أولا: إن العلمانية (وهي الفصل بين الدين والحياة) نشأت بصفتها رد فعل للتصرفات التعسفية التي ارتكبتها الكنيسة.
ثانيا: انتشرت العلمانية في ديار الإسلامية بقوة الاستعمار وأعوانه، وتأثير الاستشراق، فأدت إلى تفكك في الأمة الإسلامية، وتشكيك في العقيدة الصحيحة، وتشويه تاريخ أمتنا الناصع وإيهام الجيل بأن هناك تناقضا بين العقل والنصوص الشرعية، وعملت على إحلال النظم الوضعية محل الشريعة الغراء، والترويج للإباحية، والتحلل الخلقي، وانهيار القيم السامية.
ثالثا: انبثقت عن العلمانية معظم الأفكار الهدامة التي غزت بلادنا تحت مسميات مختلفة كالعنصرية، والشيوعية والصهيونية والماسونية وغيرها، مما أدى إلى ضياع ثروات الأمة، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وساعدت على احتلال بعض ديارنا مثل فلسطين والقدس، مما يدل على فشلها في تحقيق أي خير لهذه الأمة.
رابعا: إن العلمانية نظام وضعي يقوم على أساس من الإلحاد يناقض الإسلام في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونية العالمية والدعوات الإباحية والهدامة، ولهذا فهي مذهب إلحادي يأباه الله ورسوله والمؤمنون.
خامسا: إن الإسلام هو دين ودولة ومنهج حياة متكامل، وهو الصالح لكل زمان ومكان، ولا يقر فصل الدين عن الحياة، وإنما يوجب أن تصدر جميع الأحكام منه، وصبغ الحياة العلمية الفعلية بصبغة الإسلام، سواء في السياسة أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو التربية، أو الإعلام وغيرها.
التوصيات:
يوصي المجمع بما يلي:
على ولاة أمر المسلمين صد أساليب العلمانية عن المسلمين وعن بلاده، وأخذ التدابير اللازمة لوقايتهم منها.
على العلماء نشر جهودهم الدعوية بكشف العلمانية، والتحذير منها.
ج – وضع خطة تربوية إسلامية شاملة في المدارس والجامعات، ومراكز البحوث وشبكات المعلومات من أجل صياغة واحدة، وخطاب تربوي واحد، وضرورة الاهتمام بإحياء رسالة المسجد، والعناية بالخطابة والوعظ والإرشاد، وتأهيل القائمين عليها تأهيلا يستجيب لمقتضيات العصر، والرد على الشبهات، والحفاظ على مقاصد الشريعة الغراء." وفي السياق نفسه فقد أصدر مجلس علماء إندونيسيا فتوى بكفر الليبرالية (١)، ونصت الفتوى التي صدرت في ختام مؤتمر المجلس السابع على أن " التعاليم الدينية المتأثرة بالأفكار العلمانية والليبرالية هي تعاليم منافية لحقيقة الدين الإسلامي، وعلى المسلم أن يعتقد أن دين الإسلام هو الدين الحق، وأن ما سواه هو الباطل" (٢).
الشبهة الثانية: أن الليبرالية مجرد آلة وليست عقيدة:
هذه الشبهة تقوم على أن الليبرالية ليست عقيدة يمكن أن توصف بالإيمان أو الكفر، وإنما هي مجرد آلة عصرية يمكن الاستفادة منها لتحديث المجتمع وتطويره.
ويبدو على هذه الشبهة أسلوب المخادعة، والهروب من الحقيقة، فإن من يدرس الليبرالية يتبين له أنها عقيدة فكرية متكاملة، وفلسفة مادية إلحادية، فدعوى أنها مجرد آلة هي هروب مما تتضمنه الليبرالية من مناقضة لأحوال الإسلام، وهذه الدعوى لا يوافق عليها أحد من مفكري الليبرالية المعروفين. وإذا كان بعض الليبراليين يخادع نفسه بادعاء أن الليبرالية مجرد آلية فإن منهم من يصرح بأنها منهج للحياة كما فعل الدكتور محمد الرميحي في قوله: " ومع أن الليبرالية هي مفهوم فلسفي، وطريقة تفكير وموقف من الحياة أكثر منها آلية محددة للحكم، فإن الديمقراطية في معناها الشامل هي النتيجة الطبيعية للفكر الليبرالي " (٣).
стр. 247
وقد تقدم الكلام على حقيقة الليبرالية وأسسها الفكرية، وبه يتبين أن الليبرالية منظومة فكرية متكاملة، وعقيدة سياسية واقتصادية محددة، وليست مجرد آلة كما يزعم البعض.
الشبهة الثالثة: أن الليبرالية تشتمل على بعض الإيجابيات:
وترى هذه الشبهة أن الليبرالية مشتملة على أمور إيجابية مثل إكرام الإنسان، وعدم إهدار حقوقه، وشحذ الدافع الذاتي (الفردية) للإنسان مما ولد المنافسة القوية بين الشركات الكبرى بحيث توصلت من خلال هذه المنافسة إلى تحريك الاقتصاد، واكتشاف المخترعات الحديثة المفيدة للإنسان، هذا بالإضافة إلى المشاركة السياسية، والحرية في مؤسسات المجتمع، والصحافة، وتكوين الأحزاب والمعارضة وغيرها، ولا يمكن أن يكون هذا معارض للإسلام.
ويمكن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه عدة:
أولا: أن وجود بعض الإيجابيات لا يدل على صحة هذا المذهب أو ذاك، لأنه ما من فكر باطل أو بدعة مخترعة إلا ويوجد فيها شيء من الحق كما قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران:٧١]، فلا يكاد يوجد مذهب إلا وهو مشتمل على بعض الإيجابيات، ولكن ذلك لا يستلزم الصحة كما قال تعالى عن يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا [البقرة:٢١٩].
ثانيا: أن سلبيات الليبرالية ومساوئها أكثر، وأعظمها الكفر والشرك بالله تعالى، والأثرة، واتباع الهوى، والظلم للفقراء والطبقات المتدنية، والحروب، والاحتلال وغيرها.
ثالثا: أن إيجابيات الليبرالية لا تخلو من جوانب سلبية، لأنها حريات مفتوحة غير منضبطة فحقوق الإنسان فتح مجال الإلحاد، والفساد الأخلاقي إلى درجة الشذوذ، والفردية أصبحت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وأنانية مقيتة، والديمقراطية رفعت أصحاب رؤوس الأموال، وجعلتهم يتحكمون في المجتمع بأموالهم.
رابعا: أن أي صفة إيجابية في مذهب باطل فإنها موجودة في دين الإسلام بأحسن وأكمل وأنقى من النقص من غيره، وهذا من كمال الدين وتمامه المنصوص عليه في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣]، وفي قوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:٩]، وقوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨]، وغيرها فلا نحتاج إلى أن ننقل من المناهج والمذاهب المنحرفة بحجة وجود إيجابيات فيها، فلا خير إلا وقد دلنا له الإسلام ولا شر إلا حذرنا منه، فكل خير موجود في الإسلام دون أي شائبة.
الشبهة الرابعة: قول بعضهم: سنقيد الليبرالية بقيود الشرع!
فلا نقبل منها أي أمر يخالف شريعة الإسلام، حيث نؤقلمها مع عقيدتنا وظروفنا. والجواب: قد قيل مثل هذا ممن أراد الترويج للديمقراطية؛ مدعيا أنه لن يقبل بالتصويت على أمر مخالف للإسلام، وأنه .. وأنه .. إلى آخر القيود، فقيل لها: إذا قيدتها بهذه الأمور فلا تسميها " ديمقراطية "؛ لأنها لن تكون كذلك! سمها إسلاما، ودع هذا التلاعب. ومثل هذا يقال لمن أراد أن يقيد الليبرالية بقيود الشرع؛ لأنها ستكون شيئا آخر غير الليبرالية. والله الهادي.
المصدر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها لسليمان الخراشي ص١٥٧ - ١٧٢
стр. 248
تمهيد
الديمقراطية مذهب من المذاهب الضالة الخداعة التي أنتجتها العقلية الأوربية في التفافها على الكنيسة وديانتها الزائفة والديمقراطية اسم جذاب – إذ يقصدون به العدالة والحرية في الظاهر مما جعل كثيرا من المسلمين ومن غيرهم يتأثرون بدعاية المذهب ظانين أنها تحمل تحت هذا الاسم ما يوحي بظاهره – ولم يعلموا أنها تسمية سراب – وأن المستفيدين منها هم الطبقات العليا طبقة الحكام والأثرياء الذين هم نسخة عن الإقطاعيين في الزمن القديم، أو من لهم غرض في محاربة الأديان وخصوصا الإسلام.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٥٥
стр. 249
أولا: معنى الديمقراطية ونشأتها الديمقراطية كلمة يونانية (١) في أصلها ومعناها سلطة الشعب والمقصود بها بزعمهم حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق اختيار الشعب لحكامه وهي الكذبة التي كان يرددها النظام الشيوعي.
ويذكر الباحثون أن أول من مارس هذه النظرية هم الإغريق في مدينتي أثينا وأسبرطة ولكنها ارتبطت في الغرب بالنظام السياسي والاقتصادي بخلاف نشأتها عند الإغريق وكانت طريقتهم تتمثل في أنهم كانوا يشكلون حكومة من جميع رجال المدينة وأطلقوا عليها اسم (حكومة المدينة) حيث يجتمع رجال المدينة لبحث كل أمورهم ينتخبون لهم حاكما ويصدرون القوانين في كل قضية تعرض عليهم ويتخذون لها حلا يكون حاسما ويشرفون جميعهم على تنفيذه بكل دقة وحزم واستمروا على هذه الصورة الفريدة إلى أن انتهت حكومة المدينة في كل من أثينا وأسبرطة حينما غلبهم المد النصراني وبرز رجال الكنيسة وقد بقيت تلك الحكومة في ذاكرة الناس، ثم كان لطغيان رجال الكنيسة فيما بعد الأثر الحافز على الرغبة في العودة إلى تلك الحكومة الغابرة وظل أهل أوربا يتوقون إلى الخلاص من قبضة رجال الكنيسة تحت أي تيار يسوقهم علهم يجدون متنفسا من أوضاعهم المخزية تحت سلطة الإقطاع والنبلاء والأشراف من البابوات وكبار الملاك الظالمون لجميع طبقات الشعوب. ونجم عن كثرة الضغط الانفجار الذي تمثل في الثورة الفرنسية حيث أخذ زعماؤها في التفتيش عن مصدر يحل محل ذلك الحكم البغيض ولم يكن أيام حكم المدينة غائبا عن أذهانهم خصوصا وقد اتصل كثير من الأوربيين بالمسلمين وتفهموا كثيرا من تصورات المسلمين ونظامهم الإلهي العادل الذي منعهم من الانقياد له حقدهم الشديد على الدين والمتدينين ثم رغبتهم في الانفلات من كل قيد وغير ذلك فوقع اختيارهم على ذلك الماضي الجاهلي الإغريقي ونادوا بتجديده والسير على نهجه كي يبعدهم عن شبح البابوات والأباطرة والإقطاعيين ومن جاء بعدهم من الجشعين الرأسماليين فاتخذوه شعارا – بغض النظر عن تحقيقه – يحاربون تحته ومع طموح الشعوب إلى تحقيق هذا الحلك فقد وجد الدعاة له من المشقة والتنكيل والسجن على أيدي أصحاب السلطة المستأثرين بها وعلى أيدي البابوات والوجهاء الأثرياء في ذلك الوقت ما لا يوصف وهو أمر بديهي إلا أن دعاة تلك الديمقراطية لم يضعف عزمهم ولم تخنهم شجاعتهم فكانوا كما قيل:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلج
وتم لهم بعد الكفاح المرير الوصول إلى كراسي السلطة وإخضاع أمراء الإقطاع والمستأثرين بالسلطة إلى الرضوخ للأمر الواقع وزحزحت البساط من تحت أقدام البابوات أصحاب الحق الإلهي المقدس بزعمهم ومن تحت أمراء الإقطاع الذين كانوا لا يسألون عما فعلوا والناس يسألون، وصدق الله تعالى حينما قال: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:١٤٠]. وابتلى الله الظالمين بعضهم ببعض ولا يزال بأسهم بينهم شديدا وقلوبهم شتى.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٦١
стр. 250
ثانيا: الحكم على الديمقراطية
أما منزلتها في الإسلام: فقد ظهر أن بعض المنخدعين بها قد تصور أنه لا فرق بين الديمقراطية وبين الإسلام بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام ولا شك أن من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحا لا خفاء فيه والقائل بعدم الفرق إما أن يكون جاهلا أو مخادعا أو ملحدا مغالطا ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولابد أن يحصل الاختلاف بكل بساطة ووضوح حلول الإسلام دائمة وعامة وحلول الديمقراطية مؤقتة ولمصالح. كما أن تعاليم الإسلام جاءت من رب العالمين عالم الغيب والشهادة بينما تعاليم الديمقراطية لم تقم إلا بتجارب البشر وبالاحتجاجات ضد طغيان السلطات الرأسمالية وقبلها الإقطاع وبالمظاهرات الصاخبة والاضطرابات المتوالية إلى أن ترقوا بمفهوم الديمقراطية إلى ما وصلوا إليه في ظاهر الأمر بينما الأمر في الإسلام يختلف تماما ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى سلوك مثل تلك المهامة ولا يحتاجون إلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة وفي غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي وفي أتم ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يطالب بها غيره ومن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية كما أن تعاليم الإسلام تجعل المرء يشعر ويحسن بمسئوليته أمام الله تعالى وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى التي لا تصل إليها أي قوة غير قوة مراقبة الله تعالى التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه ومعاملته لإخوانه المسلمين بل ومع غير المسلمين في تنظيم بديع لن يصل إليه بل ولن يقاربه أي تنظيم بشري هو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه وسلوك ينتج عن غيره فما من شخص يزعم أن الديمقراطية هي التي تحقق السعادة للشعوب أو أنها أرحم من التعاليم الربانية ما من شخص يزعم ذلك إلا وتجده إما جاهلا جهلا مركبا وإما ملحدا لا يعرف عن حقيقة الإسلام شيئا أو مخدوعا بشعارات الديمقراطية البراقة لم يتعظ بما يشاهده من حال بلدان دعاة الديمقراطية، كما نجد كذلك أن تعاليم الإسلام لا تجيز الفصل بين الدين والدولة بل الدين الإسلامي هو الشامل والمهيمن على كل أمور الحياة وما لم تصدر عنه فإنها تعتبر من الضلال ومن اتخاذ البشر بعضهم بعضها أربابا من دون الله تعالى بينما تعاليم الديمقراطية قائمة على الفصل بينهما فرجال الدين مهمتهم تنحصر في أماكن العبادة والمواعظ الدينية ونحو ذلك ورجال الدنيا لا حد لمهماتهم فهم المشرعون والمنفذون ومعنى هذا أن الإسلام والديمقراطية الغربية ضدان هنا فأين التوافق الذي يدعيه المغالطون.
стр. 251
كما أن الديمقراطية لا تعتمد الحكم بما أنزل الله وتنفر منه لأنها في الغرب قامت من أول يوم على محاربة الأديان وكل شيء فيها يتصل بها وأن الحكم فيها يجب أن يتم على تشريع الشعوب والبرلمانات ورؤساء الدول وقوانينهم مقدمة على الحكم بما أنزل الله تعالى بينما الإسلام يعتبر هذا خروجا عن الدين وكفرا ومحادة لله وردا لشرعه خصوصا ممن يعلم بهذا الحق ولكنه يرفضه ويفضل حكم الجاهلية عليه كما أن في الديمقراطية الوصول للحكم مشاع لكل أحد ومن حق المرأة أن تصل إلى القضاء والتمثل الدبلوماسي والجندية والرئاسة وغير ذلك بينما الإسلام يجعل الشخص المناسب في المكان المناسب فجعل للرجال مجالات وجعل للنساء مجالات أخرى تتناسبها ولهذا فإننا نجده لم يجز للمرأة أن تتولى الإمامة العظمى لأمور كثيرة تذكر في كتب العلم ولا يجوز لها مزاحمة الرجال في حق الانتخابات.
- في الديمقراطية لا حرج في أن يتولى الحكم أفسق الفاسقين وأكفر الناس لا حرج أن يتولى الحكم على المسلمين وغيرهم ما دام قد فاز – كما يصفون - في الانتخابات بينما الإسلام لا يبيح للكافر أن يحكم المسلم أو يشاركه في الحكم ولا يجيز كذلك للمسلمين أن يولوا ابتداءا شخصا معروفا بالفسق والفجور بل عليهم أن يختاروا أصلح الموجودين وأن يجتهدوا في ذلك ما أمكن.
- في الديمقراطية الشورى تتم عن مشاورة عامة الشعب دون تخصيص أهل الرأي والعلم فتحصل فوضى وتدخلات الأهواء ويصبح الحق ما نادت به الأكثرين خيرا كان أم شرا، بينما الشورى في الإسلام تعتمد على مجموعة هم أفاضل الناس وفقهائهم – كما سيأتي تفصيل هذا.
- في الديمقراطية لا حدود أخلاقية لحرية الفرد والجماعة ولا مكان للفضيلة ولا حاجز عن الفواحش وسوء المعاملات والكفر الصريح في الديمقراطية تحت مسميات عديدة حرية الكلمة الحرية الشخصية، حرية الفكر، حرية التملك، حرية التدين ... الخ.
بينما الإسلام يجعل للحرية طريقا واضحا يحقق مصلحة الفرد والمجتمع في آن واحد بحيث لا تختلط الحريات الفوضوية الظالمة بالحرية الحقيقية التي تحقق مصلحة الجميع وتؤلف بين القلوب.
في الديمقراطية الحث على تفرق الناس وقيام الأحزاب المختلفة ومعارضة بعضهم بعضا ونشوب المكائد بعد ذلك واحتقار وسب بعضهم بعضا وصار مثلهم كمثل اليهود والنصارى فيما أخبر الله عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:١١٣].
فإن كل حزب يهون شأن الحزب الآخر ولا يهتم كل حزب إلا بكيف يكسب أصوات الناخبين ومن هنا تكثر الوعود الكاذبة والتنجيح بكثرة الإنجازات التي ستتم حينما يتولى الحكم فلان. بينما الإسلام لا يأمر بذلك بل ينهى عن التفرق والكذب والخداع ويأمر بالحب في الله والبغض فيه والعمل لمصلحة الإنسان لنفسه وبغيره واحتساب الأجر عند الله في تحمل المسئولية وفي أدائها ما تفتقده الديمقراطية الغربية.
هل المسلمون في حاجة إلى الديمقراطية الغربية؟
стр. 252
إن الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير من قبل أي مسلم لم تدنس فطرته الشبهات. لقد قامت الحياة في الدول الغربية على المناداة بالديمقراطية سلوكا ومنهجا في كل شؤون حياتهم وصار كل سياسي يتباهى بتطبيقها والرغبة في تصديرها والواقع أنه قد يكون للغرب ما يبرر كل هذا السلوك لأنهم ليسوا على شيء فلم يعرفوا من النظم إلا هذا النظام الذي اكتشفوه وفرحوا به لعدم معرفتهم بما هو أفضل منه وهو الشرع الحنيف الذي أكمله الله ورضيه لنفسه ولعباده دينا وسلوكا، وإذا كان للغرب والنظم الجاهلية ما يبرر هذا السلوك فإنه لا مبرر لانسياق الكثير من النظم الإسلامية ومن بعض المفكرين من المسلمين إلى اتباع أولئك بعد أن من الله عليهم بأفضل دين وأكمله وأفضل نظام اجتماعي وأعد له أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠]، وإحكامه غاية العدل فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥]. يتركون هذا المعنى الفياض ثم ينساقون إلى نظام ثبت فشله ويتركون نظاما صالحا إلى يوم القيامة مضى عليه سلفهم فكانوا مصابيح الدجى ومشارق الأنوار.
стр. 253
إن الشرع الإسلامي يستهوي بعدله ورحمته وشموله حتى أعداء الإسلام فإذا بهم ينساقون إليه مذعنين بل ويصبحون من جنوده البواسل حينما قارنوا بين ما جاء في الإسلام وبين النظم الجاهلية التي تقود البشر من شقاء إلى شقاء لأنها من صنع البشر الذين قصرت أفهامهم والتبست عليهم الأمور وهؤلاء حجة على أولئك الهاربين إلى الديمقراطية دون أن يعلموا شيئا عن الإسلام وعن تعاليمه الشاملة لقد انبهر الكثير من المسلمين ببريق الحضارة الغربية وصناعاتها المادية فظنوا أن ذلك إنما هو بسبب ما عندهم من الأنظمة ولم يفطنوا إلى أن سبب ذلك إنما يعود إلى نشاط الغرب وشحذ هممهم وإصرارهم على اكتشاف خيرات الأرض والاستفادة منها وطرقهم لآلاف التجارب دون كلل أو ملل مهما واجهتهم من المصاعب كلما فشلوا في تجربة صناعية زادهم ذلك إصرارا على إعادة الكرة والله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى فأعطاهم الله من الدنيا على قدر عزمهم بينما المنتظرون من المسلمين للحضارة الغربية يغطون في سباتهم، فلما أفاقوا على هدير مصانع الغرب وإنتاجهم ألقوا باللائمة على الإسلام ظلما وزورا وظنوا أن هذا التبرير يبقى على ماء وجوههم فإذا بهم لا ظهرا أبقوا ولا أرضا قطعوا فلا هم بقوا على إسلامهم وتلافوا أخطاءهم، ولا هم لحقوا بالدول الغربية في إنتاجها المادي. وكان يجب عليهم أن يعرفوا أن الإسلام الذي عاش عليه ملايين البشر في القرون الغابرة على أحسن حال وأعدل نظام لا يزال كذلك على مر الدهور عاش عليه البشر قبل أن يظهر قرن الديمقراطية التي يريدون إحلالها محله والتي قامت من أول أمرها على محاربة الدين وخداع الجماهير للوصول إلى الحكم بأي ثمن يكون واعتبار ذلك فوزا أو مغنما بينما الإسلام لا يجيز الخداع ولا النفاق ولا يجيز الاحتيال على الناس وابتزازهم لا في دينهم ولا في دنياهم بل يعتبر الوصول إلى سدة الحكم أمانة عظيمة حملها ثقيل ومزالقها خطيرة ولا يعتبر الوصول إليه فوزا كما نسمعه في تطالب الديمقراطيين للوصول إلى الحكم فتذكر أخي القارئ ما قاله أبو بكر ﵁ حينما ولي الخلافة: " لقد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن اعوججت فقوموني"، وكان عمر دائم التأوه من حمل ثقل الخلافة وكان أسلافنا من أعلام الإسلام يفر أحدهم من أخذ الحكم كما يفر أحدنا من الأسد أو أشد لا جهلا به ولا خوفا من مشقته إنما هو الخوف من الله أن يقع فيما لا يوافق الحق فإذا تم انتخاب الخليفة أسدوا إليه النصيحة وآزروه راضين مطمئنين بحكمه لا يجوزون عصيانه ولا الخروج عليه ولا تشكيل حزب معارض له ما دام يشهد الشهادتين ويطبق أحكام الإسلام حتى وإن كانت له معاصي وكبائر فهو محل طاعتهم وأمره إلى الله مع محاولتهم بيان الحق وإسداء النصيحة له.
حتى إذا جاءت الديمقراطية فإذا بأقطابها يتهارشون عليها ويخادعون الناس وينافقون ويعدون بما لا يفعلون – وإذا بالناس غير الناس والقلوب غير القلوب – وكأن حال الإسلام والمسلمين يقول:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلاً ... هشوا إليَّ ورحبوا بالمقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في المنزل
стр. 254
إن الحاكم في الإسلام مؤتمن على مصالح المسلمين وليس له أكثر من كونه منفذا لا مشرعا لأن التشريع إنما هو لله وبذا يضمن الحاكم والمحكوم على حد سواء الخوف من الوقوف في الجور أو انتشار الفساد وتفكك المجتمع والفرقة التي تنشأ في الغالب من البعد عن هدي الله وهدي نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وهذا بخلال الديمقراطية التي يكون الحاكم فيها مشرعا من دون الله تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:٤٠].
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:٥٩].
فإذا طبق الشعب والحاكم هذه المفاهيم كانوا صخرة قوية تتحطم عليها كل آمال الحاقدين وأعداء الملة وعاشوا في سعادة ووئام كأنهم أسرة واحدة.
(قال ابن القيم ﵀: (فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ ، أتم دلاله وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة، والغذاء، والدواء، والنور، والشفاء، والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود، فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطي العالم، رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة). إذا تبيّن هذا، فليُعلم أنّ ما يُسمى (الديمقراطية) بمعناها الذي أراده مخترعوها، والدعاة إليها ـ فقد يُراد بإطلاقها جهلا أنها ما يُضاد الإستبداد فحسب ـ هي أعظم مناقضٍ للشريعة، والداعون إليها، هم الدعاة إلى أبواب جهنم، لأنهم هم الداعون إلى رفض الحكم بما أنزل الله تعالى، المبتغون حكم الجاهلية، ذلك أن الديمقراطية تعني اتخاذ أحكام البشر بإعتبار أصوات غالب ممثليهم، شريعة بديلة عن شريعة الله تعالى، مهيمنة بأحكامها على الأقوال، والأفعال، والأفكار، وجميع السلوك الإنساني، والعلاقات الدولية الداخلية، والخارجية، لها أنْ تحلّ ما حرّم الله، وتحرّم ما أحلّ الله تعالى.
فهي أمّ القوانين التي تخلقها إفكا، وهي منبع الطواغيت التي تحدثها باطلا، وهي مصنع الجاهلية المعاصرة التي تصدّ عن سبيل الله تعالى، وتحارب شريعته.
ومعلوم أن سدنة هذا الدين الجديد، يقولون إنّه لا يُحكم على السلوك الإنساني منفردا أومجتمعا في صورة دولة، بأنه صواب أو خطأ، فيكون جريمة، أم سلوكا مباحا، إلاّ بقانون، ولابد للقانون من مشرِّع يشرّعه، ومصدر يُحدثه، ويُنشئه:
فإمّا إن يكون مصدره من غير البشر، وهو الله تعالى، عند أتباع الرسل.
وإما أن يكون من البشر، وهذا الأخير لا يخلو:
стр. 255
إمّا أن يكون من حاكم مستبد، يفصل في الأمور برأيه، ويقضي فيها بحكمه وهذه هي الدكتاتورية التي ثارت عليها الشعوب في القرن الماضي، حتى ساد المذهب الثالث.
وهو أن يكون مصدر التشريع هو حكم الأغلبيّة بحسب العدّ المحض، الذي يعدّ الرؤوس ولا يزنها، فيجعل العاقل الحكيم المصلح، مساويا للجاهل الأحمق المفسد، والمؤمن الصالح الأمين، مكافئا للكافر الفاسق الخائن، وسيد القوم الشريف سديد الرأي، معادلا للمرأة التي ربما تكون عاهرة ..
فكلهم سواء في ميزان هذا الدين الجديد، فتُعدّ أصواتهم عدّا فحسب، ثم يُعرف بأكثر العدّ، الشرعُ الذي يجب أن يسيروا عليه، والنهج الذي يهديهم سواء السبيل!
ولئن قال قائل إن هذا الحمق، والجهل، والضلال المبين، لا يمكن أن يتواطأ عليه العقلاء، لأنه يعرف بالبداهة فساده، ويتبين بمنطق الأمور مناقضته للعقل الصريح.
فالجواب أنهم علموا أنّه لا فرق ـ في الحقيقة ـ بين هذا الدين الجديد، وما قبله، لأنّ فئة قليلة قادرة على التأثير على الغالب بالترغيب والترهيب، ستسيطر على عدد الأصوات، فيصير التشريع بأيديهم، علموا ذلك، غير أنهم وجدوا أنّ إبقاء اللعبة التي تُسمّى الديمقراطية، في ظاهرها تخدع الشعوب، وتخدّرهم يوم التصويت، أنفع لهم من المجاهرة بأنهم مستبدون، يبتغون الاستيلاء والهيمنة بشعارات خداعة.
وهذا يُشبه ـ من وجه ـ ما يسمى الشركات المساهمة، حيث يظنّ المساهمون أنهم تّجار بما يملكون من أسهم في الشركات، بينما يتحكم في الشركات الكبار الذين يخدرونهم بتلك الخدعة، حتى يملكوا أموالهم، كما ملكت تلك الخدعة المسماة الديمقراطية عقولهم وإرادتهم، ولهذا قال أحد المفكّرين الغربيين: إنّ أكبر كذبتين في التاريخ هما الديمقراطية، والشركات المساهمة!
ولهذا كان ما فيهما من الفساد العام، ومحق البركة من المجتمعات ما فيهما.
والمقصود أنّ سدنة هذا الصنم قالوا: إنّ التشريعات التي تنتج عن حكم الأغلبيّة، مقدمة على كلّ حكم آخر حتى شريعة الله تعالى، وأنها ملزمة للشعوب، فهي شريعة كاملة، وأحكام نافذة، والخارج عليها مجرم، والمتمرد عليها خائن، والساعي في تعطيلها مرتد يحكم عليه أحيانا بالإعدام، أو الحبس المؤبد، أوالنكال الشديد، ثم جعلوا لهذا الدين خبراء يطوّرونه، أطلقوا عليهم اسم (فقهاء القانون) كما أطلقوا على آراءهم (الفتوى)، إمعانا في المضادة لشريعة الله تعالى واستبدالها بغيرها.
وبهذا يتبين أن هذه القوانين الوضعية، ترجع إلى أصل عقدي، هو دين الديمقراطية، تنبثق منها على أساس إعتقاد أنّ الحكم بين الناس، والتشريع لهم، لا يرجع فيه إلى الله تعالى خالق البشر بل إلى البشر أنفسهم.
المصدر: دليل العقول الحائرة في كشف المذاهب المعاصرة لحامد بن عبد الله العلي
стр. 256
ثالثا: أثر الديمقراطية على الأوربيين والحكم عليها
يتبين الحكم عليها من خلال جانبين هما
١ - الجانب الإيجابي على الأوربيين
فقد عرفت حال أهل أوربا حينما كان رجال الدين وزعماء الإقطاع هم المسيطرون، ومدى ما قاسته الشعوب على أيديهم من أنواع الظلم الفادح والغبن الفاحش. وأن أولئك الطغاة لم يستيقظوا إلا على هدير الجماهير الصاخبة المطالبة برفع تلك الأغلال والأثقال بعد أن أفاق أولئك البؤساء ورأوا أوضاعهم المتردية وأحوالهم المعيشية المخزية فثاروا على تلك الأوضاع – وهم على صواب في ذلك – غير ما أخذ عليهم من أنهم لم يتوجهوا الوجهة الصحيحة التي تضمن لهم الخروج النهائي عن حكم البشر بعضهم لبعض واتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله تعالى كما تبين من خلال الدراسة السابقة وقد عرفت أنهم أخذوا ينبشون عن أمجادهم السابقة علهم يجدون الخلاص فكان ذلك الخلاص هو العودة إلى الديمقراطية التي أماتها رجال الدين النصراني حينما كانت الغلبة لهم فكان أن استبدلوا بجاهليتهم القديمة جاهليتهم الحاضرة وتحت هذه الدعوى الخيالية – حكم الشعب نفسه بنفسه – بدءوا يرتبون لترقيتها وتطويرها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم بل واجتذبت إلى صفوفها أعدادا غفيرة بعضهم ما كان في حاجة إلى السير في ركابها كما كان الأوربيون في حاجة إليها حقيقة. وأن الأوربيين بدءوا في تنظيم حياتهم من نقطة الصفر كلما حققوا مكسبا تطلعوا إلى غيره ولا يأخذونه إلا بعد جهاد مرير وتلك المكاسب استخرجوها بقوتهم لم تمنحهم إياها الديمقراطية ابتداء كما يتصور البعض أن الديمقراطية مذهب نشأ في صورته الحالية وأنه لا ينقصه إلا التطبيق ومهما كان الأمر فإن ما وصلت إليه الشعوب الأوربية رغم نقصه يعتبر نصرا مؤزرا لهم وفاتحة طيبة للخلاص من حكم الإقطاع والبابوات الظالمين وبعض الشر أهون من بعض كما تقدم ذكره وما تقدم يمكن أن يعتبر جانبا إيجابيا في الديمقراطية بالنسبة للغرب رغم ما فيه من سلبيات.
٢ - الجانب السلبي على الأوربيين
فقد تبين من خلال الدراسة السابقة أن الديمقراطية تحمل في ظاهرها بريقا خلابا ولكن في حقيقتها هي عكس ذلك.
١ - أما بالنسبة لموقف السلطة وأصحاب الجاه والثراء فقد أتضح أن هؤلاء عرفوا كيف يحتالون على الشعوب ويوجهونهم لمصالحهم الخاصة قبل مصالح الشعوب الحقيقية بحيث يوهمون الشعوب أنهم حصلوا على كل ما كانوا يطالبون به وكان الرابح الحقيقي هم السلطة.
٢ - أما ما تحقق في ظل الديمقراطية من التشجيع على الفساد الأخلاقي تحت تسمية الحرية الشخصية وما تحقق لهم من الدعوة إلى الإلحاد تحت تسمية حرية الكلمة أو حرية الأديان فإنه لا يعتبر مكسبا حقيقيا بل الصحيح أنه خسارة فادحة وإن سموه مكسبا وهذا باعتراف عقلائهم.
٣ - ما تحقق من الابتعاد التام عن الالتزام بالدين أو التحاكم إليه إنما هو رجوع إلى الجاهلية التي يزعمون أن الإنسان البدائي كان يعيشها في حقبة ما قبل التاريخ كما يسمونها، فأي مكسب للشعب في رجوعه إلى تلك الحال.
٤ - ما تحقق كذلك من نسيان اليوم الآخر وما أخبر الله به من الثواب والعقاب وما حل محله من التكالب على المتع الرخيصة والسير بلهفة للوصول إلى الشهوات والزخارف الجذابة التي تنتجها مصانع الشرق والغرب إن هو إلا ضلال وعبادة للدنيا وإرجاع للإنسان إلى الحيوانية البهيمية.
стр. 257
٥ - ما تنادي به الديمقراطية من المبادئ البراقة ينقضه أنها لم تحقق للناس الألفة والمحبة والتراحم الذي جاءت به الشريعة الإسلامية فلا يزال السلب والنهب والاغتصاب وكثرة الجرائم هي السمة الظاهرة في الأنظمة التي تحكم بالديمقراطية فأين المكاسب في مثل هذه الأعمال، وأي أمن سيحصل في نظام من أبرز أسسه التي قام عليها تشريع البشر للبشر المتمثل في مجلس النواب وغيرهم من المشرعين من دون الله بقوانينهم التي تقوم على الهوى ومحادة الله فإن الديمقراطية قد كفلت لهم هذا الحق الذي أخذوه بغير حق والذي يعتبر من اتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله فأي مكسب للإنسان المكرم في ظل هذه الاتجاهات الباطلة وأي مكسب سيجنيه الشخص من قانون الحرية الشخصية التي أتاحت كل الفواحش وأنواع الإجرام تحت دعوى حرية الشعب، ومن الغريب أن تضمن الديمقراطية الحرية في كل شيء إلا حرية التمسك بالدين الإسلامي ولقد صدق المتظاهرون في بريطانيا حين خرجوا يصيحون في الشوارع " لا حرية عندنا إلا في الجنس " ذلك لأن السفور والزنا واللواط وشرب الخمور والتبجح بالكفر كلها أمور ضمنها قانون حرية الديمقراطية التي يتبجح بها الغرب والمعجبون بهم من الدول التي يسمونها (الدول النامية) أو على الأصح (النايمة) تظن أن تلك الجرائم مكاسب.
٦ - لم يتحقق في الديمقراطية تكريم الإنسان التكريم اللائق به وإنما تكريمه يتم حسب الأمزجة ومن خلال اعتبارات كثيرة بينما الإسلام يكرمه في كل أحواله سواء أكان فقيرا أم غنيا قبيحا أم جميلا وهذا هو المكسب الحقيقي الذي يجب أن يعض الإنسان عليه بالنواجذ فإن الإسلام يكرم الإنسان حيا وميتا يكرمه في حياته فلا يجوز الاعتداء عليه لا في ماله ولا في نفسه ولا في عرضه إلا بشروط ولا يجوز تعييره بذنب تاب منه ويكرمه وهو ميت فلا يجوز أخذ شيء منه ولا الاستهانة بقبره بل ولا يجوز مجرد الجلوس على قبره ولا أن يذكر بشر إلا لمصلحة راجحة ولا يجوز إخضاعه واستعباده إلا لربه سبحانه ولا أن ينفذ تشريع أحد من البشر لم يرد به تشريع من عند خالق البشر، بينما الديمقراطية قائمة على تشريع الناس بعضهم لبعض متمثلة في مجموعة من الناس يسمون شرعيين أو مجلس النواب أو البرلمان ثم يسمون ذلك لجهلهم مكاسب ديمقراطية.
٧ - ما تمدح به دعاة الديمقراطية من أنهم ضمنوا للشعوب حق التعبير عن الرأي مهما كان فإنه قد أتضح من التاريخ الأوربي أن هذا الاتجاه لم يتحقق بطريقة صحيحة إذ أنه لا يزال لأصحاب الجاه والحكم والثراء سيطرتهم المباشرة أو غير المباشرة على رأي تتخذه الجماهير، فلم يصفو المشرب لهذا المكسب كما يجب له أو كما يتصور البعض بدليل عدم جواز وصول المعارضة إلى المساس الحقيقي بمصالح السلطة الحاكمة كذلك فإن حق التعبير عن الرأي هل ينفذ للجماهير؟ ما أكثر ما يعبرون عن آراء ويتظاهرون من أجلها ويضربون عن العمل لتنفيذها ولكنها لا تنفذ لهم وهو ما نسمعه في كل يوم من إذاعاتهم وما نقرأه في صحفهم وهذا الأمر ليس بسر إضافة إلى أن حق التعبير إنما كان بتخطيط ماسوني لضرب عقائد من يسمونهم بالجوييم.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٩١
стр. 258
رابعا: الديمقراطية والشورى
المقصود بهذا العنوان هو تفصيل الأمر في قضية العلاقة بين النظام الديمقراطي وبين نظام الشورى في الإسلام. هل هما بمنزلة واحدة أم أنهما يختلفان اختلافا بعيدا أو قريبا؟ سنرى ذلك من خلال ما يلي:
أما الديمقراطية فقد تقدمت دراستها وتفصيل أمرها، وأما بالنسبة للشورى فإليك بيان أهم ما يتعلق بها ليتضح لك من خلاله معرفة الفرق بينهما.
معنى الشورى: تتلخص معاني الشورى في أنها محاولة إجماع الآراء حول القضايا المهمة ومعرفة الصحيح منها من مجموع تلك الآراء وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم في أكثر من موضع ولجوانب مختلفة فيها الثناء والامتنان والإرشاد.
- ففي بعض الآيات الثناء من الله تعالى على المؤمنين حينما تتآلف القلوب وتتحد الأهداف ويمثل الجميع جسما واحدا.
قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى: ٣٨]، أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم.
وفي بعضها أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بأن يشاور أصحابه وأن هذه المشاورة منهم له هي رحمة من الله تعالى واصطفائه بالأخلاق الفاضلة قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:١٥٩].
- وفي بعضها أمر وإرشاد للمؤمنين في حال الخصومة بينهم أن يلجأوا إلى التشاور فيما بينهم للوصول إلى الأمر الذي يصلح به كلا الفريقين فقال تعالى في شأن النزاع بين الزوج وزوجته: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة:٢٣٣].
وكان الرسول ﷺ دائما يشاور أصحابه امتثالا لأمر الله تعالى له وكان يأخذ بالرأي السديد من أي شخص كان إذ أن طالب المشورة إنما يبحث عن الرأي الذي يبدو أنه يحقق المصلحة فقد شاور الرسول ﷺ في غزوة الخندق، وفي غزوة بدر، وفي أسارى بدر، وفي غزوة أحد، وفي غيرها من المواقف الكثيرة.
والسؤال الوارد هنا هو هل هذا المفهوم للشورى في القرآن الكريم وفي السنة النبوية هو نفسه المفهوم الذي تحمله الديمقراطية؟ وما هو الدافع لكثير من المسلمين القول بأن الشورى في الإسلام هي نفس مفهوم الديمقراطية؟
والواقع أنه انخدع كثير من المسلمين بنظام الديمقراطية خصوصا جانب الانتخابات منها حين زعموا أن ذلك النظام هو مما دعى إليه الإسلام بل وفرضه على المسلمين وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، ولا تنس كذبة الاشتراكية الإسلامية حينما افتروا وادعوا أن لها صلة بالإسلام وكذا الديمقراطية وسبب وقوعهم في هذا الخطأ هو ظنهم أنه لا فرق بين ذلك الانتخاب الغربي وبين مسألة الشورى التي دعى إليها الإسلام في قول الله : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وهذا يدل على:
١ - جهلهم بحقائق الإسلام.
٢ - جهلهم بما تحمله الديمقراطية من أخطار على الدين وأهله.
٣ - وما تحمله كذلك من مساوئ في طريقة الديمقراطية في الانتخابات.
стр. 259
فإن نظام الانتخاب الديمقراطي هو أقرب ما يكون إلى الفوضى إذ هو قائم على صياح الجماهير لمن يختارونه بينما الشورى في الإسلام قائمة على اختيار أهل الحل والعقد من المسلمين لأفضل وأكفأ الموجودين في وقت أخذ البيعة كما أن النظام الديمقراطي قائم على الدعاية والوعود الخلابة من قبل المرشح لنفسه وما إلى ذلك دون أن يكون لبعضهم سابقة خير أو شهرة بالعلم والتقوى في كثير منهم بل يتكل على العامة، والعامة – كما يقال – لهم عقل واحد يتتابعون لترشيح الشخص بفعل تأثر بعضهم ببعض وبما يقدمه من الرشاوي.
أما نظام الشورى في الإسلام فهو خال من ذلك كله فلا صياح للجماهير ولا دعايات كاذبة ولا رشاوى لاختيار المرشح وإنما يكتفي فيه بموافقة أهل الرأي والصلاح لاختيار أفضل الموجودين للحكم والبقية يكونون سندا للحاكم ومستشارين أمناء وليس له ولا لهم هدف في تقوية حزب على حزب ولا آراء على آراء ولا انحياز لفئة دون أخرى وإنما همهم كله متوجه لجلب مصلحة الجميع ودفع الضرر عن الجميع في حدود الشرع الشريف، بل وقد ورد في السنة النبوية ما يفيد أن طالب الولاية لا يعطاها وأن من طلبها وكل إليها ومن لم يطلبها وأعطيت له أعين عليها، فكيف يقال بعد ذلك بأنه لا فرق بين الديمقراطية وبين نظام الشورى في الإسلام؟! ألا يوجد فرق بين نظام يعتبر الوصول إلى السلطة مغنما وفوزا وبين نظام يعتبر الوصول إلى السلطة هماً ومسئولية كبرى في الدنيا والآخرة وبين نظام يقوم على الرشوة والوعود الخلابة ونظام لا يجيز ذلك بحال؟
وهنا مسألة أحب أن أنبه إليها لضرورتها وهي هل ما يظهر من التشابه في بعض الأمور بين الديمقراطية وبين بعض المفاهيم في الإسلام يجعلها في درجة واحدة؟
والجواب أن ما يظهر من التشابه بين النظام الديمقراطي وبين ما جاء به الإسلام في بعض الجوانب، الواقع أن هذا لا يجيز القول بأنه تشابه حقيقي في كل ناحية ولا يعطي الديمقراطية سبيلا إلى الاختلاط بمبادئ الإسلام الناصعة بل هو تشابه ظاهري يصح أن نسمي ما جاءت به الديمقراطية قشور بالنسبة لتعاليم الإسلام أو صدى من بعيد له فلا يجوز القول باستواء المكاسب في الديمقراطية وفي الإسلام لبعد حقيقة كل منهما عن الآخر.
ومن العجب أن تمدح التعاليم الديمقراطية لأنها اكتشفت تلك الجوانب ولا يمدح الإسلام ويعترف له بالفضل وهو السابق لها بسنين عددا أليس الفضل للمتقدم؟ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:١٤].
لقد قل الإنصاف للإسلام حتى عند الكثير ممن ينتسب إليه من العاقين له الذين يحاولون أن يقدموا تعاليم الديمقراطية على تعاليمه ملتمسين أنواع الخدع والاحتيال لتنفيذ ذلك في نفاق تام وأساليب مختلفة في ديار الإسلام وبين ظهراني المسلمين وقد أتضح بصورة جلية أن أكثر ما يجتذب الناس إلى الديمقراطية الغربية إما الهرب من أحكام الدين وتكاليفه الشرعية إلى الفوضى الجماهيرية التي يجدون فيها الحرية الفوضوية بكامل صورها وإما بسبب ما تنادي به الديمقراطية من الرجوع إلى الشعب في الأحكام وهؤلاء يحبون هذا الجانب بحجة الحد من سلطان الحاكم وجبروته وهم جادون في ذلك.
стр. 260
أما القسم الأول فهم الغافلون الفوضويون من الجهال، وأما القسم الثاني فلعلهم لا يعلمون أن الإسلام لا يجعل الحاكم هو السلطان المطلق دون الرجوع إلى أحد. لا يعلمون أن الله قد أخبر أنه يجب أن يكون أمر المؤمنين شورى بينهم وكما أسند الله تعالى الحكم في بعض القضايا إلى أهل الرأي والمعرفة كالإصلاح بين الزوجين وما يحكم به الحكمان وكتقدير صيد المحرم وغير ذلك مما سبق فيه الإسلام الديمقراطية الغربية على أنه إذا وجد حاكم مسلم يتصف بالجور والطغيان وعدم الخوف من الله تعالى وعدم استطاعة أحد من الناس مراجعته أو الحد من طغيانه فهذا لا يعني أنه لا حل أمامنا إلا التزام الديمقراطية الغربية، بل الحل هو القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمطالبة بتطبيق الحق جماعة وأفرادا والوقوف الجماعي ضد أي تسلط بالباطل ببيان الحق وبذل النصح بصدق وإخلاص وسؤال الله له الهداية إلى غير ذلك من الوسائل المتاحة حتى يصل التغيير إلى أحسن أما إذا لم يكن هناك تغيير وإصلاح فإن المناداة بالديمقراطية لا يعطي الحل لهذه المشكلة أو غيرها حتى ولو زعم القائمون على السلطة بالتزامها فإن ذلك لا يجدي شيئا مع الإصرار على عدم التطبيق سواء تطبيق الإسلام وهو الحل الحقيقي أو تطبيق الديمقراطية وهو الحل الظاهري وكلا الحلين لا يأتيان تلقائيا للناس ما لم يكن هناك قائمون عليه وجادون في تطبيقه كما قال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:١١].
والله تعالى عادل يحب العدل ولا يرضى بالظلم ولا يحب الصبر عليه: إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس:٤٤]، فأي لوم يمكن أن يوجهه الخاملون الكسالى إلى الإسلام مع تفريطهم وعدم يقظتهم للتمسك بدينهم الذي يعيشون في ظله آمنين مطمئنين أخوة متحابين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ثم يفضلون عليه الأنظمة الوضعية البشرية التي تفسد أكثر مما تصلح أو يزعمون أنهما في درجة واحدة مع الإسلام فإنه يجب على هؤلاء أن يوجهوا اللوم إلى أنفسهم لا إلى الإسلام.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٧٩٦
стр. 261
خامسا: وقفات مع النظام الديمقراطي
الوقفة الأولى: العلاقة بين الديمقراطية والعلمانيةالعلاقة بين الديمقراطية والعلمانية هي علاقة الفرع بأصله، أو علاقة الثمرة الخبيثة بالشجرة التي أثمرتها، فالعلمانية هي " مذهب من المذاهب الكفرية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والقانونية وغيرها، بعيدا عن أوامر الدين ونواهيه " (١).
والديمقراطية تقوم أساسا على إسناد السيادة أو السلطة العليا للأمة أو الشعب وهذا يعني أن الكلمة العليا في جميع النواحي السياسية إنما هي للأمة أو الشعب.
وعلى ذلك يمكننا القول: إن الديمقراطية مذهب من المذاهب الفكرية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في جميع النواحي السياسية، فالديمقراطية إذن هي التعبير السياسي أو الوجه السياسي للعلمانية، كما أن الاشتراكية والرأسمالية تعبير اقتصادي عن العلمانية، وهذه العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية نستطيع أن ندركها بكل سهولة ويسر إذا علمنا أن نظرية العقد الاجتماعي التي تمثل الأساسي الفلسفي لنظرية السيادة التي تقوم عليها الديمقراطية، كانت في نفس الوقت تمثل الركن الأساسي في فكر زعماء الثورة الفرنسية التي أقامت دولة علمانية لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية.
الوقفة الثانية: لا ديمقراطية في الإسلام:
وإذا قد تبينت لنا حقيقة الديمقراطية، وحقيقة الأصول والأسس الإلحادية التي تنطلق منها الديمقراطية، وتبين لنا ما اشتملت عليه من الكفر الغليظ والشرك بالله العلي الكبير، إذ تبين لنا حقيقة ذلك بكل وضوح وجلاء، يصبح من الأمور المنكرة جدا أن تسمع من يقول: إن " الديمقراطية من الإسلام " أو إن " الإسلام نظام ديمقراطي" أو " الديمقراطية الإسلامية " أو أشباه ذلك من الأسماء الملفقة من كلمة الحق وهي الإسلام، ومن كلمة الباطل وهي الديمقراطية.
الوقفة الثالثة: النظام الديمقراطي باطل شرعا:
والنظام الديمقراطي – بقيامه على أسس إلحادية كفرية – يصبح باطلا شرعا، وتصبح الديار أو البلاد التي تعلوها أحكامه ديارا أو بلادا خالية من الحاكم أو الوالي المعترف به شرعا، والذي له على الناس حق الطاعة وحق النصرة، وهذا يترتب عليه:
أنه لا ولاية شرعية للنظام الديمقراطي على المسلمين.
أن علاقة المسلم بهذا النظام هي علاقة البراء وليس الولاء.
أن على المسلمين الذين تعلو ديارهم أو بلادهم أحكام النظام الديمقراطي، عليهم العمل لإزالة هذه الأحكام حتى تعلوها أحكام النظام الإسلامي. وقد كتب إمام الحرمين الجويني في كتابه (غياث الأمم) فصلا عظيما في ما يجب على المسلمين فعله عندما تخلو بلادهم عن الحاكم الشرعي المعترف به، فانظره فإنه مهم (٢).
الوقفة الرابعة: ليس في الديمقراطية خير تحتاج إليه خير أمة أخرجت للناس:
كثيرا ما يحدث أن يقول بعض الناس: إننا لا نشك بأنه لا توجد ديمقراطية في الإسلام بهذا المعنى المذكور، والموجود فعلا في الدول النصرانية وغيرها من ملل الكفر، ثم يضيفون إلى هذا القول قولهم: ولكننا وجدنا في الديمقراطية بعض العناصر الطيبة مثل: حق الشعوب في اختيار حكامهم، ومساءلتهم بما يمنع من استبدادهم، وحقهم في إبداء آرائهم، وأن يكون لهم نصيب في إدارة شئون بلادهم، وحق في خيراتها ومواردها، يقولون: إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمنع من أن نأخذ من الديمقراطية ما فيها من خير وندع ما فيها من شر؟!
стр. 262
والسؤال على هذا النحو يدل على تلك الأمية الشرعية المتفشية في الأمة، وخاصة فيما يتعلق بالفقه الشرعي السياسي.
والجواب يتلخص فيما يلي:
قد ذكرنا من قبل أن أصول الديمقراطية وجذورها إنما هي أصول وجذور إلحادية كفرية، فما معنى أن ندع ما فيها من الشر؟ معناه أن تترك هذه الأصول وبالتالي ما نتج عنها أو تفرع منها، وإذا كنا سوف نترك أصول الديمقراطية فهل يمكن أن نقول عن نظام ليس فيه أسس الديمقراطية أنه نظام ديمقراطي؟! وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن الإصرار على التمسك بلفظ لا حقيقة له؟!
وقد ذكرنا أيضا من قبل أنه في ظل النظام الديمقراطي لا يمكن الفصل بين ما يظن أنه حسن وبين ما هو خبيث، لأن الجميع يصدر عن أساس واحد.
ثم نقول: وهل في الديمقراطية - أو في غيرها من النظم – شيء من الخير ينقصنا حتى يقال: نأخذ ما فيها من خير وندع ما فيها من شر؟!
هل الأمة التي قال فيها الله كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:١١٠].
تحتاج في شيء من نظامها السياسي الذي هو جزء من دينها إلى ما عند أمم الكفر والضلال؟
إن من عقيدة الإسلام التي يعتقدها كل مسلم: أن ديننا لم يترك بابا من أبواب الخير إلا ودلنا عليه، ولم يترك بابا من أبواب الشر إلا وحذرنا منه. كما قال رسول الله ﷺ : ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه وينذرهم شر ما يعلمه لهم)) (١) فهل يسوغ في عقيدة المسلم – بعد ذلك – أن يقال: إن في النظام الديمقراطي عناصر طيبة أو نوعا من الخير تنقص النظام الإسلامي، ومن ثم فنحن في حاجة إلى استعارتها منه وتطعيم النظام الإسلامي بها؟!
لقد بلغ من عناية الدين بالمسلمين أن علمهم كل شيء حتى أدب قضاء الحاجة، فهل يمكن أن تكون الهداية في مجال النظام السياسي غير كاملة حتى نحتاج إلى غيرنا؟
إن من المقاصد الأساسية في شريعة الإسلام إقامة دولة على أساس الإيمان، وتنظيمها تنظيما دقيقا محكما وصحيحا، يكفل الخير كله والحق كله والعدل كله لكل من أظلتهم راية الدولة الإسلامية، فهل يمكن أن يقال: إن هناك عناصر من الخير لازمة لدولة الإيمان لم تأت في شريعة الإسلام، ونحن في حاجة إلى استيرادها من أمم الكفر والضلال؟!
إن ما يمكن أن يقال فيه: نأخذ ما فيه من خير، وندع ما فيه من شر، هو ما كان من قبيل المخترعات التي بنيت على الاكتشافات والتجارب المعملية، أو ما كان من قبيل الأمور المباحة التي تركها الله لنا لنجتهد فيها وفق ظروف العصر ومصالح الأمة، أما ما جاءنا فيه من الله ورسوله أمر أو نهي أو هداية أو إرشاد فلا خير إلا فيه، وليس في غيره خير نحتاج إليه.
الوقفة الخامسة: الديمقراطية قاطع طريق على النظام الإسلامي:
قد يبدو من الأمور الغريبة لدى كثير من الناس، والتي قد لا يدركون لها تفسيرا مقنعا، ما تظهره كثير من الدول الغربية الكافرة من نقمة أو مهاجمة لبعض الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية، بدعوى ما تمارسه هذه النظم من الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، وكبت الحريات، وقتل واعتقال الآلاف من الناس، وترتفع فيها أصوات مطالبة بقطع المعونات، أو تقليل المساعدات، حتى تقوم في تلك البلاد أنظمة ديمقراطية تتعامل مع رعاياها بطريقة إنسانية تحفظ عليهم حريتهم وأمنهم واستقرارهم.
يسمع هذا الكلام سامع، أو يقرؤه قارئ، فيحتار: هل وصلت الرحمة والشفقة بدول الكفر على المسلمين إلى هذا الحد، لدرجة أنهم يناصرون الشعوب المسلمة على حكامها الجائرين؟! شيء عجيب حقا!
стр. 263
ولكن العجب يزول إذا علمنا أن ذلك ليس من أجل الرحمة والشفقة، وإنما من أجل قطع الطريق على النظام الإسلامي حتى لا يعود إلى بلاد المسلمين.
الوقفة السادسة: طبقات المتكلمين بلفظ الديمقراطية أو الدعاة إليها في بلاد المسلمين:
لقد تكلم بلفظ الديمقراطية ودعا إليه كثير من الناس على اختلاف مشاربهم وأفكارهم.
فمنهم بعض العلماء وبعض المنتسبين إلى العلم ومن غريب الأمر لدينا نحن الآن أن نجد في كتابات هؤلاء كلمات مثل: ديمقراطية الإسلام، السيادة للأمة، الأمة مصدر السلطات، واشتراكية الإسلام، وأشباه ذلك من المصطلحات الدخيلة ذات الجذور الإلحادية التي وفدت إلى بلادنا مع الكفار المتغلبين على ديار الإسلام.
وقد يزول هذا الاستغراب – ولو جزئيا – إذ أدركنا أن كل ما قاله هؤلاء في هذا الصدد لا وزن له من الناحية الشرعية، ولا قيمة له من الناحية العلمية، ذلك أن كثيرا منهم وقد دهمتهم الحضارة الوافدة بكثير من نظمها واصطلاحاتها لم يأخذوا الوقت الكافي للتفكير المتأني المتزن لمعرفة حقيقة هذه الألفاظ، بل وجدوا أنفسهم مدفوعين للكلام في هذه الأمور، التي لم يتمكنوا – لحداثة عهدهم بها – أن يدركوا ما فيها من الكفر والضلال، فاقتربوا منها وقالوا بها، وتأولوا في سبيل ذلك النصوص والأحداث التاريخية لتوافق هذه المصطلحات ونحن لا نتهم أحدا بسوء نية، ولكن أردنا التنبيه على ذلك حتى لا يفتر أحد بما قد يجده في هذه الكتابات من استخدام لهذه المصطلحات ومحاولة إلباسها ثوبا إسلاميا.
ومن هؤلاء العلماء والمنتسبين للعلم من قد تبين له ما في هذه الدعوات والمصطلحات، من الزيغ والضلال، لكنهم في نفس الوقت رأوا الكثيرين من المسلمين المثقفين ثقافة غير شرعية، وقد أخذ بلبهم البريق الزائف لهذه المصطلحات حيث كان المجتمع المسلم – بعد سيطرة الكافرين عليه – يمر بمرحلة من الانهزام على كافة المستويات، وكان هم هؤلاء العلماء أن يحفظوا على العامة دينهم واعتقادهم، فأرادوا التوفيق بين ما جاء به الدين ودل عليه وبين ما جاء به هؤلاء فقالوا: إن السيادة للأمة وإن الأمة هي مصدر السلطات، ولكن قيدوها بقيود أفرغتها من مضمونها، فهم لم يقولوا بسيادة مطلقة أو سلطة مطلقة – كما هو المعروف في هذا المصطلح – وإنما قالوا بسيادة وسلطة مقيدة بقيد الشرع، وفي إطاره، ومع ذلك فإن هذا الكلام أيضا غير صحيح لأنه كلام متناقض ينقض آخره أوله، لأن السيادة – كما سبق تعريفها – هي السلطة العليا المطلقة التي لا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى، فكيف يقال: إنها سلطة وسيادة مقيدة، وإذا أمكن تقييد هذه السيادة أو السلطة كان المقيد هو صاحب السيادة وليس المقيد، وهذا يبين بطلان قول كل من يقول: إن الأمة أو الشعب - في النظام الإسلامي – هي صاحبة السيادة أو مصدر السلطات بشرط تقييدها بالشريعة؛ لأن هذا كلام ينقض بعضه بعضها، والسيادة في النظام الإسلامي هي للشرع، والأمة أو الشعب في مقام العبودية لله الواحد القهار لا في مقام السيادة.
ومن المتكلمين بالديمقراطية أو الداعين إليها، قوم جمعوا بين حسن النية وسطحية التفكير، وقد ظنوا – وهم مخطئون قطعا – أن النظام الديمقراطي يحقق الخير والعدل، فأرادوا أن يبينوا للناس – بدافع حسن النية أو الغيرة على الدين – أن الإسلام قد سبق الديمقراطية بأربعة عشر قرنا من الزمان، وأن الديمقراطية قد جاء بها الإسلام وطبقها الخلفاء الراشدون!
стр. 264
ومنهم من خدع في الشعارات البراقة المعلنة مثل حق الناس في اختيار حكامهم، وحقهم في مساءلتهم، وحريتهم في التعبير عن آرائهم، وغير ذلك، وانطلت عليهم الخدع القاتلة بأن معارضة الديمقراطية تعني الموافقة على تضييع الحقوق وإهدار كرامة الإنسان، وتأييد الجور والطغيان. ومنهم دعاة ظنوا أن الديمقراطية قد توفر لهم قدرا من الحرية يستطيعون من خلاله أن يقوموا بواجب الدعوة، فنادوا بالديمقراطية (١).
ومنهم دعاة أيضا رأوا في العمل على إرجاع الأمة إلى النظام الإسلامي احتياجا إلى جهود كبيرة وتضحيات جسام، فآثروا السلامة ونادوا بالديمقراطية لعلهم من خلال الحرية المتاحة أن يتمكنوا من إقامة النظام الإسلامي، ولكن هيهات.
والحقيقة أن هذا التصور الذي يبدو أن فئات كثيرة ومجتمعات كبيرة عاملة في حقل الدعوة الإسلامية باتت في ظل البحث عن طريق سلمي آمن. يجنبهم كثيرا من تكاليف الجهاد وتضحياته، باتت تركن إليه وترفع لواءه، إنما يدل على غفلة كبيرة، وسذاجة في الفهم، وسطحية في التفكير.
فهل هؤلاء نسوا أو تناسوا أن ما يدعونا إليه من إقامة النظام الإسلامي هو مناقض مناقضة كاملة وشاملة للنظام الديمقراطي؟!
إذا كان هؤلاء لا يدركون فإن الديمقراطيين يدركون ذلك إدراكا حقيقيا، ولذا فإنك تراهم يخوضون - في مواجهة النظام الإسلامي – معارك شرسة على كافة المستويات وبشتى الوسائل والأساليب.
وإذا كان التناقض تاما بين النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي، أفلا يكون من الغفلة والسذاجة والسطحية بمكان أن يتصور متصور أن الديمقراطيين يسعهم أن يتركوا المسلمين يستخدمون وسائل النظام الديمقراطي لتقويض النظام الديمقراطي نفسه والقضاء عليه! وإقامة النظام الإسلامي بدلا منه؟!
إن بعض الجماعات في حقل العمل الإسلامي لجأت فعلا إلى الخيار الديمقراطي، واستطاعت أن تثبت أقدامها في الشارع السياسي، لكن لكم أن تعلموا ماذا حدث لها.
إنه في الوقت الذي ظهر فيه سيطرة الحركة الإسلامية على الشارع السياسي تم الانقضاض عليها والفتك بها، فحورب بها أتباعها وطردوا وسجنوا وعذبوا بل وقتلوا.
وكل ذلك يتم باسم من؟! باسم الديمقراطية التي نادوا بها.
فهل أغنى عنه الخيار الديمقراطي من ذالكم من شيء؟!
والأمثلة على ذلك في الواقع العملي كثيرة يدركها كل متابع للأحداث.
ومنهم طائفة كبيرة – وهي تمثل السواد الأعظم من المتكلمين بالديمقراطية – لا تدرك حقائق الأمور، بل هي طائفة مقلدة لا تملك غير ترديد ما تبثه وسائل الأعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
وكل هذه الفئات فئات غالطة مخطئة فيما ذهبت إليه، فإنه لا يوجد شيء يبرر الدعوة إلى الكفر أو الثناء عليه أو حتى مجرد قبوله، وهذه نصوص الكتاب والسنة وأقوال جميع علماء الأمة بين أيدينا لا نجد فيها بإزاء الكفر غير القدح فيه والدعوة إلى هجره وجهاده وجهاد متبعيه، ولسنا نجد في هذه النصوص والأقوال أن الكفر يمكن أن يكون طريقا مؤديا إلى الإسلام.
ومنهم – وهم الأشد خطرا – من يدعو إلى الديمقراطية وهو على علم بها وبأصولها إيثارا لها على النظام السياسي في الإسلام، وهذه الطبقة فيها كثير من الكتاب والأدباء والصحفيين، ومن يسمونهم المفكرين، وفيه اأساتذة في الجامعات وخاصة ممن درسوا القوانين الوضعية والنظم الغربية وتأثروا بها، وهؤلاء يمثلون فريقا من العلمانيين.
стр. 265
ومنهم طائفة من أهل الملل الأخرى كاليهود والنصارى الموجودين في بعض بلاد المسلمين، والذين يرون في الديمقراطية نجاة لهم من الخضوع للنظام الإسلامي، في نفس الوقت الذي يتمكنون فيه من احتلال مراكز قيادية في ديار المسلمين في ظل هذا النظام، ما كان لهم أن يحتلوها في ظل النظام الإسلامي.
الوقفة السابعة: وسائل الديمقراطيين والعلمانيين وغيرهم في محاربة النظام الإسلامي:
للديمقراطيين والعلمانيين وغيرهم من أعداء الإسلام وسائل متعددة في محاربة النظام السياسي الإسلامي نظام " الخلافة "، وهذه الوسائل " تختلف " من بلد إلى بلد ومن زمان إلى زمان آخر بحسب وعي الشعوب المسلمة وفهمها لدينها ولنظامه السياسي، وبحسب قوة أو ضعف الصحوة الإسلامية فيه، فعلى حين تكون الحرب سافرة في البلاد التي يقل فيها وعي شعوبها بدينهم، أو تكون الصحوة فيها صحوة ضعيفة أو جزئية غير شاملة، تكون الحرب خفية أو غير صريحة في البلاد ذات الوعي القوي أو التي فيها صحوة قوية شاملة غير جزئية، ونحن هنا نرصد بعض الوسائل – لا كلها – التي من خلالها يقومون بمحاربة النظام الإسلامي للحيلولة دون رجوعه مرة أخرى.
١) فمن هذه الوسائل زعمهم أن الإسلام ليس فيه نظام سياسي، وأن الرسول ﷺ لم يكن من عمله إقامة دولة وإدارتها، وأن عمله لم يتجاوز حدود البلاغ والإنذار المجرد من كل معاني السلطان، وأن الخلافة ليس لها سند من الدين، وأن بيعة أبي بكر ﵁ كانت بيعة سياسية ملكية قامت على أساس القوة والسيف، وأن الإسلام بريء من تلك الخلافة التي يعرفها المسلمون، وأنه لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا نظام الخلافة ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.
كانت تلك إحدى وسائلهم وهي إنكار النظام السياسي في الإسلام جملة، وكانت هذه الكلمات السابقة هي مجمل ما افتراه على النظام السياسي الإسلامي الشيخ علي عبد الرازق القاضي الشرعي في كتابه: (الإسلام وأصول الحكم)، وممن قفا قفوه في إنكار النظام السياسي الإسلامي الكاتب خالد محمد خالد في كتابه: (من هنا نبدأ). لكنه بفضل الله وحده وقف لهم العلماء بالمرصاد وبينوا كذبهم وافتراءهم ومخالفتهم للنصوص القاطعة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (١)، ولهذا لم يكن عجبا أن تعقد جلسة محاكمة للشيخ علي عبد الرازق من قبل شيخ الأزهر وباجتماع هيئة كبار العلماء ويتم فيها إخراجه من زمرة العلماء، لكن في الحقيقة إن الذي أتاه علي عبد الرازق إنما يخرجه من زمرة المسلمين لا من زمرة العلماء فقط. وقد خفت بحمد الله هذا الصوت بل محق، فلم نعد نسمع به، ولم يعد أحد يجرؤ على ترديده بعدما تبين عواره وبعدما افتضح أمر الداعين إليه، وأنهم إنما كانوا يرددون كلاما نقلوه من كلام أعداء الإسلام (٢).
وإذا كانت هذه الصورة من إنكار النظام الإسلامي صورة فجة ومستقبحة، فإن هناك صورة أخرى لإنكار النظام الإسلامي ولكن بطريقة أكبر ذكاء وأشد خبثا من الطريقة الأولى، وهذه الطريقة تعتمد على الهجوم على مصادر التشريع في الإسلام، وإخراجها عن أن تكون مصدرا للأحكام السياسية، وتوضيح ذلك فيما يلي:
стр. 266
٢) تقوم هذه الوسيلة على التسليم بأن الإسلام له نظام سياسي وأن الإسلام دين ودولة، وهذا أمر لا غبار عليه، ثم ينطلقون من هذا إلى القول بأن مصادر الأحكام السياسية (الدستورية) إنما هي الكتاب والسنة فقط، ويرفضون بقية أدلة الأحكام الأخرى حتى الإجماع عندهم مرفوض في مجال الأحكام السياسية ولو كان إجماع الصحابة ﵃.
ثم يخطون خطوة ثانية في مجال تفريغ اعترافهم السابق – بأن الإسلام له نظام سياسي – من مضمونه فيقولون: إن ذكر القرآن الكريم للأحكام السياسية: إنما كان على سبيل القواعد العامة لا الأحكام التفصيلية؛ ومعنى ذلك أنه ليس هناك أحكام محددة يجب التقيد بها في مجال النظام السياسي، وإنما هناك قواعد عامة فقط هي التي يجب التقيد بها وما يترتب على ذلك من إدخال نظام أو طرق غربية إلى النظام الإسلامي بدعوى أنها لا تتعارض مع القواعد العامة.
ثم يخطون خطوة ثالثة لإفراغ المصدر الثاني عندهم وهو السنة من أن يكون مصدرا للأحكام السياسية – الدستورية – فيقولون: إن الأحكام التي جاءت بها السنة منها ما هو تشريع دائم ومنها ما هو تشريع وقتي مرتبط بزمن النبوة، ويقولون – وهم في ذلك كاذبون – أن السنة المتعلقة بالأحكام السياسية – الدستورية – كقاعدة عامة هي من ذلك النوع الثاني الذي يعد تشريعا وقتيا أو زمنيا، ثم لا يكتفون بهذا القدر حتى يضيفوا إليه قولهم: ولا يوجد أحيانا حد فاصل دقيق بين ما يعد من السنة تشريعا دائما، وما لا يعد كذلك وبهذا الطريق يكون هؤلاء قد أفرغوا الكتاب والسنة من أي مضمون يتعلق بالاحتجاج بنصوصهما في مجال مسائل الفقه السياسي – الدستوري -.
٣) ومن وسائلهم في محاربة النظام السياسي الإسلامي: استغلال خطأ بعض الخلفاء أو الأمراء أو الحكام المسلمين، وإلصاق هذه الأخطاء بالنظام الإسلامي نفسه، وتشويهه به.
أو استغلال استكانة كثير من أفراد الأمة – انطلاقا من فهم قاصر لبعض النصوص الشرعية – للظلم الواقع عليها من قبل الحكام، ومحاولة إظهار أن طبيعة النظام الإسلامي هي التي تملي على الشعوب الاستكانة والمذلة لحاكمها، وأن النظام الإسلامي نظام يكرس الاستبداد ويدعو إليه تحت شعار طاعة الأمير.
٤) ومن وسائلهم أيضا القول بأن النظام الإسلامي نظام مثالي – ومثل هذه المقولة قد يفرح بها الذين لا يفهمون اصطلاحاتهم – ومرادهم بهذه المقولة أنه نظام غير للتطبيق، وإذا طبق فهو غير صالح لقيادة الحياة، وذلك لأن النظام المثالي - في عرفهم – لا يصلح إلا لأناس مثاليين، ولما كان الناس غير مثاليين بل فيهم الطيب وفيهم الخبيث، وحتى الطيب فهو عرضة للزلل، يكون النظام الإسلامي - على قولهم – غير قابل للتطبيق، أو غير صالح لقيادة الحياة.
ويكفي في الرد على هذا الزعم الباطل أن يقال: إن النظام السياسي الإسلامي ظل يحكم دولة الإسلام منذ قيامها في المدينة المنورة بقيادة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله ﷺ ولعدة قرون بعده، وفتح المسلمون في ظله مشارق الأرض ومغاربها، ورفعوا على ربوعها رايات الإسلام، ونشروا الحق والعدل بين الناس، وغيروا وجه التاريخ الإنساني، كل ذلك حدث باسم الإسلام، وفي ظل دولة الإسلام، فهل حدث ذلك في ظل نظام غير قابل للتطبيق، أو غير صالح لقيادة الحياة؟!
٥) ومن وسائلهم أيضا: استخدام الكتابات التاريخية في محاولة تزييف تاريخ الدولة الإسلامية عبر قرونها المتطاولة، ومن خلال هذه الكتابات يصورون تاريخ الدولة الإسلامية المشرق على أنه سلسلة من المؤامرات والخيانات التي يقوم بها حاكم لكي يستولي على السلطة من الحاكم الذي يسبقه، معتمدين في ذلك على:
стр. 267
أ) كثير من الروايات التاريخية الباطلة أو المكذوبة، أو التي لا ترقى إلى المرتبة التي يحتج بها في إثبات القضايا التاريخية.
ب) تأويل بل تحريف كثير من الروايات الصحيحة لإبطال ما دلت عليه من الحق والصواب.
ج) استغلال جهل أكثر المسلمين بتاريخ دولتهم العظيمة، ومن خلال هذا الجهل تروج عليهم الأكاذيب.
الوقفة الثامنة: وسائل الديمقراطية في إقناع المسلمين بالنظام الديمقراطي:
للديمقراطيين وسائل كثيرة لمحاولة التمكين للنظام الديمقراطي في الدول الإسلامية وذلك للحيلولة دون رجوع النظام الإسلامي مرة أخرى إلى بلاد المسلمين.
من هذه الوسائل:
١) محاربة النظام الإسلامي:
وقد مر ذكر الكثير من وسائلهم في ذلك – لأن النظام الإسلامي هو الأقرب إلى قلوب المسلمين من كل ما عداه من الأنظمة، فلا يمكن أن يتم التمكين إذن لأي نظام يخالفه إلا بالهجوم على النظام الإسلامي وتشويهه، حتى يفقد المسلمون ثقتهم فيه، وبالتالي يسهل إقناعهم بما يخالفه من الأنظمة ومن هنا كانت حربهم للنظام الإسلامي حربا شرسة، استخدموا فيها كل أساليب الغش والخداع والتمويه والكذب، ولكن الله غالب على أمره: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:٨].
٢) الدعاية المكثفة للنظام الديمقراطي وتصويره على أنه النظام الوحيد الذي يكفل للشعوب ممارسة حريتها بدون قيود، وهو النظام الذي يمكن الشعوب من اختيار حكامها الذين نثق فيهم، ويمكنها أيضا من تغييرهم متى أساءوا استخدام السلطة الممنوحة لهم وخرجوا على مقتضى الدستور الذي ينظم حياتهم، وهو النظام الذي يعلي من إرادة الشعوب ويوفر لهم الحياة الآمنة المطمئنة.
ونحن في هذا الصدد لا نستطيع أن ننكر ما تتمتع به الشعوب الغربية الديمقراطية ولو ظاهريا – من حرية، وأمن ومشاركة في إدارة شؤون بلادهم، وأن حاكمهم – مثلا – لا يستطيع بقرار أن يعتقل الآلاف أو يشكل لهم المحاكم لتعلقهم على أعواد المشانق، نحن لا نستطيع أن ننكر هذا، ولا أن ننكر أنهم يتمتعون ببعض من كرامة الإنسان، ولكن!!
أولا: هل هو فعلا النظام الوحيد الذي يوفر مثل هذا؟! نحن لا نريد أن نعقد موازنة أو مقارنة بين الديمقراطية نظام الباطل، وبين الخلافة نظام الحق، ولكن نقول فقط: إن كل ما يظهر أنه أمر حسن في هذه النظم، فالموجود في نظامنا أفضل منه وأطيب، غير أنه موجود على نحو خالص من الاختلاط أو الامتزاج بالمعايب والسيئات التي رأينا نماذج منها في النظام الديمقراطي.
والذي يستطيع أن يجزم به كل منصف – وهو آمن أن يقع في الكذب – أن النظام الإسلامي هو النظام الوحيد الذي يوفر الخير كله في جميع نواحي الحياة، غير ممتزج بشيء من الشر أو المعايب.
والنصوص في ذلك كثيرة جدا سواء من الكتاب أو السنة، لا يتسع المقام لذكرها، وأسأل الله ﵎ أن يوفقني إلى كتابة مفصلة وميسرة عن النظام السياسي الإسلامي لتوضيح كل هذه الأمور والقضايا، بحيث يتمكن معها القارئ – ولو كان ذا ثقافة محدودة – من إدراك هذا الموضوع على حقيقته إدراكا كاملا.
ثانيا: إن الحرية في النظام الديمقراطي ليست حرية حقيقية، لأنها قائمة أساسا على اتخاذ طائفة من الناس – قلت أو كثرت – أربابا وآلهة، يشرعون لهم، فهي في حقيقتها عبودية طائفة من البشر لطائفة أخرى من البشر، وإن اتخذت في ظاهرها شكل الحرية.
стр. 268
ثالثا: هل هذه الحريات المطلقة من جميع القيود والتي توفرها الديمقراطية هل تحقق الكرامة الكاملة للإنسان؟! والجواب: قطعا لا، لأنه إذا كان من كرامة الإنسانية التعامل معه على أنه إنسان وليس حيوانا، فليس من الكرامة في شيء أن يجتمع - في ظل النظام الديمقراطي – مجلس النواب، وتدور المناقشات، وتؤخذ الاقتراحات والآراء، ثم ينقض المجلس، وقد أقر قانونا يبيح للرجل أن يعقد عقدة النكاح على رجل مثله! وقد تقدم ذكر ذلك والأمثلة على هذا الفساد العريض والإباحية الجنسية التي توفرها الديمقراطية تملأ الأسفار، فأين كرامة الإنسان في هذا؟! من أجل ذلك نقول: إن الكرامة التي توفرها الديمقراطية للإنسان هي كرامة ملوثة بقاذورات تفقدها كل قيمة لها، إذ ما قيمة النظر إلى الإنسان في جانب على أنه إنسان بينما يعامل في كثير من الجوانب الأخرى على أنه أدنى منزلة من الحيوان؟ والبديل ليس هو تلك النظم الجائرة المستبدة الموجودة في كثير من بلاد المسلمين، فما إلى هذا ندعو، ولكن البديل الذي ندعو إليه هو النظام الإسلامي الذي يوفر الحرية الحقيقية مبرأة من كل سوء ودنس، القائمة أساسا على ربوبية الله وإلاهيته لجميع الخلق.
رابعا: الحرية المتاحة على أوسع أبوابها - في النظام الديمقراطي – هي حرية الفساد والرذيلة، وكل ما يناقض الأخلاق والدين، أما الحرية السياسية التي هي من الناحية النظرية لب الديمقراطية – كما يقولون – فإنها حرية ظاهرية أو صورية، وانظر إلى ما يشهد به أحد الباحثين حيث يقول: (إن الحرية في الديمقراطية الغربية، هي بحق حرية القادرين، ذلك أن حرية الرأي والصحافة والأحزاب، بل والرأي العام نفسه أصبحت صناعة يمكن أن تصنع وفق ما تضع لها الحكومة من مواصفات، وككل صناعة عمادها التخطيط والتمويل، وهذان العنصران متوفران لدى القلة المحتكرة من الرأسماليين، وهم بحق المسيطرون على أنظمة الحكم بغير جدال).
٣) ومن وسائلهم أيضا محاولة إلباس الديمقراطية ثوبا إسلاميا: أو القول: إن الديمقراطية هي التطبيق العصري أو الحديث لنظام الشورى في الإسلام، ولا بأس – عندهم - في ترويج هذه الفرية من الاستعانة ببعض القواعد الشرعية المنضبطة بقواعد وضوابط الشريعة مثل المصالح المرسلة، وصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، واختلاف الفتوى باختلاف الأحوال أو الزمان، الاستعانة بهذه القواعد من غير مراعاة لضوابطها لترويج باطلهم المذكور بين الناس.
وهذه الوسيلة يكثر استخدامها في الأماكن التي فيها صحوة إسلامية، فلكي يمرروا الديمقراطية فيها، فلا بد لهم من إلباسها زيا إسلاميا.
المصدر: حقيقة الديمقراطية لمحمد شاكر الشريف
стр. 269
سادسا: مثالب الديمقراطية في الحقوق والحريات
للديمقراطية مثالب كثيرة، منها ما يلي:
أولاً: لا تنظر الديمقراطية إلى حقوق الله على عباده، ولا تنظر بعدل إلى الحقوق العامة، وحقوق المجتمع على الأفراد فهي منحازة بإسراف لجانب الفرد وإطلاق حريته.
ثانياً: تخضع الديمقراطية لدى وضع الدستور والقوانين والنظم لأهواء أعضاء المجالس النيابية، واللجان التي تفوض في وضعها، أو وضع مشروعاتها.
وغالباً ما يحرك هذه المجالس أفراد معدودون، ويوجهونها حسب أهوائهم، وبوسائلهم وأحابيلهم الشيطانية.
وتظفر بنصيب الأسد فيها غالباً بعض الطبقات الاجتماعية، التي تسخر التطبيقات والمؤسسات الديمقراطية لصالحها، أو يظفر بنصيب أسد فيها الأفراد المحركون لها، والموجهون لمسيرتها وآرائها ومناقشاتها.
وتتدخل عناصر (الحيلة، والذكاء، والمال، والشهوات، ومطامع المناصب، وشراء الضمائر، وتزوير ارادات الجماهير بأساليب شتى، في استغلال المجالس وتجميع الأصوات وتحريك الجماهير الغوغائية والتغشية على الأفكار والبصائر وإبعاد كل رأي صحيح عن مجال رؤية الجماهير له، وصناعة الضجيج الإعلامي المشوه للحقائق والمزين للباطل) لإقرار المواد الدستورية أو القانونية أو التنظيمية التي تحقق مصالح أصحاب الأهواء الشياطين الماهرين بأساليب استغلال التنظيمات الديمقراطية ومؤسساتها وتطبيقاتها.
ثم لأنواع المكر والكيد التي تمارسها الأحزاب السياسية الديمقراطية تأثير كبير في جعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وخداع الجماهير الذين يدلون بأصواتهم للموافقة على مشاريع الدساتير والقوانين والنظم، أو انتخاب الذين يتحملون الأعباء التشريعية أو الإدارية.
هذا إذا لم يتم تزوير الانتخاب بتبديل الصناديق التي ألقى المقترعون فيها أوراق انتخابهم، بصناديق أخرى مشابهة لها في الظاهر، وما في باطنها مزور تزويراً كليا.
وكم حدث هذا في مزاعم انتخابات ديمقراطية وكانت الحصيلة (مئة في المئة) لصالح المزور أو الآمر به، أو "٩٩.٩%" أو نحو ذلك.
ثالثاً: إن الديمقراطية باعتبارها تنادي بأن الدين لله والوطن للجميع، وأن شأن الأقليات في الدولة كشأن الأكثرية في الحقوق والواجبات، تمكن الأقليات من التكاتف والتناصر، لاستغلال الوضع الديمقراطي، ضد الأكثرية ومبادئها وعقائدها ودينها. وتمكنها أيضاً من التسلل إلى مراكز القوة في البلاد، ثم إلى طرد عناصر الأكثرية رويداً رويداً من هذه المراكز، بوسائل الإغراء، وبالتساعد والتساند مع الدول الخارجية المرتبطة بالأقليات ارتباطاً عقدياً أو مذهبياً أو سياسياً أو قومياً، أو غير ذلك.
وتصحو الأكثرية من سباتها بعد حين، لتجد نفسها تحت براثن الأقلية، محكومة حكماً ديكتاتورياً ثورياً من قبلها، مع أنها لم تصل إلى السلطة إلا عن طريق الديمقراطية.
لقد كانت الديمقراطية بغلة ذلولاً أوصلت أعداء الأكثرية وحسادها والمتربصين الدوائر بها، إلى عربة ثيران ديكتاتورية الأقلية.
رابعاً: الديمقراطية وفق مبادئها المعلنة حقل خصيب جداً، لتنمية أنواع الكذب والخداع والمكر والحيلة والدس الخبيث والغش والخيانة والغدر والغيبة والنميمة والوقيعة بين الناس وتفريق الصفوف ونشر المذاهب والآراء الضالة الفاسدة المفسدة، إلى سائر مجمع الرذائل الخلقية الفردية والجماعية. لتتخذ هذه الرذائل وسائل وأحابيل للشياطين، حتى يستأثروا بكل السلطات في البلاد، وكل خيراتها وثوراتها وحتى يتمكنوا من مطاردة الدين وأنصاره وحماته والمتمسكين به، وإماتة الحق والخير والفضيلة.
خامساً: الحريات الشخصية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى شرور كثيرة وانتشار فواحش خطيرة في المجتمع ومآلها إلى الدمار الماحق.
стр. 270
سادساً: الحريات الاقتصادية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى عدوان المحتالين على حقوق الشرفاء ونشر الاستغلال والاحتكار، وحيل سلب الأموال وتمكين الغشاشين والمقامرين والمرابين والمحتكرين والرائين والمحتالين ومستغلي السلطة الإدارية أو العسكرية من تحقيق مكاسب مالية وفيرة بالظلم والعدوان وهضم الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل والغلول في الأموال العامة.
سابعاً: حق كل مواطن في المساواة السياسية في الحكم، دون شرط الإسلام والعدالة الشرعية والأهلية للمشاركة في الرأي أو المساهمة في الاقتراع أو الانتخاب والاختيار، يفضي إلى نسف دعائم الدولة الإسلامية، وجعلها علمانية غير دينية، أو تمكين الأرذال من اعتلاء سلطة الحكم، وتحويل الدولة إلى دولة فساد وإفساد، وفسق وفجور، وفحش في الأقوال والأعمال، وشر كبير.
وقد يلعب أعداء الأمة بالجماهير غير الواعية، فيركبون ظهورها، ويصلون بذلك إلى حكم الشعب رغم إرادته، عن طريق تزوير إرادته نفسها.
ثامناً: حق الفرد في ترشيح نفسه للحكم في الديمقراطية، يجعل طلاب مغانم الحكم يتنافسون عليه، ويتقاتلون من أجله، ويسلكون مسالك كثيرة غير شريفة للوصول إليه، ويبذلون أموالاً طائلة، أملاً بأن يعوضوها أضعافاً مضاعفة، متى ظفروا بالحكم.
المصدر: كواشف زيوف لعبد الرحمن حسن حبنكة ص٧٠٧ - ٧١٠
стр. 271
أولا: المقصود بالقومية
القومية فكرة وضعية نشأت أول ما نشأت في البلاد الأوروبية شأن غيرها من الحركات والأفكار التي تبحث عن التفلت من رابطة الدين ويلاحظ أن دعاتها قد اختلفوا في المفهوم الصحيح لها هل هي بمعنى تجمع أمة من الناس وارتباط بعضهم ببعض هدفا وسلوكا وغاية. إما لانتمائهم إلى لغة واحدة – كما يرى القوميون الألمان – وإما لانضوائهم في عيشة مشتركة – كما يرى القوميون الفرنسيون – أم أنها لكليهما. أو أنها لغير ذلك من أمور سياسية واقتصادية كالاشتراك في المعيشة الاقتصادية كما يرى الماركسيون أو الاشتراك في التاريخ واللغة في البلد الواحد كما يرى كثير من دعاة القومية العربية ساطح الحصري ومن سلك سبيله بحيث يحسون أنهم جميعا كتلة واحدة وأن ما يجري على البعض من آلام وآمال هو ما يجري على الكل فتقوم قوميتهم على هذا المفهوم.
إنه خلاف مرير بين القوميين على تعريف القومية ولكنهم جميعا متفقون على أن إبعاد الدين خصوصا الإسلامي أمر حتمي لانتعاشها.
والقوميون العرب دائما يصرحون بأن الدعوة إلى القومية ليس معناها الدعوة إلى الدين لأن كل الناس عباد لله تعالى وكلهم يريدون الحياة السعيدة في الدنيا وما بعد الحياة الدنيا وهذا لا شأن للقومية به بل يعتبرونه الدعوى إلى الدين دعوى ناقصة عن تحقيق طموحات القوميين بل إنها رجعية في نظرهم ويجب فصله عن الدولة أيضا. انسياقا مع مفاهيم الحركات الأوروبية التي قامت في البداية على القومية وحرب الدين بل وصل طمع دعاة القومية أن تكون بديلا عن النبوات وأن نبوة القومية يجب أن يبذل لها كل غال ورخيص وأن يكون الإيمان بها أقوى من كل الروابط وجعلوها في الكفة الأخرى مع الإيمان بالله تعالى وأنها يجب أن تكون هي الديانة لكل عربي وأخذوا يتباكون على مصير العرب حينما لا يتم تحقيق هذا الدين الجديد الذي سيخلص العرب من كل سيطرة أجنبية ويرفعون رؤوسهم عالية أمام كل أجنبي – ليس بعربي (بزعمهم) ولا ريب أنها دعوات جاهلية ليس ورائها إلا الخراب سوءا أكانت الدعوة إلى القومية أو إلى الوطنية. فلا عزة للعرب ولا استرجاع لحقوقهم إلا بالتمسك بالدين الحنيف. إن القومية والوطنية كلتاهما نعرتان جاهليتان خرجتا من أوروبا الجاهلية وفي هذا يقول فرنارد لويس: " فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشعوبية والاشتراكية كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدلها أتباعها في الشرق الأوسط " (١) أحلها القوميون والوطنيون محل الدين ورؤوا أن الاجتماع عليها خير وأنفع من الاجتماع على الدين وذلك للاختلاف الواضح بين الناس في قضية التدين حسب زعمهم بخلاف القومية والوطنية التي تضم كل أفراد القوم وجماعاتهم ليكونوا مجتمعا واحدا لا خلاف فيه لاتحادهم التام في الانتساب إلى القومية أما الوطنية التي تقبل كل تناقضات المذاهب المختلفة وهي في الواقع لا تقبلها كما يدعون بل ترمي بها كلها وتؤخذ بدلا عنها شعار القومية – والوطنية ومن هنا قدسوها ورفعوها فوق كل اعتبار واجتمعوا على التفاخر والتباهي بها حتى صار كل قوم يدعون أنهم هم أفضل الجنس البشري وغيرهم في الدرجة الدنيا ولهذا تسمع وتعجب حين يفتخر كل قوم أو كل شعب بأنهم أرقى أمة وأفخرها فما دام قد انحل الوكاء فما الذي يمنع كل جنس أو قوم من الافتخار بل والتعالي على الآخرين راكبين كل صعب وذلول في تقرير ذلك فكثرت تبعا لذلك القداسات المزيفة لهذه الفئات من البشر كما كثرت الأماكن والأراضي المقدسة عندهم كما يقتضيه شرح القومية والوطنية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 272
ثانيا: كيف ظهرت القومية ؟
أساس ظهور القومية في شكل مذهب جماعي وله دعاته المتحمسون له كان من البلد المضياف لكثير من الآراء والمذاهب المختلفة – أوروبا – كما عرفت وكان سبب ظهورها هو نفس الأسباب التي أظهرت بقية المذاهب الفكرية فيها متوخية الرغبة الشديدة في هدم سلطة الكنيسة الطاغية التي سامتهم سوء العذاب – كما تقدم – إضافة إلى ما كان يعيشه الأوروبيون من شريعة الغاب والظلم والعدوان وسوء الأخلاق في معاملة بعضهم وعدم وجود الدين الصحيح الذي ينير لهم الحياة، فكان ظهور القومية هناك مظهرا مشاركا لبقية مظاهر الخروج والانفلات عن سلطة الكنيسة وقبضة رجالها وكانت القومية هي إحدى معاول الهدم التي تكاثرت على الكنيسة بعد أن بدأت الكنيسة تترنح للسقوط النهائي إثر إفاقة الشعوب الغربية الأوروبية على واقعهم الشنيع من الذل والخوف والتنكيل والقتل الجماعي والجهل المركب والأحكام الجائرة على أيدي فئة تزعم أنها تمثل الرغبة الإلهية في كل ما تأتي وتذر، فظهرت القومية كغيرها من الأفكار الأخرى ووقفت من الدين وأهله نفس المواقف للنظريات الإلحادية الأخرى ويظهر أنه لم يكن لديهم أي جامع أو رابط يقدمونه لشعوبهم غير هذا الرابط الجديد الذي داروا حوله بكل جد وقدسوه إلى أن أوصلوه قريب الألوهية علهم يجدون فيه عزاءً عن الالتجاء إلى الإله الذي كان هو السبب في إذلالهم على أيدي رجال الكنيسة الذين كانوا يمثلونه في الأرض كما قرره زعماء الكنيسة الرهبان لهم لتحقيق شهواتهم وافتراء على الله تعالى، وعلى هذا فإن ظهور القومية في أوروبا وعامة دول العالم المسيحي إنما كان لتلك الأسباب الظاهرة وغيرها وكان لهم ما يبرر ذلك الخروج فيما ظهر من أحوالهم – وإن لم يكن مبررا حقيقيا – وبعد خروجهم ذلك الهوا كل ما راق لهم ومنها القومية التي قدسوها وزينوا أمرها لكل الشعوب لتكون العزاء والبديل عن الدين النصراني ورجاله يقول الندوي: " ولا يزال القوميون في داخل البلاد وخارجها يزينون للشعوب الصغيرة القومية ويطرون أدبها ولسانها وثقافتها وتهذيبها ويمجدون لها تاريخها حتى تصبح نشوانه بالعواطف القومية والخيلاء والكبرياء وتدل بنفسها وتظن أنها مانعتها حصونها وما أعدت للحرب وتنقطع عن العالم وتتحرش أحيانا بالدول الكبيرة غرورا بنفسها أو تهجم عليها الدول فلا تلبث إلا عشية أو ضحاها وتذهب ضحية لقوميتها وانحصارها في دائرة ضيقة ولا يغني أولئك المسؤولون عنها شيئا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:١٦] (١).
ومن الجدير بالذكر أن القومية كانت في نشأتها لا يرمي أهلها إلا إلى الخلاص من قبضة رجال الدين وتنفس الصعداء من الأغلال التي كانت عليهم. ولكن ما إن تم لهم ذلك الخلاص المنشود حتى انتقلوا نقلة أخرى فصاروا لا يقنعون بذلك الخلاص وإنما تطلعوا إلى ظلم الآخرين والبغي عليهم واستعمار الضعفاء من الناس واستعبادهم وحصل من وراء ذلك شر عظيم وفتن عريضة وحروب ثم انقلب السحر على الساحر فأصبحوا في دوامة القومية التي لا تعقل ولا ترحم ونبغت قرون الشر في رأس كل فريق من القوميين كل ينوح على ليلاه وكل فتاة بأبيها معجبة فانتعش بينهم فن المفاخرات لضرورة الحاجة إليه في ظل القومية التي لم يقم بناؤها في الأساس إلا على هذا المسلك البغيض في بداية تكوينها في أوروبا.
стр. 273
وبعد أن سار ركب القومية في أوروبا يحطم بعضه بعضا وكثرت الحروب بينهم نتيجة التعصبات القومية الشعوبية الهوجاء عاد الأسد إلى عرينه فقام مفكروهم وقادتهم بالدعوة الجادة إلى نبذ القومية وأنها رجعية وليست تقدمية حضارية ويجب نبذها وأنها تمثل أفكار "هتلر" النازي حين قسم العالم على أساس عرقي أفضلهم ألمانيا.
ولأن مسلك التقدم والحضارة لا يتماشى مع مسالك القومية الضعيفة فلفظتها أوربا لتقع في أيدي المخادعين والماكرين من النصارى العرب وغيرهم ليتموا حاجة في نفس يعقوب بعد أن بيتوا النية لحرب الإسلام كما سنذكر ذلك في موضعه. يقول د. صلاح الدين المنجد: " تنبه العرب إلى فكرة القومية في أوائل القرن بعد أن مضى على موتها في أوروبا فترة طويلة بتأثير الغرب " (١).
ومما يذكره الباحثون عن القوميات الأوروبية وسبب ظهورها أن البدايات الأولى لظهور القوميات هناك. كان أثر النزاعات التي احتدمت بين رجال الدين الكنسي والملوك حول الأحقية بالسيطرة والأمر والنهي هل هم الملوك فقط أم رجال الدين فقط وكاد أن يتم الحل بينهم على أن تكون السلطة الأمنية للملوك والسلطة الروحية للبابوات. إلا أن الأمور انحدرت إلى هاوية سحيقة كانت هي ثالثة الأثافي وهو النزاع الشرس الذي نشب بين رجال الدين أنفسهم وما وقع بين الكنائس من عداوات خرجت تباعا عن الكنيسة الأم في روما وتعصبت كل كنيسة لآرائها – كاثوليك – بروتوستانت – إصلاحيات ... إلخ وانفلت الأمر وصار الحبل على الغارب فقام كل فريق بتكوين نفسه ومذهبه فانتشرت المذاهب والأفكار ومنها قيام القوميات (٢) على ذلك النحو وأخذ النزاع طابعا قوميا.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 274
أولا: التعريف
حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلى تمجيد العرب، وإقامة دولة موحدة لهم، على أساس من رابطة الدم واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين. وهي صدى للفكر القومي الذي سبق أن ظهر في أوروبا.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 275
ثانيا: بداية ظهور القومية العربية
لا يعرف على وجه الدقة تحديد نشأة الحركات والأفكار في الغالب أما بالنسبة للقومية فإن الباحثين يذكرون أن ظهورها في أوروبا كان في الفترة التي كان رجال الفكر والتحرر – كما يسمون أنفسهم – يبحثون عن بديل للعقيدة النصرانية الخرافية الجائرة والانفلات من قبضة رجال ذلك الدين الجامد المتخلف وكان ذلك في حدود القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين واشتد عودها في القرن التاسع عشر الميلادي، وقد أثنى دعاة القومية على الثورة الفرنسية التي كانت هي البداية الأولى لظهور القوميات حيث عرف بعدها أن الحكم يجب أن يكون للشعوب وليس لفئة من الناس هم الحكام وأن الحرية يجب أن تشمل جميع الأمة بالتساوي وشعار الجميع الإخاء وأصبح هذا المبدأ الثلاثي الحرية، المساواة، الإخاء هو مصدر إلهام الجماهير في زعم دعاة القومية وقد زعموا أن القومية العربية إنما أثارها التوجه الأوروبي للقومية حيث نشأ دعاة القومية العربية متأثرين بذلك التيار في أوروبا فأصبحوا يلهثون للحاق بركبهم، والواقع أن الذي أثار القومية العربية وكان لهم اليد الطولى في الدعوة إليها في بلاد المسلمين إنما هم النصارى العرب لإدراكهم فائدة التفاف العرب المسلمين على القومية بدلا عن الدين الذي لا يتوافق مع دمج المسلم وغير المسلم في حظيرة واحدة، فجاء القوميون العرب من النصارى وغيرهم وأخذوا يكيلون المديح لهذه القومية وأن العرب في حاجة شديدة إلى قيامها إن أرادوا العزة والمنعة واحترام سائر الأمم لهم بزخرف من القول وظلت تستعر نارها وتشتد تدريجيا من معين الحقد على الدولة العثمانية.
ظهرت بدايات الفكر القومي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين متمثلة في حركة سرية تألفت من أجلها الجمعيات والخلايا في عاصمة الخلافة العثمانية، ثم في حركة علنية في جمعيات أدبية تتخذ من دمشق وبيروت مقرًّا لها، ثم في حركة سياسية واضحة المعالم في المؤتمر العربي الأول الذي عقد في باريس سنة ١٩١٢م.
وفيما يلي إشارة إلى أهم الجمعيات ذات التوجه القومي حسب التسلسل التاريخي:
ـ الجمعية السورية: أسسها نصارى منهم: بطرس البستاني وناصيف اليازجي سنة ١٨٤٧م في دمشق.
ـ الجمعية السورية في بيروت: أسسها نصارى منهم: سليم البستاني ومنيف خوري سنة ١٨٦٨م.
ـ الجمعية العربية السرية: ظهرت سنة ١٨٧٥م ولها فروع في دمشق وطرابلس وصيدا.
ـ جمعية حقوق الملة العربية: ظهرت سنة ١٨٨١م ولها فروع كذلك، وهي تهدف إلى وحدة المسلمين والنصارى.
ـ جمعية رابطة الوطن العربي: أسسها نجيب عازوري سنة ١٩٠٤م بباريس وألف كتاب يقظة العرب.
ـ جمعية الوطن العربي: أسسها خير الله خير الله سنة ١٩٠٥م بباريس، وفي هذه السنة نشر أول كتاب قومي بعنوان الحركة الوطنية العربية.
ـ الجمعية القحطانية: ظهرت سنة ١٩٠٩م وهي جمعية سرية من مؤسسيها خليل حمادة المصري.
ـ جمعية (العربية الفتاة): أسسها في باريس طلاب عرب منهم محمد البعلبكي سنة ١٩١١م.
ـ الكتلة النيابية العربية: ظهرت سنة ١٩١١م.
ـ حزب اللامركزية: سنة ١٩١٢م.
ـ الجمعيات الإصلاحية: أواخر ١٩١٢م وقد قامت في بيروت ودمشق وحلب وبغداد والبصرة والموصل وتتكون من خليط من أعيان المسلمين والنصارى.
ـ المؤتمر العربي في باريس: أسسه بعض الطلاب العرب سنة ١٩١٢م.
ـ حزب العهد:١٩١٢م وهو سري، أنشأه ضباط عرب في الجيش العثماني.
ـ جمعية العلم الأخضر: سنة ١٩١٣م، من مؤسسيها الدكتور فائق شاكر.
ـ جمعية العلم: وقد ظهرت سنة ١٩١٤م، في الموصل.· هذا وقد ظلت الدعوة إلى القومية العربية محصورة في نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة، وفي عدد محدود من أبناء المسلمين الذين تأثروا بفكرتها، ولم تصبح تياراً شعبيًّا عامًّا إلا حين تبنى الدعوة إليها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حين سخر لها أجهزة إعلامه وإمكانات دولته. ويمكن أن يقال إنها الآن تعيش فترة انحسار أو جمود على الأقل.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
وكذلك أصبحت الدعوة في تركيا إلى القومية الطورانية التركية، والذين دعوا إلى القومية الطورانية التركية كانوا من اليهود، وهذا شيء ثابت؛ حتى إن أحد المؤرخين الأمريكان اسمه واتسون يقول: (إنه لا يوجد أحد في حركة الاتحاد والترقي - الحركة القومية التركية - من أصل تركي حقيقي، وإنما هم من اليهود وغيرهم! - أي: يدعون إلى القومية التركية وليس فيهم رجل واحد من أصل تركي - والذين يدعون إلى القومية العربية ليس فيهم مسلم، وأكثرهم - أيضاً - أصولهم أعجمية ونصارى).
المصدر: القومية العربية لسفر الحوالي
стр. 276
ثالثا: أخطار الحركة القومية
من هنا يجد الإنسان المفارقة، ويعلم أنها كانت كلها تهدف لتحقيق التمزق والفرقة بين المسلمين؛ لمعرفتهم بأخطار الحركة القومية في أوروبا التي قد عانت وذاقت الأمرَّين من الفكر القومي والتمزق القومي، فجاءت وصُدِّرت هذا الفكر إلى العالم الإسلامي، في حين بدأت هي تكون التحالفات والتكتلات الأممية والعالمية التي ظهرت في الحرب العالمية الأولى ثم في الثانية، وبعد الحرب العالمية الثانية انتهت القوميات في أوروبا واختفت.
والآن يريدون إخفاء الوطنيات تماماً لتصبح أوروبا أمة واحدة لا وطنية فيها فضلاً عن القومية، ولأنهم ذاقوا مرارة القومية فأرادوا أن يُصدِّروها لتفتيت العالم الإسلامي؛ فظهرت الدعوة الطورانية أو التركية، وأرادت أن تفرض اللغة التركية على جميع العرب، وفي المقابل ظهر الدعاة القوميون العرب - وأكثرهم من النصارى - ثم تبعهم الشيعة والدروز وأمثالهم - ينادون بالعروبة واللغة العربية والأمة العربية.
في الحرب العالمية الأولى كانت البداية عندما اتفق فيما يسمى اتفاقية سايكس بيكو على تقسيم الخلافة العثمانية بين دول الغرب، فجاءت الحركة القومية العربية وجيشت جيوشاً؛ وحاربت مع الإنجليز ضد الدولة العثمانية، فعندما أراد الصليبيون أن يدخلوا إلى القدس كانت رايتهم تضم جموعاً عديدة منها: الإنجليز، والعرب القوميون - الذين انضموا إلى الإنجليز في قتال إخوانهم في الإسلام "الترك" - ودخل الإنجليز القدس، وبانتهاء الحرب العالمية انتهت الخلافة العثمانية تماماً، وتمزق العالم الإسلامي، ونفذت اتفاقية "سايكس بيكو ".
وظهرت الأفكار الوطنية والقومية، وكانت في مصر أكثر ما تكون وطنية، وأما في بلاد الشام فإنها كانت قومية. ثم تطورت الحركة القومية وجمعية العربية الفتاة - كما يسمونها - وحرصت على تأسيس رابطة قومية تجمع العرب، وبارك الغرب هذه الرابطة وشجعها؛ بل إن الذي اقترحها في الأصل كمنظمة هو "أنطونيا إيدن " الذي كان وزير خارجية بريطانيا، ثم أصبح رئيس وزراء بريطانيا، فاقترح فكرة إنشاء جامعة الدول العربية، فأنشئ بروتوكول الإسكندرية ثم جامعة الدول العربية.
وكان الذين أسسوها واجتمعوا ووقعوا ميثاقها هم - قبل قيام هذه الجامعة - كانوا أعضاء في جمعية العربية الفتاة وأشباهها من الجمعيات التي كانت قائمة في ذلك الزمن، وأوضح الكتب على هذا كتاب (نشأة القومية العربية) لمحمد عزة دروزة لأنه كان واحداً منهم، وكذلك الشاعر "خير الدين الزركلي " صاحب الأعلام، واحداً من هؤلاء القوميين، وشعره وحياته يذكر فيها هذا الشيء كذلك.
رئيس بلاد الشام "شكري القوتلي " كان من جمعية العربية الفتاة، ووقع ميثاق جامعة الدول العربية، فنشأ الفكر القومي بعد ذلك حتى قامت ثورة الحزب البعثي، واستطاع بقيادة "ميشيل عفلق " أن يؤسس فكرة عقدية قوية جداً تحكم الآن العراق وسوريا، وله وجود قوي في ليبيا وفي السودان وهم الآن - تقريباً - أقوى حزب في موريتانيا.
وبعد الحرب العالمية الثانية نسيت القوميات تماماً في أوروبا، فأصبحت التكتلات عقائدية وعسكرية، وأصبحت أوروبا في الحقيقة معسكرين: حلف وارسو، وحلف الناتو شمال الأطلسي، فأما حلف شمال الأطلسي فيضم الولايات المتحدة الأمريكية ومعه دول غرب أوروبا كلها على اختلاف مللها ومذاهبها الدينية وقومياتها.
وأما حلف وارسو فيضم الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية الشيوعية على اختلاف أجناسها وأعراقها التي أصبحت كتلة واحدة بعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت عام (١٩٤٥م).
стр. 277
وبعدها وقع ميثاق جامعة الدول العربية؛ ثم ظهرت هذه الأحزاب وأسس حزب البعث، فلما ظهر المعسكر الشرقي الاشتراكي اندمجت الفكرة الاشتراكية في الحركات القومية والوطنية - لأنها كلها مستوردة من الغرب - فقامت الثورة المصرية وحَوَّلَها جمال عبد الناصر من فكرة وطنية إلى فكرة قومية، وقبل جمال عبد الناصر لا تجد في مصر إلا إشارات إلى العرب أو العروبة ككل، وإنما كانت الفكرة الراسخة في مناهج التعليم وفي الصحافة والإعلام والشعر هي الشعارات الوطنية الفرعونية ... إلخ، وبعد أن جاء جمال عبد الناصر أنشأ إذاعة صوت العرب، والصحافة العربية، والفكر العربي، والأمة العربية من المحيط إلى الخليج، فأجج الفكر العربي القومي.
وفي المقابل - أيضاً - جاء البعثيون بشعار: "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" فكان هذا هو شعار حزب البعث، فبدءوا ينشرون هذا المبدأ، وكان الصراع على أشده بين هؤلاء وهؤلاء، مع أن جمال عبد الناصر دعا إلى الاشتراكية مع القومية العربية، وأولئك مع الوحدة العربية دعوا إلى الاشتراكية؛ إذاً: هؤلاء اشتراكيون وهؤلاء اشتراكيون، لكن الخلافات الحزبية بينهم، واختلاف الولاءات - هذا مع الغرب وهذا مع الشرق - كانت على أشدها، والذي يجمع الجميع أنهم لا يريدون الإسلام، فالغرب - سواء كان شرقاً أو غرباً - لا يريد أن يكون هناك أي تجمع باسم الإسلام، كما عبر لويس وغيره في أوضح ما يمكن، فقال: (إن الغرب أراد ألا يكون هناك أية رابطة أو جامعة إسلامية، وإنما يكون المبدأ القومي هو الذي يجمع هذه الشعوب جميعاً).
المصدر: القومية العربية لسفر الحوالي
стр. 278
رابعا: الأفكار والمعتقدات
يعلي الفكر القومي من شأن رابطة القربى والدم على حساب رابطة الدين، وإذا كان بعض كتاب القومية العربية يسكتون عن الدين، فإن بعضهم الآخر يصر على إبعاده إبعاداً تامًّا عن الروابط التي تقوم عليها الأمة، بحجة أن ذلك يمزق الأمة بسبب وجود غير المسلمين فيها ويرون أن رابطة اللغة والجنس أقدر على جمع كلمة العرب من رابطة الدين. حيث إن أساسها إبعاد الدين الإسلامي عن معترك حياة العرب السياسية والاجتماعية والتربوية والتشريعية فإنها تعد ردة إلى الجاهلية، وضرباً من ضروب الغزو الفكري الذي أصاب العالم الإسلامية، لأنها في حقيقتها صدى للدعوات القومية التي ظهرت في أوروبا.
يصفها سماحة الشيخ ابن باز بأنها: "دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه ". ويقول عنها: "وقد أحدثها الغربيين من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول .. فاعتنقها كثير من العرب من أعداء الإسلام واغتر بها كثير من الأغمار ومن قلدهم من الجهال وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان ". ويقول أيضاً: "هي دعوة باطلة وخطأ عظيم ومكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للإسلام وأهله".
يرى دعاة الفكر القومي ـ على اختلاف بينهم في ترتيب مقومات هذا الفكرـ أن أهم المقومات التي تقوم عليها القومية العربية هي: اللغة والدم والتاريخ والأرض والآلام والآمال المشتركة.
ويرون أن العرب أمة واحدة لها مقومات الأمة وأنها تعيش على أرض واحدة هي الوطن العربي الواحد الذي يمتد من الخليج إلى المحيط.
كما يرون أن الحدود بين أجزاء هذا الوطن هي حدود طارئة، ينبغي أن تزول وينبغي أن تكون للعرب دولة واحدة، وحكومة واحدة، تقوم على أساس من الفكر العلماني.
يدعو الفكر القومي إلى تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات والأديان كما يزعمون.
ـ لذلك يتبنى شعار: (الدين لله والوطن للجميع). والهدف من هذا الشعار، إقصاء الإسلام عن أن يكون له أي وجود فعلي من ناحية، وجعل أخوة الوطن مقدمة على أخوة الدين من ناحية أخرى.
ـ يرى الفكر القومي أن الأديان والأقليات والتقاليد المتوارثة عقبات ينبغي التخلص منها من أجل بناء مستقبل الأمة.
ـ يقول عدد من قادة هذا الفكر: نحن عرب قبل عيسى وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
ويقرر الفكر القومي أن الوحدة العربية حقيقة، أما الوحدة الإسلامية فهي حلم.
ـ وأن فكرة القومية العربية من التيارات الطبيعية التي تنبع من أغوار الطبيعة الاجتماعية، لا من الآراء الاصطناعية التي يستطيع أن يبدعها الأفراد.
ـ كثيراً ما يتمثل دعاة الفكر القومي بقول الشاعر القروي:
هبوني عيداً يجعل العرب أمةً
وسيروا بجثماني على دين بَرْهَمِ
سلام على كفرٍ يوحِّد بيننا
أهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ
ـ يقول بعض دعاة الفكر القومي: إن العبقرية العربية عبرت عن نفسها بأشكال شتى، فمثلاً عبرت ذات مرة عن نفسها بشريعة حمورابي، ومرة أخرى بالشعر الجاهلي، وثالثة بالإسلام.
ـ وقال أحد مشاهيرهم: لقد كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب محمداً.
يرى دعاة الفكر القومي أن من الإجرام أن يتخلى العربي عن قوميته، ويتجاوزها إلى الإيمان بفكرة عالمية أو أممية، مع أن إبعاد الإسلام عن معترك حياة العرب ينهي وجودهم.
يقول بعض مفكري القومية العربية: إذا كان لكل عصر نبوته المقدسة، فإن القومية العربية نبوة هذا العصر.
ـ ويقول بعضهم الآخر: إن العروبة هي ديننا نحن العرب المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين، لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية، ويجب أن نغار عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبي والمسيحيون على إنجيل المسيح.
ويقرر بعضهم الآخر أن المرحلة القومية في حياة الأمة، مرحلة حتمية، وهي أخر مراحل التطور كما أنها أعلى درجات التفكير الإنساني.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 279
خامسا: الجذور الفكرية والعقائدية
الدعوة القومية التي ظهرت في أوروبا وتأسست بتأثيرها دول مثل إيطاليا وألمانيا.
يظهر الواقع أن الاستعمار هو الذي شجع الفكر القومي وعمل على نشره بين المسلمين حتى تصبح القومية بديلاً عن الدين، مما يؤدي إلى انهيار عقائدهم، ويعمل على تمزيقهم سياسيًّا حيث تثور العداوات المتوقعة بين الشعوب المختلفة.
يلاحظ نشاط نصارى بلاد الشام وخاصة لبنان، في الدعوة إلى الفكر القومي أيام الدولة العثمانية، وذلك لأن هذا الفكر يعمق العداوة مع الدولة العثمانية المسلمة التي يكرهونها، وينبه في العرب جانباً من شخصيتهم غير الدينية، مما يبعد بهم عن العثمانيين.
من بعض الجوانب يمكن أن يعد ظهور الفكر القومي العربي رد فعل للفكر القومي التركي الطوراني.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 280
سادسا: الانتشار ومواقع النفوذ
يوجد كثير من الشباب العربي ومن المفكرين العرب الذين يحملون هذا الفكر، كما توجد عدة أحزاب قومية منتشرة في البلاد العربية مثل حركة الوحدة الشعبية في تونس، وحزب البعث بشقيه في العراق وسوريا، وبقايا الناصريين في مصر وبلاد الشام، وفي ليبيا.
· كثير من الحكام يتبارون في ادعاء القومية وكل منهم يفتخر بأنه رائد القومية العربية ويدعي أنه الأجدر بزعامتها!
يلاحظ أن الفكر القومي الآن هو في حالة تراجع وانحسار.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 281
سابعا: كيف تسربت دعوى القومية إلى البلدان العربية والإسلامية ؟
البلدان العربية والإسلامية أعزها الله بالإسلام الذي يجعل أتباعه كالجسد الواحد. وقد عاش المسلمون ردحا من الزمن ما كانوا يعيرون القومية الجاهلية أدنى اهتمام سواءً كانوا حكاما أو محكومين. إلى أن بدأ المسلمون في الضعف والتقهقر فنفذ أعداء الإسلام مخططاتهم بتفريقهم على أيدي القوميين وحينئذ مدوا أيديهم إلى فتات الغرب القذر. فإذا بهم أمام القوميات فدخلها الكثير من أوسع أبوابها مصدقين الدعايات الغربية أنها ثقافة وعلم مادي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه من التقدم والرقي. بزعمهم ولم يفطن إلا القليل جدا إلى خطر القوميات وأبى الكثير بسبب ما كان عالقا بأذهانهم من وجوب استعادة الأمجاد السابقة للآباء والأجداد يساعدهم في هذا الاتجاه كل أعداء الإسلام من الصليبيين الذين تكبدوا في حروبهم مع المسلمين أفظع الهزائم التي لم يعرف في التاريخ لها أي مثيل ومستغلين كذلك الحملة ضد الحكم العثماني التركي على أيدي الصليبيين العرب في لبنان وسوريا. يقول محمد قطب: "وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المصدرة عن عمد إلى العالم الإسلامي من بين وسائل الغزو الفكري الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في غزو العالم الإسلامي " (١).
وكان أوسع الأبواب لدخول القومية إلى بلدان المسلمين هو المناداة بإقامة الأمجاد والمفاخر – الزائفة – بالتراث الجاهلي الذي سلبه الأتراك ممثلا في الدولة العثمانية بزعمهم وكان الذي فتح هذا الباب الواسع هم اليهود الذين هم وراء كل جريمة فقد أشعلوا الخلاف الشديد بين الأتراك الذين ما كانوا يعيرون القومية التركية أدنى اهتمام وبين العرب الذين كان ولاؤهم للإسلام. فجاء دعاة القومية وحرضوا الأتراك على إقامة قوميتهم الطورانية كما حرضوهم على تتريك العرب أيضا ليتم التصادم بين الجميع وأنه لا يجب على الجميع احترام القومية الطورانية. ورمز الذئب الأغبر الذي تجتمع عليه قومية الأتراك وتم لجمعيات اليهود أن ينادوا بتمجيد القومية الطورانية بالنسبة للأتراك حيث جعلها عدو الله أتاتورك بديلا عن الدين الإسلامي وعرفوا كيف ينفخون في أذهان العرب بإيجاد أنفة شديدة في نفوسهم من خضوعهم للأتراك وقامت الدعايات والمؤامرات والكتاب وكل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة قامت كل تلك الوسائل كالصاعقة لإحياء تلك النعرات الجاهلية القومية والوطنية عند العرب والأتراك جميعا وما تبع ذلك من الرغبة الشديدة في إشعال الثورات المتلاحقة للتخلص من الحكم العثماني بفعل دسائس أعداء الإسلام من اليهود والنصارى في رد فعل عارم على القومية الطورانية.
وكان ذلك كله بمرأى ومسمع من دهاة البشر وخبثائهم الدول الغربية المؤيدة لليهودية العالمية إلى أن سقطت الخلافة العثمانية جسما هامدا وجاء الحكام الجدد الذين لا هم لهم إلا تثبيت كراسيهم في الحكم على مفهوم القومية والوثنية ثم البعثية وصاروا يرددون كالببغاوات كل ما يسمعونه من مختلف الشعارات البراقة وكان أول بلد نجم عنه قرن القومية لبنان وسوريا بزعامة نصارى هذين البلدين- عيون الغرب الصليبيي في بلاد المسلمين – ومنها انتشرت الدعوة إلى القومية والوطنية بتأثير الدعايات والدراسات في الغرب وشراء الضمائر .. وما إلى ذلك من الوسائل الكثيرة التي استخدمت لإيصال هذه الأفكار وإخراجها كأمر واقع لابد منه لإيجاد الأمجاد العربية؟!. ولقد كان لليهود نصيب الأسد في إحياء القومية الطورانية لحقدهم الشديد على الدولة العثمانية التي أبت أن تمنحهم موضع قدم يمتلكونه في فلسطين وغيرها من بلدان المسلمين فكان من الطبيعي أن يستغل اليهود تلك النعرة الجاهلية ليحققوا من ورائها أهدافهم في الإطاحة بالخلافة الإسلامية ممثلة في السلطان عبد الحميد – ﵀ – الذي قال: " لن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا وليحتفظ اليهود ببلايينهم " (٢).
ومن ها هنا قرر اليهود إنشاء جمعية " الاتحاد والترقي " والحقيقة أنها عكس هذا الاسم تماما – وكل أعضائها فيما يذكر الباحثون أنهم غير أتراك وغير مسلمين حقيقة وكانت المساعدات المالية تأتيهم كلها من الدول الغربية النصرانية ومن يهود الدونمة.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٢١
стр. 282
ثامنا: نتيجة ظهور القومية بين المسلمين
تبين من الحوادث التاريخية أن دخول القومية إلى البلاد الإسلامية والعربية بخصوصها إنما كان بدافع الحقد الصليبي واليهودي والرغبة في تمزيق الوحدة الإسلامية والانتماء إلى الإسلام لأن الانتماء إلى العربية سيسهل عليهم مهمة استعمارهم لبلدان المسلمين بعد أن يفرقوا بين العرب وسائر إخوانهم المسلمين على طريقتهم " فرق تسد " وهو ما وقع بالفعل فما أن ضربت القومية بجرانها على بلاد العرب إلا وتفرقوا فرقا وأحزابا لا يلوي بعضهم على بعض في عنجهية جاهلية قومية فتمكن المستعمرون أعداء الإسلام منهم حين عرفوا من أين تؤكل الكتف فتخطفوهم وأخرجوهم من دينهم الإسلامي إلا من حفظه الله تعالى وأخذوا طرقا كثيرة من بلادهم – وفلسطين أقوى شاهد - على ما وقع فيه المسلمون العرب من ضياع وهزيمة والعراق الذي يعيش اليوم مرارة هزيمته على أيدي الصليبيين ومن قبل ذلك أسبانيا والبرتغال والهند وغيرها. ومن الجدير بالذكر أن ظهور القوميات لم يستفد منها أحد مثلما استفاد منها اليهود حين نادوا بالتعصب لقوميتهم اليهودية المتمثلة في الصهيونية وذلك لأن اليهود – وهو أمر مهم – قد مزقهم الله تعالى وشتتهم بسبب خبثهم ورعونة أخلاقهم وهذا الشتات يشكل خطرا عليهم أن يذوبوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأقوى ضمان لبقاء تماسكهم هو تعزيز القومية في نفوسهم لكي يتم ربطهم بها فكانت القومية مفيدة لهم بقدر ما هي ضارة بأمة تربطهم عقيدة واحدة مهما اختلفت قومياتهم وواقع الجميع أقوى شاهد على ذلك (١) على حد ما قاله أحد الشعراء:
وتفرقوا شيعا فكل قبيلة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر
أما بالنسبة لاستفادة النصارى من وراء قيام القوميات فحدث ولا حرج فلقد غرسوها بين المسلمين وتعاهدوها بكل ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليها حتى أتت ثمارها الخبيثة التي كانوا يتوقعونها وقد ملؤوا الدنيا صياحا ونياحا على عودة العرب إلى القومية العربية وإلى التراث المجيد؟! الذي كان للعرب قبل مجيء الإسلام وإلى حضارات الفينيقيين والآشوريين والفراعنة .. الخ. فكم ألفوا من الكتب نثرا ونظما لملأ عقول الناس بتقبل القومية التي ستكون هي المنقذ الوحيد للعرب من الذل وسيطرة غيرهم عليهم والتي أيضا ستكون هي النبتة الجميلة لبدايات التطور والتقدم ونبذ الماضي البغيض – هو الإسلام – الذي أخر عجلة تطور الدول الإسلامية .. إلى آخر الدعايات التي أجادوا حبكها والتخطيط لها وتكاتفت جهود الأقليات النصرانية واليهودية المبثوثة بين المسلمين وجهود الدول الاستعمارية الصليبية التي كانت تتربص بالمسلمين الدوائر متمثلة في أمريكا وبريطانيا وأسبانيا والبرتغال وغيرها من دول النصارى صارت كل هذه القوى الهائلة تحت تنظيم دقيق وخطط أعدت في غاية من الدهاء والخبث لإدخال فكرة القومية إلى عقل كل مسلم وأن العرب بخصوصهم لا منقذ لهم غير هذه القومية المباركة التي ستجمعهم وتؤلف بين قلوبهم وتجعلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى؟!
وكانت دعوة القومية كعملة ذات وجهين الوجه الأول منها هو تلك الصورة الوردية والحلم السعيد والوجه الآخر هو ذلك الباب الذي ظاهره من قبله العذاب والذي صمم لتفريق وتشتيت الداخلين فيه تلقائيا وقد تمثل نشاط النصارى في الإرساليات التبشيرية والاستشراقية وفي إقامة نقاط التواصل القوي والتخطيط المشترك بين النصارى المنبثين في المجتمعات الإسلامية وبين النصارى الخارجين عنهم مستخدمين تلك الأساليب والوسائل التي تقدمت دراستها والنصارى على يقين من أن القومية لو انتصرت فإن انتصارها سيكون نصرا لكل نصراني في بلاد العرب فهي قوة في حقيقتها لهم حيث يكون شأنهم مثل شأن كل المسلمين وكل أصحاب الأديان لأن الرابط الجديد القومية والوطنية تعطيهم هذا الحق الذي لا يمنعه إلا الدين إذ لا يجتمع الحق والباطل وقد تأكد لدى كل نصراني أن إحلال القومية محل الدين هو السبيل لاستحمار المسلمين واستعمارهم ومن هنا نجد أن نصارى العرب كانوا الجواسيس الناصحين للنصرانية الغربية ومن أوفى المؤازرين لها ومن أكثر الناس نشاطا وأكثرهم اجتماعات ومؤامرات ومؤتمرات لدراسة كل الوسائل التي يستفيدون منها لإبعاد الإسلام وإحلال القومية محله.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٢٤
стр. 283
تاسعا: ماذا يراد من وراء دعوى القومية ؟
من البديهي أنه لا يراد من وراء هذه الدعوى وجه الله ولا إقامة شرعه ليكون للناس نورا يعيشون به. ولا يراد بها كذلك إعلاء شأن المسلمين وإقامة مجدهم وعزهم لأن مسلك القومية ونهايتها لا تؤدي إلى هذه النتيجة وعلى الافتراض البعيد نقول لو كان الهدف من وراء نشر القومية هي تلك الأهداف النبيلة بزعمكم لكان في تعاليم الإسلام والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يغني ويكفي عن تعاليم القومية المخالفة لهما بل المضادة لهما ولو كان الهدف من ورائها إعلاء شأن المسلمين لكان في السير على نهج سلفنا الصالح ما لا يحتاج معه الشخص إلى أي شعار جديد يدعو الناس إلى الالتفاف حوله والنضال في سبيله.
وما زعمه القوميون – كذبا وزورا – من أن القومية العربية ستكون فجرا جديدا على العرب كافة إن هي إلا منكر من القول وزور بل كانت ظلمة وجهالة وتفريقا وتمزيقا لا يزال المسلمون يتجرعون غصصها إلى اليوم وكانت على – الحقيقة – فجرا جديدا وعهدا زاهرا فقط على اليهود والنصارى الذين برزت قرونهم عالية تحت مظلة القومية الجاهلية بحجة أن القومية العربية لا تفرق بين مسلم ويهودي ونصراني أو غيرهم وأن الجميع يشتركون في القومية والوطنية وكلهم من حقهم أن يصلوا إلى الحكم على حد سواء.
وإذا كان الأوروبيون قد نادوا بفصل الدين عن الدولة. للأسباب التي اضطرتهم إلى ذلك فإن الإسلام ليس فيه أي نزاع أو صراع بين الحكام والمحكومين لأنه ليس فيه طبقات كل طبقة تمثل جانبا في الحياة العامة بل إنه يعتبر المسلمين كلهم على درجة متساوية في المعاملات والقيام بالتكاليف الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلهم يجب عليهم الخضوع لشرع الله تعالى دون أن تستبد فئة بأخرى والحكام في الإسلام ليسوا في طبقة خاصة بل هم مثل سائر أفراد المسلمين لم تكن له مزية إلا تحمل الأمانة وتنفيذ شرع الله تعالى وأوجب لهم الإسلام السمع والطاعة في مقابل هذا العمل فأين هذا السلوك الذي تتحقق به سعادة الناس من سلوك الجاهليات الأوروبية وشرائعها القومية وإذا كان بعض المسلمين حكاما ومحكومين قد خالفوا هذا النهج الواضح فإن تبعة هذا الخلاف عليهم لا على الإسلام إذ الإسلام قد تبرأ من كل الجاهليات الوضعية وأبان حكمه في كل أمر فلا يجوز أن يحمل تبعة أي أمر لم يكن من تعاليمه.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٩٢٧
стр. 284
عاشرا: هل المسلمون في حاجة إلى التجمع حول القومية ؟ من البديهي أن يأتي الجواب بالنفي مطلقا والأمر واضح تمام الوضوح فقد أغنى الله المسلمين عن التجمع حول أي فكر جديد أو شعار أو حزب بل إنه حارب كل تجمع يقوم على غير هديه القويم معتبرا المسلمين كلهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] " ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا)) (١) ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (٢).ونصوص أخرى كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه كلها تحث المسلمين على أن يكون تجمعهم وتفرقهم وحربهم وسلمهم ومعاداتهم وموالاتهم كلها قائمة على هدى الله لا إلى العرب أو العروبة أو القومية أو الوطنية فهي وغيرها شعارات جاهلية يبغضها الإسلام ويحاربها وكل دعوى لا تلتزم هدى الله فهي دعوى جاهلية يجب الحذر منها ولقد أعلنها المصطفى ﷺ صريحة حيث قال للأنصاري الذي قال يا للأنصار وللمهاجرين حين قال يا للمهاجرين قال ﷺ : ((ما بال دعوى أهل الجاهلية)) (٣) وفي رواية ((أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)) (٤).وفي بعض الروايات قال لمن افتخر بعروبته ((دعوها فإنها خبيثة)) (٥) وفي رواية ((فإنها منتنة)) (٦) وفي بعضها ((دعوها فإنها ليست لكم بأب ولا أم)) (٧). لأن الإسلام أراد أن تجتث شجرة التعصب الخبيثة من أساسها لأن ثمارها لا خير فيها لأحد بل فيها العداوة والبغضاء والكبرياء والأحقاد وكل المساوئ والرذائل وأنها لا تؤلف القلوب بل تنفرها وتثير فيها كوامن حب التعالي والبغي بغير الحق فلا تفيدهم لا في دينهم ولا في دنياهم. ولقد جربت هذه الفكرة قديما وحديثا فكانت فاشلة تافهة ما إن يحصل خلاف وخصام بين أصحابها إلا ورموا بها عرض الحائط وصار بعضهم لا يخاف في الآخر إلاً ولا ذمة فهو لا يخاف من اختراقها نارا حامية ولا يرجو من تطبيقها جنة عالية فتكون النتيجة كما قال أبو فراس " إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر " (٨).
وقد وضح لكل عاقل أن القومية لم تقدم أي نفع للناعقين بها بل إنها كانت معول هدم وتخريب وبغي فأي حاجة للمسلمين إلى النعرات الجاهلية بعد أن أعزهم الله بالإسلام الذي أكمله الله لهم ورضيه لهم إلى يوم القيامة. وجعل أحكامه شاملة كاملة وافية بجميع ما يحتاج إليه البشر لسعادتهم في الدارين أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠].
стр. 285
إن الدعوة إلى القومية دعوى إلى الفرقة والفخر والتعالي حيث يدخل التعصب بجميع أشكاله من جميع الأبواب فما الذي يمنع في شرع القومية أن يفتخر العربي بأنه عربي ومن بلد كذا وكذا والعجمي بأنه عجمي ومن بلد كذا وكذا سيفتخر حتما في شرع القومية العربي بعربيته والفارسي بفارسيته والهندي بهنديته والصيني بصينيته.
وهكذا كل قوم أو بلد سيجدون ما يفتخرون به بالحق وبالباطل فالقومية ستلهمهم جميعا صواب ما يريدون وستعطي كل حزب أدلته على أنه أفضل عناصر البشر وأن وطنه أفضل الأراضي وأن كل ذرة منه مقدسة ومعلوم أنه لم يحتج المسلمون في تاريخهم الطويل – قبل انحرافهم عن الجادة – إلى قومية تجمعهم ولا أي رابط يربطهم غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ومعلوم أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
يقول د. جمعة الخولي بعد أن ذكر أن دول أوربا تحولت إلى شتات من البشر لا رابطة بينهم بعد أن أبعدوا عنهم النصرانية ورجال دينها وأنهم لجؤوا إلى القوميات كوسيلة لربط الشعوب كالقومية الألمانية والقومية الفرنسية والنمساوية .. إلخ وأنهم لم ينتفعوا بها بل كانت فتنة لهم وسببا من أسباب الحروب بينهم.
ثم جاء يوم تحاربت فيه على أساس هذه القوميات في الحربين العالميتين الأولى والثانية فلما أحست بلعنة القومية أخذت تتخلى عنها وعد كثير من مفكريها العودة للدعوة لها دليلا على الرجعية والتخلف وعنصرا هداما للإنسانية واعتبروها نوعا من التجارب التي لجأت إليها أوروبا في ظروف خاصة وفي وقت محدود، ثم نقل عن المؤرخ الشهير " أرنولد توينبي " قوله: " القومية لا تستطيع أبدا أن توحد الإنسانية بل إنها توزعها وتشتت شملها ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل وأنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها وأننا إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك والدمار فينبغي أن تحتضن الإنسانية كلها من غير استثناء ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة ".
ثم ألا يعلم القوميون العرب بخصوصهم أن العرب قبل الإسلام كانوا في غاية الأنفة والحمية والفصاحة العجيبة فما الذي أغنت عنهم وهل جنبتهم غضب الله أو جنبتهم الذل لغيرهم من سائر الأجناس أليس كان الفرس ينظرون إلى العرب كما ينظرون إلى الحشرات لا يقيمون لهم وزنا ولا قيمة فلماذا لم تدافع عنهم القومية وهل ستدافع عن المسلمين والعرب اليوم لولا ذوابها؟! وكم دعوا لها وكم لاذوا بها فكانت النتيجة ما نشاهده اليوم من تفرقهم وتشتتهم وذلهم الذي بلغ ذروته مع وصول القومية إلى ذروتها على أيدي ملاحدة البعث ونصارى العرب وغيرهم من مغفلي المسلمين وأصحاب المصالح الذين أذلتهم بطونهم ومطامعهم الذين هم أشبه ما يكونون بالقطط الذين يشبعون والنمور جياع، ثم أليست شريعة القوميين هي نفسها الشريعة التي كانت في الجاهلية من التعصب القبلي – انصر أخاك ظالما أو مظلوما – ومن الدعوة إلى الفجور والفواحش ومن التعالي والبغي على الناس بغير الحق ومن تقديس رؤوس الكفر واحترامهم وعدم وجود العزة والأنفة التي يتميز بها المسلم أمام أعداء الإسلام من اليهود والنصارى حتى أصبح راضيا مطمئنا بأن يتولى عليه من لا يساوي شراك نعله من ضلال اليهود والنصارى وغيرهم من كبار الفساق لأن شريعة القومية توجب ذلك لأن العروبة حين تجمع بين هؤلاء جميعا لا يبقى أي مزية للمسلم على الآخرين وهذا المفهوم منطقي مع استبدال الدين بالقومية.