد باستقلال العقل في إدراك المصالح الإنسانية في كل أمر دون الحاجة إلى الدين.
فالليبرالية حقيقة مركبة تركيبا تاما من " الحرية الفردية العقلانية "، ولكن هذه الأسس المكونة لحقيقتها مجملة، تعددت تصورات الليبراليين في تفصيلاتها الفكرية، فضلا عن آثارها العملية، والطريقة التطبيقية أثناء العمل السياسي أو الاقتصادي ...... ,
الأساس الأول: الحرية:
التي تعني أن الفرد حر في أفعاله، ومستقل في تصرفاته دون أي تدخل من الدولة أو غيرها، فوظيفة الدولة حماية هذه الحرية، وتوسيعها، وتعزيز الحقوق، واستقلال السلطات، وأن يعطى الأفراد أكبر قدر من الضمانات في مواجهة التعسف والظلم الاجتماعي ........ ،
الأساس الثاني: الفردية: "الفردية هي السمة الأساسية الأولى لعصر النهضة، فها هو عصر النهضة يأتي كرد فعل لفكر القرون الوسطى، ويتحرر الفرد من الانضباط الكاثوليكي الطويل " (١).
وقد ارتبطت الحرية بالفردية ارتباطا وثيقا، فأصبحت الفردية تعني استقلال الفرد وحريته.
وقد جاءت هذه الفردية بمفهومين مختلفين:
أحدهما: الفردية بمعنى الأنانية وحب الذات، وهذا المعنى هو الذي غلب على الفكر الغربي منذ عصر النهضة وإلى القرن العشرين، وهذا هو الاتجاه التقليدي في الأدبيات الليبرالية.
والثاني: الفردية بمعنى استقلال الفرد من خلال العمل المتواصل والاعتماد على النفس، وهذا هو الاتجاه البراجماتي، وهو مفهوم حديث للفردية.
الأساس الثالث: العقلانية:
تعني العقلانية استقلال العقل البشري بإدراك المصالح والمنافع دون الحاجة إلى قوى خارجية، وقد تم استقلاله نتيجة تحريره من الاعتماد على السلطة اللاهوتية الطاغية.
ونلاحظ أن الاعتماد على العقل وتحييد الدين جاء بصورة متدرجة، ولكنه استحكم في عصر التنوير، وزاد ترسيخه كمصدر وحيد للمعرفة في القرن التاسع عشر الذي هو قمة الهرب الليبرالي. وقد أصبح الاعتماد على العقل المجرد وإقصاء الدين والقيم والأخلاق سمة من أبرز سمات الفكر الأوروبي المعاصر ...... ,
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٩ - ٢٣
стр. 194
ثالثا: عوامل نشأة الليبرالية في الغرب
أوروبا بين الانحراف الديني والاستبداد السياسي:
أولا: الانحراف الديني: ظهرت دعوة المسيح – ﵇ في المستعمرات الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وهي إمبراطورية وثنية لا تؤمن إلا بالأمور الحسية، وشديدة الاعتداد بالشهوات الجسدية. وتعتبر الإنساني سيد المخلوقات (١).
وقد قابل الرومان أتباع الدين الجديد بالاضطهاد والتعذيب وساندهم في ذلك اليهود الحاقدون على المسيح – ﵇ – والحواريين، مما اضطرهم إلى الهروب والاختفاء بدينهم.
في هذه الأجواء القاسية عاشت النصرانية، وفي مناخ الاضطهاد والمطاردة والقتل والتعذيب تربى أتباع المسيح – ﵇ – وقد ظن الرومان أنهم قضوا على هذا الدين بصلب نبيهم وقتله. وقد قام اليهود بدور خطير في القضاء على النصرانية، وهو التحريف والتبديل من الداخل .......... وعند التأمل في عقائد النصارى بعد التحريف نجد التشابه الكبير مع عقائد فلسفية كانت موجودة في حوض البحر المتوسط كالعقيدة المترائية، والأفلاطونية الحديثة، والفلسفة الرواقية وغيرها (٢) .... ,
ثانيا: الاستبداد السياسي: النظام السياسي الذي كان يحكم المجتمع الأوروبي في العصر الوسيط هو " نظام الإقطاع " وهو نظام جاهلي مستبد، وصل إلى ذروة الطغيان والعدوان على حرية الإنسان. وقد تكون هذا النظام بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، ودخول البرابرة إلى روما، وانهيار الإمبراطورية الغربية وتفكك الدول المرتبطة بها وانقسامها (٣) .... ,
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٢٦ - ٢٩
стр. 195
رابعا: التحولات الفكرية في أوروبا نحو الليبرالية
بدأت التحولات الفكرية في أوروبا في عصر النهضة، وهو العصر الممتد من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر الميلادي، وقد كانت هذه التحولات متدرجة وكانت البداية الفعلية في إيطاليا من خلال الحركة الأدبية التي قامت بإحياء الآداب الإغريقية دون أي تعرض للأوضاع الدينية والاجتماعية، ثم جاءت حركة الإصلاح الديني التي هزت المجتمع الغربي بقوة، وكان دورها في الاتجاه نحو الليبرالية أقوى من الحركة الأدبية ... ,
وأبرز المعالم التي كان لها دور بارز في الاتجاه نحو الليبرالية:
أولا: الحركة الأدبية ذات النزعة الإنسانية (إحياء الآداب الإغريقية).
ثانيا: حركة الإصلاح الديني.
ثالثا: الفكر التجريبي المادي.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٣١ - ٣٥
стр. 196
خامسا: دور الطبقية الوسطى في ظهور الليبرالية
يعتبر " النظام الإقطاعي " الذي سيطر على أوروبا في العصور الوسطى من أقسى الأنظمة وأكثرها عنصرية وطبقية. وهو مكون من طبقتين إحداهما: السادة، (النبلاء والملوك)، وهم الطبقة السياسية، ورجال الدين (الاكليروس)، وهم الطبقة الدينية، والثانية: الفلاحون (الرقيق) وهم عامة الشعب .... ,
.... ومن عامة الشعب نشأت طبقة ثالثة ليست من النبلاء، ولا الرقيق، يعتمدون على التجارة والكسب من غير أن يكونوا رقيقا في الأرض. ويدخل في هذه الطبقة التجار، والمدرسون، والأطباء، والمهندسون، وأصحاب المهن الحرة. وقد عرفت هذه الطبقة بالطبقة الوسطى (البرجوازية).
وقد ضاق التجار وأصحاب رؤوس الأموال من القيود والانغلاق الذي يقف حائلا دون تنمية رؤوس أموالهم، وتوسيع طموحاتهم المادية، وقد كانت لهذه الطبقة الجديدة دور بالغ الأهمية في تأسيس مجتمع السوق القائم على المنافسة، كما كان لها أثر بالغ في التحولات الاجتماعية في أوروبا، والوقوف في وجه الإقطاع والكنيسة. وقد كان يعوز هذه الطبقة: " النظرية الفلسفية " التي تساعدهم في الخروج من قبضة الإقطاع والكنيسة، وقد وجدوا بغيتهم في " الليبرالية " التي تقوم على " الحرية الاقتصادية " ورفع العوائق عن آليات السوق، وترك حركته مرسلة دون تدخل أو رقابة ..... وبهذا نستطيع أن نقول إن الليبرالية هي فكر ومنهج الطبقة الوسطى، باعتبارها تقوم على أساس الفردية، وخاصة من خلال آراء " جون لوك " في الملكية الخاصة. وقد انتقلت الليبرالية من الفكر المجرد إلى الواقع العملي من خلال: الملكية الدستورية في إنجلترا (١٦٨٨م)، والثورة الأمريكية (١٧٧٥م)، والثورة الفرنسية (١٧٩٨م).
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٣٥ - ٣٨
стр. 197
سادسا: اتجاهات الليبرالية
أولا: الليبرالية الكلاسيكية:
هذا الاتجاه هو النموذج المعتمد لليبرالية فهو الأقدم من حيث النشأة حيث ظهرت في القرن الثامن عشر، وكذلك تعود إليه الأفكار الليبرالية القديمة، ويعتمد هذا الاتجاه على الحرية الفردية، ومنع تدخل الدولة وغيرها سواء في الاقتصاد أو غيره، ويعتقد الكلاسيكيون أن ترك الفرد يحقق مصلحته الذاتية الخاصة كفيل بتحقيق السعادة للمجتمع بشكل طبيعي دون تدخل بشري.
ثانيا: الراديكالية الفلسفية (مذهب المنفعة القانونية):
يعتبر هذا الاتجاه في جوهره برنامج من إصلاحات قانونية واقتصادية وسياسية، تعتمد على مبدأ " تحقق أعظم السعادة لأكبر عدد " .... ,
ثالثا: الليبرالية الفكرية:
ارتبطت الليبرالية في المجال الفكري بجهود " جون ستيورات مل "، وقد جاءت جهوده في فترة مهمة من تاريخ الليبرالية، وقد اقتضت هذه الفترة وجود آراء تجديدية، لأن الشعارات الليبرالية تبين زيفها مما دعا لإعادة التقويم لليبرالية .... ,
رابعا: التحليل الحديث (المدرسة الكلاسيكية الحديثة):
ظهر هذا الاتجاه في ظروف اجتماعية متناقضة، وناقمة على أسلوب الإنتاج الرأسمالي، فهو اتجاه فكري اقتصادي ليبرالي، وأسلوب جديد مبتكر للتحليل الاقتصادي وقد قام هذا الاتجاه على فكر ثلاثة من أبرز الاقتصاديين الليبراليين وهم: ستانلي جيفونز "، " وليون فالراس "، و " كارل منجر " .... ,
خامسا: الليبرالية الاجتماعية:
يعد هذا الاتجاه من أقوى وأشهر الاتجاهات الليبرالية في مقابل الليبرالية الكلاسيكية وهو صورة من صور تنازل الليبرالية عن تطبيق منهجها الصارم المتمثل في الكلاسيكية والمبرر لظهور هذا الاتجاه هو المساوئ الاجتماعية العنيفة، والأزمات المتعددة لليبرالية، ومن أبرز هذه الأزمات أزمة الكساد العظيم في ١٩٢٩م وما بعدها، وانتشار البطالة ووصول طبقات من المجتمع إلى قريب من الموت وعدم وجود ضمانات صحية وتعليمية، وغيرها .... ,
سادسا: الليبرالية البراجماتية:
هذا الاتجاه هو اتجاه " الليبرالية الأمريكية "، فقد بدأت الليبرالية الأمريكية متأثرة بجون لوك، ولكن ما لبثت أن تطورت بعد الثورة الصناعية الهائلة لتصبح أكثر عملية ومادية، ومن ثم اعتنقت فلسفة جديدة تعتمد على النتائج العملية في النظرة للحياة وهي (البراجماتية) وقد أصبحت النظرة الأمريكية الجديدة للحياة (البراجماتية) بمثابة إصلاح وتعديل للفكر الليبرالي ليكون موافقا لروح العصر وظروفه المتغيرة، وليكون دعما لتقدمه ونموه في ظل المتغيرات التقنية.
والبراجماتية فلسفة أمريكية خالصة تركز على فردية الإنسان ونفعيته بصورة عملية مستقبلية ... ,
سابعا: الليبرالية الجديدة:
هذا الاتجاه هو آخر أطوار الليبرالية، وهو الليبرالية التي تبنته الدول الصناعية الكبرى والمنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة التجارة العالمية وبدأت آثاره ومعالمه تتضح أكثر فأكثر.
وقد أصبح صوت هذا الاتجاه هو المرتفع لتبني التجارة العالمية وبدأت آثاره ومعالمه تتضح أكثر فأكثر.
وقد أصبح صوت هذا الاتجاه هو المرتفع لتبني الإمبراطورية الأمريكية له، لاسيما في ظل نظام القطب الواحد وقد شعرت بقية الدول المعتقدة لأفكار اقتصادية غيره تشعر أنه لا مجال في قبوله ولا مندوحة عنه، ولهذا أخذت في تعديل ما تعتقده من أفكار ليتوافق معه، ويسير مقارنا له، كما حدث في الاتجاه الأوروبي الذي يعتقد أكثر أعضائه الليبرالية الاجتماعية.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٣٩ - ٤٦
стр. 198
سابعا: الليبرالية بين الصعود والهبوط
بدأت الليبرالية في عصر النهضة الأوروبية ثم تطورت في عصر التنوير، وكان أعلى فترة صعدت فيه هو القرن التاسع عشر الميلادي، وهو القمة التي وصلت إليها الليبرالية ولم تعد إلى مستواها بعده، وقد هبطت الليبرالية في القرن العشرين هبوطا كبيرا بعد ظهور نتائج الليبرالية الكارثية، ولكنها بدأت مرحلة جديدة بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٤٦
стр. 199
ثامنا: مجالات الليبرالية
١ - الليبرالية السياسية:
تعتمد الليبرالية على " الحرية الفردية " كمفهوم أساسي لها، ولكنها تواجه وضعا طبيعيا في الحياة الإنسانية وهو أن الإنسان اجتماعي بطبعه، ومن صور حياة الإنسانية الاجتماعية "الحياة السياسية"، وقد وجد لليبرالية أفكار سياسية تحاول الجمع بين ضرورة المحافظة على حريات الأفراد، وتنظيم شؤونهم السياسية ...... وقد اتجه بعض الليبراليين إلى تغليب جانب الحرية – وهذا هو الأصل في الفكر الليبرالي – فمنع تدخل الدولة حتى على مستوى إعانة الفقراء والمحتاجين، وحماية البيئة، وغلب آخرون جانب المساواة فطالبوا بالحد من الحريات لمصلحة المساواة الاجتماعية. وكذلك يحصل الاختلاف في أشكال الحكومات وصورها، وأنواع التدخل المشروع وغير المشروع في المجال الخاص للفرد.
وأشير هنا إلى:
أبرز المعالم السياسية لليبرالية:
وهي نظرية العقد الاجتماعي باعتبارها النظرية الأساسية في تكون الدولة، وعلاقتها بالأفراد. والحقوق الأساسية للأفراد. وفصل السلطات باعتباره أهم ضمانات الحرية الفردية. وحدود سلطة المجتمع على الأفراد، وحرية التعبير.
أولا: نظرية العقد الاجتماعي: تعود فكرة وجود عقد بين الحاكم والمحكوم، أو بين الدولة والأفراد في الفكر الأوروبي إلى الفلسفة اليونانية والرومانية، فكثير من السوفسطائيين بنوا تصورهم للدولة على أساس تعاقدي، وفي الفكر اليوناني " ذهب كارتيادس " إلى أن الناس كانوا يعيشون قديما بلا قانون وكان كل منهم يعتدي على الآخر مما أدى إلى انتشار القلق والخوف ولذلك أبرموا عقدا فيما بينهم يخضعون وفقه لنظام يختارونه (١) ... ,
ثانيا: الحقوق الأساسية للفرد:
يعد القانون الطبيعي القاعدة والمرجعية للحقوق الأساسية للإنسان في الفكر الليبرالي، وهو المصدر الأساسي في التقنين الوضعي لها على شكل مواد محددة.
وأي حكم قانوني أو قضائي يخالف هذه الحقوق فهو لاغ لا قيمة له، لأن هذه الحقوق هي أساس التشريع ... ,
ثالثا: فصل السلطات: نشأت الحاجة إلى فصل السلطات في النظام السياسي الليبرالي باعتباره أكبر ضمان للحرية السياسية، وهو يعني انقسام السلطات إلى: تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، بحيث تستقل كل منها بالتشريع، وتنفيذ القوانين، والقضاء، ولا تتدخل أي واحدة في شؤون الأخرى (٢). والسلطة عندما تكون بيد واحدة فإنها تكون سببا في الاستبداد والطغيان.
رابعا: حدود سلطة المجتمع على الفرد:
فسلوك الفرد الذي يجب عليه مراعاته مع بقية أفراد المجتمع هو:
أولا: عدم الإضرار بمصالح الآخرين، وعلى أقل تقدير الحقوق الأساسية، سواء ذكرت هذه الحقوق بنص القانون الصريح، أو بالفهم الضمني.
ثانيا: تحمل الفرد لنصيبه من الأعباء التي يفرضها الدفاع عن المجتمع، وحماية أعضائه من الأذى ... ,
خامسا: حرية الفكر والرأي: المنطلق الأساسي لليبرالية هو " الحرية " كقيمة إنسانية ضرورية، ولهذا فإن من واجبات الدولة حفظ الحريات، وحرية الفكر والرأي من أهم الحريات، فهي الضمان اللازم لحماية الفرد من استبداد الحكومات ومفاسدها (٣).
ويعتقد الليبراليون أن توسيع الخلاف، والتعددية في الآراء والأفكار ظاهرة إيجابية تنمي الفكر وتقوي الرأي، وتظهر الإبداع. ومن لوازم حرية الفكر عندهم: اعتقاد عدم امتلاك "الحقيقة المطلقة" لأن دعوى امتلاك هذه الحقائق يمنع من التفكير الحر, فالإيمان المطلق الذي لا يعتريه أدنى شك لا يتوافق مع الفكر الليبرالي الذي لا يبني عقيدة محددة يقينية, لأن ذلك يناقض حرية الفكر والمناقشة حسب وجهة نظرهم.
ولهذا فالمعتقدات الدينية – عندهم – تعصب لاعتقاد المؤمن بها والجزم بعقيدته، واعتقاد المتدين بطلان الدين الآخر! – وهذا مما يناقض الإسلام كما سيأتي -. ومن لوازم حرية الفكر عندهم – أيضا -: " التسامح الديني "، وهو موقف ليبرالي ظهر أول الأمر أعقاب عصر الإصلاح الديني كرد فعل على الحروب الدينية، فأصبح التسامح محور "الموقف الليبرالي". وهذا الموقف (التسامح) يعني عدم اعتقاد يقينية الإنسان لرأيه أو فكره أو مذهبه أو دينه، لأن هذا الاعتقاد ينافي التسامح في الفكر الليبرالي. فالتسامح يقتضي الاعتراف بالآخر، وعدم الجزم في الأفكار، واحتمال صواب المخالف (٤).
٢ - الليبرالية الاقتصادية:
سبق أن بينا أن "الليبرالية" ارتبطت في صعودها وأفكارها بالطبقة الوسطى (البرجوازية)، وهذا يدل على أن الجانب الاقتصادي أكثر أصالة في المذهب الليبرالي من الجانب السياسي. وقد اعتبر "جون لوك" الملكية الخاصة من أهم الحقوق الأساسية للفرد، ولهذا أعطى الملاك حق الانتخاب، ومنع غيرهم من هذا الحق.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٤٧ - ٥٨
стр. 200
تاسعا: الليبرالية في العالم الإسلامي
كانت أغلب البلاد الإسلامية تحت حكم الدولة العثمانية في عصر النهضة الأوروبية، وهي دولة قائمة على تحكيم الشريعة الإسلامية في الجملة، وكانت الدولة العثمانية هي الحامية لبيضة الإسلام والقائمة على نشر العلم واحترام العلماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحاملة لراية الجهاد في سبيل الله، وقد فتحت أقطارا واسعة في القارة الأوروبية، وأخضعتها للإسلام. وقد تسللت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية من خلال "الجمعيات السرية" التي كونها أفراد تأثروا بالفكر الغربي وانبهروا بحضارته المادية. وقد كانت بقية الأمة الإسلامية ثابتة على دينها لا تحتاج إلى الأفكار والنظم الغربية، وهي معتزة بدينها واثقة بصحته، وصلاحيته للحكم والعمل في كل زمان ومكان (١).
ولكن وجدت عوامل أضعفت ثقة الأمة بدينها، وهيئت المجتمع الإسلامي لتقبل الليبرالية وعدم مقاومتها، وهذه العوامل هي: الانحراف العقدي، والاستبداد السياسي، والجمود والتقليد، وهي ليست أسبابا مباشرة في وجود الليبرالية، ولكن هذه العوامل أوجدت أرضية متقبلة، ومناخا مناسبا للرضى بالليبرالية، والسكوت عليها.
ولا شك أن السبب المباشر لدخول الليبرالية في العالم الإسلامي هو " الاستعمار وأذنابه " من دعاة التغريب، والمنبهرين بالحضارة الغربية، ولكن دخولها لم يكن له أن يتم لولا وجود عوامل معينة ساعدت على عدم الوقوف الجاد في وجه هذه الأفكار الإلحادية.
ويجمع هذه العوامل " الانحراف "، وقد تم هذا الانحراف على يد الفرق الضالة كالمرجئة والصوفية ودعاة المذهبية، فهذه الانحرافات ساعدت على وجود الفكر الليبرالي عندما قدم مع الاستعمار وقد استغل المستعمرون هذه الانحرافات أبشع استغلال، ووظفوها في خدمة أهدافهم.
ولما احتلت بلاد المسلمين فرضت الليبرالية عليها في النظام السياسي والاقتصادي، ولما رأى الاحتلال عدم تقبل المسلمين لأي أمر غير مرتبط بالإسلام جاء بفكرة " تطوير الإسلام وتحديثه "، ومن هذه الفكرة خرج " مشروع الإسلام الليبرالي ".
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٥٩ - ٦١
стр. 201
عاشرا: عوامل ظهور الليبرالية في العالم الإسلامي
أولا: الانحراف العقدي:
الانحراف العقدي هو السبب المباشر في ضعف الأمة الإسلامية وتخلفها وانحطاطها، وتراجعها في القرون المتأخرة، وتأثير الذنب (الانحراف العقدي) في الإنسان والمجتمع حقيقة شرعية، وسنة ربانية قدرها الله ﵎ في هذه الأمة، وهي من باب العقوبة على الذنب بالمصيبة. ويدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:١١]، وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:٥٣]، فالضعف والهوان، والقابلية للمبادئ المنحرفة حصلت في الأمة الإسلامية بعد التغيير والتبديل في العقائد والتصورات.
.... ولبيان حقيقة الانحراف العقدي في الحياة الإسلامية العامة، وآثاره العميقة، فإنه يجدر بنا توضيحه من خلال النقاط التالية:
أ- الفرق الباطنية المنحرفة وآثارها:
الباطنية: اسم عامل يدخل تحته عدد كبير من الفرق الكافرة في الحقيقة مع بقاء انتسابها للإسلام في الظاهر، ومنها: الإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، والقاديانية، والبهائية، والرافضة لاسيما في العصور الأخيرة. وليس المقصود هنا بيان عقائدهم على التفصيل، ولكن المقصود بيان آثار هذه الفرق على المجتمع الإسلامي، فمن هذه الآثار:
١ - إشاعة العقائد الكفرية بين المسلمين، وإلصاق هذه العقائد بالإسلام، فهذه الفرق لا تدعي أنها أديان مستقلة عن دين الإسلام، بل يدعي أصحابها أنهم مسلمون مع المناقضة التامة بين عقائدهم وبين الإسلام.
٢ - تفريق صفوف المسلمين وإشاعة الفوضى والاضطراب فيها، وقد كان لهم دول وحكومات وحركات وجماعات، وقد قاموا بحروب طاحنة داخل المجتمع الإسلامي، وأشغلوا الدول الإسلامية بمقاومتهم ورد كيدهم.
٣ - التعاون مع اليهود والنصارى للكيد بالمسلمين؛ وقد كان لهم دور خبيث في إعانة الاستعمار ومساعدته في الاستيلاء على بلاد المسلمين ... ,
ب- الإرجاء وآثاره:
يعتبر الإرجاء من أخطر الانحرافات العقدية المؤثرة في حياة المسلمين، فمسألة الإيمان أهم مسألة عقدية لأنها أصل الدين وأساسه، وهي المعيار في معرفة المؤمن من الكافر، والموحد من المشرك، فالانحراف فيها لابد أن يكون له آثار عظيمة في المجتمع الإسلامي ... ,
ج- التصوف وآثاره: ظهر التصوف في فترة مبكرة من تاريخ المسلمين (١)، وتعود مصادره إلى نساك الهنود والفلسفة اليونانية الإشراقية، والزهد المسيحي وغيرها (٢)، وقد أطلق عليهم كتاب الفرق الأوائل اسم " الزنادقة " (٣)، ولا شك أن التصوف بصورته الراهنة ليس له علاقة بالزهاد والعباد الأوائل، بل هو بعيد كل البعد عن عقيدة الإسلام وسلوكه ... ,
ثانيا: الاستبداد السياسي:
وقد وجدت أسباب ساعدت في نموه، وبررت لوجوده، ودافعت عنه، ودعمته حتى وصل إلى هذا الحد المزري في الأمة.
ومن هذه الأسباب:
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
انتشار عقيدة الإرجاء والجبر – كما سبق – من خلال الصوفية والأشاعرة والماتريدية، وهاتان العقيدتان لهما تأثير كبير في ظهور روح الاستسلام للظلم، وتهوين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالإرجاء يبرر الطغيان ويعتذر له.
دعم القوى الاستعمارية الأجنبية، والتي من مصلحتها بقاء الأمة الإسلامية تحت سلطة الأنظمة الاستبدادية، وهذا الدعم لا تكاد تخطؤه العين, ولا يزوغ عنه الفكر.
ثالثا: الجمود والتقليد:
стр. 202
ولهذا وقفت الدولة العثمانية موقفا سلبيا من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، والعلامة الشوكاني، والشيخ الآلوسي وغيرهم، لأن علماء الدولة يعتمدون اعتمادا كاملا على المذهب الحنفي، وهو من أقوى المذاهب منعا للاجتهاد وأكثرها تعصبا، وأبعدها عن الواقعية لكثرة الافتراضات فيه، وقد زاد الأمر سوءا اعتمادهم على المذهب الماتريدي الكلامي في العقيدة، وعلى التصوف الغالي في السلوك.
وهذه الأمور الثلاثة (التقليد، والكلام، والتصوف) أحكمت غلق الباب في إمكانية عمل تجديدي من داخل المشيخة العلمية والسلطة السياسية في الدولة العثمانية ... ,
رابعا: القوى الاستعمارية:
تعود العداوة العميقة بين أوربا النصرانية والبلاد الإسلامية إلى الاختلاف الديني، وهذه حقيقة قررها القرآن الكريم ويشهد بها التاريخ والواقع، يقول تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:١٢٠]، ويقول تعالى: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:٢١٧]، ولهذا وقعت الحروب الصليبية القديمة والحديثة.
وعندما تخلت أوروبا عن النصرانية كدين لاهوتي، واعتنقت الفكر الليبرالي المادي العلماني بقيت معها " روح التعصب الصليبية "، وهذا ما يفسر التعامل الصليبي لأوروبا مع البلاد الإسلامية مع أنها دول علمانية مادية ملحدة.
وقد كانت البدايات الأولى للاستعمار في حركة الكشوف الجغرافية التي لبست ثوب العلم والاكتشاف، ورافق ذلك الحملة العسكرية التي تهدف إلى تصفية الوجود الإسلامي في الأندلس. وقد انطلقت طلائع الاستعمار من روح صليبية حاقدة على الإسلام.
..... ويمكن الإشارة إلى:
جهود الاستعمار في فرض الليبرالية في العالم الإسلامي من خلال ما يلي:
إلغاء الحكم بالشريعة الإسلامية، واستبدال القوانين الوضعية بها، وذلك من خلال حكومة نيابية دستورية على النمط الغربي.
القضاء على التعليم الإسلامي، وتغيير مناهجه، وبناء المدارس الأجنبية، والمدارس التنصيرية في بلاد المسلمين بغرض التأثير على أبناء المسلمين ليسهل تقبل الأفكار الليبرالية، وتكسر الحواجز والعوائق دونها.
القيام بإبراز الطوائف والمذاهب غير الإسلامية، باسم "حقوق الأقليات "، وهذا العمل وغيره يبدو غطاؤه الظاهر حماية الحريات ونبذ الطائفية والتعصب، ولكنه يبطن أمرا آخر وهو إبراز هذه الطوائف، وتوليتهم على المسلمين، وإضعاف الروح الدينية في المجتمع الإسلامي.
تكوين جيل يحمل الفكر الليبرالي من أبناء المسلمين، وقد تم ذلك من خلال البعثات التعليمية، وبناء الجامعات المؤسسة على هذا الفكر، وجلب المستشرقين لها، ليكونوا أساتذة ومعلمين للجيل الجديد.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٦١ - ٧٧
стр. 203
حادي عشر: دعوى الإسلام الليبرالي
تعود جذور التقريب بين الإسلام والليبرالية إلى القرن التاسع عشر حيث تفككت الدولة العثمانية، واحتلت أكثر البلاد الإسلامية، وظهرت فيه قوة الغرب المادية، وضعف البلاد الإسلامية، وبرز فيه السؤال الفكري الشهير " لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ".
وقد تمت عملية التقريب بين الإسلام والليبرالية في أجواء من الهزيمة النفسية أمام الغرب المنتصر، والذي أسر عقول الكثير من أبناء المسلمين في تلك الفترة، وجعل المقارنة بالغرب محمدة ومنقبة، وخاصة أنه صدم تلك الأجيال بأنواع جديدة من المعارف والعلوم في زمن ضعف العلم وانتشار الجهل وجمود التفكير وظهور التقليد من جراء آراء الفرق الضالة، والتعصب المذهبي، والاستبداد السياسي الذي سبق الكلام عنه.
وقد حصل التقريب بين الإسلام والليبرالية من طرفين:
أحدهما: "الحركة التلفيقية "
التي حصلت على يد محمد عبده وتلاميذه في التقريب بين الإسلام والحضارة الغربية وهي المعروفة " بالحركة الإصلاحية "، وقد انتهت بتحول تلاميذ محمد عبده إلى الليبرالية الصرفة.
والثاني: " الاستعمار "
وخاصة بعد دخول الولايات المتحدة للهيمنة على المنطقة بعد خروج الاستعمار البريطاني والفرنسي منها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور الشيوعية ممثلة في الاتحاد السوفيتي كتحدي جديد لليبرالية الغربية.
وقد استفاد الاحتلال والقوى الاستعمارية مما يسمى الحركة الإصلاحية وقام بتوجيهها لتحقيق أهدافه في إضعاف المفاهيم الإسلامية الصحيحة في النفوس والقضاء على الوحدة الإسلامية.
أولا: المشروع الأمريكي لقضية الإسلام الليبرالي:
اهتمت الولايات المتحدة بتفسير الإسلام تفسيرا ليبراليا منذ وقت مبكر، لأن ذلك يحقق كثيرا من المصالح الحيوية لهيمنتها، فهي تعلم أن إقصاء الإسلام تماما من البلاد الإسلامية أمر مستحيل لقوة تأثيره وتعلق المسلمين به فوجدت في التبديل والتحريف له أنجح السبل للقضاء على فاعليته وتأثيره. ومن جهة أخرى فإن تفسير الإسلام وتأويله تأويلا ليبراليا يقوي علاقة هذه البلاد وشعوبها بالحضارة الغربية وقيمها مما يضمن عملية استمرار الخضوع لها.
ونشير هنا إلى بعض الوثائق والأعمال الأمريكية في هذا المجال:
مؤتمر الشرق الأدنى مجتمعة وثقافته، مارس ١٩٤٧م.
مؤتمر الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة ١٩٥٣م.
دراسة " الإسلام في العصر الحديث " (ولفرد كانتول سميث).
دراسة " الليبرالية الإسلامية: نقد للآيديولوجيات التنموية " ليوناردبايندر.
تقرير مؤسسة راندا الأمريكية عن الإسلام الديمقراطي.
والأهداف الحقيقية لهذا المشروع يمكن بيانها من خلال ما يلي:
أولا: إعادة ترتيب أوضاع المنطقة لتتقبل النموذج الليبرالي في الشأن السياسي (الديمقراطي)، والشأن الاقتصادي (الرأسمالية) لظنهم أن تطبيق الليبرالية في هذه البلاد الشرق أوسطية سيخفف الاحتفال الشعبي وبالتالي يفقد الإرهابيين (المجاهدين) التأثير على الشعوب الإسلامية في المنطقة.
ثانيا: تهيئة المنطقة للعولمة ودخول الشركات الغربية في أسواقها لزيادة الكسب، وحل مشكلة الفائض في الاقتصاديات الغربية، والبحث عن اليد العاملة الرخيصة.
ثالثا: العمل على تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة من خلال الاقتصاد والشراكة في حلف جديد غير مرتبط بهوية دينية أو قومية.
стр. 204
ثانيا: الليبرالية في المال والاقتصاددخلت الليبرالية في اقتصاد الدول الإسلامية من خلال سيطرة سيطرة الدول الراسمالية الكبرى على الاقتصاد العالمي، على ذلك ما كتبه "حسن حنفي" حيث يقول: " إن (الله) لفظة نعبر بها عن صرخات الألم وصيحات الفرج، أي أنه تعبير أدبى أكثر منه وصفا لواقع، وتعبير إنشائي أكثر منه وصفا خبريا .. إنه لا يعبر عن معنى معين، إنه صرخة وجودية أكثر منه معنى يمكن التعبير عنه بلفظ من اللغة، أو بتصور من العقل، هو ردة فعل على حالة نفسية أو تعبير عن إحساس أكثر منه تعبيرا عن فقد، يكون في الحس الشعبي هو الله، وكل ما تصبو إليه ولا نستطيع تحقيقه فهو أيضا في الشهود الجماهيري هو الله (١)، ويقول أيضا " فالصفات السبع هي في حقيقة الأمر صفات إنسانية خالصة، فالإنسانية هو العالم، والقادر، والحي، والسميع، والبصير، والمريد، والمتكلم ... هذه الصفات في الإنسان ومنه على الحقيقة، وفي الله واليه على المجاز" (٢).ومع أن هذه الإلحاد والإنكار لوجود الله تعالى منافيا للإسلام من أصله إلا أن حسن حنفي يلصقه بالإسلام، ويحتج لذلك بكتابات ابن عربي وابن سبعين والحلاج وغيرهم من زنادقة وحدة الوجود، وكتابات الفلاسفة كابن سينا وغيره، ويعتبر ذلك قراءة إسلامية للإسلام مختلفة عن القراءات السلفية غير العقلانية (٣). وهو بهذا يؤسس للإلحاد الشيوعي إسلاميا (٤). وبهذه الطريقة يناقش " أبو زيد " قضية النبوة ويجعلها إنسانية محضة، ولا تعدو أن تكون اتصالا بين الفكر والواقع، وهي مجرد درجة قوية من درجات الخيال الناشئ عن " فاعلية المخيلة الإنسانية" (٥)، وأساس هذا الفكر الإلحادي هو أن تأويل النص لا توجد له حقيقة موضوعية وليس له معيار لمعرفة الحق من الباطل، لأنه مرآة صامتة " فالنص أخرس، صامت، مؤلفه قد مات، والمؤول هو الذي يجعله يتكلم "، والنتيجة أنه مع تعدد القراءات يكون كل قراءة ظنية ممكنة الصدق أو الكذب، ولا يمكن إقامة البرهان عليها (٦).ومن النماذج التطبيقية لهذا الفكر " فصل الدين عن الدولة "، و" تنحية الشريعة وتطبيق القوانين الوضعية " ولهذا ظهر ما يسمى " الإسلام العلماني " (٧).يقول حسن حنفي: " نشأت العلمانية استردادا للإنسان، ولحريته في السلوك والتعبير، وحريته في الفهم والإدراك، ورفض لكل أشكال الوصاية عليه، ولأي سلطة فوقية إلا سلطة العقل والضمير! العلمانية إذن هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ " (٨). والفصل بين الدين والدولة، واعتبار الدين شأنا شخصيا بينما الدولة أمرا مدنيا يبني على العقل والمصلحة من النقاط التي اتفق عليها كتاب المدرسة العصرانية الحديثة منذ أيام علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم وإلى زماننا المعاصر (٩).
ولاشك أن العصرانية وسيلة موصلة إلى العلمانية فيما مضى، أما الآن فقد اتفق العصرانيون والعلمانيون في تأويل عقائد الإسلام وأحكامه وأخلاقه ليتوافق مع التحديث الغربي، وهذا ما أصبح يعرف بالإسلام الليبرالي.
стр. 205
وقضية الموقف من الآخر والاعتراف به من أهم القضايا التي يناقض فيها دعاة الإسلام الليبرالي أصول الدين وحقيقة الإسلام والولاء والبراء. فالأديان السماوية متساوية في الصحة والقبول – عندهم -، وهذا يقتضي عدم تكفير الآخر المنافي في أساس الدين، يقول عبد العزيز كامل: "ونحن في منطقة الشرق الأوسط نؤمن بالتوحيد بطريقة أو بأخرى. وأقولها واضحة يستوي في هذا الإسلام والمسيحية واليهودية، حتى الإيمان بالأقانيم الثلاثة في الفكر المسيحي يختم بإله واحد، هذه منطقة توحيد والصور تختلف، حتى في مصر القديمة مع التعدد الظاهري كان للآلهة كبير هو أوزير (١). وتقف فكرة الاعتراف بالآخر واعتقاد صحة إيمانه، وفي أقل تقدير عدم الجزم ببطلان عقيدة الآخر على أساس التعددية والتنوع والاختلاف.
ويتسع تعدد الحق عندهم إلى أن يصل إلى تصحيح الأديان الأخرى غير دين الإسلام، أو على الأقل عدم الجزم والتأكيد على أن عقائدهم باطلة، لأن هذا الجزم فكرة وثوقية مستعلية غير معترفة بالآخر.
ومدرسة الإسلام الليبرالي ذات تنوع عجيب في أشخاصها وأفكارها وأهدافهم ومقاصدهم وارتباطاتهم ومستوى آرائهم من حيث الغلو، فهي مكونة من نسيج متعدد يشكل تأويل الإسلام لموافقة العصر (العصرانية) قاعدته المشتركة. فقمة هذه المدرسة مجموعة من الزنادقة والملاحدة يناقضون جذور الإسلام وأصوله الأساسية (٢) ومنهم بعض المخلطين في الفكر والعقيدة، ومنهم منهزمون من الكتاب الإسلاميين وبعض الفقهاء والدعاة.
وتتنوع أفكارهم: فمنهم من يوافق الفلاسفة والحلولية والباطنية والملاحدة في نفي حقيقة الألوهية، والنبوة، والوحي، والغيبيات، ويرفض تحكيم الشريعة، ومنهم من يفصل بين الدين والدولة، ويرى ضرورة القانون الوضعي المدني، وضرورة الربا للاقتصاد المعاصر، وينفي الحجاب عن المرأة ويراه احتقارا لها، ويرى البعض عدم الاستدلال إلا بالقرآن، وينفي السنة والإجماع، ويطالب بتجديد أصول الفقه وغيرها من العلوم المعيارية، ولهم آراء ترفض الولاء والبراء، وتكفير المشركين، وتنكر الجهاد، وتؤمن بالديمقراطية، والتعددية، والحريات بما في ذلك التصريح بنشر الإلحاد وغيرها من الأفكار الشاذة.
وتختلف ارتباطاتهم: فمنهم عملاء للصليبية العالمية يتلقون الدعم المادي من العدو، ويتعاونون معه، ويشاطرونه الأفكار وأسلوب العمل، ويدافعون عن سياسيته، ومنهم مستلب حضاريا، منهزم فكريا غير قادر على الرفض مع ظهور علامات العدوان ودلائله ولكنه لا يتقاضى شيئا ماديا لآرائه، فهي ناشئة من الهزيمة الفكرية والنفسية مع قصور في العلم الشرعي، وتخليط في تكوينه الثقافي، ومنهم من يقف ضد المشروع الأمريكي ويناهضه، وهذا مع وجود آراء تقربه من مشروعه إلا أنه في تحسن مستمر، ووعي دائم، وتتكشف له الحقيقة، وهو مظنة العودة للحق إذا نوقش وتمت معه عملية حوار علمي مفيد.
وتختلف مستوى آرائهم: فمنهم من يناقض أصل الدين في العقائد والأحكام والأخلاق والأمور الاجتماعية، وهو الذي تمت الإشارة إليه في تقرير مؤسسة راند الأمريكية مثل من ينكر الألوهية والنبوة والغيبيات ويرى " تاريخية النص "، ويرفض تحكيم الشريعة، والحجاب، ويبيح الربا وغيره. ومنهم من يناقض أصول الدين بدرجة أقل غلوا مثل من لا يكفر المشركين، ويرفض الولاء والبراء، ويرى ضرورة القوانين الوضعية والربا وغيرها، ومنهم روافد لا يصلون لهذه الدرجة ولكن آراءهم ترفدهم عن غير قصد مثل من ينفي وجوب كراهة الكفار، ويجوز الحكم بالديمقراطية وغيرها.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ١٠٥ - ١١٥
стр. 206
١: الليبرالية في الحكم والسياسة
دخلت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية بشكل تدريجي وقد بدأ ذلك في أواخر عهد الدولة العثمانية التي كان لها دور كبير في المحافظة على ديار الإسلام، والحكم فيها بالشريعة الإسلامية في الجملة.
ولكن الدولة العثمانية رسخت الانحراف العقدي من خلال تبني الإرجاء والتصوف، وأهملت الشورى والمشاركة السياسية، وهذا ما جعل الدولة والمجتمع بحاجة ماسة للإصلاح، وقد كان هذا أثناء صعود الدول الأوروبية وقيام حركات التحرر بعدد من الثورات ضد العهد القديم مما نتج عنه تغير كبير في الأنظمة السياسية، والتركيبة الفكرية والاجتماعية في أوروبا.
في هذه الأثناء بدأت المطالبة بالإصلاح في الدولة العثمانية، ولكن عملية الإصلاح لم تتم بالأسلوب الصحيح، حيث تم ذلك على الطريقة الأوروبية. وقد كانت البداية غير مقصودة لتطبيق الليبرالية كنظام سياسي في الدولة، ويمكن تتبع عملية تسلل الليبرالية من خلال رصد بدايات التأثر بالنظام الليبرالي ومراحله متدرجا منذ التقليد الشكلي للأنظمة الغربية في أواخر الدولة العثمانية وإلى مشروع الشرق الأوسط الكبير ومنتدى المستقبل في واقعنا المعاصر، وذلك من خلال ما يلي:
عهد التنظيمات:
بدأ عهد التنظيمات عندما شعرت الدولة العثمانية بالوهن والضعف الشديد في حين أن أوروبا قد أثبتت تفوقا قويا في الميدان العسكري والسياسي والعلمي، وهذا ما جعل الدولة العثمانية تفكر في إيجاد طريقة تتمكن بها من اللحاق بالدول الأوروبية في التقدم الصناعي والإداري. وقد كان الخلل في هذه التنظيمات هو بناؤها على النموذج الغربي، وكان الواجب تحريك العقلية الإسلامية للاختراع والإبداع حسب الحاجة، وما يناسب الدولة، وتوسيع الإصلاح ليشمل تجديد الدين وتنقيته من شوائب الإرجاء والتصوف، وفتح باب الاجتهاد وغيره ... ,
المنهج التوفيقي بين الإسلام والحضارة الغربية الليبرالية: نشأ في عهد التنظيمات السابق، وما صاحبه من دعوة للإصلاح على النمط الأوروبي نخبة من الأساتذة والضباط وموظفي الدولة العثمانية تبنوا الإصلاح، واقتنعوا أن هذا الإصلاح لن يتم إلا بتبني بعض صيغ المجتمع الأوروبي.
..... ولكن هذه الحركة لم تبدأ منفصمة عن الإسلام، وهذا ما استدعى النظر في الإصلاحات الجديدة المأخوذة من أوروبا ومحاولة ربطها بأحكام الإسلام وعقائده. فقد مثل هذه الحركة من الجانب الفكري "ضياء باشا "، و " نامق كمال "، وهما ممن اطلع على الآداب الأوروبية وأعجبوا بها وشكلوا حزبا سياسيا وهو " حزب الشباب العثماني " (١) وحاولوا الربط بين الفكر الليبرالي والإسلام.
...... وفي مصر كان الطهطاوي ممن تشرب الأفكار الليبرالية وأعجب بها إعجابا كبيرا، وقد اطلع في رحلته إلى باريس على الفكر الليبرالي، وقرأ كتب التاريخ والفلسفة والفكر السياسي باللغة الفرنسية، وقد تعرف على فكر فولتير وروسو ومونتسكيو وغيرهم أثناء إقامته هناك. .... وممن تأثر بهذه المنهجية التوفيقية – أيضا – "خير الدين التونسي" الذي يقول عن الدول الأوروبية: " وإنما بلغوا تلك الغايات والتقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثورية " (٢).
..... وممن ينبغي الوقوف عنده في هذا المجال " محمد عبده " فقد كان صاحب مدرسة مستقلة تخرج منها عدد من الليبرالية في البلاد الإسلامية.
ولهذا وقف الحاكم الإنجليزي لمصر كرومر مع محمد عبده وسانده في كثير من مشاريعه, ومن ذلك أنه احتضنه عندما اصطدم بالخديوي عباس حتى أصبح هو سنده في كل ما استهدفه من مشاريع تطوير الأزهر ومدرسة تخريج القضاة.
стр. 207
وقد ذكر كرومر في كتابه (مصر الحديثة) أنه منح محمد عبده خلال إقامته بمصر كل ما يملك من عون وتأييد, وأنه "محمد عبده" لم يكن يستطيع أن يحتفظ بمنصبه في الإفتاء لولا هذا التأييد.
الجمعيات والأحزاب السياسية الليبرالية:
ظهر في أواخر الدولة العثمانية جمعيات وأحزاب سياسية سرية تتلقى الدعم والمساعدة من الدول الاستعمارية التي كانت تتربص بالدولة، وتستعمل هذه الأحزاب للضغط عليها بما يوافق مصالحها.
وقد أنشأ كثيرا من هذه الجمعيات نصارى العرب في بلاد الشام، كما وجدت أحزاب تجمع بين بعض المسلمين والنصارى، وقد وجد بعض هذه الأحزاب لأفكار سياسية وقتية ثم انتهى. ومن أبرز هذه الجمعيات التي كان لها أثرا: جمعية الاتحاد والترقي: وهي أول جمعية منظمة تعتمد على الفكر الليبرالي بمفهومه العام، وترجع بداية ظهور هذه الجمعية إلى جماعة (الأحرار) التي تكونت في عهد السلطان عبد العزيز، وأنشأت في عام ١٨٦٤م مجلة في لندن باسم "حريت" (١).
ومن خلال هذه الحركة تم التحول من الحكم بالشريعة الإسلامية – مع وجود التفريط والمخالفة- إلى الحكم بالطاغوت والتشريع بغير ما أنزل الله تعالى.
وقد كان وراء هذه الحركة يهود الدونمة في سلانيك, فمن خلال محافل الماسونية تكونت هذه الحركة الليبرالية, وأصبح كثير من أعضائها من اليهود الماسون. حزب الوفد (٢):حزب الوفد هو امتداد لأول حزب ليبرالي تكون في مصر أثناء الاحتلال البريطاني، وهو حزب الأمة، وقد التأم حزب الأمة بين جماعة من كبار الملاك (٣) وآخرين من المثقفين وعلى رأسهم " أحمد لطفي السيد، وقد كان المثقفون أصحاب مذهب سياسي واجتماعي وهو (الليبرالية)، وحاولوا التوفيق بينه وبين رغبات هؤلاء الأعيان ... ,
التحول الديمقراطي ومشروع الشرق الأوسط الكبير:
لم تعرف البلاد الإسلامية الليبرالية إلا من خلال دعاة التغريب، ولم يكن لمفاهيمها السياسية تطبيق في الواقع إلا عن طريق الاستعمار الغربي، وقد كانت فترة الاستعمار هي " العصر الذهبي لليبرالية " في كل البلاد الإسلامية التي دخلها الاستعمار.
و" مشروع الشرق الأوسط الكبير " مشروع أمريكي، ولكن الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا وفرنسا كان له مشاركة فعالة لاسيما وأن الولايات المتحدة عرضت المشروع على قمة الدول الثمانية الكبار، وقد بدأ العمل بهذا المشروع من خلال "منتدى المستقبل". أما أبرز مبادئ مشروع الشرق الأوسط الكبير (٤)، فهي:
أولا: تشجيع الديمقراطية (بمفهومهم!).
ثانيا: بناء مجتمع معرفي.
ثالثا: توسيع الفرص الاقتصادية.
أما الأهداف الحقيقة لمشروع الشرق الأوسط الكبير:
مشروع الشرق الأوسط الكبير مشروع له أبعاد سياسية واقتصادية، وينطلق من المنفعة الغربية بالدرجة الأولى، فالغاية تبرر الوسيلة حسب الرؤية الميكافيللية الغربية، ولكنه يتذرع بالخوف على المصالح الغربية، ويتجمل بالحرص على الإصلاح وإشاعة الديمقراطية والحرية في العالم.
والمتابع للسياسة الغربية يجزم أن مصلحة المنطقة غير واردة في هذا المشروع، فالاستعمار البريطاني والفرنسي نهب ثروات الشعوب، واستعبد الناس وفق مصالحه الذاتية:
والأهداف الحقيقية لهذا المشروع يمكن بيانها من خلال ما يلي:
أولا: إعادة ترتيب أوضاع المنطقة لتتقبل النموذج الليبرالي في الشأن السياسي (الديمقراطية)، والشأن الاقتصادي (الرأسمالية) لظنهم أن تطبيق الليبرالية في هذه البلاد الشرق أوسطية سيخفف الاحتفال الشعبي وبالتالي يفقد الإرهابيين (المجاهدين) التأثير على الشعوب الإسلامية في المنطقة.
ثانيا: تهيئة المنطقة للعولمة ودخول الشركات الغربية في أسواقها لزيادة الكسب، وحل مشكلة الفائض في الاقتصاديات الغربية، والبحث عند اليد العاملة الرخيصة.
ثالثا: العمل على تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة من خلال الاقتصاد والشراكة في حلف جديد غير مرتبط بهوية دينية أو قومية.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص٧٨ - ١٠٢
стр. 208
٢ - الليبرالية في المال والاقتصاد:
دخلت الليبرالية في اقتصاد الدول الإسلامية من خلال سيطرة الدول الرأسمالية الكبرى على الاقتصاد العالمي، ودمج بقية الدول فيه، والسعي لجعل الدول الصناعية مركز حركة المال في العالم، والدول النامية أطراف وحقول تجارب لهذه الدول، وهذا ما جعل الدول النامية في حالة خضوع كامل لتصرفات الدول العظمى الاقتصادية.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٠٢، ١٠٣
стр. 209
ثالث عشر: المصطلحات التي أطلقوها على أنفسهم أو أطلقت عليهم من غيرهم
١ - الليبرالية: تدعو إلى الحرية المطلقة وعبادة الفرد نفسه وهواه وشهوته وقد عبر عنها منظروها في الحضارة الغربية سواء في فرنسا أو في بريطانيا بأنها التفلت المطلق وهي أيضا تدعو إلى الحرية المطلقة التي لا تعترف بدين ولا نص مقدس ولا عادات ولا تقاليد ولا أي أمر يعيق الحرية الفردية.٢ - العصرانية: إشارة لتطويعهم نصوص الشريعة وأحكامها لتتوافق مع مستجدات العصر دون اعتبار لقداسة النص والمرجعية الشرعية وهي الكتاب والسنة (١).٣ـ العقلانية: إشارة إلى تقديمهم وتقديسهم للعقل أو أنهم أهل عقل وحكمة ومن عداهم ليس لديه اهتمام بالعقل ويقصدون بذلك أصحاب الاتجاه السلفي تحديدا وتعاملوا مع العقل بالطريقة المنحرفة التي تعامل بها أهل البدعة عموما والمعتزلة على وجه الخصوص (٢).٤ـ التنوير: ظهر مصطلح التنوير ( ENLIGHTENMENT) في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا تعبيرا عن الفكر الليبرالي البورجوازي ذي النزعة الإنسانية العقلية والعلمية والتجريبية ويتضمن هذا الفكر نزعة مادية واضحة بعد إقصاء اللاهوت وذلك بإحلال الطبيعة والعقل بدلا من الفكر الغيبي الثيولوجي والخرافي في تفسير ظواهر العالم ووضع قوانينه (٣).
стр. 210
. فالتنوير إذن، كمصطلح شائع في الحياة الفكرية هو مصطلح أوروبي النشأة والمضمون والإيحاءات بل إنه عنوان على نسق فكري ساد في مرحلة تاريخية من مراحل الفكر الأوروبي الحديث حتى ليقال كثيرا في تقسيم مراحل هذا الفكر: "عصر التنوير".الفكر التجديدي: ويعنون به تغيير أصول الإسلام لا المقصود المتبادر من اصطلاح التجديد وهو إحياء ما اندرس من معالم الإسلام وأصوله فالمتمعن في كتب هذا التوجه يرى أنهم يدخلون في التجديد الابتداع في تغيير الإسلام وتغيير أصوله بما يتوافق مع الأهواء ويساير الواقع وتوجهات الأعداء ليقبلوا بهم (١).
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني- ص ٩
стр. 211
رابع عشر: أسباب انتشار هذا الفكر والافتتان به
أولا: اتباع الهوى:
فإن الهوى يعمي ويصم وعند غلبة الهوى لا ينفع العلم ولا المعرفة بل إن صاحب الهوى يستخدم العلم والمعرفة لتأييد ما يهواه ويسوع انحرافه وهذا ظاهر في كتابات هؤلاء حيث يفرقون بين المتماثلات وتظهر في كتاباتهم الخيانات العلمية والتناقضات حتى في أفكارهم وأطروحاتهم ومصادمة العقل والفطرة وكلها نتاج لاتباع الهوى ولهذا ماذا يمكن أن نسمي: بتر النصوص وإخراجها عن سياقها ومن ثم الطعن في صاحب المقال أو القدح في الفكرة؟ وماذا نسمي الهجوم على رموز الإسلام ومناراته الشامخة والإشادة برموز البدعة والانحراف بل رموز الكفر والإلحاد؟.
وصدق الله العظيم إذ يقول: وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام:١١٩]
ثانيا: الانبهار بالحضارة الغربية:
وما يعبر عنه بالصدمة الحضارية وهي نتيجة لواقع المسلمين المؤلم من التخلف التقني والعملي التجريبي وهيمنة الحضارة الغربية في جانبها المادي وهؤلاء لم يرفعوا رأسا بالجانب الحضاري في تشريعات الإسلام التي لم يصل إليها الغرب ولن يصلوا إليها في تشريعاته وحفظه لحقوق الإنسان وحفظ كرامته وتوازنه بين حقوق الفرد والجماعة، وعظمة تشريعاته المعجزة التي تصلح لكل زمان ومكان وحتى لا نغرق في الواقع المؤلم فإن المؤشرات الحالية واستشراف المستقبل تبين أن المسلمين في طريق النهوض الحضاري وأنهم بدأوا في امتلاك كثير من أدوات التقنية والعلم.
ثالثا: الهزيمة النفسية:
والضعف والانكسار أمام الهجمات المتتالية، من قبل المستشرقين وتلاميذهم الذين كتبوا وألفوا في الطعن في الإسلام وتشريعاته وقدموا صورة مزيفة عن الإسلام الحقيقي الذي أنزله رب العالمين، وقد ظهر ذلك جليا في موقفهم من قضية الحدود والجهاد والولاء والبراء والموقف من القوانين الوضعية.
وصدق الله إذ يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:١٣٩].
رابعا: الضعف العلمي:
وحين يقل العلم، ويتلقف هذه الشبهات قليلو البضاعة في العلم؛ فإنه بالتأكيد ستمرر عليهم الشبهات والتلبيس الحاصل الآن بدعاوى مختلفة كحرية النقد، أو الموضوعية، أو اختزال في النص، أو التقليد دون إعمال العقل، وهي في الحقيقة ـ لمن رزقه الله العلم النافع ـ دعاوى ساقطة مرذولة لأنها:
أولا: تخالف أصول الشريعة وضروراتها كحفظ الدين، فعلى سبيل المثال يطلب منا اليوم السماح بترويج الإلحاد ونشر باطلهم بحجة الرأي والرأي الآخر وتلغي هذه الضرورة المهمة التي هي محل إجماع.
وثانيا: أن ما يطرحه علماء الإسلام ودعاته يتوافق مع النصوص ولا يعارض ما يدعون إليه من الموضوعية والشمولية وعدم إقصاء الآخر ونحوها من العبارات المطاطة التي تحتمل معاني متعددة منها الحق ومنها الباطل.
خامسا: العوامل الشخصية:
لا شك أن شخصية الكاتب والملقي والمفكر لها تأثير على ما يطرحه من نتاج ثقافي، وهذا في الحدود الطبيعية لا يؤثر في الطرح كثيرا، أما إذا أصبحت هناك مشكلة في نفسية وشخصية الكاتب فهنا يحدث الانحراف والتطرف والغلو أو التفريط والتساهل في تقرير القضية العلمية وكثير ممن ينظرون لهذا الفكر تجد أن لديهم مشاكل شخصية ونفسية فعدد لا يستهان به من رواد هذا الفكر ومنظريه كانوا في ماضيهم أصحاب أفكار غالية ومتطرفة وحدثت لهم ردة فعل فأصبحوا أقرب إلى دعاة العلمنة والتحلل وجميع هذه الأفكار ـ وللأسف ـ تصاغ باسم الإسلام.
ساسا: الدعم الغربي لهذا التيار:
стр. 212
وهذا أمر حقيقي قطعي، فليس هو من قبيل الظن أو التوقع أو التخمين، وإنك واجد هذه الحقيقة فيما سجلته التقارير الغربية التي صدرت مؤخرا عن بعض المراكز البحثية التخصصية في الولايات المتحدة الأمريكية من الحث على دعم هذا التيار الذي يسمى بـ (الإسلام الليبرالي) زورا وبهتانا ومنها: ١ـ تقرير جون بي آلترمان ( jon. Alnterman) مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي ( studies centrer strategic and lnternational) حيث كتب جون بي آلترمان مقالا تحت هذا العنوان تحدث فيه عن تنامي الدعم الغربي لليبراليين العرب (١).
٢ ـ تقرير مؤسسة (راند) الأمريكية حيث نشرت مؤسسة (راند) الأمريكية تقريرا استراتيجيا بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات) للباحثة في قسم الأمن القومي (شيرلي بينارد) وقد نشر هذا التقرير بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م وتحديدا في عام ٢٠٠٣م وفي ربيع عام ٢٠٠٤م قامت الباحثة نفسها بنشر ملخص عنه.
وقد جاء في الفصل الثالث من هذا التقرير وعنوانه: " استراتيجية مقترحة" توصيات عملية موجهة لصانع القرار الأمريكي لاستبعاد التيارات العلمانية والحداثية ولأنها أقرب ما تكون إلى قبول القيم الأمريكية الديمقراطية. وتقرر (بينارد) من خلال هذا التقرير أن الغرب يراقب بدقة الصراعات الإيديولوجية العنيفة داخل الفكر الإسلامي المعاصر وتقول بالنص: " من الواضح أن الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث والمجتمع الدولي ككل تفضل عالما إسلاميا يتفق في توجهاته مع النظام العالمي بأن يكون ديمقراطيا وفاعلا اقتصاديا ومستقرا سياسيا تقدميا اجتماعيا ويراعي ويطبق قواعد السلوك الدولي وهم أيضا يسعون إلى تلافي (صراع الحضارات) بكل تنويعاته الممكنة والتحرر من عوامل عدم الاستقرار الداخلية التي تدور في جنبات المجتمعات الغربية ذاتها بين الأقليات الإسلامية والسكان الأصليين في الغرب وذلك تلافيا لتزايد نمو التيارات المتشددة عبر العالم الإسلامي وما تؤدي إليه من عدم استقرار وأفعال إرهابية" (٢).
٣ـ تقرير صادر عن مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي ـ واشنطن، كتبه الخبير والمحلل السياسي بالمؤسسة المهتمة بشؤون الشرق الأوسط في الأيام القليلة الماضية نشاطا لافتا للنظر فقد نظم معهد " المؤسسة الأمريكية" مؤتمرا حول الديمقراطية في العالم العربي عنوانه " إلى المعارضين العرب: ارفعوا أصواتكم" ودعا إليه مجموعة من ممثلي التيارات الليبرالية لمناقشة دورهم في تحولات أوطانهم السياسية والاستراتيجية الأنجع للدعم الغربي لهم وتلاه " معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" بعقد ورشة عمل حول مستقبل الليبرالية العربية في ضوء نجاحات القوى الدينية في مجمل ما أجري من انتخابات في عام ٢٠٠٥م برلمانية في العراق ومصر وبلدية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
٤ـ تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بتاريخ ٩ يونيو: ركز هذا التقرير على ضرورة أن يكون هدف أمريكا في الشرق الأوسط تشجيع التطور الديمقراطي وليس الثورة كما يجدر بصانعي السياسات أن يأخذوا بعين الاعتبار التنوع السياسي والاقتصادي في المنطقة وذكر التقرير أن عملية التطور الديمقراطي بطيئة ومتدرجة ويجب أن تتم من خلال النظم السياسية الموجودة في الدول العربية. وأشار التقرير إلى أن سياسة نشر الديمقراطية تؤدي إلى بعض المخاطر ولكن حرمان الشعوب من الحرية ينطوي على مخاطر أكثر، ونبه التقرير على أخذ الظروف الخاصة بكل دولة على حدة مع التأكيد على مبادئ أساسية مثل حقوق الإنسان وتقبل الآخر وسيادة القانون وحقوق النساء والأقليات وعدم ربط الإصلاح بالصراع العربي إلاسرائيلي" (٣).
سابعا: الانكباب على تراث المنحرفين الزائغين من أمثال الصوفية الزنادقة والفلاسفة الملاحدة:
المتأمل في تاريخ هؤلاء الليبراليين يلحظ بجلاء أن انكبابهم على تراث المنحرفين الزائغين من أمثال الصوفية الزنادقة والفلاسفة الملاحدة ـ مع ضعف العلم والبصيرة ـ كان هو نقطة التحول الرهيبة في حياتهم الفكرية مثلما كان هو الشرارة النارية الأولى في تغير نسيجهم الثقافي حيث يفعل ذلك التراث فعله الفظيع في النفس الإنسانية إذ يغرز فيها حب التفلت والتحرر من أي قيود أو ضوابط شرعية كما أنه يعمق فيها منهج الشك في كل شيء حتى في قطعيات الدين وثوابته الراسخة.
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ٢٠
стр. 213
خامس عشر: تيارات الليبرالية
جاءت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية من خلال الاستعمار المباشر وإعادة تركيب البلاد المستعمرة على أسس ليبرالية تتوافق مع مصالح المحتل، وقد كان للمستغربين تأثير كبير في توسيع نطاق الليبرالية والمطالبة بها.
ولم تكن هناك حاجة ذاتية للفكر الليبرالي في البلاد الإسلامية، وما يوجد من خلل في الأمة الإسلامية في مجال الحريات يمكن علاجه بالالتزام الحقيقي بالإسلام، وهو الكفيل بتحقيق الحرية والعدل في حياتها وهذا يؤكد أن الدعوة لليبرالية ذات مصدر خارجي أجنبي دعمته مجموعة معجبة بالغرب منهزمة أمام حضارته المادية.
وقد كانت البداية في الدعوة إلى الليبرالية تعتمد على الدعوة العامة للحرية واتباع الغرب في نهضته الجديدة للوصول إلى مستواه الحضاري المادي.
وهذه البداية تمت على يد تيارين هما:
- تيار عصراني:
يربط بين دعوته للحرية والإسلام، مع انبهار بالحضارة الغربية، ومحاولة نسبة بعض منجزاتها المحددة للإسلام مثل الحرية الديمقراطية، والتعددية، والاعتراف بالآخر وغيرها.
- تيار علماني: يطالب " بالحرية " على الطريقة الليبرالية الغربية دون الحاجة إلى الربط بالدين، يقول أحمد لطفي السيد " خلقت نفوسنا حرة، طبعها الله على الحرية. فحريتنا هي نحن .. هي ذاتنا، ومفهوم ذاتنا هي أن الإنسان إنسان، وما حريتنا إلا وجودنا وما وجودنا إلا الحرية ". وقد وضع " طه حسين " منهج النهضة في قوله: " هي أن نسير سير الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يعاب " (١).ويؤكد ذلك بقوله: " نريد أن نتصل بأوروبا اتصالا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءا منها، لفظا ومعنى، حقيقة وشكلا " (٢).
وبهذا يتبين أن هذا التيار طالب بالحرية الغربية دون تهذيب أو تغيير, وقد كان لنصارى العرب دور كبير في ترسيخ هذا الفكر من خلال صحفهم ومؤلفاتهم.
وقد كانت هذه التيارات تهتم بالدعاية للفكر الليبرالي بصورة عامة, ولم تناقشه بطريقة علمية عميقة, ومما يؤكد ذلك أن صعود الليبرالية في البلاد الإسلامية لم يعرف مناهج الليبرالية واتجاهاتها الفكرية, وصراعها العقدي ولهذا لم تتأثر بموجبات المد والجزر لليبرالية الغربية.
وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر فإننا نجد الوضع قد تغير، حيث تعرف العالم الإسلامي على الليبرالية بشكل أكبر، ولهذا نشأت تيارات متعددة لليبرالية نذكر في هذا المقام أبرز هذه التيارات على النحو التالي: تيار الليبرالية الإسلامية (٣):
وهذا التيار يسعى للتوفيق بين الليبرالية والإسلام ونفي التعارض بينهما، وقد نشأ هذا التيار أول الأمر في " الحركة الإصلاحية " على يد محمد عبده وتلاميذه، ثم بعد ذلك في " مدرسة التجديد " التي بدأت منذ الستينات الميلادية، وبعد أحداث ١١ أيلول أصبح هذا الفكر أكثر بروزا من ذي قبل، وقد اعتنت الدول الغربية به للاستفادة منه في تسويق مشاريعها في البلاد الإسلامية.
стр. 214
وليست رؤية هذا التيار واحدة، ولكن إطارها العام هو التوفيق بين الإسلام والحداثة الغربية، والإصلاح الديني بما يتناسب مع هذه الحداثة، ولهذا اختلفت رؤيتهم بناء على معرفتهم بالحداثة الغربية وتطورها المستمر. يقول عبد الرحمن الحاج: " الوعي بالتاريخ هنا ليس في الشعور بالتغير الثوري الذي حدث في العالم، فجميع أشكال الخطاب الإسلامي " الإصلاحي " و "التجديدي" مؤمن من غير تردد بذلك، لكن تحليل هذا التغير وتفسيره أمر بدا مختلفا جدا في كل مرحلة من مراحله، وهي تتصل بمدى وعيه للحداثة وتطوراتها المتسارعة قربا وبعدا، ففيما " الخطاب النهضوي " لخط التقدم الغربي في شقه التنظيمي والمادي (الطهطاوي والتونسي) لم ير ضرورة في تطوير الخطاب الإسلامي، فمسألة " الإصلاح الديني " لم تستبعد وحسب، بل استهجنت ورفض التفكير فيها، وسرعان ما أدرك " الاصلاحيون " (عبده وتلاميذه) في إطار الحقبة الكولونيالية (الاستعمارية) أن المسألة أبعد من مجرد نقل للحضارة الغربية، وأن الفجوة الواسعة والمطردة بيننا وبين الغرب ليست مجرد تطورات تقنية وإدارية تنظيمية، إنها أيضا مسألة تطور في المعرفة الإنسانية، وليس في العلوم المادية فحسب، إلا أن تفسير التقدم الغربي بوصفه تطورا عن الصراع مع الكنيسة، وضع " الإصلاحيين " و " الخطاب الإسلامي " – بمنطق المقايسة بجامع علة متمثلة في النهضة الحديثة – أمام خيار إعادة إنتاج للنهضة على الإيقاع الغربي نفسه، وهكذا قرر زعماء الإصلاحية (عبده وتلاميذه) أنهم لابد أن يمارسوا دورا لوثريا، بل لقد صرحوا بأن الإصلاح الديني هو مثيل الإصلاح البروتستانتي تماما، هنا يبدو أن الزمن بدأ يصبح في الوعي الإصلاحي زمن الغرب وحضارته، وليس زمننا الخاص .. " (١) ولم يكن حظ " مدرسة التجديد " أقل من ربط خطابها بتغيرات الحداثة الغربية، حيث سارت على خطا مدرسة محمد عبده مع غلو أكثر في تأويل النص الديني، ووضع أدوات جديدة في تأويله وصرفه عن حقيقته. وبهذا أصبح من الأمور العادية لدى هذا الخطاب التجديدي (٢) اعتبار قيم الليبرالية، وثقافة الديمقراطية أمورا ضرورية متوافقة مع حقيقة الإسلام، ولا ينكر ذلك إلا متشدد متطرف.
ومن ذلك النظر إلى الآخر (الكافر) دون تكفير أو إقصاء فضلا عن الجهاد والقتال، واعتبار الديمقراطية وما تقتضيه من تشريعات مدنية متوافقة مع الفكر السياسي الإسلامي. وينظر هؤلاء إلى التركيبة العالمية، وسيطرة الكفار، ونظم الحداثة الغربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أنها لا تعارض الإسلام، ويجب أن لا يسعى المسلمون إلى إنكارها بحجة وجوب تحكيم الشريعة، لأن الإسلام علاقة روحية وليس نظاما سياسيا شموليا يحكم حياة الناس بصورة كاملة، فالأمور المدنية تشريعية أو إدارية متروكة للناس يرون فيها ما يصلحهم (٣).
تيار الليبرالية القومية:
стр. 215
وقد نشأ هذا التيار في وقت مبكر، وقد كان من رواده نصارى العرب، وقد استمرت القومية منذ نشأتها ليبرالية إلى الخمسينات ثم بدأت مرحلة جديدة، وكانت البداية عن طريق الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، وقد كانت هذه الفترة وما بعدها تشهد مدا يساريا قويا، فتبنت الحكومات العسكرية النظرية الاشتراكية بحجة الاستقلال عن الإمبريالية الغربية، فأممت الكثير من وسائل الإنتاج، وفي هذه المرحلة قطعت الحكومات العسكرية الصلة بالليبرالية قطعا باتا. ففي المجال السياسي اعتمدت فكرة الحزب الواحد مع التضييق على الحريات ومنع الأحزاب وتأميم الصحافة، وفي المجال الاقتصادي قامت بتوسيع دور الدولة في تنظيم الاقتصاد، وتأميم بعض وسائل الإنتاج ولكن هذه التجربة فشلت وبدأت رياح التحول والعودة للديمقراطية، وكان ذلك على وجه التحديد في منتصف السبعينات (١).
وإذا تركنا جانب التطبيق العملي في أنظمة الحكم وسياسة الاقتصاد لأنها تتعرض لتغيرات متكررة فإن الجانب الفكري يعد منضبطا إلى حد ما.
ويتميز هذا التيار بقبوله لليبرالية في مجالها السياسي من خلال دعوته لتطبيق الديمقراطية، ورفضه لليبرالية في مجالها الاقتصادي المتمثل في اقتصاد السوق الحرة، والنظام الرأسمالي، ولعل أقرب اتجاه ليبرالي في أوروبا يشابه فكر هذا التيار ما يسمى " بالديمقراطية الاجتماعية " أو " الديمقراطية الاشتراكية ".
ولقد كان لهذا التيار دور إيجابي في بيان خطورة الليبرالية الاقتصادية ودورها المدمر للاقتصاد الوطني، وضرر تبني برامج التكيف الليبرالية على الأمة العربية وهو يدل على روح وطنية صادقة بعيدة عن التسويق لمشاريع المستعمر التي تريد الهيمنة على الأمة في ثرواتها وقيمها وثقافتها وحضارتها.
إن الباحث ليقف معجبا من الإنجاز المعرفي الذي قدمه هذا التيار في نقد الرأسمالية الليبرالية، والدور الرائد في كشف ألاعيبها وخداعها.
ولكن – مع الأسف الشديد – أن المنطق في ذلك منطلقا علمانيا صرفا، فهو لا يعرف الحق إلا من خلال الفكر الغربي ونتائجه، فعندما نقد وحشية الليبرالية وظلمها وعدوانها على الفقراء وتدميرها لمستقبل التنمية المستقلة، لم يبحث عن الحق في الشريعة الإسلامية الثرية، ولكنه اتجه للاشتراكية الغربية من خلال تبني أفكار طرف ليبرالي آخر (الديمقراطية الاشتراكية)، وهذا يدل على أنه لا يعرف الحق إلا من خلال الفكر الغربي، وهو – كذلك – يدل على الجهل العظيم بحقيقة الإسلام وشريعته الربانية .... ,فليس هناك فكر جديد سوى اجترار ما لدى الغربيين من أفكار، ربما يبدو هذا الاتجاه أبعد عن العمالة وأقرب للوطنية من " الليبراليين الجدد " على الأقل على المستوى النظري، ولكن المهم أن المرجعية الفكرية لديهم واحدة وهي العلمانية (٢).
تيار الليبراليين الجدد: