رابع عشر: أسباب انتشار هذا الفكر والافتتان به
أولا: اتباع الهوى:
فإن الهوى يعمي ويصم وعند غلبة الهوى لا ينفع العلم ولا المعرفة بل إن صاحب الهوى يستخدم العلم والمعرفة لتأييد ما يهواه ويسوع انحرافه وهذا ظاهر في كتابات هؤلاء حيث يفرقون بين المتماثلات وتظهر في كتاباتهم الخيانات العلمية والتناقضات حتى في أفكارهم وأطروحاتهم ومصادمة العقل والفطرة وكلها نتاج لاتباع الهوى ولهذا ماذا يمكن أن نسمي: بتر النصوص وإخراجها عن سياقها ومن ثم الطعن في صاحب المقال أو القدح في الفكرة؟ وماذا نسمي الهجوم على رموز الإسلام ومناراته الشامخة والإشادة برموز البدعة والانحراف بل رموز الكفر والإلحاد؟.
وصدق الله العظيم إذ يقول: وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام:١١٩]
ثانيا: الانبهار بالحضارة الغربية:
وما يعبر عنه بالصدمة الحضارية وهي نتيجة لواقع المسلمين المؤلم من التخلف التقني والعملي التجريبي وهيمنة الحضارة الغربية في جانبها المادي وهؤلاء لم يرفعوا رأسا بالجانب الحضاري في تشريعات الإسلام التي لم يصل إليها الغرب ولن يصلوا إليها في تشريعاته وحفظه لحقوق الإنسان وحفظ كرامته وتوازنه بين حقوق الفرد والجماعة، وعظمة تشريعاته المعجزة التي تصلح لكل زمان ومكان وحتى لا نغرق في الواقع المؤلم فإن المؤشرات الحالية واستشراف المستقبل تبين أن المسلمين في طريق النهوض الحضاري وأنهم بدأوا في امتلاك كثير من أدوات التقنية والعلم.
ثالثا: الهزيمة النفسية:
والضعف والانكسار أمام الهجمات المتتالية، من قبل المستشرقين وتلاميذهم الذين كتبوا وألفوا في الطعن في الإسلام وتشريعاته وقدموا صورة مزيفة عن الإسلام الحقيقي الذي أنزله رب العالمين، وقد ظهر ذلك جليا في موقفهم من قضية الحدود والجهاد والولاء والبراء والموقف من القوانين الوضعية.
وصدق الله إذ يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:١٣٩].
رابعا: الضعف العلمي:
وحين يقل العلم، ويتلقف هذه الشبهات قليلو البضاعة في العلم؛ فإنه بالتأكيد ستمرر عليهم الشبهات والتلبيس الحاصل الآن بدعاوى مختلفة كحرية النقد، أو الموضوعية، أو اختزال في النص، أو التقليد دون إعمال العقل، وهي في الحقيقة ـ لمن رزقه الله العلم النافع ـ دعاوى ساقطة مرذولة لأنها:
أولا: تخالف أصول الشريعة وضروراتها كحفظ الدين، فعلى سبيل المثال يطلب منا اليوم السماح بترويج الإلحاد ونشر باطلهم بحجة الرأي والرأي الآخر وتلغي هذه الضرورة المهمة التي هي محل إجماع.
وثانيا: أن ما يطرحه علماء الإسلام ودعاته يتوافق مع النصوص ولا يعارض ما يدعون إليه من الموضوعية والشمولية وعدم إقصاء الآخر ونحوها من العبارات المطاطة التي تحتمل معاني متعددة منها الحق ومنها الباطل.
خامسا: العوامل الشخصية:
لا شك أن شخصية الكاتب والملقي والمفكر لها تأثير على ما يطرحه من نتاج ثقافي، وهذا في الحدود الطبيعية لا يؤثر في الطرح كثيرا، أما إذا أصبحت هناك مشكلة في نفسية وشخصية الكاتب فهنا يحدث الانحراف والتطرف والغلو أو التفريط والتساهل في تقرير القضية العلمية وكثير ممن ينظرون لهذا الفكر تجد أن لديهم مشاكل شخصية ونفسية فعدد لا يستهان به من رواد هذا الفكر ومنظريه كانوا في ماضيهم أصحاب أفكار غالية ومتطرفة وحدثت لهم ردة فعل فأصبحوا أقرب إلى دعاة العلمنة والتحلل وجميع هذه الأفكار ـ وللأسف ـ تصاغ باسم الإسلام.
ساسا: الدعم الغربي لهذا التيار:
стр. 212
وهذا أمر حقيقي قطعي، فليس هو من قبيل الظن أو التوقع أو التخمين، وإنك واجد هذه الحقيقة فيما سجلته التقارير الغربية التي صدرت مؤخرا عن بعض المراكز البحثية التخصصية في الولايات المتحدة الأمريكية من الحث على دعم هذا التيار الذي يسمى بـ (الإسلام الليبرالي) زورا وبهتانا ومنها: ١ـ تقرير جون بي آلترمان ( jon. Alnterman) مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي ( studies centrer strategic and lnternational) حيث كتب جون بي آلترمان مقالا تحت هذا العنوان تحدث فيه عن تنامي الدعم الغربي لليبراليين العرب (١).
٢ ـ تقرير مؤسسة (راند) الأمريكية حيث نشرت مؤسسة (راند) الأمريكية تقريرا استراتيجيا بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات) للباحثة في قسم الأمن القومي (شيرلي بينارد) وقد نشر هذا التقرير بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١م وتحديدا في عام ٢٠٠٣م وفي ربيع عام ٢٠٠٤م قامت الباحثة نفسها بنشر ملخص عنه.
وقد جاء في الفصل الثالث من هذا التقرير وعنوانه: " استراتيجية مقترحة" توصيات عملية موجهة لصانع القرار الأمريكي لاستبعاد التيارات العلمانية والحداثية ولأنها أقرب ما تكون إلى قبول القيم الأمريكية الديمقراطية. وتقرر (بينارد) من خلال هذا التقرير أن الغرب يراقب بدقة الصراعات الإيديولوجية العنيفة داخل الفكر الإسلامي المعاصر وتقول بالنص: " من الواضح أن الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث والمجتمع الدولي ككل تفضل عالما إسلاميا يتفق في توجهاته مع النظام العالمي بأن يكون ديمقراطيا وفاعلا اقتصاديا ومستقرا سياسيا تقدميا اجتماعيا ويراعي ويطبق قواعد السلوك الدولي وهم أيضا يسعون إلى تلافي (صراع الحضارات) بكل تنويعاته الممكنة والتحرر من عوامل عدم الاستقرار الداخلية التي تدور في جنبات المجتمعات الغربية ذاتها بين الأقليات الإسلامية والسكان الأصليين في الغرب وذلك تلافيا لتزايد نمو التيارات المتشددة عبر العالم الإسلامي وما تؤدي إليه من عدم استقرار وأفعال إرهابية" (٢).
٣ـ تقرير صادر عن مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي ـ واشنطن، كتبه الخبير والمحلل السياسي بالمؤسسة المهتمة بشؤون الشرق الأوسط في الأيام القليلة الماضية نشاطا لافتا للنظر فقد نظم معهد " المؤسسة الأمريكية" مؤتمرا حول الديمقراطية في العالم العربي عنوانه " إلى المعارضين العرب: ارفعوا أصواتكم" ودعا إليه مجموعة من ممثلي التيارات الليبرالية لمناقشة دورهم في تحولات أوطانهم السياسية والاستراتيجية الأنجع للدعم الغربي لهم وتلاه " معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" بعقد ورشة عمل حول مستقبل الليبرالية العربية في ضوء نجاحات القوى الدينية في مجمل ما أجري من انتخابات في عام ٢٠٠٥م برلمانية في العراق ومصر وبلدية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
٤ـ تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بتاريخ ٩ يونيو: ركز هذا التقرير على ضرورة أن يكون هدف أمريكا في الشرق الأوسط تشجيع التطور الديمقراطي وليس الثورة كما يجدر بصانعي السياسات أن يأخذوا بعين الاعتبار التنوع السياسي والاقتصادي في المنطقة وذكر التقرير أن عملية التطور الديمقراطي بطيئة ومتدرجة ويجب أن تتم من خلال النظم السياسية الموجودة في الدول العربية. وأشار التقرير إلى أن سياسة نشر الديمقراطية تؤدي إلى بعض المخاطر ولكن حرمان الشعوب من الحرية ينطوي على مخاطر أكثر، ونبه التقرير على أخذ الظروف الخاصة بكل دولة على حدة مع التأكيد على مبادئ أساسية مثل حقوق الإنسان وتقبل الآخر وسيادة القانون وحقوق النساء والأقليات وعدم ربط الإصلاح بالصراع العربي إلاسرائيلي" (٣).
سابعا: الانكباب على تراث المنحرفين الزائغين من أمثال الصوفية الزنادقة والفلاسفة الملاحدة:
المتأمل في تاريخ هؤلاء الليبراليين يلحظ بجلاء أن انكبابهم على تراث المنحرفين الزائغين من أمثال الصوفية الزنادقة والفلاسفة الملاحدة ـ مع ضعف العلم والبصيرة ـ كان هو نقطة التحول الرهيبة في حياتهم الفكرية مثلما كان هو الشرارة النارية الأولى في تغير نسيجهم الثقافي حيث يفعل ذلك التراث فعله الفظيع في النفس الإنسانية إذ يغرز فيها حب التفلت والتحرر من أي قيود أو ضوابط شرعية كما أنه يعمق فيها منهج الشك في كل شيء حتى في قطعيات الدين وثوابته الراسخة.
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ٢٠
стр. 213
خامس عشر: تيارات الليبرالية
جاءت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية من خلال الاستعمار المباشر وإعادة تركيب البلاد المستعمرة على أسس ليبرالية تتوافق مع مصالح المحتل، وقد كان للمستغربين تأثير كبير في توسيع نطاق الليبرالية والمطالبة بها.
ولم تكن هناك حاجة ذاتية للفكر الليبرالي في البلاد الإسلامية، وما يوجد من خلل في الأمة الإسلامية في مجال الحريات يمكن علاجه بالالتزام الحقيقي بالإسلام، وهو الكفيل بتحقيق الحرية والعدل في حياتها وهذا يؤكد أن الدعوة لليبرالية ذات مصدر خارجي أجنبي دعمته مجموعة معجبة بالغرب منهزمة أمام حضارته المادية.
وقد كانت البداية في الدعوة إلى الليبرالية تعتمد على الدعوة العامة للحرية واتباع الغرب في نهضته الجديدة للوصول إلى مستواه الحضاري المادي.
وهذه البداية تمت على يد تيارين هما:
- تيار عصراني:
يربط بين دعوته للحرية والإسلام، مع انبهار بالحضارة الغربية، ومحاولة نسبة بعض منجزاتها المحددة للإسلام مثل الحرية الديمقراطية، والتعددية، والاعتراف بالآخر وغيرها.
- تيار علماني: يطالب " بالحرية " على الطريقة الليبرالية الغربية دون الحاجة إلى الربط بالدين، يقول أحمد لطفي السيد " خلقت نفوسنا حرة، طبعها الله على الحرية. فحريتنا هي نحن .. هي ذاتنا، ومفهوم ذاتنا هي أن الإنسان إنسان، وما حريتنا إلا وجودنا وما وجودنا إلا الحرية ". وقد وضع " طه حسين " منهج النهضة في قوله: " هي أن نسير سير الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة: خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يعاب " (١).ويؤكد ذلك بقوله: " نريد أن نتصل بأوروبا اتصالا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءا منها، لفظا ومعنى، حقيقة وشكلا " (٢).
وبهذا يتبين أن هذا التيار طالب بالحرية الغربية دون تهذيب أو تغيير, وقد كان لنصارى العرب دور كبير في ترسيخ هذا الفكر من خلال صحفهم ومؤلفاتهم.
وقد كانت هذه التيارات تهتم بالدعاية للفكر الليبرالي بصورة عامة, ولم تناقشه بطريقة علمية عميقة, ومما يؤكد ذلك أن صعود الليبرالية في البلاد الإسلامية لم يعرف مناهج الليبرالية واتجاهاتها الفكرية, وصراعها العقدي ولهذا لم تتأثر بموجبات المد والجزر لليبرالية الغربية.
وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر فإننا نجد الوضع قد تغير، حيث تعرف العالم الإسلامي على الليبرالية بشكل أكبر، ولهذا نشأت تيارات متعددة لليبرالية نذكر في هذا المقام أبرز هذه التيارات على النحو التالي: تيار الليبرالية الإسلامية (٣):
وهذا التيار يسعى للتوفيق بين الليبرالية والإسلام ونفي التعارض بينهما، وقد نشأ هذا التيار أول الأمر في " الحركة الإصلاحية " على يد محمد عبده وتلاميذه، ثم بعد ذلك في " مدرسة التجديد " التي بدأت منذ الستينات الميلادية، وبعد أحداث ١١ أيلول أصبح هذا الفكر أكثر بروزا من ذي قبل، وقد اعتنت الدول الغربية به للاستفادة منه في تسويق مشاريعها في البلاد الإسلامية.
стр. 214
وليست رؤية هذا التيار واحدة، ولكن إطارها العام هو التوفيق بين الإسلام والحداثة الغربية، والإصلاح الديني بما يتناسب مع هذه الحداثة، ولهذا اختلفت رؤيتهم بناء على معرفتهم بالحداثة الغربية وتطورها المستمر. يقول عبد الرحمن الحاج: " الوعي بالتاريخ هنا ليس في الشعور بالتغير الثوري الذي حدث في العالم، فجميع أشكال الخطاب الإسلامي " الإصلاحي " و "التجديدي" مؤمن من غير تردد بذلك، لكن تحليل هذا التغير وتفسيره أمر بدا مختلفا جدا في كل مرحلة من مراحله، وهي تتصل بمدى وعيه للحداثة وتطوراتها المتسارعة قربا وبعدا، ففيما " الخطاب النهضوي " لخط التقدم الغربي في شقه التنظيمي والمادي (الطهطاوي والتونسي) لم ير ضرورة في تطوير الخطاب الإسلامي، فمسألة " الإصلاح الديني " لم تستبعد وحسب، بل استهجنت ورفض التفكير فيها، وسرعان ما أدرك " الاصلاحيون " (عبده وتلاميذه) في إطار الحقبة الكولونيالية (الاستعمارية) أن المسألة أبعد من مجرد نقل للحضارة الغربية، وأن الفجوة الواسعة والمطردة بيننا وبين الغرب ليست مجرد تطورات تقنية وإدارية تنظيمية، إنها أيضا مسألة تطور في المعرفة الإنسانية، وليس في العلوم المادية فحسب، إلا أن تفسير التقدم الغربي بوصفه تطورا عن الصراع مع الكنيسة، وضع " الإصلاحيين " و " الخطاب الإسلامي " – بمنطق المقايسة بجامع علة متمثلة في النهضة الحديثة – أمام خيار إعادة إنتاج للنهضة على الإيقاع الغربي نفسه، وهكذا قرر زعماء الإصلاحية (عبده وتلاميذه) أنهم لابد أن يمارسوا دورا لوثريا، بل لقد صرحوا بأن الإصلاح الديني هو مثيل الإصلاح البروتستانتي تماما، هنا يبدو أن الزمن بدأ يصبح في الوعي الإصلاحي زمن الغرب وحضارته، وليس زمننا الخاص .. " (١) ولم يكن حظ " مدرسة التجديد " أقل من ربط خطابها بتغيرات الحداثة الغربية، حيث سارت على خطا مدرسة محمد عبده مع غلو أكثر في تأويل النص الديني، ووضع أدوات جديدة في تأويله وصرفه عن حقيقته. وبهذا أصبح من الأمور العادية لدى هذا الخطاب التجديدي (٢) اعتبار قيم الليبرالية، وثقافة الديمقراطية أمورا ضرورية متوافقة مع حقيقة الإسلام، ولا ينكر ذلك إلا متشدد متطرف.
ومن ذلك النظر إلى الآخر (الكافر) دون تكفير أو إقصاء فضلا عن الجهاد والقتال، واعتبار الديمقراطية وما تقتضيه من تشريعات مدنية متوافقة مع الفكر السياسي الإسلامي. وينظر هؤلاء إلى التركيبة العالمية، وسيطرة الكفار، ونظم الحداثة الغربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أنها لا تعارض الإسلام، ويجب أن لا يسعى المسلمون إلى إنكارها بحجة وجوب تحكيم الشريعة، لأن الإسلام علاقة روحية وليس نظاما سياسيا شموليا يحكم حياة الناس بصورة كاملة، فالأمور المدنية تشريعية أو إدارية متروكة للناس يرون فيها ما يصلحهم (٣).
تيار الليبرالية القومية:
стр. 215
وقد نشأ هذا التيار في وقت مبكر، وقد كان من رواده نصارى العرب، وقد استمرت القومية منذ نشأتها ليبرالية إلى الخمسينات ثم بدأت مرحلة جديدة، وكانت البداية عن طريق الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، وقد كانت هذه الفترة وما بعدها تشهد مدا يساريا قويا، فتبنت الحكومات العسكرية النظرية الاشتراكية بحجة الاستقلال عن الإمبريالية الغربية، فأممت الكثير من وسائل الإنتاج، وفي هذه المرحلة قطعت الحكومات العسكرية الصلة بالليبرالية قطعا باتا. ففي المجال السياسي اعتمدت فكرة الحزب الواحد مع التضييق على الحريات ومنع الأحزاب وتأميم الصحافة، وفي المجال الاقتصادي قامت بتوسيع دور الدولة في تنظيم الاقتصاد، وتأميم بعض وسائل الإنتاج ولكن هذه التجربة فشلت وبدأت رياح التحول والعودة للديمقراطية، وكان ذلك على وجه التحديد في منتصف السبعينات (١).
وإذا تركنا جانب التطبيق العملي في أنظمة الحكم وسياسة الاقتصاد لأنها تتعرض لتغيرات متكررة فإن الجانب الفكري يعد منضبطا إلى حد ما.
ويتميز هذا التيار بقبوله لليبرالية في مجالها السياسي من خلال دعوته لتطبيق الديمقراطية، ورفضه لليبرالية في مجالها الاقتصادي المتمثل في اقتصاد السوق الحرة، والنظام الرأسمالي، ولعل أقرب اتجاه ليبرالي في أوروبا يشابه فكر هذا التيار ما يسمى " بالديمقراطية الاجتماعية " أو " الديمقراطية الاشتراكية ".
ولقد كان لهذا التيار دور إيجابي في بيان خطورة الليبرالية الاقتصادية ودورها المدمر للاقتصاد الوطني، وضرر تبني برامج التكيف الليبرالية على الأمة العربية وهو يدل على روح وطنية صادقة بعيدة عن التسويق لمشاريع المستعمر التي تريد الهيمنة على الأمة في ثرواتها وقيمها وثقافتها وحضارتها.
إن الباحث ليقف معجبا من الإنجاز المعرفي الذي قدمه هذا التيار في نقد الرأسمالية الليبرالية، والدور الرائد في كشف ألاعيبها وخداعها.
ولكن – مع الأسف الشديد – أن المنطق في ذلك منطلقا علمانيا صرفا، فهو لا يعرف الحق إلا من خلال الفكر الغربي ونتائجه، فعندما نقد وحشية الليبرالية وظلمها وعدوانها على الفقراء وتدميرها لمستقبل التنمية المستقلة، لم يبحث عن الحق في الشريعة الإسلامية الثرية، ولكنه اتجه للاشتراكية الغربية من خلال تبني أفكار طرف ليبرالي آخر (الديمقراطية الاشتراكية)، وهذا يدل على أنه لا يعرف الحق إلا من خلال الفكر الغربي، وهو – كذلك – يدل على الجهل العظيم بحقيقة الإسلام وشريعته الربانية .... ,فليس هناك فكر جديد سوى اجترار ما لدى الغربيين من أفكار، ربما يبدو هذا الاتجاه أبعد عن العمالة وأقرب للوطنية من " الليبراليين الجدد " على الأقل على المستوى النظري، ولكن المهم أن المرجعية الفكرية لديهم واحدة وهي العلمانية (٢).
تيار الليبراليين الجدد:
стр. 216
هذا التيار حديث النشأة، فقد نشأ بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي، وزاد حضوره في بداية القرن الحادي والعشرين، وبالذات بعد أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١م. ويعتمد هذا التيار على تراث الفكر الليبرالي العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وخاصة فكر حزب الأمة (١).وتتلخص أفكارهم فيما يلي: "حرية الفكر المطلقة، وحرية التدين المطلق، وحرية المرأة ومساواتها بالحقوق والواجبات مع الرجل، والتعددية السياسية، والمطالبة بالإصلاح الديني والتعليمي والسياسي، وفصل الدين عن الدولة، وإخضاع المقدس والتراث للنقد العلمي، وتطبيق الاستحقاقات الديمقراطية " (٢).كما يعتمد على الأفكار الجديدة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين وهي: "محاربة المجتمعات الديكتاتورية العسكرية والقبلية والحزبية المتسلطة، والمناداة بإقامة المجتمع المدني، وإحياء دعوة الإصلاح الديني من جديد، والتأكيد على العلمانية وفصل الدين عن الدولة" (٣).تميز هذا التيار (تيار الليبراليون الجدد) عن التيارات الليبرالية الأخرى بعدة أمور ومنها (٤):
أولا: الوقوف في صف المشروع الأمريكي في المنطقة، والمطالبة بما يريده ويسعى له مثل: تغيير مناهج التعليم، واستعمال القوة العسكرية لتغيير الأنظمة العربية، وفرض الديمقراطية عن طريق الاحتلال المباشر لهذه الدول، ولهذا فرحوا فرحا كبيرا باحتلال أمريكا للعراق، وقد صرح بعضهم بأنه يتلذذ بسماع صوت القنابل، ودوي الإنفجارات في بغداد، وكأنها " موسيقى بتهوفن".يقول شاكر النابلسي: " عدم الحرج من الاستعانة بالقوى الخارجية لدحر الدكتاتورية العاتية، واستئصال جرثومة الاستبداد، وتطبيق الديمقراطية العربية، في ظل عجز النخب الداخلية والأحزاب الهشة عن دحر تلك الدكتاتورية وتطبيق الديمقراطية" (٥).
وأنه لا حرج من الإتيان بالإصلاح على ظهر دبابة بريطانية أو بارجة أمريكية.
ثانيا: تطبيق مقاييس النقد الغربي على نصوص الوحي، وإخضاع الوحي المقدس للمنطق العقلاني، وهذا عندهم هو الأساس العلمي في معرفة الحقيقة، وصحتها.
ثالثا: رفض العداء لغير المسلمين، واعتبار الموقف العدائي عند المسلمين ناتج عن ظروف سياسية واجتماعية معينة، وهي لم تعد قائمة الآن، ولهذا لا يصح أخذ هذه المواقف العدائية الموجودة في النصوص المقدسة، ومهاجمتهم وسفك دمائهم بناء على ذلك، لأن المصالح متغيرة، والمواقف متغيرة، فيجب تغير هذه العقائد. رابعا: " اعتبار الأحكام الشرعية أحكاما وضعت لزمانها ومكانها، وليست أحكاما عابرة للتاريخ كما يدعي رجال الدين، ومثالها الأكبر حجاب المرأة، وميراث المرأة .. إلخ " (٦).
خامسا: رفض الارتباط بالإسلام لأنه ماض، واعتبار الموجود عبارة عن فكر علماء الدين كما يعبرون وليس الدين الرسولي، وهو يقف عثرة ضد الفكر الحر، وميلاد الفكر العلمي.
سادسا: "الشعوبية" وكره العرب واتهامهم بكل النقائص، وذكر مثالبهم ونقائصهم، واعتبار الدعوة للاستقلال مجرد شعارات غوغائية لا تمت للعقلانية بصلة. وقد تتبعت آراء (٧) هذا التيار فوجدت أنه تيار عميل للدول الاستعمارية، وخاصة الولايات المتحدة، ولا يخرج عن آرائها، فالمقاومة الفلسطينية والعراقية – عندهم – إرهاب وتطرف، ولا يمكن حل الصراع العربي الصهيوني إلا بالمفاوضات على الطريقة الأمريكية، وضرورة التطبيع الكامل مع إسرائيل، والدخول في العولمة واقتصاد السوق الحرة من أوسع أبوابها، وغير ذلك من الآراء، ولا تكاد تجد قضية سياسية إلا وتجد هذا التيار يتطابق في رؤيته مع الولايات المتحدة حتى على مستوى خلاف أمريكا مع الصين أو الهند، أو زيادة إنتاج النفط والموقف من شافير (الرئيس الفينزولي).
وهذا يؤكد أن هذا التيار عبارة عن احتياط إعلامي يستعمله الأمريكيون لتسويق أفكارهم وسياساتهم، وجناح فكر ورافد ثقافي لمشاريعهم في المنطقة الإسلامية.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١١٦ - ١٣٣
стр. 217
سادس عشر: الليبراليون الجدد .. عمالة تحت الطلب
كتب جون بي آلترمان ( Jon B. Alterman) مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي ( Center for Strategic and International Studies) مقالاً تحت هذا العنوان تحدث فيه عن تنامي الدعم الغربي لليبراليين العرب محذراً من أن تعاظم هذا الدعم سيضر الليبراليين العرب ولن يفيدهم، ومحذراً الغربيين من الرهان عليهم. ويعد هذا المقال اختصاراً لمقال آخر كان قد كتبه أصبحت الحاجة ماسة إلى الليبراليين العرب أكثر من أي وقت مضى؛ حيث يرى فيهم بعض الغربيين الأمل والقوى القادرة على مواجهة خطر «القاعدة» لذلك يدعوهم كبار مسؤولي الحكومات في واشنطن ولندن وباريس وغيرها من العواصم الغربية إلى موائد الأكل وشرب الخمر.
لقد ازداد الدعم الغربي لليبراليين العرب، لكن يبدو أن تنامي هذا الدعم قد يحدث تأثيراً معاكساً؛ فبدلاً من أن يؤدي إلى تقويتهم فإنه سيؤدي إلى تهميشهم ووصمهم بالعمالة، بل جعل الكثيرين يتشككون في الإصلاح السياسي الذي يسعى الغرب إلى تحقيقه في المنطقة. يعتبر اتخاذ السياسة الغربية لليبراليين العرب قاعدة انطلاق لتنفيذ سياساتها في المنطقة أمراً منطقياً؛ بالنظر إلى التجانس الموجود بين الطرفين؛ فالليبراليون العرب على مستوى تعليمي جيد، ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وفي بعض الأحيان يتحدثون الفرنسية أيضاً. فالساسة الغربيون يجدون الراحة في التعامل معهم وهم كذاك يحبون التعامل مع الغرب.
لكن إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فيجب أن نعترف أن الليبراليين العرب القدامى قد كبر سنهم وازدادت عزلتهم وتضاءل عددهم، ولم يعد لهم إلا تأثير محدود في مجتمعاتهم والقليل من الشرعية؛ فهم بالنسبة لمواطني بلدانهم وبخاصة الشباب منهم لا يمثلون أمل المستقبل، بل يمثلون الأفكار الغابرة التي لم تنجح في الماضي، ولم يعد لديهم القدرة على استمالة قلوب وعقول أبناء بلدانهم.
إن اهتمام الغرب المتزايد بالليبراليين العرب يُنذر بتأزم موقفهم، ويجعلهم يوصَمون بالعمالة، ليس العمالة الهادفة إلى تحقيق الحرية والتقدم، ولكن العمالة للغرب ومساعدته في مساعيه لإضعاف وإخضاع العالم العربي. بل الأسوأ من ذلك جعلهم يتحولون إلى الغرب؛ حيث يجدون حفاوة الاستقبال تاركين بذلك مجتمعاتهم؛ لأنهم لا يجدون فيها تلك الحفاوة التي يجدونها في الغرب.
إن الناظر إلى حال الليبراليين العرب يجد أن السواد الأعظم منهم ينتظر أن تأتي الولايات المتحدة لتسلمهم مفاتيح البلاد التي يعيشون فيها؛ في الوقت الذي تقوم فيه الجماعات المحافظة بعمل برامج نشطة إبداعية مبهرة يقدمون من خلالها مجموعة من الخدمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. مع هذا؛ فإن كثيراً من الليبراليين يعتقدون حتى الآن أن دورهم ينتهي بمجرد كتابة مقالة.
وإن من غير المحتمل أن يؤدي هذا الدعم المتنامي إلى انغماس هؤلاء الأشخاص في مجتمعاتهم، بل على العكس؛ فإن ذلك الدعم سيشكل حافزاً لهم لتعلم كيفية الحصول على المساعدات من
الهيئات الغربية التي تقدم المعونة. وقد ذكر لي أحد أصدقائي بالإدارة الأمريكية أن نموذج المتلقين للمعونة التي تقدمها الإدارة الأمريكية هو ابن لأحد السفراء من أم ألمانية وتصادف أنه يدير منظمة أهلية. إن تقديم المساعدات إلى تلك المنظمات لا يجعلها تبدو نبتاً للوطن بل على العكس يقلل من ذلك التصور.
إن السياسة الحكيمة تقتضي تنفيذ النقاط الثلاث الأساسية التالية بدلاً من الرهان على الليبراليين العرب:
стр. 218
أولاً: أن نستثمر الحرية؛ وذلك بأن ندعم الحرية للجميع ليس فقط لمن يدعمون أفكارنا، بل ولمن يعارضونها. وقد يرى بعضنا أن الضغط على الحكومات العربية لإتاحة المجال أمام حرية التعبير وحرية إنشاء الجمعيات الأهلية والانضمام لها يشكل خطراً كبيراً، خاصة في ظل الحرب العالمية على الإرهاب. لكن ذلك أمر غاية في الأهمية؛ لأن تلك الحرية ستوجد سوقاً حرة تُعرض فيها كل الأفكار، وهو الأمر الذي سيمكِّن الليبراليين من كسب الدعم الشعبي بدلاً من أن يُنظَر إليهم على أنهم قد اختيروا من الغرب ليكونوا بديلاً عن القوميين والمحافظين والراديكاليين. نحن دائماً ندعي أننا نرغب في أن تقوم دولة عظمى بإدارة الشرق الأوسط كي تتيح المجال للمنافسة. إذاً لماذا لا نرحب بتلك المنافسة بين الأفكار المبنية على مبدأ تكافؤ الفرص للجميع؟
ثانياً: يجب أن نقلل من الشروط والصفات المطلوبة في المنظمات التي نقدم لها الدعم. فعدم تقديم الدعم لمنظمات تقوم بأعمال إرهابية يعد أمراً طبيعياً. لكن سياسة منع الدعم عن المنظمات التي لا تقدم الدعم لسياستنا تعتبر هزيمة لأنفسنا، وستؤدي بنا إلى العزلة، كما ستضعف من مصداقية كل من نرغب في العمل معه.
ثالثاً وأخيراً: يجب استحداث أنشطة جديدة لا تحمل ختم الإدارة الأمريكية؛ هذه الأنشطة الجديدة يمكن أن تنفذ بمشاركة من الحلفاء الأوروبيين الذين يشعر الكثير منهم بالقلق من تأزم الوضع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. بعض الأنشطة الأخرى يمكن أن تقوم بها المنظمات الأهلية والجامعات ومؤسسات أخرى. الهدف من ذلك ليس إخفاء الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في هذه الأنشطة، بل الهدف هو جذب قطاع كبير من المجتمعات الشرق أوسطية إلى قطاع كبير من المجتمعات الغربية.
كما يجب أن لا نتخلى عن الليبراليين العرب؛ فكثير منهم يقاتل بشجاعة في سبيل تحقيق أفكار ندعمها، والتخلي عنهم سيبعث برسائل خاطئة. لكن في الوقت نفسه يجب أن لا نعلق أملنا على نجاحهم؛ فالأفضل لنا أن نحقق نجاحات جزئية مع قطاع كبير من العامة بدلاُ من أن نحقق نجاحاً كبيراً مع مجموعة من النخبة المنعزلة والتي لا تتمتع بأي تفويض شعبي.
إننا نريد أن نروِّج للفكر التحرري بين جماهير العالم العربي الموجودة في القاهرة وبغداد وبيروت، وليس في واشنطن ولندن وباريس؛ لذلك يجب أن يأتي الدعم المقدم إليهم من حكومات تلك الدول وليس من الحكومات الغربية. وإذا نسينا ذلك فعندئذ لن نكون قد أسأنا لأنفسنا فقط، بل سنكون قد أسأنا في حقهم أيضاُ.
المصدر: موقع صيد الفوائد - الليبراليون الجدد .. عمالة تحت الطلب ترجمة: إبراهيم عرفة أحمد
стр. 219
المعلم الأول: الموقف من النص الشرعي
من المسلمات الشرعية أن النص الشرعي هو المرجع وهو الحاكم في حياة المسلمين والعقل مصدر تابع له.
وقد تباينت مواقف هذه المدرسة المنحرفة التي تخالف أصول الإسلام من هذه القضية الكبرى وهي مرجعية الشريعة وتعظيم النصوص الشرعية فحصل منهم تعد وتهوين من شأن النصوص الشرعية لأنها هي العائق الكبير أمام ما يطرحونه من أمور تخالف الشرع صراحة فعمدوا إلى موقف سيئ من النصوص الشرعية يتجلى في القضايا الآتية:
١ـ تقديس العقل في مقابل التهوين من شأن النصوص:
وقبل الحديث عن موقفهم من النص الشرعي وتقديمهم العقل عليه لا بد من تجلية موقف الإسلام من العقل وأهل السنة تحديدًا وأنهم هم أهل العقل والحكمة وليس كما يصمهم خصومهم بأنهم حرفيون ونصيّون وعبدة نصوص وجامدون وغيرها من الألقاب التي ـ إن شاء الله ـ لن تغير من الواقع والحقيقة شيئا فنقول:
أولا: صور تكريم الإسلام للعقل:
١ـ إشادة القرآن الكريم وثناؤه على من استعمل عقله وذمه لمن عطله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " .. مدح الله العلم والعقل والفقه ونحو ذلك في غير موضع وذم ذلك في مواضع (١).، وفي كتاب الله آيات كثيرة تثني على من أعمل عقله واستعمله فيما خلق له كما في مثل قوله تعالى وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣] وفي مثل قوله تعالى يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ [البقرة:٢٦٩]
٢ـ جعل الإسلام للعقل حدودا لا يتعداها:
من المسَّلم به لدى العقلاء أن العقل البشري هو كغيره من أعضاء الإنسان له طاقة محدودة واختصاص معين ومن الخطأ والعبث أن يطالب بما فوق طاقته وأن يطالب كذلك بما هو خارج عن اختصاصه فإذا حمل فوق طاقته كان نصيبه العجز والهلاك وإذا استعمل خارج نطاق اختصاصه حاد عن الصواب وكان نصيبه التخبط والانحراف. يقول السفاريني ﵀: " فإن تسليط الفكر على ما هو خارج عن حده تعب بلا فائدة ونصب من غير عائدة وطمع في غير مطمع وكد في غير منجع" (٢) ....
٣ـ العقل أحد الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها:
جاءت الشريعة بحفظ العقل؛ لأنه أحد الضروريات الخمس التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدينا وقد حفظت الشريعة جانب العقل من ناحيتين: الناحية الأولى: من جانب الوجود؛ وذلك بفعل ما به قيام العقل وثباته ولما كان العلم النافع يزيد من قوة إدراك العقل ويزيد من عمق تفكيره جعل منه الإسلام ما يجب تعليمه على كل مكلف سواء كان ذكرا أو أنثى وهذا العلم منه ما هو فرض عين لا يعذر أحد بجهله ومنه ما يكون فرض كفاية (٣).
стр. 220
الناحية الثانية: من جانب العدم وذلك بحفظ العقل من كل ما يؤثر فيه بشكل سلبي وهذا يتضح فيما يلي: أـ حرم الإسلام الجناية على العقل بالضرب والترويع، وجعل الدية كاملة على من تسبب في إزالته يقول ابن قدامة ﵀: " وفي ذهاب العقل الدية، لا نعلم في هذا خلافا .. " (١).ب ـ النهي عن كل ما يؤثر على وظائفه ومن ذلك: تحريم شرب الخمر وكل مسكر ومفتر قال القرطبي ﵀: " إن السكر حرام في كل شريعة لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدها وأصل المصالح العقل كما أن أصل المفاسد ذهابه فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه" (٢).ج ـ ومن صور محافظة الإسلام على العقل، تحريم ما تنكره العقول وله تأثير عليها كالسحر الذي يذهب العقل كليا أو جزيئا فقد ثبت عنه ﷺ قوله: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر .. )) (٣).
٤ـ العقل مناط التكليف: من القواعد المعلومة في هذا الدين أن العقل مناط التكليف في الإنسان وإذا زال العقل زال التكليف فالتكليف يدور مع العقل وجودا وعدما ومن هنا يتبين أهمية العقل ومكانته في الإسلام إذ بالعقل الذي هو عمدة التكاليف يكون التفضيل لهذا الإنسان كما بين ذلك القرطبي ﵀ بقوله: "والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء" (٤).ويقول الشاطبي ﵀ " إن مورد التكليف هو العقل وذلك ثابت قطعا بالاستقراء التام حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا وعد فاقده كالبهيمة المهملة" (٥).
٥ـ العقل له دور فعال في قضية الاجتهاد: من المعلوم أن استنباط الأحكام فيما لا يوجد نص من كتاب أو سنة أو إجماع يرجع إلى الاجتهاد الذي يقوم مداره على العقل حيث قال رسول الله ﷺ حاضا عليه ـ عند فقد النص: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) (٦).فجعل من اجتهاد العقل أساسا للحكم ـ لمن هو أهله ـ عند فقدان النص مع تثبيت الأجر عند الخطأ. (٧).
ثانيا: مكانة العقل في الإسلام:
العقل نعمة عظيمة امتن الله بها على بني آدم وميزهم بها على سائر المخلوقات غير أن هذا التكريم لا يتحقق إلا إذا كان العقل مهتديا بوحي الله محكوما بشرع الله وبذلك ينجو صاحبه من الضلال ويهتدي إلى الحق كما قال تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [آل عمران:١٠١]
أما إذا كان العقل مقدما على وحي الله حاكما على شرع الله فقد ضل صاحبه سواء السبيل كما قال تعالى فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:٥٠]
стр. 221
ومن هنا وقف الإسلام موقفا وسطا تجاه العقل فلم يتخذ مسلك الفلاسفة والمعتزلة الذين غالبوا في تقديس العقل وجعلوه الأصل لعلومهم ومعارفهم وسبيل الوصول إلى الحقائق والحكم المقدم على النقل والشرائع.
.......... كما أن الإسلام لم يتخذ مسلك الصوفية والرافضة الذين ذموا العقل وعطلوه واعتقدوا ما لا يقبل ولا يعقل من الحماقات والخرافات.
...... إن الإسلام كمنهج رباني أنزله اللطيف الخبير ـ جلا وعلا ـ اتخذ مسلكا وسطا تجاه العقل حيث عرف للعقل قدره فوضعه في مكانه اللائق به بلا إفراط ولا تفريط وإليك كلاما نفيسا بحق ـ يكتب بمداد من ذهب على صفحات من نور ـ لشيخ الإسلام ابن تيمية يوضح فيه حقيقة تلك المسالك المنحرفة تجاه العقل مع بيان المنهج الوسطي (المنهج الحق) في هذه القضية يقول ﵀: " ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف وأرباب العمل والصوت عن القرآن والإيمان: تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة يجعلون العقل وحده أصل علمهم ويفردونه ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له.
...... هكذا وقف الإسلام متمثلا في منهج أهل السنة والجماعة موقفا متميزا تجاه العقل أما الليبراليون فقد اتخذوا مسلك الفلاسفة والمعتزلة تجاه العقل يظهر هذا بجلاء من خلال الجوانب الآتية:
١ـ تقديس العقل في مقابل التهوين والتهكم من شأن النصوص: أـ خالص جلبي يدعو إلى أن يتجاوز العقل نطاق الثوابت الدينية ويقفز عليها يقول " المواطن العربي اليوم محاصر في مثلث من المحرمات بين الدين والسياسة والجنس كل ضلع فيه مثل حاجزا شاهقا لا يستطيع أفضل حصان عربي رشيق أن يقفز إلا بالقفز إلى الإعدام فأمام حائط الدين يطل مفهوم الردة وأمام جدار السياسة يبرز مصطلح الخيانة، وعند حافة الجنس تشع كل ألوان الحرام والعيب فالعقل مصادر ومؤمم وملغى حتى إشعار آخر" ثم يدعو إلى ثورة عقلية: " لا بد من تدريب عقولنا على النقاش والجدل وذلك يفتح طرقا عصبية رائدة فالعقل النقدي والعقل النقلي ميت" (١).
ب ـ وها هو يوسف أبا الخيل يرى أن النصوص في الشريعة الإسلامية جاءت محدودة بطبيعتها باعتبار توقف الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ ومن هنا اقتصرت الشريعة بناء على تلك النصوص على بيان الفروض والحدود أما ما سوى ذلك فهو ميدان العقل والتدبير الإنساني وقد استند أبا الخيل في رأيه هذا على كلام لابن المقفع الفارسي!
وها هنا حقيق بك أن تعجب أخي القارئ غاية العجب أتدري لمََ؟ لأن هذا الرجل الذي جعله أبا الخيل عمدته فيما ذهب إليه من رأي هو رجل متهم بالزندقة (٢).
٢ـ تقديم المصلحة المتوهمة على النص:
هذا الموقف المنحرف متفرع عما سبق من غلوهم في جانب العقل على حساب النقل ـ عياذا بالله ـ حيث اعتقدوا أن العقل له الصلاحية الكاملة والأهلية التامة في أن يستقل بإدراك المصالح والمفاسد بعيدا عن نور الوحي وهذا بلا ريب مصادم للحق والحقيقة إذ إن العقل ـ كما ذكرنا آنفا ـ تابع للشرع وخاضع تحت حكمه فلا يجوز له حينئذ أن يتخطى ما حده الشرع زاعما أنه إنما يتبع المصلحة ويرد الإحسان والتوفيق بل الحكم الأول والأخير للشريعة.
стр. 222
ومعلوم أن العلماء جعلوا المصالح على أنواع منها: مصالح معتبرة يؤخذ بها وهي ما دل الدليل على اعتبارها وجوازها وحليتها ودعا إليها ومصالح ملغاة لا اعتبار ولا ميزان لها وهي ما جاء النص صراحة بإلغائها كما حرم الخمر مع اشتماله على بعض المصالح وهي مصالح ملغاة بنص الشارع الحكيم وأصحاب هذه المدرسة يصرحون ـ كما سوف يأتي ـ باعتبار المصالح الملغاة ويضربون بالنصوص الشرعية التي جاءت مصادمة لهذه المصالح عرض الحائط فيصبح الدين تبعا لهوى وما تمليه الشهوات والأهواء لا عبودية لرب الأرض والسماء ...
ثم نحن نتساءل أخيرا: إذا كان العقل له الصلاحية الكاملة والأهلية التامة ـ كما يعتقد الليبراليون ـ في أن يستقل بإدراك المصالح والمفاسد بعيدا عن نور الوحي فما الفائدة إذا من إنزال الكتب وإرسال الرسل؟! كما أن هذا الاعتقاد قد يقودهم إلى أمر خطير للغاية ألا وهو: اتهام الله ـ جل وعلا ـ بالعبث في أفعاله وتقديره ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ ذلك لأن من غايات إنزال الكتب وإرسال الرسل تعريف الناس بالشر والخير وبيان المصالح والمفاسد لهم (١). فإذا كان العقل البشري يستقل بمعرفة ذلك ـ كما يعتقد كثير من الليبراليين ـ كان إنزال الكتب وإرسال الرسل حينئذ ـ لا طائل من ورائه ولا جدوى فيه وهذا هو حقيقة العبث الذي يتعالى الله عنه علوا كبيرا.
إن هذه المفاسد الخطيرة الناجمة عن اعتقادهم باستقلال في إدراك العقل وفي إدراك المصالح والمفاسد تكفي العاقل المنصف في بيان فساد هذا الاعتقاد وانحرافه عن جادة الصواب.
أقوال الليبراليين في هذا الجانب:
أما أقوال الليبراليين التي تبرهن على أنهم يقدمون المصلحة المزعومة على النص الشرعي فهي كما يلي: أـ يقول مشاري الذايدي: " نحن مطلوب منا أن نمارس السياسة وفق مصالحنا وحيث ما كانت المصلحة كان دين الله هكذا أفهم الأمور هكذا أفهم الأمور" (٢).ب ـ يقول محمد المحمود: " ما نحتاجه الآن: قطيعة نوعية مع تراث بشري تراكم على مدى أربعة عشر قرنا يقابله اتصال خلاق بالنص الأول في مقاصده الكبرى وليس مجرد ظاهرية نصوصية لا تعي ما بين يديها ولا ما خلفها" (٣).
ـ دعوى تعدد قراءات النص الواحد: يعتقد الليبراليون أن النص الشرعي له قراءات متعددة وتفسيرات متنوعة وكلها صحيحة وهذه العقيدة من الفساد بمكان لأنها تفتح الباب على مصراعيه لكل مبطل أن يستدل على مذهبه الفاسد من النص الشرعي بدعوى (تعدد قراءات النص) ولا ريب أن هذا أصل خطير يسوغ زندقة كل متزندق وكفر كل كافر فالباطني مثلا الذي يفسر قول الله تعالى إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً [البقرة: ٦٧] بأنها عائشة ﵂ بناء على ذلك الأصل قوله حق والذي يقول: إنها البقرة المعروفة قوله حق. (٤).ويطلق بعض الأئمة على هذا الأصل (دعوى عدم إفادة النص للعلم واليقين) (٥).
стр. 223
والعجيب أن زنادقة عصرنا من المتكلمين الذين يسمون (مثقفين!!) و (عصريين!!) اتكأووا على هذا الأصل لتسويغ باطلهم وتمرير انحرافهم ولهذا زعم من زعم منهم أن القرآن يمكن أن يدل على كل مذهب في الأرض. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – أن أصل هذا المذهب الفاسد، يرجع إلى قول السوفسطائية من الفلاسفة، ثم أخذه عنهم طوائف من ملاحدة الصوفية (١).
والفلسفة المعاصرة أخذت في بعض تقاريرها بهذا المذهب الفاسد، فصححوا كل الأديان والمذاهب الباطلة، ولم يجعلوا لنصوص القرآن والسنة منزلة ولا حرمة، فكل شخص يفهم النص بما يريد ويشتهي لا بما هو عليه الحقيقة.
أقوال الليبراليين في هذا الجانب:
يوسف أبا الخيل يزعم أن دعوى تعدد قراءات النص الواحد قد أصلها علي –﵁ بينما القول بوجود قراءة واحدة للنص هو مذهب الخوارج!! ويقول أيضا:" إن أول خطوة في مكافحة العصاب الوسواسي للتعصب تكمن في تقديري في إصلاح مناهج المواد الدينية التي تقدم للناشئة في مراحل التعليم العام؛ بما يؤدي بها إلى أن تقدم مضمونا يعلم الطالب التفرقة بين النص الديني في ذاته المتعالية وبين قراءته البشرية، بحيث يتم (تعبئته) الذهنية الطرية الغضة بأن النص في ذاته كبنية متعالية هو واحد لا يتعدد ولا يتنسب (من النسبية)، أما قراءة البشر لهذا النص فهي تتعدد وفقا للدوافع الرغبوية للقارئ وللظروف الزمانية والمكانية والحاجات المعيشية والنوازل الجديدة التي تحيط به سواء أكان هذا القارئ فردا أو جماعة أو مذهبا أو طائفة". (٢).
٤ - رد السنة صراحة لأنها لا تتوافق مع العصر ومتطلباته ومستجداته:
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ٣١
стр. 224
المعلم الثاني موقفهم من قضايا العقيدة وأصول الدين الكبرى
موقفهم من قضايا التوحيد والإيمان:
موقف الليبراليين من قضايا التوحيد والإيمان موقف في غاية القبح والشناعة، حيث يلوح في مقالاتهم التهوين والتقليل من شأن قضايا التوحيد، بل وصل الأمر ببعضهم إلى درجة الاستخفاف والسخرية بهذا الأصل العظيم الذي قامت من أجله السماوات والأرض.
كما أنهم حرفوا مفهوم الإيمان، وأخرجوه عن مدلوله الشرعي الذي جاء واضحا بينا في نصوص الوحيين، كذلك فإنك تلحظ في كتابات بعضهم النزعة الإلحادية المادية كقولهم: إن الطبيعة هي التي تعطي وهي التي تمنح!!
أقوال الليبراليين في هذا الجانب: يرى محمد المحمود أن تطبيق التوحيد على أرض الواقع من المنظور السلفي يقارب الهوس الأيديولوجي؛ حيث يقول:"إن السلفية التقليدية المتغلغلة في أعماق وعينا الاجتماعي والثقافي، تزعم أن (التوحيد) هو مرتكز خطابها، وأنها – كخطاب أيديولوجي نشط – تسعى للقضاء على مظاهر التوثن، أيا كانت تمظهراتها في المجتمع، هذا الزعم يكاد – إبان محاولة موضعته في الواقع – يقارب درجة الهوس الأيديولوجي، أو يتم من خلاله ممارسة سلوك النفي (المفاصلة) للآخر الإسلامي في الداخل والخارج، تحت وعاء التمذهب والافتراق" (١).كما يقول:"ربما كان من قدر المرأة لدينا، أن تواجه أكثر من سور منيع، يحول بينها وبين الحصول على أقل القليل من حقوقها الفطرية، تلك الحقوق التي منحتها إياها الطبيعة ابتداء" (٢).
وهاهو المحمود يضع تفسيرا غريبا لمعنى الإيمان ومدلوله بعيدا عن المعنى الشرعي المنصوص عليه، حيث يجعل الإيمان مرتبطا بالإنسان والعلم المادي، قائما عليهما كما هو الشأن في عصر التنوير الأوروبي، يقول:"لم ينهض التنوير الأوروبي المجيد، الذي أخرج إلى الإنسانية من ظلمات الجهل والتخلف والانحطاط، إلى نور العلم والتقدم والمدنية الإنسانية، إلا على إيمان راسخ وعميق بهذا الإنسان، إيمان متفائل، يتكئ على فعاليات عقلية، ومعطيات تجريبية من عالم الوقائع المادية، ولكنه – قبل ذلك وبعده – يكاد يكون عقيدة كلية، تستولي على مشاعر أولئك الفلاسفة العظام، في عصر النهضة الأوروبي"
موقفهم من قضايا الولاء والبراء والحكم بما أنزل الله:
يتضح من خلال كتابات الليبراليين التحريف والتبديل والتشويه لهذه القضايا العقدية.
стр. 225
أقوال الليبراليين في هذا الجانب: يوسف أبا الخيل يرى أن الأخوة ينبغي أن تبنى على أساس الإنسانية لا على أساس الدين والمعتقد، ولا ريب أن هذا هو دين الماسونية الخبيث، وليس دين الإسلام الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه الكريم ﷺ , يقول: "الإنسانية بآفاقها الرحبة الواسعة, والطائفية بأفقها الضيق المنعزل, ضدان لا يلتقيان ......... " (١).ويوسف أبا الخيل له فلسفة منحرفة للولاء والبراء، حيث يقول:" ... مفهوم الولاء والبراء من هذه الزاوية يشير إلى موالاة الموالي المسالم الجانح للسلم والبراءة من المعتدي أيا كانت نحلته وديانته، ومن غير المعقول لكل من استقرأ نصوص الشريعة ومقاصديتها أن يتصور مفهوما ينادي بالولاء للمعتدي لأنه فقط يتمظهر أو ينطق بالإسلام وبنفس الوقت البراءة وما سيترتب عليها من استحقاقات أخرى من غير المسلم ولو كان مسلما برا مؤديا لشروط العلاقة السلمية مع المسلمين، هذا مفهوم مغلوط ومشين تتنزه عنه الشرائع السماوية فضلا عن الإسلام وهو خاتم الديانات؛ لأنه تعد صريح على عدل الله تعالى بين خلقه، ولا يمكن أن تستقيم علاقة سلمية تعاونية مؤدية لخير الإنسانية ما دمنا نتصور أن علاقة الولاء والبراء مبنية على الولاء للمسلم ولو كان من جنس "الحجاج بن يوسف أو صدام حسين" والبراءة من غير المسلم ولو كان على شاكلة داعيي السلام والإنسانية "المهاتما غاندي ونلسون مانديلا" (٢).
ولم يقف يوسف أبا الخيل عند ذلك الانحراف الخطير في قضية الولاء والبراء، بل تعدى ذلك إلى القول بأن عقيدة الولاء والبراء التي طبقها النبي – ﷺ – في المجتمع المدني قامت على أساس الوطن والبلد الواحد بغض النظر عن ملة الشخص وانتمائه الديني.
ويدخل في دائرة انحرافهم في عقيدة الولاء والبراء: الثناء والمدح لأرباب الضلال والانحراف، سواء أكان ذلك على مستوى الأديان والمذاهب الأرضية المعاصرة كالشيوعيين والزنادقة والفلاسفة أو على مستوى الفرق الضالة المبتدعة كالمعتزلة والجهمية، والترويج لما يحملونه من أفكار ومعتقدات.
стр. 226
أقوال الليبراليين في هذا الجانب: يقول جودت سعيد:"والشعور بالأناقة – المدنية – قد يكون في صورة انتصار عسكري، أو عدالة اجتماعية، كما في الثورة البلشفية، أو في صورة حقوق إنسان، كما في الثورة البلشفية ... " (١).وها هو خالص جلبي (شيخ العصرانيين في القصيم) يشيد بالزنديق (محمود محمد طه) ويكيل له الثناء العاطر، ويتباكى على إعدامه من قبل الحكومة السودانية في عهد الرئيس محمد جعفر النميري، يقول:"وفي عام ١٩٧١م أعدم "محمود طه" في السودان بيد الطغمة العسكرية بتهمة الردة، وكان رجلا مجددا، ولم يكفر ولم يرتد، ولكنها السلطة التي لا تتحمل النقد والمعارضة" (٢).ج- أما محمد بن علي المحمود، فقد أثنى على رموز التنوير من الفلاسفة، والتنويريين، حيث يقول:"بينما كان فيلسوف التنوير الأكبر (فلوتير) على فراش الموت حضر إليه رجل الدين الكهنوتي، يطالبه بالاعتراف؛ ليحقق له الغفران، وبما أن فيلسوف التنوير قضى عمره الطويل في العمل في فضح الدجل الكنسي، وتعرية الاستغلال الكهنوتي، فقد رفض هذا الإجراء الذي لو قبله لكان تضحية فضائحية، بمسيرة عمره التنويري المليء بالصراع مع عالم الخرافة" (٣). ويقول:"رحلة البحث عن الإنسان، من خلال البحث عن العقل الممكن وإمكاناته، ومن خلال التمحور الحقوقي حول حريته المسلوبة، ومن خلال البحث عن سبل انعتاقه من أسر ماضيه، ووضعه على عتبات المستقبل، كانت ملحمة من أروع الملاحم في تاريخ البشرية. تلك الرحلة التي بدأت بوادرها الخافتة منذ القرن الثالث عشر الميلادي، وظهرت جلية في المنجزات النظرية التي تعكس الوعي، كما عند لوثر، وسبينوزا، وديكارت .. إلخ، إلى راسل، وهيدجر، وفوكر، ودريدا .. إلخ، مرورا بكانت، وهيجل، وروسو، وفولتير" (٤).ويقول:"لم ينهض التنوير الأوروبي المجيد، الذي أخرج الإنسانية من ظلمات الجهل والتخلف والانحطاط، إلى نور العلم والتقدم والمدنية الإنسانية إلا على إيمان راسخ وعميق بهذا الإنسان، إيمان متفائل، يتكئ على فعاليات عقلية، ومعطيات تجريبية من عالم الوقائع المادية ولكنه – قبل ذلك وبعده – يكاد يكون عقيدة كلية، تستولي على مشاعر أولئك الفلاسفة العظام، في عصر النهضة الأوروبي" (٥).ويقول مشجعاً لنشر ثقافة رواد التنوير: "إن كثيرا من كتب رواد التنوير العربي منذ الطهطاوي وإلى آخر كتاب ثقافي صدر في دور النشر العربية لا وجود لها في ذاكرة أبنائنا" (٦).
ونقول لهذا الكاتب المفتون: ماذا تركت للأنبياء والمصلحين؟!
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ٥٦
стр. 227
المعلم الثالث موقفهم من التراث والتاريخ الإسلامي
المتأمل في مقالات الليبراليين، الدارس لها بتفحص وتمعن يظهر له – بجلاء – أن موقفهم من التراث يتمثل في الجوانب الآتية:
الجانب الأول: وصم هذا التراث بالرجعية والتحجر والجمود على الماضي وعدم استشراف المستقبل، وبالتالي عدم جدواه في ظل المستجدات الحديثة: يقول محمد المحمود:"لن نستفد من تراثنا ما لم نسلط عليه ترسانة العلوم المعاصرة، لن نصنع عالمنا ما لم يحرر تراثنا من أسر الفهوم التي تشل قدرة هذا التراث على الفعل الإيجابي في سياق العصر" (١).ويقول بكل استخفاف:"تصنيم التراث لم يقتصر على التراث، وإنما تعداه إلى سدنة التقليد، المتشدقين بصوت التراث وحمايته، لقد أصبح هؤلاء السدنة أعظم صنمية من مقولات التراث ذاتها" (٢).
وقد ترتب على هذا الموقف السلبي من تراث الأمة دعوة خطيرة إلى التحرر من هذا التراث والانعتاق منه, وضرورة نقده بدعوى التجديد والاجتهاد كما ظهر ذلك جليا من خلال النقولات السابقة.
إن هذه الدعوة الخطيرة ترفع في ظاهرها شعارات خلابة كالتجديد والاجتهاد غير أنها تحمل في طياتها سما زعافا ورجسا قذرا فهي كما يقال: (كلمة حق أريد بها باطل)؛ ذلك أنها لم تؤسس في حقيقتها على تقوى من الله، ولا على هدى منه – جل وعلا -، ولك أن تبصر ذلك من خلال النقاط الآتية:
أنهم ينطلقون في حركة تجديدهم واجتهادهم من نظرة استعلائية ملؤها الغطرسة والغرور؛ حيث ينظرون إلى هذا التراث وأصحابه نظرة احتقار وازدراء كما تقدم معنا.
أنهم ينطلقون في حركة التصحيح والنقد من منهج تغريبي خارج عن تراث الأمة وقيمها الأصيلة.
أنهم يرمون من وراء ذلك إلى تمييع الدين، وإفراغه من معانيه الأصيلة وحقائقه الشرعية، وتطويعه بحيث يكون ملائما لأسيادهم الغربيين.
أنهم لا يملكون أدوات التجديد الاجتهاد الشرعية؛ إذ أنهم أجهل الناس بها، ومع ذلك تراهم عبر المجلات والجرائد والقنوات الفضائية ينعقون ويصيحون بضرورة هذا الأمر.
فدعواهم إذا بالتجديد والاجتهاد في هذا التراث لا تعدوا – في حقيقة الأمر – أن تكون إلا تحريفا وتخريبا وتدميرا لهذا التراث – عياذا بالله -.
الجانب الثاني: وصم هذا التراث بالتشدد والعنف والإقصاء واللا إنسانية، وأنه المنبع الأساسي للتفكير والتبديع والتضليل الظالم: يقول منصور النقيدان:"الجنون الذي نراه اليوم عرض من أعراض المرض، والعلة التي استشرت في جسد هذه الأمة وثقافتها، وهذه راجعة أساسا إلى تراث متعفن، وثقافة الصديد والضحالة التي يربى عليها أبناؤنا صباحا ومساء، في المساجد، وعبر خطب الجمعة، وفي دروس الدين، ومن إذاعة القرآن الكريم" (٣).
تعليق:
стр. 228
فانظر – يا رعاك الله – كيف تكون الجرأة والتطاول أن يوصف تراث الأمة بالمتعفن!! ويقول محمد بن علي المحمود:"ثقافة الإرهاب المعلنة التي تدعو صراحة إلى التكفير والقتل تُشَرعن لذلك بطرح شرعي سلفي يتكئ على مقولات السلف واستدلالاتهم، والإعلام الذي يصدر التفجير والقتل – بجز الرؤوس – كل ذلك خدم الإرهاب الخفي الكامن في خطاب التطرف المتعاطف مع الإرهاب" (١).ويقول:"الإرهاب جزء من مكونات السلفية التي كانت ولا تزال تتغنى بقتل المعارضين بوصفهم زنادقة ومارقين وربما بوصفهم عقلانيين ... " (٢).
الجانب الثالث: وصم هذا التراث بعدم الموضوعية والانزواء عن الواقع, وأنه قائم على الخرافة والتنكر للعقل: يقول محمد المحمود: "إن النقد الحقيقي لا بد أن يفك البنية العامة للمناهج تلك البنية التي تكونت بفعل الوعي الجماهيري المتلبس بالخرافي والعاطفي". (٣) عبد الله بن بجاد يرى أن الكرامات هي من قبيل الخرافات التي تنافي العقل. (٤) ويقول: "ومما لا شك فيه أن ضخ هذا الكم الهائل من الرؤى التنويرية في المجتمع ساعد إلى حد كبير في مواجهة كتب الخرافة التي تبحث في عالم الأرواح والشياطين وأحوال الجان وثعابين القبور" (٥)
الجانب الرابع: وصم هذا التراث متمثلا في كتاب الاعتقاد بأنها كتب تجسيم وتشبيه: يقول حسن المالكي: "وقد احتوت كتب العقائد ومن أبرزها كتب عقائد الحنابلة – على كثير من العيوب الكبيرة التي لا تزال تفتك بالأمة ولعل من أبرزها: التجسيم الصريح" (٦)
الجانب الخامس: وصم هذا التراث بأنه نشأ نتيجة لدوافع وصراعات سياسية:
هكذا استبان لك أخي الكريم – بما لا يدع مجال للشك والريب – موقف الليبراليين السلبي المخزي من تراث الأمة ورموزها، ونحن هاهنا نعني بالأمة، وبخاصة في المجال العقدي والتشريعي، نعني (أهل السنة والجماعة) الذين هم على الامتداد الطبيعي للأمة الواحدة المجتمعة على عقيدة ومنهج واحد في زمن الرسالة، وذلك قبل نجوم الفرق والمسالك الضالة المنحرفة, فأهل السنة والجماعة هم المعبر الفعلي عن الأمة (الصحابة ﵃ وتراثهم هو الممثل الحقيقي لتراث الأمة, ذلك لأنه قائم على الأصول العلمية التي كان عليها الصحابة, ﵃.
стр. 229
وهذا لا يعني بطبيعة الحال العصمة المطلقة والقداسة التامة لهذا التراث في الجانب الاجتهادي القابل للخطأ والصواب, فهذا غلو مذموم نرفضه بشدة ذلك بأن القائمين على هذا التراث مهما بلغوا من العلم والفضل فإنهم لا يزالون في دائرة البشرية ولم يخرجوا عن طوقها, وما دام الأمر كذلك, فإن هذا التراث لا يخلوا من وجود أخطاء وسقطات وهفوات تحتاج إلى حركة نقد وتصحيح, وهذا - ولله الحمد والمنة – موجود في علماء هذا التراث نفسه قديما وحديثا, فترى الواحد منهم يستدرك على الآخر, ويبين خطأه نصحا للأمة, وإبراءً للذمة, بل ترى العالم نفسه يستدرك على نفسه, ويصحح خطأها.
كذلك فإن من السمات البارزة لأهل السنة أن العصمة المطلقة ليست لأحد سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما زال علماؤنا الأخيار يرددون أن كلا يؤخذ من قوله ويترك مهما كانت منزلته ومهما بلغ علمه إلا الرسول ﷺ .
وما زال أهل السنة والأثر من قديم الزمان وإلى عصرنا الحاضر يقومون بعملية النقد والتصحيح لهذا التراث في إطار النقد العلمي الذي يبني ولا يهدم وهاهي المكتبة الإسلامية تزخر بالمؤلفات الضخمة التي تشهد لهذه الحقيقة.
أما تراث أهل الانحراف والضلال كالفلاسفة والمعتزلة ومن دار في فلكهم فهو التراث الجدير حقا بالإبعاد والنفي عن تراث الأمة.
موقفهم من التاريخ الإسلامي: دأب الليبراليون على تشويه التاريخ الإسلامي, وشن حملات التزوير والتخريب عليه ولم تقف هذه الحملات الضارية على عصر دون عصر بل امتدت لتشمل كافة العصور الإسلامية حتى إن الصفحات المشرقة في تاريخنا لم تسلم من ذلك (١).
أقوالهم في هذا الجانب:
خالص جلبي يعلنها حربا شعواء على العصر الإسلامي في زمن بني أمية يقول: "هناك حزمة أمراض ثقافية تبلغ العشرة منها: أن العالم العربي ما زال يحكم بسيف معاوية, بعد انطفاء الوهج الراشدي ... وأن الثقافة العربية تستحم بالعنف منذ المصادرة الأموية, وتوديع حياة الراشد, واعتناق حياة الغي, وتفش روح الغدر والقتل والانقلابات والتآمر, فليس بعد الرشد إلا الغي" (٢).
وانظر- يا رعاك الله – كيف يتهجم خالص جلبي على الفتوحات الإسلامية بكل شناعة وفظاعة, ويشبهها بالجرائم اليهودية يقول: "إن السلطان محمد الفاتح, وفتح المدينة (القسطنطينية) يذكر بشارون وهو يريد احتلال القدس, وطرد أهلها منها. وبغض النظر عن فظاعات الفتح, وحجم النهب والسلب, والاغتصاب على يد الانكشارية, فإن أول ما فعله (محمد الفاتح) أن وضع يده على أقدس مقدساتهم: أياصوفيا, تلك التحفة التاريخية, ليحولها إلى مسجد, لم يكن هذا الفتح انتشاراً على منهج النبوة, بل اجتياحا عسكريا .... ونسميه إسلامياً؟!! " (٣).
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ٧٦
стр. 230
المعلم الرابع الموقف من الغرب عموما
المتأمل في مقالات هؤلاء الليبراليين, يجد أنهم مفتونون غاية الافتتان بالقيم الغربية والحرية حسب المفهوم الغربي وحدث والألم يعتصر قلبك عن إعجابهم شبه المطلق بالغرب بشكل عام, ووضعه مقياسا للحضارة والتقدم وحقوق الإنسان, ولنا أن نبرز موقفهم من الغرب, كما يلي:
تقديم حسن الظن بهم, وأنهم لا يكيدون للإسلام ولا أهله وأن المتدينين يعيشون عقدة المؤامرة.
اتهام المسلمين بأنهم سبب العداء الذي يعيشه العالم الإسلامي مع الغرب: يقول البليهي: "المحيط الحقيقي هو أن نزكي أنفسنا ونحن بهذا الوضع السيئ, العرب والمسلمون الآن أضحوكة في العالم, يعني ونحن كنا أضحوكة, ولا يهتم لنا أحد, لكننا الآن أصبحنا نعلن لهم أننا نبدع في قطع الرءوس ونبدع في القتل, وفي التفجير يعني هذا أقصى ما نستطيع أن نبدع فيه, وهذه معضلة كبرى يعني أصبحنا لسنا فقط عبئا على أنفسنا, وإنما أصبحنا عبئاً على العالم ... أنا أعتقد أن العالم كله يتقهقر بسبب أفعالنا يعني مثلا البلدان الغربية البلدان الديمقراطية أمريكا وأوروبا وبريطانيا وغيرها يعني أصبحت تعدل أنظمتها بما يقيد الحريات" (١).
الدعوة إلى عدم المواجهة والمقاومة واتخاذ السبل السياسية والنقد اللاذع لمن يدعوا لمقاومة المحتل.
الانبهار بالحضارة الغربية والإشادة بأصحابها. يقول خالص جلبي: "يجب أن نحزن لحزن أمريكا لأن فشلها فشل لكل الجنس البشري, ولأنها تمثل طليعة الجنس البشري" (٢).
ويقول مشيداً بالعدوان السافر على المسلمين في أفغانستان من قبل أمريكا:"والطالبان كانت دولة إسلامية تحكم بالشريعة, فقطعت الرءوس والأطراف, ووأدت المرأة, ونفت العقل إلى المجهول, ودمرت آثاراً إنسانية بدعوى الأصنام, فانتقمت أمريكا لبوذا, فدمرت الطالبان تدميرًا" (٣).ويقول محمد بن علي المحمود في معرض انبهاره بالعالم الغربي: "لقد كان العالم المتحضر يعاملنا باحترام, حتى ضربناه في عقر داره, قبل اليوم وفي المملكة المتحدة (بريطانيا) التي أشرق منها نور الحضارة المعاصرة, حيث شق الهدى (هدى الحضارة الإنسانية) أكمامه, وتهادى موكبا دون موكب .... " (٤).ويمضي المغرور بزيف ذلك العالم في تصوره الأعمى قائلا: "لا جدال في أن الولايات المتحدة وبريطانيا, هما الدولتان الأكثر تعبيرًا عن قيم العالم المتحضر وعن حضارته وأنهما – والعالم الغربي (أوروبا الغربية وأمريكا) من ورائهما – التجلي الأكبر لاتجاهات الليبرالية العالمية التي صنعت هذا العالم المتحضر, وكان لها - أي الليبرالية – الفضل الكبير في مناعته ضد الانهيار" (٥).ولك أن تتصور أخي القارئ كم هم القوم مفتنون بالحضارة الغربية, منبهرون بمكتشفاتها العلمية!! حينما تطالع هذا النص للكاتب نفسه (محمد المحمود): "لقد كانت الحضارة الغربية – إبان لحظة اللقاء – معجزة إنسانية لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري, بل لم يوجد ما يقاربها, ولو في أدنى مستوياتها البدائية التي أفرزتها فترات الإصلاح الديني" (٦).
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ٨٩
стр. 231
معالم متفرقة القدح في أئمة السلف والزعم بأنهم سبب رئيس للغلو والتكفير عبد الله بن بجاد في مقال له بعنوان: "الذاكرة التراثية العوراء" يطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ويتهمه بالتناقض, حيث يقول: "ويقال لمن خرج عن موجب الإنسانية في الأخلاق ونحوها: هذا ليس بآدمي ولا إنسان, ما فيه إنسانية ..... (١).
وانظر - يا رعاك الله – إلى منصور النقيدان كيف يتهجم بأسلوب ساخر مقذع على أئمة الإسلام من حيث اتهامهم بالتناقض والقلق وهو في الحقيقة أولى الناس بهذه الصفات؟!:قال: "إنه نشر مقالا عن محنة خلق القرآن, قال وذكرت فيه الموقف المتناقض لأحمد بن حنبل كيف كفر ابن أبي دؤاد, وتغاضى عن المأمون. اهـ. وقال في إحدى الإجابات: وما قرأت ما قاله أحمد بن حنبل لعبد الرحمن بن ميمون: إياك أن تقول بمسألة ليس لك فيها إمام", ما قرأته إلا قلت, يا حسرة على العقول. ا. هـ. (٢).وقال عن ابن تيمية – ﵀ – في إحدى الإجابات: "وابن تيمية نفسه من الشخصيات القلقة التي عرفها تراثنا الفكري والديني" (٣).ثم قال: "وإن هناك آثارا ومظاهر أزمة روحية كانت تلم به" ا. هـ. (٤).
إنكار قضية سد الذرائع, والتشنيع على من يقررها من المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم.
الهجوم على مناهج التعليم الشرعية في السعودية: شن الكاتب الليبرالي (محمد بن علي المحمود) هجوما ضاريا على المقررات الشرعية في المنهج التعليمي في المملكة, وذلك في مقال طويل له بعنوان "مفهوم التسامح, ٢ - ٢" (٥).
دعوتهم للحرية بمفهومها المنحرف: يقول منصور النقيدان: "أعتقد أن الحل يمكن في أن يكون هناك حرية, وأن يطرح الجميع ما لديهم" (٦).
نقد الثوابت والتشكيك فيها:
مارس أرباب هذا الفكر وأساطينه أساليب متنوعة, واتخذوا طرائق متعددة, لهدم الأصول, وهز الثوابت, والتشكيك بالمسلمات تحت مظلة (العلمية والموضوعية, والتجرد, والحيادية, والنقد الذاتي, والتصحيح والنصيحة, والإنصاف والعدل) , وبدعوى (نسبية الحقيقة) وعدم امتلاك أحد للحقيقة المطلقة.
إذاً فما هي الثوابت, وماذا يراد بها؟ وما مجالها؟ وهل هي ميدان فسيح يصلح للتطوير أو الاجتهاد؟ الثوابت هي: القطعيات ومواضع الإجماع التي أقام الله بها الحجة في كتابه, أو على لسان نبيه ﷺ والتي لا يحل فيها الاختلاف, ويضاف إلى ذلك بعض الاختيارات العلمية الراجحة التي تمثل مخالفتها نوعا من الشذوذ أو الزلل" (٧).قال الشافعي ﵀: "كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه" (٨).
стр. 232
وهي التي يسميها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الشرع المنزل وهو ما شرعه الله ورسوله من الأقوال والأعمال مما ليس للاجتهاد فيه مجال. وحقيقته: اتباع الرسول والدخول تحت طاعته, واتباع هذا الشرع واجب, وليس لأحد إلا التسليم والإذعان كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا [الأحزاب:٣٦].
وقال جل وعلا: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥] ....... ومجال هذه الثوابت إنما يكون في كليات الشريعة ومسائل العقيدة وأصول الفرائض وأصول المحرمات وأصول الفضائل والأخلاق, وأبرز ميادينها: العقائد والعبادات والأخلاق وأصول المعاملات (١).
وتأسيسا على هذه المعرفة الكلية الواضحة لمصطلح الثوابت, وانطلاقا من تحديد مجالات الثوابت وميادينها نأتي الآن لذكر الشواهد والأمثلة الكلية والجزئية من كتابات العصرانيين التي توضح للقارئ الكريم حجم التشكيك والنقد الذي طال الثوابت من جهتهم وهم يعبرون عنها تارة بالمسلمات, وتارة بالحتميات, وتارة بالمعرفة الأولى .. إلخ, وهي دعوة خطيرة تكشف عن حقيقة ما يطرحونه من فكر.
ذكر الشواهد والأمثلة الكلية العامة:
أ- خالص جلبي يدعو إلى أن يتجاوز العقل نطاق الثوابت الدينية ويقفز عليها, فيقول: "المواطن العربي اليوم محاصر في مثلث من المحرمات, بين الدين والسياسة والجنس, كل ضلع فيه يمثل حاجزا شاهقا لا يستطيع أفضل حصان عربي شيق, أن يقفز إلا بالقفز إلى الإعدام, فأما حائط الدين يطل مفهوم الردة, وأما جدار السياسة يبرز مصطلح الخيانة. وعند حافة الجنس تشع كل ألوان الحرام والعيب, فالعقل مصادر ومؤمم وملغى حتى إشعار آخر" ثم يدعو إلى ثورة عقلية: "لا بد من تدريب عقولنا على النقاش والجدل, وذلك بفتح طرقا عصبية رائدة, فالعقل النقدي حي والعقل النقلي ميت" (٢).
ب- المحمود يشن هجوما ضاريا على الثوابت تحت مسمى (الحتميات):يقول: "لا أريد أن أتحيز إلى تهميش الحتميات, بقدر ما أريد التأكيد على قدرة الإرادة الإنسانية على تجاوزها والتحرر منها مع الإقرار بنسبية هذا التحرر منها تحقيقا لتحرر الإرادة الإنسانية مما سوى الإنساني ... " (٣).
ج- يوسف أبا الخيل ينتقد الثوابت تحت مسمى (النظام المعرفي) ويدعو إلى فتح مجال الشك أمام العقل الناقد بدعوى (نسبية الحقيقة):هـ - يقول عبد الله بن بجاد العتيبي: "إذا فلا بد كمنطلق لعملية التنوير والإصلاح أن يدخل الشك في آلية العقل العربي الإسلامي الحالي أن يشك في قضية جوهرية وهي هل هو قادر على العمل الآن؟ هل آلياته ومناهجه ومنظومته المعرفية صالحة للتعامل مع الزمن الراهن" (٤).و- يقول مشاري الزايدي في مقال له بعنوان: "وصية الغامدي: انج سعد .. فقد هلك سعيد: ولذلك فإن الحديث الذي لا معنى له عن حماية الثوابت, إن هو إلا فرضية ترفية لا تملك وجودًا حقيقيا في دنيا النقد التاريخي كثير من المفاهيم حورت, وشذبت, وتعرضت لإعادة تعبئة, طبقاً للمتغيرات الموضوعية, الإنسان هو من ينتج الفكر, وليس الفكر من يصنع الإنسان, حتى وإن توهم العقائديون الأشداء ذلك! " (٥).
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ١٠٠
стр. 233
ثامن عشر: آثار وأخطار الفكر الليبرالي على المسلمين
هل الليبراليون يملكون مشروعا جادا وحقيقيا للنهضة؟
وهل لديهم رؤية ناضجة للإصلاح؟
الواقع الذي لا مراء فيه: أن غاية ما عند هؤلاء الليبراليين هو مسخ هوية المجتمع والانقلاب على الذات وتلميع الفكر الغربي, واستنساخه بدون وعي أو صدق مع الذات أو مع المجتمع!
وأحسب أن هذا التيار المنحرف ليس له جذور عميقة في المجتمع, وليس له امتداد أو قبول شعبي, لكن خطورته تكمن في أن بعض وسائل الإعلام المحلية والإقليمية صدرت رموزه, وجعلت منهم مفكرين إسلاميين, وخبراء في الحركات الإسلامية, وصناع للرأي العام!
وفيما يلي بعض آثار ومخاطر الفكر الليبرالي على المسلمين:
أولا: الآثار العقدية:
التشكيك في العقيدة الصحيحة وزعزعة الثقة بها, بمختلف الأسباب والطرق الملتوية الخبيثة, مما يؤدي عياذا بالله إلى انصراف الناس وعزوفهم عنها.
القطيعة التامة مع مصادر التلقي والاستدلال عند المسلمين والتزهيد, بل التشويه المتعمد للتراث الإسلامي عقيدة وشريعة.
إحياء التراث الفلسفي والمعتزلي, وتقريبه للناس في قالب جميل مزخرف مما يؤدي عياذا بالله إلى تقبل هذا التراث المنحرف في ظل الجهل الذي يخيم على كثير من الناس.
الهزيمة النفسية أمام الأعداء التي يريدون أن يغرسوها في أفراد الأمة شاءوا أم أبوا من خلال أمور عدة منها:
بهدم حاجز الولاء والبراء.
إلغاء الجهاد.
الترويج بأن المسلمين متخلفون, ولا يمكن أن يتقدموا أبدا والانبهار بالغرب رغم تراجع الحضارة الغربية والتنبؤات من قبل منظريهم بزوالها.
إفساح المجال أمام التيارات المنحرفة الزائغة, بدعوى حرية الرأي والانفتاح على الآخر.
الارتماء في أحضان الأعداء وتقليدهم, وتقبل الغزو الفكري بحجة صحة هذه الأديان وأن ما عندهم لا يخالف صراحة ما عندنا.
نشر ثقافة تقبل الآخر ولو كان ملحدا, وضياع ما أسماه العلماء بحفظ الضرورات الخمس وعلى رأسها (حفظ الدين).
ثانياً: الآثار التربوية والأخلاقية والاجتماعية:
إفساد المرأة المسلمة, وجعلها دمية يتلاعب بها المنحرفون سلوكيا وأخلاقيا.
طمس معالم الأخلاق الإسلامية, وذلك عن طريق الانحلال والتفسخ الأخلاقي, فلقد فتح هذا الفكر الباب على مصراعيه لدعاة التغريب بحيث لو طبقت المجتمعات كل ما يرونه ويؤصلونه لأصبحت مجتمعات منحلة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا.
فها هو خالص جلبي يدعو إلى هذا التهتك والسفور بطريقة مثيرة للدهشة والاستغراب!! ,
يقول: "عند سكان أستراليا الأصليين, تتدلى أثداء النساء بدون أن تثير الفتنة. وفي كهوف الفلبين, يعيش الناس رجالا ونساءً مع أطفالهم في عري كامل, فلا يصيح واعظهم أن هذا مخل بالأخلاق!! وبالمقابل فإن كشف (يد) امرأة متلفعة بالسواد من مفرق رأسها حتى أخمص القدم في بعض المناطق من العالم العربي, يثير الشهوة عند رجال يعيشون في حالة هلوسة جنسية عن عالم المرأة" (١).
إماتة وإضعاف جانب الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 234
ثالثاً: الآثار السياسية: إقصاء الشريعة عن الحكم وعزلها عن الحياة, وحصرها في نطاق المسجد والعبادات الشخصية, وهو ما يعرف بـ (العلمانية) أو اللادينية فالدعوة الليبرالية في حقيقتها هي العلمانية, وإن وجد فاصل بينهم فهو رقيق جدا وكأنهما وجهان لعملة واحدة واسمان لمسمى واحد. (١).يقول عادل الطريفي: "إن حاجة كثير من البشر للإيمان بالدين هي في إعطائهم معنى روحيا لحياتهم, ولكن بعد ذلك تصبح الأديان غير قادرة على التدخل في تحديد النظم الحياتية للبشر, إنها تفيد في قيادة أخلاق الناس وتوجيههم الوجهة الروحية المطمئنة, ولكنها تخرج عن دورها المطلوب إذا فرضت شروطها على مواضعات البشر السياسية والاقتصادية والاجتماعية" (٢).ويقول يوسف أبا الخيل: "الإسلام بصفائه الأول كما نزل على محمد بن عبد الله ﷺ يفرق تماما بين الناحية الروحية والناحية الاجتماعية بكافة ما تشتمل عليه من سياسة واقتصاد وتربية وتعليم وصناعة إلخ, الأولى تنظمها النصوص الصحيحة صحة قطعية ثبوتا ودلالة, أما الثانية فمتروك شأنها للعقل البشري ليرى فيها ما يشاء وفق مصالح الجماعة الراهنة المتأثرة بالمتغيرات الزمانية والمكانية, وهذه هي الحداثة بعينها بغض النظر تماما عما اصطحبته الممارسات التاريخية الاجتماعية منها والسياسية معها من تراث بشري خلط الروحي بالدنيوي والسياسي بالديني تبعاً لإملاءات أيديولوجية مختلفة" (٣).
الولاء للفكر الغربي, والاستقواء بالأجنبي.
المصدر: التطرف المسكوت عنه أصول الفكر العصراني لناصر الحنيني - ص ١٣٥
стр. 235
تاسع عشر: الحكم الشرعي في الليبرالية
الليبرالية – كما سبق – فكرة غربية مستوردة، وليست من إنتاج المسلمين، وهي تنفي ارتباطها بالأديان كلها، وتعتبر كافة الأديان قيودا ثقيلة على الحريات لابد من التخلص منها.
وقد تقدم الكلام حول حقيقتها، وتصورها لمفهوم الحرية، ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الليبرالية مناقضة للإسلام في أصوله ومنهجه وأخلاقه وقيمه.
ومحاولة التوفيق بين " الليبرالية " و " الإسلام " هي تغيير لمفهوم كل واحد منهما، وتبديل لمعناه يخرجه عن حقيقته إلى مفهوم مشوه، وصورة غير صحيحة لكل منهما.
ومن البديهي أن نقول: إن فلاسفة الليبرالية ومفكريها الذين وضعوا أصولها في فترات مختلفة قد شكلوها خارج إطار الأديان جميعا، ولم يدعي أحد منهم ارتباطها بدين من الأديان ولو كان دينا محرفا.
ومع هذا الوضوح يبقى من يصر من المسلمين على أنه بالإمكان الجمع بين منهج مادي يرفض قيود الأديان، ومنهج الإسلام الرباني، ولهذا سنبين بما لا يدع مجالا للشك أن الليبرالية تعني في الإسلام ألوانا متعددة من الكفر والشرك المناقض لحقيقته، وأشكالا مختلفة تنافي أخلاقه وقيمه الكريمة.
أولا: نواقض الإيمان في الليبرالية:
إن دارس الليبرالية يجد أنها دعوة إلى الإلحاد ورفض الأديان حيث لا تعترف بهيمنة الدين على الحياة الإنسانية، فقد نمت هذه الفكرة في أجواء رافضة للدين، ومعترضة عليه، وهي تريد أن تعطي الإنسان حريته المطلقة بالتحلل من قيود الأديان والقيم والأخلاق، فأساس الفكرة قائم على تعظيم العقل الإنساني وماديته، ولهذا ارتبطت عبارة " الفكر الحر" في كتابات الغربيين بالإلحاد والرفض للدين والقيم وعليه فإن الليبرالية لا تتفق مع الإسلام.
وفي هذه الفقرة سأذكر بعضا من أنواع الكفر والشرك الواقعة في الليبرالية، ليتبين من خلالها الحكم الشرعي في الليبرالية:
стр. 236
كفر الاستحلال: الاستحلال معناه: أن يعتقد في المحرمات أنها مباحة، ويجوز فعلها مع علمه بأن الله تعالى حرمها (١)، وقد أجمع العلماء على أن المستحل لما حرمه الله تعالى مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومتواتر فهو كافر خارج عن دين الإسلام (٢)، يقول القاضي " عياض ": " وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة، وبعض غلاة المتصوفة" (٣) ........ وضابط الأمر المستحل هو أن يكون أمرا ظاهرا متواترا لا يوجد فيه خلاف ولا شبهة مثل تحريم الزنا والربا وأكل الخنزير وغيرها (٤).وسبب كفر المستحل التكذيب أو العناد، فإن اعتقاد إباحة أمر محرم يدل على تكذيبه لمن حرمه أو عناده له، وكلاهما مناقض لحقيقة الإيمان (٥).فلا يشترط لتكفير المستحل أن يصرح بالتكذيب أو يعتقده، لأن الجحود في حد ذاته كفر ينقل عن الملة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالفواحش والظلم، والخمر والميسر، والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح. فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل " (٦).
وهذا النوع من الكفر موجود في الليبرالية، لأن من مفاهيم الليبرالية المتعلقة بالحرية " منع التحريم "، أو " منع المنع "، فلا يمكن أن يجتمع الفكر الليبرالي مع التحريم الإلهي المقيد لحرية الفرد، كما يقول جون مل: " إن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يفترض الفرد لا يعرف مصلحة نفسه " ومن بديهيات الليبرالية " إباحة الزنا "، وهي إباحة عقائدية، وليست مجرد ممارسات عملية، ولا يمكن أن يكون الرجل ليبراليا وهو يعتقد تحريم الربا، والبيوع المنهي عنها لأن هذا يتعارض مع حرية التجارة والاقتصاد، كما أنه لا يمكن أن يكون ليبراليا وهو يعتقد تحريم الزنا والتبرج والشذوذ الجنسي لأن هذا يناقض الحرية الشخصية.
والليبرالية مذهب فكري يحدد للفرد الممنوع واللازم قبل أن يكون ممارسة عملية، فهو اعتقاد وتصور واع لسائر أنماط الحياة البشرية.
كفر الشك:
الشك هو عدم اليقين، والتردد بين شيئين، وعدم القطع بالصحة أو البطلان، أو الخطأ أو الصواب، ونحو ذلك، وعدم وجود القطع واليقين هو من الريب والشك.
стр. 237
ومن أساسيات الإسلام وجود اليقين في التوحيد والإيمان، فالتوحيد والإيمان لا يغني فيه إلا اليقين الجازم، ولهذا عده العلماء شرطا أساسيا من شروط لا إله إلا الله. يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]، فاشترط في صحة إيمانهم عدم الريبة، وهي الشك والظن (١)، ولهذا جاء الشك والريب وصفا للمنافقين فقال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة: ٤٥]، ولقد جاء في الحديث: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)) (٢). وجاء في حديث أبي هريرة مرفوعا: ((من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)) (٣). " فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط" (٤).
....... والفكر الليبرالي لا يعتقد عقائد جازمة غير حق الفرد في الحرية الفردية مهما توصل له من أفكار وعقائد وآراء، فهو لا يملك عقيدة يقينية محددة، لأن كل عقيدة قابلة للتغيير، ومن حق الآخر أن يعتقد خلافها، وهذا الفكر لا يملك جوابا محددا على أوضح الأمور مثل وجود الله تعالى وربوبيته، لأن المنهج السيال الذي يعتمد عليه يجعل كل أمر قابل للصواب أو الخطأ، وربما أوصلت المنهجية الليبرالية إلى عقائد متناقضة.
وبهذا يتبين أن الليبرالية تصحح العقائد المتناقضة، والأفكار المتعارضة، ولا تجزم بحقيقة عقدية، وتبني قاعدة " قولي صواب يحتمل الخطأ، وقولك خطأ يحتمل الصواب "، وتجعل ذلك قاعدة عامة في أصول العقائد وسائر الأديان. فالمنتسب للإسلام منهم يعتقد أن إسلامه صحيح يحتمل الخطأ، وعقيدة الآخر (الكافر) خطأ يحتمل الصواب، ويرفضون الجزم العقائدي في جانب الصحة أو البطلان (٥). وهذا هو الشك بعينه.
стр. 238
كفر الإباء والامتناع: حقيقة الإباء والامتناع هي عدم الانقياد والاستسلام لأمر الله تعالى وشرعه، ومن المعلوم أن الإيمان يتضمن أخبار تقتضي التصديق، وأوامر تقتضي الانقياد والتسليم، ومناقضة التصديق يكون بالتكذيب، ومناقضة الانقياد والتسليم يكون بالإباء والامتناع (١).وقد ينضاف إلى الإباء والامتناع " الاستكبار " مثل كفر إبليس وفرعون واليهود (٢)، وقد يكون الإباء والامتناع دون " استكبار" (٣).وقد قرر أهل العلم أن الطائفة الممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب قتالها، وأجمعوا على ذلك، كما فعل الصحابة مع الممتنعين عن أداء الزكاة، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الطائفة الممتنعة إذا قاتلهم الإمام على ذلك فقاتلوه فهم كفار وليسوا بغاة (٤).
...... ولا ريب أن الفكر الليبرالي يؤسس للامتناع عن شرائع الإسلام في مجال السياسة والاقتصاد، ولهذا تكونت الدول الليبرالية بعيدة كل البعد عن شرائع الإسلام في نظمها السياسية والاقتصادية.
ومن ذلك امتناع الدول الليبرالية من تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية، وكذلك الامتناع عن تحريم الربا في البنوك والمؤسسات المالية، وهكذا.
الحكم بغير ما أنزل الله: والمراد هنا: تشريع القوانين الوضعية المضادة لشريعة الله أو استحلال الحكم بغير ما أنزل الله (٥) – وقد تقدم الكلام في الاستحلال -، وليس المعنى في هذه الفقرة: القاضي الملتزم بتحكيم الشرع ثم يحكم بهواه وشهوته دون تغيير أو تبديل للأحكام.
والتشريع حق خاص لله تعالى، وهو الأمر الشرعي في قوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، ومن نصب نفسه مشرعا من دون الله تعالى فقد نازع الله في ربوبيته كما قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:٣١]، وحقيقة فعلهم أنهم أحلوا الحرام، وحرموا الحلال فاتبعوهم على ذلك.
وقد أوجب الله تعالى الحكم بشريعته، وجعله من العبادة فقال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [يوسف:٤٠]، وقال: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام: ٥٧] وبين خطورة الإعراض عن الحكم بالشريعة فقال تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤]
стр. 239
وقال تعالى أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ [آل عمران:٢٣] وقال تعالى أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً [النساء: ٥١]، والكفر الأكبر في الحكم بغير ما أنزل الله ثلاثة أنواع (١):الأول: استحلال الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا أمر متفق عليه، ويدخل فيه: جحد أحقية حكم الله ورسوله، أو اعتقاد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، أو اعتقده مثله، أو اعتقد جواز الحكم بما يخالفه، أو اعتقد أن حكم الله ورسوله لا يصلح للتطبيق في زمن الحداثة، أو أنه سبب التخلف، أو أن الإسلام لا يتضمن منهجا للحكم، لأن الدين علاقة روحية بين العبد وربه، ونحو ذلك من العقائد المرتبطة بالاستحلال (٢).
الثاني: التشريع المخالف لشرع الله تعالى، ويكون ذلك بتبديل الأحكام وتغييرها، وهذا ما يحصل في الأنظمة الديمقراطية حيث يرون أن المشرع هو الشعب.
يقول الشيخ " محمد بن إبراهيم آل الشيخ " عن هذا النوع: " وهو أعظمها وأشملها، وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية: إعدادا وإمدادا وإرصادا، وتأصيلا وتفريعا، وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني, وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة" (٣).
ويدخل في هذا من جعل لنفسه حق التشريع، أو وضع نظاما وضعيا يحكم به غير الشريعة الإسلامية. الثالث: طاعة المبدلين مع علمهم أنهم خالفوا شريعة الله وحكمه (٤).
والليبرالية هي عبارة عن اجتماع لهذه الأنواع المكفرة جميعا، لأنها تستحل الحكم بغير ما أنزل الله، وتعتبر أن من حق الفرد أن يشرع لنفسه ما يعتقد أنه الأصلح له، ولهذا فإن النظام السياسي المبني على الفكرة الليبرالية هو النظام الديمقراطي، وهو نظام يعتمد على أن الشعب هو مصدر التشريع الوحيد، وأن الدين لا دخل له في الحكم فهو مجرد علاقة روحية بين العبد وربه.
وكل من تصور الليبرالية، وعرف حقيقتها فإنه يجزم أنها لا تعترف بحكم الله، ولا تقر بشريعته، وترى أن الحرية الإنسانية كافية في إصدار التشريعات دون الرجوع إلى جهة إلهية خارج نطاق العقل الإنساني.
стр. 240
ولا ريب أن مقاييس علماء الإسلام في أحكام الكفر تنطبق عليها (الليبرالية) بمجرد معرفة حقيقة الفكرة وتصورها، ومن هذه الأحكام أنها حكم بغير ما أنزل الله استحلالا أو تشريعا.
ولو قال قائل: إن الليبرالية تطبق شريعة الله وحكمه في الحدود والأموال والأسرة وغيرها لأضحك على نفسه كل باحث يعرف مفهوم الليبرالية وتاريخها ومرجعيتها.
وقد تقدم معنا عرض تفصيلي عن الليبرالية اتضح لنا فيه أن الليبرالية عقيدة في الحرية الفردية تعتمد على العقلانية المنكرة للوحي، والمادية المضادة للقيم والأخلاق.
شرك القصد والإرادة (١):
عندما خلق الله تعالى الإنسان خلقه وله إرادة وقصد في كل وقت. فكل عمل يقوم به الإنسان من أعماله الاختيارية لابد أن يكون أراده وقصده قبل ذلك. وهذه طبيعة نفسية فطر الله تعالى عليها الإنسان.
وهذه الإرادة قد تكون لله تعالى فتكون حينئذ توحيدا خالصا، وقد تكون لغير الله تعالى فتكون حينئذ شركا خالصا. وهي مهيأة لأن تكون على التوحيد أو الشرك. أما أن تكون النفس مريدة وليست على التوحيد ولا على الشرك فمحال.
......... وإذا كان عبدا لغير الله كان لابد مشركا، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله، وكان مشركا ... بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكا بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرا وحاجة إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود قلبه بالقصد الأول، فيكون مشركا لما استعبده من ذلك، ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله مولاه، الذي لا يعبد إلا إياه " (٢).
وعلى هذا: فمن جعل الله تعالى همه وغاية مراده وقصده فهو محقق للتوحيد، لأن الإرادة الناشئة عن محبة الله تعالى والافتقار إليه وجعله غاية القصد هي أصل التأله والتعبد له تعالى، وإذا لم تكن إرادة الإنسان وهمه وقصده لله تعالى فلا بد أن تكون لغيره، وخلو القلب من هذا وذاك أمر مستحيل، وهذا الغير يكون حينئذ شريكا لله تعالى.
........ وعلى هذا: فمن اتبع هواه مطلقا، وانصرف إلى الدنيا وآثرها، فقد أصبح عبدا لها، مشركا في الألوهية، خالدا في النار، ويدل لذلك قوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:١٥ - ١٦]. وقوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى: ٢٠]، وقوله تعالى: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء: ١٨]. وقوله تعالى: فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:٣٧ - ٤١]. وهذا الشرك المخرج من الملة هو عندما يكون الباعث له على العمل وقصده منه إرادة الدنيا وقصدها.
стр. 241
وهذا الشرك ينطبق على الليبرالية لأنها اتباع تام للهوى والرغبة، وإيثار للدنيا وحطامها الفاني، وهو ما نجده في الكلام حول الحرية الشخصية، أو التطبيقات الرأسمالية الجشعة التي تدل على أن الباعث للعمل هو قصد الدنيا وإرادتها، فلا يمكن أن يقال إن الفكر الليبرالي يوصل لإرادة الله تعالى وقصد طاعته.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٣٤ - ١٥٦
فتوى للشيخ صالح الفوزان عن الليبرالية
المكرم فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما قول فضيلتكم في الدعوة إلى الفكر الليبرالي في البلاد الإسلامية؟ وهو الفكر الذي يدعو إلى الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي، فيساوي بين المسلم والكافر بدعوى التعددية، ويجعل لكل فرد حريته الشخصية التي لا تخضع لقيود الشريعة كما زعموا، ويحاد بعض الأحكام الشرعية التي تناقضه؛ كالأحكام المتعلقة بالمرأة، أو بالعلاقة مع الكفار، أو بإنكار المنكر، أو أحكام الجهاد .. إلخ الأحكام التي يرى فيها مناقضة لليبرالية. وهل يجوز للمسلم أن يقول: (أنا مسلم ليبرالي)؟ ومانصيحتكم له ولأمثاله؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: فإن المسلم هو المستسلم لله بالتوحيد، المنقاد له بالطاعة، البريئ من الشرك وأهله. فالذي يريد الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي؛ هذا متمرد على شرع الله، يريد حكم الجاهلية، وحكم الطاغوت، فلا يكون مسلمًا، والذي يُنكر ما علم من الدين بالضرورة؛ من الفرق بين المسلم والكافر، ويريد الحرية التي لا تخضع لقيود الشريعة، ويُنكر الأحكام الشرعية؛ من الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشروعية الجهاد في سبيل الله، هذا قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام، نسأل الله العافية. والذي يقول إنه (مسلم ليبرالي) متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذُكر، فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الأفكار؛ ليكون مسلمًا حقًا.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٨٥، ١٨٦
стр. 242
عشرون: قوادح الأخلاق في الليبرالية
لقد بنيت الليبرالية على أساس مادي لا يرتبط بالقيم والأخلاق، وقد تبين لنا فيما تقدم أثر الحرية الفردية على المجتمع الغربي، فالأنانية واتباع الهوى، وما يترتب عليهما من انعكاسات أمور محمودة عندهم لأنها تحقيق لذاتية الإنسان وفرديته، وهذا ما أوصل المجتمع إلى التعامل بطريقة غير أخلاقية في سياسته واقتصاده، فقد أصبح الحديث عن الأخلاق في مجال المال والاقتصاد مثار سخرية وتندر لدى الليبراليين لأنه لا مجال للحديث عن القيم الأخلاقية في الأمور الاجتماعية، فالأخلاق هي العمل أيا كان تقويمه من حيث الجودة أو الرداءة، فالإنسان الأخلاقي هو الإنسان المنتج، وهذا ما جعل الأخلاق لا قيمة لها في الحقيقة. فانتشرت بسببها: الأثرة، والظلم، واتباع الهوى.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٥٦
стр. 243
واحد وعشرون: شبهات وردود
يردد بعض المفتونين بالليبرالية عددا من الشبهات يعارضون بها الحكم السابق عليها، منها:
الشبهة الأولى: شبهة التكفير:
وهذه الشبهة تظهر في الحكم على كل مذهب إلحادي يفد على البلاد الإسلامية، حيث يقولون: إن بعض الليبراليين ينطقون الشهادتين، ويصلون، ويؤدون الشعائر التعبدية، والقول بأن الليبرالية عقيدة كفرية يكون بمثابة تكفير المسلمين، وهذه هي عقيدة الخوارج الضالين.
ونجيب عن هذه الشبهة بأن ثبوت الإسلام للإنسان يشترط له بالإضافة إلى الإتيان بالواجبات المذكورة في الشبهة وغيرها: ترك النواقض والمبطلات لحقيقة الإيمان والإسلام، فمن يأتي بهذه الواجبات، وهو قائم على نواقض الإيمان، فإنها لا تنفعه حتى يترك النواقض.
ولهذا حذرت الشريعة الإسلامية من " نواقض الإيمان "، وبينت خطورتها، فقد يكفر الإنسان ويخرج من الملة، وهو لا يزال يشهد أن لا إله إلا الله ويؤدي بعض الواجبات، وهذه حقيقة شرعية قطعية.
وهذه الحقيقة موجودة في كل دين، لأنه ما من دين إلا ويوجد له نواقض إذا وجدت بطل أصل هذا الدين، وكذلك الأمر في العبادات كالصلاة والوضوء وغيرها لو أتى الفرد بواجباتها وارتكب مبطلاتها لم تنفعه هذه الواجبات.
ومن المعلوم المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة أن لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) شروطا عظيمة وليست مجرد كلمة تقال بالألسن، ومن هذه الشروط: الانقياد والقبول والتسليم والإخلاص وغيرها. ولهذا لم يعتبر الرسول ﷺ إقرار الحبرين من اليهود بأنه "رسول الله " لأنهما لم يلتزما بالإسلام، وفي الحديث أنهما: ((قبلا يديه، وقالا: نشهد أنك نبي. قال: فما يمنعكما أن تتبعاني، قالا: إن داود ﵇ دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا تقتلنا يهود)) (١).
وهكذا أقر أبو طالب بصدق دينه في قوله:
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي فلقد صدقت وكنت قدم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينالولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا (٢)
ومثله إقرار هرقل بنبوته ﵊، لأنه إقرار باللفظ لا يتضمن التزام عملي (القبول والانقياد والتسليم).
стр. 244
وقد قاتل رسول الله ﷺ قومه وعموم العرب عندما رفضوا معنى (لا إله إلا الله) وقالوا: " أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب "، ولم يفعل ذلك لمجرد اللفظ، وهذا ما فهمه المشركون في زمانه، ولهذا لم يقبلوا ولم ينقادوا. وهذه الشبهة تدل على عدم الفهم الصحيح للإسلام، وأنه التزام حقيقي، وجهاد للباطل وأهله، ولهذا قال ﵊ لمن خاف من القتال في سبيل الله " لا صدقة ولا جهاد بماذا تدخل الجنة " والسيرة العملية للقدوة ﵊ تبين حقيقة الإسلام والإيمان (١)، فهي تفسير واقعي لحقيقة الإيمان في كافة المجالات: في النفس والمجتمع الإسلامي، والعلاقة بالآخر (الكافر/والمنافق)، وفي الحكم والاقتصاد وغيرها من المجالات. ومن جهة أخرى فإن التكفير الوارد حول هذا المذهب يقع على العقائد، والأفكار، والآراء التي يتضمنها، وهذا يسمى " كفر النوع "، وهو تحرير المسائل الكفرية دون النظر للمعينين، أما الفرد المعين فإن وجدت فيه هذه العقائد والأفكار، والآراء، فإنه لابد من توفر شروط التكفير فيه وانتفاء موانعه عنه (٢).
هذا في حال تلبسه بهذه المكفرات، أما مجرد الانتماء لهذا المذهب وحده، فهو غير كاف في اعتباره متلبسا بهذه المكفرات، لأن الواقع يشهد بأنه يوجد من ينتمي إلى مذهب فإذا سئل عنه، وصفه بغير حقيقته دون إقرار بالمكفرات التي هي مناط الكفر.
وبناء على ذلك فإن المعينين تختلف أحوالهم، وأوضاعهم، ولكن العقائد والأفكار تبقى ثابتة يمكن أن يطلق عليها حكم محدد، ولا يعكر على ذلك اختلاف أحوال المعينين وأحكامهم.
وكلامنا في هذا الفصل يكون حول العقائد والأفكار، وليس على المعينين فلهم شأن آخر. وهذا أمر معروف عند علماء السلف الصالح حيث يطلقون وصف الكفر على المقالة، ويبينون وجه مناقضتها لأصل الدين دون أن يقتضي هذا تكفير كل معين يقول بهذه المقالة، فضلا عن تكفير المنتمي لفرقة تقول بها لمجرد انتمائه (٣).
стр. 245
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فقد يكون الفعل أو المقالة كفرا، ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا فهو كافر، أو من فعل كذا فهو كافر. لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع " (١)، وقد حذر علماء السلف (٢) من إطلاق تكفير المعين دون بينة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:٩٤] (٣).وبقوله ﷺ : ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) (٤)، يقول الشاطبي: " والحاصل أن المقول له إذا كان كافرا كفرا شرعيا فقد صدق القائل وذهب به المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه " (٥).
والتكفير حكم شرعي تترتب عليه لوازم في الدنيا والآخرة، فيجب الاحتياط فيه، والحذر من الاستعجال فيه، ولهذا قد تكون المقالة كفرا ناقلا عن الملة، ولا يكون القائل بها كافرا إذا لم تقم عليه الحجة أو كان متأولا. يقول ابن تيمية: "ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمر يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم، حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وغير ذلك، ولا يولون متوليا، ولا يعطون من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بأنهم لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ﷺ ولا جاحدين لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك " (٦)، ولكن هذا لا يعني أن المعين لا يكفر إذا وجدت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع، فإنه إذا تم التأكد من ذلك يكفر بعينه، فقد أفتى علماء الإسلام بردة عدد ممن أعلنوا الكفر وتحققت فيهم شروط الكفر، ويدخل في هذا الصدد قتال الصحابة للمرتدين، وفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال التتار وتكفيرهم (٧)، وغيرهم (٨).
أما تكفير المذاهب الإلحادية المعاصرة فهو أمر ضروري لتعلم الأمة الإسلامية خطورة هذه المذاهب وتحذر منها، ومن ذلك: ما قرره مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي (٩) من تكفير " العلمانية "، وهي المنبع الذي خرجت منه سائر المذاهب المعاصرة بما فيها " الليبرالية " وينص القرار على ما يلي:
стр. 246
أولا: إن العلمانية (وهي الفصل بين الدين والحياة) نشأت بصفتها رد فعل للتصرفات التعسفية التي ارتكبتها الكنيسة.
ثانيا: انتشرت العلمانية في ديار الإسلامية بقوة الاستعمار وأعوانه، وتأثير الاستشراق، فأدت إلى تفكك في الأمة الإسلامية، وتشكيك في العقيدة الصحيحة، وتشويه تاريخ أمتنا الناصع وإيهام الجيل بأن هناك تناقضا بين العقل والنصوص الشرعية، وعملت على إحلال النظم الوضعية محل الشريعة الغراء، والترويج للإباحية، والتحلل الخلقي، وانهيار القيم السامية.
ثالثا: انبثقت عن العلمانية معظم الأفكار الهدامة التي غزت بلادنا تحت مسميات مختلفة كالعنصرية، والشيوعية والصهيونية والماسونية وغيرها، مما أدى إلى ضياع ثروات الأمة، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وساعدت على احتلال بعض ديارنا مثل فلسطين والقدس، مما يدل على فشلها في تحقيق أي خير لهذه الأمة.
رابعا: إن العلمانية نظام وضعي يقوم على أساس من الإلحاد يناقض الإسلام في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونية العالمية والدعوات الإباحية والهدامة، ولهذا فهي مذهب إلحادي يأباه الله ورسوله والمؤمنون.
خامسا: إن الإسلام هو دين ودولة ومنهج حياة متكامل، وهو الصالح لكل زمان ومكان، ولا يقر فصل الدين عن الحياة، وإنما يوجب أن تصدر جميع الأحكام منه، وصبغ الحياة العلمية الفعلية بصبغة الإسلام، سواء في السياسة أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو التربية، أو الإعلام وغيرها.
التوصيات:
يوصي المجمع بما يلي:
على ولاة أمر المسلمين صد أساليب العلمانية عن المسلمين وعن بلاده، وأخذ التدابير اللازمة لوقايتهم منها.
على العلماء نشر جهودهم الدعوية بكشف العلمانية، والتحذير منها.
ج – وضع خطة تربوية إسلامية شاملة في المدارس والجامعات، ومراكز البحوث وشبكات المعلومات من أجل صياغة واحدة، وخطاب تربوي واحد، وضرورة الاهتمام بإحياء رسالة المسجد، والعناية بالخطابة والوعظ والإرشاد، وتأهيل القائمين عليها تأهيلا يستجيب لمقتضيات العصر، والرد على الشبهات، والحفاظ على مقاصد الشريعة الغراء." وفي السياق نفسه فقد أصدر مجلس علماء إندونيسيا فتوى بكفر الليبرالية (١)، ونصت الفتوى التي صدرت في ختام مؤتمر المجلس السابع على أن " التعاليم الدينية المتأثرة بالأفكار العلمانية والليبرالية هي تعاليم منافية لحقيقة الدين الإسلامي، وعلى المسلم أن يعتقد أن دين الإسلام هو الدين الحق، وأن ما سواه هو الباطل" (٢).
الشبهة الثانية: أن الليبرالية مجرد آلة وليست عقيدة:
هذه الشبهة تقوم على أن الليبرالية ليست عقيدة يمكن أن توصف بالإيمان أو الكفر، وإنما هي مجرد آلة عصرية يمكن الاستفادة منها لتحديث المجتمع وتطويره.
ويبدو على هذه الشبهة أسلوب المخادعة، والهروب من الحقيقة، فإن من يدرس الليبرالية يتبين له أنها عقيدة فكرية متكاملة، وفلسفة مادية إلحادية، فدعوى أنها مجرد آلة هي هروب مما تتضمنه الليبرالية من مناقضة لأحوال الإسلام، وهذه الدعوى لا يوافق عليها أحد من مفكري الليبرالية المعروفين. وإذا كان بعض الليبراليين يخادع نفسه بادعاء أن الليبرالية مجرد آلية فإن منهم من يصرح بأنها منهج للحياة كما فعل الدكتور محمد الرميحي في قوله: " ومع أن الليبرالية هي مفهوم فلسفي، وطريقة تفكير وموقف من الحياة أكثر منها آلية محددة للحكم، فإن الديمقراطية في معناها الشامل هي النتيجة الطبيعية للفكر الليبرالي " (٣).
стр. 247
وقد تقدم الكلام على حقيقة الليبرالية وأسسها الفكرية، وبه يتبين أن الليبرالية منظومة فكرية متكاملة، وعقيدة سياسية واقتصادية محددة، وليست مجرد آلة كما يزعم البعض.
الشبهة الثالثة: أن الليبرالية تشتمل على بعض الإيجابيات:
وترى هذه الشبهة أن الليبرالية مشتملة على أمور إيجابية مثل إكرام الإنسان، وعدم إهدار حقوقه، وشحذ الدافع الذاتي (الفردية) للإنسان مما ولد المنافسة القوية بين الشركات الكبرى بحيث توصلت من خلال هذه المنافسة إلى تحريك الاقتصاد، واكتشاف المخترعات الحديثة المفيدة للإنسان، هذا بالإضافة إلى المشاركة السياسية، والحرية في مؤسسات المجتمع، والصحافة، وتكوين الأحزاب والمعارضة وغيرها، ولا يمكن أن يكون هذا معارض للإسلام.
ويمكن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه عدة:
أولا: أن وجود بعض الإيجابيات لا يدل على صحة هذا المذهب أو ذاك، لأنه ما من فكر باطل أو بدعة مخترعة إلا ويوجد فيها شيء من الحق كما قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران:٧١]، فلا يكاد يوجد مذهب إلا وهو مشتمل على بعض الإيجابيات، ولكن ذلك لا يستلزم الصحة كما قال تعالى عن يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا [البقرة:٢١٩].
ثانيا: أن سلبيات الليبرالية ومساوئها أكثر، وأعظمها الكفر والشرك بالله تعالى، والأثرة، واتباع الهوى، والظلم للفقراء والطبقات المتدنية، والحروب، والاحتلال وغيرها.
ثالثا: أن إيجابيات الليبرالية لا تخلو من جوانب سلبية، لأنها حريات مفتوحة غير منضبطة فحقوق الإنسان فتح مجال الإلحاد، والفساد الأخلاقي إلى درجة الشذوذ، والفردية أصبحت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وأنانية مقيتة، والديمقراطية رفعت أصحاب رؤوس الأموال، وجعلتهم يتحكمون في المجتمع بأموالهم.
رابعا: أن أي صفة إيجابية في مذهب باطل فإنها موجودة في دين الإسلام بأحسن وأكمل وأنقى من النقص من غيره، وهذا من كمال الدين وتمامه المنصوص عليه في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣]، وفي قوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:٩]، وقوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨]، وغيرها فلا نحتاج إلى أن ننقل من المناهج والمذاهب المنحرفة بحجة وجود إيجابيات فيها، فلا خير إلا وقد دلنا له الإسلام ولا شر إلا حذرنا منه، فكل خير موجود في الإسلام دون أي شائبة.
الشبهة الرابعة: قول بعضهم: سنقيد الليبرالية بقيود الشرع!
فلا نقبل منها أي أمر يخالف شريعة الإسلام، حيث نؤقلمها مع عقيدتنا وظروفنا. والجواب: قد قيل مثل هذا ممن أراد الترويج للديمقراطية؛ مدعيا أنه لن يقبل بالتصويت على أمر مخالف للإسلام، وأنه .. وأنه .. إلى آخر القيود، فقيل لها: إذا قيدتها بهذه الأمور فلا تسميها " ديمقراطية "؛ لأنها لن تكون كذلك! سمها إسلاما، ودع هذا التلاعب. ومثل هذا يقال لمن أراد أن يقيد الليبرالية بقيود الشرع؛ لأنها ستكون شيئا آخر غير الليبرالية. والله الهادي.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٥٧ - ١٧٢
стр. 248
تمهيد
الديمقراطية مذهب من المذاهب الضالة الخداعة التي أنتجتها العقلية الأوربية في التفافها على الكنيسة وديانتها الزائفة والديمقراطية اسم جذاب – إذ يقصدون به العدالة والحرية في الظاهر مما جعل كثيرا من المسلمين ومن غيرهم يتأثرون بدعاية المذهب ظانين أنها تحمل تحت هذا الاسم ما يوحي بظاهره – ولم يعلموا أنها تسمية سراب – وأن المستفيدين منها هم الطبقات العليا طبقة الحكام والأثرياء الذين هم نسخة عن الإقطاعيين في الزمن القديم، أو من لهم غرض في محاربة الأديان وخصوصا الإسلام.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٥٥
стр. 249
أولا: معنى الديمقراطية ونشأتها الديمقراطية كلمة يونانية (١) في أصلها ومعناها سلطة الشعب والمقصود بها بزعمهم حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق اختيار الشعب لحكامه وهي الكذبة التي كان يرددها النظام الشيوعي.
ويذكر الباحثون أن أول من مارس هذه النظرية هم الإغريق في مدينتي أثينا وأسبرطة ولكنها ارتبطت في الغرب بالنظام السياسي والاقتصادي بخلاف نشأتها عند الإغريق وكانت طريقتهم تتمثل في أنهم كانوا يشكلون حكومة من جميع رجال المدينة وأطلقوا عليها اسم (حكومة المدينة) حيث يجتمع رجال المدينة لبحث كل أمورهم ينتخبون لهم حاكما ويصدرون القوانين في كل قضية تعرض عليهم ويتخذون لها حلا يكون حاسما ويشرفون جميعهم على تنفيذه بكل دقة وحزم واستمروا على هذه الصورة الفريدة إلى أن انتهت حكومة المدينة في كل من أثينا وأسبرطة حينما غلبهم المد النصراني وبرز رجال الكنيسة وقد بقيت تلك الحكومة في ذاكرة الناس، ثم كان لطغيان رجال الكنيسة فيما بعد الأثر الحافز على الرغبة في العودة إلى تلك الحكومة الغابرة وظل أهل أوربا يتوقون إلى الخلاص من قبضة رجال الكنيسة تحت أي تيار يسوقهم علهم يجدون متنفسا من أوضاعهم المخزية تحت سلطة الإقطاع والنبلاء والأشراف من البابوات وكبار الملاك الظالمون لجميع طبقات الشعوب. ونجم عن كثرة الضغط الانفجار الذي تمثل في الثورة الفرنسية حيث أخذ زعماؤها في التفتيش عن مصدر يحل محل ذلك الحكم البغيض ولم يكن أيام حكم المدينة غائبا عن أذهانهم خصوصا وقد اتصل كثير من الأوربيين بالمسلمين وتفهموا كثيرا من تصورات المسلمين ونظامهم الإلهي العادل الذي منعهم من الانقياد له حقدهم الشديد على الدين والمتدينين ثم رغبتهم في الانفلات من كل قيد وغير ذلك فوقع اختيارهم على ذلك الماضي الجاهلي الإغريقي ونادوا بتجديده والسير على نهجه كي يبعدهم عن شبح البابوات والأباطرة والإقطاعيين ومن جاء بعدهم من الجشعين الرأسماليين فاتخذوه شعارا – بغض النظر عن تحقيقه – يحاربون تحته ومع طموح الشعوب إلى تحقيق هذا الحلك فقد وجد الدعاة له من المشقة والتنكيل والسجن على أيدي أصحاب السلطة المستأثرين بها وعلى أيدي البابوات والوجهاء الأثرياء في ذلك الوقت ما لا يوصف وهو أمر بديهي إلا أن دعاة تلك الديمقراطية لم يضعف عزمهم ولم تخنهم شجاعتهم فكانوا كما قيل:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلج
وتم لهم بعد الكفاح المرير الوصول إلى كراسي السلطة وإخضاع أمراء الإقطاع والمستأثرين بالسلطة إلى الرضوخ للأمر الواقع وزحزحت البساط من تحت أقدام البابوات أصحاب الحق الإلهي المقدس بزعمهم ومن تحت أمراء الإقطاع الذين كانوا لا يسألون عما فعلوا والناس يسألون، وصدق الله تعالى حينما قال: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:١٤٠]. وابتلى الله الظالمين بعضهم ببعض ولا يزال بأسهم بينهم شديدا وقلوبهم شتى.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٦١
стр. 250
ثانيا: الحكم على الديمقراطية
أما منزلتها في الإسلام: فقد ظهر أن بعض المنخدعين بها قد تصور أنه لا فرق بين الديمقراطية وبين الإسلام بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام ولا شك أن من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحا لا خفاء فيه والقائل بعدم الفرق إما أن يكون جاهلا أو مخادعا أو ملحدا مغالطا ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولابد أن يحصل الاختلاف بكل بساطة ووضوح حلول الإسلام دائمة وعامة وحلول الديمقراطية مؤقتة ولمصالح. كما أن تعاليم الإسلام جاءت من رب العالمين عالم الغيب والشهادة بينما تعاليم الديمقراطية لم تقم إلا بتجارب البشر وبالاحتجاجات ضد طغيان السلطات الرأسمالية وقبلها الإقطاع وبالمظاهرات الصاخبة والاضطرابات المتوالية إلى أن ترقوا بمفهوم الديمقراطية إلى ما وصلوا إليه في ظاهر الأمر بينما الأمر في الإسلام يختلف تماما ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى سلوك مثل تلك المهامة ولا يحتاجون إلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة وفي غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي وفي أتم ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يطالب بها غيره ومن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية كما أن تعاليم الإسلام تجعل المرء يشعر ويحسن بمسئوليته أمام الله تعالى وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى التي لا تصل إليها أي قوة غير قوة مراقبة الله تعالى التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه ومعاملته لإخوانه المسلمين بل ومع غير المسلمين في تنظيم بديع لن يصل إليه بل ولن يقاربه أي تنظيم بشري هو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه وسلوك ينتج عن غيره فما من شخص يزعم أن الديمقراطية هي التي تحقق السعادة للشعوب أو أنها أرحم من التعاليم الربانية ما من شخص يزعم ذلك إلا وتجده إما جاهلا جهلا مركبا وإما ملحدا لا يعرف عن حقيقة الإسلام شيئا أو مخدوعا بشعارات الديمقراطية البراقة لم يتعظ بما يشاهده من حال بلدان دعاة الديمقراطية، كما نجد كذلك أن تعاليم الإسلام لا تجيز الفصل بين الدين والدولة بل الدين الإسلامي هو الشامل والمهيمن على كل أمور الحياة وما لم تصدر عنه فإنها تعتبر من الضلال ومن اتخاذ البشر بعضهم بعضها أربابا من دون الله تعالى بينما تعاليم الديمقراطية قائمة على الفصل بينهما فرجال الدين مهمتهم تنحصر في أماكن العبادة والمواعظ الدينية ونحو ذلك ورجال الدنيا لا حد لمهماتهم فهم المشرعون والمنفذون ومعنى هذا أن الإسلام والديمقراطية الغربية ضدان هنا فأين التوافق الذي يدعيه المغالطون.