← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38726

موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (776 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رابعا: الجذور الفكرية والعقائدية تعد الفلسفة الوضعية لدى كونت، التي لا تؤمن إلا بالظواهر الحسية – التي تقوم على الوقائع التجريبية – الأساس الفكري والعقدي عند البنيوية. فهي تؤمن بالظاهرة – كبنية – منعزلة عن أسبابها وعللها، وعما يحيط بها .. وتسعى لتحليلها وتفكيكها إلى عناصرها الأولية، وذلك لفهمها وإدراكها .. ومن هنا كانت أحكامها شكلية كما يقول منتقدوها، ولذا فإن البنيوية تقوم على فلسفة غير مقبولة من وجهة نظر تصورنا الفكري والعقدي. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 597

خامسا: أماكن الانتشار البنيوية منهج مستورد من الغرب، وتعد أوروبا وأمريكا أماكن انتشارها، وأرضها الأصلية. وهي تنتشر ببطء في باقي بلاد العالم، ومنها البلاد العربية. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 598

الخلاصة أن البنيوية منهج فكري نقدي مادي ملحد غامض، يذهب إلى أن كل ظاهرة إنسانية كانت أم أدبية تشكل بنية، لا يمكن دراستها إلا بعد تحليلها إلى عناصرها المؤلفة منها، ويتم ذلك دون تدخل فكر المحلل أو عقيدته الخاصة ونقطة الارتكاز في هذا المنهج هي الوثيقة، فالبنية، لا الإطار، هي محل الدراسة، والبنية تكفي بذاتها ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى أي عنصر من العناصر الغريبة عنها، وفي مجال النقد الأدبي، فإن الانفعال أو الأحكام الوجدانية عاجزة عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لهذا الأثر، ولذا يجب فحصه في ذاته من أجل مضمونه وسياقه وترابطه العضوي، والبنيوية، بهذه المثابة، تجد أساسها في الفلسفة الوضعية لدى كونت، وهي فلسفة لا تؤمن إلا بالظواهر الحسية، ومن هنا كانت خطورتها. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 599

مراجع للتوسع - البنيوية، تأليف جان بياجيه – ترجمة عارف منيمنة وبشير أوبري – منشورات عويدات – بيروت – باريس، ط٤ ١٩٨٥م. (سلسلة زدني علماً). - المعجم الأدبي، تأليف جبور عبد النور – دار العلم للملايين – بيروت، ط٢ ١٩٨٤م. - جريدة الحياة، العددان (١٠٣٨٠ و١٠٣٨١) ٢٦ و٢٧ ذو الحجة ١٤١١هـ مقال بعنوان: البنيوية كما يراها ثلاثة نقاد. مراجع أجنبية: - O. Ducrot. T. Todorov. Et qu’est ce que le Structuralism. Paris ١٩٦٨. - Z. S. Harris, Methods in Structural Linguistics, Chicago, ١٩٥١. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 600

أولا: التعريف السريالية "أي ما فوق الواقعية أو ما بعد الواقع" هي مذهب أدبي فني فكري، أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، وزعم أن فوق هذا الواقع أو بعده واقع آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ويجب تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن. وهي تسعى إلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام؛ سواء في اليقظة أو المنام، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء، بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية. وهكذا تعتبر السريالية اتجاهاً يهدف إلى أبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف. يعتبر مسرح العبث الابن الشرعي للسريالية. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي السريالية مدرسة حديثة تهتم أكثر بالشعر والرسم تبتدئ من الخط الذي تبتدئ منه الوجودية ولكنها تفترق عنها في الإيغال في اللامعقول والإعراض عن الخوض في حقائق التاريخ والمشادات الفكرية والبحث المنطقى فيما يفوق الإدراك إلى الخوض في أعماق المجهول بلا موضوعية. والأصل في هذه الحركة هو نظرية فرويد عن العقل الباطن فالسريالية تريد " أن تجعل من العقل الباطن الحقيقة النفسية بالذات وتحول الفن إلى كتابة آلية لإيضاحه ". " ولم يكن مطمعها الأول أن تؤسس نزعة إنسانية جديدة، أي أن تعطي العالم تلاحماً، إتجاهاً، لقد كانت على العكس تعارض كل تلاحم بحالة سخط لتغيير الحياة وبلوغ ما فوق الواقع الذي يلغي التناقضات التى مزقت الإنسان: واع ولا واع، أنا وعالم، طبيعى وما فوق الطبيعى " "كذا " أشهر شعرائها بريتون وأراغوان وقد حدد بريتون الطريق الوحيد للبحث عن المطلق بأنه " إملاء الفكرة في غياب كل رقابة يمارسها العقل " (١) المصدر: العلمانية لسفر الحوالي ص ٤٨٨، ٤٨٩

стр. 601

ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أصابت الإنسان الأوروبي صدمة هزت النفوس وبلبلت الأفهام، نتيجة للدمار الكامل وإزهاق الأرواح بلا حساب، فنشأت نزعة جارفة للتحلل من القيم الأخلاقية، وتحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وامتدت هذه النزعة إلى الفن والأدب مما أدى إلى ظهور المذهب المعروف بالسريالية في فرنسا سنة ١٩٢٤م التي بدأت بالسريالية النفسية، ثم دخلت السريالية مجالات الأدب والاجتماع والاقتصاد والفن، ومن أبرز الشخصيات السريالية: - أندريه بريتون ١٨٩٦ – ١٩٦٦م وهو عالم نفس وشاعر فرنسي يعده النقاد مؤسس السريالية. - ثورنتون وأيلور وهو كاتب مسرحي، ألف مسرحية جلد الإنسان بين الأسنان سنة ١٩٤٢م، وهي مسرحية تجنح إلى الخيال والعنف الناتج عن اللاشعور عند شخصيات المسرحية. - سلفادور دالي ولد سنة ١٩٠٤م وهو رسام أسباني، ويعد من أبرز دعاة السريالية، وقد أضاف إليها إضافات كثيرة أبرزها أسلوبه الذي تميز به الذي دعاه "النقد المبني على الهلوسة" وكان يؤكد دائماً أنه أقرب إلى الجنون منه إلى الماشي نوماً، والمعرفة عنده تقوم على التداعي والتأويل. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 602

ثالثا: الأفكار والمعتقدات يمكن إجمال أفكار ومعتقدات السريالية فيما يلي: - الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية: مثل الأحلام والأخيلة. - الكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، والبعيدة عن رقابة العقل، بدعوى أن الكلمات في اللاوعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار، ولهذا تنطلق هذه الأفكار نشيطة جديدة. - إهمال المعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع. - التركيز على الجانب السياسي والبحث عن برنامج وضعي (مادي ومحسوس) يصلح لتطوير المفاهيم الاجتماعية، لذلك تودد السرياليون للحزب الشيوعي، وبذلوا جهوداً كبيرة من أجل توسيع مجال تطبيق المادية الجدلية الماركسية. - الثورة لتغيير حياة الناس، وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وشملت الثورة ثورة على اللغة التقليدية، وإحداث لغة جديدة. - تزيت السريالية بأزياء مختلفة، فتارة تظهر كمجموعة من السحرة، وتارة تبدو كعصابة من قطاع الطرق، وتظهر تارة أخرى كأعضاء في خلية ثورية فهي حركة سرية هدفها تقويض الوضع الراهن. - ويعد الغموض في التعبير الأدبي أو الفني في مجال الرسم، هدفاً ثابتاً للسرياليين. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 603

رابعا: الاتجاه السريالي في العالم العربي تأثر كثير من الحداثيين والشعراء العرب بالاتجاه السريالي وعلى رأس المتأثرين به أحد منظري الحداثة في العالم العربي وهو أدونيس ويظهر ذلك جليا في دواوينه: (أغاني مهيار الدمشقي) و (المسرح والمرايا) و (كتاب التحولات) (١). وغيرها. هذه الدواوين الثلاثة يقول عنها جبرا إبراهيم جبرا بأنها يظهر فيها " نزعة إلى خلق الصور بحرية تلقائية تقارب السريالية في أغلب الأحيان هي حرية الموقف الصوفي الذي يتخطى العقل والمنطق ليمنحنا ما هو ربما أعمق وأروع (٢) المصدر: الحداثة في العالم العربي دراسة عقدية لمحمد بن عبد العزيز العلي- ٢/ ٦٠٧

стр. 604

خامسا: الجذور الفكرية والعقائدية تأثرت السريالية بآراء فرويد عالم النفس اليهودي في تحليله للنفس الإنسانية وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام، والكبت ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وإشباع الغرائز والرغبات إشباعاً حراً حتى لا تصاب بالأمراض النفسية كما يدَّعي. وهذه الآراء تتلاءم مع دعوتهم إلى التحلل الأخلاقي في المجتمع البشري. وكذلك تأثرت السريالية بالفكر الماركسي الشيوعي ودعوته إلى الثورة لتغيير المجتمع، واستخدام العنف في سبيل ذلك .. وبظهور المزاج الثوري حلت الفوضى السياسية والصراع الكامل محل النظام والانسجام. وقد تأثرت السريالية أيضاً بحركة سبقتها تُدعى الدادية التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة ١٩١٦م. وهي حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية وتدعو إلى العودة إلى البداية. ورائد هذه الحركة هو ترستان تزارا الذي يصفه كاتب أوروبي بأنه "المروِّج للفوضوية الفنية والاجتماعية". ولذا عد النقاد أن السريالية وريثة هذه الحركة الدادية في أفكارها وتوجهاتها وأسلوبها. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 605

سادسا: بداية السريالية ونهايتها - بدأت السريالية بمجال النفس البشرية، ثم دخلت مجالات الأدب والفكر والسياسة والاجتماع والفن، ثم اقتحمت بشذوذها الثوري مجال العقيدة الدينية والتقاليد الاجتماعية واللغة، وأثارت جدالاً عنيفاً بين أقصى الكاثوليكية في الغرب وأقصى الشيوعية في الشرق. - وأخذت السريالية في الانكماش والتقوقع بعد ربع قرن من نشوئها، وشعر دعاتها بعجزهم عن تحقيق أي هدف، وبعقم ثورتهم ضد القيم والمعتقدات الدينية، وإخفاقهم في إيجاد مسيحية جديدة، تخلص الإنسان من عذابه وضياعه – حسب زعمهم – وتحول عددٌ منهم بعد الحرب العالمية الثانية إلى الشيوعية والإلحاد، وجُنَّ بعضهم وأدخل المصحات العقلية والنفسية، وتحول البعض الآخر إلى العبثية في الأدب المعبر عن انعدام المعنى العام وراء السلوك الإنساني في العالم المعاصر. - أما أفكارها ومبادئها فقد تبناها مذهب الحداثة الأدبي الفكري حيث صبت جميع جداول السريالية في مستنقعه الكبير. وهكذا انتهت السريالية، المعبرة عن فقدان الإنسان الغربي العقيدة الصحيحة، واعتماده على ضلالات فرويد النفسية في اللاشعور والأحلام. هذه الضلالات التي أدت إلى التحلل الأخلاقي وإطلاق الغرائز من عقالها، مما أودى بها بعد ربع قرن من نشوئها. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 606

الخلاصة أن السريالية مذهب أدبي فني فكري غير ملتزم بالأديان، يهدف إلى التحلل من واقع الحياة الواعية، والرنو إلى واقع آخر هو واقع اللاوعي أو اللاشعور المكبوت في النفس البشرية، بحيث يتم تسجيل هذا الواقع في الأدب والفن، من خلال الاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية والكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، وإهمال الأديان والمعتقدات والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، والتركيز على الجانب السياسي وإذكاء الثورة لتغيير حياة الناس وتشكيل مجتمع ثوري بدلاً من المجتمع القائم، وتقويض الوضع القائم في المجتمع. وكل تلك الخصائص والغايات تبرر مدى خطورة مثل هذا المذهب الأدبي على القيم الدينية. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 607

مراجع للتوسع - نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد، د. عبد الرحمن رأفت الباشا. نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض ١٤٠٥هـ. - مذاهب الأدب الغربي، د. عبد الباسط بدر، دار الشعاع، الكويت. - المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية، د. نبيل راغب – مكتبة مصر – القاهرة. - الأدب ومذاهبه، د. محمد مندور. - السريالية، إيف دوبليس (سلسلة زدني علماً). - الأدب الرمزي، هنري بير. المراجع الأجنبية: - Braunschvig: Notre litterature Etudiee dans le texte. Paris ١٩٤٩. - Lanson: Histoire de la litterature Francaise Paris ١٩٦١. - Segur (Nicola): Histoire de la litterature Europeene ١٩٥٩. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 608

أولا: التعريف الميتافيزيقية اتجاه أدبي وفلسفي يبحث في ظواهر العالم بطريقة عقلية وليست حدسية صوفية ويمزج العقل بالعاطفة ويبتدع أساليب أدبية تجمع بين المختلف والمؤتلف من الأخيلة الفكرية والظواهر الطبيعية. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 609

ثانيا: التأسيس وأبرز الشخصيات جون دن ١٥٧٢ – ١٦٣١م الشاعر الإنكليزي الذي أسس المدرسة الميتافيزيقية في الشعر الإنكليزي مع باقي الشعراء في القرن السابع عشر من أمثال، جون هيربرت، وهنري فون، وروبرت كرشوا وأندرو مارفيل وإبراهام كاولي، وهم الشعراء الذين ساروا على نهج جون دن في أسرار الوجود. جون درايدن: شاعر إنكليزي نقد جون دن، وقال إن شعره مفعم بالفلسفة العويصة الفهم والشعر المرهف الرقيق لا يستطيع حمل الأفكار الفلسفية الثقيلة. هـ. ج. س. جريرسون: ناقد إنكليزي من الكلاسيكية الحديثة، أحيا المدرسة الميتافيزيقية في كتابه عن الأشعار الميتافيزيقية سنة ١٩٢١م. ت. س. إليوت ناقد وأديب إنكليزي، أحيا الميتافيزيقية بعد أن كادت أن تندثر في كتابه (الشعراء الميتافيزيقيون ودراسة خاصة عن الشاعر الميتافيزيقي أندرو مارفيل) سنة ١٩٢١م. وفي مجال الفلسفة هيجل وبرادلي وصمويل الكسندر وغيرهم. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 610

ثالثا: الأفكار والمعتقدات محاولة تفسير الظواهر الميتافيزيقية، بأساليب تجسيدية تقرب بينها وبين الظواهر الطبيعية كتشبيه الحب بعلم التجميع وتشبيه الروح بقطرة الذل. إن الإنسان يستطيع أن يقترب من القوى الميتافيزيقية عندما يجدها متجسدة في أعمال مسرحية وشعرية وروائية. الميتافيزيقيا في مجال الفلسفة تعتمد على العقل في إنشاء نظرية إلهية – عن الوجود الإلهي – بديلة عن التثليث، من ذلك فلسفة هيجل الروح المطلق وكلها مذاهب يعارضها التوحيد الخالص معارضته للصليبية نفسها. الشعر الميتافيزيقي يعد نموذجاً لتحليل الشعور الإنساني وليس لتجسيده والبحث عن الفلسفة الكامنة وراء الحب بكل أنواعه وليس تعبيراً عن التجربة النفسية التي يخوضها المحبون. تأكيد الدلالات الدينية. والأخلاقية الكامنة وراء القوى الميتافيزيقية، والشعر هو خير أداة للتعبير عن هذه الدلالات عن طريق إثارة قوى التفكير والتأمل لدى الإنسان العادي. الأسلوب السهل والتعبير الجميل هو الوسيلة الوحيدة لنقل الأفكار العميقة إلى القراء والتأثير فيهم، وإن أدى إلى المبالغة الشعرية. يختلف الشعر الميتافيزيقي عن الشعر الصوفي الذي يدعو إلى وحدة الوجود، وإلى الحب الإلهي الذي يسمو على الحب المادي الفاني والذي ينتهي بحدود الزمان والمكان. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 611

رابعا: الجذور الفكرية والعقائدية يرى بعضهم أن العقائد الدينية النصرانية هي الخلفية الفكرية للمذهب الميتافيزيقي الأدبي ولعل عجز الإنسان عن فهم الأمور الغيبية في الحياة، دفعه إلى التعبير عن جميع الظواهر الغيبية مثل الروح والحياة، والقدر والموت .. عن طريق الشعر والرواية والمسرحية .. لعل الإنسان يستطيع التوصل إلى فهم كنه هذه الظواهر. أماكن النفوذ والانتشار: بدأ المذهب الميتافيزيقي في إنكلترا وإن كانت أفكاره أثرت تأثيراً كبيراً في أدباء الكلاسيكية الجديدة في أوروبا كلها والعالم الغربي برمته. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 612

الخلاصة الميتافيزيقية هي اتجاه أدبي، يبحث عن ظواهر العالم بطريقة عقلية ممزوجة بالعاطفة، من أجل الجمع بين كل ما هو مؤتلف ومختلف من الأخيلة الفكرية والظواهر الطبيعية، وإبرازه في أعمال مسرحية وشعرية وروائية تجسد الفلسفة الكامنة وراء الحب، بأسلوب سهل وتعبير سلس. ومع أن هذا الاتجاه يؤكد الدلالات الدينية والأخلاقية الكامنة وراء القوى الميتافيزيقية إلا أنه يتبنى، كالخيال الصوفي الجامح، فكرة وحدة الوجود، ومن هنا كانت خطورة التعبيرات الأدبية في هذا الاتجاه على الشباب المسلم الذي يجب أن يعيها بدقة ويعرف أبعادها قبل أن ينجرف مع تيارها عندما يتعامل مع افرازات هذا المذهب الأدبي. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 613

مراجع للتوسع - المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية، د. نبيل راغب – نشر مكتبة مصر. - طبيعة الميتافيزيقا، تأليف جماعة من الفلاسفة الإنكليز. (سلسلة زدني علماً). - الأدب المقارن، د. محمد غنيمي هلال – دار العودة – بيروت. - الأدب المقارن، ماريوس فرانسوا غويار (سلسلة زدني علماً). - فلاسفة إنسانيون، كارل ياسبر (سلسلة زدني علماً). المراجع الأجنبية: - Braunschvig: Notre Litterature Etudiee dans le texte. Paris ١٩٤٩. - Lanson: Histoire de la Litterature Francais Paris ١٩١٦. - De Segur (Nicola): Histoire de la Litterature Europieenne. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 614

أولا: التعريف بالرأسمالية الرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية، يقوم على أساس إشباع حاجات الإنسان الضرورية والكمالية، وتنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعاً في مفهوم الحرية، معتمداً على سياسة فصل الدين نهائياً عن الحياة. ولقد ذاق العلم بسببه ويلات كثيرة نتيجة إصراره على كون المنفعة واللذة هما أقصى ما يمكن تحقيقه من السعادة للإنسان. وما تزال الرأسمالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والاجتماعي والثقافي وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي يظهر أن المقصود بالرأسمالية أنها نسبة إلى رأس المال وامتلاكه إذ هو أبرز سمات هذا المذهب وقد قيل في التعريف بها أقوال كثيرة يمكن أن نوجزها في أنها ذلك النظام المنحصر أبرز مظاهره في الأمور الاقتصادية من حيث التملك والبيع والشراء والإنتاج والتصدير للأفراد أو الجماعات دون تدخل من الدولة في شؤونهم أو الحد من نشاطهم في اقتناص كل وسيلة للحصول على الثراء من شتى الطرق في حرية تامة. وعن حقيقة الرأسمالية يقول فتحي يكن" لا تعتبر الرأسمالية مذهبا تعتمده الحكومات بل هي نظام اقتصادي يقوم على أساس تملك الأفراد والشركات لكل وسائل الإنتاج. فالرأسمالية نظام اقتصادي في أساسه ولكنه قائم على فصل الدين عن الحياة الاقتصادية تماما لئلا تتقيد به بل تنفلت منه كما تريد وهذا الإيضاح للرأسمالية هو الحاصل من عدة تعريفات ذكرها الباحثون حول حقيقة الرأسمالية ومعانيها وكلها تدور كما سبق حول ملكية الفرد أو الأفراد لأدوات الإنتاج وتحقيق الأرباح في منافسة حرة. وبعض العلماء يعرفها بأنها تخزين - أو احتكار على الأصح- أصحاب الأموال لمنافعهم وبيعها وقت غلاء الأسعار. وقيل أنها تحكم فئة أو فئات لوسائل الإنتاج التي هي (الأرض، ورأس المال، والعمل) بعيدا عن تدخل الدولة قبل تطويرها في آخر الأمر. وكل تلك التعريفات متقاربة في المفهوم للرأسمالية الجشعة التي تسحق الفقراء وتثري الأغنياء على حد ما جاء في مفهوم التوراة " الغني يزاد له والفقير يؤخذ منه" بل يظهر لي أنها ليست تعريفات وإنما هي وجهات نظر غير القول بأنها فصل الدين عن الحياة. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٤٥

стр. 615

ثانيا: نشأة الرأسمالية وتطورها وصف الدكتور نظام محمود بركات الرأسمالية بأنها "مذهب ناتج عن ظهور المدرسة الطبيعية التي سادت أفكارها فرنسا في القرن الثامن عشر الميلادي وهي تقديس حقوق الإنسان وتركه يعمل كما يحب تحت شعار " دعه يعمل ... دعه يمر"" (١) أي أن الإنسان حر في كل تصرفاته الاقتصادية ينطلق كما يشاء بعيدا عن تعاليم الدين أو الأحكام، وربما يقصد بالمدرسة الطبيعية الإلحاد الذي كان قبل ظهور شيوعية " كارل ماركس". وأشهر من دعا إلى هذا المذهب هو " جوب ستيوارت مل" الذي نشط في الدعوة إلى قيام الأفكار الفردية خصوصا في الجوانب السياسية و" هربرت سبنسر" الذي دعا إلى إتاحة الحرية الفردية للشخص دون أي تدخل من الدولة غير الحماية العامة وغيرهما ممن جاء بعدهما. وهذا يدل على أن الرأسمالية في بدايتها كانت نظاما سيئا غاية في الجشع وعدم مراعاة مصالح الغير ثم تطورت يقول الخطيب " وقد أدخلت على النظام الرأسمالي بعض الإجراءات للتقليل من مساوئه كالتأمينات الاجتماعية والنقابات .. إلخ، والتي لا تعتبر من صميم هذا النظام" (٢) وحتى هذه التعديلات لم تكن على المستوى المطلوب للحد من جشع الرأسمالية العاتية وقد خطت بريطانيا أول الخطوات في تطوير الرأسمالية ثم تلتها أمريكا ثم بقية الدول الأوروبية فتدخلت في شؤون المواصلات والتعليم ورعاية حقوق المواطنين وسن القوانين ذات الصبغة الاجتماعية كالضمان الاجتماعي ورعاية الشيخوخة والبطالة والعجز والرعاية الصحية وتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة" (٣) ويجب أن يدرك القارئ أنه مع كل هذه التطورات لا زالت الرأسمالية شرا مستطيرا وأنها بخلاف ما جاء به الإسلام نحو المال والتعامل به. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٤٧

стр. 616

ثالثا: التأسيس وأبرز الشخصيات كانت أوروبا محكومة بنظام الإمبراطورية الرومانية التي ورثها النظام الإقطاعي Feudal System. لقد ظهرت ما بين القرن الرابع عشر والسادس عشر الطبقة البرجوازية Bourgeois تالية لمرحلة الإقطاع ومتداخلة معها. تلت مرحلة البرجوازية مرحلة الرأسمالية وذلك منذ بداية القرن السادس عشر ولكن بشكل متدرج. فقد ظهرت أولاً الدعوة إلى الحرية Liberation وكذلك الدعوة إلى إنشاء القوميات اللادينية. ظهر المذهب الحر (الطبيعي) في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في فرنسا حيث ظهر الطبيعيون Phisiocrates Les ومن أشهر دعاة هذا المذهب: - فرنسوا كنزني Francois Quensnay ١٦٩٤ – ١٧٧٨ م ولد في فرساي بفرنسا، وعمل طبيباً في بلاط لويس الخامس عشر، لكنه اهتم بالاقتصاد وأسس المذهب الطبيعي، فلقد نشر في سنة ١٧٥٦م مقالين عن الفلاحين وعن الجنوب، ثم أصدر في سنة ١٧٥٨م الجدول الاقتصادي Tableau Economique وشبَّه فيه تداول المال داخل الجماعة بالدورة الدموية. وقد قال ميرابو حينذاك عن هذا الجدول بأنه: "يوجد في العالم ثلاثة اختراعات عظيمة هي الكتابة والنقود والجدول الاقتصادي). - جول لوك Jonn Locke ١٦٣٢ – ١٧٠٤ م صاغ النظرية الطبيعية الحرة حيث يقول عن الملكية الفردية: "وهذه الملكية حق من حقوق الطبيعة وغريزة تنشأ مع نشأة الإنسان، فليس لأحد أن يعارض هذه الغريزة". - ومن ممثلي هذا الاتجاه أيضاً تورجو Turgot وميرابو Mirabour وجان باتست ساي J.B. Say وباستيا. ظهر بعد ذلك المذهب الكلاسيكي الذي تبلورت أفكاره على أيدي عدد من المفكرين من أبرزهم: آدم سميث A. Smith ١٧٢٣ – ١٧٩٠ م وهو أشهر الكلاسيكيين على الإطلاق، ولد في مدينة كيركالدي في اسكوتلنده، ودرس الفلسفة، وكان أستاذاً لعلم المنطق في جامعة جلاسجو. سافر إلى فرنسا سنة ١٧٦٦م والتقى هناك بأصحاب المذهب الحر. وفي سنة ١٧٧٦م أصدر كتاب بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم هذا الكتاب الذي قال عنه أحد النقاد وهو أدمون برك: "إنه أعظم مؤلف خطه قلم إنسان". - دافيد ريكاردو David ricardo ١٧٧٢ – ١٨٢٣ م قام بشرح قوانين توزيع الدخل في الاقتصاد الرأسمالي، وله النظرية المعروفة باسم قانون تناقص الغلة ويقال بأنه كان ذا اتجاه فلسفي ممتزج بالدوافع الأخلاقية لقوله: "إن أي عمل يعتبر منافياً للأخلاق ما لم يصدر عن شعور بالمحبة للآخرين". - جون استيوارت مل J. Stuart Mill ١٨٠٦ – ١٨٧٣ م يعدُّ حلقة اتصال بين المذهب الفردي والمذهب الاشتراكي فقد نشر سنة ١٨٣٦م كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي. - اللورد كينز Keyns ١٨٨٣ – ١٩٤٦ م صاحب النظرية التي عرفت باسمه التي تدور حول البطالة والتشغيل وقد تجاوزت غيرها من النظريات إذ يرجع إليه الفضل في تحقيق التشغيل الكامل للقوة العاملة في المجتمع الرأسمالي. وقد ذكر نظريته هذه ضمن كتابه (النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود الذي نشره) سنة ١٩٣٦م. - دافيد هيوم ١٧١١ – ١٧٧٦م صاحب نظرية النفعية Pragmatism التي وضعها بشكل متكامل والتي تقول بأن "الملكية الخاصة تقليد اتبعه الناس وينبغي عليهم أن يتبعوه لأن في ذلك منفعتهم". - أدمون برك من المدافعين عن الملكية الخاصة على أساس النظرية التاريخية أو نظرية تقادم الملكية. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 617

رابعا: الأفكار والمعتقدات أسس الرأسمالية: البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب إلا ما تمنعه الدولة لضرر عام كالمخدرات مثلاً. - تقديس الملكية الفردية وذلك بفتح الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها وتوفير القوانين اللازمة لنموها واطرادها وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إلا بالقدر الذي يتطلبه النظام العام وتوطيد الأمن. - المنافسة والمزاحمة في الأسواق Perfect Competition. - نظام حرية الأسعار Price System وإطلاق هذه الحرية وفق متطلبات العرض والطلب، واعتماد قانون السعر المنخفض في سبيل ترويج البضاعة وبيعها. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 618

خامسا: أقسام الرأسمالية قسم الباحثون الرأسمالية إلى أنواع مختلفة في الظاهر والذي يبدو لي أنها في النهاية تصب كلها في مصب واحد هو الوصول إلى رأس المال واقتناصه بكل طريقة يتمكنون بها. ١ـ الرأسمالية التجارية وفيها يظهر دور التاجر وطريقة وصوله إلى المال بعد اندحار نظام الإقطاع المتسلط الذي يجعل الكل للإقطاعي الشره فبعد زواله أصبح بامكان التاجر أن يشتري السلع ويبيعها أينما أراد ويتمكن من الحصول على الربح وهو أمر لا غبار عليه إلا أن هذه الرأسمالية أدركها عرق السوء فإذا بها بعد أن ازدهرت تحولت إلى نظام احتكاري بفعل كبار الأثرياء وتواطئهم مع السلطات فأصبح التاجر الصغير لا يملك القوة في تسويق منتجاته أينما يريد بل لا بد أن يبيعها إلى شخص مراد ومكان مراد وبسعر مراد شعر التاجر أم لم يشعر إذ لم يعد له مطلق الحرية في منتجاته وفي بيعها كما تدعي الرأسمالية. ٢ـ الرأسمالية الصناعية وهذه الرأسمالية تتعلق بأمور الصناعات والآلات التي حلت محل العمال وصار لها الثقل الأكبر والتميز الواضح عن الأعمال اليدوية لما تنتجه من وفرة ولئن كان نفع هذه الآلات لا ينكر إلا أنها أصبحت كيانا قائما بذاته قسيما للعمال تدار من قبل الملاك أصحاب الثروة الكبيرة وبالأجر الذي يحبونه بخلاف الحال قبل ظهور هذه الآلات فقد كان العامل يملك آلته بيده فأصبحت الآلة الصناعية منافسة مما اضطر العمال للخضوع لها بالتالي تحكم أصحابها في تشغيل العمال أو تركهم وبالأجر الذي يحلو لهم. ٣ـ نظام الكارتل وهو نظام احتكاري والكارتل كلمة ألمانية الأصل وهو نظام جائر يقوم على تمالأ الشركات الكبيرة على اقتسام السوق العالمية فيما بينها لتصبح منطقة نفوذ لهم وبالتالي يتحكمون في تحديد الأسعار واحتكار ما فيه وعن هذا النظام تقول الموسوعة الميسرة: " كرتل اتفاق بين منتجي سلعة معينة على تحديد أسعارها أو توزيع الأسواق بينهم أو تحديد الكمية التي ينتجها كل منهم وقد تقتصر على المنتجين في بلد معين وقد تكون دولية في نطاقها بحيث تتناول كبار المنتجين في البلاد المختلفة وتعتبر ألمانيا موطن هذا النوع من الاتفاقات ولكنها موجودة صراحة أو ضمنا في كثير من بلاد العالم. والاقتصاديون لا ينظرون بعين الارتياح لهذا التنظيم لأنه يضعف روح المنافسة ويقوي السلطة الاحتكارية ويحمي المنتج عديم الكفاءة ويقيد المنتج الذي يتمتع بكفاءة عالية، وفي ذلك إضرار بالمستهلك ومساس بالتقدم الاقتصادي غير أن الظروف الاقتصادية التي تمر بها بعض الصناعات قد تجعل من المصلحة قيام هذا النوع من الاتفاقات في الأمور المشروعة" (١) وقال عنه د. محمود الخطيب: " الكارتل تكتل بين مؤسسات ولكن تحتفظ كل مؤسسة باستقلالها وفي هذا التكتل تحدد الأسعار وحصة كل منتج من الإنتاج وتقسم الأسواق فيما بينها" (٢) ٤ـ نظام الترست ويقصد به تمكين إحدى الشركات من التفوق في المنافسة بتغلبها على ما سواها من الشركات الأخرى بغرض تحطيم أي منافس لها فتستحوذ على سائر السلع وتتحكم في القيمة فلا يبقى أمام المستهلك إلا الرضوخ والرضى بالأمر الواقع. قال الدكتور محمود إبراهيم الخطيب عن نظام الترست: " الترست تكتل بين مؤسسات ولكن بعكس الكارتل حيث تندمج عدة مؤسسات في مؤسسة واحدة وتتحكم بالتالي في السوق" (٣) المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٤٩

стр. 619

سادسا: أسباب ظهور الرأسمالية عرفت مما سبق مدى الإحباط والبؤس الذي عانته أوربا في عصورها الوسطى وسيادة نظام الطبقات البغيض الذي جعل الناس سادة وعبيدا وأغنياء وفقراء، قسم يعيش في الثريا وآخر في الثرى بمباركة الكنيسة وطغاتها الجبارين المتواطئين مع الحكام والأباطرة وغيرهم في تخدير الشعوب الأوروبية النصرانية على الرضا بكل تلك الأحوال المخزية كي يحصلوا على النعيم الأبدي أو دخول ملكوت الله – كما هو تعبيرهم – لأتباعهم المغلوبين على أمرهم واستمر الحال فترة من الزمن كانوا يشعرون فيها بهذا الغبن الغليظ وكما هو الحال فإن سنة الله تعالى ألا يدوم الشر أو الخير دائما فبدأت تباشير الخروج تلوح في الأفق إثر ظهور هذه الدعوات المختلفة على طريقة بعض الشر أهون من بعض. فحينما بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين بدأت تظهر هنا وهناك وبين آونة وأخرى حركة تمرد ناشئة تطمح إلى إزالة ذلك الكابوس البغيض فقام الكتاب والمفكرون والفلاسفة بشحذ أذهان الناس وإنهم في وضع يجب الخروج منه بأي ثمن كان لنيل الحريات وأهمها الحرية الفردية في التملك وإبداء الرأي والكلمة وتضافرت تلك الجهود يقوي بعضها بعضا إلى أن خرج الكتكوت من البيضة فإذا هم في نظام جديد أو معبود جديد يسمى المال الذي نقلهم نقلة قوية وحولهم من النظام الإقطاعي والرقيق في تدرج حثيث إلى النظام الرأسمالي. وقد ذكر الأستاذ الخطيب أن الذي ساعد النظام الرأسمالي على الظهور عدة عوامل كانت الرياح التي تجري فيها بما تشتهي السفن – أذكرها هنا بإيضاح وتصرف - وهي: ١ـ ظهور الدعوات القومية في غرب أوربا التي كانت دافعا قويا في البداية للتجمع والاتحاد ثم تجاوزها الأوروبيون بعد أن عاشوا مفاسدها فترة من الزمن إذ أصبح التنافس على المال والتكالب عليه بين كل قومية وأخرى على أشده فتركوها وسموها رجعية فتلقفها المتطفلون من المسلمين ونصارى العرب ليدخلوا بها ذلك النفق الضيق الذي خرج منه أهل أوربا. ٢ـ زيادة عدد السكان ولا سيما سكان المدن بسبب هجرة الناس من الأرياف والقرى إلى المدن طلبا للرزق والتنعم بحياة العيش في المدن فكثرت الأيدي العاملة وبالتالي البطالة فتطلع الناس إلى أي نظام ينقذهم وقد أصبحت هذه الهجرة الجماعية مصدر لأهل المدن وسببا لانتشار البطالة فيما بعد. ٣ـ هروب رقيق الأرض إلى المدن وكان هؤلاء يباعون من الأثرياء تبعا للأرض التي هم عليها حيث تباع الأرض بما عليها من تراب ونباتات ومزارع وعمال وقد مكنهم هروبهم إلى المدن الكبيرة من الاختفاء بها والتكسب مظلة الحرية الفردية في جمع المال وتوفيره والتنافس عليه فنشطت الرأسمالية. ٤ـ مطالبة أهل المدن باستقلالهم عن نفوذ سادة الإقطاع بعد أن اعتمدوا على ما أظهرته الحركة الصناعية من آلات وأدوات أفادتهم في تطور الاقتصاد عن طريق البر الزراعي والبحر بثروته السمكية الهائلة الممنوحة من الله تعالى للجميع فاشتد التنافس بين الجميع. ٥ـ ظهور النهضة العلمية والفكرية وحركة الإصلاح للدين النصراني المنهار تحت وطأة العلم التجريبي وعلماء الاكتشافات حيث جعلت الناس كلهم يتسابقون ويتنافسون في جمع الأموال.٦ـ انضمام الملوك القوميون إلى مساندة التجار وإعطائهم الحرية التامة في التملك الفردي أو الجماعي حسب قاعدتهم "دعه يعمل .. دعه يمر" (١) ويمكن أن يضاف إلى ذلك استشراف الناس للخروج عما هم فيه من الغبن الفاحش والتطلع إلى الجديد لعله يساعدهم على الحياة التي يتطلعون إليها.

стр. 620

ولا تنس – أخي القارئ – دور اليهود في قيام الرأسمالية فإن اليهود وراء كل جريمة ووراء كل مصيبة بل ووراء كل البنوك الربوية هم الذين يتحكمون فيها هبوطا وارتفاعا وهم الذين رتبوا لسيادة أصحاب رؤوس الأموال لبناء النظام الاقتصادي الربوي الجشع. وإذا أردت مصداق هذا الكلام فاقرأ ما سجلوه على أنفسهم في قراراتهم الجهنمية "بروتوكولات حكماء صهيون" (١) حيث أكدوا على التزامهم بدعم أي نظام فيه مضرة للجوييم واشتغالهم بأوضاعهم التي عزم اليهود على زعزعتها على مر الزمن انتقاما واحتقارا للجوييم لعدم خضوعهم لشعب الله المختار وقد عرف عن اليهود تفوقهم في استغلال الأحداث على أتم الوجوه وقد أكد الأستاذ محمد قطب أن اليهود لم يكونوا هم مصدر كل الأحداث كما يتصور البعض ولكنهم يعرفون كيف يستفيدون منها وكيف يوجهونها لمصالحهم وتحقيق أهدافهم لا أنهم هم أصحاب الاختراعات الفكرية كلها. وهناك عامل آخر أسهم أيضا في ظهور الرأسمالية لا يقل – في نظري – عن أهمية العوامل السابقة وهو دور السادة زعماء الإقطاع وكبار الملاك الذين أرادوا الالتفاف مرة أخرى للسيطرة على الطبقات الفقيرة من حيث يشعر هؤلاء أو لا يشعرون. فكان دورهم الجديد هو تمويل مشروعات النظام الجديد مقابل أرباح محددة يقطفون ثمارها دون عناء أو تعب بتشغيلهم الفقراء، ويظهر أن هؤلاء هم الذين كانوا وراء قيام البنوك الربوية والتي حلت أخيرا محل سادة الإقطاع في الزمن القديم حيث لم يختلف الأمر في التسميات فقط. لأنه لم يظهر أي مبدأ نبيل يسمو بأخلاق الإقطاعيين ويوجد في قلوبهم العطف الحقيقي والقناعة النفسية أو مراقبة الله تعالى والرغبة في ثوابه والخوف من عقابه لأن التغييرات السياسية والثورات الحاقدة لا تعطي شيئا من تلك الأخلاق الحميدة بل هي أوضاع تزيد في القلب السقيم سقما، وهكذا فقد كان لأصحاب رؤوس الأموال الصولات والجولات في الميدان حيث أصبحوا فيما بعد هم الطبقة العليا والمسيطرون الحقيقيون على الطبقات الدنيا وانتقل أهل أوربا من حكم الإقطاعيات القديم وطبقة النبلاء إلى حكم الإقطاعيات الجديدة وطبقة النبلاء الجدد فكان الخلاف لفظيا بين الحالين إذ لم يستطع الفقراء أن يدخلوا المنافسة في الرأسمالية لعدم تمكنهم من وجود رؤوس الأموال لإقامة المشاريع الضخمة التي تتطلب أموالا كثيرة فازداد الأغنياء غنى وثروة وازداد الفقراء فقرا وحاجة وتضاعف البلاء على الفقراء لعدم وجود أي وازع من الدين أو الفضيلة لدى الرأسماليين الذين لا حد لجشعهم ورغبتهم في امتلاك أكبر قدر من المال بأي طريق كان من الربا والاحتكار والغش والحيل واستعباد المحتاجين فنشأت العداوات الشديدة بين الفريقين إذ كان الفقراء ينظرون إلى أصحاب رؤوس الأموال بأنهم ظالمين جائرين لا رحمة لديهم بينما كان الأغنياء ينظرون إلى الفقراء على أنهم حاسدين لهم ومنازعين لهم ما في أيديهم شأن كل الأنظمة الجاهلية والأخلاق التي لا تقوم على هدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ التي تجعل الشخص يؤثر على نفسه غيره ولو كان به حاجة وفاقة كما قال الله تعالى في ثنائه على الأنصار في إيثارهم المهاجرين إليهم وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:٩]

стр. 621

سابعا: هل نجحت الرأسمالية في إسعاد الناس ؟ لا يمكن لأي نظام جاهلي أن يسعد أتباعه لأن فاقد الشيء لا يعطيه وأول شيء افتقدته الرأسمالية وجود الرحمة والعطف على المحتاجين الفقراء فقد حملتهم تبعة فقرهم تحت مبرر خادع وهو أنهم لم يعملوا ولم يعرفوا طرق الوصول إلى المال لبلادتهم وجهلهم فهم كما حكا الله عن قارون أنه قال قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص: ٧٨] ولم ينظروا إلى أنفسهم وإلى عمالهم حيث أن أصحاب رؤوس الأموال لا يعملون نصف ما يعمله ويكده عمالهم لسد حاجاتهم الضرورية بينما أصحاب رؤوس الأموال الذين لا يبالون بجمع المال تحت أي سبب سواء أكان مشروعا أو غير مشروع عن طريق الربا أو عن طريق المخدرات أو عن طريق بيع الأعراض أو الاحتيالات وما إلى ذلك نجد هؤلاء يعيشون في منتهى البذخ والإسراف كما قيل في المثل: " الكلب يشبع والنمور جياع" لقد وقعت الرأسمالية في مساوئ كثيرة – كأن كل نظام جاهلي – فالحرية الاقتصادية التي تمنح لأتباعها – وتتبجح بها – لم تكن صافية فالعامل تحت وطأة الحاجة يجب أن يعمل الذي يريده صاحب رأس المال إذ لا خيار أمامه إلا القبول وأيضا لا خيار في مقدار الأجرة التي يفرضها صاحب رأس المال لأنه إذا أبى ذلك فإن ما وصلت إليه البطالة والعاطلين عن العمل كفيلان بأن يوجد له من يقبل تلك الأجرة في الوقت الذي يشتد فيه جشع المحتكرين وسيطرتهم على الأسواق والموارد الوافدة إليه. وكنتيجة طبيعية إزاء هذه الأوضاع تفاقمت الهوة بين الأثرياء والفقراء واختل التوازن السليم في الاستفادة من الثروات كما تلاحظ هذا فيما يلي من دراسة الرأسمالية. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٥٢

стр. 622

ثامنا: أهم سمات الرأسمالية تميزت الرأسمالية بخصائص حول نظام الملكية الفردية للأفراد والجماعات ودور الحكومة تجاه المنتجين والمستهلكين كما يلي: ١ـ لكل فرد الحرية المطلقة في التملك والتصرف لعناصر الإنتاج التي بيده بعكس ما قامت عليه الاشتراكية الشيوعية تماما. ٢ـ لكل فرد الحرية في ممارسة أي نشاط اقتصادي يستطيعه إنتاجا واستهلاكا وتصديرا دون أي قيد.٣ـ أوجد النظام الرأسمالي حافزا قويا للأفراد والجماعات على الإقبال على العمل والمنافسة فيه والتسابق إلى تسويق ما يملكونه والذي ينتج عنه أحيانا هبوط الأسعار لكثرة الموارد مما أدى بأمريكا وغيرها من كبار المنتجين إلى أن يتلفوا كثيرا من المحاصيل الزراعية خوفا من هبوط الأسعار بل أحيانا يعطون الزارع مبلغا من المال في مقابل تركه لزراعة بعض المحاصيل حسب ما ذكره د. غازي القصيبي (١) ٤ـ إن الحكومة لا دخل لها في شيء مما يفعله المنتجون والمستهلكون بأموالهم وقد كان هذا المفهوم معمولا به في بداية قيام الرأسمالية ولكنه وبمرور الزمن تبين أنه مفهوم خاطئ لكثرة ضحاياه من الفقراء وما نتج عنه كذلك من التفاوت بين الناس في معيشتهم بطريقة غير عادلة فتطور الأمر إلى أن رفاهية المواطنين وعيشتهم عيشة كريمة أمر لا يتم بإلقاء الحبل على الغارب فشعرت الحكومات أن عليها واجبا نحو الجميع وأن عليهم أن يوجدوا سبيلا للتقارب بين الجميع في المعيشة فالتزمت الحكومات بما يلي: ١ـ إصدار التشريعات اللازمة لحماية العمال. ٢ـ فرض الضرائب لإعادة توزيع الدخل والثورة. ٣ـ القيام ببعض المشاريع التي يحجم عنها الأفراد مثل خدمات التعليم والصحة وغيرها مما تعود مصلحته على الجماعة ويتطلب ذلك رأس مال كثير. ٤ـ إصدار التشريعات بمنع الاحتكارات وقد تلجأ الدولة إلى التأميم لبعض المرافق والمصالح كالكهرباء والمناجم.٥ـ أخذت الدول الرأسمالية بأسلوب التخطيط بغية تحقيق أهداف التنمية ولا سيما بعد الأزمات الاقتصادية التي مني بها العالم (٢) وهكذا يتضح أن تلك المزايا كانت إيجابية ومفيدة فإطلاق الحافز الفردي أدى إلى تجدد النشاط في العمل والإنتاج وإتاحة المنافسة بين الأفراد والموارد وإتاحة الحرية الاقتصادية أدت إلى الإخلاص في العمل (٣) لكن هذه المزايا المفيدة لم تتحقق كما يلزم إلا قليلا من حيث أنها شجعت فعلا الحوافز الفردية والجماعية لكنها لم تجعل لها ضوابط وقيودا تمنع الغلو في الجشع أو الظلم على الآخرين أو التذكير بالله تعالى وثوابه وعقابه أو الرحمة بالفقراء وسلبهم واستعبادهم. بل وصلت الرأسمالية إلى حد أنها " تنعدم فيها حتى الفضائل القليلة التي عرفها مجتمع الإقطاع كالنخوة والشهامة والفروسية ... أما الفضائل ومنبعها في ظل النظام الرأسمالي فهي الربح بأي وسيلة وسبب" (٤) فانعدم فيها الجانب الروحي الذي ينبع عنه الخلق الكريم والإيثار وحب الآخرين والرغبة في ثواب الله تعالى. قوانين الرأسمالية للرأسماليين قوانين يسيرون بموجبها ويطبقونها بكل صرامة وقد أجملها الأستاذ فتحي يكن في الأمور الآتية: ١ـ قانون البحث عن الربح. ٢ـ قانون المزاحمة والمنافسة. ٣ـ قانون التمركز والقدرة على الإنتاج وحصره.٤ـ قانون السعر المنخفض (٥) وهذه القوانين كما ترى كلها تلهث وتتلهف على اقتناص الأموال وجمعها وحصرها في نهاية الأمر بيد الأثرياء أصحاب رؤوس الأموال فإن الذي يهمه فقط كيف يصل إلى الربح لا يهمه أن يظلم العامل وأن يقلل أجرة عمله إلى الحد الأدنى وأن يعتبر خدعة الناس وسلبهم أموالهم تحت أي مبرر ذكاءً وفطنة يستحق عليه المدح؟! وهذا القانون كان هو السبب لوجود قانون المزاحمة والتنافس بين الرأسماليين الجشعين إذ صار بعضهم يأكل بعضا كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٥٩

стр. 623

تاسعا: آثار سيئة للرأسمالية وقد كان لتلك القوانين الرأسمالية آثارها السيئة شأن الباطل دائما وشأن الأنظمة الوضعية وتنقسم الآثار السيئة للرأسمالية إلى قسمين (حسب تقسيم الدكتور علي جريشة) (١) الآثار النفسية والاجتماعية فقد ظهرت في ضعف الوازع الديني وقوة الوازع الدنيوي المادي واستغراق حياة الناس في السعي على الرزق والمكاسب والأرباح فُفقد الإحساس بالآخرين ونشأت قوة الدواعي إلى التعالي والكبرياء والأحقاد والحسد وإلى ظهور البطالة كما هو الحال في الدول الرأسمالية الصناعية حيث أسهمت الآلات الحديثة في إدارة الأعمال بدلا عن العمال فأصبح كثير من العمال عاطلا دون عمل. الآثار السياسية فقد ظهرت واضحة في سيطرة أصحاب رؤوس الأموال على الحكم لتمكنهم من شراء الأصوات لصالحهم وتوزيع الرشاوي على حساب المتنافسين على السلطة كما ظهرت أيضا على الناخبين لنفس السبب السابق فآلت السلطة في النهاية إلى يد أصحاب رؤوس الأموال بغض النظر عن وجود الكفاءة أو عدمها فيهم فإن العامة لا يهتمون بوجود الكفاءة في الشخص بقدر ما يسديه إليهم من المنافع فابتعد الفقراء عن السلطة تماما. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٦٥

стр. 624

عاشرا: عيوب الرأسمالية - الرأسمالية نظام وضعي يقف على قدم المساواة مع الشيوعية وغيرها من النظم التي وضعها البشر بعيداً عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده ولخلقه من بني الإِنسان. - الأنانية: حيث يتحكم فرد أو أفراد قلائل بالأسواق تحقيقاً لمصالحهم الذاتية دون تقدير لحاجة المجتمع أو احترام للمصلحة العامة. - الاحتكار: إذ يقوم الشخص الرأسمالي باحتكار البضائع وتخزينها حتى إذا ما فقدت من الأسواق نزل بها ليبيعها بسعر مضاعف يبتز فيه المستهلكين الضعفاء. - لقد تطرفت الرأسمالية في تضخيم شأن الملكية الفردية كما تطرفت الشيوعية في إلغاء هذه الملكية. - المزاحمة والمنافسة: إن بنية الرأسمالية تجعل الحياة ميدان سباق مسعور إذ يتنافس الجميع في سبيل إحراز الغلبة، وتتحول الحياة عندها إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف، وكثيراً ما يؤدي ذلك إلى إفلاس المصانع والشركات بين عشية وضحاها. - ابتزاز الأيدي العاملة: ذلك أن الرأسمالية تجعل الأيدي العاملة سلعة خاضعة لمفهومي العرض والطلب مما يجعل العامل معرضاً في كل لحظة لأن يُستبَدل به غيره ممن يأخذ أجراً أقل أو يؤدي عملاً أكثر أو خدمة أفضل. - البطالة: وهي ظاهرة مألوفة في المجتمع الرأسمالي، وتكون شديدة البروز إذا كان الإِنتاج أكثر من الاستهلاك مما يدفع بصاحب العمل إلى الاستغناء عن الزيادة في هذه الأيدي التي تثقل كاهله. - الحياة المحمومة: وذلك نتيجة للصراع القائم بين طبقتين احداهما مبتزة يهمها جمع المال من كل السبل وأخرى محرومة تبحث عن المقومات الأساسية لحياتها، دون أن يشملها شيء من التراحم والتعاطف المتبادل. - الاستعمار: ذلك أن الرأسمالية بدافع البحث عن المواد الأولية، وبدافع البحث عن أسواق جديدة لتسويق المنتجات تدخل في غمار استعمار الشعوب والأمم استعماراً اقتصادياً أولاً وفكرياً وسياسياً وثقافياً عامة، وذلك فضلاً عن استرقاق الشعوب وتسخير الأيدي العاملة فيها لمصلحتها. - الحروب والتدمير: فلقد شهدت البشرية ألواناً عجيبة من القتل والتدمير وذلك نتيجة طبيعية للاستعمار الذي أنزل بأمم الأرض أفظع الأهوال وأشرسها. - الرأسماليون يعتمدون على مبدأ الديمقراطية في السياسة والحكم، وكثيراً ما تجنح الديمقراطية مع الأهواء بعيدة عن الحق والعدل والصواب. - إن النظام الرأسمالي يقوم على أساس ربوي، ومعروف بأن الربا هو جوهر العلل التي يعاني سمنها العالم أجمع. - أن الرأسمالية تنظر إلى الإِنسان على أنه كائن مادي وتتعامل معه بعيداً عن ميوله الروحية والأخلاقية، داعية إلى الفصل بين الاقتصاد وبين الأخلاق. - تعمد الرأسمالية إلى حرق البضائع الفائضة، أو تقذفها في البحر خوفاً من أن تتدنى الأسعار لكثرة العرض، وبينما هي تقدم على هذا الأمر تكون كثير من الشعوب في حالة شكوى من المجاعات التي تجتاحها. - يقوم الرأسماليون بإنتاج المواد الكمالية ويقيمون الدعايات الهائلة لها دونما التفات إلى الحاجات الأساسية للمجتمع ذلك أنهم يفتشون عن الربح والمكسب أولاً وآخراً. - يقوم الرأسمالي في أحيان كثيرة بطرد العامل عندما يكبر دون حفظ لشيخوخته إلا أن أمراً كهذا أخذت تخف حدته في الآونة الأخيرة بسبب الإِصلاحات التي طرأت على الرأسمالية والقوانين والتشريعات التي سنتها الأمم لتنظيم العلاقة بين صاحب رأس المال والعامل. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 625

حادي عشر: الإِصلاحات التي طرأت على الرأسمالية - كانت إنجلترا حتى سنة ١٨٧٥م من أكبر البلاد الرأسمالية تقدماً. ولكن في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت كل من الولايات المتحدة وألمانيا، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت اليابان. - في عام ١٩٣٢م باشرت الدولة تدخلها بشكل أكبر في إنجلترا، وفي الولايات المتحدة زاد تدخل الدولة ابتداء من سنة ١٩٣٣م، وفي ألمانيا بدءاً من العهد الهتلري وذلك في سبيل المحافظة على استمرارية النظام الرأسمالي. - لقد تمثل تدخل الدولة في المواصلات والتعليم ورعاية حقوق المواطنين وسن القوانين ذات الصبغة الاجتماعية، كالضمان الاجتماعي والشيخوخة والبطالة والعجز والرعاية الصحية وتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة. - لقد توجهت الرأسمالية هذا التوجه الإِصلاحي الجزئي بسبب ظهور العمال كقوة انتخابية في البلدان الديمقراطية وبسبب لجان حقوق الإِنسان، ولوقف المد الشيوعي الذي يتظاهر بنصرة العمال ويدعي الدفاع عن حقوقهم ومكتسباتهم. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 626

ثاني عشر: أماكن انتشار الرأسمالية انتشرت الرأسمالية وقويت في العالم الغربي والدول الصناعية بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان وأمريكا، وتتزعمها اليوم في العالم كله أمريكا التي تسمي نفسها الدولة العظمى الوحيدة في العالم أو القطب الواحد والمتحكم في الأسواق الصغيرة والكبيرة. وقد تبعت أمريكا كثير من الدول الغربية وسارت على خطاها وعلى خطاياها أيضا حذ القذة بالقذة. وأما دول العالم الإسلامي فهي متأرجحة ما بين الالتفات إلى الشرق الاشتراكي والالتفات إلى الغرب الرأسمالي وبعضها رفض تطبيقها رسميا وإن كان قد أخذ ببعض مبادئها وهم ما بين مستقل ومستكثر منها بحكم قوة الروابط وضعفها مع الغرب إلا من رحم الله. وإنه لمن العار أن تتطفل بعض الأنظمة التي تنتسب إلى الإسلام على فتات موائد الشرق والغرب الآسنة ويتركون النبع الصافي السلسبيل العذب وهو النظام الإسلامي الذي سعدت به البشرية قرونا طويلة من قبل أن يظهر النظام الوضعي الرأسمالي الاشتراكي الجاهليان بصورة شرهة وتخبطهما في شتى الاتجاهات. المصدر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي

стр. 627

ثالث عشر: حكم الرأسمالية والفرق بينها وبين نظام الإسلام الرأسمالية تنظيم جاهلي اقتضته الظروف المعيشية التي مرت بها أوربا في عصورها المظلمة دعا إليه بعض الساسة والمفكرين والكتّاب للخروج من أغلال رجال الكنيسة وعن الأوضاع الاقتصادية المتردية وقد يبدو أن لهم مبررات كثيرة في تلك الثورات الهائجة إلا أنه يؤخذ عليهم أنهم لم يطرقوا باب الإسلام ولم يطلعوا على ما فيه من حلول تسعد بها البشرية لو طبقوها على امتداد تاريخ وجودهم بل كان اهتمامهم كله يتركز على محاربة الدين وأنظمته كلها واستبدال كل ذلك بقوانين الرأسمالية. ولقد أتت الرأسمالية بحلول كثيرة بعضها تتوافق مع الإسلام وأكثرها تخالفه ومع ذلك فإن في الإسلام حكما واحدا تجاه كل من يخالفه ويشرع من دون الله تعالى أحكاما وضعية قال تعالى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠] فالإسلام لا يقر أي تنظيم أو تشريع للبشر بعضهم للبعض الآخر بل ويعتبره حكما جاهليا وتطاولا على حق الخالق العظيم. ويفترق النظام الرأسمالي عن التشريع الإسلامي في جوانب كثيرة جدا لأن الإسلام يمقت الشح والتكالب على المال والحرص عليه قال تعالى وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:٩] بينما النظام الرأسمالي قائم على هذه الصفة الذميمة كذلك فإن الإسلام يدعو إلى الرحمة والعطف والتكافل الاجتماعي بصورة منظمة تكفل لكل ذي حق حقه وقد خلت الرأسمالية من ذلك كما أنه ينظم حياة الناس وتعايشهم فيما بينهم فلا يجعل الحلال ما حل في يد الشخص والحرام ما حرم منه ولا يقر أن يعيش الناس تحت طبقات متفاوته لا يلوي بعضهم على الآخر ينسحق فيها الفقراء ويلاقون مصاعب الحياة دون أن تمتد يد المساعد إليهم لأن الإسلام يأبى هذه الأوضاع ويشنع على أصحابها بينما الرأسمالية قامت على هذا الأساس كضرورة لا مفر منها للانتعاش الاقتصادي كما يزعمون. وإذا كان الإسلام قد حرم الشح وذمه فإنه حرم الاحتكار الذي يضر بالمصلحة وأكد أنه لا ضرر ولا ضرار والاحتكار من مزايا الرأسمالية كما أكد تحريم الربا بل اعتبره حربا سافرة ضد الإنسانية وضد التشريع الإلهي بينما تجد هذه الجوانب من مقومات الرأسمالية قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] فأي نظام حر رأسمالي حرم الربا؟ بل إن النظم الجاهلية كما يعرف القارئ الكريم تسمي الربا فائدة، أما الإسلام فإنه يعتبر النظرة إلى المادة وحدها دون ضوابط ولا رجوع إلى السمو الروحي والأخلاق الفاضلة والتسامح ولين المعاملة يعتبرها الإسلام حياة بهيمية غير لائقة بالبشر يأكل أصحابها كما تأكل الأنعام لأن الإسلام يوازن بين حياة الجسم وحياة الروح التي أغفلتها الرأسمالية واهتمت فقط بالحياة الجسمية والوصول إلى إشباع النداء الجسماني بكل وسيلة مشروعة كانت أو غير مشروعة. كما أن الإسلام يعتبر الحرية التي ليس لها ضوابط وحدود تقف عندها يعتبرها فوضى لا استقرار فيها ولا سعادة من ورائها بينما التنافس الحر وهو تنافس أشبه ما يكون بتنافس الكلام على الجثة الميتة فإن أصحاب رؤوس الأموال يتهاوشون أحيانا فيما بينهم على الاستحواذ على مصادر الموارد وإزاحة المنافس كما تفعل السباع بفريستها وهذا دأبهم دائما.

стр. 628

قيل إن بعض هؤلاء الرأسماليين الجشعين قيل له عند موته ماذا تتمنى؟ فذكر أنه يتمنى لو أنه يملك من المال كذا وكذا ويتمنى لو أن شفايف النساء كلهن تجتمع له في شفة فيقبلها لأن غرضه في هذه الحياة هو الوصول إلى مآربه والاستمتاع بكل ما يراه دون ضوابط أو ضمير. ومما سبق يتضح أن نظام الإسلام حتى وإن وجد بعض التوافق بينهما فقد تبين لك ١ـ أن الرأسمالية نظام بشري اقتضته الظروف المعيشية في الغرب لمبررات عديدة بينما الإسلام نظام إلهي فالفرق كبير. ٢ـ كما أن الإسلام نسبة إلى الاستسلام لرب العالمين والرأسمالية نسبة إلى الاستسلام للمال وكيفية جمعه وادخاره. ٣ـ تضمن الرأسمالية للفرد حرية الملك دون أي قيد أما الإسلام فإنه وإن أباح حرية التملك لكنها حرية منظمة محكومة بالقاعدة المشهورة في الإسلام " لا ضرر ولا ضرار" ٤ـ لا تعارض الرأسمالية قيام جمع المال بالوسائل التي يحرمها الإسلام ويحذر منها كالربا والغش والاحتيال والاحتكار بينما الإسلام يحرم كل ذلك. ٥ـ الرأسمالية تشجع على المنافسة والمزاحمة في العمل وإيجاده وإنجازه دون حد والإسلام يشجع ذلك لكنه ينظم تلك المنافسة فلا يجعلها على شرعية " من عز بز ومن غلب استلب" دون مراعاة الفقراء أو تحطيمهم اقتصاديا. ٦ـ ليس في الرأسمالية نظام التكافل الاجتماعي كالزكاة ودورها في سد حاجات الفقراء بدون من ولا أذى حيث يأخذ الفقير حقه دون أي شعور بالذلة لأحد بينما يوجد في الرأسمالية نظام عائدات الضرائب التي يعطى الشخص بمقدار ما يسمح به رصيده. ٧ـ الرأسمالية تعطي للفرد الحق في مطلق التصرف فيما له دون أي اعتبار حتى ولو أنفقه في العبث والإسراف وأنواع المحرمات بينما الإسلام يعطيه الحرية ويحدد له مسار الإنفاق المشروع وغير المشروع فحرم إنفاقه في أشياء كثيرة كالخمر والقمار والميسر وأنواع اللهو. ٨ـ لا يوجد في الرأسمالية بعض قضايا التكافل الاجتماعي المفيد كالإرث مثلا فإن الرأسمالية لا ترى بأسا أن يجعل الشخص أمواله بعد موته في أي محرم ولو كان ذلك المال يصرف على كلب المالك أو خنزيره. أما الإسلام فإنه يعترف بالحفاظ على الانتفاع بالمال في كل طريق شرعي ومنه الإرث فإنه ملك شرعي للمال وكذلك مثل (الوصية، الهبات، الصدقات .. ) ونحو ذلك مما رغب فيه الإسلام. ٩ـ الإسلام يجعل الشخص حسيب نفسه فيثير فيه المراقبة الذاتية لله تعالى في الخوف من عقاب الله والطمع في ثوابه فلا يسمح أن تكون النظرة موجهة فقط للربح وهذا الجانب لا يوجد في الرأسمالية فكل واحد حبله على غاربه فيها. وقد حاول النظام الرأسمالي إيجاد البديل كدعوى الإنسانية وبعض قوانين العقاب المالي أو البدني لكنها لم تثمر الثمرة المرجوة أو الموجودة في مراقبة الله وحده. ١٠ ـ قانون المنافسة والمزاحمة في العمل أدى إلى ظهور الغربة الجامحة لدى المالكين إلى البحث عن السعر المنخفض وتخفيض أجور العمال بل والتحايل لإسقاطها بينما الإسلام ينهى عن كل ذلك فلا يبيح الغبن لا في البيع ولا في الشراء ولا في الأجرة فهو يعطي الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه وفيه الخيارات في البيع التي حددها الفقهاء كما يحرم الإسلام كل وسيلة تؤدي إلى الخصام والعداوة والاختلاف. ١١ـ الحريات في الرأسمالية لا تقف عند حد فإن حرية الكلمة يدخل فيها حرية التبجح بالفجور والإلحاد والحرية الشخصية يدخل فيها استحلال جميع الفواحش وحرية الأديان يدخل فيها إباحة الإلحاد إضافة إلى ما فيها من الغبن الفاحش وظلم الفقراء أما الحرية في الإسلام فهي مصونة بضوابطها الشرعية في مراعاة الحقوق كلها حق النفس وحق الغير. ١٢ـ يعيش الرأسمالي في قلق دائم بعد أن افتقد اليقين بأن الله هو الرزاق لجميع خلقه وقد ظهر قلقهم في ما يسمونه الانفجار السكاني أو ندرة الموارد وزيادة الحاجات وما إلى ذلك مما يجعل الناس يعيشون في قنوط وتخوف متناسين ما تأخذه الأمراض والحروب والحوادث من نفوس في كل ساعة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. ١٣ـ ينعدم في الرأسمالية العطف والتراحم والمحبة بسبب قيام المجتمع الرأسمالي على النظام الطبقي طبقة الأثرياء الرأسماليين وطبقة الفقراء العمال فالطبقة الأولى لا يهمهم إلا جمع المال وتوفير المكاسب بأي وجه يكون ومما يدل على الجفاء في النظام الرأسمالي هو حرق المنتجين لبعض منتجاتهم حفاظا على ارتفاع الأسعار رغم أنين الجياع في أكثر من مكان من الأرض أما الإسلام فإنه يجعل من أوليات العلاقة بين الناس العطف والإنصاف والإيثار وحسن المعاملة بأن يحب الشخص لأخيه كما يحب لنفسه ورتب على نبذ الشح الفلاح كما قال تعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:٩]. المصدر: المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي ١/ ٦٦٧

стр. 629

أولا: تعريف العولمة العولمة لفظ مأخوذ من (عالَم)، وكما أن الناس اختلفوا فيها ما بين مندد ومسدد، فقد اختلفوا كذلك في تعريفها، ولكن يكاد يتفق الجميع على حد أدنى، وهو اصطباغ عالم الأرض بصبغة واحدة شاملة لجميع من يعيش فيه، وتوحيد أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات، والجنسيات والأعراق ((١). فمهما تعدّدت السياقات التي ترد فيها (العولمة)، فإن المفهوم الذي يعبّر عنه الجميع، في اللغات الحيّة كافة، هو الاِتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد. ومن هنا جاء قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة بإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً. وكل هذا لا يخرج عن اعتبار العولمة -في دلالتها اللغوية أولاً- هي جعل الشيء عالمياً، بما يعني ذلك من جعل العالم كلِّه وكأنه في منظومة واحدة متكاملة. وهذا هو المعنى الذي حدّده المفكرون باللغات الأوروبية للعولمة Globalization في الإنجليزية والألمانية، وعبروا عن ذلك بالفرنسية بمصطلح Mondialisation، ووضعت كلمة (العولمة) في اللغة العربية مقابلاً حديثاً للدلالة على هذا المفهوم الجديد ((٢). وتظهر مشكلة العولمة في هذا التعريف، فطالما أن الأعراق متنوعة، والثقافات متعددة، والأديان مختلفة، والأهواء متباينة، فمن يحكم هذه الصبغة الواحدة؟ من يضع ضوابطها ويحدد قوانينها؟ ثم كيف يلزم تاجر صغير كان يعيش في أرضه آمناً في سربه، عنده قوت يومه، بمزاحمة غيره من العمالقة له في أرضه؟ وإذا كان هذا محتملاً لكون العصفور يرزق مع النسر، وتلك الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً؟ فبأي مبرر تلغى عادات الناس وأنماطهم الاجتماعية؟ ومن الذي يضع الصبغة الجديدة للوحدة الاجتماعية؟ وكيف ألزم بلايين البشر بغسل أدمغتهم، وتنظيفها من فكرهم الأصيل لآخر دخيل؟

стр. 630

ولهذه الإشكالات وغيرها كان من الطبيعي أن يكون في المجتمعات الإسلامية والعربية شبه إجماع بين أطراف الرأي العام السياسي فيها، ماركسيهم وقوميهم وإسلاميهم يقول بأن العولمة، بالموجهات الرئيسة التي تحركها، لا تتضمن أي جديد بل هي شكل من الاستعمار لا تختلف في أهدافها عن أهداف الموجات الاستعمارية السابقة. فلا يمكن لرأس المال المهيمن، وللشركات العملاقة المتعددة الجنسيات أن تنزع نحو أهداف أخرى غير السيطرة على الأسواق وغزو موارد الكوكب واستغلال العمل المأجور والرخيص أنّى وجد. والفرق بين المشروعين الاستعماريين، القديم والجديد، هو أن المشروع الجديد يحتاج إلى التأقلم مع الظروف العالمية التاريخية المتغيرة، أي صعود هيمنة الولايات المتحدة الأحادية على العالم، وتحويل حلف شمال الأطلسي إلى التحالف العسكري السياسي الوحيد في العالم، وفي خدمة مجموعة صغيرة من الدول الصناعية· كما أن الاستعمار الجديد يستخدم خطابا للمشروعية يشدد على قيم نشر الديمقراطية واحترام حقوق الشعوب بدل الخطاب الذي حرك قوى الاستعمار الأسبق الذي ركز بشكل رئيس على قيم تمدين الشعوب الهمجية، أعني كل الشعوب غير الأوربية، وتحضيرها أو إدخالها في الحضارة الفعلية· ولئن كانت للاستعمار الأول أشكال تدخله العسكرية، فإن الاستعمار الجديد يعمد إلى أساليب جديدة، لا تقل فعالية عن السابقة على الرغم من أنها اتسمت بقسط أكبر من الأغطية القانونية· فالتدخل العسكري الانفرادي والمكشوف للدول الاستعمارية قد ترك مكانه (١) حتى الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد. المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص٧ وسواء كانت "العولمة" تعني الكوكبة أو"الكونية" أو "سيادة النموذج الرأسمالي" وهيمنته على العالم, فإن النظام العالمي الجديد الذي بدأ يسود في العالم مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين قد أفرز العديد من النظريات والمصطلحات, منها: نظرية: "نهاية التاريخ" التي تبناها المفكر الياباني الأصل: فوكوياما, والذي اعتبر نهاية الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفيتي نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية ونظرية "صراع الحضارات" لأستاذ العلوم السياسية الأمريكي صامويل هانتجتون, الذي اعتبر نهاية الحرب الباردة, وانتصار المعسكر الغربي على المعسكر الشرقي بداية لصراع طويل وممتد بين الغرب النصراني وحضارته الغربية, والشرق المسلم وحضارته الإسلامية, وأيضا بروز بعض الأفكار والنظريات الأخرى مثل: "ما بعد الحداثة" وغيرها حتى الوصول إلى مصطلح "العولمة". وقد عقدت العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية لمناقشة مصطلح "العولمة" وأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإن كانت معظمها انطلقت في إطار التوجه المؤيد للمصطلح, الذي يؤيده أصحاب التوجه "الليبرالي" أو المعارضين لها من منطلق أنها "أمركة" أو "تصب في خانة الرأسمالية" من أصحاب التوجهات اليسارية والماركسية, وللأسف لم نجد في العالمين العربي والإسلامي ندوة علمية منهجية تتناول مفهوم العولمة من منظور إسلامي. ولعل أبرز الندوات والمؤتمرات التي ناقشت قضية العولمة خمسة مؤتمرات في أقل من ثلاثة أعوام. كما أن بعض الهيئات والمؤسسات والتنظيمات الكبرى في العالم العربي لم تتطرق لمناقشة هذه القضية مثل الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي, أو رابطة العالم الإسلامي!!

стр. 631

وإذا كان مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حاول أن يناقش البعد الثقافي للقضية, وخطورة "العولمة" على الثقافة العربية إلا أن الوجوه التي دعيت للمؤتمر وقدمت أبحاثا كانت من المؤيدين لـ "العولمة" لأنها "انفتاح على ثقافة الغير". وانصب اهتمام المؤتمر في الأساس على "العولمة والهوية الثقافية" أما ندوة "العولمة والاتجاهات المجتمعية في الوطن العربي" المنعقدة في القاهرة فقد انصب اهتمامها في الأساس على البعدين الاقتصادي والاجتماعي واهتمت كما جاء في الدراسة التي أعدها المفكر الاقتصادي سمير أمين على "تحليل العولمة وتأثيراتها وآلياتها" وناقش المسألة من منظور أيديولوجي, وقدمت الندوة رؤية لمناخ العصر ... وإن كانت انصبت على محاكمة النظام العالمي الجديد, والقوة المهيمنة على العالم وتمركز الحضارة الرأسمالية حول أفكار اقتصادية. الأمر الذي انعكس - بالطبع- على الهيمنة الرأسمالية على الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية ولكن المؤتمر أغفل الجوانب الاجتماعية للعولمة وآثارها على حياة الشعوب وقيمها وسلوكياتها. وبغض النظر عن دفاع البعض المستميت عن "العولمة" وتحفظ البعض اللامحدود عليها فإن لـ "العولمة" أبعادها السياسية التي ستنعكس حتما على العالم الإسلامي. فالعولمة في الأساس نتاج انهيار نظام عالمي كان يقوم "القطبية الثنائية" بانهيار أحد أقطاب النظام - وهو الاتحاد السوفيتي – بل وزواله تماما بانتهاء الحرب الباردة وسيادة قطب واحد أخذ يسيطر على هذا العالم سياسيا وعسكرياً, الأمر الذي أحدث هوة عميقة وخللاً كبيراً في المنظومة السياسية العالمية, وفي ظل عدم التكافؤ في القوة والإمكانات بدأ الخلل يظهر, ولمعالجة هذا الخلل وجدنا من يبشر بقيام نظام عالمي جديد قوامه "سيادة حقوق الإنسان" و"الحرية الديمقراطية" و"دور أكبر ومؤثر للأمم المتحدة في حل المنازعات سلميا" وظهرت آثار هذا النظام في إنهاء التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا ونهاية حكم الأقلية البيضاء وبداية حكم الأغلبية السوداء, وبدأ يذوب الجليد بين واشنطن وبكين بعد عداوة طويلة, وأخذت واشنطن تلعب الدور الأكبر في صنع السياسة الروسية, ونجحت في "تطويع" الكرملين بتنصيب يلتسين رئيسا ودعمه وتأييده بلا حدود. وأخذت معالم النظام العالمي الجديد تتضح أكثر وتأخذ أبعادا متناقضة, فالشرعية الدولية تتدخل لتفرض قوانين وقرارات الأمم المتحدة في مكان وتتغاضى عن تنفيذ هذه القوانين في مكان آخر, فتحكمت "المصالح الدولية" في تسيير دفة هذا النظام, وتحكمت الشركات متعددة الجنسيات في صنع القرار السياسي, فهناك أكثر من (٢٠٠) شركة متعددة الجنسيات هي التي تصنع اليوم القرار السياسي. وظهرت سياسة "الكيل بمكيالين" حيث يكيل النظام العالمي الجديد بمكيالين حيث يطبق قرارات الأمم المتحدة بحذافيرها في مكان, ويتجاهل تماما القرارات الدولية في مكان آخر, الأمر الذي دفع د. كلوفيس مقصود مدير مركز عالم الجنوب في الجامعة الأمريكية في واشنطن إلى وصف "هذا النظام الجديد بالفوضى" وقال: "لا هو نظام عالمي ... ولا هو جديد ... بل هو فوضى متميزة بنزاعات إقليمية تعيد إلى الواجهة تيارات فكرية كنا اعتقدنا أنها مر عليها الزمن" (١).

стр. 632

فالذي نشاهده اليوم في ظل هذا النظام الجديد, والتبشير بـ "العولمة" دولا تفككت كما يحدث الآن في أفغانستان والصومال والكونغو الديمقراطية ومذابح ضد الإنسان ارتكبت دون تحقيق دولي كما حدث في البوسنة والهرسك – في قلب أوروبا – ويحدث اليوم في كوسوفو, وحدث في رواندا حيث أبيد أكثر من نصف مليون مواطن دون أن تحرك القوى المهيمنة ساكنا, بل إن تدخلات الشرعية الدولية في بعض المناطق أدت إلى نتائج عكسية, ففي البوسنة سقطت سربنيتشا وأباد الصرب أكثر من أربعة آلاف مسلم وهي تحت الحماية الدولية ورجال القبعات الزرقاء, وفي الصومال تدخلت الأمم المتحدة فكانت الكارثة, زادت الصراعات وزاد القتال, حتى المحاكمات لمجرمي الحرب التي صدرت بها قرارات من مجلس الأمن الدولي لم تنفذ سواء ضد مجرمي الحرب في البوسنة أو في رواندا, وحتى المواثيق والمعاهدات الدولية لم تحترم ولم تنفذ, مما جعل المنبهرين بالنظام العالمي الجديد وبإفرازاته السياسية والاقتصادية والثقافية يتضجرون من هذا النظام وتناقضاته. فالنظام الجديد الذي حاول - سياسيا- عولمة "ديمقراطية" ومنظوره الخاص لـ "حقوق الإنسان" وفهمه لـ "الحرية" تجاهل تماماً وضعية الشعوب الأخرى وظروفها ومتطلباتها, وكان النتاج عولمة الفقر إضافة إلى عولمة السوق, واستقطاب جديد من الشمال الغني المسيطر للجنوب الفقير, وتبني القوى الدولية للقضايا التي تريد ما دامت مصلحتها تقتضي ذلك, وتتجاهل قضايا أساسية لعدم وجود مصلحة لها. وإذا كان النظام العالمي الجديد والسياسات التي تحكمت في تسيير دفة العالم والهيمنة عليه هي التي أفرزت ظاهرة "العولمة" فإن هذا النظام وآلياته يسير من قبل دول ومؤسسات وهيئات دولية تتحكم في النظام الاقتصادي في العالم, فآلية النظام الاقتصادية مكنت الدول الغربية القوية مادياً وتكنولوجياً من الضغط على دول العالم الثالث, لتفتح اقتصادياتها أمام رأس المال والمنتجات الغربية كما مكنتها في الأساس من "خلخلة" العوائق القانونية والمالية التي تضعها الدول - في الجنوب - أمام منتجات الشمال ... الأمر الذي جعل الدول الغنية تقوض الأسس التي تقوم عليها أركان الدول في العالم الثالث الفقير, وجاءت اتفاقيات الجات في ١٩٩٤م لتتحكم منظمة التجارة العالمية, في الاقتصاد العالمي, بتحكمها في ٠٩% من حركة التجارة العالمية, والدول في العالم الثالث ملزمة بالدخول في اتفاقيات الجات والتسليم بها, وفتح أسواقها أمام منتجات وسلع الدول الغنية, الأمر الذي يحطم اقتصاديات هذه الدول. فالنظام العالمي الجديد يسعى بكل قوة لتنفيذ مصالح القوة العالمية الدولية ومصالح الشركات متعددة الجنسيات. وإن أي سعي في ظل "العولمة الاقتصادية" لتحقيق التنمية الذاتية أو المعتمدة على النفس تواجه بعراقيل من صنع ووضع القوى وعوامل خارجية وهي بالقطع ستكون معادية لأي جهد وطني, فبلدان "المركز" التي تدير "عولمة الاقتصاد" تجني المكاسب الطائلة بفضل تبعية "بلدان التخوم" لها سياسياً واقتصادياً وإعلامياً بل ثقافياً (١). المصدر: العولمة لسليمان الخراشي

стр. 633

ثانيا: مجالات العولمة: • ١ - العولمة الاقتصادية. • ٢ - العولمة الثقافية. • ٣ - العولمة الإعلامية.

стр. 634

١ - العولمة الاقتصادية الأسئلة التي سبق طرحها يعاد طرحها مرة أخرى لفهم المشكلة الاقتصادية، فطالما أن الأعراق متنوعة، والثقافات متعددة، والأديان مختلفة، والأهواء متباينة، فمن يحكم هذه الصبغة الواحدة؟ من يضع ضوابطها ويحدد قوانينها؟ ولأن هذا نذر يسير من الأسئلة والإشكالات، فلا عجب أن تشهد (براغ) عنفاً لم تشهد مثله منذ قرون! فقد انقلبت العاصمة التشيكية في سبتمبر من عام ألفين رأساً على عقب، ففي اليوم السادس والعشرين تلقى عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من خلال شبكة الإنترنت رسالة تحدد موعداً للقيام بتحرك في مدينة (براغ) التشيكية، وتطالب الرسالة أولئك الذين تلقوها، بالحضور في الموعد المحدد من أجل المساهمة في التظاهر ضد العولمة والرأسمالية العالمية. للاحتجاج على الشركات والمؤسسات الكبرى التي أصبحت تتحكم بمصائر العالم من خلال تزايد نفوذها أكثر فأكثر وما يتبع ذلك من آثار مأساوية على العديد من شعوب العالم وخاصة الفقيرة منها المستثناة عملياً من دورة المناقصة التجارية. وقد تم اختيار الموعد على ضوء انعقاد المؤتمر السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في مدينة (براغ) نفسها، ومما يلفت النظر أن الدعوة وجهت خطاباً خاصاً لمن سبق له التظاهر ضد العولمة في (سياتل) و (ملبورن) و (لندن). ويرى بعض الغربيين: أن العولمة الرأسمالية والحركات النقابية والعمالية والاجتماعية المضادة لها سيكون بينهما صراع كبير في القرن الحادي والعشرين، وقد ابتدأ بالفعل هذا الصراع في مطلع القرن الحادي والعشرين في مدينة (سياتل) بأمريكا -معقل فكرة العولمة- عام (١٩٩٩). فمؤتمر (سياتل) الذي اجتمعت فيه معظم الحركات والمنظمات المضادة للعولمة استطاع أن يكشف مؤتمر التجارة العالمية الذي يضم قادة العالم الرأسمالي (١). إذاً فمناهضة العولمة حركة عالمية لا تخضع لأيديولوجية معينة بمعنى أنها ليست محصورة في إيديولوجيا كالماركسية مثلاً وهذا ما كان يحصل للحركات النقابية العمالية سابقاً، بل هي حركة تتجاوز القوميات والأقطار وتعمل لصالح العمال والفلاحين والمضطهدين في شتى أنحاء العالم، كما يزعم أنصارها. فإذا كانت المعارضة للعولمة حدت بطرح هذا التساؤل، وهذه الآراء في الدول الغربية لكون الفارض والمسيطر دولة أخرى، فإن ما يسمى بدول العالم الثالث أشد معارضة لهذا النظام، والإسلامية والعربية منها على وجه الخصوص، فكيف تخضع هذه الأمم لغير الشرائع الإلهية أو الأحكام الدينية، ثم إن الدراسات الاقتصادية أو التجارية والإحصائية والاجتماعية المبنية على مصلحة مجتمع ما، ليس من العدالة فرضها على المجتمعات الأخرى. المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص١٨

стр. 635

٢ - العولمة الثقافية • أ- العلاقة بين الثقافة الإسلامية والعولمة. • ب- آثار العولمة الثقافية.
следующие страницы →