ثالثا: أقسام الوجودية
قبل أن ندخل في تفاصيل الوجودية نتطرق أولا لما يذكره بعض العلماء حول قضية الوجود والعدم التي هي من الوضوح بحيث لا تخفى على أحد إلا أن عبث الفلاسفة وخيالاتهم التي تسرح هنا وهناك لم تقف بهم عند حد في إيراد الشبهات وهؤلاء يبحثون الواضح حتى يجعلونه غامضا بما يخترعونه من أفكار متضاربة واستنتاجات بعيدة وافتراضات خيالية، وحينما كان الناس على فطرتهم السليمة ما كانوا بحاجة إلى من يشرح لهم قضية الوجود والعدم لأنهم كانوا يحكمون على الموجود بأنه موجود وعلى المعدوم بأنه معدوم وأن الموجود هو مقابل المعدوم والمعدوم يقابله ضده الموجود. في بداهة لا تعرف التعقيد. كما أن كلمة "الوجود" لم يذكرها الله في القرآن الكريم ولا ذكر كذلك فكرة العدم بالمعنى الذي ذهب إليه الفلاسفة. وبتتبع الموجودات فإنك ستجد أن أول ما يظهر لك أنها تنقسم إلى قسمين:
١ - موجودات مشاهدة ومحسوسة.
٢ - موجودات غير مشاهدة وإنما هي في الأذهان تسمى الموجودات العقلية أو المنطقية. وسارتر يرى أن العدم لا معنى له إلا من جهة ما هو نفي شيء أو فقدان شيء فلا وجود للعدم بذاته وإنما يعود إلى تصور الإنسان له والقصد هو إنكار الحياة الأخروية والإسلام يقرر أن فكرة العدم المحض بالنسبة للإنسان غير صحيحة بل إنه سيحيى حياة أخرى بعد نهاية حياته الدنيوية ويؤكد الله هذا في كثير من آيات القرآن الكريم ويؤكده نبيه ﷺ في أكثر من نص في السنة النبوية (١).
стр. 457
رابعا: أسماء الوجودية وأوصافها الأخرى
للوجودية أسماء كثيرة، وأشهرها هو:
١ - الوجودية. ٢ - وتسمى - أيضاً - بفلسفة العدم.
٣ - وفلسفة التفرد. ٤ - والفلسفة الانحلالية.
وأما أوصافها فقد وصفت بأنها:
١ - مرض العصر
٢ - ومرض الإنسان في منتصف القرن العشرين.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٢٣
стр. 458
خامسا: التأسيس وأبرز الشخصيات
يرى رجال الفكر الغربي أن سورين كيركجورد ١٨١٣ – ١٨٥٥م هو مؤسس المدرسة الوجودية. ومن مؤلفاته: رهبة واضطراب.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
جان بول سارتر (١): هذا الرجل يعد أكثر الوجوديين شهرة، وهو يهودي فرنسي، فيلسوف وأديب، من فلاسفة القرن العشرين، ولد سنة ١٩٠٥م بباريس.
ولما نشأ بدأ دراسته في مدينة (لاردشيل) ثم أتمها في باريس، وقد أخذ شهادة في الفلسفة في سنة ١٩٢٩، ثم عين أستاذاً للفلسفة في مدينة (لان) في (ليهافر).
وقد اجتذبته الفلسفة الألمانية، فسافر إلى (برلين)، ومكث فيها سنة على نفقة المعهد الفرنسي.
وقام سنة ١٩٣٨م بنشر مؤلفه الأول، أو روايته الأولى (الغثيان) التى تشتمل على كثير من معالم النظريات الوجودية، التي أعلنها فيما بعد واضحة صريحة.
وفي سنة ١٩٣٩ نشر مجموعة قصص عنوانها (الحائط).
وعندما اشتعل لهيب الحرب العالمية الثانية جُنِّد في التعبئة العامة، ثم أسر في سنة ١٩٤٠م من قبل الألمان، وبعد أن أطلق سراحه اشترك في حركة المقاومة، وأنشأ سنة ١٩٥٠مجلة (العصور الحديثة) التي تتضمن أبحاثاً وجودية في الأدب والسياسة.
وقد أطلق كلمة (وجودية) على فلسفته فقط دون فلسفات الوجودية.
هذا وقد كتب عدداً من المؤلفات مثل:
١ - الغثيان ١٩٣٨م.
٢ - المتخيل ١٩٤٢م.
٣ - مسرحية الذباب ١٩٤٣م.
٤ - مسرحية الباب المغلق ١٩٤٣م.
٥ - الكينونة والعدم ١٩٤٣م.
٦ - مسرحية الأيدي القذرة ١٩٤٨م.
وقد لقيت مؤلفاته رواجاً جعله الممثل الأول للوجودية، وقد ترجمت إلى لغات عديدة.
أما حياته الشخصية فإنها تحمل طابعاً شاذاً.
وقد نشرت الصحف أنه اشترك في مظاهرات يهودية صهيونية في فرنسا، وحملات تبرع لإسرائيل في الستينيات كان شعارها: ادفع فرنكاً فرنسياً تقتل عربياً (أي مسلماً).
وحين حضره الموت ١٩٧٩م سأله من كان عنده: ترى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميق ملؤه الندم: إلى هزيمة كاملة.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٢٩
ومن رجالها كذلك: القس كبرييل مارسيل وهو يعتقد أنه لا تناقض بين الوجودية والنصرانية.
كارل جاسبرز: فيلسوف ألماني.
بسكال بليز: مفكر وفيلسوف فرنسي.
وفي روسيا: بيرد يائيف، شيسوف، سولوفييف.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 459
سادسا: أهداف الوجودية (١)
الوجودية دعوة قديمة، تظهر في صور براقة، ويستعمل في الدعاية لها كافة الوسائل.
وحيث وجَدْتَ فكراً يهدف إلى هدم الدين، أو الأخلاق، أو النظم الاجتماعية أو السياسية الصالحة - فابحث عن الأصابع اليهودية تجدْها وراءه.
وسارتر واحد من قافلة اليهود، الذين حملوا على عواتقهم رسالة تضليل الناس، وإغوائهم على منهج إبليس؛ لتحقيق أهداف اليهود العالمية، التي رسمتها بروتوكولات أحبارهم الذين مردوا على كل إثم وشر وتضليل. وأهداف سارتر لا تخرج عن أهداف فرويد (٢)، ودوركايم (٣) وبرجسون (٤).
ومن الأهداف التي قامت لأجلها الوجودية ما يلي:
١ - تحطيم القيم والأخلاق، والخروج على المبادئ والتمرد على المسلمات والثوابت.
٢ - إشاعة الرذيلة والإباحية بين الشباب والشابات.
٣ - رد الناس عن أديانهم أوتشكيكهم في عقائدهم.
٤ - السخرية من دعوة الرسل.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٣٠
стр. 460
سابعا: الأسباب التي دعت إلى ظهور الوجودية
هناك أسباب كثيرة أدت إلى قيام الوجودية، وتلك الأسباب في الأغلب هي التي أدت إلى قيام كثير من الحركات والمذاهب الفكرية.
وفيما يلى إجمال لتلك الأسباب التي أدت إلى قيام الوجودية:
١ - أنها ردة فعل للماركسية: التي ترى أن الإنسان ليس إلا قطعة في الآلة الكبيرة التي هي المجتمع؛ فليس للفرد عندها أي قيمة.
٢ - الطغيان الكنسي: وتحكم البابوات في شؤون الناس، وفرض الآراء التي لا تتفق مع العقل والفطرة، وادعاؤهم أن تلك الآراء هي الدين.
٣ - حدوث الحروب المدمرة: وخصوصاً الحرب العالمية الثانية، التي ذاقت البشرية ويلاتها، حيث دَمَّرت المدن، ومَزَّقت الأسر، وألقت بالآلاف في لهيب الدمار، والموت.
٤ - الخواء الروحي: الموجود في كثير من بلدان العالم، مما يجعل الناس يقبلون أي نحلة، فهم كلما خرجوا من نفق مظلم دخلوا في نفق أشدَّ حلوكةً وظلمة منه.
٥ - غياب المنهج الصحيح: الذي يُعنى بجميع جوانب الحياة سواء كانت اجتماعية أو فردية أو غير ذلك، وهو الإسلام الذي أَفَلَتْ شمسه في أوربا، مما جعل الناس يتخبطون، ويبحثون عن الحل، فلا يجدونه.
٦ - تقصير أمة الإسلام في أداء رسالتها: فهي الأمة القوامة، وهي الأمة الشاهدة على الناس، فلمَّا قصرت في أداء واجبها تجاه البشرية تاهت البشرية في دياجير الظلمة.
٧ - المكر اليهودي: الحاقد على البشرية، والذي كان له دور في قيام الوجودية؛ فاليهود إما أن يتبنوا كل مذهب خبيث، أو يعملوا على إنشائه.
ومن هذه المذاهبِ الوجوديةُ حيث دعمتها الصهيونية دعماً كاملاً، والدليل على ذلك أن الصفحات التى كتبها (كيركجورد) ظلت مغمورة لمدة مائة سنة حتى أخرجتها الصهيونية التلمودية، وأذاعتها، وترجمتها.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٣١
стр. 461
ثامنا: أسباب انتشار الوجودية
ولسائل أن يسأل بإلحاح فيقول إذا كانت آراء الوجودية بهذه الضحالة والسخافة فكيف انتشرت وكيف تقبلها الناس؟ والجواب: إنه بالتأكيد أن آراء الوجودية في غاية السخافة والبطلان ولكن لا يغيب عن ذهن السائل أن لكل صائح صدى أو كما قال الشاعر: لكل ساقطة في الحي لاقطة.
وبداهة يعلم أن الذين تقبلوها ونشروها إنما يريدون من ورائها ما أراد مؤسسوها الأوائل من إشاعة الإلحاد وهدم الأخلاق والأديان أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:٥٣].
وأول ما يدل على بطلانها وسخافتها موقف دعاتها من وجود رب العالمين الذي يدل على وجوده جميع ذرات هذا الكون سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا لكنه خفي في أذهانهم حين استبعدهم إبليس وجنوده وقد حدثت أمور خطيرة استفاد منها الوجوديون في ترويج أفكارهم وذلك أن بشاعة الحروب العالمية وغيرها وأخطارها وما كانوا ينتظرونه من ظهور الفتن المتتابعة وتسلط الكنيسة وطغيانها وكذا ما تدعو إليه الوجودية من الانطلاق واهتبال الشهوات وتهوين أمر الفواحش وأنها المنقذ الوحيد من الشقاء فتلقفها الشباب والشابات والمراهقين والمراهقات على أنها حقيقة يجب أن تطبق فانتشرت الفوضى الجنسية والإباحية التي لا حدود لها ضاربين بكل القيم والمثل الدينية والاجتماعية عرض الحائط. كما أن اليأس الذي كان يعيشه الأوربيون والبطالة الشديدة والاستغلال الجشع من قبل أصحاب الأموال مع جهل مطبق بالدين الحق كل هذه كانت روافد لتقبل المحرومين والمترفين على حد سواء للأفكار الوجودية.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٦٧
стр. 462
تاسعا: الأفكار والمعتقدات
يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل. وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ ووصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة.
يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق والقلق واليأس والشعور بالسقوط والإحباط لأن الوجودية لا تمنح شيئاً ثابتاً يساعد على التماسك والإيمان وتعتبر الإنسان قد أُلقي به في هذا العالم وسط مخاطر تؤدي به إلى الفناء.
يؤمنون إيماناً مطلقاً بالوجود الإنساني ويتخذونه منطلقاً لكل فكرة.
يعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود وما قبله كان عدماً وأن وجود الإنسان سابق لماهيته.
يعتقدون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحل مشكلة الإنسان.
يقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان ومراعاة تفكيره الشخصي وحريته وغرائزه ومشاعره.
يقولون بحرية الإنسان المطلقة وأن له أن يثبت وجوده كما يشاء وبأي وجه يريد دون أن يقيده شيء.
يقولون: إن على الإنسان أن يطرح الماضي وينكر كل القيود دينية كانت أم اجتماعية أم فلسفية أم منطقية.
يقول المؤمنون منهم إن الدين محله الضمير أمَّا الحياة بما فيها فمقودة لإرادة الشخص المطلقة.
لا يؤمنون بوجود قيم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه إنما كل إنسان يفعل ما يريد وليس لأحد أن يفرض قيماً أو أخلاقاً معينة على الآخرين.
أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية والتحلل والفساد.
رغم كل ما أعطوه للإنسان فإن فكرهم يتسم بالانطوائية الاجتماعية والانهزامية في مواجهة المشكلات المتنوعة.
الوجودي الحق عندهم هو الذي لا يقبل توجيهاً من الخارج إنما يسيِّر نفسه بنفسه ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود.
لها الآن مدرستان: واحدة مؤمنة والأخرى ملحدة وهي التي بيدها القيادة وهي المقصودة بمفهوم الوجودية المتداول على الألسنة فالوجودية إذاً قائمة على الإلحاد.
الوجودية في مفهومها تمرد على الواقع التاريخي وحرب على التراث الضخم الذي خلفته الإنسانية.
تمثل الوجودية اليوم واجهة من واجهات الصهيونية الكثيرة التي تعمل من خلالها وذلك بما تبثُّه من هدم للقيم والعقائد والأديان.
الجذور الفكرية والعقائدية:
إن الوجودية جاءت كردِّ فعل على تسلط الكنيسة وتحكمها في الإنسان بشكل متعسف باسم الدين.
تأثرت بالعلمانية وغيرها من الحركات التي صاحبت النهضة الأوروبية ورفضت الدين والكنيسة.
تأثرت بسقراط الذي وضع قاعدة "اعرف نفسك بنفسك".
تأثروا بالرواقيين الذين فرضوا سيادة النفس.
كما تأثروا بمختلف الحركات الداعية إلى الإلحاد والإباحية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 463
عاشرا: الانتشار ومواقع النفوذ
ظهرت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ثم انتشرت في فرنسا وإيطاليا وغيرهما. وقد اتخذت من بشاعة الحروب وخطورتها على الإنسان مبرراً للانتشار السريع. وترى حرية الإنسان في عمل أي شيء متحللاً من كل الضوابط. وهذا المذهب يعد اتجاهاً إلحاديًّا يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية.
انتشرت أفكارهم المنحرفة المتحللة بين المراهقين والمراهقات في فرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها حيث أدت إلى الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية واللامبالاة بالأعراف الاجتماعية والأديان.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 464
حادي عشر: الوجودية في بلاد الإسلام (١)
عندما نسي المسلمون حظاً مما ذكروا به، وقصروا في تبليغ دينهم، وزهد كثير منهم في الأخذ به ودعوة الناس إليه - أصبحوا عُرْضَةً لكل عدو، وغرضاً لكل دخيل، فهوجموا في عقائدهم، وأخلاقهم، حتى ضعف قدر الإسلام في قلوب كثير من أبنائه، مما جعل كثيراً من الببغاوات والمنهزمين يأخذون بهذه الفكرة الخبيثة، وذلك ناتج عن الولع بالغرب، والتقليد الأعمى، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، حتى إن المذاهب في الغرب تموت ولها في الشرق دعاة يهتفون لها؛ فقد تخلى سارتر عن وجوديته، ولازال بعض أولئك بوجوديته متعلقاً.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٣٣
стр. 465
ثاني عشر: بطلان الوجودية
بيان بطلان الوجودية لا يحتاج إلى كبير جهد؛ ففسادها يغني عن إفسادها، وتصورها كافٍ في الرد عليها.
يقول الأستاذ عبدالرحمن الميداني: لا تحتاج آراء سارتر، وكذلك كل آراء الوجودية الملحدة إلى جهد كبير لتفنيدها، وكشف زيوفها؛ فهي أقل من أن توضع بين الفلسفات التى تستحق المناقشة، والاعتراض، والنقد. ولولا أنها كتبت بأيدي رجال متخصصين في دراسة الفلسفة، ثم قامت منظمات ذات مخططات سياسية عالمية هدامة بترويجها في أسواق الفارغين من العقول لنشر الإلحاد بالله، وتدمير الأخلاق، وسائر القيم الصحيحة عن طريقها - لما كان لها شأن يذكر، ولما رفعها أحد من مجمع قمامات الآراء لينظر إليها، ويفحص ماهيتها، ولما شُغل بقراءة كتبها مشغولون حريصون على أوقاتهم أن تضيع سدى في قراءة كلام هراء متهافت سخيف لا قيمة له لدى أهل الفكر والنظر (١).
وفيما يلي ذكر لبعض الأمور التي يتبين من خلالها بطلان الوجودية وزيفها:
١ - بطلان قولها بإنكار الخالق: فالوجودية أنكرت وجود الخالق وهذا الأمر منقوض بالشرع، والعقل، والفطرة، والحس.
فهذه كلها تدل على وجود الله .
أما دلالة الشرع على وجود الله فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، فما جاءت به من العقائد الصحيحة، والأخلاق القويمة، والأحكام العادلة - دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح عباده.
وأما دلالة العقل فلأن المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق؛ إذ لا يمكن أن تُوجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن الشيء لايخلق نفسه، ولأن كل حادث لا بد له من مُحدِث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض - يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة. إذا تقرر ذلك تَعَيَّن أن يكون لها مُوجد وهو الله رب العالمين، وبطل القول بإنكاره (٢).
وأما دلالة الفطرة على وجود الله فلأن كل مولود قد فُطر وجُبل على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكيرٍ أو تعليم. ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها (٣). قال النبي ": ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه (٤).
أما دلالة الحس على وجود الله فلأن كل ما في الكون شاهد ودليل على وجود الله .
فكيف يأتي جاهل سفيه موتور كفور فينكر وجود الله بجرة قلم؟! ومن أدلة الحس إجابة الدعوات، ومعجزات الأنبياء، ودلالة الأنفس، والآفاق ونحو ذلك. (٥)
٢ - بطلان دعواهم إلى الحرية المطلقة: فلقد دعا الوجوديون إلى الحرية المطلقة زعماً منهم بأن هذا هو الطريق الوحيد لأن يثبت الإنسان وجوده.
ويقال لهؤلاء: ما مفهوم الحرية عندكم؟ أهي على حساب حريات الآخرين؟ أم على حساب القيم والمبادئ؟ وهل الإنسان إذا أطلق العنان لنفسه وشهواته يكون حراً فيثبُت وجوده من خلال ذلك؟
стр. 466
الجواب أن هذا فهم خاطىء للحرية؛ فهي لا تكون بإطلاق الشهوات، ولا تكون على حساب الآخرين، فإذا لم تضبط بالشرع أصبحت البشرية كقطيع من البهائم السائبة، لايردعها دين، ولا يزُمُّها حياء، ولا يحكمها عقل. وإذا كانت الغاية من الوجودية هي أن تحقق للإنسان وجوده فإن ذلك مقرر في الإسلام في إطاره الطبيعي، وضوابطه الأصلية، التي تحمي وجوده وكيانه، وليس للإنسان أن يطلق العنان لتحقيق شهواته فيدمر نفسه ويدمر الآخرين (١).
ثم إن الإنسان - أي إنسان - عبد، لا ينفك عن هذه العبودية طرفة عين.
فإذا رضي بعبودية الله - تحرر مما سواه، وإلا تناوشته سائر العبوديات، فصار عبداً للشهوة، أو عبداً للشهرة، أو عبداً للمال أو المنصب، أو عبداً للطواغيت، ونحو ذلك.
ثم إن الحرية المطلقة سبب للشقاء، والدمار، والتفكك، والانهيار.
ولا أدل على ذلك من حال الدول التي يشيع فيها هذا النوع من الحرية؛ فهي تعاني الأمرَّين من السرقة، والشذوذ، والأمراض الجنسية، والانتحار، وما جرى مجرى ذلك مما يطول ذكْرُه.
٣ - قيامها على التناقض والجهل، ومخالفتها للثوابت: فمما يكشف زيف الوجودية أنها قامت على التناقض، والجهل، ومخالفة العلم والعقل، والحقائق الثابتة.
فلقد قدم سارتر وسائر الوجوديين آراءهم على أنها أحكام تقريرية، دون أن تُؤيد بدليل علمي، أو حسي، أو واقعي.
فما قيمة آراء وأفكار من هذا القبيل؟!
إن أي صاحب خيال يستطيع أن يقول أيَّةَ فكرةٍ تخطر في وهمه، فيزينها بصبغة كلامية، ويزوقها بزخرف من القول، ثم يطرحها في ميادين الفكر، ويجعلها مذهباً فكرياً.
ولكن عند النظر فيها لا يثبت لها قدم، ولا يستوي لها ساق. وكما قدم الوجوديون أحكاماً تقريرية بدون أي دليل - أنكروا حقائق يشعر بها الناس جميعاً بدون أي دليل (٢).ونظراً لهذا الاضطراب والتذبذب لم تستطع الوجودية إلى الآن أن تأخذ مكانها بين العقائد والأفكار (٣).
٤ - شذوذ روادها وانحرافهم: فلقد قامت الوجودية على أيدي دعاة كانوا جميعاً من الشذاذ، وكانت حياتهم مليئة بالاضطرابات والقلق.
وهذا مما يدل على بطلانها؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.
ثم إن كتابات أربابها كانت متسمة بالانحراف والسقوط؛ فهم يُعَنْوِنُونها دائماً بعنوانات ساقطة، ينفر منها الذوق السليم، وتأباها الفطرة القويمة. ومن مقالاتهم في ذلك: القلق، الحائط، الذباب، الغثيان، التمزق، اللامعقولية (٤).
ولا غرو في ذلك؛ فكل إناء بما فيه ينضح.
٥ - آثارها ونتائجها المدمرة: وهذا يدل بجلاء على فساد تلك الفكرة وزيفها؛ ذلك أنها قامت - فيما تزعم - من أجل إسعاد الفرد، ورد اعتباره.
فما النتيجة التي حصلت بالدعوة إليها؟ وماذا حدث من جراء اعتناقها؟ النتيجة كما قيل: تلك آثارنا تدل علينا.
فلقد انتشر التشاؤم والقلق، والحيوانية، والضياع، والخوف الرهيب، والانتحار والتمرد، والأنانية المفرطة.
أضف إلى ذلك ضياع المشاعر الإنسانية، كالمحبة، والرحمة، والإيثار، ونحو ذلك كلها ضاعت في مستنقع الوجودية الآسن.
стр. 467
يقول (بوخينسكي) أستاذ الفلسفة بجامعة (فريبورج) بسويسرا بعد عرضه آراء سارتر في الوجودية: وليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي ترتبت على هذه الفلسفة، والتي تمثلت في نكران كل القيم، وكل القوانين الموضوعة، وهي ادعاء عدمية واستحالة وعدم جدوى الحياة الإنسانية.
بل إن الوجودية قد أفرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يد سارتر. ومن نتائج الوجودية - أيضاً - دعوتها إلى التشكيك في جدوى قيام كل ما يتسم بروح الجد وطابعه، فهي فلسفة انحلالية عدمية تماماً (١).
٦ - وبالجملة: فليست الوجودية كما حددها سارتر سوى صورة من صور الضياع؛ فهي ليست إلا ثورة سلبية يائسة، لم تستطع أن تشخص الداء فضلاً عن تقديم الدواء.
وكل ما تستطيع أن تقول بصدق: إن ما قدمته الوجودية للإنسانية هو عرض بعض جوانب المأساة البشرية، تلك المأساة التي تعبر عنها جملة واحدة هي: (البحث عن الإله).
فهي ترفض الإيمان بالله كما يبينه الدين، ولكنها لا تجد البديل.
والإنسان الذي تحاول تأليهه محصورٌ مقهور أمام القدر الكوني، وأمام وضعه التاريخي المحدد.
وحول إيجاد مخرج من هذا التناقض تأتي الفلسفات الوجودية بشعارات شتى كالحرية عند سارتر، والعبث عند البيركامو، وهكذا ضلوا وأضلوا، وشقُوا وأشقوا.
وصدق الله إذ يقول: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:١٢٣ - ١٢٦]
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٣٦
стр. 468
ثالث عشر: تبرؤ عبد الرحمن بدوي من الوجودية
حوار مع عبدالرحمن بدوي قبل وفاته بشهر أجرته مجلة الحرس الوطني عدد ٢٤٤ تاريخ ١/ ١٠/٢٠٠٢م
هل تبرأت من كتاباتك السابقة عن (الوجودية) و (الزمن الوجودي) وعن كونك رائد الوجودية في الوطن العربي؟!!
- نعم .. أي عقل ناضج يفكر لا يثبت على حقيقة واحدة. ولكنه يتساءل ويستفسر ويطرح أسئلته في كل وقت، ويجدد نشاطه باستمرار ولهذا فأنا في الفترة الحالية أعيش مرحلة القرب من الله تعالى، والتخلي عن كل ما كتبت من قبل، من آراء تتصادم مع العقيدة والشريعة، ومع الأدب الملتزم بالحق والخير والجمال. فأنا الآن .. هضمت تراثنا الإسلامي قراءة وتذوقاً وتحليلاً وشرحاً، وبدا لي أنه لم يتأت لأمة من الأمم مثل هذا الكم الزاخر النفيس من العلم والأدب والفكر والفلسفة لأمة الضاد!!. كما أني قرأت الأدب والفلسفات الغربية في لغاتها الأم مثل الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والألمانية والإيطالية، وأستطيع أن أقول إن العقل الأوروبي لم ينتج شيئاً يستحق الإشادة والحفاوة مثلما فعل العقل العربي!!. وتبين لي- في النهاية - الغي من الرشاد، والحق من الضلال.
مشروعات قادمة:
وماذا تنوي أن تقدم من مشاريع فكرية في المستقبل؟ وهل ستعود إلى باريس ثانية؟!!.
- مشاريعي الفكرية القادمة إن شاء الله .. تتجه وجهة فكرية أخرى، تميل إلى الأصالة بعد أن افتضحت "المعاصرة" وعَرَاها الجحود والتخلف والتعقيد.
وأنا من الباحثين عن أسس مرجعية للحضارة الإسلامية، وبصدد تأليف كتاب يكون مرجعياً لمعالم الحضارة في الإسلام، سماتها، أسماؤها، معالمها، اتجاهاتها، شخصياتها، أبرز علمائها .. إلخ. وهناك كتاب آخر عن الأدب والعقيدة دراسة في نماذج مختلفة. وغير ذلك من الموضوعات التي تمتاح من الأصالة وتتعمقها وتتشربها أصلاً ونبراساً وطريقاً لا مناص ولا محيد عنه. وربما أعود لباريس ثانية.
وما رأيك في الحداثة بعد أن افتضح أمرها، وثارت حولها القصص والحكايات بشأن التمويل والعلاقات المشبوهة مع المخابرات الغربية؟!!. الحداثة ماتت في الغرب في السبعينات، لكننا أحييناها على ترابنا، وفي جامعاتنا ومعاهدنا، وفى منتدياتنا الفكرية والثقافية والأدبية. وعادينا من أجلها تراثنا العظيم، وشعرنا العمودي، وفكرنا القويم. وخضنا بسببها حروباً طاحنة واشتباكات فكرية لا طائل من ورائها!!. ولم يفطن أدباؤنا ولا مفكرونا إلى حقيقتها وإلى أوزارها ومساوئها إلا بعد صدور هذا الكتاب (الحرب الباردة الثقافية) .. دور المخابرات المركزية الأمريكية في الثقافة والفن" الذي أحدث صدمة قوية بالنسبة لهؤلاء المتغرّبين، فاقتنعوا أخيراً بما كنا نقوله من قبل!!. وحش العولمة!! يهاجم الجميع العولمة لما يكتنفها من هيمنة وغزو وسيطرة، ومحق لثقافات وتوجهات وهويات الآخرين الحضارية .. فما رأيك في ذلك؟!!. -العولمة .. شبح يريد الفتك بنا جميعاً فهي وحش كاسر يتربص بالعالم كله، لكي يستحوذ عليه ثقافياً وفكرياً وحضارياً واقتصادياً وعسكرياً، وهى استعمار جديد، وهيمنة غربية على مقدرات العالم، ولعقوله وأفكاره وأمواله!!. ويجب أن نتصدى لها وأن نفيق لمخططاتها الجهنمية!!. وهل تقدرون مغبة عودتك الحميمة للإسلام، بالنسبة للحداثيين والعلمانيين الذين سيشنون حرباً شرسة ضدكم؟ - ما دمت قد هاجمت الأصلاء وعرضت بهم وبإنتاجهم لسنين وسنين، فما المانع أن أذوق من نفس الكأس، وأن أشرب منه، بعد أن تسببت في تجرع الكبار من هذا الكأس من قبل؟! وأنا سعيد بأن يهاجمني الوجوديون والعلمانيون والشيوعيون، لأن معنى ذلك أني أسير على الحق، وأنني على صواب. ولا أكترث بما يكتبون، لأن القافلة تسير، والكلاب تنبح!!.
стр. 469
رابع عشر: حكم الوجودية والانتماء إليها (١)
عُرض موضوع الوجودية على مجلس المجمع الفقهي في دورته المنعقدة في ٢٦/ ٤/١٣٩٩هـ - ٤/ ٥/١٣٩٩هـ، وأصدر بذلك قراراً حول الوجودية وهذا نصه: الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:
فقد درس مجلس المجمع الفقهي البحث الذي قدمه الدكتور محمد رشيدي عن (الوجودية) بعنوان (كيف يفهم المسلم فكرة الوجودية)، وما جاء فيه من شرح لفكرتها، ولمراحلها الثلاث التي تطور فيها هذا المذهب الأجنبي إلى ثلاثة فروع تميز كل منها عن الآخر تميزاً أساسياً جذرياً، حتى يكاد لا يبقى بين كل فرع منها والآخر صلة أو جذور مشتركة.
وتبين أن المرحلة الثالثة رجعت بفكرة الوجودية إلى إلحاد انحلالي يستباح فيه تحت شعار الحرية كل ما ينكره الإسلام والعقول السليمة.
وفي ضوء ما تقدم بيانه يتبين أنه حتى فيما يتعلق بالمرحلة الثانية المتوسطة من هذه الفكرة، وهي التي يتسم أصحابها بالإيمان بوجود الخالق، والغيبيات الدينية، وإن كان يقال إنها رد فعل للمادية والتكنولوجيا والعقلانية المطلقة.
وكل ما يمكن أن يقوله المسلم عنها في ضوء الإسلام هو أن هذه المرحلة الثانية منها، أو عقيدة الفرع الثاني من الوجودية - رأي أصحابها في الدين على أساس العاطفة دون العقل - لا يتفق مع الأسس الإسلامية في العقيدة الصحيحة، المبنية على النقل الصحيح، والعقل السليم في إثبات وجود الله - تعالى – وما له من الأسماء والصفات، وفي إثبات الرسالات على ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ".
وبناء على ذلك يقرر مجلس المجمع بالإجماع: إن فكرة الوجودية في جميع مراحلها وتطوراتها وفروعها لا تتفق مع الإسلام؛ لأن الإسلام إيمان يعتمد النقل الصحيح، والعقل السليم معاً في وقت واحد.
فلذا لا يجوز للمسلم بحال من الأحوال أن ينتمي إلى هذا المذهب متوهماً أنه لا يتنافى مع الإسلام، كما أنه لا يجوز بطريق الأولوية أن يدعو إليه أو ينشر أفكاره الضالة.
الرئيس/ عبدالله بن حميد
نائب الرئيس/ محمد علي الحركان
الأعضاء:
١ - عبد العزيز بن باز. ٢ - محمد السبيل.
٣ - صالح بن عثيمين. ٤ - محمد عبد الودود.
٥ - حسين مخلوف. ٦ - عبد المحسن العباد.
٧ - مصطفى الزرقاء. ٨ - محمد قباني.
٩ - اللواء محمود شيت خطاب. ١٠ - محمد رشيدي
١١ - محمد الشاذلي. ١٢ - محمد الصواف.
١٣ - عبد القدوس الهاشمي.
المصدر: رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص ٣٤٢
стр. 470
الخلاصة
أن الوجودية اتجاه إلحادي يمسخ الوجود الإنساني ويلغي رصيد الإنسانية من الأديان وقيمها الأخلاقية. وتختلف نظرة الإسلام تماماً عن نظرية الوجودية حيث يقرر الإسلام أن هناك وجوداً زمنياً بمعنى عالم الشهادة ووجوداً أبديًّا بمعنى عالم الغيب. والموت في نظر الإسلام هو النهاية الطبيعية للوجود الزمني ثم يكون البعث والحساب والجزاء والعقاب.
أما الفلسفة الوجودية فلا تسلم بوجود الروح ولا القوى الغيبية وتقوم على أساس القول بالعدمية والتعطيل فالعالم في نظرهم وجد بغير داع ويمضي لغير غاية والحياة كلها سخف يورث الضجر والقلق ولذا يتخلص بعضهم منها بالانتحار.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 471
مراجع للتوسع
- الوجودية وواجهتها الصهيونية، د. محسن عبد الحميد.
- مباحث في الثقافة الإسلامية، د. نعمان السامرائي.
- سقوط الحضارة، كولن ولسن.
- دراسات في الفلسفة المعاصرة، د. زكريا إبراهيم.
- الوجودية المؤمنة والملحدة، د. محمد غلاب.
- عقائد المفكرين في القرن العشرين، عباس محمود العقاد.
- المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها، د. عبد الرحمن عميرة.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 472
أولا: التعريف
الفرويدية مدرسة في التحليل النفسي أسسها اليهودي سيجموند فرويد Sigmund Freud وهي تفسر السلوك الإنساني تفسيراً جنسيًّا، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شيء. كما أنها تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف أمام الإشباع الجنسي مما يورث الإنسان عقداً وأمراضاً نفسية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 473
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
المؤسس وحياته:
ولد سيجموند فرويد في ٦ مايو ١٨٥٦م في مدينة فريبورج بمقاطعة مورافيا بتشيكوسلوفاكيا الحالية من والديْن يهوديين.
استقرت أسرة أبيه في كولونيا بألمانيا زمناً طويلاً.
ولدت أمه بمدينة برودي في الجزء الشمالي من غاليسيا ولما شبت تزوجت من جاكوب فرويد والد سيجموند فرويد حيث أنجبت له سبعة أبناء.
وغاليسيا مدينة ببولندا جاء منها والد فرويد وكانت معقلاً رئيسيًّا ليهود شرق أوروبا، وبسبب ظروف الشغب رحلت الأسرة إلى برسلاو بألمانيا وعمر سيجموند حينها ثلاث سنوات، ثم رحلوا مرة أخرى إلى فيينا حيث أمضى معظم حياته وبقي فيها إلى سنة ١٩٣٨م حيث غادرها إلى لندن ليقضي أيامه الأخيرة فيها مصاباً بسرطان في خده وقد أدركته الوفاة في ٢٣ سبتمبر ١٩٣٩م.
تلقى تربيته الأولى وهو صغير على يدي مربية كاثوليكية دميمة عجوز متشددة كانت تصحبه معها أحياناً إلى الكنيسة مما شكل عنده عقدة ضدّ المسيحية فيما بعد.
نشأ يهوديًّا، وأصدقاؤه من غير اليهود نادرين إذ كان لا يأنس لغير اليهود ولا يطمئن إليهم.
دخل الجامعة عام ١٨٧٣م وعقَّب على ذلك بأنه يرفض رفضاً قاطعاً أن يشعر بالدونية والخجل من يهوديته. لكن هذا الشعور الموهوم بالاضطهاد ظل يلاحقه على الرغم من احتلاله أرقى المناصب.
في سنة ١٨٨٥م غادر فيينا إلى باريس وتتلمذ على شاركوت Charcot مدة عام حيث كان أستاذه هذا يقوم بالتنويم المغناطيسي لمعالجة الهستيريا وقد أعجب فرويد به عندما أكَّد له بأنه في حالة من حالات الأمراض العصبية لا بد من وجود اضطراب في الحياة الجنسية للمريض.
أخذ يتعاون مع جوزيف بروير ١٨٤٢ – ١٩٢٥م وهو طبيب نمساوي صديق لفرويد، وهو فيزيولوجي في الأصل لكنه انتقل إلى العمل الطبي إذ كان ممن يستعملون التنويم المغناطيسي أيضاً.
بدأ الاثنان باستعمال طريقة التحدث مع المرضى فنجحا بعض النجاح ونشرا أبحاثهما في عامي ١٨٩٣م و١٨٩٥م وصارت طريقتهما مزيجاً من التنويم والتحدث، ولم يمض وقت طويل حتى انصرف بروير عن الطريق كلها.
تابع فرويد عمله تاركاً طريقة التنويم معتمداً على طريقة التحدث طالباً من المريض أن يضطجع ويتحدث مفصحاً عن كل خواطره، وسماها طريقة (الترابط الحر) سالكاً طريق رفع الرقابة عن الأفكار والذكريات، وقد نجحت طريقته هذه أكثر من الطريقة الأولى.
أخذ يطلب من مريضه أن يسرد عليه حلمه الذي شاهده في الليلة الماضية، مستفيداً منه في التحليل، وقد وضع كتاب (تفسير الأحلام) الذي نشره سنة ١٩٠٠م، ثم كتاب (علم النفس المرضي للحياة اليومية) ثم توالت كتبه وصار للتحليل النفسي مدرسة سيكولوجية صريحة منذ ذلك الحين.
انضم عام ١٨٩٥م إلى جمعية بناي برث أي أبناء العهد، وكان حينها في التاسعة والثلاثين من عمره، وهذه الجمعية لا تقبل بين أعضائها غير اليهود.
كان يعرف تيودور هرتزل الذي ولد عام ١٨٦٠م، كما سعيا معاً لتحقيق أفكار واحدة لخدمة الصهيونية التي ينتميان إليها، مثل فكرة معاداة السامية التي ينشرها هرتزل سياسيًّا، ويحللها فرويد نفسيًّا.
من أصحابه وتلاميذه:
لارنست جونز، مؤرخ السيرة الفرويدية، مسيحي مولداً، ملحد فكراً، يهودي شعوراً ووجداناً، حتى إنهم خلعوا عليه لقب: اليهودي الفخري.
أوتو رانك ١٨٨٤م – ١٩٣٩م قام بوضع نظرية تقوم أساساً على أفكار فرويد الأصلية مع شيء من التعديل الهام.
الفرِد آدلر: ولد في فيينا ١٨٧٠م – ١٩٣٧م، وقد انضم إلى جماعة فرويد مبكراً لكنه افترق عنه بعد ذلك مؤسساً مدرسة سماها مدرسة علم النفس الفردي مستبدلاً بالدوافع الجنسية عند فرويد عدداً من الدوافع الاجتماعية مع التأكيد على الإرادة القوية والمجهودات الشعورية.
كارل جوستاف يونج ١٨٧٥ – ١٩٦١م ولد في زيوريخ، وهو مسيحي، نصَّبه فرويد رئيساً للجمعية العالمية للتحليل النفسي، لكنه خرج على أستاذه معتقداً بأن هذه المدرسة التحليلية ذات جانب واحد وغير ناضجة، وكان لخروجه أثر بالغ على فرويد. وضع نظرية السيكولوجيا التحليلية مشيراً إلى وجود قوة دافعة أكبر هي طاقة الحياة مؤكداً على دور الخبرات اللاشعورية المتصلة بالعِرق أو العنصر.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 474
ثالثا: الفرويديون المحدثون
حدث انسلاخ كبير عن الفرويدية الأصلية، وذلك عندما تكونت الفرويدية الحديثة التي كان مركزها مدرسة واشنطن للطب العقلي، وكذلك معهد إليام ألانسون هوايت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مدرسة تتميز بالتأكيد على العوامل الاجتماعية معتقدة أن ملامح الإنسان الأساسية إيجابية، وهم يلحّون على نقل التحليل النفسي إلى علم الاجتماع للبحث عن أصول الحوافز البشرية في تلبية مطالب الوضع الاجتماعي، ومن أبرز شخصياتهم:
أريك فروم: ظهر بين ١٩٤١ – ١٩٤٧م. كان ينظر إلى الإنسان على أنه مخلوق اجتماعي بالدرجة الأولى بينما ينظر إليه فرويد على أنه مخلوق مكتفٍ بذاته، تحركه عوامل غريزية.
كارن هروني: استعملت طريقة فرويد خمسة عشر عاماً في أوروبا وأمريكا إلا أنها أعادت النظر فيها إذ وضعت نظرية جديدة تحرر فيها التطبيق العلاجي من كثير من القيود التي تفرضها النظرية الفرويدية.
وعلى الرغم من ذلك فإن الفرويديين المحدثين ما يزالون متمسكين بأشياء كثيرة من نظرية فرويد الأصلية مثل:
١ - أهمية القوى الانفعالية بوصفها مضادة للدفع العقلي والارتكاسات الاشتراطية وتكوين العادات.
٢ - التداعي اللاشعوري.
٣ - الكبت والمقاومة وأهمية ذلك في التحليل أثناء العلاج.
٤ - الاهتمام بالنزاعات الداخلية وأثرها على التكوين النفسي.
٥ - التأثير المستمر للخبرات الطفولية المبكرة.
٦ - طريقة التداعي الحر، وتحليل الأحلام، واستعمال حقيقة النقل.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 475
رابعا: الأفكار والمعتقدات
الأسس النظرية:
الأسس الثلاثة التي تركز عليها المدرسة التحليلية هي: الجنس – الطفولة – الكبت. فهي مفاتيح السيكولوجية الفرويدية.
نظرية الكبت: هي دعامة نظرية التحليل النفسي وهي أهم قسم فيه إذ إنه لا بد من الرجوع إلى الطفولة المبكرة وإلى الهجمات الخيالية التي يراد بها إخفاء فاعليات العشق الذاتي أيام الطفولة الأولى إذ تظهر كل الحياة الجنسية للطفل من وراء هذه الخيالات.
يعتبر فرويد مص الأصابع لدى الطفل نوعاً من السرور الجنسي الفمي ومثل ذلك عض الأشياء، فيما يعد التغوط والتبول نوعاً من السرور الجنسي الأستي كما أن الحركات المنتظمة للرجلين واليدين عند الطفل إنما هي تعبيرات جنسية طفولية.
اللبيدو Libido طاقة جنسية أو جوع جنسي، وهي نظرية تعتمد على أساس التكوين البيولوجي للإنسان الذي تعتبره حيواناً بشرياً فهو يرى أن كل ما نصرح بحبه أو حب القيام به في أحاديثنا الدارجة يقع ضمن دائرة الدافع الجنسي. فالجنس عنده هو النشاط الذي يستهدف اللذة وهو يلازم الفرد منذ مولده إذ يصبح الأداة الرئيسية التي تربط الطفل بالعالم الخارجي في استجابته لمنبهاته.
الدفع: يقول بأن كل سلوك مدفوع، فإلى جانب الأفعال الإرادية التي توجهها الدوافع والتمنيات هناك الأفعال غير الإرادية أو العارضة، فكل هفوة مثلاً ترضي تمنياً وكل نسيان دافعه رغبة في إبعاد ذلك الشيء.
الشلل أو العمى لديه قد يكون سببه الهروب من حالة صعبة يعجز الإنسان عن تحقيقها، وهذا يسمى انقلاب الرغبة إلى عرض جسدي.
الحلم عنده هو انحراف عن الرغبة الأصلية المستكنة في أعماق النفس وهي رغبة مكبوتة يقاومها صاحبها في مستوى الشعور ويعيدها إلى اللاشعور، وأثناء النوم عندما تضعف الرقابة تأخذ طريقها باحثة لها عن مخرج.
يتكلم فرويد عن تطبيق مبدأين هما اللذة والواقع، فالإنسان يتجه بطبيعته نحو مبدأ اللذة العاجلة لمباشرة الرغبة لكنه يواجه بحقائق الطبيعة المحيطة به فيتجنب هذه اللذة التي تجلب له آلاماً أكبر منها أو يؤجل تحقيقها.
يفترض فرويد وجود غريزتين ينطوي فيهما كل ما يصدر عن الإنسان من سلوك وهما غريزة الحياة وغريزة الموت. غريزة الحياة تتضمن مفهوم اللبيدو وجزءً من غريزة حفظ الذات، أما غريزة الموت فتمثل نظرية العدوان والهدم موجهة أساساً إلى الذات ثم تنتقل إلى الآخرين.
الحرب لديه إنما هي محاولة جماعية للإبقاء على الذات نفسياً، والذي لا يحارب إنما يعرض نفسه لاتجاه العدوان إلى الداخل فيفني نفسه بالصراعات الداخلية، فالأولى به أن يفني غيره إذن، والانتحار هو مثل واضح لفشل الفرد في حفظ حياته. وهذا المفهوم إنما يعطي تبريراً يريح ضمائر اليهود أصحاب السلوك العدواني المدمر.
اللاشعور: هو مستودع الدوافع البدائية الجنسية وهو مقر الرغبات والحاجات الانفعالية المكبوتة التي تظهر في عثرات اللسان والأخطاء الصغيرة والهفوات وأثناء بعض المظاهر الغامضة لسلوك الإنسان. إنه مستودع ذو قوة ميكانيكية دافعة وليس مجرد مكان تلقى إليه الأفكار والذكريات غير الهامة.
الـ (هو): مجموعة من الدوافع الغريزية الموجودة لدى الطفل عند ولادته التي تحتاج إلى الشعور الموجه، وهي غرائز يشترك فيها الجنس البشري بكافة. إنها باطن النفس، وقد نتجت عن (الأنا) إلا أنها تبقى ممزوجة بها في الأعماق أي حينما تكون (الأنا) لا شعورية، وهي تشمل القوى الغريزية الدافعة، فإذا ما كبتت هذه الرغبات فإنها تعود إلى الـ (هو) ( Ego).
стр. 476
(الأنا): بعد قليل من ميلاد الطفل يزداد شعوراً بالواقع الخارجي فينفصل جزء من مجموعة الدوافع الـ (هي) لتصبح ذاتاً ووظيفتها الرئيسية هي اختيار الواقع حتى يستطيع الطفل بذلك تحويل استجاباته إلى سلوك منظم يرتبط بحقائق الواقع ومقتضياته، إنها ظاهرة النفس التي ترتبط بالمحيط.
(الأنا العليا): هي الضمير الذي يوجه سلوك الفرد والجانب الأكبر منه لا شعوري وهو ما نسميه بالضمير أو الوجدان الأخلاقي، لها زواجر وأوامر تفرضها على (الأنا)، وهي سمة خاصة بالإنسان، إذ إنها أمور حتمية صادرة من العالم الداخلي.
النقل: وهي أن المريض قد ينقل حبَّه أو بغضه المكبوت في أعماق الذكريات إلى الطبيب مثلاً خلال عملية المعالجة. وقد تعرض بروير لحب واحدة من اللواتي كان يعالجهن إذ نقلت عواطفها المكبوتة إليه، فكان ذلك سبباً في انصرافه عن هذه الطريقة بينما تابع فرويد عمله بمعالجة الواحدة منهن بنقل عواطفها مرة أخرى والوصول بها إلى الواقع.
استفاد كثيراً من عقدة أوديب تلك الأسطورة التي تقول بأن شخصاً قد قتل أباه وتزوج أمه وأنجب منها وهو لا يدري. ولما علم بحقيقة ما فعل سمل عينيه، فقد استغلها فرويد في إسقاطات نفسية كثيرة واعتبرها مركزاً لتحليلاته المختلفة.
شخصية الإنسان هي حصيلة صراع بين قوى ثلاث: دوافع غريزية، واقع خارجي، ضمير، وهي أمور رئيسية تتحدد بشكل ثابت بانتهاء الموقف الأوديبي حوالي السنة الخامسة أو السادسة من العمر.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 477
خامسا: الآثار السلبية للفرويدية
لم ترد في كتب وتحليلات فرويد أية دعوة صريحة إلى الانحلال – كما يتبادر إلى الذهن – وإنما كانت هناك إيماءات تحليلية كثيرة تتخلل المفاهيم الفرويدية تدعو إلى ذلك. وقد استفاد الإعلام الصهيوني من هذه المفاهيم لتقديمها على نحو يغري الناس بالتحلل من القيم وييسر لهم سبله بعيداً عن تعذيب الضمير.
كان يتظاهر بالإلحاد ليعطي لتفكيره روحاً علمانية، ولكنه على الرغم من ذلك كان غارقاً في يهوديته من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.
كان يناقش فكرة معاداة السامية وهي ظاهرة كراهية اليهود، هذه النغمة التي يعزف اليهود عليها لاستدرار العطف عليهم، وقد ردّ هذه الظاهرة نفسياً إلى اللاشعور وذلك لعدة أسباب:
١ - غيرة الشعوب الأخرى من اليهود لأنهم أكبر أبناء الله وآثرهم عنده حاشا لله.
٢ - تمسّك اليهود بطقس الختان الذي ينبه لدى الشعوب الأخرى خوف الخصاء ويقصد بذلك النصارى لأنهم لا يختتنون.
٣ - كراهية الشعوب لليهود هو في الأصل كراهية للنصارى المسيحيين، وذلك عن طريق النقل إذ أن الشعوب التي تُنزِل الاضطهاد النازي باليهود إنما كانت شعوباً وثنية في الأصل، ثم تحولت إلى النصرانية بالقوة الدموية، فصارت هذه الشعوب بعد ذلك حاقدة على النصرانية لكنها بعد أن توحدت معها نقلت الحقد إلى الأصل الذي تعتمد عليه النصرانية ألا وهو اليهودية.
يركن إلى إشباع الرغبة الجنسية، وذلك لأن الإنسان صاحب الطاقة الجنسية القوية والذي لا تسمح له النصرانية إلا بزوجة واحدة؛ إما أن يرفض قيود المدنية ويتحرر منها بإشباع رغباته الجنسية وإما أن يكون ذا طبيعة ضعيفة لا يستطيع الخروج على هذه القيود فيسقط صاحبها فريسة للمرض النفسي ونهباً للعقد النفسية.
يقول بأن الامتناع عن الاتصال الجنسي قبل الزواج قد يؤدي إلى تعطيل الغرائز عند الزواج.
عقد فصلاً عن تحريم العذرة وقال بأنها تحمل مشكلات وأمراضاً لكلا الطرفين، واستدل على ذلك بأن بعض الأقوام البدائية كانت تقوم بإسناد أمر فض البكارة لشخص آخر غير الزوج، وذلك ضمن احتفال وطقس رسمي.
لقد برَّر عشق المحارم لأن اليهود أكثر الشعوب ممارسة له بسبب انغلاق مجتمعهم الذي يحرم الزواج على أفراده خارج دائرة اليهود، وهو يرجع هذا التحريم إلى قيود شديدة كانت تغل الروح وتعطلها، وهو بذلك يساعد اليهود أولاً على التحرر من مشاعر الخطيئة كما يسهل للآخرين اقتحام هذا الباب الخطير بإسقاط كل التحريمات واعتبارها قيوداً وأغلالاً وهمية. وقد استغل اليهود هذه النظرية وقاموا بإنتاج عدد من الأفلام الجنسية الفاضحة التي تعرض نماذج من الزنى بالمحارم.
لم يعتبر التصعيد أو الإعلاء – كما يسميه – إلا طريقاً ضعيفاً للتخلص من ضغط الدافع الجنسي إذ أن هذا الطريق لن يتيسر خلال مرحلة الشباب إلا لقلَّة ضئيلة من الناس وفي فترات متقطعة وبأكبر قدر من العنت والمشقَّة، أما الباقون – وهم الغالبية العظمى – فليس أمامهم إلا المرض النفسي يقعون صرعاه. كما أن أصحاب التصعيد هؤلاء إنما هم ضعاف يضيعون في زحمة الجماهير التي تنزع إلى السير بإرادة مسلوبة وراء زعامة الأقوياء.
في كفاحه ضد القيود، والأوامر العليا الموجهة إلى النفس، صار إلى محاربة الدين واعتباره لوناً من العصاب النفسي الوسواسي.
تطورت فكرة الألوهية لديه على النحو التالي:
١ - كان الأب هو السيد الذي يملك كل الإناث في القبيلة ويحرمها على ذكورها.
٢ - قام الأبناء بقتل الأب، ثم التهموا جزءً نيئاً من لحمه للتوحد معه لأنهم يحبونه.
٣ - صار هذا الأب موضع تبجيل وتقدير باعتباره أباهم أصلاً.
٤ - ومن ثم اختاروا حيواناً مرهوباً لينقلوا إليه هذا التبجيل فكان الحيوان هو الطوطم.
стр. 478
٥ - الطوطمية أول صورة للدين في التاريخ البشري.
٦ - كانت الخطوة الأولى بعد ذلك هي التطوُّر نحو الإله الفرد، فتطورت معها فكرة الموت الذي صار بهذا الاعتبار خطوة إلى حياة أخرى يلقى الإنسان فيها جزاء ما قدم.
٧ - الله – إذن – هو بديل الأب أو بعبارة أصح هو أب عظيم، أو هو صورة الأب كما عرفها المرء في طفولته.
نخلص من هذا إلى أن العقائد الدينية – في نظره – أوهام لا دليل عليها، فبعضها بعيد عن الاحتمال ولا يتفق مع حقائق الحياة، وهي تقارن بالهذيان، ومعظمها لا يمكن التحقق من صحته، ولابدّ من مجيء اليوم الذي يصغي فيه الإنسان لصوت العقل.
حديثه عن الكبت فيه إيحاءات قوية وصارخة بأن الوقاية منه تكمن في الانطلاق والتحرر من كل القيود، كما يحرم الإدانة الخلقية على أي عمل يأتيه المريض مركِّزاً على الآثار النفسية المترتبة على هذه الإدانة في توريثه العقد المختلفة مما يحرفه عن السلوك السوي.
مما ساعد على انتشار أفكاره ما يلي:
١ - الفكر الدارويني الذي أرجع الإنسان إلى أصول حيوانية مادية.
٢ - الاتجاه العقلاني الذي ساد أوروبا حينذاك.
٣ - الفكر العلماني الذي صبغ الحياة بثورته ضد الكنيسة أولاً وضد المفاهيم الدينية ثانياً.
٤ - اليهود الذين قدَّموا فكرة اللإنسانية باستخدام مختلف الوسائل الإعلامية بغية نشر الرذيلة والفساد وتسهيل ذلك على ضمير البشرية ليسهل عليهم قيادة هذه الرعاع من الشعوب اللاهثة وراء الجنس، المتحللة من كل القيود والقيم.
من أكبر الآثار المدمرة لآراء فرويد، أن الإنسان حين كان يقع في الإثم كان يشعر بالذنب وتأنيب الضمير، فجاء فرويد ليريحه من ذلك، ويوهمه بأنه يقوم بعمل طبيعي لا غبار عليه، وبالتالي فهو ليس بحاجة إلى توبة، وبذلك أضفى على الفساد صفة أخلاقية إذا صح التعبير.
ألَّف نحو ثلاثين كتاباً في الدراسات النفسية من أشهرها: الذات والذات السفلى والطواطم والمحرمات وتفسير الأحلام، وثلاث مقالات في النظرية الحسية والأمراض النفسية المنتشرة في الحياة اليومية. وكلها تدور – من زوايا مختلفة- حول موضوع واحد مكرر فيها جميعاً هو التفسير الجنسي للسلوك البشري.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 479
سادسا: الجذور الفكرية والعقائدية
لقد دخل التنويم المغناطيسي إلى حقل العلم والطب على يد مسمر Mesmer ١٧٨٠ م إلا أنه قد مزج بكثير من الدجل مما نزع بالأطباء إلى أن ينصرفوا عنه انصرافاً دام حتى أيام مدرستي باريس ونانسي.
لقد كان الدكتور شاركوت Charcot ١٨٢٥ – ١٨٩٣ م أبرز شخصيات مدرسة باريس، إذ كان يعالج المصابين بالهستيريا عن طريق التنويم المغناطيسي.
من تلاميذ شاركوت بيير جانه Pierr Janet الذي اهتم بالأفعال العصبية غير الشعورية والتي سماها الآليات العقلية.
ساهمت مدرسة نانسي بفرنسا في التنويم المغناطيسي المعتدل وقالت إنه أمر يمكن أن يحدث لكل الأسوياء، ذلك لأنه ليس إلا حالة انفعال وتلقٍّ منشؤها الإيحاء، وقد استعملته هذه المدرسة في معالجة الحالات العصبية.
أما فرويد فقد أخذ الأسس النظرية ممن سبقه، وأدخل أفكاره في تحليل التنويم المغناطيسي باستخدام طريقة التداعي الحرّ. لكن لهذا الوجه العلميِّ الظاهر وجه آخر هو التراث اليهودي الذي استوحاه فرويد واستخلص منه معظم نظرياته التي قدمها للبشرية خدمة لأهداف صهيون.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 480
سابعا: الانتشار ومواقع النفوذ
بدأت هذه الحركة في فيينا، وانتقلت إلى سويسرا، ومن ثم عمت أوروبا، وصارت لها مدارس في أمريكا.
وقد حملت الأيام هذه النظرية إلى العالم كله عن طريق الطلاب الذين يذهبون إلى هناك ويعودون لنشرها في بلادهم.
تلاقي هذه الحركة اعتراضات قوية من عدد من علماء النفس الغربيين اليوم.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 481
الخلاصة
أن الفرويدية تدعو إلى التحرر من كل القيود لأنها تسبب العقد النفسية والاضطرابات العصبية، وبذلك تريد للمجتمع أن يكون بلا دين ولا أخلاق ولا تقاليد فتتسع هوة الرذيلة والفساد وتسهل لليهود السيطرة على الشعوب المتحللة خدمة لأهداف الصهيونية. وبطبيعة الحال فإنها تنادي بأن الدين الذي يضع الضوابط لطاقة الجنس لا يستحق الإتباع ولا يستوجب الاحترام.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 482
مراجع للتوسع
- علم الأمراض النفسية والعقلية، تأليف ريتشارد م. سوين – ترجمة أحمد عبد العزيز سلامة – دار النهضة العربية – القاهرة – ١٩٧٩م.
- مدارس علم النفس، تأليف د. فاخر عاقل – دار العلم للملايين – بيروت – ط٤ – ١٩٧٩م.
- التراث اليهودي الصهيوني في الفكر الفرويدي، تأليف د. صبري جرجس – عالم الكتاب – طبعة ١٩٧٠م.
- كتاب (تاريخ حركة التحليل النفسي)، تأليف سيجموند فرويد – طبعة ١٩١٧م.
- Brown, J.A.C. Freud and The post-٠Freudians, Penguin Books London ١٩٦٢.
- Munroe, r.L. Schools of Psycho-analytic Thought, Mutchinson Medical Publications- London ١٩٥٧.
- Fundametals of Behavior Pathology by richard M. Suninn- New York ١٩٧٠.
- Bakan. D. “Sigmund Freud and the Jewish Mystical Tradition”. Van Nostrand, New York ١٩٥٨.
- Encyclopedia Britannica, ١٩٦٥ edition, Vol ١,٢,٣,٤,٩,١٧,٢١,٢٤.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 483
أولا: التعريف
الذرائعية مذهب فلسفي اجتماعي يقول بأن الحقيقة توجد في جملة التجربة الإنسانية: لا في الفكر النظري البعيد عن الواقع. وأن المعرفة آلة أو وظيفة في خدمة مطالب الحياة، وأن صدق قضية ما: هو في كونها مفيدة للناس، وأن الفكر في طبيعته غائي.
وقد أصبحت الذرائعية طابعاً مميزاً للسياسة الأمريكية وفلسفة الأعمال الأمريكية كذلك، لأنها تجعل الفائدة العملية معياراً للتقدم بغض النظر عن المحتوى الفكري أو الأخلاقي أو العقائدي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 484
ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات
نشأت الذرائعية (البرجماتية) كمذهب عملي في الولايات المتحدة الأمريكية مع بداية القرن العشرين: وقد وجدت في النظام الرأسمالي الحر الذي يقوم على المنافسة الفردية، خير تربة للنمو والازدهار.
ومن أبرز رموز المذهب وأغلبهم من الأمريكيين:
تشارلس بيرس ١٨٣٩ – ١٩١٤م ويعد مبتكر كلمة البرجماتية في الفلسفة المعاصرة. عمل محاضراً في جامعة هارفارد الأمريكية، وكان متأثراً بدارون ووصل إلى مثل آرائه .. وكان أثره عميقاً في الفلاسفة الأمريكيين الذين سنذكرهم فيما يلي:
وليم جيمس ١٨٤٢ – ١٩١٠م وهو عالم نفسي وفيلسوف أمريكي من أصل سويدي بنى مذهب الذرائعية البرجماتية على أصول أفكار بيرس ويؤكد أن العمل والمنفعة هما مقياس صحة الفكرة ودليل صدقها. كان كتابه الأول: (مبادئ علم النفس) ١٨٩٠م الذي أكسبه شهرة واسعة ثم توالت كتبه: موجز علم النفس ١٨٩٢م وإرادة الاعتقاد ١٨٩٧م وأنواع التجربة الدينية ١٩٠٢م والبرجماتية ١٩٠٧م وكون متكثر ١٩٠٩م يعارض فيه وحدة الوجود. ويؤكد جيمس في كتبه الدينية أن الاعتقاد الديني صحيح لأنه ينظم حياة الناس ويبعث فيهم الطاقة.
جون ديوي ١٨٥٦ – ١٩٥٢م فيلسوف أمريكي، تأثر بالفلسفة الذرائعية، وكان له تأثير واسع في المجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات الغربية، إذ كان يعتقد أن الفلسفة مهمة إنسانية قلباً وقالباً وعلينا أن نحكم عليها في ضوء تأثرها الاجتماعي أو الثقافي.
كتب في فلسفة ما بعد الطبيعة (الميتافيزيقا) وفلسفة العلوم والمنطق وعلم النفس وعلم الجمال والدين.
وأهم مؤلفاته: دراسات في النظرية المنطقية ١٩٠٣م، وكيف تفكر ١٩١٠ والعقل الخالق ١٩١٧م والطبيعة الإنسانية والسلوك ١٩٢٢م وطلب اليقين ١٩٢٩م.
شيلر ١٨٦٤ – ١٩٣٧م وهو فيلسوف بريطاني، كان صديقاً لوليم جيمس، وتعاطف معه في فلسفة الذرائعية: وقد آثر أن يطلق على آرائه وموقفه: المذهب الإنساني أو المذهب الإرادي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 485
ثالثا: الأفكار والمعتقدات
من أهم أفكار ومعتقدات المذهب الذرائعي (البرجماتية) ما يلي:
إن أفكار الإنسان وآراءه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولاً ثم السير نحو السمو والكمال ثانياً.
إذا تضاربت آراء الإنسان وأفكاره وتعارضت كان أحقها وأصدقها أنفعها وأجداها، والنفع هو الذي تنهض التجربة العملية دليلاً على فائدته.
إن العقل خُلق أداة للحياة ووسيلة لحفظها وكمالها، فليست مهمته تفسير عالم الغيب المجهول، بل يجب أن يتوجه للحياة العملية الواقعية.
الاعتقاد الديني لا يخضع للبيئات العقلية: والتناول التجريبي الوحيد له هو آثاره في حياة الإنسان والمجتمع إذ يؤدي إلى الكمال، بما فيه من تنظيم وحيوية.
النشاط الإنساني له وجهتان: فهو عقل، وهو أداة، ونموه كعقل ينتج العلم، وحين يتحقق كإرادة يتجه نحو الدين، فالصلة بين العلم والدين ترد إلى الصلة بين العقل والإرادة.
تقويم الذرائعية:
تعرضت الذرائعية لانتقادات معينة، وعرضت على أنها تبرير لأخلاقيات رجال الأعمال الأمريكيين.
أما عن فكرة الاعتقاد فمن رأي جيمس "أنها مفيدة لأنها صادقة" و"أنها صادقة لأنها مفيدة". وقد أنكر معظم الدارسين هذه المعادلة إذ أن موقف جيمس يسمح بصدق الفكرة لأنها "مفيدة ونافعة" لشخص ما، ويكذبها لعدم وجودها عند الآخرين.
وهكذا فإن جيمس طرح الحقيقة على أنها لعبة ذاتية للأفكار التي تستهوي الإنسان فائدتها: فيعتقد في صدقها.
إن الذرائعية اندثرت كحركة فكرية فردية، ولكنها كمجموعة أفكار ما زالت تعمل في الفكر البشري .. ومن أهم آثار هذه الأفكار تفسير الفكر والمعنى على أنهما من أشكال السلوك النائي عند الإنسان.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 486
رابعا: الجذور الفكرية والعقائدية
إن البرجماتية أو الذرائعية ثورة ضد الفكر النظري البعيد عن الواقع وعن الإنسان خاصة والذي لا يخدم الإنسان في حياته العملية. أما كلمة (برجماتية) فكانت قليلة الاستعمال في اللغة الإنكليزية ولم تكن تستعمل مطلقاً في سياق الحديث الفلسفي، حتى أدخلها الفيلسوف الأمريكي بيرس عام ١٨٧٨م كقاعدة منطقية: معرفاً البرجماتية بأنها النظرية القائلة: "بأن الفكرة إنما تنحصر فيما نتصوره لها من أثر على مسلك الحياة".
وقد استعار وليم جيمس ورفاقه الذرائعيون هذا المصطلح وأعطوه معاني جديدة وفق ما أوضحناه في أفكار ومعتقدات المذهب. مؤكدين على أن كل شيء حتى الفكر، لا بد أن يفهم في ضوء الغرض الإنساني.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 487
خامسا: الانتشار ومواقع النفوذ
تأسس المذهب في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم انتقل إلى أوروبا وبريطانيا بشكل خاص.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 488
الخلاصة
أن الذرائعية أو البراجماتية مذهب فلسفي نفعي يرى أن الحقيقة توجد من خلال الواقع العملي والتجربة الإنسانية، وأن صدق قضية ما يكمن في مدى كونها مفيدة للناس، كما أن أفكار الناس هي مجرد ذرائع يستعين بها الإنسان لحفظ بقائه ثم البحث عن الكمال. وعندما تتضارب الأفكار فإن أصدقها هو الأنفع والأجدى، والعقل لم يخلق لتفسير الغيب المجهول، ولذا فإن الاعتقاد الديني لا يخضع للبينات العقلية. ولما كان نشاط الإنسان يتمثل في العقل والإرادة، وكان العقل ينتج العلم، وحينما يتحقق العلم كإرادة يتجه نحو الدين، لذا فإن الصلة بين العلم والدين ترجع إلى الصلة بين العقل والإرادة. ومخاطر هذا المذهب الفلسفي على العقيدة واضحة جلية فهو مذهب يحبذ إلغاء دور العقل في الإفادة من معطيات النقل أو الوحي. وقد رأينا في واقعنا المعاصر كيف أفلست الذرائعية كما أفلست سواها من الفلسفات المادية وعجزت عن إسعاد الإنسان بعدما أدت إلى تأجيج سعار المادية، وأهدرت القيم والأخلاق السامية التي دعت إليها جميع الأديان السماوية.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 489
مراجع للتوسع
- الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة فؤاد كامل ورفاقه – دار القلم – بيروت.
- معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، د. أحمد زكي بدوي – مكتبة لبنان – بيروت –١٩٨٢م.
- تاريخ الفلسفة الحديث، يوسف كرم – دار المعارف – القاهرة.
- قصة الفلسفة الحديثة، أحمد أمين وزكي نجيب محمود – مطبعة لجنة التأليف والنشر – القاهرة.
مراجع أجنبية:
- Philosophy of John Dewey: by P.A Schelop, Chicago ١٩٥١.
- The Will to Belive: By W. James Dever New York.
- John Dewey an Intellectual Portriat: by S. Hook Day, New York. ١٩٣٩.
- History of Philosophy: by F.C. Coplestion, Burns London ١٩٤٧.
- History of Modern Philosophy by H. Hoffding London ١٩٥٦.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 490
أولا: التعريف
الروحية الحديثة دعوة هدامة وحركة مغرضة مبنية على الشعوذة. تدَّعي استحضار أرواح الموتى بأساليب علمية وتهدف إلى التشكيك في الأديان والعقائد وتبشر بدين جديد وتلبس لكل حالة لباسها. ظهرت في بداية هذا القرن في أمريكا ومن ورائها اليهود ثم انتشرت في العالمين العربي والإسلامي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
تعريف الروحوقف البشر حائرين في معرفة هذه الروح أو التعريف بها فمنهم من أدلى بدلوه في التعريف بها ومنهم من أمسك مطلقا عن الخوض فيها مرجعا الأمر إلى الله تعالى وحده حيث أنه لم يرد أن يبين للناس شيئا عنها أكثر من أنها من أمره فكيف نعرفها أو نعرف شيئا عنها فأراحوا واستراحوا ومنهم من ذهب يعرفها بتعريفات اجتهادية كثيرة كلها تحتاج إلى أدلة لإثباتها وقد ذكر ابن القيم – ﵀ – أقوالا كثيرة في التعريف بها إلا أنه رجح قولا واحدا وانتصر له وأورد أدلة كثيرة على تصويبه وهذا التعريف هو أحد الأقوال التي أوردها الرازي أيضا في ذكره لاختلاف الناس في مفهوم الروح فقال: "والسادس أنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جنس نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارقت الروح البدن وانفصلت إلى عالم الأرواح"، قال ابن القيم:"وهذا القول هو الصواب في المسألة وهو الذي لا يصح غيره وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة"، ثم أورد الأدلة على تقويته بلغت أكثر من مائة دليل (١).وعرفها بعض العلماء بأنها هي الوجود الذي يدرك بالتصور العقلي ولا يدرك بالحواس كالمثل والقيم والمبادئ والعدل والرحمة والتعاون والخير والبر لأن هذه لا تدرك بالحواس وكذا الدين نفسه لأن مصدره الوحي الإلهي وهو لا يدرك بالحواس (٢).وأعتقد أن كل تعريف للروح يحتاج إلى إثباته بنص صحيح والأولى الوقوف على ما ذكره الله في كتابه وفي الموسوعة العربية الميسرة وصفوا البحوث الروحية بأنها نسبة إلى علم النفس الغيبي أو الهامشي يطلق على بعض الظواهر السلوكية أو الذهنية التي تقع خارج نطاق ما تفسره القوانين الطبيعية وهي ظواهر غريبة وخارقة للعادة" (٣).
وهذا الوصف لتحضير الأرواح بأنه علم النفس الغيبي يظهر أنه غير صواب فليس هناك علم نفس غيبي إذ الغيب لله تعالى وحده لا يصل إليه أحد بالتعلم إلا ما أخبر الله به أنبياءه ورسله.
ووصفها بأنها خارقة للعادة. ليس كذلك فإن علم تحضير الأرواح – كما يسمونه – ليس من الأمور الخارقة للعادة بل هو كذب وشعوذة يموهون به على من لا معرفة له بمسالكهم الشيطانية ونسبة المذهب إلى الروح إنما هو للإغراء والدعاية وظلم للروح حينما ينسب الروحيون مذهبهم إلى الروح. وهي منهم ومن آرائهم براء إلا أن تكون النسبة إلى أرواح الشياطين.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٧٩
стр. 491
ثانيا: ظهور الروحية
ظهرت الروحية على أيدي بعض الكذابين الذين انتسبوا إلى الروح في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وزخرفوا أقوالهم بالكذب وانجذب إليهم كثير ممن يطمحون إلى العلو في الأرض ونهب أموال الناس بالباطل للإثراء على حساب المغفلين وبالتالي فقد انخدع بهم كثير من الجهلة في أوروبا ثم امتد ذلك إلى البلاد الإسلامية وقد ظهر هذا المذهب في أوربا كغيره من المذاهب الضالة التي وجهت لحرب طغاة الكنيسة والانفلات منهم ومن سائر التعاليم الإلهية والتطلع إلى استكشاف المجهولات فأصبحت الروحية جماعة خطيرة على الأديان يغذيها الخبث اليهودي والإلحادي في تشويه الأديان والعقائد وعدم الاعتداد بما يقال في الدين من العذاب أو النعيم أو الأخلاق والأمور الغيبية.
واهتمت هذه الجماعة بخرافة تحضير أرواح الموتى وقد نشطت هذه الدعوى في بداية أمرها في أمريكا ولم يعرف لها مؤسس على التحديد فيما يذكر الباحثون ثم امتدت إلى العالم الإسلامي وتلقفها المتصوفة الخرافية وغيرهم وأصبح لها علماء مشاهير ومؤلفات ومؤسسات وجمعيات مثل "المعهد الدولي للبحث الروحي بأمريكا" وجمعية "مارلبورن الروحية" بانجلترا.
يزعمون أنهم يستحضرون روح أي شخص متى شاؤوا ويتباحثون معها كل مشاكلها وأنها أجساد تحس بطريقتهم الغامضة التي تستند إلى الجن والسحر ويزعمون أنهم يأتون بمثل ما تأتي به الأنبياء وأن معجزات الأنبياء جاءت على طريقتهم ويسخرون من الأنبياء والمتدينين ويمجدون الملاحدة ويدعون إلى نبذ الأديان والإنصهار في دين واحد وغير ذلك من مبادئهم الكثيرة التي تدل على أنها دعوة ملحدة.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٨١
стр. 492
ثالثا: التأسيس وأبرز الشخصيات
لم يعرف لها مؤسس في أوروبا وأمريكا ولكن الدعوة إليها قد نشطت في بداية هذا القرن الميلادي من قبل عدة شخصيات منها:
- جان آثر فندلي وكتابه المشهور: (على حافة العالم الأثيري).
- أدين فردريك باورز وكتابه المشهور: (ظواهر حجرة تحضير الأرواح).
- آثر كونان دويل في كتابه: (حافة المجهول).
- اليهودي المعروف: دافيد جيد.
- السيدة وود سمث.
كما ظهرت لها في تلك البلاد عدة مؤسسات مثل: (المعهد الدولي للبحث الروحي) بأمريكا و (جمعية مارلبورن الروحية) بإنجلترا.
أما في العالم الإسلامي فقد تحمس لها عدة أشخاص وحملوا رايتها منهم:
الأستاذ أحمد فهمي أبو الخير أمين عام (الجمعية المصرية للبحوث الروحية) وقد أصدر مجلة عالم الروح وهي الناطقة باسم هذه الدعوة الهدامة، وقد بدأ نشاطه منذ سنة ١٩٣٧م وقام بترجمة كتابي فندلي وباورز سابقي الذكر.
الأستاذ وهيب دوس المحامي ت ١٩٥٨م وهو رئيس الجمعية المذكورة.
د. علي عبد الجليل راضي رئيس (جمعية الأهرام الروحية) له كتاب بعنوان (مشاهداتي في جمعية لندن الروحية).
حسن عبد الوهاب وكان سكرتيراً للجمعية لفترة ثم اكتشف زيف الروحية الحديث وأزاح الله عن عينيه غشاوة الضلال واكتشف ما في هذه الدعوة الماكرة من سموم وثبت له يقيناً الشخصيات التي تحضر في جلسات التحضير وتزعم أنها أرواح من سبقونا من الأهل والأحباب إن هي إلا شياطين وقرناء من الجن يلبسون على الناس ما يلبسون.
الشاعر اللبناني حليم دموس الذي كان يقدس روحًّا نصرانياً اسمه د. داهش ويرفعه إلى مقام النبوة وله مقالات في مجلة عالم الروح بعنوان: الرسالة الدهشية. ود. داهش له أتباع في لبنان وربما خارجه كما أن له كتابات يمجد فيها الرسول r ويؤمن برسالته الخاتمة. وقد أنكر بعض أتباع د. داهش أن يكون قد ادعى النبوة بمعناها الديني الإسلامي.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 493
رابعا: الأفكار والمعتقدات
يقولون بأنهم يحضرون الأرواح ويستدعون الموتى لاستفتائهم في مشكلات الغيب ومعضلاته والاستعانة بهم في علاج مرضى الأبدان والنفوس والإرشاد عن المجرمين والكشف عن الغيب والتنبؤ بالمستقبل.
يزعمون أن هذه الأرواح تساعدهم في كشف الجرائم والدلالة على الآثار القديمة كما يدعون أنهم يعالجون مرضى النفوس من هذه الأرواح كذلك.
يدعون أنهم يستطيعون التقاط صور لهذه الأرواح بالأشعة تحت الحمراء.
يحاولون إضفاء الجانب العلمي على عملهم وهو في الواقع لا يخرج عن كونه شعوذة وخداعاً وتأثيراً مغناطيسياً على الحاضرين، واتصالاً بالجن.
يقومون بهذا التحضير في حجرات خاصة شبه مظلمة وفي ضوء أحمر خافت وكل ما يدّعونه من التجسد للأرواح ومخاطبتها لا يراه الحاضرون وإنما ينقله إليهم الوسيط وهو أهم شخص في العملية.
"الوسيط" عندهم يرى غير المنظور ويسمع غير المسموع ويتلقى الكتابة التلقائية وله قدرة على التواصل عن بعد (التلباثي).
لا يثبتون للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلا هذه الوساطة فقط.
يتحكمون في حضور جلسة التحضير من حيث الكم والنوع وإذا وجد نساء يكون الجلوس: رجل، امرأة، كما يعزفون الموسيقا أحياناً وكل هذا لصرف أذهان الحضور عن حقيقة ما يجري، ويزعمون أن لكل جلسة روحاً حارساً يحرسها.
يعتقدون أن معجزات الأنبياء هي ظواهر روحية كالتي تجري في غرفة تحضير الأرواح ويقولون أن بإمكانهم إعادة معجزات الأنبياء.
يرفضون الوحي ويقولون إنه ليس في الأديان ما يصح الركون إليه ويسخرون من المتدينين.
يقولون بأن إلههم أظهر من إله الرسل وأقل صفات بشرية وأكثر صفات إلهية.
يلوحون بشعارات براقة كالإنسانية والإخاء والحرية والمساواة للتمويه على السذج والبسطاء.
كل عملهم منصب على زعزعة العقائد الدينية والمعايير الخلقية.
يدَّعون أن الأرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها كافرة ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء ويقولون إن باب التوبة مفتوح بعد الموت كذلك، وأن الجنة والنار حالة عقلية يجسمها الفكر ويصنعها الخيال.
عندهم نصوص كثيرة تمجد الشيوعيين والوثنيين والفراعنة والهنود الحمر ويقولون إنهم أقوى الأرواح.
يبررون الجرائم بأن أصحابها مجبورون عليها وبالتالي لا يعاقبون.
يسعون لضمان سيطرة اليهودية على العالم لتقوم دولتهم على أنقاض الخراب الشامل.
أعلنت مجلة سينتفك أمريكان عن جائزة مالية ضخمة لمن يقيم الحجة على صدق الظواهر الروحية ولكنها لا تزال تنتظر من يفوز بها وكذلك الحال بالنسبة للجائزة التي وضعها الساحر الأمريكي دنجر لنفس الغرض وهذا من أكبر الأدلة على بطلانها.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 494
خامسا: الجذور الفكرية والعقائدية
ثبت أن للروحية اتصالات شخصية وفكرية بالماسونية وشهود يهوه. كما أن نوادي الروتاري تشجع هذه الظاهرة وتمد لها يد المساعدة وتتولى ترويجها، كما أنها تأثرت باليهودية في كثير من معتقداتها.
المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
стр. 495
سادسا: منزلة فكرة تحضير الأرواح
لقد اجتذبت فكرة تحضير الأرواح الكثير من الناس في الشرق وفي الغرب مثقفين وغير مثقفين فذهبوا في تثبيتها كل مذهب ظانين أن وراءها نفعا عاجلا وحلا جاهزا لما يدور في رؤوسهم من حب الاطلاع على المغيبات فإذا بهم يلهثون وراء سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ولقد كان لفكرة الكشف والتعلق به أقوى حافز عند بعض جهلة المسلمين إلى الولع بفكرة تحضير الأرواح ثم جاء الدافع القوي وهو القول بوحدة الوجود فزاد الطين بلة ورغم أن كثيرا من الكتاب قد أسهموا بإسهام وافر في تثبيت هذه الفكرة من العرب ومن غير العرب. أما من العرب فمن أمثال د. علي عبد الجليل راضي (١)، ومحمد فريد وجدي، ود. رؤوف عبيد الذي أصدر مجلة عالم الروح"، وأحمد فهمي أبو الخير أمين عام الجمعية المصرية للبحوث الروحية وأما زعماؤها في الغرب فهم "سلفر برش" و "هوايت هوك"، حيث أقامها هؤلاء على القول بوحدة الوجود رغم ذلك كله فقد رفضها أهل العقول وسخروا منها ورووا فيها الفكاهات المضحكة والتناقضات الواضحة في أفعال وأقوال وسلوك زعماء هذه الفكرة الضالة الخرافية وعلموا يقينا أن الهدف الأكبر من وراء دعوى تحضير الأرواح إنما هو استجلاب الناس إليهم وخصوصا العوام منهم ليحصلوا على أمور الواحد منها يعتبر مكسبا كبيرا يحوزه هؤلاء أهمها. رفع مكانة أقطاب دعاة الروحية وتعظيم أمرهم في نفوس الناس والحصول على الأموال بدون مشقة وإضعاف التدين في النفوس والإسهام في خدمة اليهودية الحاقدة من وراء ستار.
ولذلك فهم يحاولون بشتى الوسائل ونشر أقوى الدعايات لتقوية قضيتهم في تحضير الأرواح زاعمين أن هذه الأمور إنما حصلت لهم على سبيل الكرامة الإلهية لوصولهم إلى حد معرفة الحقائق والإطلاع عليها مباشرة بدون واسطة أحد أو لأنهم عرفوا بزعمهم كيفية الوصول إلى استحضار الأرواح فلم يعد للغيب مكانة خارجة عن إرادتهم.
وحينما لهث الناس إلى معرفة بعض المغيبات – وخصوصا بعد هذه الحركة العلمية والتطور المادي وظهور التنويم المغناطيسي وجمعيات تحضير الأرواح – استغل هؤلاء هذه الكشوفات وزعموا أنها أدلة لهم على صحة ما يذهبون إليه، ومما ينبغي التنبيه له أنه قد يحصل لبعض الصالحين ممن صفت نفوسهم نوع من الكشف بمعنى الإلهام والنفث في الروع. ولكن ليس ذلك صفة مستمرة كما يدعي الروحيون في زعمهم أن الروح جسم مادي شفاف يستحضرونه متى أرادوا وأن الموتى بعد الموت مباشرة يكونون في عالمنا ومن حوالينا ثم ينتقلون إلى درجة أرفع في هذا العالم وأنه يمكن مكالمة الروح بعد خروجها من الجسم ورؤيتها مجسمة بواسطة شخص يكون فيه الاستعداد لذلك عند إرادة تحضير الروح فتستفيد الروح من استعداده فتكلم الناس بلغات يجهلونها وتنبئ عن أمور الحاضرين من أقاربها ولا شك أن هذا كله دجل وكذب وهوس فارغ وتلك اللغات التي تخاطبهم بها تلك الأرواح إنما هي لغات الشياطين لا أرواح الموتى من بني آدم وهذا جزء من مكر إبليس بأتباعه.
المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٨٤